← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - قال في موضع: قال أبو الوليد فيما أخبرت عنه: وفيما حدثني الحسن بن سفيان. وقال في موضع آخر: أخبرنا أبو الوليد الفقيه - قال: وفيما حدث الحسن بن سفيان (١)، عن حرملة، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: كنت صَبيًّا بمكة، فرأيت في المنام رجلاً ذَا هَيْبة يَؤُم النَّاس في المَسْجِد الحَرَامِ، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس يُعَلِّمهم. قال: فدنوت منه، فقلت: علمِّني. فأخرج ميزاناً من كُمَّه، فأعطاني، فقال: هذا (٢) لك. قال الشافعي: وكان ثَمَّ مُعَبِّر فَعَرضْتُ عليه، فقال: إنك تَبْلُغ وتصير إماماً في العلم، وتكون على السَّبيل والسُّنَّة؛ لأن إمام المسجد (٣) الحرام أفضل الأئمة كُلِّهم وفَوْقَهُم. وأمَّا الميزانُ فإنك تَعْلَمُ حقيقة الشَّيْءِ في نفسه. وقال في الموضع الأول: المسجد الجامع بمكان مسجد الحرام. وكأنه وجد سماعه فأعاده في الموضع الآخر باللفظ المسموع. والله أعلم وأحكم.

стр. 142

باب ما جاء في رحلته إلى أبي عبد الله: مالك بن انس، الإمام ﵀، في تعلم العلم * * * سمعت أبا عبد الله الحافظ، يقول: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: قال الشافعي، ﵁: جئت مالك بن أنس وقد حفظت المُوَطَّأَ ظاهراً، فقال لي: اطْلُب من يقرأ لك. فقلت: لا عليك أن تسمَعَ قِراءتي، فإن خَفَّت عليك قَرأتُ لنفسي. قال: فلما سمع قراءتي قرأت لنفسي (١). وسمعت أبا عبد الرحمن السُّلَمي، يقول: سمعت محمد بن أحمد ابن حمدان (٢)، يقول: سمعت محمد بن إسحاق، يقول: سمعت محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، يقول: سمعت الشافعي، يقول: حفظت الموطَّأ قبل أن آتيَ مالكَ بن أنس، فلما

стр. 143

أتيته قال لي: اطلب مَنْ يقرأ لك. فقلت: لا عليك أن تسمع قراءتي، فإن أعجبتك قراءتي، وإلا طَلَبْتُ مَنْ يَقْرأ لي. فقال لي: هات، فلما قرأت أعْجَبَتْه قراءتي، فقرأتُ عليه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا بكر: محمد بن أحمد ابن بَالَوْيه، يقول: سمعت عبد الملك بن محمد الفقيه، يقول: حدثني علاّن ابن المغيرة. وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي، حدثنا أبو الحسن: أحمد بن محمد بن الحسن ابن قَحْطَبَة المَرْوَزِيّ، أنبأنا عبد الملك بن محمد بن عدي، قال: سمعت علي بن عبد الرحمن بن المغيرة: علان (١) المصري، قال: سمعت حرملة، يقول: سمعت الشافعي، يقول: أتيت مالك بن أنس وأنا ابن ثلاث عشرة سنة، وكان ابن عم لي والي المدينة، فكلَّم لي مالكا، فأتيته لأقرأ عليه، فقال: اطلب من يقرأ لك. فقلت أنا أقرأ. قال: فقرأت عليه، وكان ربما قال لي لشيء قد مر: أعد حديث كذا. فأعيد حفظاً، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة، فأجابني، ثم أخرى، ثم أخرى، فقال: أنت يجب أن تكون قاضياً. أخبرنا أبو عبد الله بن أبي الحسن الصوفي، أخبرنا عبد الله بن على السَّرَّاج

стр. 144

الطوسي، قال: سمعت أبا نصر العَطَّار، يقول: قال لي الساجي، عن الربيع ابن سليمان، قال: سمعت الشافعي، يقول: خرجت من مكة، فلزمت هُذَيْلا في البادية، أتعلم كلامها وآخذ بِلُغَتها (١)، وكانت أفصح العرب، فأقمت معهم مدة أرجل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما أن رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، واذكر أيام الناس، فمر بي رجل من الزُّبيريّين (٢)، فقال لي: يا أبا عبد الله، عَزَّ عليَّ أن لا تكون (٣) في العلم والفقه، هذه الفصاحة والبلاغة. قلت: من بقى ممن يُقْصَدُ؟ فقال: مالك بن أنس، سيد المسلمين. قال: فوقع ذلك في قلبي، وعمدت إلى الموُطّأ فاسْتَعْرته من رجل بمكة وحفظته، ثم دخلت على والي مكة، فأخذت كتابه إلى والي المدينة، وإلى مالك بن أنس. فقدمت المدينة، فبلغت الكتاب، فلما قرأ والي المدينة الكتابَ، قال: يا بني (٤)، إن مشي من جَوْفِ المدينة إلى جوف مكة حافياً راجلاً أهون عليَّ من المشي إلى باب مالك، فإني لست أرى الذلَّ حتى أقفَ على بابه. فقلت: إن رأى الأمير أن يوجه إليه ليحضر، فقال: هيهات، ليت أني إن ركبت أنا ومن معي وأصابنا ترابُ العقيق يَقْضِي حاجتنا. فواعدته العَصْر، وقصدنا، فتقدّم رجلٌ وقَرَعَ الباب، فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير: قولي لمولاك إنَّنِي بالباب. فدخلت فأبطأت ثم خرجت، فقالت: إنّ مولاي يقول: إن كانت مسألة فارفعها إليّ في رقعة حتى يَخْرُجَ إليكَ الجوابُ، وإن كان للحديث فقد عرفت يوم المجلس (٥)

стр. 145

فانصرف. فقال لها: قولي له: إن معي كتاب والي مكة في مُهمًّ. فدخلت، ثم خرجت وفي يدها كرسي، فوضعته، فإذا بمالكٍ رجل شيخ طُوَالٌ، قد خرج وعليه المهابة وهو مُتَطَيْلِسٌ. فدفع إليه الوالي الكتاب، فبلغ إلى قوله: إنّ هذا رجل شريفٌ مِنْ أمْرِه وحاله، فتحدِّثه وتفعل وتصنع. فرمى بالكتاب من يده، وقال: يا سبحان الله، قد صار عِلْمُ رسول الله، ﷺ ، يؤخذ بالوسائل! قال: فرأيت الوالي - وهو يَهَابُه أن يُكلمَه - فَتَقَدَّمت إليه، فقلت: أصلحك الله، إني رجل مُطَّلِبيّ، من حالي وقِصَّتي. فلما أن سَمِعَ كلامي نظر إليَّ ساعة، وكانت لمالك فِراسة، فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد. قال: يا محمد، اتَّقِ الله، واجْتَنِبِ المعاصي؛ فإنه سيكون لك شأن من الشَّان. فقلت: نعم وكرامة. فقال: إذَا كان غدٌ تَجِيء ويجيءُ من يقرأ لك الموطأ. فقلت: إني أقرأ ظاهراً. قال: فغدوت إليه وابتدأت، فَكُلَّمَا تهيبت مالكا وأردتُ أن أقطع، أعْجَبَه حُسْنُ قراءتي وإعْرَابِي، يقول: يا فَتى زِدْ. حتى قرأته عليه في أيام يسيرة. ثم أقمت بالمدينة إلى أن تَوفَى مالِكُ بن أنس، ﵁ (١). ثم ذكر خُروجَه إلى اليمن. وقرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحُسَين العاصمي بسَمَاعِهِ من أبي إسحاق: إبراهيم بن مُحَمّد بن المولد الرَّقِّي، يحكى عن زكريا بن يَحْيى

стр. 146

البصري، يَحْيى بن زكريا حيَّويه النَّيْسَابُوري – كلاهما عن الربيع بن سليمان – هذه الحكاية. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم المؤذّن، قال: سمعت أبا حاتم: الحسن بن أحمد الفقيه، يقول: قال مالك بن أنس للشافعي، ﵄: إن الله، ، قد أَلْقَى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية.

