قلت: وأم بشر المريسي جاءت إلى الشافعي، فقالت: يا أبا عبد الله، أرى ابني يهابك ويحبك، وإذا ذكرت عنده أجلّك، فلو ذكَّرته حتى ينتهي عن هذا الرأي الذي هو فيه. فقد عاداه الناس عليه؟
فقال: أفعل. فلما دخل عليه بشر، قال له الشافعي: أخبرني عما تدعو إليه: أكتاب ناطق، وفرض مُفْتَرضٌ، وسنة قائمة، ووجدت عن السلف البحث عنه والسؤال؟
فقال بشر: لا، إلا أنه لا يسعنا خلافه.
فقال الشافعي: أقررت بنفسك على الخطأ. فأين أنت عن الكلام في الفقه والأخبار، يُواليك الناس عليه، وتترك هذا؟ قال: لنا نَهْمَةٌ فيه. فلما خرج بشر قال الشافعي: لا يُفلح.
وهذا فيما قرأت في كتاب زكريا الساجي: حدثني محمد بن إسماعيل، قال: سمعت الحسن بن علي الكرابيسي، قال:
جاءت أم بشر المريسي إلى الشافعي، ﵁. فذكره.
قلت: كلّم أم الشافعي، ﵄، فقد قال زكريا بن يحيى الساجي:
كانت أم الشافعي معه، يحملها إلى كل موضع. فرأت فيه السرور.
قال: وحدثني أبو محمد الخراساني، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول:
قالت لي أم الشافعي: إنْهَ ابني أن يجالسه حفص الفرد.
стр. 247
قال زكريا: فقال الشافعي لأمه: يا أمه، ألا ترين حماداً البربري قد علا أمره فأخافه.
قال: فقالت: يا بني، إن الطير إذا علا وسما ثم وقع كان أشد لحموته، أو قالت: لوقعته.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثني أبو الحسن بن أبي عبد الله المزني، قال: حكى عن أبي ثور، قال:
سمعت الشافعي، يقول: ناظرت بشر بن غياث المريسي، في المقتول له ورثة صغار وكبار يقتل القاتل دون بلوغ الصغار؟ قال: لا. قلت له: فإن الحسن بن علي، ﵄، قتل ابن ملجم، وفي الورثة صغار لم يبلغوا. فقال: أخطأ الحسن.
فقلت: أما كان عندك جواب أحسن من هذا؟ وهجرته من يومئذ (١).
قلت: وكان الشافعي أيضاً يذهب إلى أنه لا يقتل قصاصاً قبل بلوغ الصغار. ويشبه أن يكون حمل قتل الحسن بن عليّ بنَ مُلْجَم، على أنه رآه من الساعين في الأرض بالفساد، فرأى قتله به بالولاية العامة، دون ولاية القصاص. والله تعالى أعلم.
وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، قال: أخبرنا أبو جعفر: محمد بن عمرو البزار، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: سمعت.
стр. 248
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا أبو الحسن: محمد بن محمد ابن يعقوب الحَجَّاجِي (١)، الحافظ، قال: حدثنا عمرو بن محمد بن سعيد الجوهري، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: سمعت البويطي: يوسف ابن يحيى، يقول:
سمعت الشافعي، يقول: ذاكرت بشر المريسي بحديث عمران بن حصين: أن رجلا من الأنصار مات وترك ستة أعبد أعتقهم ولا مال له غيرهم، فَأَفْرَغَ رسول الله، ﷺ ، بينهم، وردّ أربعة في الرق. فقال المريسي: هذا قمار. فأخبرت أبا البختري (٢)، فقال: يا أبا عبد الله، شاهد آخر معك، وأرفعه على خشبة أصلبه.
قلت: وكان «أبو البختري» حينئذ قاضي بغداد.
وفي رواية البزار: ناظرت المريسي في القرعة، فذكرت له حديث عمران ابن حصين، عن النبي، ﷺ ، فقال: يا أبا عبد الله، هذا قمار.
فأتيت أبا البختري، فقلت له: سمعت المريسي، يقول: القرعة قمار!! فقال: يا أبا عبد الله، شاهد آخر، وأصلبه.
стр. 249
أخبرنا أبو عبدالله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال: سمعت أبا عبد الله العدوي، يحكى عن ابن أبي داود، عن هارون بن سعيد، قال: وكنا عنده في المسجد، فجرى ذكر الشافعي، فنظر إلى إسطوانة في المسجد، فقال: كان الشافعي يبني المسألة حتى لو نظر إلى إسطوانة، فقال: هذا من ذهب، فلا يزال يحتج حتى تقوله.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال:
قال الشافعي، ﵁: ناظرت بعض أهل العراق، فلما فرغت قال: زَلَفْتَ يا موسى.
قال عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: بعض أهل العربية: يعني قَرُبْت من أفهامهم. لفصاحته (١).
أخبرنا أبو عبد الله: الحسن بن محمد بن الحسن بن عبد الله بن فنجويه، الدينوري، الدامغاني، قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن شبيب، قال: أخبرنا أبو الحسن: أحمد بن علي بن حمدويه المروزي، قال: حدثنا أحمد بن سلمة، قال: حدثنا ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبا الوليد بن أبي الجارود، يقول:
التقى الشافعي وعبد الملك: الماجشون، بمكة. فتناظرا، فلما قطعه الشافعي أخذ في اللغة، فأخذ الشافعي معه في ذلك. فانصرف الناس وما درى أحد ما قالا، من الفصاحة والبيان.
стр. 250
وقرأته أيضاً في كتاب زكريا بن يحيى الساجي، عن ابن ابنة الشافعي، مثله.
أخبرنا محمد بن عبد الله، الحافظ، قال: أخبرنا الزبير بن عبد الواحد، الحافظ، قال: حدثنا الحسن بن علي بن الأشعث، بمصر، قال:
سمعت محمد بن عبد الله بن الحكم، يقول:
ما رأت عيني قط مثل الشافعي، لقد قدمت المدينة فرأيت أصحاب عبد الملك الماجشون يعلون بصاحبهم، يقولون صاحبنا الذي قطع الشافعي. فقلت: إني لأحب أن أنظر إلى رجل قطع الشافعي. قال: فلقيت عبد الملك، فسألته عن مسألة فأجابني، فقلت: أي شيء الحجة؟ قال: لأن مالكا قال كذا وكذا. فقلت في نفسي: هيهات، أسألك عن الحجة فتقول: قال مُعَلِّمِي، وإنما الحجة عليك وعلى مُعَلِّمك.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا الحسن بن علي الأشعث، بمصر، قال:
سمعت ابن عبد الحكم، يقول: ما علَّم الناس الحجاج إلا الشافعي، ولا رأت عيناي قط مثل الشافعي. ثم ذكر هذه الحكاية.
