المنفرد: هؤلاء أخذوا بهذا وتركوا الآخر، وهؤلاء أخذوا بهذا وتركوا الآخر.
قلت: والشافعي المطّلِبي، رحمنا الله وإياه، أخذ بهما (١) جميعاً (٢).
ولهذا نظائر كثيرة (٣) نكتفي بما ذكرنا. وبالله التوفيق.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس (٤)، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
سمعت الشافعي، يقول: كان «أبو فلان» يضع أول المسألة خطأ، ثم يقيس الكتاب كلّه عليه (٥).
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرني علي بن محمد بن عمر، الفقيه بالري، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم. حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي:
стр. 212
نظرت في كتب أصحاب (١) «أبي فلان» فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت فيها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسّنّة (٢).
قال عبد الرحمن: لأن الأصل كان خطأ، فصارت الفروع ماضية على الخطأ.
قلت: وهذا (٣) فيما لم يبلغه من السنة، أو غفل عن موضع الحجة.
وقد أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي، حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا زكريا بن يحيى السّاجي، قال: حدثنا ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبي يقول:
سمعت الشافعي يقول: [إن أردت الصلاة ففي أهل المدينة، و (٤)] إن أردت المناسك فعليك بأهل مكة، وإن اردت المَلاَحِمَ فعليك بأهل الشام، والرأي عن أهل الكوفة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا أحمد الحافظ، قال: حدثنا أبو محمد: عبد الله بن جامع الحُلْواني، قال: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، قال: سمعت حرملة بن يحيى، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: من أراد الجدل فعليه بأبي حنيفة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا أحمد: محمد بن أحمد بن هارون
стр. 213
الفقيه، يقول: حدثنا أبو الحسين صالح بن محمد البغدادي، قال: حدثني محمد بن خالد الخلال، قال:
سمعت الشافعي، يقول: سئل «مالك بن أنس» عن «أبي حنيفة» فقال: لو جاء إلى أساطينكم هذه لَقَايَسَكم عليها حتى يجعلها ذهبا.
أخبرنا محمد بن الحسين السّلمي، حدثنا علي بن عمر الحافظ، ببغداد، حدثنا أبو طالب الحافظ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن يونس، قال: حدثنا عبد الغني بن عبد العزيز العَسّال، قال:
سمعت الشافعي، يقول: لو أن «أبا حنيفة» بنى على أصول أهل المدينة لكان الناس عليه عيالا في الفقه، ولكنه بنى على أصول هي في (١) بعض الأحوال أضعف من الفروع.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثني أبو سليمان، قال: حدثني محفوظ بن أبي توبة، قال:
سمعت الشافعي، يقول: يقولون: إني إنما أخالف «أبا فلان» ﵀، للدنيا، وكيف يكون ذلك والدنيا معهم؟ وإنما يريد الإنسان الدنيا لبطنه وفرجه، وقد مُنِعْتُ [ما أَلَذُّ من (٢)] المطاعم، ولا سبيل إلى النكاح – يعني
стр. 214
لما كان (١) به من عِلّة البَوَاسِير – ولكن لست أخالفه الا لخِلافِهِ سنن رسول الله، ﷺ .
[قال البيهقي: وهذا الخلاف إنما هو لِقُرْبه من عهد رسول الله، ﷺ (٢)] قبل انتشار السنن في البلدان، ووقوع جميعها أو أكثرها إليه بُلُوغاً ظاهراً يقع له بها (٣) هذا الإتقان، وحين (٤) بلغت أتباعه [وجب عليهم] (٥) الرُّجوع إليها، ولا (٦) عُذْر لهم في تركها، وقد رجع أبو يوسف ومحمد إلى السُّنَّة في مسائل معدودة: منها مسألة الوقف، والتكبير في العيدين، ونصاب الحبوب والثمار (٧)، وسَهْم الفارس، وغير ذلك.
стр. 215
باب
ما جاء في صحة نية الشافعي، وجميل قصده في وضع الكُتُب ومناظرة من خالفه
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السُّلَمي؛ قالا: سمعنا أبا محمد ابن يعقوب، يقول: سمعت الربيعَ بن سليمان المرادي، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: ما ناظرت أحداً قطّ على الغَلَبة؛ وبِوُدِّي أنّ جَميع الخَلْق تعلّمُوا هذا الكتاب - يعني كتبه - ولا يُنسب إليّ شيءٌ منه (١).
وأخبرنا أبو عبد الله، قال: سمعت أبا العباس، يقول:
سمعت الربيع [بن سليمان (٢)] وسأله أبي: أسمعت (٣) الشافعي، يقول: ما ناظرت أحداً على الغلبة إلا على الحق عندي؟ قال: نعم!
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو بكر بن عثمان (٤) البغدادي، قال: سمعت أبا عمر: محمد بن يوسف القاضي، يقول: سمعت أبا علي: الحسن
стр. 216
ابن محمد بن (١) الصباح، يقول:
قال الشافعي: ما ناظرت أحداً قط إلاّ على النصيحة (٢).
وأخبرنا محمد بن عبد الله، قال: أخبرني الحسين بن علي، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: قال الحسن بن عبد العزيز الجَرَوي (٣) المصري:
قال الشافعي: ما ناظرت أحداً فأحببت أن يخطئ، وما في قلبي من (٤) علم إلا وودت أن يتعلَّمه كل أحد ولا ينسب إليّ (٥).
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي (٦)، قال: حدثنا أبو نصر: محمد بن علي بن طلحة المرْوَرُوذِي، قال: حدثنا أبو سعيد: أحمد ابن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجي، قال: حدثني محمد ابن إسماعيل، قال حدثنا حسين الكَرَابيسِي، قال:
قال الشافعي: ما كلَّمت أحداً قطّ إلا ولم أبال بَيَّنَ اللهُ الحقَّ
стр. 217
على لساني أو لسانِه (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت علي بن عمر (٢) الحافظ الدارقطني، يقول: سمعت علي بن عبد الله بن الفضل بن عباس البزاز البغدادي، بمصر، حدثنا القاسم بن سعيد الفقيه، في الرّصافة، حدثنا أحمد بن خالد الخلال، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: ما ناظرت أحداً علمت أنه مقيم (٣) على بدعة.
قلت: وهذا (٤) لأن المقيم على البدعة قلّما يرجع بالمناظرة عن بدعته، وإنما كان يُنَاظِر من يرجو رجوعَه إلى الحقِّ إذا بَيَّنَه له. وبالله التوفيق.