стр. 147

باب ما جاء في خروجه إلى اليمن ومقامه بها، ثم في حمله من اليمن إلى هارون، وما جرى بينه وبين محمد بن الحسن من المناظرة، رحمهما الله. * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو حامد: أحمد بن محمد البيهقي الخطيب - بخُسرَوجِرْد (١) - قال: حدثنا عبدان بن عبد الحكم البيهقي، قال: حدثني مسلم بن حَجّاج، حدثني محمد بن إدريس - ورَّاق الحُمَيدي - قال: حدثني عبد الله بن الزبير الحُمَيْدِي، قال: قال محمد بن إدْرِيس الشافعي: كنتُ في حِجْر أُمّي، وأنا غلام، فدفعتني أمّي إلى الكُتّاب، ولم يكن عندها ما تُعْطِي المعَلِّم، فكان المعَلِّم قد رضي مني أنْ أخْلُفَه إذَا قام. فلما ختمت القرآن دخلت المسجد (٢)، فكنت أجالس العلماء، وكنت أسمع الحديث أو المسألة فأحفظها، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أشتري به قراطيس، وكان

стр. 148

مَنْزِلنا في شِعْب الخَيْفِ: فكنت أنظرُ إلى العظم يَلوح فآخذه فأكتب فيه، فإذا امتلأ طرحْتُه في جَرّة كانت (١) لنا قديمة. قال: ثم قدم والٍ على اليمن، فكلمه بعضُ القُرشيين أَنْ أَصْحبه، ولم يكن عند أمي ما تعطيني أتَحَمَّلُ (٢) به، فَرَهَنَتْ داراً (٣) بستة عشر ديناراً، وأَعْطتْني، فتحمَّلْتُ بها معه، فلما قدمنا اليمن استعملني على عمل، فحُمدت فيه، فزادَ عَمِلي. وقدم العمال مكة (٤) في رجب، فأثنوا عَلَيِّ، وطار لي بذلك ذكر. فَقَدِمت من اليمن، فَلَقيتُ ابنَ أبي يحيى، وقد كنت أجالسه، فسلّمت عليه (٥) فَوَبَّخَنِي، وقال: تجالسوننا وتصنعون، فإذا شَرَعَ لأحدكم شيءٌ دخل فيه. أو نحو هذا من الكلام، قال: فتركته. ثم لقيتُ سفيانَ بن عيينة، فسلّمت عليه، فرحّب بي، وقال: قد بلغني ولايتك، فما أحسن ما انتشر عنك!! وما أديتَ كل الذي لله تعالى عليكَ ولا تَعُدْ. قال: فجاءت موعظة سفيان إياي أبلغ مما صنع ابن أبي يحيى. ثم قدمت (٦) بعد ذلك «نَجْران» وبها بَنُو الحارث وموالي ثَقِيف. وكان الوالي إذا أتاهم صَانَعُوه، فقدِمتُ فأرادوني على نحو ذلك، فَلَمْ يَجِدوا عندي. وتظلّم عندي ناسٌ كثير، فجمعتهم، وقلت: اجتمعوا على سبعة منكم رجال عدول، من عَدَّلُوه كان عدلا، ومن جَرَّحوه كان مجروحاً. فاجتمعوا على سبعة منهم. فجلست، وقلت للخصوم: تقدموا، وأجلست السبعة حولي، فإذا شهد شاهد التفتُّ إلى السبعة، فقلت: ما تقولون في شهادته؟ فإن

стр. 149

عدّلوه كان عدلا، وإن جرّحوه قلت: زدني شهوداً. فلم أزل أفعل حتى أتيت على جميع من تظلّم عندي. فلما صَحَّحْتُ وَضعْتُ أحْكُمُ وأُسَجَّل. فنظروا إلى حكم حاد أو قال: جارٍ. فقالوا: هذه الضِّياع التي تحكم علينا فيها ليست لنا، إنما هي بأيدينا لمنصور بن المهدي. فقلت للكاتب: اكتب: أقر فلان بن فلان الذي وقع عليه حكمي في هذا الكتاب أن الضيعة التي حكمت عليه فيها ليست له، إنما هي لمنصور بن المهدي، ومنصور بن المهدي قائم على حجته متى ما قام (١). قال: فخرجوا إلى مكة، وعملوا في أمري حتى رفعت إلى العراق، فقيل لي: الزم الباب. فنظرت، فإذا أنا لا بُدّ لِي مِنْ أَنْ أكونَ أخْتَلِف إلى بعض مَنْ هُنَاك (٢)، وكان محمد بن الحَسَن جيد المنزِلة، فاخْتَلَفْتُ إليه، وقلت: هذا أشبه (٣) عَلى من طريق الفِقْه، فلزمته، وكتبت كُتُبه، وعرفت أقاويلهم. وكان إذا قام ناظرت أصحابه. فقال لي ذات يوم (٤): بلغني أنك تخالفنا في الغَصْبِ. فقلت: أصلحك الله، إنما هو شيء أتكلم به على المناظرة. فقال: [لقد (٥ بلغني غير هذا، فناظرني أو كلمني فيها. فقلت: إني أجِلُّكَ عن المناظرة، فقال ٥):] لا بد من ذلك. فقال: ما تقول في رجلٍ اغتصب من رجل سَاجَةً، فبنى عليها جداراً، وأنفق عليه ألف دينار، فجاء صاحب الساجة، فأثبت بشاهدين

стр. 150

عدلين. أن هذه السَّاجة ساجته، وأنّ هذا اغتصبه عليها، وبنى عليها هذا البناء. قال: فقلت: أقول لصاحب الساجة: ترضى أن تأخذ قيمتها؟ فإن رضى، وإلا قلعت البناء، ودفعت إليه سَاجَتَهُ. قال: أليس قال النبي، ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ [في الإسلام (١)]؟