أخبرنا عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا أبو الحسن بن رشيق، إجازة، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن آدم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، قال:
لو رأيت الشافعي يناظرك لظننت أنه سبع يأكلك.
стр. 251
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الطيب: عبد ربه بن محمد، الفقيه، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني، قال: سمعت الحسن بن علي الأشعث، يقول:
سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول لإنسان: لو رأيت الشافعي لقلت: هذا أسد يريد أن يفترسني.
وأخبرني (١) أبو بكر بن أبي إسحاق، قال: سمعت الزبير بن عبد الواحد، يقول: سمعت أبا العباس: أحمد بن يحيى بن دكين، يقول:
سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، يقول: كنت إذا رأيت من يناظر الشافعي، ﵁ – رحمتُه (٢).
وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: حدثنا محمد بن رمضان بن شاكر، قال:
سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ما رأيت أحداً يناظر الشافعي إلا رحمته مع الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن علي ابن زياد، يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق، يقول:
سمعت الربيع، وذكر الشافعي، فقال: لو رأيتموه لقلتم: إن هذه ليست كُتبه، كان (٣) والله لسانه أكبر من كتبه.
стр. 252
أخبرنا أبو عبد الله السلمي، قال: أخبرنا عباس بن الحسن، ببغداد، قال: حدثنا أبو الحسين بن سعيد، قال: حدثنا زكريا الساجي، قال: حدثني محمد ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن سوار العنبري، قال:
أخبرنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سوار، قال: خرجنا حجاجاً إلى مكة ومعنا «هلال بن يحيى (١)»، فرأينا «الشافعي» في المسجد الحرام يفتي، فقال لي هلال: ترى لي أن أمضي وأناظر (٢) الشافعي؟
قلت: لا، هو رجل عارف يعرف عيوب أقاويلكم، وأحفظ للحديث منك، لا تقوى عليه، دعه فإنه خير لك. قال: وأسأله عن الشروط. قلت: في هذا الموسم تسأله عن الشروط، وتدع المناسك والصلاة؟! أخاف عليك العامة أن يَحْصِبُوكَ. فتركه ولم يناظره.
أخبرنا محمد بن حسين السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: ذكر زكريا بن يحيى [حدثنا (٣)] ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبي يقول:
стр. 253
جلس الشافعي في حلقة، فجاءه غلام حدث، فسأله عن مسائل، فأجابه الشافعي، ثم سأله مسألة فأجابه، فقال: أخطأت يا أبا عبد الله. فأطرق الشافعي طويلا، ثم [رفع رأسه إليه] فقال (١): أخطأتَ يا ابن أخي (٢) ما في كتابك، فأما الذي أردتُ فلم أُخْطِئ.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثني أبو سليمان: داود بن علي الأصبهاني، قال: حدثني الحارث بن سريج النقال، قال:
دخلت على الشافعي يوماً وعنده أحمد بن حنبل والحسين القلاس (٣) – وكان الحسين أحد تلاميذ الشافعي المقدمين في حفظ الحديث – وعنده جماعة من أهل الحديث، والبيت غاص بالناس، وبين يديه «إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيّة»، وهو يكلمه في خبر الواحد. قال: فقلت للشافعي: يا أبا عبد الله، عندك وجوه الناس وقد أقبلت إلى هذا المبتدع تكلمه؟! فقال لي وهو يبتسم: كلامي لهذا بحضرتهم أنفع من كلامي لهم. قال: فقالوا: صدق.
قال: فأقبل عليه الشافعي، فقال له: ألست تزعم أن الحجة: الإجماع؟
فقال: نعم.
فقال له الشافعي: خبرني عن خبر الواحد العدل، بإجماع
стр. 254
دفعته (١) أم بغير اجماع؟
قال: فانقطع إبراهيم ولم يجب، وسر القوم بذلك.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الفقيه، قال: حدثنا أبو جعفر بن عبد الرحمن الحافظ، قال: حدثنا خيثمة بن أبي خيثمة بن (٢) عمرو بن خالد، بمصر، قال: سمعت أبي، رحمه الله تعالى، قال:
قال لي عمرو بن خالد: كنا عند حفص الفرد، ومعنا الشافعي، فقال حفص: ما غلبني أحد إلا سيدي، ألقى عليّ مسألة، فقال: أخبرني، الفانيد (٣) أحلى. أم النخل أطول؟
فقلت: الفانيد أحلى. فقال: أنت لا تُحسن شيئاً.
قال حفص: وكان ينبغي أن أقول: هذا محال، ليس يشبه بعضه بعضاً.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الفضل: الحسن بن يعقوب
стр. 255
يقول: سمعت أبا أحمد: محمد بن رَوْح، يقول: سمعت أبا إسماعيل الترمذي، يقول:
سمعت «إسحاق بن إبراهيم» يقول: كنا بمكة، والشافعي، بها، وأحمد بن حنبل. قال: وكان أحمد يجالس الشافعي، وكنت لا أجالسه، فقال لي أحمد: يا أبا يعقوب، مُرَّ، جالس هذا الرجل. فقلت له: ما أصنع به؟ سنه قريب من سننا، أترك ابن عيينة والمَقبُرِيّ وهؤلاء المشايخ؟! فقال أحمد: ويحك، إن هذا يفوت، وذاك لا يفوت.
قال: فجالسته فتناظرنا في كراء بيوت مكة، وكان الشافعي يُسَاهِلُ فيه، وكنت لا أساهل فيه. فذكر حديثاً، وأخذت أنا في الباب أسرد عليه وهو ساكت. فلما أن فرغت، وكان معي رجل من أهل «مرو» فالتفت إليه فقلت: «مردك لا كمالا نيست (١)» فعلم أني راطنت صاحبي بشيء هجنَّتْه فيه، فقال: تناظر؟ فقلت: لمناظرة جئت.
