← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تمحط (١) الكفر وتغمط (٢) الحق؛ ليكون عوناً على التعارف، وبصيرة (٣) بالأكفاء فأَلَفَيْتُ أوائِلَنَا أفخاذا وعَمائرَ وفصائلَ، وجملته قبائلَ وعَشَائر، حتى ورثه الأصاغر عن الأكابر، وعمل به الخَلَف اقتداء بالسلف. وإني لأعرف (٤) جماهير (٥) الأقوام، ونسب الكرام، ومآثر الأيام، وفيها نسبة أمير المؤمنين ونسبتي (٦ ومآثر أمير المؤمنين ٦) ومآثر آبائه وآبائي. قال: وكان هارون متكئاً فاستوى جالساً ثم قال: يا ابن إدريس، لقد ملأت صدري، وعظمْتَ في عيني، فعظني موعظة أعْرفُ فيها مقدارَ علمك، وكنه فهمك. فقال الشافعي: على شريطة يا أمير المؤمنين. قال: هي لك، فما هي؟ قال: طَرْحُ الحشمة ورفع الهيبة، وإلقاء رداء الكبر عن منكبيك، وقبول النصيحة، وإعظام حقِّ الموعظة، والإصاخة (٧) لها (٨). قال: وجَثَا الشافعي، ﵀، على ركبتيه، ومدّ يدَه غير مكترثٍ ولا مُحتشم، ثم أشار إليه بيده، فقال: يا ذا الرجل، إنه مَنْ أطال عِنَانَ الأَمْن في الغِرَّة، طوى (٩) عِذَار (١٠) الحَذَر في المُهْلة، ومن لم يُعوّل على طُرُف النجاة

стр. 177

كان بمنزلة قلة الاكتراث من الله مقيتا (١)، وصار في أمْنِه المَحْذُورِ (٢)، مثل نسج العنكبوت، لا يأمن عليها نَفْسه، ولا يُضئ له ما أظلم عليه من نَسَبه. أما لو اعتبرت بما سلف، واستقبلت الحَسَن المُؤْتَنف، فنظرتَ ليومك وقدَّمت لغَدِك، وقصرْت أمَلك، وصورت بين عينيك اقترابَ أجَلِكَ، واستقصرت مدةَ الدنيا، ولم تغتر بالمهلة - لَمَا امتدت اليك يد الندامة، ولا ابْتَدَرتْك الحَسَراتُ غداً في القيامة، ولكنْ ضرب عليك الهوى رُواقَ الحَيْرة فتركك، واذا بَدَتْ لك يَدُ موعظة لم تكد تراها ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٣)﴾. قال: فبكى هارون حتى بلّ منديلا كان بين يديه، وعلا شهيقُه وانتحابه فقالت الخاصة، ومَنْ يقف على (٤) رأسه للشافعي: اسكت يا هذا؛ فقد أبكيت عيني أمير المؤمنين؟! فنظر الشافعي إليهم، مُغْضَباً وزجرهم مُنْتَهِراً، وقال: يا عبيد الرّفْعة (٥): وأعوانَ الظلمة، وعُدَّة الأئمة، والذين باعوا أنفسهم بمحبوب الدنيا الفَانية، واشتروا عذابَ الآخرة الباقية، أما رأيتم مَنْ كان قبلكم كيف استُدْرجوا بالإملاء، ورُفهُوا بتواتر النعماء، ثم أُخِذُوا أخذ عزيز مُقْتَدِر؟ أما رأيتم الله كيف فضَحَ مستورهم، وأمطر بواكر الهَوَان عليهم، فأَصبحوا بعد سُكْنى القصور والنعمة والحبور (٦) بين الجنَادل والصُّخور، وأثناء القُبور، عَرَضاً للدثور (٧)؟ ومن وراء ذلك وقوفٌ بين يدي الله، ، ومُساءلته

стр. 178

عن الخطرة، وما هو أخفُّ من الذَّرَّة: حصائد النقم، ومدارج المَثُلاث، ونُهْبة الخوف والرَّوعات. قال هارون: فذاك يا ابن إدريس، فقد سللت علينا لسانَك وهو أمضى من سيفك. قال: هو لك يا أمير المؤمنين، إن قبلت، ولا عليك. قال: فكيف السبيل إلى الخلاص من ذلك؟ قال: أما ثانية بعد أولى لا أستطيع (١) قولها: أن تتفقد حَرَم الله، تعالى، وحَرَم رسوله، ﷺ ، بالعمارة، وتُؤمِّن السُّبُل (٢) وَتَنْظُرَ في أمر الأمة. قال: وكيف ذاك؟ قال: أن تُعْطى أولاد المهاجرين والأنصار حقَّهم من الفَئ؛ لئلا تُزْعجهم الحاجَة عن أوطانهم، وتنظر في أمر العامَّة والثّغور، وتبذل العدل والنصفة، وأن لا تجعل دونها سترا، وتتخذ أهْلَ العلم والورع شعارا، وتشاورهم فيما يَنُوب، وتَعْصى أهل الرِّيب ومن يُزَيِّن لك قطْعَ ما أمر الله به أن يوصل. قال عمارة: فنظرت (٣) الى محمد بن الحسن وقد تغير لونه. قال هارون: ومن يطيق (٤) ذلك؟ قال: من تسمى باسمك، وقعد مِثْلَ مقعدك. قال هارون: فهل من حاجة خاصة بعد العامة فتُقْضَى، أو مسألة فتمضي (٥)؟

стр. 179

قال الشافعي: أتأمرني بعد بذل مكنون (١) النصيحة، وتقديم (٢) الموعظة - أن أسود وجهي بالمسألة وأذلّ للحاجة؟! فأطرق هارون ثم رفع رأسه، فقال: يا محمد بن الحسن، سله عن مسألة. قال محمد بن الحسن: يا ابن إدريس، ما تقول في رجل عنده أربع نسوة، فأصاب الأولى عمة الثانية، وأصاب الثالثة خالة الرابعة. فقال: ينزل عن الثانية والرابعة. قال محمد بن الحسن: ما الحجة في ذلك؟ قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : «لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها (٣)». ما تقول أنت يا محمد بن الحسن؟ كيف استقبل رسول الله، ﷺ القبلة يوم النحر وكبر؟ فتتعتع محمد بن الحسن ولم يحر جواباً، فالتفت الشافعي إلى هارون، فقال: يا أمير المؤمنين، يسألني عن الحلال والحرام فأجيبه، وأسأله عن سُنَّة من سُنَن رسول الله، ﷺ ، فيتتعتع. والله (٤) لو سألته: كيف فعل