стр. 151

قلت: ومن ضره؟ وهو ضَرَّ نفسه!؟ فقال: ما تقول في رجل اغتصب من رجل خيطا [منِ أَبْرَيْسَمُ (١)] فخاط به بطنه، فأثبت صاحبُ الخيط شاهدين عدلين: أنَّ هذا اغتصب هذا الخيط، أكنت تنزع الخيط من بطنه؟ فقلت: لا. فقال: قد تركتَ قولك! فقال أصحابه: قد تركت قولك! فقلت: لا تعجلوا. قال لي: فما تقول في رجل اغتصب من رجل لَوْحاً (٢)، فأدخله في سفينة في لُجِّ (٣) البحر، فأثبت صاحب اللوح شاهدين عدلين، أكنت تَنْزِعُ اللوحَ من السفينة؟ قلت: لا. قال: الله أكبر، قد تركت قولك. فقلت له: أرأيت لو كان الخيط خَيْطَ نَفْسه، أراد أن ينزعه مِنْ بطنه ويقتل نفسه، أمباحٌ له ذلك أمْ مُحرمٌ عليه؟ قال: بل مُحَرَّم عليه. قلت: أفرأيت [لو كان اللوحُ لوحَ نفسه، أراد أن ينزعه في البحر، أمباح له ذلك أم محرم عليه؟ قال: بل محرم عليه

стр. 152

قلت: أفرأيت (١)] الساجة لو كانت ساجة نفسه، أراد أن ينزعها فيهدم البناء عليها] (٢)، أمحرم عليه أو مباح له؟ قال: بل مباح له. فقلت له: يرحمك الله، تقيس مباحاً بمحرَّم؟ قال: وكيف تصنع بصاحب السفينة؟ قلت له: آمره أن يقْرُب إلى أقرب المراسي التي لا يهلك هو فيها وأصحابُه، وأقولُ له: انْزِع اللوحَ فادفعه إلى هذا، وأصلح أنت سفينتك واذهب. قال: ثم قلت له: ما تقول في رجل من بني فلان – ذكر أقْواماً أشرافاً – اغتصب (٣) رجلا من الزِّنْج على جارية، فأولدها عشرة، كلهم قد قرءوا القرآن، وقضوا بَيْن المسلمين أشرافاً، وخطبوا على المنابر، وأثبت صاحب الجارية شاهدين عدلين، أن هذه الجارية له، غَلَبُه عليها وأولدَها الأولادَ، بم كنت تَحكُم؟ قال: أردُّ الجارية عليه، وأحكم بأولادها رَقِيقاً له؟ فقلت: مالك لم تقل هذا في الخشبة؟! وقلت له. أنشدك الله! أيتهما أعظم ضرراً أنْ قلعتُ الساجة؟ أو حكمت بولدها رقيقاً؟ قال: فترك محمدُ بن الحسن قوله، ورجع إلى قول الشافعي،

стр. 153

رضي الله عنهما (١). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الفضل: الحسن بن يعقوب بن يوسف العدل، وأبو الفضل: محمد بن إبراهيم المزكي، فرقهما؛ قالا: حدثنا أبو أحمد: محمد ابن رَوح الأُستوائي، قال: سمعت الزُّبَيْر بن أحمدَ بن سليمان بن عاصم بنِ المنذر بن الزبير بن العوام، يقول: سمعت جماعةً من أصْحابِنَا يَقُصُّون هذا الخبر من أمر الشافعي، ﵁. ويزيد فيه بعضهم على بعض، ويحكى فيه بعضهم غيرَ ما يحكي بعض، وسمعت أشياء منهم على غير اقتصاصٍ من الخبر، إلا أنها تآلفت مع (٢) الخبر، فجمعت ذلك، ولم أخرج من معانيهم في كل ذلك ذكروا أن الشافعي، ﵀، قال. طلبت هذا الأمر على ضيق من ذات اليد، كنت أجالس أهل العلم والحفظ ثم اشتهيت أن أُدَوِّن بعض ما أسمع، وكنا ننزل بالقرب من شعب الخَيْفِ بمكة، وكنت أتبع العظام والأكتاف (٣) وأكتب فيها، حتى جمعت من ذلك في دارنا حُبَّين. ثم عن رجلا من المُطَّلبيين ولى بعض ناحية اليمن، فمشت أمي إلى بني أعمامي، وسألتهم أن يمشوا إليه، ويسألوه استصحابي، ففعل ذلك، فصحبته إلى ناحية اليمن، وكان بها من قُوَّاد هارون رجل يقال له: حماد البربري

стр. 154

فكتب إليه يخوفه شأن العَلويين، ويذكر له شأني، ويقول: إنَّ معه رجلا يقال له: محمد بن إدريس، يعمَل بلسانه ما لا يعمل المقاتل بسيفه، فإن كانت لك بالحجاز حاجةٌ فاحملهم منها. فورد الكتابُ فحملت أنا والطالبي وجماعة معنا، فأُدخِلنا على هارون عشرة عشرة، وقد مضى أكثر الليل، فجعل يقيم منا واحداً واحداً، فيتكلم من وراء الستر، فيأمر بضرب عنقه حتى انتهى ذلك إلى، فقلت. يا أمير المؤمنين، عبدك وخادمك: محمد بن إدريس الشافعي. فقال: اضرب عنقه. فقلت: يا أمير المؤمنين، أقول وتسمع، ويدك الباَسِطَةُ، وسلطانك المنيع، ولا يفوتك مني ما تريد. قال: قل. قلت: يا أمير المؤمنين، كأنك اتهمتني بالانحراف عنك والميل إلى هؤلاء القوم (١)؟ وسأضرب لك مثلك ومثلهم معي: ما يقول أمير المؤمنين في رجلٍ له ابنا عمِّ، أحدهما خَلطهُ بنفسه [وأشركه في نسبه، وزعم أنه مثله، وأنَّ ماله حرامٌ عليه إلا بإذنه، وأن ابنته حرام عليه إلا بتزويجه، وأنه يرى له عليه كما يرى له عليه لنفسه] (٢). والآخر زعم أنه دونه، وأنه في النسب أعلى منه، وأنهُ عبده، وأن ابنته أمته، وأنها تحلُّ له بغير إذنه، وأنَّ مالَه فئ له. فَلِمَنْ تراه يتولى [يا (٣)] أمير المؤمنين؟ فهذا أنت وهؤلاء.

стр. 155

قال: واستعادني القول ثلاث مرات، كل (١) ذلك أردّ عليه بمعنى واحد بألفاظ مختلفة. قال: احبسوه. فحبست في دار العامّة، وكنت لا أدْري أحداً آنَسُ به إلا محمد بن الحسن، وكُنْت أَميلُ إليه؛ للفقه، وآمُلُ أن يشفع لي عند السلطان. فحضر يوماً، فأقبل يذم المدينة ويضع من أهلها، ويذكر أصحابه ويرفع من أقدارهم، ويذكر أنه وضع على أهل المدينة كتاباً، يقول: إنِّي لو وجدت أحداً ينقُض من كتابي حَرْفاً تَنْقُلُني (٢) إليه أَكْبَادُ الإبلِ لَضَرَبْتُ إليه. فرأيت وجوه المهاجرين والأنصار، وإنها لتَسْوادُّ مما يسمعون في المدينة وأهلِها، ورأيت أصحابَ محمدِ بن الحسن، وإنَّ وجوههم لَتُشْرِقُ وتَبْيَاضُّ مما يسمعون من مَدح أصحابهم، فتمَثَّلْتُ بين أمرين: بين أن يزداد السلطان عليَّ غضباً، وأُبَيِّضُ وجوه المهاجرين والأنصار، وبين أن أسكت عن ذلك رجاء أن يكون محمد بن الحسن يشفع لي عند السلطان، فاخترت رضا الله، ، في ذلك الموضع، فَجثَوْتُ بين يديه، ثم قلت: أبا عبد الله، أراك أصبحت تهجو المدينة وتذُمُّ أهلها؟! فإن كنت أردتَها، فإنها حرمُ رسول الله، ﷺ ، وأمْنُه، ودارُ الهجرة: بها نزلَ الوحي، ومنها خُلِقَ النبي، ﷺ ، وبها قبره. وسماها رسولُ الله، ﷺ : طَابَة، فيها روضةٌ من رياض الجنَّة. ولئن كنت أردتَ أهلها فهم أصحابُ رسول الله، ﷺ ،