قال: قال الله، : ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ (٢)﴾ نسب الديار إلى مالكيها أو إلى غير مالكيها؟
قال: وقال النبي، ﷺ ، يوم فتح مكة: «من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن (٣)» فنسب الديار إلى
стр. 256
أربابها أم إلى غير أربابها؟ قال: فقلت: إلى أربابها.
قال: واشترى عمر بن الخطاب، ﵁ «دار السجن (١)» من مالك غير مالك؟ قال: قلت: [من (٢)] مالك.
قال: فلما عرفت أني قد أُفْحِمْتُ قُمْتُ.
قال: وقال غير أبي إسماعيل في هذه الحكاية: فقال له الشافعي: لو قلتُ قولَك احتجتُ أن أُسَلْسَل.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد ابن هارون الشافعي، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل الزُّبَيْرِي (٣)، قال: سمعت «إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلِي». وذكره بنحوه، وقال في آخره: فلما علمت أني قد أفحمت قمت من عنده وتركته.
قال البيهقي: وقد ذكرنا حكاية مناظرتهما في كتاب «المعرفة» أتم من هذا، وفيها من الزيادة: احتجاج الشافعي بقول النبي، ﷺ : «وهل ترك لنا عَقِيلٌ من دار؟ (٤)» ثم معارضة إسحاق إياه بقول التابعين. فقال الشافعي: من هذا؟ قيل: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي. فقال له الشافعي: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنك فقيههم؟ قال إسحاق: هكذا يزعمون.
стр. 257
قال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بِعَرْك أذنيه. أنا أقول: قال رسول الله، ﷺ ، وأنت تقول: عطاء وطاوس وإبراهيم والحسن؟ هؤلاء لا يرون ذلك. وهل لأحد مع رسول الله، ﷺ ، حجة؟
وفيها من الزيادة: قال له إسحاق: اقرأ ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾.
فقال الشافعي، ﵁: اقرأ أول الآية: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ (١)﴾ وهذا في المسجد خاصة (٢).
أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه، قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن علي العمروي (٣)، قال: حدثنا أبو إسماعيل: محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الكوفي، قال: رأيت الشافعي، ﵁، بمكة، فذكره.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، فيما بلغه عن «داود الأصبهاني»، أنه قال:
لم يفهم «إسحاق» في ذلك الوقت إيش يحتج به الشافعي، وأراد الشافعي:
стр. 258
أن الدور لو كانت مباحة للناس – كان جواب النبي، ﷺ ، أن يقول: أي موضع أدركنا في دار من كان نزلنا فإن ذلك مباح لنا. بل أشار إلى دورهم التي كانت لآبائهم باعها عقيل بن أبي طالب، ﵁، قبل أن يسلم، فلم يطالب بشيء منها، ولم يؤاخذ [به أحداً (١)] وقال: لم يترك لنا عقيل مسكناً.
فدل ذلك على أن كل من ملك فيها شيئاً فهو مالك، له مَنْعُه عن غيره.
قال أبو الحسن: وقرأت في بعض ما حكى عن «إسحاق» أنه كان يأخذ لحيته بيده ويقول: واحَيَائي من محمد بن إدريس الشافعي، ﵁. يعني في هذه المسألة.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن مسافر (٢) البغدادي، قال.
قال لي «إسحاق بن راهويه»: كلمت الشافعي يوماً فأغلظت له فيه، فقال الشافعي: لو كنت أنا المتكلم بهذا لاستوجبت الأدب.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن أبي القاسم القزويني، عن أبي حفص، عن أبي عثمان بن الشافعي، أنه قال:
стр. 259
ما سمعت أبي يناظر أحداً قط فرفع صوته (١).
قال أبو الحسن: وقرأت على أبي عبيد: محمد بن الربيع الجيزي، ﵀، بمصر (٢)، أنه سمع ابن عبد الحكم، وسأله أبو سعيد الفريابي (٣). هل كان يناظر الشافعي؟ قال: نعم، كان يناظر حتى إن كان صياحه ليسمع من خارج المسجد في الحذَّائِين، ولكنه كان منصفاً.
قلت: وكأنه كان صَيِّتاً، فقول أبي (٤) عثمان: «ما سمعته رفع صوته» أراد – والله أعلم – فوق عادته. يعني أنه كان يتكلم بكلام قوي على عادته في رفع الصوت، ولا يزيد عليها بضجر أو ضيق قلب.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الوليد: حسان بن محمد، الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، قال: حدثني أبو سليمان، قال: حدثني أبو ثور، قال:
قال لي الشافعي: قال لي الفضل بن الربيع: أحب أن أسمع مناظرتك للحسن بن زياد اللُّؤْلُؤِيّ (٥): قال الشافعي: فقلت له: ليس اللؤلؤي في هذا الحد، ولكن أحضر بعض أصحابي حتى يكلمه بحضرتك.
стр. 260
قال: فقال: وذاك (١). قال أبو ثور: فحضر الشافعي وأحضر رجلا من أصحابنا كوفياً كان يَنْتَحِلُ مذهب أبي حنيفة فصار من أصحابنا. قال: فلما دخل اللؤلؤي أقبل الكوفي عليه والشافعي حاضر بحضرة الفضل بن الربيع، فقال له: إن أهل المدينة ينكرون على أصحابنا بعض قولهم، وأريد أن أسأل عن مسألة من ذلك. قال: فقال له اللؤلؤي: سل. فقال له: ما تقول في رجل قذف محصنة وهو في الصلاة؟
فقال: صلاته فاسدة.
قال: فقال له: فما حال طهارته؟
قال: طهارته بحالها ولا ينقض قَذْفه طهارتَه.
قال: فقال له: فما تقول إن ضحك في صلاته؟
قال: يعيد طهارته والصلاة.
فقال له: وقَذْفُ المحصنات في الصلاة أيسر من الضحك فيها؟
قال له: وقعنا في هذا. ثم وثب فمضى. واستضحك الفضل بن الربيع، فقال له الشافعي: ألم أقل لك: إنه ليس في هذا الحد (٢).
