[(١ قال ابن مهاجر: فسألت «الأصمعي» عن تفسيره، فذكر بنحو من قول الشافعي ١) فسألت عنه «وكيع بن الجَراح» فقال: إنما هو عندنا على صيد الليل. فذكرت له قول الشافعي فاستحسنه، وقال: ما ظنناه إلا على صيد الليل (٢).
وهذا فيما أخبرناه شيخنا أبو عبد الله الحافظ، قال: وفيما ذكر أبو العباس السّيّاري، عن عبدان. فذكر بتمامه.
* * *
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيّان، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، قال: قُرِئ على أبي بكر بن أحمد ابن عمرو بن أبي عاصم النَّبِيل، وأنا حاضر، قال: حدثنا الشافعي - يعني إبراهيم ابن محمد، قال:
سمعت «محمد بن إدريس الشافعي» في حديث النبي، ﷺ : أنه كان معتكفاً في المسجد، فأتته صفية، ثم رجعها فمشى معها، فإذا رجلان من الأنصار، فقال النبي، ﷺ : «إنها صفيّة، وإنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم»: يقول: إنما هذا من النبي: ﷺ ، على التعليم، ليس هذا من النبي، ﷺ ، على التهمة، لو اتهماه لكفرا. هذا من النبي، ﷺ ، على الأدب. يقول: إذا مَرَّ أحدكم
стр. 352
على رجل يكلِّم امرأةً وهي منه بسبب فليقل: إنها فلانة، وهي منا بسبب. فقال: «ابن عيينة: جزاك الله عنا خيراً يا أبا عبد الله (١).
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا علي بن محمد بن عمر الرازي الفقيه، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس، عمن حدثه، قال:
كنا في مجلس ابن عيينه، والشافعي حاضر، فحدّث ابن عيينة عن الزهري، عن علي بن الحسين:
أن النبي، ﷺ ، مر به رجل وهو مع امرأته صفية. فقال: تعال، هذه امرأتي صفية. فقال: سبحان الله يا رسول الله! فقال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم (٢)».
فقال ابن عيينة: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟
فقال: إن كان القوم اتهموا النبي، ﷺ ، كانوا بتهمتهم إياه كفاراً، لكن النبي، ﷺ ، أدّب مَنْ بَعْدَه، فقال: إذا كنتم هكذا [فافعلوا هكذا (٣)] حتى لا يظن بكم ظن السوء، لا أَنَّ النبي، ﷺ – وهو أمين الله في أرضه – اتهم.
فقال ابن عُيَيْنَة: جزاك الله خيراً يا أبا عبد الله، فما يجيئنا منك إلا كل ما نحبّه.
стр. 353
ورواه «عبد الرحمن في كتابه (١)» عن محمد بن روح، عن إبراهيم بن محمد الشافعي، قال: كنا جلوساً في مجلس ابن عيينة. فذكره.
* * *
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ومحمد بن موسى؛ قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي. فذكر بإسناده حديث النبي، ﷺ «تجافوا لذوي الهيئآت عن عثراتهم (٢)» ثم قال: سمعت من أهل العلم مَن يعرف هذا الحديث ويقول: نتجافى (٣) للرجل ذي الهيئة عن عثرته ما لم يكن حدًّا.
قال: وذوو الهيئات (٤) الذين يقالون عثراتهم: الذين ليسوا يعرفون بالشر فيزِلّ أحدهم الزّلّة (٥).
وفي رواية الزعفراني عن الشافعي: الذين ليسوا يعرفون بالشر قبل إحْدَاثِهم الزّلّة التي (٦) أخذوا عليها (٧).
وأخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
стр. 354
أنبأنا الشافعي. فذكر بإسناده مرسلا: أن النبي، ﷺ ، لعن المُخْتَفِي والمُختَفِيَةَ (١).
قال الشافعي: المختفي: النّباش.
وبهذا الإسناد قال:
أنبأنا الشافعي في معنى قوله، ﷺ : «لا تُخَالِطُ الصّدقَةُ مالاً إلّا أَهلَكَتْهُ» قال: يعني (٢) - والله أعلم - أن خيانة الصدقة تُتْلِفُ المال المخلوطَ بالخيانة من الصّدقة (٣).
وبهذا الإسناد قال:
حدثنا الشافعي في قول رسول الله، ﷺ : «إذا أتاكم المُصَدِّقُ فلا يفارقكم إلا عن رضا» (٤) قال: يعني - والله أعلم - أن يُوفّوه طائعين، ولا يَلْوُوه، لا أَنْ يُعْطُوه من أموالهم ما ليس عليهم. فبهذا نأمرهم ونأمر المُصَدِّق (٥).
وبهذا الإسناد قال:
قال الشافعي: روى ابن أبي مُلَيْكَةَ مُرْسَلاً: أن النبي، ﷺ
стр. 355
قال: «من أَسْلَم على شيء فهو له (١)». ومعنى ذلك: من أسلم على شيء يجوز له مِلْكُه فهو له.