أخبرنا (٥) أبو عبد الرحمن السُّلَمي، أخبرنا عبد الله بن عَدِيّ الحافظ، إجازةً، قال: سمعت أبا بكر بن أبي حامد - صاحب بيت المال بمصر، يقول (٦):
كنا في مجلس ابن الفُرَات [وفي المجلس أبو موسى الضرير (٧)، وهو
стр. 218
شيخ أصحاب الرأي، فقال ابن الفرات (١)] أسألك عن رجلين تُجِيبُنِي عنهما؟ قال: يقول الوزير (٢). فقال: هذا «يحيى بن أكثم» ولا ينكر علمه ومَحَلُّه من السلطان ما قد علمت حتى يُدْخله المأمون معه في دُوَّاجِ (٣) نَفْسِه؛ صنَّفَ الكُتُب، ولا ينكر علمه وفصاحته ومعرفته؛ لا أرى يجتمع على قوله نفسان!
وهذا «الشافعي» وَافَى العراق متعلقاً ببركات (٤) وما له عند السلطان محل، وصنّف الكتب، وأرى ذكره كل يوم أعلى، والإجماع على قوله أكثر؟!
قال: فأطرق «أبو موسى» ساعة، ثم قال: أقول: إن «الشافعيَّ» أراد الله تعالى بعلمه فرفعه الله، و «يحيى بنُ أكثم» لم يرد الله بِعِلمه، فلم يرفعه الله تعالى.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، قال: سمعت عبد الله بن عديّ الحافظ، يقول: فذكر (٥) بإسناده مثله. زاد في آخره، قال: قال لنا «ابن أبي حامد»: هذا من «أبي موسى»
стр. 219
عجب (١). يعني تعصبه على الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: سمعت محمدَ بن عبد الله بن شاذان، يقول: سمعت جعفرَ بن محمد الخلاَّطي، يقول:
سمعت المزني، يقول: دخلت يوماً على الشافعي، وكان يصنّف كتاباً، فقلت له: رحمك الله! إن أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة صنَّفوا الكتب الكثيرة، ويجتهدون في العلم أكثر من اجتهادك!
فقال لي: يا إبراهيم، أليس (٢) ترى ما نحن فيه؟! – وكان يتأذى بالبواسير – ثم قال: نُصَنِّف (٣) ويُصَنِّفُون، وما كان لله تعالى يبقى إلى الدهر.
стр. 220
باب
ما جاء في حسن مناظرة الشافعي، ﵀، وغلبته بالعلم، والبيان كُلَّ مَنْ ناظره
* * *
وهذا باب كبير لو نقلت فيه ما ورد في معناه لطال به (١) الكتاب. وقد نقلت من مناظراته ما أودعه كتبه إلى «المَبْسُوط المَرْدُودِ إلى ترتيب المختصر» واقتصرت هاهنا على أطراف منها، وعلى ما حضرني من أقاويل أهل العلم في الإعجاب بها. وبالله التوفيق.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: قال أبو الوليد (٢): حدثنا أبو بكر بن أبي داود السّجستاني، قال: سمعت هارون بن سعيد الأيلي (٣) يقول:
سمعت الشافعي يقول: لولا أن يطول على الناس لوضعت في كل مسألة جُزْءَ حُجَجٍ وبيان.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم، عن محمد بن إسحاق، قال:
سمعت يونس بن عبد الأعلى - وذكر الشافعي، ﵀ فقال: كان
стр. 221
من أعقل الناس، لو أن الناس (١) أُلْقُوا في عَقْله لغرقوا في عَقْله. وكان لا يأخذ في شيء إلا تقول: هذه صناعَتُه. إذا أخذ في الشعر والعربية تقول: هذه صناعته،، وإذا أخذ في أيام العرب تقول: هذه صناعته. كان يناظر الرجل فلا يزال يناظره حتى يقطعه، ثم يقول لمناظره: تقلَّد أنت الآن قولي، وأتقلَّدُ قولك. فيتقلّد المناظرُ قولَه، ويتقلد الشافعي قولَ المناظر، فلا يزال يناظره حتى يقطَعه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد البُسْتي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسحاق بن أبي عمران، قال: سمعت قُتَيْبَةَ بن سعيد يقول: حدثنا الحُمَيْدِي، قال:
اجتمع الشافعي ومحمد بن الحسن بمكة، فناظر محمد الشافعي، فقال محمد بن الحسن: إن تابعتك لا أَقْوَى بك، وإن خالفتك لا أَقْوَى بك.
قال قتيبة: ورأيت الشافعي وهو شاب آدَمُ.
ورواه أبو الحسن العاصمي، عن أبي نعيم بإسناده، وزاد فيه: وكان الشافعي يدخل على محمد بن الحسن حتى أفحمه. ثم قال محمد ما قال.
ورواه أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم البُوْشَنْجِي، عن قتيبة بن سعيد، عن الحميدي، قال:
رأيت الشافعي ومحمد بن الحسن تناظرا، فألقى عليه الشافعي مسألة، فأجابه،
стр. 222
فأَدْخَل عليه الشافعي حتى انقطع، فَتَفَاحَشَ عليه القول، فقال له الشافعي: تقلّد قولي وأتقلّد قولك. ففعل، ثم أَدْخَل عليه الشافعي حتى انقطع محمد أيضاً، ثم قال: ما أدري ما أصنع: إذا خالفتك لم أقْو عليك، وإذا تابعتك لم أَقْوَ عليك.
وهذا فيما قرأته من كتاب أبي الحسن العاصمي (١)، عمن حدثه، عن البُوْشَنْجِي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد الحافظ، قال: سمعت عبدانَ الأهوازيَّ، يقول: سمعت أبا بكر بن زَنْجويه، يقول:
سمعت قتيبةَ، يقول: رأيت محمد بن الحسن بين يدي الشافعي، بمكة، وهو يسأله، وهو يقول (٢ بين يدي الشافعي ٢): يا أبا عبد الله، إن ناظرتني بقولك خصمتني، وإن ناظرتني بقولي خصمتني (٣).
وروى ذلك أيضاً عن أبي داود السجستاني، عن قتيبة.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، أخبرنا محمد بن عبد العزيز الدّعُوري، إجازة، حدثنا الزبير بن عبد الواحد، عن أحمد بن مروان المالكي، حدثنا إبراهيم بن حيدرة (٤)، قال:
стр. 223
سمعت قتيبة بن سعيد، يقول (١): رأيت الشافعي يناظر محمد بن الحسن، فكان محمد بن الحسن في يده كالكرة يُدِيرُها كيف شاء.