стр. 156

وأصهاره، وأنصاره الذين مَهَّدُوا الإيمان، وحفظوا الوحي، وجمعوا السُّنَن. ولئن كنت أردت مَنْ بَعْدَهُم، فأبناؤهم والتابعون بعدهم، والأخْيارُ مِنْ هذه الأمة. ولئن كنتَ أردْتَ من القوم رجلا واحداً وهو مالك بن أنس، ﵁، فما عليك لو سَمَّيْتَ مَنْ أردتَ، ولم تذكر المدينة بما ذكرتَ؟! فقال: ما أردت إلا مالكَ بن أنس. قلت: وقد قرأتُ كتابَك الذي وضعته عليهم، فوجدت ما بين قولك: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد» خطأ. ووجدتك تردُّ فيه من كتاب الله، ، مائةً وثلاثين موضعاً: فقلت في رجلين تداعيا جداراً ولا بينة بينهما: إنّ الجدارَ لمن تليه أنصاف اللَّبِن، ومعاقد القُمُط (١). وقلتَ في متاع البيت يدَّعيه الزوجان: ما كان يصلح للرجال فهو للرجل، وما كان يصلح للنساء فهو للمرأة؟! وقلت في الرجل يجحد ولداً جاءت به امرأته ويقول: استعرتيه ولم تلديه - إنه تُقَبُل فيه (٢) شهادة القابلة.

стр. 157

وقلت في الرِّفَافِ يدَّعيها الساكن وربُّ الحانوت: [أن كانت مُلْزَقَةً فهي للساكن، وإن كانت مبنية فهي لِرَبّ الحانوت (١)] فقلت في هذا وأمثاله - وذكرت له الأحكام كلها - بغير بينة ولا يمين، وقد قضى رسول الله، ﷺ ، أنّ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه. وأنكرت علينا الشاهد واليمينَ، وهي سنةُ رسول الله، ﷺ ، وقولُ علي بن أبي طالب، وقول الحكام عندنا بالحجاز. وأنت تقول هذا برأيك وتردُّ علينا بالسنة؟ وذكرت له أشياء مما خالفنا وترك السنن. وكان على الدار يومئذ هَرْثَمَةُ، فكتب الخبر. وأبيضت وجوه المهاجرين والأنصار لما سمعوا في دار الهجرة من نُصْرَةِ الحق، وعلت محمد [بن الحسن (٢)] وأصحابه (٣) القَتَرَة (٤). فلما دخل هَرْثَمَةُ على أمير المؤمنين سأله عن خبر الدار، فقرأ عليه الخبر، فقال هارون: وما أنكر محمد بن الحسن أن يَقْطَعَهُ رجلٌ من بني عبد مناف؟ اخرج إلى الشافعي وابْداهُ برضائي عنه قبل السلام، واقرأ عليه مني السلام، وأخبره أني قد أمرت له بخمسة آلاف دينار، وعَجِّلْها له من بيت مال الحضرة (٥). فخرج هَرْثَمَةُ [فأخبر الشافعي (٦)] برضاء أمير المؤمنين عنه، فأقرأه منه

стр. 158

السلام، وأخبره أنه قد أمر له لخمسة آلاف دينار. فقال هَرْثَمَةُ: لولا أن الخليفة لا يساوى (١) لأمرتُ لك (٢) بمثلها، وقد أمرت لك بأَرْبعة آلاف دينار، فالق غلامي. قال الشافعي: جزاك الله عنا خيراً، لولا أني لا أقبل جائزةً إلا ممن (٣) هو فوقي لقَبِلت جائزتك، فَعَجِّل ما أمر به أمير المؤمنين. فأعطاه هَرْثَمَةُ المال (٤)، فأخذه ودعا بالحجام فأخذه من شعره وأعطاه خمسين ديناراً، وأخذ ما بقى فجعل يَصرُّه صُرَّةً صُرَّةً ويكتب [به (٥)] رقاعاً فيقسِّمه في أهل مكة والقرشيِّين الذين بالحضرة. فما انصرف إلى منزله إلا بأقل من مائة دينار (٦). وأمره هرثمة بالتأهُّب (٧) للدخول على أمير المؤمنين، فأصلح من شأنه. فدخل ومحمد بن الحسن عند (٨) أمير المؤمنين، فتكلما بين يديه: فقال له الشافعي: ما تقول في القَسَامَة (٩)؟ فقال: استفهام. فقال: كفر والله يا أمير المؤمنين، يزعم أن رسول الله، ﷺ ، يحتاج أن يستفهم يهود (١٠).

стр. 159

فقال هارون: الشيفَ والنِّطْعَ. فلما أمَرَ (١) بهما هَالَني، فقلت: يا أمير المؤمنين، لئن جحدها في هذا الموضع فلقد (٢) قال بها في غيره، ولكن المتناظران (٣) إذا تناظرا كاد كل واحد منهما أن يدفع عن نفسه ما تقوم به الحجة لصاحبه. فكأنما سُرِّي عن أمير المؤمنين، فصفح عنه. فلما خرجنا من عنده قال: يا أبا عبد الله أشَطْت (٤) بدمي. فقلت: لئن فعلنا لقد خلصناك (٥). * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الطيب: عبد الله بن محمد الفقيه، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، حدثنا أحمد بن جعفر، حدثنا محمد بن خالد الكرماني، قال: سمعت المقدمي، يقول: قال الشافعي: لم يزل محمد بن الحسن عندي عظيما جليلا (٦)، أنفقت (٧) على كتبه ستين ديناراً حتى جمعنى وإياه مجلس عند هارون الرشيد، فابتدأ محمد بن الحسن، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهل المدينة (٨) خالفوا كتاب الله نصاً،

стр. 160

وأحكام رسول الله، ﷺ ، وإجماعَ المسلمين، وقَضَوْا بشاهد ويمين. قال الشافعي: فأخذني ما قَرُبَ وما بَعُدَ (١)، فقلت: إني أراك قد قصدت لبيت النبوة ومن أُنزل القرآن فيهم وأُحْكِمت الأحكامُ فيهم، وقبر رسول الله، ﷺ ، بين أظْهُرِهم، ثم عمدت تَهْجُوهُم، أرأيت أنت بأي شيء قبلت شهادة القابلة وحدها حتى وَرثْتَ (٢) من خليفةٍ مُلْكَ الدنيا ومالا عظيما؟ فقال بعلي (٣) بن أبي طالب! قلت (٤): فعلي إنما رواه عنه (٥) رجل مجهول يقال له: عبد الله بن نُجَى (٦)، ورواه (٧) عن عبد الله بن [نجى] جابر الجعفي (٨)