* * *
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع، قال:
قال الشافعي: روى أن أبا بَكْرَةَ ركع وحده، وخاف أن تفوته الركعة (٢)، فذكر ذلك للنبي، ﷺ ، فقال: «زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ» [قال الشافعي: فلما لم يأمره بإعادة – دل ذلك على أنه يجزي عنه. وقوله: «لا تعد» (٣)] يشبه قوله: «لا تأتوا الصلاة وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فاقضوا (٤)» يعني –
стр. 356
والله أعلم - ليس عليك أن تركع حتى تصل إلى موقفك؛ لما في ذلك من التعب، كما ليس عليك أن تسعى إذا سمعت الإقامة.
وعَبَّرَ عنه في القديم، في رواية الزعفراني، فقال: وقد يجوز في قوله: «لا تعد» على حب (١) أن لا تصلي إلا في الصف. ويجوز على إرادة التخفيف، كما أمر الناس أن لا يسعوا إلى الصلاة تخفيفاً. والله أعلم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن علي، قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني بن محمد - قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: قال الشافعي: معنى قول النبي، ﷺ :
«حدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حَرَج» أي لا بأس أن تحدِّثوا عنهم مما (٢) سمعتهم، وإن استحال أن يكون في هذه الأمة مثل ما رُوِي: من النّار التي تنزل من السماء فتأكل القُرْبَان، ليس أَنْ يُحَدِّث عنهم بالكذب وما لم يُرْوَ (٣).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
قال الشافعي في قول النبي، ﷺ : «وفي نَزْعِه ضَعْف» (٤) يعني
стр. 357
أبا بكر الصديق: قِصَر مدته، وعجلة موته، وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتَّزَيُّد الذي بلغه عمر في طول مدته (١).
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن أبي عبد الله: محمد ابن يوسف بن النضر الشافعي، فيما قرأ عليه بالشام، عن الربيع ابن سليمان:
عن الشافعي في تفسير هذا الحديث، زاد: قال: وقوله في عمر ابن الخطاب «فاستحالت في يده غَرْباً» والغَرْبُ: الدلو العظيم الذي إنما تنزعه الدابة والزَّرْنُوقُ (٢)، ولا يَنْزِعُه الرجلُ بيده؛ لطول مدته وتزيّده في الإسلام، لم يزل يَعْظُم أمرُه ومَتَاحَتُهُ للمسلمين كَمَتْحِ الدّلْو العظيم (٣).
أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
стр. 358
قال الشافعي، ﵁، في ذكر الرّمّة (١) يقول الشاعر:
[بها جِيَفُ الحَسْرَى] أمّا عِظَامُها ... فَرَمٌّ وأما لَحْمُهَا فَصَلِيبُ (٢)
قال الشافعي؛ الرّمة: العظم (٣).
أخبرنا أبو عبد الله، وأبو سعيد؛ قالا: حدثنا أبو العباس، قال:
أنبأنا الربيع، قال: قلت للشافعي: فما معنى رفع اليدين عند الركوع؟ فقال: مثل معنى رفعهما عند الافتتاح، تعظيما لله، وسُنَّة مُتَّبَعَة يرجى فيها ثواب الله، . ومثل رفع اليدين على الصّفا والمَرْوَة، وغيرهما.
وأخبرنا أبو عبد الله، قال: أخبرني نصر بن محمد بن أحمد المعدل، قال: حدثني محمد بن عمرو البصري، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عاصم، قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن يوسف البغدادي، بالرَّمْلَة، قال:
سمعت بعض أصحابنا يحكي عن «الشافعي» قال: صليت بجنب محمد
стр. 359
ابن الحسن، فرفعت يدي عند الركوع وبعد الركوع، فلما سلَّمنا، قال لي محمد ابن الحسن: لم رفعت يديك؟ قلت: إعْظَاماً لجلال الله، ، واتباعاً لسنة رسولنا، ﷺ ، ورجاء لثواب الله.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حَرْمَلَة، قال: سمعت الشافعي يقول في حديث النبي، ﷺ ، حيث قال لها: «اشْتَرِطِي لهم الوَلاَءَ (١)»: معناه: اشترطي عليهم الولاء، قال الله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ (٢)﴾ يعني عليهم اللعنة (٣).
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع، قال:
قال الشافعي (٤): حديث يحيى بن سعيد، عن عَمْرةَ، عن عائشة - أثْبَتُ من حديث هشام. وأحسبه غلط في قوله: «واشترطي لهم الولاء» وأحسب حديث عَمْرة (٥) أنَّ عائشة كانت شرطت ذلك لهم بغير أمر النبي، ﷺ ، وهي ترى ذلك يجوز، فأَعْلَمَها رسول الله، ﷺ ، أنها إن أعْتقَتْها فالولاء لها. وقال: لا يمنعك منها ما تقدّم من شَرْطِكِ،
стр. 360
ولا أرى (١) أَمَرَها تشترط لهم ما لا يجوز.