стр. 180

أبو حنيفة؟ لأجابني. فأومأ هارون إلى الحاجب، فأقام محمد بن الحسن. قال عمارة: فكرهت القيام معه. ثم استدنى الشافعي وقربه، وأمر له بمال (١) (٢ عظيم. وفي رواية بخمسين ألفاً ٢)، وأمره بملازمته. فلما نهض قمت معه، فحمل المال بين يديه، فلما صار في دار العامة فرقه ولم يعد منه بشيء (٣) إلى منزله، وانصرف مكرَّماً، فكان بعد ذلك يُقدَّم ويُبجَّل ويُعظَّم. قال القاضي، رحمه الله تعالى: أملى السيد هذه الحكاية من حفظه وقال: هؤلاء المشايخ يزيد لفظ بعضهم على بعض، فأمليت لفظ أحدهم، وقد أدّيت معناه. قال أحمد: وقد روى شجاع بن الهيثم بن موسى هذه الحكاية، عن عبد الله بن محمد البلوي (٤). وروى زكريا بن يحيى البصري، ويحيى بن زكريا بن حيوة (٥)، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي: خروجه إلى اليمن، وسعاية الساعي به (٦) حتى حمل مع العلوية إلى هارون الرشيد، فأمر (٧) هارون بضرب رقابهم، وقول محمد بن الحسن: يا أمير المؤمنين، هذا المطلبي (٨) لا يغلبك بفصاحته ولسانه؛ فإنه رجل لَسِنٌ، وما قال الشافعي لهارون، ثم سؤاله عن علم القرآن، والنجوم، والأنساب، ثم أمره له بخمسين ألفاً، وتفريق الشافعي إياها، ثم مناظرته

стр. 181

محمداً في ذم أهل المدينة على باب الرشيد. بمعنى ما مضى في أسانيدنا (١) دون ذكر الموعظة وما بعدها. وقد روى في أخبار دخول الشافعي على الرشيد: أنه دعا عند دخوله عليه بدعاء سأله (٢) عنه الفضل بن الربيع، فعلمه إيّاه وهو أنه قرأ أولا (٣): ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (٤)﴾ ثم قال: وأنا أشهد بما شهد الله به (٥)، واستودع الله هذه الشهادة، وهذه الشهادة وديعة لي عند الله يؤديها اليّ يوم القيامة، اللهم اني أعوز بنور قُدْسِكَ وعظمة طهارتك، وبركة جلالك، من كل آفة وعاهة، ومن طوارق الليل والنهار - وفي بعض الروايات: طارق الجن والإنس - إلا طارقاً يطرق بخير، اللهم أنت غِيَاثِي فَبِكَ أغُوث - وفي بعض الروايات: بك أستغيث - وأنت مَلاَذِي، فبك (٦) أَلُوذُ، وأنت عِيَاذِي فَبِكَ أعوذ، يا من ذلَّت له رقاب الجبابرة، وخضعت له أعناق الفراعنة، أعوذ بك من خِزْيك، ومن كشف سترك، ومن نسيان ذكرك، والإنصراف عن شكرك، أنا في حرزك - وقال بعضهم: في كَنِفكَ وكلاءتك (٧) - في ليلي ونهاري، ونومي وقراري، وظَعْنِي (٨) وأسفاري، وحياتي ومماتي. ذِكْرُكَ شِعَارِي، وثناؤك دثَارِي، لا إله إلا أنت، سبحانك

стр. 182

وبحمدك، تشريفاً لعظمتك، وتكريما لِسُبَحَاتِ وجهك، أجرني من خزيك، ومن شر عبادك، واضرب عليّ سرادقات حفظك، وأدخلني في حفظ عنايتك، وجُد عليّ بخير يا أرحم الراحمين - وفي بعض الروايات: وعدني بخير منك يا أرحم الراحمين. وفي بعض الروايات: وقني روعتي بخير من كل جن وإنس يا أرحم الراحمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الكريم، والصلاة على النبي المرتضى محمد وآله وسلم كثيرا. وهذا الدعاء ببعض معناه مذكور في قصة دخوله عليه. أخبرنا بهذا أبو عبد الله الحافظ (١)، وأبو عبد الرحمن السلمي، قال أبو عبد الله: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، وقال السلمي: حدثنا نصر (٢) بن محمد بن أحمد ابن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن يعقوب بن عبد الله بن عبد الجبار القرشي، حدثنا أحمد بن خالد بن يزيد، قال: حدثني رجل من ولد الفضل بن ربيع، عن أبيه. فذكر القصة، وذكر هذا الدعاء، دون الشهادة في أوله، ببعض معناه مركبا على إسناد معروف إلى النبي، ﷺ . وكذلك رواه أبو نعيم: أحمد بن عبد الله بن الأحمد الأصبهاني في كتابه، عن أبي بكر، وأحمد بن محمد بن موسى، عن محمد بن الحسين بن مكرم، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي، قال: قال الرشيد يوماً للفضل بن الربيع.