ورواه أيضاً أبو الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، هذا، عن أبي بكر: أحمد بن مروان (٢) بن محمد المالكي. بإسناده مثله.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد: حسّان بن محمد الفقيه، قال: قال أبو نعيم: حدثني إسحاق بن أبي عمران.
حدثنا قتيبة، قال: رأيت عبد الرحمن بن مهدي، وهو شاب، يختلف إلى حمّاد بن زيد. ورأيت الشافعي بمكة، وكانوا يجتمعون في المسجد الحرام للمذاكرة مع عبد الكريم الجُرْجَانِي (٣)، وكان قاضيها، وسليمان بن داود العطَّار. وقَدِمَ محمد بن الحسن، وكان يجالسهم ويناظرهم.
أنبأني أبو نعيم بن الحسن، إجازة، أخبرنا موسى بن العباس، قال: سمعت يونُس بن عبد الأعلى، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: ناظرت محمد بن الحسن، فاشتدت مناظرتي إيّاه،
стр. 224
فجعلت أَزْرَارُه تَتَقَطَّع زرًّا زرًّا، وأَوْدَاجُه تَنْتَفِخُ (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال [سمعت عبد الله بن محمد بن علي ابن زياد، يقول (٢)] سمعت محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة (٣)، يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول:
قال لي الشافعي: ناظرت محمد بن الحسن، وكان عليه ثياب رقاق، وكان يناظرني فتنتفخ أَوْدَاجُه وينقطع [زرّه وتنتفخ أوداجه وينقطع زره] (٤) حتى بقى بلا زر، فقال: لم يَحِلّ لصاحبكم أن يفتي - يعني (٥) برأيه؛ لأنه لم يكن له عقل. فقلت له: نشدتك بالله، أكان صاحبُنا عالماً بكتاب الله ؟ قال: نعم. قلت: عالماً بحديثِ رسول الله، ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: عالماً باختلاف أصحاب رسول الله، ﷺ ؟ قال: نعم. قلت: فنشدتك بالله، أكان صاحبك عالماً بكتاب الله؟ قال: لا. قلت: عالماً بحديث رسول الله، ﷺ ؟ قال: لا. قلت: كان عالماً باختلاف أصحاب رسول الله، ﷺ ؟ قال: لا، ولكن كان عاقلا.
قلت: فكان في صاحبنا ثلاثة أشياء لا تجوز الفتيا إلا بهن. وإن لم يكن له عقل لم يجز له أن يفتي. ولم يكن في صاحبكم (٦) ثلاثة أشياء لا تجوز الفتيا إلا بهن، وإن كان أعقل الناس [لكن لا] تجوز له الفتيا.
стр. 225
قلت: قوله: «لم يكن له عقل» أراد به الرأي الذي هو اجتهاد وقياس. وقد روينا عن عبد الرحمن بن مهدي، أنه قال: ما رأيت أعقل من مالك ابن أنس.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب المُذَكِّر، حدثنا محمد بن المنذر بن سَعِيد (١)، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: قال لي محمد بن الحسن: أقمت عند (٢) باب مالك ثلاث سنين وكسْراً (٣)، وكان يقول: إنه سمع من مالك بن أنس لفظاً أكثر من سبعمائة حديث (٤).
قال: وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله، وكثر الناس عليه حتى يضيق عليهم الموضع. وإذا حدث عن غير مالك لم يجيئه إلا اليسير من الناس. وكان يقول: ما أعلم أحدا أسْوأ ثناء (٥) على أصحابه منكم إذا حدثتكم عن مالك ملأَتم عليّ الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابي لم تأتوني متكارهين.
قال: وقال لي محمد بن الحسن: صاحبنا (٦) أعلم من صاحبكم.
قلت له: تريد المكابرة أو الإنصاف؟
стр. 226
قال: بل الإنصاف.
قلت: فما الحجة عندكم؟
قال: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
قلت: أنشدك الله، أصحابنا أعلم بكتاب الله أم صاحبكم؟
فقال: إذ نشدتني بالله فصاحبكم.
قلت: صاحبنا أعلم بسنة رسول الله، ﷺ ، أم صاحبكم؟
قال: صاحبكم.
قلت: فصاحبنا أعلم بأَقاويل أصحاب رسول الله، ﷺ ، أم صاحبكم؟
قال: صاحبكم.
قلت: فبقى شيء سوى القياس؟
قال: لا.
قلت: فنحن ندّعي القياس أكثر مما تدّعونه، وإنما يقاس على الأصول، فمن لا يعرف الأصول يعرف القياس.
قال: فيريد (١) «بالصاحب» مالك بن أنس، ﵀.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا [محمد (٢)] عبد الله
стр. 227
ابن محمد بن علي بن زياد العدل، يقول: سمعت أبا بكر: محمد (١) بن إسحاق. يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول:
سمعت الشافعي، يقول:
قال لي محمد بن الحسن: أنتم أصحاب الثلث. فقلت أنتم أصحاب العشرات. ثم ذكر تفسير الثلث وتفسير العشرات. يريد «بالثلث» أنكم تقولون: جرح المرأة مثل جرح الرجل حتى تبلغ الثلث، وغير ذلك. وتفسير «العشرات» أنهم يقولون: لا تقطع اليد إلا في عشرة، والحيض أكثره عشرة، ونَحْوُ ذَا.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: سمعت ابن عبد الحكم، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: قال [لي] (٢) محمد بن الحسن، وذكر العاريَّة، فقال: أنتم لستم تعرفون معنى الحديث، يعني حدوث صفوان (٣)، إنما
стр. 228
يضمن (١) العارية؛ لأنه قال: أنا ضامن. فضمن بالشرط.
فقلت له: من استعار عارية عندك الساعة على أنّه ضامن قال: لا يضمن. قلت (٢): فإنما تسخر بهؤلاء الذين عندك.