* * *
وبهذا الإسناد قال:
قال الشافعي (٢)، في معنى إبطال النبي، ﷺ ، شَرْطَ عائشة لأهل بَرِيْرَةَ أن بَيِّناً - والله أعلم - في الحديث نفسه (٣) أن رسول الله، ﷺ ، قد أعلمهم أنّ الله تعالى قد قضى أنّ الولا، لمن أَعْتَقَ، ونهى رسول الله، ﷺ ، عن الربيع الوَلاَء، وعن هبته (٤). فلما بلغهم هذا كان من اشترطَ خلافَ ما قَضَى الله ورسولُه، ﷺ عاصياً، وكانت في المعاصي حدود وآداب، فكان من أدب العاصين أن يعطل عليهم شروطهم لِيَنْتَكِلوا عن مِثْلِهِ أو يَنْتَكِل بها غيرهم. وكان هذا من أَسْنَى (٥) الأدب.
* * *
стр. 361
أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، قال: حدثنا أبو العباس بن يعقوب، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:
أنبأنا الشافعي في حديث النبي، ﷺ «لا يَغْلَقُ الرهن [الرهن (١)] من صاحبه الذي رهنه، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه (٢)» قال: بهذا نأخذ. وفيه دليل على أن جميع ما كان رَهْناً غير مضمون على المُرْتَهِنِ؛ لأن النبي، ﷺ ، إذْ (٣) قال: الرهن من صاحبه الذي رهنه، فمن كان منه شيء فضمانه منه لا من غيره، ثم زاد فأَكد (٤) له فقال: «له غنمه وعليه غرمه» وغنمه: سلامته وزيادته. وغرمه: عَطَبُه (٥) ونقصه (٦).
وقوله - والله أعلم -؛ «لا يَغْلقُ الرهن» لا يستحقه المرتهن بأَن يدع الراهن قضاء حقّه عند محلّه، ولا يستحق مرتهنه خدمته، ولا منفعة (٧) فيه بارتهانه إياه، ومنفعته لراهنه؛ لأن رسول الله، ﷺ ، قال:
стр. 362
«هو من صاحبه الذي رهنه له غنمه» ومنافعه من غنمه (١).
[قال (٢)]: وإذا لم يخص رسول الله، ﷺ ، رهنا دون رهن - فلا يجوز أن يكون من الرّهن مَضْمون، ومنه غير مضمون (٣). وبسط الكلام فيه.
وقال في «كتاب الرهن [الصغير»: معنى (٤) قول النبي، ﷺ والله أعلم - لا يغلق الرهن [الرهن (٥)]» لا يغلق بشيء. أي إن ذهب لم يذهب بشيء، وإن أراد صاحبه افتكاكه فلا يغلق في يدي الذي هو في يديه، بأن يقول المرتهن: قد أوصلته إليّ فهو لي بما أعطيتك فيه (٦)، ولا يغير ذلك مِنْ شرطِ تَشَارَطَاه فيه ولا غيره. والرهن للراهن أبداً حتى يخرجه من ملكه بوجه يصح إخراجه له. وبسط الكلام فيه. واحتج بآخر الخبر كما مضى (٧).
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول:
стр. 363
سمعت الشافعي يقول في قوله: «ليس منا من لم يَتّغَنَّ بالقرآن (١)» فقال له رجل: يَسْتَغْنِي به؟ فقال: لا، ليس هذا معناه. معناه: أن يقرأ حَدْراً وتَحْزِيناً (٢).
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أحمد بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، قال: حدثنا أبو علي بن أبي الصغير، قال: سمعت المُزَني، يقول (٣):
سمعت الشافعي، يقول في قول النبي، ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» معناه: تحسين الصوت، لا يعني يستغنى به؛ لأنها لو كانت في معنى يستغنى به لكان يَتغَانَى، ويتغنّى من الغناء (٤).
وقرأت في كتاب زكريا (٥) الساجي، حدثنا جعفر بن أحمد، عن (٦) أبي ثور، قال:
سمعت الشافعي، يقول: قال ابن عيينة في حديث (٧) النبي، ﷺ ، «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» هو يستغنى به.
قال الشافعي: تَجرّأ عليه
стр. 364
ابن عُيَيْنَة (١). لو أراد النبي، ﷺ ، الاستغناء به لقال: ليس منا من لم يستغن بالقرآن، فلما قال: ليس منا من لم يتغن بالقرآن - علمنا أنه التَّغَنِّي به (٢).
أخبرنا الشريف أبو الفتح العُمَرِي، ﵀، قال: أنبأنا أبو العباس: أحمد بن محمد بن أبي سعيد الكَرْخِي، بمكة، قال: حدثنا أبو الحسن: على ابن أبي غسّان، بالبصرة، قال: حدثنا زكريا. فذكره.