стр. 183

فذكره بمعناه (١). وذكر الشهادة في أوله، وأسنده أيضاً. وسند هذا الحديث ورفعه إلى النبي، ﷺ باطل لا أصل له ألبتة. والحمل فيه على بعض هؤلاء الرواة. وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني (٢)، عن أبي بكر: محمد بن جعفر (٣) البغدادي: غندر، عن ابن أبي بكر: محمد بن عبيد، عن أبي نصر المخزومي الكوفي، عن الفضل بن الربيع، موقوفا على (٤) الشافعي. وقرأته (٥) في كتاب (٦) أبي الحسن العاصمي (٧) سماعه من أبي محمد: جعفر بن حمد بن إبراهيم، يحكى عن بعض أصحاب الشافعي: أن الشافعي، ﵁، حين أدخل على هارون دعا بهذا الدعاء، ثم لم يسنده، ولم يرفعه، وهذا أمْثَلُ. وقرأتُ في «كتاب حمزة بن يوسف السهمي» ﵀، بإسناد له، عن عبد الله بن محمد البلوي، في قصة المجيء بالشافعي إلى العراق وفي رجليه حديد: أنه كان ليلة الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة أربع وثمانين ومائة، وأن أبا يوسف كان قاضي القضاة، وأن محمد بن الحسن كان على المظالم، وأنهما قالا في أمره

стр. 184

ما قالا من الانتماء الى العلويين، وأنه زعم (١) أنه بهذا الأمر أحقّ منك، وأنه يدّعي من العلم ما لم تبلغه سِنُّهُ، وله لسان ومنطق ورُوَاء (٢). ثم كان ما روينا (٣) فيما تقدم. والله أعلم. وقد أخرجته في «نوادر الحكايات» في آخر الكتاب، كما وقع لي، وهو أصح. وقرأت في كتاب أبي بكر: محمد بن عبد الله [بن محمد (٤)] بن زكريا الشيباني، ﵀، حكاية عبد الله بن محمد البلوي، عن عمارة بن زيد، وفيها من الزيادة: أن الرشيد بعد ما عفا عن الشافعي في الكرَّة الأولى، طلب رجلا يقوم بصدقات اليمن، فأشار عليه محمد بن الحسن بالشافعي، وقال (٥): هو رجل فقيه عالم، ويجمعه وأمير (٦) المؤمنين عبد مناف بن قصي. فقال الرشيد: عليَّ به. فلما دخل عليه سأله: كيف علمك بكتاب الله، ؟ فذكر القصة، ثم ذكر خروجه إلى اليمن وإقامته بها حَوْلاً. واتصل الخبر بالرشيد أن الشافعي يريد أن يخرج بأرض اليمن عَلوِياً (٧) – وكان الخبر باطلا – فغضب الرشيد، ثم أرسل إليه فحمله وحمل معه بضعة عشر رجلا، وذكر الحديث في إظهار محمد بن الحسن العناية في شأنه (٨) وأنه لم ينفعه ذلك. وقتل منهم تسعة (٩)، ثم أدخل الشافعي،

стр. 185

فلما واجه الرشيد قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (١)﴾. فقال الرشيد: أوليس الأمر كما قيل فيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وهل في الأرض علوي إلا وهو (٢) يظن أن الناس عبيد له؟ فكيف أخرج رجلا يريد أن يجعلني له عبداً، وأغدر بسادات بني عبد مناف وأنا منهم وهم مني؟! فسكن غضب الرشيد. ثم ذكر الحديث في دخول محمد بن الحسن ومناظرتهما، وما أعطى هارون الرشيد للشافعي من الصلة. غير أنه قال في مسألة محمد بن الحسن إياه: تزوج بامرأة (٣) ودخل بها، وتزوج أخرى ولم يدخل بها، ثم أصاب الثانية أمَّ (٤) الأولى. فقال: ينزل عن الثانية لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ (٥)﴾ الآية. وذكر ما مضى في الثالثة (٦) ولرابعة. وقد قيل: «إن أبا يوسف» هو الذي حضرهما (٧) في هذه الكرّة.

стр. 186

والله تعالى أعلم. وأنّ الغاية به وبأصحابه كانت لأجل المال (١) أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: وقال عبد الله بن بسر الطالقاني، فيما رواه محمد بن سليمان بن فارس عنه: سمعت أبا بكر الطويل: يقول بمصر (٢)، قال الشافعي، ﵀: أراد هارون أمير المؤمنين أن يوجِّه جُباةً أمناء إلى اليمن، فجعلوا يطلبون (٣)

стр. 187

أمناء صالحين (١). فجمع ستة أنفس، وضمت إليهم، وأنا أصغرهم سناً، فوجهنا إلى اليمن في جِبَايَةِ خراجها، فجعلنا نأخذ من أغنيائها فنردّ على فقرائها استعمال حديث النبي، ﷺ ، حين بعث معاذاً إلى اليمن. فقيل لأمير المؤمنين: إن الجُبَاةَ الذين بعثتهم لا يوجهون إلى بيت المال شيئاً. قال: قاغتاظ (٢) لذلك، فقال: يَشخصون إلينا. فردُّونا. فلما رجعنا أحسست (٣) بالقتل، أو بأمر عظيم، فَتَنَوَّرْتُ وتكفَّنْت وأصبحت صائماً. وأُدخلنا عليه، وأُجلسنا من بعيد. ثم جعل يقدم منا واحداً واحداً إليه. فيقام بين يديه، فيقول له: أين كنت؟ فيقول: بعثني أمير المؤمنين في جباية خراج اليمن. فيقول: أين ما جئتم به؟ فيقول: فعلنا ما أمر الله ورسوله. فيقول له (٤) الخليفة: فنحن لسنا بشيء، ادخل ذلك البيت – لِبَيْتٍ أُراه من (٥) لُبود – فيدخل فأحس بوقع (٦) رأسه، حتى جاءتني النوبة، فأُقمت إقامة هالتني حتى نصبوني بين يديه. فقال لي: أين كنت؟ فقلت: باليمن. فقال: فماذا فعلت في جبابة خراجها؟ فتكلمت بما حضرني من الكلام. فأَخذ قضيباً من خيزران بيده وأخذ ينكت به في الأرض إذ دخل أبو يوسف، فقال: الشابُّ الشافعي جاءك (٧) يا أمير المؤمنين، هذا ابن عمك، هذا (٨) الشاب الذي كنت أصفه لك. قال: ولم يدع شيئاً من نشر الجميل وحسن الثناء.