أخبرنا أبو سعيد: أحمد بن محمد بن الجليلِ الهروي، قال: أخبرنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال: سمعت أبا جعفر النسائي، بمصر، يقول: سمعت فهر (٣) بن سليمان، يقول: سمعت البويطي يقول:
سمعت الشافعي، ﵁، يقول: قال لي الفضل بن الربيع: أنا أشتهي
стр. 261
أن أسمع مناظرتك واللؤلؤي. قال: فقلت له: ليس هناك. فقال: أنا أشتهي ذلك. قال: فقلت له: حين شئت قال: فأرسل إليّ، فحضرني رجل ممن كان يقول بقولهم، ثم رجع إلى قولي، فاستتبعته، وأرسل إلى اللؤلؤي فجاء، فأتينا بطعام فأكلنا، ولم يأكل اللؤلؤي. وغسلنا أيدينا. فقال له الرجل الذي كان معي: ما تقول في رجل قذف محصنة في الصلاة؟
قال: بطرت صلاته، فقال له الرجل: فما حال الطهارة؟ قال: بحالها. قال: فما تقول إن ضحك في صلاته؟ قال: بطلت صلاته وطهارته. قال: فقال له: فقذف المحصنات في الصلاة أيسر من الضحك في الصلاة؟ قال: فأَخذ اللؤلؤي نعله وقام. قال: فقلت للفضل قد قلت: لك إنه ليس هناك.
стр. 262
باب
ما جاء في قدوم الشافعي، ﵁، العراق، أيام المأمون للتدريس والتعليم، وانتفاع المسلمين بعلمه
* * *
سمعت أبا عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، يقول: سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد، الفقيه، يقول: سمعت إبراهيم بن محمود، يقول:
سمعت الزعفراني، يقول: قدم الشافعي؛ ﵁، سنة خمس وتسعين إلى بغداد، وخرج بعد ذلك إلى مكة، ثم رجع فأَقام أشهراً، ثم خرج إلى مصر، فمات بها سنة أربع ومائتين.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الطيب: عبد الله بن محمد القاضي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أحمد بن روح، قال:
حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: قدم علينا الشافعي - يعني بغداد - سنة خمس وتسعين ومائة، فأَقام عندنا سنتين، ثم خرج إلى مكة، ثم قدم علينا سنة ثمان وتسعين، فأقام عندنا أشهراً، ثم خرج. وكان يخضب بالحناء. وكان خفيف العارضين.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو الطيب عبد الله بن محمد، القاضي، قال: حدثنا أبو جعفر - يعني ابن عبد الرحمن الحافظ، قال: سمعت
стр. 263
أبا العباس - يعني المَسْرُوقِي - يقول:
سمعت أبا ثور يقول (١: قدم علينا الشافعي، فذهبت إليه أنا وحسين الكَرَابِيسِي، فألقى عليه حسين: ما تقول ١) في رجل اشترى بيضاً فخرج في أحدها فروجة؟ فنظر إلينا فقال: لا تخلطوا السلام بغيره. قال أبو ثور: فأراد منا أن نعرف موضعه. فنظرنا من الغد إليه بحال هِبْنَاهُ منه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسين (٢) قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد الحنظلي - قال: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي في كتابه، قال: حدثنا أبو عبد الله النَّسَوِيّ، عن أبي ثور، قال:
لما ورد الشافعي، ﵁، العراق، جاءني حسين الكرابيسي، وكان يختلف معي إلى أصحاب الرأي، فقال: قد ورد رجل من أصحاب الحديث يَتَفَقَّه، فقم بنا نسخر به. فقام وذهبنا حتى دخلنا عليه، فسأله الحسين عن مسألة، فلم يزل الشافعي يقول: قال الله ، وقال رسول الله، ﷺ ، حتى أظلم علينا البيت. فتركنا بدعتنا واتبعناه (٣).
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله، قال: أخبرني محمد بن يوسف الدَّقيقي، قال: حدثنا علي بن الحسين بن عثمان الورّاق، قال: حدثنا محمد بن علي العمري، قال: حدثنا أبو بكر بن الجُنَيْد، قال:
سمعت «أبا ثور: إبراهيم بن خالد» يقول: لولا أن الله، ، مَنَّ
стр. 264
عليّ بالشافعي للقيت الله وأنا ضال. قدم علينا، ﵁، وأنا أظن أن الله تعالى، لم يعبده أحد بغير مذهب الرأي. قيل لي: يا أبا ثور، قد قدم مدينة السلام (١) رجل قرشي من ولد عبد مناف، ينصر مذهب أهل المدينة، فقلت: ولأهل المدينة مذهب ينصر؟ قوموا بنا اذهبوا بنا إليه نسمع ما يقول. فقمت مع أصحابي، فنظرت إليه فإذا هو شاب (٢) وإذا له لسان لَدَّاغ، فسمعته يقول: قال الله، ، في خبر خاص يريد به عاماً. وقال في خبر عام يريد به خاصاً. قلت: رحمك الله، وما الخاص الذي يريد به العام؟ وما العام الذي يريد به الخاص؟ [(٣ وكنا لا نعرف الخاص من العام، ولا العام من الخاص ٣)] فقال ببيانه (٤) قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ (٥)﴾ إنما أراد به أبا سفيان.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ (٦)﴾ فهذا خاص يريد به العام.
قال أبو ثور: وأورد على مثل هذا. فقلت لأصحابي: إن نقض عليكم أحد أمرنا فهذا ينقضه بلسانه وبيانه. ثم قلت لأصحابي أرْبَعُوا حتى أسأله عن مسألة ما أتوهم أنه يجيبني عنها. قالوا: سله. قلت له: رحمك الله، مسألة واقعة. قال: هات. قلت: رجل اشترى من رجل بيضتين إحداهما بدانق، والأخرى
стр. 265
بنصف دانق. انكسرت إحداهما في يده فإذا هي فاسدة، لا بدرى التي انكسرت هي التي بدانق، أو التي بنصف دانق، ما الحكم فيه.
فقال له الشافعي: تأمره (١) أن يدعى. قال أبو ثور: فلما سمعت منه هذا قلت: لمن كان بجنبي من أصحابي: هذا رجل ينقض هذا الكتاب بعينه بلا شك. فقلت: رحمك الله، إنه لا يدري. قال: فدعه حتى يدري. نحن حكام أو معلِّمون؟!