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى بن الفضل، حدثنا أبو العباس الأصم
أخبرنا الربيع بن سليمان، حدثنا الشافعي، فيما ردَّ على محمد بن الحسن، في ردّه على أهل المدينة: قولهم في الدية: إنها على [أهل] (٣) الورِق إثنا عشر ألف درهم، وقول محمد بن الحسن: نحن فيما نظن أعلم بفريضة عمر بن الخطاب حين فرض الدّية دراهم - من أهل المدينة؛ لأن الدراهم على أهل العراق. وقد صدق أهل المدينة أنّ عمر بن الخطاب فرض الدية اثنى عشر ألف (٤) درهم، ولكنه فرضها اثنى عشر ألف درهم وزن ستة.
ورواه بإسناد عن إبراهيم.
قال الشافعي: فقلت لمحمد بن الحسن: أفتقول: إن الدية اثنا عشر ألف درهم وزن ستة؟ فقال: لا.
فقلت: فَمن (٥) أين زعمت إذ كنتَ أعلمَ بالدية مما زعمت من أهل الحجاز؛ لأنك من أهل العراق (٦)، وأنك عن عمر قبلتها. أن عمر قضى فيها
стр. 229
بشيء (١) ولا تقضي به.
قال: ألم يكونوا يَحْسِبُون؟!
قلت (٢): أفتروي شيئاً تجعله أصلاً (٣) في الحكم وأنت تزعم أن من روى عنه لا يعرف ما قضى به.
ثم ساق الكلام في الردّ عليه إلى أن قال: فادّعى محمد على أهل الحجاز أنّه أعلم بالدية منهم، وإنما عن عمر قَبِلَ الدِّيةَ من الورِق، ولم يجعل لهم أنهم أعلم بالديّة منه [(٤) إذ كان عمر، ﵁، منهم. فَمَن الحاكم منهم أولى بالمعرفة بِمَن الدارهُم منه، إذ كان الحكم إنما وقع بالحاكم. وأطال الكلام في الرد. وهذا بتمامه في كتاب «المبسوط» مسطور.
ورواه ابن عبد الحكم، عن الشافعي، ﵁، وقال فيه: قلت: فإذا كان على وزن ستة فهذه عشرة آلاف ونَيّف. وأنت تقول: عشرة آلاف.
قال: لم يكونوا يُحْسِنون يَحْسِبون. قلت: فيحكم عمر بما يؤخذ من أموال الناس بما لم يتيقن حسابه ولا معرفته.
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي. فذكر مناظرة طويلة
стр. 230
حدثت بينه وبين محمد بن الحسن، وغيرِه في باب الماء، وما ذهبوا إليه من مَسْحِ البئر، وخروجهم بذلك من أقاويل الناس، مع خلاف السنة.
قال الشافِعِيّ: قلت له: ما علمتكم تبعتم في الماء سنة ولا إجماعاً ولا قياساً. ولقد قلتم فيه أقاويل لعله إن قيل لعاقل: تخطأ، فقال ما قلتم – لكان قد أحسن التخاطؤ (١).
ثم ساق الكلام إلى أن قال: وزعمتم أن فأرة لو وقعت في بئر فماتت، نزح منها عشرون دلواً أو ثلاثون دلواً، ثم طهرت البئر، فإن طرحت العشرون أو الثلاثون الدلو في بئر أخرى لم ينزح منها الا العشرون أو الثلاثون دلواً. وإن كانت مَيْتَةً أكثر من ذلك نزح منها أربعون أو ستون دلواً. فمن وقَّت لك هذا في الماء الذي لم يتغيَّر؟ أفرأيت شيئاً قط ينجس كله فيخرج بعضه فتذهب النجاسة من الباقي منه؟
ثم ساق الكلام إلى أن قال: وزعمت أنك إن أدخلت يدك في بئر تنوي بها أن تتوضأ نجست البئر كلها؛ لأنها ما توضئ به، ولا تَطْهُر حتى تُنْزَح كلها. وإن سقطت فيها ميتة طهرت بعشرين دلواً أو ثلاثين. فزعمت أن البئر بدخول اليد التي لا نجاسة فيها تنجس كلها فلا تطهر أبداً، وأنها تطهر من الميْتَةِ بعشرين دلواً، أو ثلاثين دلواً، هل رأيت أحداً قط يزعم أن يد مسلم تًنَجِّسُ ماء أكثر مما تنجسه الميتة؟ وزعمت أنه لو أدخل يده ولا ينوي وضوءا طهرت يده للوضوء ولا تنجس البئر. أو رأيت إن ألقى فيها جيفة لا تنوي تنجيسها أو تنويه، أذلك سواء؟ قال: نعم.
стр. 231
قلت: فلم زعمت أن نيته في الوضوء تنجس الماء؟ إني لأحسبكم لو قال هذا غيركم لبلغتم به أن تقولوا: القلم عنه مرفوع. فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قولُ الحجازيين في الماء أحسنُ من قولنا. وقولنا فيه خطأ. وأقام عليه وهو يقول هذا فيه.
قال: قد رجع أبو يوسف فيه إلى قولكم نحواً من شهرين، ثم رجع عن قولكم.
قلت: ما زاد رجوعه إلى قولنا قوة، ولا وَهَنه رجوعه عنه. وساق الحديث.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد: حسَّان بن محمد الفقيه، قال: قال جعفر بن محمد السَّلماني، عن الربيع، عن الشافعي:
قال محمد بن الحسن: من دعا في الصلاة بغير ما في القرآن تفسد صلاته، وإن دعا بما في القرآن لا تَفْسُد.
قال الشافعي: قلت له: أرأيتَ إن قال: أطعمنا بقْلاً وقثَّاءً وفُوماً وعدساً وبَصَلاً؟
قال: تفسد صلاته.
قلت: أنت الذي أفسدتَها بأن قلت: يجوز أن تَدْعُوَ بما في القرآن. قال: فما تقول أنت؟ قلت: ما يجوز أن يدعو به المرء في غير الصلاة جاز أن يَدْعوَ به في الصلاة؛ لأن المخاطبة في ذلك ليست الى الآدميِّين، وإنما الخبر أنه لا يصلح في الصلاة شيء من كلام الناس أن يكلم بعضهم
стр. 232
بعضاً (١). وقد دعا النبي، ﷺ ، لقوم وسماهم بأسمائهم ونسبهم إلى قبائلهم. وهذا كله يدل على أن المحرَّم من الكلام إنما هو كلام الناس بعضهم بعضاً في حوائجهم. فأما ما دعا به المرء ربه، تعالى، وسأله إيّاه فهذا لا أعلم أحداً من أصحاب رسول الله، ﷺ ، اختلف فيه. والصحيح عن النبي، ﷺ ، أنه قال:
«وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء؛ فإنه قَمِنٌ أن يستجاب لكم (٢)».