стр. 188

فيقول له أمير المؤمنين: اسكت، فوالله ما رأيت عربية قط أعذب مما رأيتها مِنُ (١) هذا الرجل. ثم أعاد عليه المسألة فقال: أين كنت؟ فتكلمت: فقدمت وأخرت، وجئته (٢) بلغات، والمعنى ما كنت قلته (٣) في المرة الأولى. فلما فرغت أخذ أبو يوسف أيضاً يمدحني ويثني علي، فقال له أمير المؤمنين: فإنا قد عفونا عنه. فأُقمت، فأُخرجت. فلما بلغنا موضع كذا وكذا من القصر إذا برسل قد جاءوني، فلما رأيتهم قلت: إنا لله، قد بدا له، أو لأبي يوسف. فسلَّموا عليَّ. وقالوا: قد عفا عنك أمير المؤمنين، وأمر لك بمال، فحمدت الله حتى بلغت الباب، إذا برسل آخرين، فلما رأيتهم اغتممت حتى دنوا، فسلموا عليَّ (٤) وقالوا: اقصد قصر كذا وكذا؛ فإنه أَمَرَ لك بمال (٥)، وأمرك أن تنزل القصر (٦)، وأبو يوسف يقرأ عليك السلام ويقول: صنف الكتبَ فإنك أولى (٧) من صنف في زمانك، وإياك أن تتكلم في مسألتين أعرفهما من قولك، فإنهما هكذا. وأشار إلى حلقه – يعني الذبح – فأما الواحدة منها فأُمُّهات الأولاد، وأما الأخرى فإيمان المكره. قال (٨): فتكلمت فيهما. وحين أُقمت من بين يديه لم (٩) تكن لي (١٠) همة إلا أن يكون آخر كلامي: لا إله الا الله. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مهدي المسافري، قال: حدثنا محمد بن المنذر (١١)، قال: حدثني عبيد بن محمد الصنعاني، قال: حدثني

стр. 189

ميمون بن الحكم الصنعاني، قال: سمعت محمد بن عبد الرحيم بن شروس، قال: تكلم (١) مالك وأبو يوسف عند هارون الرشيد في الرجل يتزوج المرأة فيهجرها ويتسرى، ثم يطلِّقها قبل أن يدخل بها. فقال مالك: ترد عليه نصف ما أخذت (٢). فلما كلمه أبو يوسف أخذ بيد الذي كان معه وقام. [فلما خرج (٣)] قال للفضل (٤) ابن الربيع: لو أرسلتم إلى هذا الغلام الشافعي فناظره (٥) – يعني ناظر أبا يوسف. وهذه الحكاية إن صحت فتحتمل أن يكون هارون بلغه خبر الشافعي في حياة مالك حتى قال ما قال. والله أعلم.

стр. 190

باب ما جاء في رؤيا الشافعي وهو في الحبس، وتصديق الله سبحانه رؤياه فيما عبر به * * * أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو عبد الله الزبيري بن (١) عبد الواحد الحافظ، بأَسَدَاباذ (٢)، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن علي الأنصاري، بمصر، قال: سمعت الربيع، يقول: سمعت الشافعيَ، يقول: كنت في الحبس ببغداد، فرأيت في المنام كأَنّ علي ابن أبي طالب، ﵁، دخل علي فقعد عندي ونزع خاتمه من يده وجعله في يدي، فبعثت إلى محمد بن الحسن: إني قد رأيت مناماً، فابعث إلى مُعَبِّراً (٣) أُعَبِّرُها عليه. فبعث إليّ (٤) بجعْد المُعَبِّر، فدخل على الحبس، فقال: ما الذي رأيت؟ فقلت له: رأيت علي بن أبي طالب دخل علي فنزع خاتمه من يده وجعله في يدي، فقال لي (٥): إن صدقت رؤياك لم يبق موضع في الشرق

стр. 191

ولا في الغرب يذكر فيه إلا ذكرت فيه، وعمل بقولك. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، في التاريخ، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي العمري، يقول: سمعت أبا محمد: [من] حفدة الشافعي، بمكة، يقول: حدثني عمي إبراهيم بن محمد، قال: قال الشافعي: أول ما أخذت في طلب هذا الأمر نمت ليلة، فرأيت (١) علي بن أبي طالب، ﵁، في منامي، فسلم عليّ ثم نزع خاتمه من يده فألبسني. قال الشافعي: فلما أصبحت دعوت المُعَبِّرَ فعبرت عليه الرؤيا، فقال: يا أبا عبد الله، لئن صدقت رؤياك لا تبقى كُوْرَةٌ من الكُور ولا مدينة من المدن إلا علا فيها ذكرك واسمك. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد ابن الحسين السلمي، قال: حدثنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن القيسي (٢)، أبو محمد، بهمذان، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، حدثنا محمد بن يوسف بن بشر، عن أبي محمد ابن بنت الشافعي، قال: سمعت عمي إبراهيم بن محمد الشافعي، يقول (٣): سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، يقول: رأيت البارحة فيما يرى النائم كأني قاعد في سوق (٤) الطواف، فإذا بعلي بن أبي طالب قد أقبل. قال: فقمت إليه فعانقته وعانقني، وصافحته وصافحني، وخلع خاتمه من إصبعه

стр. 192

وجعله في إصبعي، فعبرت على المعبر (١)، فالتفت إلي، فقال: أما المعانقة لعلي: فهي النجاة من النار، وأما المصافحة: فهي الأمان يوم الحساب، وأما الخاتم الذي جعله في إصبعك: فإن صحت رؤياك فسيبلغ (٢) اسمك كلَّ موضع بلغ اسم علي بن أبي طالب. فما لبث إلا يسيراً حتى وضع الكتب فبلغ اسمه. هكذا روياه (٣) عنه، ورواه ابن أبي محمد عنه (٤). كما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا جعفر: محمد بن عبد العزيز الأنصاري - بنسا - يقول: سمعت أبا بكر الفقيه الشافعي المكي (٥) - يعني محمد بن أحمد ابن بنت الشافعي، بمكة، يقول: سمعت أبي يقول: سمعت زينب بنت محمد بن إدريس الشافعي، تقول: سمعت أبي يقول: رأيت في المنام كأني في الطواف استقبلني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ﵁، فأخرج خاتمه وجعله في إصبعي، فلما انتبهت دعوت بجَعْد المُعَبِّر، فقال: لئن صدقت رؤياك لا يبقى مصر من أمصار (٦) الإسلام إلا دخل ذكرك فيه. ورُوي عنه (٧) عن إبراهيم بن محمد الشافعي رؤيا أخرى: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنبأنا أبو الحسن: علي بن محمد بن