стр. 161

وكان (١) يُتَّهم بالرَّجْعَة. وقال سفيان (٢) ابن عيينة: دخلت على جابر فسألني عن شيء من أمر الكهنة. ونحن معنا قضاء رسول الله، ﷺ يعني بشاهد ويمين - مع قضاء علي بن أبي طالب بالكوفة (٣)، أرأيت أنت أي شيء تقول في القسامة؟ فقال: استفهام. قال: قلت: وتزعم (٤) أن رسول الله، ﷺ ، كان يحكم في أمته بالاستفهام، يسألهم (٥) ثم (٦) لا يحكم لهم (٧). قال: فسمعها هارون فدعا بالسيف والنِّطْع. قال الشافعي: فقلت: يا أمير المؤمنين، ما هذا قولُه، وإنَّه ليحكم بخلاف هذا. أعني أنهم يحلفون ويغرمون الدية، ولكن المتناظران (٨) إذا تناظرا أحبَّ كل

стр. 162

واحد منهما أن يُدْخِلَ على صاحبه حجة يكيده بها. قال: فَسُرِّي عن هارون فلما خرجنا قال لي: كنت قد أشَطْت بدمي. فقلت: قد خلقك (١) الله الآن. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ [في موضع آخر (٢)] قال [حدثني أبو أحمد: محمد بن محمد الحافظ، قال (٣)] حدثني أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن بطَّة، قال: حدثنا أبو حامد: أحمد بن جعفر بن محمد بن سعيد الأشعري الأصبهاني، حدثنا محمد بن خالد (٤) الكِرْمَاني الملقب بمردويه، قال: سمعت محمد بن أبي بكر المقدمي يقول: قال الشافعي: فذكره (٥) بمعناه وقال حجة يكبته بها. وقال في حديث (٦) جابر الجعفي: وكان يؤمن (٧) بالرجعة. قال البيهقي: قوله في الاستفهام في هذه الرواية أصح مما نقل في الإسناد الذي مضى (٨)؛ لأنه إنما استفهم المسلمين. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحنظلي (٩) قال: أخبرني عبد الله بن أحمد في كتابه، قال: سمعت أبي يقول: قال محمد بن إدريس الشافعي: وذكر محمد بن الحسن صاحب

стр. 163

الرأي – فقال (١). قد وضعت كتاباً على أهل المدينة تنظر فيه. فنظرت في أوله ثم وضعته، أو رميت به. فقال: مالك؟ فقلت: أوله خطأ. على من وضعت هذا الكتاب؟ قال: على أهل المدينة. قلت: مَنْ أهلُ المدينة؟ قال: مالك. قلت: مالك رجل واحد، قد كان بالمدينة فقهاء غير مالك: ابن أبي ذئب والمَاجشُون وفلان وفلان، وقال النبي، ﷺ : «المدينة لا يدخلها الدجال والطاعون، والمدينة على كُلِّ نَقَبٍ من أنْقَابها ملك شاهر سيفه (٢)». أخبرنا محد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود (٣)، قال: وحدثني (٤) أبو سليمان، قال: حدثني أبو ثَوْر، قال: سمعت الشافعي يقول: حضرت مجلساً، ومحمد بن الحسن بالرّقّة، وفيه (٥) جماعة من بني هاشم وقريش وغيرهم ممن ينظر في العلم؛ فقال محمد بن الحسن: قد

стр. 164

وضعتُ كتاباً لو علمت أن أحداً يردُّ (١) عليَّ منه شيئاً تبلغنيه الإبل لأتيته. قال: فقلت له: قد نظرت في كتابك هذا، فإذا بعد بسم الله الرحمن الرحيم خطأ كله. قال: وما ذاك؟ قلت له: قلت: قال (٢) أهل المدينة، وليس تخلو في (٣) قولك: قال أهلُ المدينة: مِنْ أن تكونَ أردتَ جميعَ أهل المدينة، أو تكونَ أردتَ بقولك: قال أهل المدينة: مالك بن أنس على انفراده. فإن كنت أردت بقولك: قال أهل المدينة جميع أهل المدينة فقد أخطأت؛ لأن علماء أهل المدينة لم يتفقوا على ما حكيت عنهم. وإن كنت أردت بقولك مالك بن أنس على انفراده، وجعلته أهلَ المدينة فقد أخطأت؛ لأن بالمدينة [من علمائها (٤)] مَنْ يرى استتابة مالك فيما خالفه فيه، فأي الأمرين قد قصدت له فقد أخطأت. قال: فتبين لأهل المجلس ذلك وسُرّ به أكثر من حضر من أهل الحجاز. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثنا أبو سليمان، حدثنا أبو ثور، قال:

стр. 165

سمعت الشافعي يقول، فذكر هذه الحكاية، يزيد وينقص، ومما زاد: قال الشافعي: أراك تذم أهل (١) المدينة، وقد علمت ما قال فيها رسول الله، ﷺ ، وما خبّر به لما فضّلها به على غيرها؛ فإن كنت أَردتَ بكلامك ذمها، فهي البقعةُ التي اختارها الله لرسوله، ﷺ ، وشرّفها وفضّلها على غيرها. وإن كنتَ أردت ذم أهلها، فأهلها أصحابُ رسول الله، ﷺ ، وأبناء أصحابه، فمن قصدتَ بالذم إليها (٢)؟ أم إلى أهلها؟ قال: قصدت إلى ذم القائلين بالشاهد مع اليمين؛ لأنهم قالوا بخلاف كتاب الله (٣). قال: فقلت له: وأين خالفوا الكتاب؟ فقال: قال الله ﵎: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ (٤)﴾ وقال: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٥)﴾ وقالوا: شاهدا واحدا. قال: فقلت له: أخبرني عن قول الله ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ

стр. 166

مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أحتم ولا يجوز أقل من شاهدين؟ (١ أم ليس ذلك بحتم؟ قال: بل هو حتم، ولا يجوز أقل من شاهدين ١). فقلت: الآن إن كان ما قلت كما قلت إنه حتم ولا يجوز أقل من شاهدين - فقد خالفت [أنت] وصاحبك الكتاب. قال: فأين خالفنا الكتاب؟ قلت له: ما تقول في شهادة القابلة وحدها على انفراد على الولادة؟ فقال: شهادتها وحدها جائزة. فقلت له: قد أجزت شهادة امرأة واحدة ولا شاهد معها، فقد خالفت الكتاب. فقال: قد أجاز «عليُّ بن أبي طالب» شهادة القابلة. فقلت: هذا لا يصح عن «علي». وقد خالفت ما صح عن النبي، ﷺ ، وعن «علي» من القضاء بالشاهد ويمينِ الطالب. قال: فسر أصحابنا بذلك، فكان ذلك اليوم أول يوم أظهرت له الخلاف والمنازعة، ثم ابتدأت في نقض كتابه على أهل المدينة. زاد في هذه الحكاية زكريا بن يحيى الساجي فيما (٢) قرأت من كتابه وأثبته (٣)