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: أخبرنا زكريا بن يحيى. قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: سمعت «الحسين بن علي» يقول:
قدم علينا الشافعي، ﵁، ونحن ثيران، فما مرت علينا سنة إلا وكل واحد منا يحتاج إلى زاوية يُجَالَسُ فيها
وأخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا الحسن، إجازة، قال: ذكر زكريا بن يحيى، قال:
قال أبو ثور: قلت للشافعي، رضي الله تعالى عنه: إني ناظرت رجلا من أصحاب «أبي فلان» فقطعته، فقال: وتفرح أن قطعت رجلا من أصحاب «أبي فلان» إنما تجتري (٢) على الجَرْحَي. كذا في كتابي.
стр. 266
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي، قال: حدثنا أبو القاسم: عثمان ابن سعيد الأحول، قال: سمعت أبا ثور. فذكره.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي، نزيل مكة، فيما كتب إليّ قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الدينوري، قال:
سمعت أحمد بن حنبل، ﵀، يقول: كانت أَقْفِيَتُنَا أصحابَ الحديث في أيدي أصحاب أبي حنيفة، ما تنزع، حتى رأينا الشافعي، وكان أفقه الناس في كتاب الله وسنة رسول الله، ﷺ ، ما كان يكفيه (١).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن السّبْتِي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، قال: حدثنا محمد بن زفر (٢)، عن علي ابن حسان، عن الحُمَيْدِي، قال: أخبرني رجل من إخواننا، من أهل بغداد، قال:
قال أحمد بن حنبل: قدم علينا «نعيم بن حماد» فحضّنا على طلب المسند، فلما قدم «الشافعي» وضعنا على المَحَجَّة البيضاء (٣)
стр. 267
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: وفيما كتب إليّ أبو سعيد الأعرابي، يذكر أنه سمع «الحسن بن محمد الزعفراني» يقول:
كان أصحاب الحديث رقوداً حتى أيقظهم الشافعي، ﵁.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، فيما بلغه عن محمد بن عبد الله، قال:
قال «إبراهيم الحَرْبِي» رحمه الله تعالى: قدم الشافعي بغداد، وفي المسجد الجامع الغربي عشرون حلقة لأصحاب الرأي، فلما كان في الجمعة الثانية لم يثبت منها إلا ثلاث حلق أو أربع حلق (١).
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي (٢)، قال: حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال.
سمعت «الزعفراني» يقول: قدم الشافعي، ﵁، فاجتمعنا، فقال: التمسوا من يقرأ لكم، فلم يختر غيري. وما كان في وجهي شعرة، وإني لأتعجب من انطلاق لساني وجَسَارَتي بين يديه. فقرأت الكتب كلّها إلا كتابين قرأهما هو: «المناسك» و «الصلاة». ولقد كتبناها وإنّا نحسب أنا في العبث وما يحصل في أيدينا منها شيء. ولا نصدِّق بأنه يكون آخر أمرها إلى (٣) هذا؛ لأنه قد كان غلب علينا قول الكوفيين.
стр. 268
قال: وسمعت الزعفراني، يقول:
إني لأقرأ كتب الشافعي وتُقْرَأُ عليّ منذ خمسين سنة.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن أبي عثمان: سعيد بن عبد الله البغدادي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال أبي:
لما قدم الشافعي علينا أخذت بيد «إسحاق بن راهويه»، فصرنا إلى «الزَّعْفَرَانِي» فقلنا: قد قدم هذا الرجل، ونحتاج أن نسمع منه هذه الكتب، وأنت أفصح بها منا، فتقرأها لنا عليه. قال: فقرأتها، وكانت للزعفراني «قراءةً» ولنا «عَرْضاً».
وبلغني عن أبي حامد المروروذي: أن «أبا علي الزعفراني» كان من أهل (١) اللغة.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: ذكر زكريا بن يحيى الساجي، قال:
قال «حسين بن علي»: ما رأيت مجلساً قط أنبل من مجلس الشافعي، كان يحضره أهل الحديث، وأهل الفقه، وأهل (٢) الشعر. وكان يأتيه كبراء أهل الفقه والشعر (٣) فكلٌّ يتعلّم منه ويستفيد.
أخبرنا محمد بن الحسين، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال:
стр. 269
حدثنا محمد بن إبراهيم الأَنْمَاطِي، قال:
حدثنا «الحسن بن محمد الزَّعْفَرَانِي»، قال:
ما ذهبت إلى الشافعي إلا وجدت «أحمد بن حنبل» في مجلسه. وكان أحمد ألزم للشافعي منا.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا محمد بن علي بن طلحة، قال: حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا زكريا السَّاجي، قال: حدثني محمد بن إسماعيل، قال:
سمعت الحسين بن علي، يقول: رأيت «أحمد بن حنبل» مُغَطَّى الرأس عند الشافعي. زاد فيه غيره: قال (١): وكذلك كان أحمد بن حنبل يدور على الفقهاء مُغَطَّى الرأس.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، قال: حدثنا إبراهيم ابن يوسف، قال:
سمعت الحسن بن محمد (٢) بن الصبّاح، يقول: قال لي «أحمد بن حنبل»: إذا رأيت الشافعي قد خلا فأَعْلِمْني. فكان يجيئُه ارتفاعَ النهار فيبقى معه.
قال أبو محمد: للأُنس بينهما (٣).
وبلغني عن أبي حامد المروروذي من أصحابنا أنه ذكر بإسناد له: أن الشافعي لما قدم بغداد نزل درب الزّعفراني على الحسن بن محمد بن الصباح
стр. 270
الزعفراني، وكان فتى أديباً متصلا بالسلطان. وكان درب الزعفراني له، ودروب كثيرة. وكان الشافعي (١) يُعَرِّفه عورات مذهب الكوفيين، حتى استجاب له، وسمع منه كتبه، وصار داعية للشافعي، رحمة الله عليه.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: أخبرنا عبد الله السبتي، قال: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الرازي، بدمشق، قال: حدثنا علي بن محمد بن أبي حسّان الزيادي، قال: حدثنا أبي، قال:
لما قدم [علينا (٢)] الشافعي العراق قال: على من أَنْزِل؟ قيل له: انزل على أبي حسّان الزِّيَادِي. قال: فنزل على أبي (٣)، فأقام عنده سنة في أَنْعَمِ حال، فلما كان بعد سنة استأذنه في الخروج إلى المدينة. فوجه أبي: أبو حسان إلى ستة من إخوانه: ست رِقَاع، فما رجعت (٤) له رقعة (٥) مع خادم لنا يقال له مارد صقلبي (٦) - إلا ومع كل رقعة ألف دينار، فتركها بين يدي الشافعي. قال: فبكى أبي. فقال له الشافعي: فما (٧) يبكيك يا أبا حسان، أصلحك الله؟ فقال: ما كنت أقدر أن أكتب إلى أخ من إخواني في أخ مثلك ينزل عليّ في شرفك ومَنْصِبِكَ فيوجِّه إليّ بألف دينار. ثم قال: لا يزال الناس في تناقص من إخوانِهم (٨) وأفعالهم. ثم قال: إذا شئت يا أبا عبد الله. قال: فأخذ الدنانير وخرج من عنده إلى المدينة.