стр. 193

الفقيه، بالري (١)، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا أحمد بن عثمان النحوي النسوي، قال: سمعت أبا محمد قريب الشافعي، يقول: سمعت إبراهيم بن محمد الشافعي، يقول: حبس الشافعي مع قوم من الشيعة بسبب من التشيع، فوجه إلي يوماً، وقال: ادع لي فلانا المعبر: فدعوته له، فقال: رأيت البارحة كأني مصلوب على قناة مع علي بن أبي طالب، فقال له: إن صدقت رؤياك شهرت وذكرت وانتشر أمرك. قال: ثم حمل إلى الرشيد معهم، فكلمه ببعض ما كلمه به، فخلى سبيله. قلت (٢): وهذا حين ذكر للرشيد ميله إلى العلويين باليمن، حتى حمله إلى حضرته. وقد ذكرنا القصة فيه، ويحتمل أن يكون قد رأى جميع ما نقلناه (٣) في هذه الحكايات. وهو أحد البراهين. وبالله التوفيق.

стр. 194

باب ما يستدل به على كبير (١) محل الشافعي عند هارون الرشيد بعد ما جرى مما قدمنا ذكره (٢)، ثم عند المأمون * * * قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي، حدثني إبراهيم بن زياد (٣)، قال: سمعت البويطي، يقول: كان الشافعي يناظر محمد بن الحسن في اليمين مع الشاهد، فأقام عليه الشافعي الحجة في أنه خالف كتاب الله، ، في سبعين موضعاً - يعني في زعمه - فرفع ذلك صاحب الخبر إلى هارون الرشيد. فقال هارون: أما علم محمد بن الحسن أن رسول الله، ﷺ ، قال: «إن عقل الرجل من قريش عقل رجلين؟». وأرسل إليه بأنه قد رضي عنه. وسأله أن يوليه على القضاء. فقال الشافعي: لا حاجة لي فيه. فقال: سل حاجتك. قال: حاجتي أن أعطى من سهم ذي القربى بمصر، وأخرج إليها. ففعل ذلك، وكتب له إليها.

стр. 195

قال زكريا: حدثني ابن بنت الشافعي، قال: لما أدخل الشافعي على هارون الرشيد فسمع كلامه، قال: أكثر الله في أهلي مثلك. وهذه الحكاية الأخيرة فيما أخبرنا أصحابنا عن أبي نعيم الفقيه، قال: وذكر أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي، أن الشافعي لما ادخل على الرشيد. فذكرها (١). أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت محمد بن أحمد بن عبد الأعلى المغربي، يقول: سمعت أحمد بن عبد الرحمن، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: ناظر الشافعي محمد بن الحسن، بالرقة، حين (٢) جيء به إلى هارون، فقطعه الشافعي. فقال هارون: أما علم محمد بن الحسن إذا ناظر رجلا من قريش أن يقطعه (٣)؟ سائلا ومجيباً، والنبي، ﷺ ، يقول: قدموا قريشاً ولا تقدموها، وتعلموا منها ولا تعلموها، فإن علم العالم منهم يسع طباق الأرض (٤). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عثمان: سعيد بن محمد بن محمد بن عبدان، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو بكر القاضي، قالوا: سمعنا (٥) أبا العباس محمد بن

стр. 196

يعقوب، يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: سمعت الشافعي، يقول: بعث إلى السلطان بالعراق ينهاني عن الكلام في مسألتين: تحريم المسكر، والطلاق قبل النكاح. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني نصر بن محمد بن أحمد، قال: أخبرني محمد بن عمرو البصري، قال: أخبرنا محمد بن إبراهيم بن عاصم السجستاني، قال: أخبرني أبو بكر: محمد بن يحيى خادم المزني، قال: حدثنا أبو إبراهيم المزني، قال: قال الشافعي: لما دخلت على هارون الرشيد، فقلت بعد المخاطبة: إني خلَّفت اليمن ضائعة تحتاج إلى حاكم. قال. فانظر رجلا ممن يَجْلس (١) إليك حتى تُولِّيه (٢) قضاها. فلما رجع الشافعي إلى مجلسه ورأى أحمد بن حنبل من أمثلهم أقبل عليه، فقال: إني كلمت (٣) أمير المؤمنين أن يُوَلّىَ قاضياً باليمن، وإنه أمرني أن أختار رجلا ممن يختلف إليّ، وإني قد اخترتك، فتهيأ حتى أدخلك على أمير المؤمنين يولِّيك قضاء اليمن. فأقبل عليه أحمد بن حنبل، فقال: إنما جئت (٤) إليك أقتبس (٥) منك العلمَ، أتأمرني (٦) أن أَدْخُل لهم في القضاء؟! ووبَّخَه، فاستحيا الشافعي. وقرأت (٧) هذه الحكاية في كتاب زكريا بن يحيى الساجي فيما بلغه (٨)،

стр. 197

وزاد فيها، قال (١): وكتب الشافعي إلى المأمون يسأله قاضياً بمكة، فقال له: اختر. فاختار لها (٢) يوسف بن يعقوب الشافعي ابن عمه، فوُلِّى مكة (٣). وروينا فيما تقدم في قصة مناظرة الشافعي مع محمد بن الحسن: أنْ المأمون بعث إلى الشافعي بخمسمائة دينار، وقال: أحبُّ أن تَجْعل انقطاعك إليّ. وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى (٤) الساجي: حدثني جعفر بن أحمد بن عبد الله، عن الوليد (٥) بن أبي الجارود، قال: وجَّه المأمون بعد ذلك بحَمْل الشافعي؛ ليصيره على قضاء القضاة (٦)، فوجّه إليه (٧) بالكتاب - والشافعيُّ عليل، شديد العلة - فقال الشافعي: ويحكم؛ جاء الكتاب؟! قال: فجاء الكتاب وقد مات الشافعي، ﵀! وفي حكاية بعض أصحابنا عن الأستاذ أبي القاسم بن حبيب المفسر: أنه سمع أبا العباس بن عبد الله بن محمد - ببُو شَنْجَ - يقول: سمعت أبا نُعيم: عبد الملك ابن محمد، يقول: سمعت الربيع، يقول:

стр. 198

قدِم رسول الخليفة على الشافعي، يدعوه للقضاء (١)، فقال الشافعي: اللهم إن كان هذا خيراً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فأمضه، وإن لم يكن خيراً لي فاقبضني إليك. قال: فتُوفِّى بعد هذه الدعوة بثلاثة أيام، وَرَسول الخليفة على بابه! وقد أجاز لي الأستاذ أبو القاسم بن حبيب، ﵀، رواية أخباره عنه. أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: حدثنا عبد الله بن إبراهيم ابن جعفر، المعروف بالزينبي - ببغداد (٢) - قال: حدثنا محمدُ بن سهل ابن الحسن البزّار (٣)، قال: حدثنا وبرة (٤) بن محمد الغساني، قال: حدثنا معمر بن شيب، قال: سمعت المأمون يقول لمحمد بن إدريس الشافعي: يا محمد، لأي علة خلق الله الذُّبابَ؟ قال: فأطرق، ثم قال: مَذَلةً للملوك يا أمير المؤمنين. قال: فضحك المأمون، وقال: يا محمد، رأيت الذباب يسقط (٥) على خدي؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين، ولقد (٦) سألتني وما عندي جواب، وأخذني من ذلك الزمَع (٧)، فلما رأيت الذباب (٨) قد

стр. 199

سقط (١) منك بموضع لا يناله من معه عشرة آلاف سيف وعشرة آلاف رُمْح فانفتح لي فيها الجواب! فقال: لله درك يا محمد!! أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم المؤذِّن. قال: سمعت أبا محمد بن عدي الفقيه، يقول: رَوَيْنا أن الرشيد لما نَدَب الناسَ الى البيعة للأمين والمأمون، صَعِد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، فكان أول من صعد اليه في ذلك اليوم محمد بن ادريس الشافعي، فوضع يده على رأس الأمين والمأمون، ثم قال: لا قَصَّرا عنها ولاَ بَلَغَتْهُمَا ... حتى يطول بها لديك طُوَالُها ثم بكى وأبكى الناس. قال: فساد الشافعي الناس في ذلك اليوم. وقد روينا من وجه آخر، وفيه: أن ذلك كان بمكة [فقال الناس (٢)]: مَنْ هذا الشاب الذي جمع التهنئة والتعزية في بيت واحد؟ فقيل: هذا فتى [من (٣)] قريش (٤)، يقال له: محمد بن إدريس الشافعي.

стр. 200

باب ما يستدل به على عود الحال فيما بين الشافعي وبين محمد ابن الحسن، رحمهما الله، إلى الجميل، وتعظيم كل واحد منهما صاحبَه وتوقيره * * * أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله (١): محمد بن العباس [رحمة الله تعالى عليه] (٢) يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن حمدان الطرائفي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ما كلمت أَسْوَدَ الرأس أعقل من محمد بن الحسن. وإنما أراد من أصحاب الرأي. أخبرنا عبد الخالق بن الحسن، المؤذن، قال: حدثنا أبو علي محمد بن محمد المحمودي البخاري، بها، قال: حدثنا عبد الله بن يحيى السرخَسِي [رحمه الله تعالى (٣)] قال: سمعت محمد بن عبد الحكم، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ما رأيت سميناً عاقلا غير محمد بن الحسن

стр. 201

وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن حامد السَّلمَاني (١)، قال: سمعت عبد الله بن محمد السرخَسِي - كذا في كتابي - يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ما رأيت سميناً عاقلا إلا محمد بن الحسن. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد الحنظلي (٢) - قال: حدثنا الربيع، قال: سمعت الشافعي، يقول: ما رأيت أحداً يسأل عن مسألة فيها نظر إلا رأيتُ الكراهية فيوجهه، إلا محمد بن الحسن. أخبرني محمد بن عبد الله الحافظ (٣)، قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، قال: أخبرني محمد بن عمرو البصري، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عاصم (٤)، عن محمد بن عبد الله القَزْويني، الشافعي، قاضي أهل مصر، قال: سمعت أبا جعفر بن الفَرَجِي (٥)، يقول:

стр. 202

سمعت أبا حسان الزيادي، يقول: ما رأيت محمد بن الحسن يعظم من أهل العلم إعظامه (١) للشافعي، ولقد جاء الشافعي، ﵀، يوماً وقد ركب محمد ابن الحسن، فلقيه على باب داره، فرجع محمد بن الحسن إلى منزله، وخلا به يومه (٢) الى الليل، ولم يأذن لأحد. كذا وجدته، وانما رواه محمد بن الحسين (٣) بن ابراهيم بن عاصم، أبو الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن محمد بن عبد الله (٤) القزويني هذا. ورواه أيضاً عن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن النضر، عن محمد بن يعقوب ابن الفَرَجي هذا، عن أبي حسّان: الحسن بن عمار الرمادي. هذا بمعناه، قال: وقال أبو حسان: فاختار محمد (٥) مجالسة الشافعي، رحمة الله عليه، على مَرْتَبَتِهِ في الدار - يعني في (٦) دار الخلافة. أخبرنا محمد بن الحسين السُّلَمي، قال: حدثنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي، حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى السّاجي، قال: حدثني محمد بن اسماعيل، قال (٧): سمعت مصْعَباً يقول: قال محمد بن الحسن: ان كان أحد يخالفنا ويثبت خِلافُه علينا، فالشافعي. فقيل له: لم؟ فقال: لِتَأَتِّيه وتَنَبهُّهِ في المسائل.

стр. 203

أخبرنا أبو جعفر: محمد بن أحمد بن جعفر الخطيب القِرْمِيسيني (١)، قال: حدثنا أبو القاسم: علي بن أحمد بن راشد الدّبْنَوَرَى، حدثنا عبد الله بن حَمْدَان الحافظ، قال: سمعت الربيع، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ما رأت عيناي (٢) مثل محمد بن الحسن، ولم تلد النساء في زمانه مثله. قال أصحابنا (٣): وإنما أراد بَصَرَه بالرأي وفصاحته، وقدرته على المناظرة.