стр. 167

عن جعفر بن أحمد بن عبد الله، عن أبي سليمان - وهو داود بن علي - عن أبي ثَوْر. قال: قلت في أول كتابك «من قضى باليمين مع الشاهد فقد خالف كتاب الله نصاً» وقد خالفت أنت في كتابك هذا في سبعين موضعاً كتاب الله (١ ، على قولك ١) ثم حكاها قولاً قولاً. منها: أنت قضيت بشهادة القابلة، وهي خلاف لكتاب الله، ، ومنها كذا ومنها وكذا. فتغير وجه محمد بن الحسن وانقطع. قال: وكتب بالخبر إلى هارون الرشيد وتوقَّعت البلاء. فلما قُرِئَ على هارون الخبر قال: وما يُنكَر لرجل من بني عبد مناف أن يَقْطَعَ محمد ابن الحسن. قال: فبعث إليّ بألف دينار، وقال: قد رضيت عنك. وبعث إليّ المأمون بخمسمائة دينار، وقال: أُحِبًّ أن تَجْعلَ انقطاعك إلى (٢). وفي رواية الحسن بن محمد الزعفراني عن الشافعي أنه قال في «القديم»: قد استخرجت مائة وثلاثين حكماً من القرآن يخالفون ظاهرها. فمنها: ما يستدلون عليه بالسنة، ومنها: ما يستدلون عليه بالأثر، ومنها: ما يستدلون عليه بقول الرجل من التابعين. ومنها: ما يخالفونه لا حُجَّةَ في خِلاَفه، ثم يدعون قضية رسول الله، ﷺ ، باليمين مع الشاهد، وهي لا تخالف ظاهر القرآن.

стр. 168

قال: ولو كان قولهم - قد يحل الله تعالى الشيء ويسكت عن غيره غير مُحَرِّمِ لِمَا سكت عَنْه - حُجَّةً، كانت عليهم في أن أمر الله تعالى بشاهدين غير محرِّم لأن يجوز أقلُّ منه. وقد ذكر الشافعي هذه الأحكام في «الجديد» في رواية الربيع وغيره. وهي مقولة في «المبسوط المردود إلى ترتيب المختصر» بتمامها. واحتج بالحديث الصحيح: عن عبد الله بن الحارث، عن سيف بن سليمان، عن قيس بن سعد، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ ، قضى باليمين مع الشاهد. قال عمرو: في الأموال (١). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، في آخرين؛ (٢ قالوا أنبأَنا أبو العباس - هو الأصم - قال: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، فذكره وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ٢) قال: أخبرني أبو تراب المُذَكِّر، حدثنا محد بن المنذر الهَرَوي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي يقول: قال لي (٣) محمد بن الحسن: لو علمت أن «سيف

стр. 169

ابن سليمان» يروى (١) حديث اليمين مع الشاهد لأفسدته عند الناس. قال: قلت: يا أبا عبد الله، إذا أفسدته فسد (٢). واحتج الشافعي مع حديث ابن عباس بأَخبار وآثار كثيرة؛ هي مذكورة بتمامها في «كتاب المعرفة». وقرأت في «كتاب زكريا بن يحيى الساجي» فيما حدثهم عن (٣) محمد بن إسماعيل، عن مصعب بن عبد الله الزُّبَيْرِي، في قصة قدوم الشافعي المدينة، واختلافه إلى مالك، ثم رجوعه إلى مكة، وخروجه إلى اليمن، وسعاية مَنْ سعى به حتى حُمل ولم يُترك أن يأخذ من شعره وأظفاره، فلما وافى الرَّقَّة (٤) لقى محمد بن الحسن فاتصل به، وكان معه ستون ديناراً، فأعطى (٥) ورَّاقاً فكتب له كتبه، فجلس محمد بن الحسن يوماً في مسجد الرَّقَّة وجعل يُزْري بأهل الحجاز، فيقول: إيْش يحسنون؟ وهل فيهم أحد يحسن مسألة؟ - والشافعي في ناحية – فبلغه، فجاء وسلم عليه، وإنَّ شاربه ليدخل في فيه. وذلك بحضرة الفضل بن الرّبيع. فقال الشافعي:

стр. 170

أما صاحبكم (١) فأعلم الناس (٢) بما لم يَكُنْ ولا يكون أبدًا، وأجهلهم بالسنن. فناظره في مسائل. فقال له: قد أكثرت - والفضلُ يكتب ما جرى بينهما - وكان فيما جرى بينهما يومئذ أن قال له الشافعي: ما تقول في صلاة الخوف، كيف يصليها الرجل؟ فقال محمد بن الحسن: منسوخة (٣)؛ قال الله : ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ (٤)﴾ فلما خرج رسولُ الله، ﷺ ، مِنْ بَيْنِ أَظْهُرهم، لم تَجِب عليهم صلاةُ الخوف. فقال له الشافعي: قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (٥)﴾ فلما خرج رسول الله، ﷺ ، مِنْ بَيْن أظْهُرِهِمْ لم تجب عليهم. زاد فيه غيره: قال ابن الحسن كلا بل تجب عليهم. فقال الشافعي: كلا بل تجب عليهم، ثم قال الشافعي: لا يمكن أحداً من الخلق يكلم أحداً وإن كان نبياً مرسلا حتى يذهب لسان الآخر، ولكن بحسبك أن يستبين عند ذوي الأقدار أنه قد قام بالحجة. (٦ ألا ترى أن صاحب إبراهيم حيث قال له: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. قال الله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾؟ قال الشافعي ﵁»: ٦) وكذلك بهت الذي ظلم؟!

стр. 171

ودخل الفضل بن الربيع إلى الرشيد فقال، يا أمير المؤمنين، ألا أبشرك؟ ألا أقول لك شيئا تقربه عينك يا أمير المؤمنين (١)؟ قال: وما هو؟ قال: رجل من آل شَافِعٍ يحسن كذا، وكان من مجلس قوم كذا، قرأ عليه ما جرى بينهم. فسر بذلك هارون، فقال: اخرج إليه فأعلمه أني قد رضيت عنه، وأَعْلِمْهُ بالرِّضا قبل الصِّلة، ثم صِلْه. قال: ثم خرج فأخبره. قال: فخر الشافعي لله تعالى ساجداً. ثم قال: وقد وصَلَك أميرُ المؤمنين بمالٍ، وقد وصلتك بمثل ذلك. قال: فدعا الشافعي بالحجَّام، فأخذ شعر رأسه، فأعطاه خمسين ديناراً. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال. سمعت محمد بن إبراهيم بن عمران الفارسيّ يقول: سمعت الدُّرَيْدِيَّ، يقول: بلغني (٢) أنه لما أشخص الشافعي إلى «سُرَّ مَنْ رَأَى» دخلها وعليه دَرَنُ الطريق؛ فتقدّم إلى حجَّامٍ ليأخذ من شعره، فقدّم الحجامُ عليه أنظفَ ثوباً منه، ثم دعا بالشافعي، فلما فرغ من أمره أَمَر له بعشرين ديناراً. فعدا الحجام في طلبه معتذرا إليه، فقال له الشافعي: ارجع؛ أنت أجير استأجرناك ووفَّيْنَاك أجْرَك، ثم جعل يقول: عليَّ ثيابٌ لو تُبَاعُ جميعُها ... بِفَلْسٍ لكَان الفَلْسُ مِنْهُنَّ أكْثَرَا وفيهنّ نَفْسٌ لو يُقَاسُ بِبَعْضِها ... جَمِيعُ الوَرَى كَانت أجلَّ وأخْطَرَا