* * *
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
أنبأنا الشافعي في «كتاب الشِّغَار» قال: فإذا أنْكَحَ ابنتَه للرجل، أو المرأةَ بلى أمرها، مَنْ كانت، على أنْ ينكحَهُ ابنتَه أو المرأةَ بلى أمرها، مَنْ كانت، عَلَى أنّ صدَاقَ كلِّ واحدِةٍ منهما بُضْعُ الأخرى، أو على أن ينكحه الأخرى، ولم يسم لواحدة منهما صداقاً - فهذا الشِّغَار الذي نهى عنه رسول الله، ﷺ ، فلا يحلّ النكاح، وهو مَفْسُوخ (٣).
* * *
стр. 365
أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن الحسين الدّينوري، قال: حدثنا ظفران بن الحسين بن جعفر بن هاشم، قال: حدثنا «عبد الرحمن بن أبي حاتم» قال: قال أبي.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثني الحسين بن محمد الدَّارِمِي، قال: حدثنا «عبد الرحمن»، قال: حدثنا أبي، حدثنا حَرْمَلَة بن يحيى، قال:
سمعت الشافعي يفسر حديث النبي، ﷺ :
«التسبيح للرجال والتصفيق للنساء (١)». قال: لأن صوت المرأة يفتن في غير صلاة، فكره أن يكون في الصلاة [لئلا (٢)] تفتن الناس بصوتها (٣).
* * *
قالا (٤): وأخبرنا «أبو عبد الرحمن بن أبي حاتم» (٥) قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشافعي: الرَّوْع: الفزع. والرُّوْع: القلب. يعني تفسير حديث النبي، ﷺ ، أنه قال:
«إن الرُّوحَ الأمينَ نَفَثَ في رُوْعي أن حراناً على نفسٍ أنْ تخرج من
стр. 366
الدنيا حتى تستوفي رِزْقَها، فأَجْمِلُوا في الطلب (١)».
قالا (٢): وأخبرنا «عبد الرحمن» قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
سمعت الشافعي، يقول في قول رسول الله، ﷺ ، في مكة: «لا يُخْتَلَى خَلاَها (٣)» قال: الاختلاء: الاحْتِشَاشُ قطعاً [ونتفاً (٤)]:
* * *
قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، فيما أملاه عليه إبراهيم بن محمد بن المولد الرّقي، عن الحسين بن الضحاك، عن الربيع، قال (٥):
جاء «حفص الفرد» إلى «الشافعي» وكان يبطل أخبار الآحاد، فقال
стр. 367
للشافعي (١): يا أبا عبد الله، يقولون: إنه لم يُرْوَ للنبي، ﷺ ، حديث إلا وفيه فائدة، فأي فائدة فيما روى عنه: «أنه أتى سبَاطَةَ قوم فبال قائماً (٢)»؟
[قال:] فقال الشافعي: يا حفص، في هذا أكبر (٣) الفوائد، أما تعلم أن العرب تقول: إذا كان بالرجل وجع الظهر شفاه البول قائماً. وإنما بال النبي، ﷺ ، قائماً يطلب الشفاء به، ثم تَرَكَ (٤).
* * *
أخبى، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي: «نهى رسول الله، ﷺ ، عن المَصْبُورَةِ، فالمصبورة: الشاة تُرْبطُ ثم تُرْمَى بالنَّبْل (٥).
أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
стр. 368
قال الشافعي: «نهى النبي، ﷺ ، عن كَسْب الحَجَّام وإرْخَاصُهُ في أن يطعمه النَّاضِحَ والرَّقِيق. قال (١): لا معنى [له] إلا واحد: وهو أنّ من المكاسب دَنِيَّا وحسناً (٢)، وكان كسب الحجام دنيا، فأحبّ له تنزيه نفسه عن الدناءة؛ لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه، فلما رَادَّه (٣) فيه أمره أن يُعْلفه نَاضِحَه ويطعمه رقيقه تنزيهاً له، لا تحريماً عليه.
قال (٤): و [لو] كان حراماً لم يجز لِمُحَيّصَة (٥) أن يملك حراماً، ولا يعلفه
стр. 369
ناضحه، ولا يطعمه رقيقه، ورقيقُه مِمَّنْ عليه فرض الحلال والحرام. ولم يعط [رسول الله] حجَّاماً على الحِجَامَةِ [أجراً إلا (١)] لأنه لا يُعْطِي إلا ما يَحِلُّ له أن يُعْطِيَه. وما حلَّ لِمَالِكِه مِلْكُهُ حَلَّ له ولمن أَطْعَمَهُ إيّاه - أَكْلُه.
* * *
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن على الدارمي، قال: أنبأنا «عبد الرحمن بن محمد (٢)» قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي، ﵁: «بَيْدَ أنهم (٣)» قال: مِنْ أَجْلِ أنّهم (٤).
* * *
стр. 370
وبإسناده قال:
سمعت الشافعي يقول: «يجملون الوَدَكَ» أراد: يذيبون. يعني في تفسير حديث النبي، ﷺ : «لعن اليهود حرِّمت عليهم الشحومُ فَجَمَلُوها (١)».
* * *
стр. 371
وبإسناده قال (١):
قال الشافعي في حديث الأنف: «إذا أُوْعِيَ جَدْعاً (٢): الجَدْعُ: القَطْع (٣).