ولم يخصّ النبي، ﷺ ، دعاء دون دعاء. وكل ما كان يجوز أن يسأل الرجل ربه في غير الصلاة – فهو جائز في الصلاة. وقرأت في كتاب عبد الرحمن بن أبي حاتم: أخبرني أبي، قال: حدثنا
стр. 233
يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول في الرجل يكون في الصلاة فيعطس رجل؟ فقال: لا بأس أن يقول له المصلى: رحمك الله. قلت: ولم؟ قال: لأنه دعا، وقد دعا النبي، ﷺ ، لقوم في الصلاة، ودعا على آخرين.
وهذا الكتاب، فيما أجاز لي أبو عبد الله الحافظ روايته عنه، عن أبي أحمد: الحسين بن علي الدارمي، عن عبد الرحمن بن أبي حاتم.
وقرأته في كتاب أبي الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد بن عبد الرحمن ابن معمر. وعن محمد بن عبد الله الرازي، عن إبراهيم بن محمد الصفّار، كلاهما عن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي، ﵁، بنحوه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السّلمي، قال: أخبرني أبو الحسن: علي بن محمد بن عمر الفقيه، بالري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: سمعت أخي، أو غيره، يحكى عن الشافعي، قال:
كنت مع «محمد بن الحسن» بالرقّة، فمرضت مرضة فعادني في العوّاد، فلما نقهت من مرضى مددت يدي إلى كتبٍ عند رأسي، فوقع في يدي «كتاب الصلاة لمالك» فنظرت في باب الكسوف. فقال: قد عرفت قولنا فيه. فقلت: جئت أناظرك على النظر والخبر. فقال: هات.
قلت: أشترط ألا تحتدّ عليّ ولا تقلق – وكان محمد رجلا قلقاً حديداً –
стр. 234
فقال: أما أن لا أحتد فلا أشترط ذلك. ولكن لا يضرك ذاك عندي. فناظرته، فلما ضَاغَطْتُهُ فكأنه وجد من ذلك. فقلت: هذا هشام بن عروة عن أبيه، عن «عائشة». وزيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن «ابن عباس». واجتمع عليّ وعليه الناس.
فقال: وهل زدتني على أن جئتني بصبي وامرأة؟!
فقلت: لو غيري جالسك! وقمت عنه بالغضب. فَرُفِع الخبر إلى هارون الرشيد أمير المؤمنين، فقال: قد علمتُ أن الله، ، لا يدع هذه الأمة حتى يبعث عليهم قرشياً فلقا يردّ عليهم ما هم فيه من الضّلالة. ثم رجعت إلى بيتي، فقلت لغلامي: اشدد عَلَى رواحِلِكَ. واجعل الليل جَمَلاً. قال: فقدمت مصر.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حسان، قال: حدثنا محمد – يعني ابن عبد الرحمن – قال: حدثنا علي بن الحسن السّنجانِي (١). قال: سمعت من يحكى عن الشافعي، إما أخي أو غيره. فذكر معناه. غير أنه قال: «واجتمع عليّ وعائشة».
* * *
стр. 235
أخبرَنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال:
أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي، وهو يحتج في ذكر المسكر. وكان كلاماً قد تقدم لا أحفظه.
قال: أرأيت إن شرب (١) عشرة ولم يسكر؟ فإن قال: حلال. قيل: أفرأيت إن خرج فأصابته الريح فسكر (٢): فإن قال: حرام. قيل له: أفرأيت شيئاً قط [شربه (٣) رجل] وصار إلى جوفه حلالا، ثم صيرته الريح حراماً؟
قال الربيع: قال الشافعي: ما أسكر كثيرة فقليله حرام (٤).
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي. وذكر حديث أبي بكر الصديق، ﵁، نصا فيه عنه: في قطع اليسرى من السارق. وكان أقطع اليد والرجل. واحتج في رواية الزعفراني بالحديث المرفوع، في قطع الأطراف. ثم ذكر في روايته عن الربيع قول من قال: إذا قطعت يده ورجله، ثم سرق وحبس وعُزِّ ولم يُقطع – فلا يقدر على أن يمشي.
قال الشافعي، ﵁: قد روينا هذا عن رسول الله، ﷺ ،
стр. 236
وأبي بكر، ﵁، في دار الهجرة، وعمر، ﵁، يراه ويشير به على أبي بكر، ﵁ (١).
وروى عنه أنه قطع أيضاً، فكيف خالفتموه؟ قال: قاله علي بن أبي طالب. قلنا: فقد رويتم عن «علي» ﵁، في القطع أشياء مستنكرة تركتموها عليه، منها: أنه قطع بطون أنامل صبي.
ومنها: أنه قطع القدم من نصف القدم. وكل ما رويتم عن «علي» في القطع غير ثابت عنه عندنا، فكيف تركتموها عليه لا مخالف له فيها، واحتججتم به على سنة رسول الله، ﷺ ، التي لا حجة لأحد معها، وعلى أبي بكر وعمر، ﵄، في دار الهجرة، وعلى ما يعرفه أهل العلم (٢) [به (٣)؟].
ثم ذكر باقي الحكاية في مناقضتهم بإعادة الحدود ما عاد وقطع الأطراف في القصاص. ومن وجب عليه القتل بالقتل. وهذا أقصى غاية الاستهلاك، ودَرْءُ الحد هاهنا بعلة الاستهلاك، مع خلاف السنة والأثر (٤).
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي فيما رد على محمد بن الحسين، في مسألة قتل المؤمن بالكافر. قال: أخبرنا سفيان، عن مطرف، عن الشعبي، عن أبي جُحَيْفَة، قال:
стр. 237
سألت علياً، فقلت: هل عندكم من رسول الله، ﷺ ، سوى القرآن؟ قال: لا، والذي فَلَقَ الحبّة، وبَرأَ النَّسَمَة، إلا أن يؤتي الله عبداً فهما في القرآن، وما في الصحيفة. قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكك الأسير. وأن لا يقتل مؤمن بكافر (١).
قال: فقال: هذا ثابت معروف عندنا، غير أنا تأولناه: فذهبنا إلى أنه إنما عنى الكفار من أهل الحرب. فقد قال فيه: «ولا ذو عهد في عهده (٢)».