стр. 204

باب ما جاء في كِتْبَةِ الشافعي كُتُبَ محمد بن الحسن؛ ليعلم أقاويل أهل العراق فيمكنه أن يناظرهم، ويناقضهم بما يخالف منها أصولهم * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: سمعت الشافعي، يقول: كتبت عن محمد بن الحسن ما يحمل حِمْل بُخْتِيٍّ. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا منصور بن أبي محمد [الفقيه (١)] يقول: سمعت أبا الحسن: أحمد بن الخضر الشافعي، يحكى عن إبراهيم بن محمود بن حمزة: حدثنا محفوظ بن أبي توبة، قال: سمعت أبا ثور، يقول: سمعت الشافعي، يقول: حملت عن محمد بن الحسن حمل جَمَلٍ بُخْتيّ، فلما تدبرته وجدته كالذي ينادي على الزِّئْبق ويبيع الحرشان (٢). وقال غيره:

стр. 205

ويبيع فرشان (١). أخبرنا محمد بن الحسين السُّلَمي، أخبرنا علي بن عمر الفقيه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد [بن إدريس. ح. وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال (٢)] حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سُريح (٣)، قال: سمعت الشافعي، يقول: أنفقت على كتب محمد بن الحسن ستين ديناراً، ثم تدبرتها، فوضعت إلى جنب كل مسأَلة حديثاً. يعني رداً عليه. وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السَّاجي روايتَهُ (٤) عن إبراهيم بن زياد، قال: سمعت البويطي، يقول: قال الشافعي: كتب حماد (٥) البربري إلى هارون الرشيد: إن كانت لك حاجة قِبَلَنَا فاحذر محمد بن إدريس (٦) الشافعي؛ فإنه قد غلب على (٧) ما قِبَلِي. فحملتُ إليه فأُلزمت الباب، فاجتمع أصحاب الحديث على أن أضع على أبي حنيفة كتاباً، فقلت: لا أعرف قولهم، ولا يمكنني حتى أنظر في كتبهم. فأمرتُ فكتبت لي كتب محمد بن الحسن، فنظرت [فيها سنة (٨)]. فحفظتها،

стр. 206

ثم (١) وضعت عليهم «الكتاب البغدادي». أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السّلمي، أخبرني علي بن محمد ابن عمر، الفقيه بالرّيّ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا هارون بن سعيد الأَيْلِي، قال: سمعت الشافعي، يقول: ما أعلم أحداً وضع الكتب أدلّ على عَوَارِ قوله من «أبي فلان (٢)». أنبأني أبو نعيم: عبد الملك بن الحسن، إجازة، أن موسى بن العباس أخبرهم، قال: سمعت أبا العباس – ورّاق (٣) علي بن حرب – يقول: سمعت أحمد بن سنان الواسطي، يقول: ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد: جعفر بن محمد بن الحارث، يقول (٤): سمعت أبا القاسم بن مُغَلِّس، يقول: سمعت أحمد بن سنان القطان الواسطي، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ما أُشبّه رأَي «أبي فلان» إلا بَخَيْطِ

стр. 207

السِّحَّارة (١): مرة أصفر، ومرة أبيض (٢) ومرة أحمر [وفي رواية أبي نعيم: مرة يخرجه أصفر، ومرة أخضر، ومرة أحمر (٣)]. ورواه زكريا بن يحيى السَّاجي، عن أحمد بن سنان، عن الشافعي، بمعناه. وكذلك رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم (٤)، عن أحمد بن سنان، عن الشافعي، بمعناه. ورواه إبراهيم بن متّويه، عن أحمد بن سنان، قال: سمعت عبد الرحمن (٥) ابن مهدي، يقول: ما أشبّه رأي أبي (٦) فلان إلا بخيط السَّحَّارة تمدُّه فيجيء أصفر [ثم (٧)] تمده فيجيء أخضر. وهذا فيما أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الطيب: عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني، حدثنا إبراهيم بن متوية (٨). فذكره. وهذا لأنه، رحمنا الله وإياه، كان يقول بالاستحسان مرة، وبالقياس مرة (٩) أخرى، وكان لا تستمر فروعه (١٠) على قياس واحد. * * *

стр. 208

أخبرنا أبو الحسن: علي بن أبي علي المِهْرَجَانِي، حدثنا أبو بكر: محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، قال (١): سمعت إبراهيم الحَرْبي (٢) يقول: سئل «أحمد بن حنبل» عن «مالك بن أنس» فقال: حديث صحيح ورأي ضعيف. وسئل عن «الأَوْزَاعِي» فقال: حديث ضعيف ورأي ضعيف. وسئل عن «الشافعي» فقال: حديث صحيح ورأي صحيح. وسئل عن «أبي فلان» فقال: لا رأي ولا حديث (٣). قلت: إنما قال ذلك «أحمد بن حنبل» في «مالك»، رحمهما الله؛ لأنه كان يترك حديثه الصحيح، ويعمل (٤) بعمل أهل المدينة في بعض المسائل. وقال ذلك في «الأوزاعي» ﵀؛ لأنه كان يحتج بالمقاطيع والمراسيل في بعض المسائل، ثم يقيس عليها. وقال ذلك في «الشافعي» ﵀؛ لأنه كان لا يرى الاحتجاج إلا بالحديث الصحيح المعروف، ثم يقيس الفروع على ما ثبت أصلها بالكتاب، والسنة الصحيحة، والإجماع. وقال ذلك في «غيرهم»، ﵏ (*)؛ لأنه كان يقول بالحديث الضعيف