وبإسناده قال:
قال الشافعي في قول عثمان في أمّ حُبَين: (٤) «حلاَّن» قال: الحُلاَّن: الحَمَل (٥). يعني إذا أصاب المحرم «أمّ حُبَيْن» فقضى فيه عثمان بذلك (٦).
стр. 372
وبإسناده قال:
سمعت الشافعي يقول: الأريكة: السرير (١).
وأخبرنا بتفسير الأريكة أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، عن الشافعي عقيب حديث النبي، ﷺ : «لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمرى» الحديث (٢). قال الشافعي: الأَرِيكَةُ: السّرير (٣).
أخبرنا يحيى بن إبراهيم، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
قال الشافعي - يعني في تفسير ما ورد في حديث المُعْتَدَّة (٤): الحفش: البيت
стр. 373
الصغير الذليل من الشعر والبناء وغيره. والقَبْضُ: أن تأخذ من الدابة موضعاً بأطراف أصابعها (١). والقَبْضُ: الأخذ بالكف كلّها (٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو؛ قالا (٣): حدثنا أبو العباس، محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
حدثنا الشافعي فذكر الأحاديث التي وردت في سَلاَم من سلَّم على النبي، ﷺ ، وهو يبول (٤)، فلم يرد عليه حتى تَيَمَّمَ، ثم رَدَّ عليه.
стр. 374
وفي رواية أخرى: فرد عليه، ولم يذكر التيمم. وقال: فإذا رأيتني على هذه الحال فلا تسلم عليّ.
ثم قال: وفيهما (١) وفي الحديث بعدهما دلائل:
منها: أنّ السّلام اسم من أسماء الله تعالى، فإذا ردّه رسول الله، ﷺ ، قبل التيمم، وبعد التيمم في الحضر، والتيمم لا يجزي المرء وهو صحيح في الوقت الذي لا يكون التيمم فيه طهارة للصلاة - دلّ ذلك على أنّ ذكر الله تعالى يجوز والمَرْءُ غير طاهر للصلاة. ويشبه - والله أعلم - أن تكون (٢) القراءة غير طاهر كذلك؛ لأنها من ذكر الله.
قال: ودليل على أنه ينبغي لمن مَرّ على مَنْ يبول ويتغوّط أنْ يكُفَّ عن السلام [عليه (٣)] في حالة تلك.
стр. 375
ودليل على أن ردّ السلام في تلك الحال مباح؛ لأن النبي، ﷺ ، رَدَّ في تلك الحال - يعني في إحدى هذه الروايات.
قال: وعلى أن ترك الرد [حتى يفارق تلك الحال ويتيمم - مباح، ثم يرد، وليس ترك الرد معطلا (١)] لوجوبه، ولكن تأخيره إلى التيمم.
وترك ردّ السلام إلى التيمم يدل على أن الذكر بعد التيمم اختياراً على (٢) الذكر قبله، وإن كان مباحين؛ لرد النبي، ﷺ ، قبل التيمم وبعده.
فإن ذهب ذاهب إلى أن يقول: لما تيمَّمَ النبي، ﷺ ، لرد (٣) السلام، جاز له التيمم للجنازة والعيدين إذا أراد الرجل ذلك وخاف فَوْتَهَا.
قلنا: الجنازة والعيد (٤) صلاة، والتيمم لا يجوز للصحيح (٥) في المصر (٦) لصلاة، فإن زعمت أنه ذكرٌ جازَ [العيد (٧)] بغير تيمم، كما جاز في السلام بغير تيمم (٨).
стр. 376
يعني وجب أن يجوز بغير تيمم، كما يجوز السلام بغير تيمم. والله أعلم.
أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، قال: أنبأنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع، قال:
قال الشافعي: الشَّفَقُ: الحُمْرة التي في المغرب، ليس البياض. رأيت العرب تسمى الشفق: الحمرة. والدين عربي. فكان هذا من أدَلِّ معانيه.
زاد فيه غيره عن الربيع، قال:
قال لي الشافعي [ذات (١)] ليلة: أَسْرَجْ البغلةَ فأَسْرَجْتُها، فدخل المفَازَة، وتبعته، فلم يزل يسير حتى أمسى، فقال: أمسك البغلة، فأمسكتها عليه، فلم يزل قائماً حتى نمت، ثم جاء وركب البغلة، وتبعته. فلما أن دخل منزله سألته [عن ذلك؟ فقال: ناظرت محمد بن الحسن في الشفق، فقال البياض، قلت: الحمرة (٢)] فلم أرض حتى نظرت فإذا هو الحمرة.
وهذا فيما أخبرناه السلمي، فيما بلغه عن الربيع. وقرأته في كتاب العاصمي (٣) فيما قرأه في أخبار الشافعي. بنحوه.