قال الشافعي (٣): إن كان قال: «ولا ذو عهد في عهده» فإنما قال تعليما للناس، إذ سقط القود بين المؤمن والكافر إنه لا يحل له قتل من له عهد من الكافرين. واستشهد في حمل قوله: لا يقتل مؤمن بكافر على الظاهر؛ لقوله: «لا يرث المسلم الكافر». ثم ناقضه بالمسلم يقتل المستأمن وله عهد، ثم لا يقتله به (٤).
قال: فقد روينا من حديث ابن البَيْلَمَانِي (٥): أن النبي، ﷺ ، قتل مؤمناً بكافر.
قال الشافعي: حديثنا متصل، وحديث ابن البَيْلَمَانِي منقطع وخطأ، إنما
стр. 238
روى ابن البَيْلَمَانِي فيما بلغني: أن عمرو بن أمية قتل كافراً كان له عهد إلى مدَّة، وكان المقتول رسولا، فقتله (١) به. فلو كان ثابتاً كنت أنت قد خالفت الحديثين [معاً (٢)].
قال الشافعي: والذي قتله عمرو بن أمية قبل بني النضير، وقبل الفتح بزمان. وخطبة النبي، ﷺ : «لا يقتل مسلم بكافر» عام الفتح. ولو كان كما تقول كان منسوخاً.
قال: فلم لم تقل: هو منسوخ. وقلت: هو خطأ؟
قال الشافعي: قلت: عاش عمرو بن أمية بعد النبي، ﷺ ، دهراً. وأنت إنما تأخذ العلم من بعده، ليس لك به مثل معرفة أصحابنا. وعمرو قتل اثنين وَدَاهُمَا النبي، ﷺ . ولم يزد [النبي ﷺ (٣)] عَمْراً على أَنْ قال: قتلت رجلين لهما مني عهد؛ لَأَدِيَنَّهُمَا. وذكر ما في الحكاية (٤) وهذه المسألة وقعت في أوراق، فلفَّقت هذا المقدار منها، والله أعلم.
قال الإمام البيهقي: قرأت في كتاب أبي الحسين العاصمي، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، بحمص، قال: حدثني الحسن بن حبيب – يعني الدمشقي – عن الربيع بن سليمان، رحمه الله تعالى، قال:
стр. 239
جاء «أصْبَغ بن الفرج (١)» يناظر الشافعي في مسألة، فلما أضْغَطَهُ فيها قال له أَصْبغ: الموت يعمل عمله. فقال له الشافعي: وإيش هذا مما نحن فيه؟ ومتى شككنا (٢) أن الموت يعمل عمله (٣)؟
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنبأني أبو أحمد: بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي، بمرو، شفاها، وأكثر ظني أن صالح بن محمد الحافظ جزرة، حدثهم قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول:
كان الشافعي يقول: إذا ناظره إنسان في مسألة عَدا منها إلى غيرها: نفرغ من هذه المسألة ثم نصير إلى ما تريد. فإذا أكثر عليه قال: مثلك مثل معلم كان بالمدينة يعلم الصبيان القرآن من كراسة، فأملى على صبي: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ (٤) فقال: بسؤال. ثم لم يدر ما بعده، فمر رجل فقام إليه فقال: أصلحك الله بسؤال نعجتك أو بعجتك؟ فقال له الرجل: يا أبا عبد الله، افرغ من سؤال ثم سل
стр. 240
عما بعده، إنما هو - ويحك - بسؤال نعجتك (١).
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله المُسَافري، قال: حدثنا محمد بن المنذر، رحمة الله تعالى عليه، قال: سمعت الربيع، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: كنت أرى إذا تناظر اثنان في مسألة، وكان أحدهما يُنَاظر ويضحك، ظنت العامة أنه هو المصيب، فقضوا له على صاحبه (٢).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو بكر، قال: حدثني العنبري، قال: حدثنا أبو صالح: شعيب بن إبراهيم - يعني البيهقي - قال: حدثنا ابن أبي رافع، قال: حدثنا أحمد بن آدم، قال: حدثنا حرملة، قال:
سمعت الشافعي، ﵁، يقول: قال أبو حنيفة لأصحابه: إذا ناظرتم فأظهروا الضحك، يَقْضِ عليكم الجمهورُ بالغلبة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن مسلم بن محمود، قال: حدثني أبو سليمان - يعني داود الأصبهاني - قال: حدثني سفيان بن محمد المصيصي الفزاري، قال:
стр. 241
قال الشافعي، ﵁: قال لي بشر المَرِيسي (١): إذا رأيتني أناظرُ إنساناً وقد علا صوتي عليه فاعلم أني ظالم، وإنما أرفع صوتي عليه لذلك.
وبإسناده قال: حدثنا سليمان، قال: حدثني أبو عبد الرحمن، المعروف بالشافعي، قال:
دخل بشر المريسي يوماً على الشافعي، وعند الشافعي رجل من أهل المدينة، وكان الشافعي، ﵁، عليلا متكئاً. فناظر بشر المَرِيسي المديني في إفراد الإقامة، فاحتج بشر على المدني، قال له: قد اجتمعنا جميعاً على أن المقيم للصلاة إذا ثَنَّى الإقامة فإنه قد أتى بالإقامة. واختلفنا (٢) فيه إذا أفرد، فالواجب أن يتجوز ما اتفقنا عليه، ويبطل ما اختلفنا فيه. قال: فلم يكن عند المدني جواب. فاستوى الشافعي جالساً مع علته، فقال: إن كان ما قلت يلزم صاحبنا فقد لزمك أن تقول بالترجيع في الأذان من قبل: إنا قد اتفقنا جميعاً على أن المؤذن إذا رحّع في أذانه كان قد أتى بالأذان، واختلفنا فيه إذا لم يرجّع. قال: فأسكت بشر. وعلم الجميع أن ما اعتل به على المديني ليس بعلة. وعاد الشافعي إلى اضطجاعه.
قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي، فيما حدثهم أحمد بن محمد بن بنت الشافعي، عن أبيه، قال: رأينا الشافعي يناظر محمد بن الحسن، بمنى في مسجد
стр. 242
الخيف، ومعهم يومئذ بشر المرِيسي، فأقبل محمد بن الحسن علي الشافعي، رحمهما الله، فقال: يا أبا عبد الله، بلغني أنك قد وضعت على أصحابنا كتاباً، ونحن نحب أن نناظرك عليه. فقال له الشافعي: لا نُريد ذلك؛ فإن المناظرة تنكت في القلب، ولك صداقة. فأبى إلا أن يناظر، فتناظر يومئذ. فقطعه الشافعي في مسائل شتى، فأقبل «الأَزْرَقِي (١)» فقيه أهل مكة، فقال لبشر: «كيف رأيت صاحبنا وصاحبكم»؟ قال، «رأيت صاحبكم على ثَبَجِ البحر، ورأيت صاحبنا يتمضمض من ثمادها». الثماد: الماء القليل.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السُّلَمي، قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ، ببغْدَاد، قال: ذكر أبو القاسم: علي بن محمد بن نواس النخعي، القاضي: أن محمد بن علي بن عفان، حدّثه عن الرازي، قال: حج بشر المَرِيسي فلما قدم قيل له: من لقيت بمكة؟ قال: رأيت رجلا إن كان منكم لم تغلبوا، وإن كان عليكم فتأهبوا، وخذوا حذركم، وهو: محمد بن إدريس الشافعي.
ورواه زكريا الساجي، فيما قرأت من كتابه، عن عمرو بن سفيان
стр. 243
الشعرى، قال: سمعت علياً الرازي، قال سمعت بشر المريسي، يقول: لقد رأيت بالحجاز رجلا إن قدم أتعبكم.
قال: فقدم الشافعي فأتيناه مع بشر المريسي، فناظره في مسألة، فقال له بشر: يا أبا عبد الله، وما كنت أحسبك على هذا، قد تغيرت. قال له الشافعي: وأنا يا أبا عبد الرحمن، ما كنت عهدتك على هذا. قال: فلما خرجنا من عند الشافعي أقبل علينا بشر، فقال: ما رأيت حجازياً أفقه منه.
قال زكريا الساجي: بلغني أن المسألة التي دارت بينهم في الماء. احتج الشافعي على بشر إلى أن ألجأه إلى أن قال: يغسل آخر البئر وينزح جميع ما فيها، إلى أن قال: تُطَمّ.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: أخبرني أبو عبد الله الزبير بن عبد الواحد، بالشام، قال: سمعت أحمد بن عيسى يحدّث عن الحسن بن محمد الزعفراني، قال:
كنا نحضر مجلس بشر المريسي وهناك نقدر على مناظرته، فمشينا إلى أحمد بن حنبل، فقلنا له: ائذن لنا في أن نحفظ «جامع الصغير» الذي لأبي حنيفة؛ نخوض معهم إذا خاضوا. فقال: اصبروا، فالآن يقدم عليكم المطلبي، الذي رأيته بمكة. قال: فقدم علينا الشافعي، فمشينا إليه وسألناه شيئاً من كتبه، فأعطانا كتاب «اليمين مع الشاهد» فدرسته في ليلتين، ثم غدوت على بشر المَرِيسي، وتخطيت إليه. فلما رآني قال: ما جاء بك؟ لسنا بأصحاب حديث. قال: قلت: ذرني من هذا، إيش الدليل على إبطال اليمين مع الشاهد. فناظرته فقطعته، فقال: ليس هذا من كلامكم، هذا كلام رجل رأيته بمكة، معه نصف عقل أهل الدنيا.
стр. 244
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثني أبو عبد الرحمن: محمد بن إبراهيم المؤذن، عن أبي نعيم، عن الزعفراني، قال:
حج بشر المريسي، ثم قدم فقال: لقد رأيت بالحجاز رجلا ما رأيت رجلا مثله: سائلا ولا مجيباً. يعني الشافعي. قال: فقدم الشافعي علينا بعد ذلك بغداد، واجتمع الناس إليه فخفّوا عن بشر، قال: فجئت بشراً يوماً، فقلت: هذا الشافعي الذي كنت تزعم، قدم. قال: إنه قد تغير عما كان عليه. فقال الزعفراني: ما كان مثله الآن إلا كمثل اليهود في أمر عبد الله بن سلام، حيث قالوا: سيدنا وابن سيدنا. فقال لهم: فإني قد أسلمت. قالوا: شرنا وابن شرنا. قال بشر: وما رأيت أعقل من الشافعي.
وفي كتاب زكريا الساجي، ﵀: حدثني سليمان بن الأسعد، قال: حدثني أبو ثور، عن ابن البنا، قال:
سمعت بشرا المَرِيسي، يقول: لقد رأيت بالحجاز فتى لئن بقى ليكونن رجل الدنيا. فلما كان بعد ذلك، قال لي بشر: شعرت أن الفتى الذي قلت لك، قد قدِم، اذهب بنا إليه. قال: فذهبنا إلى ناحية من بغداد، فسلّمنا عليه، ثم تساءلا، فجعل الشافعي يصيب وبشر يخطئ. فلما خرجنا، قال: كيف رأيته؟ قال: قلت: كنت تخطئ وكان يصيب. قال: ما رأيت أفهم (١) منه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن حنان، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن متّويه،
(٢)
стр. 245
قال: حدثنا عبيد بن محمد بن هارون المقدسي، قال: سمعت «عمرو بن أبي سلمة»، قال:
قلت للشافعي: لقد أعجبني ردّك على المريسي، قال: ولم يعجبك مني إلا في ردّي عليه؟ لا كلمتك شهرين.
ورواه أبو الحسن العاصمي، عن محمد بن يوسف بن النضر، عن عبد الله ابن محمد بن إسحاق المقدسي، عن عبيد الله بن محمد الفريابي، عن عمرو بن أبي أسامة، هكذا. و «عمرو بن أبي سلمة التنيسي» من أكابر علماء أهل الشام (١). وقد روى عنه الشافعي، رضى الله تعالى عنه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد: حسان ابن محمد، الفقيه، قال: سمعت أبا العباس بن سريج، يقول عن بعض مشايخه، قال:
رجع بشر المريسي من مكة إلى بغداد، فقال: رأيت شاباً بمكة من قريش، ما أخاف على مذهبنا إلا منه.
وشهدت أم الشافعي وأم بشر المريسي بمكة عند القاضي. قال: وأراد أن يفرق بينهما. فقالت أم الشافعي: ليس لك ذلك؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (٢)﴾ فلم يُفَرِّقْ بينهما (٣).
стр. 246
قلت: وأم بشر المريسي جاءت إلى الشافعي، فقالت: يا أبا عبد الله، أرى ابني يهابك ويحبك، وإذا ذكرت عنده أجلّك، فلو ذكَّرته حتى ينتهي عن هذا الرأي الذي هو فيه. فقد عاداه الناس عليه؟
فقال: أفعل. فلما دخل عليه بشر، قال له الشافعي: أخبرني عما تدعو إليه: أكتاب ناطق، وفرض مُفْتَرضٌ، وسنة قائمة، ووجدت عن السلف البحث عنه والسؤال؟
فقال بشر: لا، إلا أنه لا يسعنا خلافه.