стр. 271
وفيما روى حمزة بن يوسف الجُرْجَاني، عن أبيه، عن أبي نعيم، عن محمد ابن عبد الله بن سليمان بن أبي بكر، عن الربيع بن سليمان:
عن الشافعي، قال: لما قدمتُ بغداد نزلت على «بشر المريسي» فأنزلني في العلو وهو في السفل إكراماً منه لي، فكنت (١) عنده مدّة، فقالت أمه لي (٢) ذات يوم: إيش تصنع عند هذا (٣) الزّنديق؟ فخرجتُ من عنده وتركتُه.
وكانت له قَدَمَات، ولا أدري في أي قَدْمَةٍ كان نزوله على هذا، وعلى أبي حسّان، وعلى الزّعفراني.
стр. 272
باب
ما جاء في سبب تصنيف الشافعي، ﵀، كتاب الرسالة القديمة
* * *
أخبرنا أبو الحسين: علي بن محمد بن عبد الله بن بِشْرَان العدل، ببغداد، قال: أخبرنا أبو محمد (١): دَعْلج بن أحمد بن دعلج، قال: سمعت جعفر ابن أحمد السَّلمَاني، يقول: سمعت جعفر بن أخي أبي ثور، يقول: سمعت عمي، يقول:
كتب «عبد الرحمن بن مهدي» إلى «الشافعي» وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن، ويجمع قبول الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة. فوضع له «كتاب الرسالة».
قال «عبد الرحمن بن مهدي»: ما أصَلِّي صلاة إلا وأدعو للشافعي فيها.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الطيب، قال: حدثنا أبو جعفر الأصبهاني، قال: حدثنا أحمد بن روح، قال: حدثنا محمد
стр. 273
ابن إسماعيل (١)
ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنبأنا عباس بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزعفراني، قال: حدثنا زكريا بن يحيى السّاجي، قال: حدثني محمد بن إسماعيل، قال:
حدثني «موسى بن عبد الرحمن بن مهدي» قال: أول من أظهر رأي مالك، ﵀، بالبصرة «أبي» أحْتَجَمَ ومسحَ الحِجَامَةَ، ودخل المسجد فصلى ولم يتوضأ. فاشتد ذلك على الناس. وثبت «أبي» على أمره. وبلغه خبر الشافعي ببغداد، فكتب إليه يشكو ما هو فيه، فوضع له «كتاب الرسالة» وبعث به إلى «أبي» فسرّ به سروراً شديداً.
قال موسى: فإني لأعرف ذلك الكتاب بذلك الخط عندنا.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد الحافظ، قال: حدثني الحسن بن سفيان النَّسَوي، قال:
حدثنا «الحارث بن سريج النَّقَّال» قال: أنا حملت «كتاب الرسالة» للشافعي، إلى «عبد الرحمن بن مهدي» فأعجب به، فجعل يقول: لو كان أقلّ أُمِّيٍّ ليفهم.
أخبرنا محمد بن الحسين (٢) السلمي، قال: حدثنا علي بن عمر الحافظ، قال:
стр. 274
حدثنا القاضي عمر بن الحسين (١) بن مالك، قال: حدثنا يعقوب بن إسماعيل، قال: حدثنا محمد بن خلاد الذهلي، قال:
سمعت «عبد الرحمن بن مهدي» وقرأ كتاب الرسالة للشافعي، فقال: هذا م كلا رجل مُفَهِّم.
وقرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين (٢) العاصمي، فيما حُكي له عن الزعفراني، قال:
كتب «عبد الرحمن بن مهدي» إلى «الشافعي» ﵀: أن اكتب إليَّ ببيان مِنْ عِلْمٍ. فكتب إليه بالرسالة. فلما قرأها «عبد الرحمن» قال: ما ظننت أنه يكون في هذه الأمة اليوم مثل هذا الرجل، أو أنَّ الله، ، خلق مثل هذا الرجل.
قلت: وعبد الرحمن بن مهدي بن حسان، أبو سعيد البصري: أحد أركان أهل العلم بالحديث:
روينا عن علي بن عبد الله بن المَدِينِي أنه قال:
والله لو أُخِذت وحلِّفت بين الرُّكْنِ (٣) والمقام لحلَفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي.
وعبد الرحمن بن مهدي مات قبل الشافعي بسنين (٤)، مات سنة ثمان وتسعين ومائة. وفيها مات أيضاً يحيى بن سعيد بن فَرُّوْخ: أبو سعيد القطّان،
стр. 275
أخد أئمة هذا الشأن. وكان من المستفيدين من كتاب الشافعي والمُتَبَجِحِين به.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت الزبير بن عبد الواحد الحافظ، يقول: سمعت عبدان الأهوازي، يقول: حدثني محمد بن الفضل، قال: حدثنا هارون، قال:
ذكر «يحيى بن سعيد» الشافعيَّ فقال: ما رأيت أعقل - أو أفقه - منه قال: و «عَرَضَ عليه» كتاب الرسالة له.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن محمد بن الصبّاح، قال:
أُخْبِرت عن «يحيى بن سعيد القطان» أنه قال: إني لَأَدْعُو الله تعالى للشافعيِّ في كلِّ صلاة (١ أو في كل ليلة ١) أو في كل يوم. يعني لما فتح الله عليه من العلم ووفقّه للسّداد فيه.
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجي: عن عبد الله بن داود: أبي عبد الرحمن الطُّوسي، قال: حدثني الزعفراني، قال: سمعت يحيى بن معين، أو غيره، يقول.
سمعت «يحيى بن سعيد» يقول: أنا أدعو الله للشافعي في صلاتي منذ
стр. 276
أربعين سنة. وقد رويناه من وجه آخر، عن يحيى بن معين، عن يحيى ابن سعيد.