* * *
أخبرنا محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال:
стр. 377
قال الشافعي – يعني حديث النبي، ﷺ ، في المملوك: «لا يكلَّف من العمل ما لا يطيق (١): يعني – والله أعلم – إلا ما يطيق الدَّوَامَ عليه، ليس ما تطيقه يوماً أو يومين أو ثلاثة ونحو ذلك، ثم يعجز فيما بقي عليه؛ وذلك أن العبد الجَلْدَ، والأمة الجَلْدَةَ، قد يَقْوَيَان أنْ يمشيا ليلةً حتى يُصْبِحَا (٢)، وعامَّةَ يوم ثم يعجزان عن ذلك، ويَقْوَيَان على أن يعملا يوماً وليلةً ولا ينامان فيهما، ثم يعجزان عن ذلك فيما يستقبلان. والذي يلزم المملوك لسيده ما وصفناه من العمل الذي يقدر على الدوام عليه (٣). وبسط الكلام فيه.
وقد أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس. فذكره بإسناده مثله.
* * *
قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: أخبرني الزبير بن عبد الواحد، بحمص، قال: أخبرني محمد بن عبد الله بن جعفر القزويني، قال: سمعت المزني، يقول:
سمعت الشافعي، يقول في حديث النبي، ﷺ ،: «أنه أَعْتَقَ
стр. 378
صفية وجعل عِتقَها صداقَها (١): ليس النبي في هذا كغيره؛ لأنه هو الذي يَلِي عُقْدَةَ النِّكاح.
وقرأت في كتاب أبي منصور الحَمْشَاذِي: أنبأنا أبو علي الماسَرْجِسِي، قال: أخبرنا أبو بكر: أحمد بن مسعود، قال: حدثنا يحيى بن أحمد بن أخي حَرْمَلَة، قال: حدثنا عمي، قال:
قال الشافعي: يقول الله، : ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢)﴾.
وقال رسول الله، ﷺ :
«لا تسبّوا الدهرَ فان الله هو الدهر (٣)»
قال الشافعي: إنما تأويله – والله أعلم – أن العرب كان من شأنها أن تذم الدهر وتسبّه عند المصائب التي تنزل بهم: من موت أو هَدْم أو تلف مال أو غير ذلك، وتسبّ الليل والنهار – وهما الجَدِيدان، والفَتَيَان – ويقولون: أصابتهم قَوَارِعُ الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم؛ فيجعلون الليل والنهار اللذين يفعلان ذلك؛ فقال رسول الله،
стр. 379
صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدهر» على أنه [الذي (١)] يفعل بكم هذه الأشياء؛ فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبّون الله، ، فإنّ الله، تعالى، فاعل هذه الأشياء.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب؛ قال: حدثنا العباس بن يوسف الشِّكْلِي (٢)، قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول:
سمعت الشافعي، يقول في معنى قول النبي، ﷺ ، لعلي بن أبي طالب، ﵁: «من كنت مولاه فعلى مولاه (٣)» يعني بذلك وَلاَءَ الإِسلام. وذلك قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (٤)﴾ وأما قول عمر بن الخطاب لعلي: «أصبحت مولى كل مؤمن» يقول: ولى كل مسلم.
[وعن الربيع قال: قال الشافعي: الإبار: التَّلْقِيح، وهو أن يؤخذ شيء من طلع الفحل فيدخل بين ظَهْرَانَيْ طلع الإناث من النخل، فيكون له بإذن الله تعالى صلاحاً (٥)].
стр. 380
باب
ما يستدل به على فقه الشافعي، وتقدمه فيه، وحسن استنباطه
* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، قال: حدثنا عباس بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزعفراني، قال: حدثنا زكريا ابن يحيى الساجي، قال: حدثني ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبي وعمي يقولان:
كنا عند «ابن عُيَيْنَةَ» وكان إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يسأل عنه، التفت إلى الشافعي، فقال: سلوا هذا (١).
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد: حسان ابن محمد، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: سمعت الربيع، يقول:
سمعت الحميدي، يقول عن «مسلم بن خالد الزنجي» أنه قال للشافعي: أفت يا أبا عبد الله، فقد - والله - آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة (٢).
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: سمعت الحسين بن علي التميمي، يقول:
стр. 381
سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أخبرني أبو عثمان الخوارزمي، نزيل مكة، فيما كتب إليّ، قال: سمعت محمد بن الفضل البزار، قال: سمعت أبي يقول (١):
حججت مع «أحمد بن حنبل» ونزلنا بمكان واحد – يعني مكة – وخرج أبو عبد الله – يعني أحمد – باكراَ، وخرجت أنا معه: فلما صلينا الصبح دُرْتُ المسجد، فجئت مجلس «سفيان بن عيينه» وكنت أدور مجلساً مجلساً طالباً لأحمد ابن حنبل حتى وجدته عند شاب أعرابي، وعليه ثياب مصبوغة وعلى رأسه جُمَّةٌ، فزاحمت (٢) حتى قعدت عند أحمد بن حنبل، فقلت: يا أبا عبد الله، تركت ابن عيينة وعنده الزهري، وعمرو بن دينار، وزيادة بن علاقة، والتابعون – ما الله به عليم؟! فقال لي: اسكت؛ فإن فاتك (٣) حديث بعلو تجده بنزول، ولا يضرك في دينك، ولا في عقلك، ولا في فهمك. وإن فاتك عقل هذا الفتى أخاف ألا تجده إلى يوم القيامة. ما رأيت أحداً أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشي. قلت من هذا؟ قال: محمد بن إدريس.