стр. 172

وما ضَرَّ نَصْلَ السَّيفِ إخلاقُ غِمْدِه ... إذا كان عَضْباً حيث وجهته بَرَى وزاد فيه غيره: فإِن تكنِ الأيّام أَزْرَتْ بِبِزَّتي ... فَكَمْ مِنْ حُسَامٍ في غلاف تَكَّسرا (١) أخبرنا أبو بكر: أحمد بن الحسن بن أحمد القاضي، ﵀ قراءة عليه - قال: سمعت أبا يعلى: حمزة بن أحمد بن محمد (٢) بن جعفر بن محمد بن زيد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: حدثنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد العبَّاسي الأزْدي، وأبو جعفر السَّامري، وأبو محمد: عبد الله بن عبد الملك الأزدي؛ قالوا: حدثنا أبو بكر: محمد بن أبي يعقوب بن سهم الجَوَّال الدِّينَوَري، قال: حدثنا عبد الله بن محمد البلوي (٣)، قال: حدثني خالي: عمارة بن زيد (٤)، قال:

стр. 173

كنت صديقاً لمحمد بن الحسن، فدخلت معه يوماً على هارون الرشيد فسأله. ثم إني سمعت محمدَ بن الحسن يُسِرُّ إليه - وهو يقول -: إن محمد بن إدريس يزعم أنه للخلافة أهل (١). قال: فاستشاط هارون من قوله ذلك غضباً. ثم قال: عليَّ به. فلما مثل بين يديه أطرق ساعة، ثم رفع إليه رأسه فقال: إيْهاً. قال الشافعي: وما إيْهاً يا أمير المؤمنين؟ أنت الداعي وأنا المدْعُوّ، وأنت السائلُ وأنا المجيب. قال: ما هذا الذي بَلَغني عنك؟ قال: وَمَا ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: بلغني أنك تقول: إنك للخلافة أهل؟ فقال: حاشا لله، لقد أفِكَ المبلِّغ وَفَسَق وأثم، إنّ لي يا أمير المؤمنين حرمة الإسلام، وذمَّةَ النسب، وكفى بهما وسيلة، وأحقُّ مَنْ أخذ بأدب الله، تعالى، ابنُ عم رسول الله، ﷺ ، الذابّ عن دينه، والمُحَامي عن أمته (٢). قال: فتهال وجه هارون ثم قال: ليُفْرِخْ (٣) رَوْعُك، فإنا نَرْعَى حقَّ قرابتك وعِلْمِك. وأَمَرَه بالقعود واستدناه، ثم قال له: كيف عِلْمك بكتاب الله ؛ فإنه أَوْلى الأشياء أن يُبْتَدَأَ به؟

стр. 174

قال: جمعه الله، في صدري وجعل رُوعي دَفْتيه. قال: كيف علمك به؟ قال: وعن أي علم تسأَل يا أمير المؤمنين؟ أعلم تنزيله أم عِلْم تأويله؟ أم عِلْم مُحْكمه أم عِلْم متشابهَه؟ أم ناسخه أم منسوخه؟ أم أخباره أم أحكامه؟ أم مكيه أم مدنيه؟ أم ليليه أم نهاريه؟ أم سفريّه أم حضريه؟ أم تبيين (١) وصفه؟ أم تسوية صُوره؟ أم نظائره؟ أم إعرابه؟ أم وجوه قراءته؟ أم حروفه؟ أم معاني لغاته أم حدوده، أم عدد آياته؟! قال هارون: لقد ادَّعيت من القرآن علماً عظيماً؟! قال: المِحْنَةُ يا أمير المؤمنين تنبئ عن دعواي. قال: فكيف علمُك بالأحكام؟ قال: في العتاق أم في المناكحات؟ أم في السير والمحاربات؟ أم في العقول والدِّيَات - أو قال في الحدود والدّيات - أم في الأشربة والبياعات، أم في الأطعمة والأشربة (٢)؟ وحلال ذلك من (٣) حرامه، والحكم فيه؟! قال: كيف عِلْمك بالنجوم؟ قال: أعرف الفَلكَ الدائر، والنَّجم السَّائر، والقطب الثابت، والمائي، والنَّاري، وما كانت العرب تسميه الأنْواء، ومنازل النَّيِّريْن: الشمس والقمر، والاستقامة

стр. 175

والرجوع، والنُّحوس، والسعود، وهيئاتها، وطبائعها، وما أهتدى (١) به في بري وبحري وما (٢) أستدل به على أوقات صلواتي، وأعرف ما مضى من الأوقات في كل مَمْسى ومَصْبح، وظعني في أسفاري. قال: فكيف علمك بالطب؟ قال: أعرف ما قالت الروم مثل أرسطاطاليس، ومنهواريس، وقرقوريس وجالينوس، وبقراط، وأنبدقيليس، بلغاتها، وما نقلت أطباء العرب وما فتقته فلاسفة الهند، ونمقه علماء الفرس، مثل خاماشف وشاهم دويهم، وبُزُرْجَمْهر. قال: كيف علمك بالشعّر؟ قال: أعرف الجاهليَّ، والمخضرم، والمُحْدَث. قال: فكيف معرفتك به؟ قال أعرف: مَعَاريضه، وأوزانه، وبحوره، وفنونه. قال: كيف حفظك له؟ قال: أَروى الشاهد الشَّاذ، وما نَبَّه (٣) للمكارم، وشَحَذ بصيرةَ الصَّارم. قال: فكيف عِلْمُك بالأنساب؟ قال: يا أمير المؤمنين، ذَلك عِلْمٌ لم يَسعْنا جَهْلُه في الجاهلية مع

стр. 176

تمحط (١) الكفر وتغمط (٢) الحق؛ ليكون عوناً على التعارف، وبصيرة (٣) بالأكفاء فأَلَفَيْتُ أوائِلَنَا أفخاذا وعَمائرَ وفصائلَ، وجملته قبائلَ وعَشَائر، حتى ورثه الأصاغر عن الأكابر، وعمل به الخَلَف اقتداء بالسلف. وإني لأعرف (٤) جماهير (٥) الأقوام، ونسب الكرام، ومآثر الأيام، وفيها نسبة أمير المؤمنين ونسبتي (٦ ومآثر أمير المؤمنين ٦) ومآثر آبائه وآبائي. قال: وكان هارون متكئاً فاستوى جالساً ثم قال: يا ابن إدريس، لقد ملأت صدري، وعظمْتَ في عيني، فعظني موعظة أعْرفُ فيها مقدارَ علمك، وكنه فهمك. فقال الشافعي: على شريطة يا أمير المؤمنين. قال: هي لك، فما هي؟ قال: طَرْحُ الحشمة ورفع الهيبة، وإلقاء رداء الكبر عن منكبيك، وقبول النصيحة، وإعظام حقِّ الموعظة، والإصاخة (٧) لها (٨). قال: وجَثَا الشافعي، ﵀، على ركبتيه، ومدّ يدَه غير مكترثٍ ولا مُحتشم، ثم أشار إليه بيده، فقال: يا ذا الرجل، إنه مَنْ أطال عِنَانَ الأَمْن في الغِرَّة، طوى (٩) عِذَار (١٠) الحَذَر في المُهْلة، ومن لم يُعوّل على طُرُف النجاة

стр. 177

كان بمنزلة قلة الاكتراث من الله مقيتا (١)، وصار في أمْنِه المَحْذُورِ (٢)، مثل نسج العنكبوت، لا يأمن عليها نَفْسه، ولا يُضئ له ما أظلم عليه من نَسَبه. أما لو اعتبرت بما سلف، واستقبلت الحَسَن المُؤْتَنف، فنظرتَ ليومك وقدَّمت لغَدِك، وقصرْت أمَلك، وصورت بين عينيك اقترابَ أجَلِكَ، واستقصرت مدةَ الدنيا، ولم تغتر بالمهلة - لَمَا امتدت اليك يد الندامة، ولا ابْتَدَرتْك الحَسَراتُ غداً في القيامة، ولكنْ ضرب عليك الهوى رُواقَ الحَيْرة فتركك، واذا بَدَتْ لك يَدُ موعظة لم تكد تراها ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٣)﴾. قال: فبكى هارون حتى بلّ منديلا كان بين يديه، وعلا شهيقُه وانتحابه فقالت الخاصة، ومَنْ يقف على (٤) رأسه للشافعي: اسكت يا هذا؛ فقد أبكيت عيني أمير المؤمنين؟! فنظر الشافعي إليهم، مُغْضَباً وزجرهم مُنْتَهِراً، وقال: يا عبيد الرّفْعة (٥): وأعوانَ الظلمة، وعُدَّة الأئمة، والذين باعوا أنفسهم بمحبوب الدنيا الفَانية، واشتروا عذابَ الآخرة الباقية، أما رأيتم مَنْ كان قبلكم كيف استُدْرجوا بالإملاء، ورُفهُوا بتواتر النعماء، ثم أُخِذُوا أخذ عزيز مُقْتَدِر؟ أما رأيتم الله كيف فضَحَ مستورهم، وأمطر بواكر الهَوَان عليهم، فأَصبحوا بعد سُكْنى القصور والنعمة والحبور (٦) بين الجنَادل والصُّخور، وأثناء القُبور، عَرَضاً للدثور (٧)؟ ومن وراء ذلك وقوفٌ بين يدي الله، ، ومُساءلته

стр. 178

عن الخطرة، وما هو أخفُّ من الذَّرَّة: حصائد النقم، ومدارج المَثُلاث، ونُهْبة الخوف والرَّوعات. قال هارون: فذاك يا ابن إدريس، فقد سللت علينا لسانَك وهو أمضى من سيفك. قال: هو لك يا أمير المؤمنين، إن قبلت، ولا عليك. قال: فكيف السبيل إلى الخلاص من ذلك؟ قال: أما ثانية بعد أولى لا أستطيع (١) قولها: أن تتفقد حَرَم الله، تعالى، وحَرَم رسوله، ﷺ ، بالعمارة، وتُؤمِّن السُّبُل (٢) وَتَنْظُرَ في أمر الأمة. قال: وكيف ذاك؟ قال: أن تُعْطى أولاد المهاجرين والأنصار حقَّهم من الفَئ؛ لئلا تُزْعجهم الحاجَة عن أوطانهم، وتنظر في أمر العامَّة والثّغور، وتبذل العدل والنصفة، وأن لا تجعل دونها سترا، وتتخذ أهْلَ العلم والورع شعارا، وتشاورهم فيما يَنُوب، وتَعْصى أهل الرِّيب ومن يُزَيِّن لك قطْعَ ما أمر الله به أن يوصل. قال عمارة: فنظرت (٣) الى محمد بن الحسن وقد تغير لونه. قال هارون: ومن يطيق (٤) ذلك؟ قال: من تسمى باسمك، وقعد مِثْلَ مقعدك. قال هارون: فهل من حاجة خاصة بعد العامة فتُقْضَى، أو مسألة فتمضي (٥)؟

стр. 179

قال الشافعي: أتأمرني بعد بذل مكنون (١) النصيحة، وتقديم (٢) الموعظة - أن أسود وجهي بالمسألة وأذلّ للحاجة؟! فأطرق هارون ثم رفع رأسه، فقال: يا محمد بن الحسن، سله عن مسألة. قال محمد بن الحسن: يا ابن إدريس، ما تقول في رجل عنده أربع نسوة، فأصاب الأولى عمة الثانية، وأصاب الثالثة خالة الرابعة. فقال: ينزل عن الثانية والرابعة. قال محمد بن الحسن: ما الحجة في ذلك؟ قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها (٣)». ما تقول أنت يا محمد بن الحسن؟ كيف استقبل رسول الله، ﷺ القبلة يوم النحر وكبر؟ فتتعتع محمد بن الحسن ولم يحر جواباً، فالتفت الشافعي إلى هارون، فقال: يا أمير المؤمنين، يسألني عن الحلال والحرام فأجيبه، وأسأله عن سُنَّة من سُنَن رسول الله، ﷺ ، فيتتعتع. والله (٤) لو سألته: كيف فعل

стр. 180

أبو حنيفة؟ لأجابني. فأومأ هارون إلى الحاجب، فأقام محمد بن الحسن. قال عمارة: فكرهت القيام معه. ثم استدنى الشافعي وقربه، وأمر له بمال (١) (٢ عظيم. وفي رواية بخمسين ألفاً ٢)، وأمره بملازمته. فلما نهض قمت معه، فحمل المال بين يديه، فلما صار في دار العامة فرقه ولم يعد منه بشيء (٣) إلى منزله، وانصرف مكرَّماً، فكان بعد ذلك يُقدَّم ويُبجَّل ويُعظَّم. قال القاضي، رحمه الله تعالى: أملى السيد هذه الحكاية من حفظه وقال: هؤلاء المشايخ يزيد لفظ بعضهم على بعض، فأمليت لفظ أحدهم، وقد أدّيت معناه. قال أحمد: وقد روى شجاع بن الهيثم بن موسى هذه الحكاية، عن عبد الله بن محمد البلوي (٤). وروى زكريا بن يحيى البصري، ويحيى بن زكريا بن حيوة (٥)، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي: خروجه إلى اليمن، وسعاية الساعي به (٦) حتى حمل مع العلوية إلى هارون الرشيد، فأمر (٧) هارون بضرب رقابهم، وقول محمد بن الحسن: يا أمير المؤمنين، هذا المطلبي (٨) لا يغلبك بفصاحته ولسانه؛ فإنه رجل لَسِنٌ، وما قال الشافعي لهارون، ثم سؤاله عن علم القرآن، والنجوم، والأنساب، ثم أمره له بخمسين ألفاً، وتفريق الشافعي إياها، ثم مناظرته
следующие страницы →