قال أحمد: ثم إنّ الشافعي، ﵀، حين خرج إلى «مصر» وصنف الكتب المصرية - أعاد تصنيف «كتاب الرسالة». وفي كل واحد منهما من بيان أصول الفقه ما لا يستغنى عنه أهل العلم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، قال: حدثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله، قال:
حدثني «إسحاق بن راهويه» قال: كتبت إلى «أحمد بن حنبل»: أن أَنْفِذ إليَّ مِنْ كتب الشافعي ما تعلمه أحتاج إليه منها. فكتب إليَّ: لم أعلم ما تحتاج إليه منها فأُنْفِذَه، لكن (١) قد أنفذت إليك من كتبه كتاباً يدلك على عَوَامِّ أصول العلم - أو قال: على عوام أصول علمه - وأنفذ إليَّ كتابَ الرسالة (٢). فرأيت إسحاق كالمُؤَنِّبِ لأحمدَ يقول: لكنه لو كان هو الكاتب إليّ بمثل ما كتبتُ إليه، ثم كانت كتب الشافعي، ﵁، عندي لدريت ما يحتاج هو إليه منها فأنفذه.
وهذا يدل على أنه كان ينتظر أن يبعث إليه أحمدُ مع كتاب الرسالة غيرَه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني محمد بن محمد المسَافِرِي، قال: حدثنا محمد بن المُنْذِر، قال:
стр. 277
سمعت «عبد الملك بن عبد الحميد» يقول: قال لي «أحمد بن حنبل»: لم لا تنظر في كتب الشافعي؟ فقلت له: يا أبا عبد الله، نحن مشاغيل، قال: فكِتاب (١) الرسالة فانظر فيها فإنها من أحسن كتبه.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيّان، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني، قال: حدثنا أبو علي: أحمد بن محمد بن مصقله، قال: سمعت فوران يقول:
قسَّمتُ كتبَ أبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - بين ولديه: صالح وعبد الله، فوجدت فيها رسالتي الشافعي العراقي والمصري.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو أحمد: محمد بن أحمد الكَرَابِيسِي (٢)، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثني عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، قال:
حدثني «محمد بن محمد بن إدريس الشافعي «قال: قال لي» أبو عبد الله (٣): أحمد بن حنبل»: إني أدعو الله في الليل أو في السحر لإخواني - أو أصحابي - أبوك خامسهم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا الوليد يحكي عن بعض شيوخه عن المُزَنِيّ أنه قال:
стр. 278
قرأت «كتاب الرسالة» للشافعي خمسمائة مرة، ما من مرة منها إلا واستفدت [منها] (١) فائدة جديدة لم أستفدها في الأخرى (٢).
وفي كتاب أبي الحسن العاصمي عن أبي نعيم: عبد الملك بن محمد بن عدي، قال: قال أبو القاسم الأَنْمَاطِيّ:
قال المُزَني: أنا أنظر في «كتاب الرسالة» عن الشافعي منذ خمسين سنة، ما أعلم أني نظرت فيه من مرة إلا وأنا أستفيد شيئاً لم أكن عرفته (٢).
стр. 279
باب
ما جاء في قدوم الشافعي، ﵀، مصر وتصنيفه بها الكتب المصرية [الجديدة (١)] وانتفاع المسلمين بها
* * *
أخبرنا أبو سعد: أحمد المَالِينِي، قال: حدثنا أبو أحمد: عبد الله بن عدي، قال: سمعت أحمد بن علي المدائني، يقول: حدثنا يحيى (٢) بن عثمان، قال:
سمعت «حَرْمَلَة» يقول: قدم علينا «الشافعي» سنة تسع وتسعين ومائة، ومات سنة أربع ومائتين عندنا بمصر.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: قال: أنبأني أبو عمرو بن السَّمَّاك، شِفَاهاً (٣): أن أبا سعيد الجصَّاص حدثني، قال:
حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الزّجّاج - وكان يجالس الربيع بن سليمان -[عن الربيع بن سليمان (٤)] قال: رأيت (٥) «الشافعي» ﵀، بنصيبين، قبل أن يدخل مصر، فلم أره آكِلاً بنهارٍ، ولا نائماً بليل، وكانت له جارية سوداء تخدمه، وكان يعمل الباب (٦) من العلم، ثم يقول: يا جارية قومي إلى القَدَّاح، فتقوم فَتُسْرِجُ له، فيكتب ما يحتاج أن يكتبه ويرسمه في موضعه، ثم يطفئ
стр. 280
السراج ويستلقي على ظهره، فيعمل الباب من العلم، ثم يقول: يا جارية قومي إلى القَدّاح، فتقوم وتسرج له، فيكتب الباب من العلم ويرسمه في موضعه، ثم يطفئ السراج، فكان على هذا منه (١). فقلت: يا أبا عبد الله، لو تركت السِّرَاج يَقِد؛ فإن هذه الجارية منك في جهد؟ قال: إنّ السراج يشغل قلبي.
قال: وقال لي يوماً: كيف تركت أهل مصر؟ فقلت: تركتهم على ضربين:
فرقة منهم قد مالت إلى قول «مالك» وأخذت به، واعتمدت عليه، وذبَّت عنه وناضلت عنه.
وفرقة [قد (٢)] مالت إلى قول «أبي حنيفة» فأخذت به، وناضلت عنه. فقال: أرجو أن أقدم (٣) مصر، إن شاء الله، وآتيهم بشيء أشغلهم به عن القولين جميعاً.
قال الربيع: ففعل ذلك - والله - حين دخل مصر.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد، قال: حدثنا إبراهيم ابن محمود بن حمزة، قال:
سمعت الربيع بن سليمان، يقول: قدم الشافعي محمد بن إدريس المطلبي مصر (٤) سنة مائتين، وابتدأ في هذا الكتاب، ومات سنة أربع ومائتين، وسنه (٥) خمس أو أربع وخمسون.
стр. 281
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسن السلمي قال: أنبأنا عبّاس بن محمد، حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزّعْفَراني، حدثنا زكريا بن يحيى السّاجي، قال:
حدثني ياسين بن عبد الواحد (١) قال:
لما قدم علينا الشافعي مصر، أتاه جَدِّي، وأنا معه، فسأله أن ينزل عليه فأبى وقال: إني أريد أن أنزل على أخْوالِي (٢) الأَزْد. فنزل عليهم.
قال أحمد: وهذا الذي فعله الشافعي، ﵀، من النزول على أخواله، فإنه (٣) قصد به متابعة السُّنَّة فيما فعل النبي، ﷺ ، حين قدم المدينة من النزول على أخواله.
وهو فيما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان، قال: حدثنا عبد الله ابن جعفر، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، وعبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، ﵁، عن أبي بكر الصديق، ﵁، قال:
ومضى رسول الله، ﷺ ، وأنا معه، حتى قدمنا المدينة لَيْلاً: فَتَنَازَعَهُ القومُ أيهم ينزل عليه، فقال رسول الله، ﷺ :
«إني أنزل الليلة على بني النَّجَّار، أخوال عبد المطلب، أكرمهم بذلك (٤)».
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أنبأنا محمد بن علي بن طلحة، قال:
стр. 282
حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، قال: حدثنا زكريا السّاجي، قال:
سمعت هارون بن سعيد الأَيْلي، يقول: ما رأيت مثل الشافعي: قدم علينا مصر، فقالوا: قدم رجل من قريش، فجئْناه وهو يصلّي، فما رأيتُ أحسن صلاة منه، ولا أحسن وجها منه، فلما قضى صلاته تكلّم، فما رأينا أحسن كلاماً منه، فافْتَتَنَّا به.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حيان، قال: أنبأنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، قال:
حدثنا أحمد بن طاهر، قال: حدثنا جدي، قال: كان الشافعي يجلس إلى هذه الإِسْطِوَانَة في المسجد - وأرانا الشيخ الإسطوانة - فُتُلْقَى له طُنفُسة فيجلس عليها، وينْحنِي لوجهه؛ لأنه كام مِسْقاماً، فيصنف. وصنّف هذه الكتب في أربع سنين.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني [ابن (١)] محمد بن إدريس - قال: حدثنا بَحْر بن نصر الخَولاَنِي، بمصر، قال:
قدم الشافعي من الحجاز فبقى بمصر أربع سنين، ووضع هذه الكتب في أربع سنين، ثم مات. وكان أقدم معه من الحجاز «كتبَ ابن عيينة»، وخرج إلى يحيى بن حسّان فكتب عنه، وأخذ كتاباً من [كتب (٢)] أَشْهَب بن عبد العزيز فيه آثار وكلام من كلام أشهب. وكان يضع الكتب
стр. 283
بين يديه ويصنف الكتب، فإذا ارتفع له كتاب جاءه صديق له يقال له «ابن هرم (١)» فيكتب ويقرأ عليه البويطي، وجميع من يحضر يسمع في كتاب ابن هرم ثم ينسخونه [بعد (٢)]، وكان الربيع على حوائج الناس فربما غاب في حاجة فيعلِّم له (٣)، فإذا رجع قرأ الربيع عليه ما فاته (٤).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا عبد الله بن محمد الفقيه، قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن الحافظ، قال: حدثنا خَيْثَمَة بن أبي خَيْثَمَة بن عمرو بن خالد، بمصر، قال:
سمعت أبي قال: قال أبي: عمرو بن خالد (٥): جاءني الشافعي وأخذ مني كتاب موسى بن أعين: «كتاب اختلاف الأوزاعي وأبي حنيفة».
قال أحمد: هذا «كتاب في السِّيَر»، صنفه أبو حنيفة فرد عليه الأوزاعي ما خالفه فيه، ثم رد أبو يوسف على الأوزاعي ردَّه على أبي حنيفة، فأخذه الشافعي وردَّ على أبي يوسف ردَّه على الأوزاعي، ونصر الأوزاعي. وهو (٦) الكتاب الذي يعرف بِسِيَر الأوزاعي.
رواه الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي. وفيه من أحكام
стр. 284
السِّير (١) شيء كثير.
وأما «كتاب أَشْهَب» فإنما أخذه ليعرف [منه (٢)] ما شذّ عنه من أقاويل مالك بن أنس وأصحابه؛ فيمكنه الردّ عليهم فيما خالفهم فيه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنبأنا الحسين بن أحمد الهَرَوِي (٣) قال: حدثنا محمد بن بشر العلوي، قال:
حدثنا الربيع بن سليمان، قال: كان الشافعي جزَّأ الليل ثلاثة أجزاء: الأول يَكْتب، والثاني يُصَلِّي، والثالث ينام.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد: حسّان بن محمد، الفقيه، قال: حدثنا إبراهيم بن محمود، قال:
سمعت الربيع يقول: ألّف الشافعي هذا الكتاب - يعني «المَبْسُوط» - حِفْظاً لم يكن معه كتب. قال إبراهيم: فأخبرت يونس (٤) بن عبد الأعلى بهذا، قال: قد قيل هذا.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو تراب (٥) المُذَكِّر، قال: حدثنا محمد بن المُنْذِر، قال:
حدثنا الربيع، قال: بِتُّ عند الشافعي ما لا أُحْصِي، فكان إذا انصرف اتَّشَحَ برداء، ووضعت له منارة قصيرة، واتكأ على وسادة
стр. 285
وتحته مُضَرَّبَتَان، ويأخذ القلم فلا يزال يكتب.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال:
حدثنا أبو بشر بن أحمد (١) بن حماد، قال: حدثنا أبو بكر بن إدريس، قال:
سمعت الحميدي يقول: خرجت مع الشافعي إلى مصر، فكان هو ساكناً في العلو ونحن في الأوساط، فربما خرجت في بعض الليل فأرى المصباح، فأصيح بالغلام، فيسمع صوتي، فيقول: بِحَقِّي عليك أرْقَ، فأَرْقَى فإذا قرطاس وجُزء، فأقول: مه يا أبا عبد الله، فيقول: تفكرت في معنى حديث، أو في مسألة، فخفت أن يَذْهَبَ عَلَيًّ (٢)، فأمرت بالمصباح، فكتبته (٣).
وقرأت في كتاب زكريا السّاجي، عن أحمد بن محمد بن أبي العباس، عن محمد بن عبد الملك المصري، قال:
دخل رجل على الشافعي قبل طلوع الفجر، فوجده ينظر في المصحف، فقاله له: في هذا الوقت يا أبا عبد الله؟ قال: إني لعلى هذا منذ صلّيت