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، وأبو عثمان: سعيد بن محمد بن محمد ابن عبدان؛ قالا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب، يقول:
سمعت «عبد الله بن أحمد بن حنبل» يقول: سئل أبي عن طلاق السكران
стр. 382
فقال: كنت أَجْتَرِئ قبل، فأما الآن فلا أجترئ؛ لأن الشافعي قال: ليس القلم بمرفوع (١) عن السكران.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا نصر: فتح السندي (٢) يقول: سمعت الحسن بن سفيان، يقول: سمعت حَرْمَلة بن يحيى، يقول:
سمعت الشافعي، يقول في رجل قال لامرأته وفي فيها تمرة: إن أكلتيها فأنت طالق، وإن طرحتيها فأنت طالق – قال: تأكل نصفها وتطرح نصفها (٣).
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي: خالفنا بعض الناس في المُخْتَلِعَة. فقال: إذا طُلّقتْ في العِدَّة لحقها الطلاق. وقال: فما حجتك في أن الطلاق لا يلزمها (٤)؟
قلت: حجتي فيه من القرآن، والأثر، والإجماع، على ما يدل أنّ (٥) الطلاق لا يلزمها.
قال: فأين الحجة من القرآن؟
стр. 383
قلت: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ • وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (١)﴾ وقال ﵎: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢)﴾ وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ (٣)﴾ وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ (٤)﴾.
أرأيت إن قذفها أَيُلاَعِنُها؟ وآلي منها أيلزمه الإيلاء؟ أو ظاهر يلزمه الظهار؟ أو ماتت أيرثها؟ أو مات أترثه؟ قال: لا.
قلت: الآن أحكام الله هذه الخمسة تدل على أنها ليست بزوجة. قال: نعم.
قلت: وحكم الله، تعالى، أنه إنما تطلق الزوجة؛ لأن الله، جل ثناؤه، قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ (٥)﴾ قال: نعم.
قلت: كتاب الله، جل ثناؤه، إذا كان كما زعمنا وزعمت - يدلّ على أنها ليست بزوجة، وهو خلاف قولك.
قال الشافعي: أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس،
стр. 384
وابن الزبير: أنهما قالا في المختلعة يطلقها زوجها، قالا: لا يلزمها طلاق؛ لأنه (١) طلق ما لا يملك.
قال الشافعي: وأنت تزعم أنك لا تخالف واحداً من أصحاب النبي، ﷺ ، إلا إلى قول مثله. فخالفت ابن عباس وابن الزبير معاً، وآيات من كتاب الله، تعالى، ما أدرى لعل أحداً لو قال مثل قولك هذا لقلت له: ما يحل لك أن تكلم في العلم وأنت تجهل أحكام الله، جل وعز.
ثم قلت فيها قولا لو تَخَاطَات فقلت (٢) كنت قد أحسنت الخطأ، وأنت تنسب نفسك إلى النظر.
قال: وما هذا القول؟
قلت: زعمت أنه إن قال للمختلعة (٣) أنت بَتَّة وبَرِيَّة وخَلِيّة ينوي الطلاق - لم يلزمها الطلاق. وهذا يلزم الزوجة. وأنه إن آلى منها، أو تظاهر، أو قذفها، لم يلزمها ما لزم الزوجة. وأنه إن قال: كل امرأة لي طالق لا ينويها ولا غيرها - طلق نساءه، ولم تطلق؛ لأنها ليست بامرأة له. ثم قلت: وإن قال لها: أنت طالق - طلقت. فكيف يطلق غير امرأته؟
وألزمهم في موضع آخر: أن الله تعالى، فرض العدة على الزوجة في الوفاة،
стр. 385
فقال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (١)﴾ والمُخْتَلِعَةُ لا تنتقل إلى عدة الوفاة. وبسط الكلام في المسألة.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو؛ قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:
قال الشافعي: قال «أبو حنيفة»: إذا كان العبد يقاتل مع مولاه جاز أمانه، وإذا كان لا يقاتل وإنما (٢) هو خادم فأمانه باطل.
وقال الأوزاعي: أمَانُه جائز، أجازه عمر بن الخطاب، ولم ينظر كان يقاتل أم لا؟
وقال أبو يوسف في العبد: القول ما قال أبو حنيفة، ليس لعبد (٣) أمان. وأخذ في الرد على الأوزاعي.