стр. 209

دون القياس مرة، ويترك الصحيح المعروف بالقياس أخرى، فيقول بالقياس مرة، ويتركه بالاستحسان أخرى؛ وهذا (١) لأنه كان يرى الحجة تقوم بخبر المجهول، وبالحديث المنقطع؛ فما وقع إليه من ذلك من حديث بلده قال به وترك القياس لأجله، وما لم يقع إليه من صحيح حديث بلده، أو وقع إليه فلم يثق، قال فيه بالقياس، أو الاستحسان. وقوله بالحديث المنقطع، ورواية المجهول ما لم يعلم جَرْحه، وتقليده الصحابي الواحد بخلاف القياس فيما بلغه من حديث بلده - يدل على صحة أصل اعتقاده في متابعة الأخبار والآثار. غير أن هذا القول عند غيره خطأ؛ لِعَوَارِ المنقطع، وضَعْفِ رواية المجهول. وإِنا أُمِرْنا بالعدل والتثبُّتِ فيما طريقه طريق (٢) الأخبار، ولم نُؤمر بأخذها - عَمّن لا يُعْرف، ولم يُرَخَّص لنا في تركها على من يعرف إلا بمثلها، بأن يكون ناسخاً لها أو مخصِّصاً. ولم يَجْر على هذا الأصل الصحيح إلا المُطَّلبي، ﵀، فلذلك قال أحمد بن حنبل ما قال. والذي يوضح ما أشرنا اليه ويؤيده (٣): حكاية عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، عن أبيه، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى (٤)، قال:

стр. 210

قال الشافعي: وكُلاًّ (١) قد رأيته استعمل الحديث المنفرد: استعمل (٢) «أهل المدينة» حديث التفليس (٣) في (٤) قول النبي، ﷺ : «اذا أدرك الرجلُ مالَه بعينه فهو أحقّ به من غيره (٥)». واستعمل «أهل العراق» حديث العُمْرَى (٦). فكل قد استعمل الحديث

стр. 211

المنفرد: هؤلاء أخذوا بهذا وتركوا الآخر، وهؤلاء أخذوا بهذا وتركوا الآخر. قلت: والشافعي المطّلِبي، رحمنا الله وإياه، أخذ بهما (١) جميعاً (٢). ولهذا نظائر كثيرة (٣) نكتفي بما ذكرنا. وبالله التوفيق. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس (٤)، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي، يقول: كان «أبو فلان» يضع أول المسألة خطأ، ثم يقيس الكتاب كلّه عليه (٥). وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرني علي بن محمد بن عمر، الفقيه بالري، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي:

стр. 212

نظرت في كتب أصحاب (١) «أبي فلان» فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسّنّة (٢). قال عبد الرحمن: لأن الأصل كان خطأ، فصارت الفروع ماضية على الخطأ. قلت: وهذا (٣) فيما لم يبلغه من السنة، أو غفل عن موضع الحجة. وقد أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي، حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا زكريا بن يحيى السّاجي، قال: حدثنا ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: [إن أردت الصلاة ففي أهل المدينة، و (٤)] إن أردت المناسك فعليك بأهل مكة، وإن اردت المَلاَحِمَ فعليك بأهل الشام، والرأي عن أهل الكوفة. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا أحمد الحافظ، قال: حدثنا أبو محمد: عبد الله بن جامع الحُلْواني، قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، قال: سمعت حرملة بن يحيى، يقول: سمعت الشافعي، يقول: من أراد الجدل فعليه بأبي حنيفة. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا أحمد: محمد بن أحمد بن هارون

стр. 213

الفقيه، يقول: حدثنا أبو الحسين صالح بن محمد البغدادي، قال: حدثني محمد بن خالد الخلال، قال: سمعت الشافعي، يقول: سئل «مالك بن أنس» عن «أبي حنيفة» فقال: لو جاء إلى أساطينكم هذه لَقَايَسَكم عليها حتى يجعلها ذهبا. أخبرنا محمد بن الحسين السّلمي، حدثنا علي بن عمر الحافظ، ببغداد، حدثنا أبو طالب الحافظ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حدثنا عبد الغني بن عبد العزيز العَسّال، قال: سمعت الشافعي، يقول: لو أن «أبا حنيفة» بنى على أصول أهل المدينة لكان الناس عليه عيالا في الفقه، ولكنه بنى على أصول هي في (١) بعض الأحوال أضعف من الفروع. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثني أبو سليمان، قال: حدثني محفوظ بن أبي توبة، قال: سمعت الشافعي، يقول: يقولون: إني إنما أخالف «أبا فلان» ﵀، للدنيا، وكيف يكون ذلك والدنيا معهم؟ وإنما يريد الإنسان الدنيا لبطنه وفرجه، وقد مُنِعْتُ [ما أَلَذُّ من (٢)] المطاعم، ولا سبيل إلى النكاح – يعني

стр. 214

لما كان (١) به من عِلّة البَوَاسِير – ولكن لست أخالفه الا لخِلافِهِ سنن رسول الله، ﷺ . [قال البيهقي: وهذا الخلاف إنما هو لِقُرْبه من عهد رسول الله، ﷺ (٢)] قبل انتشار السنن في البلدان، ووقوع جميعها أو أكثرها إليه بُلُوغاً ظاهراً يقع له بها (٣) هذا الإتقان، وحين (٤) بلغت أتباعه [وجب عليهم] (٥) الرُّجوع إليها، ولا (٦) عُذْر لهم في تركها، وقد رجع أبو يوسف ومحمد إلى السُّنَّة في مسائل معدودة: منها مسألة الوقف، والتكبير في العيدين، ونصاب الحبوب والثمار (٧)، وسَهْم الفارس، وغير ذلك.

стр. 215

باب ما جاء في صحة نية الشافعي، وجميل قصده في وضع الكُتُب ومناظرة من خالفه * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي؛ قالا: سمعنا أبا محمد ابن يعقوب، يقول: سمعت الربيعَ بن سليمان المرادي، يقول: سمعت الشافعي، يقول: ما ناظرت أحداً قطّ على الغَلَبة؛ وبِوُدِّي أنّ جَميع الخَلْق تعلّمُوا هذا الكتاب - يعني كتبه - ولا يُنسب إليّ شيءٌ منه (١). وأخبرنا أبو عبد الله، قال: سمعت أبا العباس، يقول: سمعت الربيع [بن سليمان (٢)] وسأله أبي: أسمعت (٣) الشافعي، يقول: ما ناظرت أحداً على الغلبة إلا على الحق عندي؟ قال: نعم! وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر بن عثمان (٤) البغدادي، قال: سمعت أبا عمر: محمد بن يوسف القاضي، يقول: سمعت أبا علي: الحسن
следующие страницы →