فقال الشافعي: أقررت بنفسك على الخطأ. فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار، يُواليك الناس عليه، وتترك هذا؟ قال: لنا نَهْمَةٌ فيه. فلما خرج بشر قال الشافعي: لا يُفلح.
وهذا فيما قرأت في كتاب زكريا الساجي: حدثني محمد بن إسماعيل، قال: سمعت الحسن بن علي الكرابيسي، قال:
جاءت أم بشر المريسي إلى الشافعي، ﵁. فذكره.
قلت: كلّم أم الشافعي، ﵄، فقد قال زكريا بن يحيى الساجي:
كانت أم الشافعي معه، يحملها إلى كل موضع. فرأت فيه السرور.
قال: وحدثني أبو محمد الخراساني، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول:
قالت لي أم الشافعي: إنْهَ ابني أن يجالسه حفص الفرد.
стр. 247
قال زكريا: فقال الشافعي لأمه: يا أمه، ألا ترين حماداً البربري قد علا أمره فأخافه.
قال: فقالت: يا بني، إن الطير إذا علا وسما ثم وقع كان أشد لحموته، أو قالت: لوقعته.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثني أبو الحسن بن أبي عبد الله المزني، قال: حكى عن أبي ثور، قال:
سمعت الشافعي، يقول: ناظرت بشر بن غياث المريسي، في المقتول له ورثة صغار وكبار يقتل القاتل دون بلوغ الصغار؟ قال: لا. قلت له: فإن الحسن بن علي، ﵄، قتل ابن ملجم، وفي الورثة صغار لم يبلغوا. فقال: أخطأ الحسن.
فقلت: أما كان عندك جواب أحسن من هذا؟ وهجرته من يومئذ (١).
قلت: وكان الشافعي أيضاً يذهب إلى أنه لا يقتل قصاصاً قبل بلوغ الصغار. ويشبه أن يكون حمل قتل الحسن بن عليّ بنَ مُلْجَم، على أنه رآه من الساعين في الأرض بالفساد، فرأى قتله به بالولاية العامة، دون ولاية القصاص. والله تعالى أعلم.
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا أبو جعفر: محمد بن عمرو البزار، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: سمعت.
стр. 248
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا أبو الحسن: محمد بن محمد ابن يعقوب الحَجَّاجِي (١)، الحافظ، قال: حدثنا عمرو بن محمد بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: سمعت البويطي: يوسف ابن يحيى، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: ذاكرت بشر المريسي بحديث عمران بن حصين: أن رجلا من الأنصار مات وترك ستة أعبد أعتقهم ولا مال له غيرهم، فَأَفْرَغَ رسول الله، ﷺ ، بينهم، وردّ أربعة في الرق. فقال المريسي: هذا قمار. فأخبرت أبا البختري (٢)، فقال: يا أبا عبد الله، شاهد آخر معك، وأرفعه على خشبة أصلبه.
قلت: وكان «أبو البختري» حينئذ قاضي بغداد.
وفي رواية البزار: ناظرت المريسي في القرعة، فذكرت له حديث عمران ابن حصين، عن النبي، ﷺ ، فقال: يا أبا عبد الله، هذا قمار.
فأتيت أبا البختري، فقلت له: سمعت المريسي، يقول: القرعة قمار!! فقال: يا أبا عبد الله، شاهد آخر، وأصلبه.
стр. 249
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال: سمعت أبا عبد الله العدوي، يحكى عن ابن أبي داود، عن هارون بن سعيد، قال: وكنا عنده في المسجد، فجرى ذكر الشافعي، فنظر إلى إسطوانة في المسجد، فقال: كان الشافعي يبني المسألة حتى لو نظر إلى إسطوانة، فقال: هذا من ذهب، فلا يزال يحتج حتى تقوله.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال:
قال الشافعي، ﵁: ناظرت بعض أهل العراق، فلما فرغت قال: زَلَفْتَ يا موسى.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: بعض أهل العربية: يعني قَرُبْت من أفهامهم. لفصاحته (١).
أخبرنا أبو عبد الله: الحسن بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن فنجويه، الدينوري، الدامغاني، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن شبيب، قال: أخبرنا أبو الحسن: أحمد بن علي بن حمدويه المروزي، قال: حدثنا أحمد بن سلمة، قال: حدثنا ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبا الوليد بن أبي الجارود، يقول:
التقى الشافعي وعبد الملك: الماجشون، بمكة. فتناظرا، فلما قطعه الشافعي أخذ في اللغة، فأخذ الشافعي معه في ذلك. فانصرف الناس وما درى أحد ما قالا، من الفصاحة والبيان.
стр. 250
وقرأته أيضاً في كتاب زكريا بن يحيى الساجي، عن ابن ابنة الشافعي، مثله.
أخبرنا محمد بن عبد الله، الحافظ، قال: أخبرنا الزبير بن عبد الواحد، الحافظ، قال: حدثنا الحسن بن علي بن الأشعث، بمصر، قال:
سمعت محمد بن عبد الله بن الحكم، يقول:
ما رأت عيني قط مثل الشافعي، لقد قدمت المدينة فرأيت أصحاب عبد الملك الماجشون يعلون بصاحبهم، يقولون صاحبنا الذي قطع الشافعي. فقلت: إني لأحب أن أنظر إلى رجل قطع الشافعي. قال: فلقيت عبد الملك، فسألته عن مسألة فأجابني، فقلت: أي شيء الحجة؟ قال: لأن مالكا قال كذا وكذا. فقلت في نفسي: هيهات، أسألك عن الحجة فتقول: قال مُعَلِّمِي، وإنما الحجة عليك وعلى مُعَلِّمك.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا الحسن بن علي الأشعث، بمصر، قال:
سمعت ابن عبد الحكم، يقول: ما علَّم الناس الحجاج إلا الشافعي، ولا رأت عيناي قط مثل الشافعي. ثم ذكر هذه الحكاية.
أخبرنا عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا أبو الحسن بن رشيق، إجازة، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن آدم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، قال:
لو رأيت الشافعي يناظرك لظننت أنه سبع يأكلك.