قال الشافعي: القول ما قال الأوزاعي، وهو معنى سنة رسول الله، ﷺ ، والأثر عن عمر بن الخطاب، ﵁، وما قال أبو يوسف بإبطال أمان العبد ولا إجازته. يعني حين فرق بين العبد يقاتل ولا يقاتل، أرأيت حجته في أن رسول الله، ﷺ ، قال: «المسلمون يَدٌ على مَنْ سِوَاهُم، تكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم
стр. 386
أدناءهم (١)» أليس العبد من المؤمنين ومن أدنى المؤمنين؟ أو رأيت عمر ابن الخطاب حين أَجاز أمان العبد ولم يسأل أيقاتل أو لا يقاتل (٢) أليس ذلك دليلا على أنه إنما أجازه على أنه من المؤمنين؟ أو رأيت حجته بأن دمه لا يكافئ دم الحر وهو يُقْتَل الحُرُّ به (٣) فكيف يزعم أنه لا يكافئ دمه؟ فإن كان إنما عني: إنما معنى الحديث أن مكافأة الدم بالدية، فالعبد الذي يقاتل عنده لا يبلغ هو بديته دية حر، وهو يجيز أمانه ولو كان ثمنه (٤) خمسين درهما، ويردّ أمان العبد يجعل في ديته دية حر إلا عشرة دراهم، ويجعله أكثر دية من المرأة. فإن كان الأمان (٥) يجوز على الحرية والإسلام فالعبد - يقاتل - خارج من الحرية، وإن كان يجيزه على الإسلام فالعبد - لا يقاتل - داخل في الإسلام. وإن كان يجيزه (٦) على القتال فهو يجيز أمان المرأة وهي لا تقاتل، وأمان الرجل المريض والحجبان وهو لا يقاتل. وإن كان يجيز الأمان على الديات انبغى (٧) أن لا يجيز أمان المرأة؛ لأن ديتها نصف دية الرجل، والعبد لا يقاتل قد (٨) يكون أكثر دية عنده وعندنا من الحرة أضعافاً.
стр. 387
فإن قال: هذا (١) للمرأة دية فكذلك ثمن العبد للعبد دية، وإن (٢) أراد مساواتها بثمن الحر والعبد يقاتل يسوى خمسين درهما عنده جائز الأمان، والعبد لا يقاتل ثمن عشرة آلاف درهم، فجعل ديته عشرة آلاف إلا عشرة وهو أقرب من دية الحر من المرأة.
* * *
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أنبأنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:
أنبأنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، وعن محمد بن النعمان بن بشير، يحدثانه:
عن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلاماً كان لي. فقال، ﷺ : أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله، ﷺ : فارجعه.
قال الشافعي: وقد سمعت في هذا الحديث أن رسول الله، ﷺ ، قال: أليس يسرك أن يكونوا في البر إليك سواء؟ قال: بلى قال: فارجعه.
قال الشافعي: حديث النعمان حديث ثابت، وبه نأخذ، وفيه دلالة على أمور:
стр. 388
منها حسن الأدب في أن لا يفضِّل رجل أحداً من ولده [على بعض (١)] في نُحْل (٢) فيعرض في قلب المفضل عليه شيء يمنعه من بره؛ لأن كثيراً من قلوب الآدميين جُبِلَ على الاقتصار (٣) عن بعض البر إذا أُوثِرَ عليه.
ودلالة على أن نُحْلَ الوالد بعضَ ولده دون بعض جائز من قِبَلِ أنه لو كان لا يجوز كان (٤) أن يقال: إعطاؤك إياه وتركه سواء؛ لأنه غير جائز، وهو على أصل ملكك الأول أشبه من أن يقال: ارجعه. وقوله ﷺ : فارجعه دليل على أن للوالد رد ما أعطى الولد وأنه لا يَحْرَج بارتجاعه.
وقد روى أن النبي، ﷺ ، قال: «أشهد غيري (٥)». وهذا
стр. 389
يدل على أنه اختيار (١).
قال: وإذا كان هذا (٢) هكذا فسواء ادّان الولد أو تزوج رغبَةَ فيما أعطاه أبوه، أو لم يدَّنْ (٣) ولم يتزوج.
وله أن يرجع في هبته له متى شاء. وقد حمد الله، جل ثناؤه، على إعطاء المال والطعام في وجوه الخير، وأمر بها، فقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى
стр. 390
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١)﴾ وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٢)﴾ وقال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ (٣)﴾ وقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (٤)﴾ وقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٥)﴾.
فإذا جاز هذا للأجنبي (٦) وذوي القرب فلا أقرب من الولد، وذلك أن الرجل إذا أعطى ماله ذا قرابته غير ولده أو أجنبيا - فقد منع (٧) ولده وقطع ملكه عن نفسه، فإذا كان محموداً على هذا كان محموداً على أن يعطيه بعض ولده دون بعض. ومَنْعُ بعضهم ما أخرج من ماله أقل من منعهم كلهم
قال: ويستحب أن يسوي بينهم؛ لئلا يقّصر أحد منهم عن بره، فإن القرابة ينفس (٨) بعضهم بعضاً مالا ينفسون العِدَا. وقد فضل «أبو بكر» عائشة بنُحْل وفضل «عمر» عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه. وفضل «عبد الرحمن بن عوف» ولد أم كلثوم.
* * *
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال: