← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أدناءهم (١)» أليس العبد من المؤمنين ومن أدنى المؤمنين؟ أو رأيت عمر ابن الخطاب حين أَجاز أمان العبد ولم يسأل أيقاتل أو لا يقاتل (٢) أليس ذلك دليلا على أنه إنما أجازه على أنه من المؤمنين؟ أو رأيت حجته بأن دمه لا يكافئ دم الحر وهو يُقْتَل الحُرُّ به (٣) فكيف يزعم أنه لا يكافئ دمه؟ فإن كان إنما عني: إنما معنى الحديث أن مكافأة الدم بالدية، فالعبد الذي يقاتل عنده لا يبلغ هو بديته دية حر، وهو يجيز أمانه ولو كان ثمنه (٤) خمسين درهما، ويردّ أمان العبد يجعل في ديته دية حر إلا عشرة دراهم، ويجعله أكثر دية من المرأة. فإن كان الأمان (٥) يجوز على الحرية والإسلام فالعبد - يقاتل - خارج من الحرية، وإن كان يجيزه على الإسلام فالعبد - لا يقاتل - داخل في الإسلام. وإن كان يجيزه (٦) على القتال فهو يجيز أمان المرأة وهي لا تقاتل، وأمان الرجل المريض والحجبان وهو لا يقاتل. وإن كان يجيز الأمان على الديات انبغى (٧) أن لا يجيز أمان المرأة؛ لأن ديتها نصف دية الرجل، والعبد لا يقاتل قد (٨) يكون أكثر دية عنده وعندنا من الحرة أضعافاً.

стр. 387

فإن قال: هذا (١) للمرأة دية فكذلك ثمن العبد للعبد دية، وإن (٢) أراد مساواتها بثمن الحر والعبد يقاتل يسوى خمسين درهما عنده جائز الأمان، والعبد لا يقاتل ثمن عشرة آلاف درهم، فجعل ديته عشرة آلاف إلا عشرة وهو أقرب من دية الحر من المرأة. * * * أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أنبأنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال: أنبأنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، وعن محمد بن النعمان بن بشير، يحدثانه: عن النعمان بن بشير، أن أباه أتى به إلى رسول الله، ﷺ ، فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غلاماً كان لي. فقال، ﷺ : أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله، ﷺ : فارجعه. قال الشافعي: وقد سمعت في هذا الحديث أن رسول الله، ﷺ ، قال: أليس يسرك أن يكونوا في البر إليك سواء؟ قال: بلى قال: فارجعه. قال الشافعي: حديث النعمان حديث ثابت، وبه نأخذ، وفيه دلالة على أمور:

стр. 388

منها حسن الأدب في أن لا يفضِّل رجل أحداً من ولده [على بعض (١)] في نُحْل (٢) فيعرض في قلب المفضل عليه شيء يمنعه من بره؛ لأن كثيراً من قلوب الآدميين جُبِلَ على الاقتصار (٣) عن بعض البر إذا أُوثِرَ عليه. ودلالة على أن نُحْلَ الوالد بعضَ ولده دون بعض جائز من قِبَلِ أنه لو كان لا يجوز كان (٤) أن يقال: إعطاؤك إياه وتركه سواء؛ لأنه غير جائز، وهو على أصل ملكك الأول أشبه من أن يقال: ارجعه. وقوله ﷺ : فارجعه دليل على أن للوالد رد ما أعطى الولد وأنه لا يَحْرَج بارتجاعه. وقد روى أن النبي، ﷺ ، قال: «أشهد غيري (٥)». وهذا

стр. 389

يدل على أنه اختيار (١). قال: وإذا كان هذا (٢) هكذا فسواء ادّان الولد أو تزوج رغبَةَ فيما أعطاه أبوه، أو لم يدَّنْ (٣) ولم يتزوج. وله أن يرجع في هبته له متى شاء. وقد حمد الله، جل ثناؤه، على إعطاء المال والطعام في وجوه الخير، وأمر بها، فقال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى

стр. 390

وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١)﴾ وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٢)﴾ وقال: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ (٣)﴾ وقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ (٤)﴾ وقال: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٥)﴾. فإذا جاز هذا للأجنبي (٦) وذوي القرب فلا أقرب من الولد، وذلك أن الرجل إذا أعطى ماله ذا قرابته غير ولده أو أجنبيا - فقد منع (٧) ولده وقطع ملكه عن نفسه، فإذا كان محموداً على هذا كان محموداً على أن يعطيه بعض ولده دون بعض. ومَنْعُ بعضهم ما أخرج من ماله أقل من منعهم كلهم قال: ويستحب أن يسوي بينهم؛ لئلا يقّصر أحد منهم عن بره، فإن القرابة ينفس (٨) بعضهم بعضاً مالا ينفسون العِدَا. وقد فضل «أبو بكر» عائشة بنُحْل وفضل «عمر» عاصم بن عمر بشيء أعطاه إياه. وفضل «عبد الرحمن بن عوف» ولد أم كلثوم. * * * أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال:

стр. 391

قال الشافعي (١): قصر رسول الله، ﷺ ، في سفره إلى مكة (٢) وهي تسع أو عشر. فَدَلَّ قَصْرُه، ﵇، على أن يُقْصَرَ في مثل ما قصر فيه، ومِنْ أكثر منه. ولم يجز القياسُ على قصره إلا بواحد من اثنين: أن لا يقصر إلا في مثل ما قصر فيه، وفوقه. فلما لم (٣) أعلم مخالفاً في أن يقصر في أقلّ مِنْ سفر رسول الله، ﷺ ، الذي قصر فيه - لم يجز أن يقاس على هذا الوجه. وكان الوجه (٤) الثاني: أن يكون إذا قصر في سفره ولم يحفظ (٥) عنه أن لا يقصر فيما دونه أن يقصر فيما يقع عليه اسم سفر، ولم يمنعنا أن (٦) نقصر فيما دون يومين، إلا أن عامة من حفظنا عنه لا يختلف في أن لا يقصر فيما دونهما. قال الشافعي: فللمرء (٧) عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين (٨) وروى الشافعي في ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وهو مذكور في «كتاب المعرفة» وغيره (٩). قال الشافعي: فأما أنا فأحب أن لا أقصر في أقل من ثلاث احتياطاً على

стр. 392

نفسي، وإن ترك القصر مباح (١). * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أنبأنا الشافعي. يعني في حديث النبي، ﷺ : «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الوَرِق بالوَرِق، ولا البُرّ بالبُرّ، ولا الشّعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح - إلا سَوَاءً بِسَواءِ: عيناً بعين يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد (٢)». قال الشافعي: فلما حرم رسول الله، ﷺ ، في هذه الأصناف (٣) المأكولة التي شح الناس عليها حتى باعوها كيلا لمعنيين (٤): أحدهما: أن يباع منها شيء بمثله، أحدهما نقد والآخر دين. والثاني: أن يزداد في واحد منهما شيء [على مثله (٥)] يداً بيد - كان [ما كان (٦)] في معناهما (٧) محرَّماً قياساً

стр. 393

عليها؛ وذلك (١) ما أكل مما بيع موزونا؛ لأني وجدتها مجتمعة المعاني في أنها (٢) مأكولة ومشروبة، والمشروب في معنى المأكول؛ لأنه كلّه للناس: إما قوت، وإما غذاء، وإما هما. ووجدت الناس شَحُّوا عليها حتى باعوها وزناً (٣)، والوزن أقرب من الإحاطة من الكيل وفي معنى الكيل (٤). قال: والذي منعنا من القياس الوزن بالوَزن من الذهب والورِق أن صحيح القياس إذا قست الشيء بالشيء أن تحكم له بحكمه، فلو قست يعني الطعام الموزون بالدنانير والدراهم كان حكمه حكمها، فلم يحلَّ أن يتبايع إلا يداً بيد. كما لا تحل الدنانير بالدراهم إلا يداً بيد، فلما أجاز المسلمون أن يشتري (٥) بالدنانير والدراهم نقداً عسلا وسمناً إلى أجل فإجَازة المسلمين دلتني على أنه غير قياس عليه، فالدنانير والدراهم محرمان في أنفسهما لا يقاس شيء عليهما. وقال في الفرق بينهما وبين غيرهما أيضاً: إني لم أعلم مخالفاً من أهل العلم في أني لو عملت معدنا فأديت الحق فيما خرج منه ثم أقامت فضته أو ذهبه عندي دهري كان عليّ في كل سنة أداء زكاتها. ولو حصدت طعاماً من أرض (٦) فأخرجت

стр. 394

عُشْرَهُ ثم أقام عندي دهراً – لم يكن عليّ فيه زكاة. وفي أني لو استهلكت لرجل شيئاً قُوِّم عليَّ دنانير أو دراهم؛ لأنها الأثمان في كل مال المسلم (١) إلا الديات (٢). وجرى في كلامه أنه حين قاس المأكول الموزون، على المأكول المكيل – حكم له حكمه حتى لا يجوز أن يشتري بمد حنطة نقداً ثلاثة أرطال زيت إلى أجل (٣). وقال في «كتاب البيوع»: المسموع من (٤) أبي سعيد بن عمرو، عن أبي العباس، عن الربيع، عن الشافعي: وما (٥) بيع جزافاً أو عدداً فهو في الكيل والوزن من المأكول أو المشروب (٦) عندنا؛ لأنا وجدنا كثيراً منها يوزن ببلد ولا يوزن بآخر. وبسط الكلام فيه (٧). وناقضهم في «كتاب القديم» في رواية الزعفراني عنه، بالمعمول من النحاس والجديد وقد يقدرون على وزنه كيف لم يردوه إلى أصله فلا (٨) يجوز بشيء من صنفه إلا وزناً بوزن كما لو عمل الذهب والورق فيه كثيره يكون وزنها أشد على من أراده من وزن إناء نحاس أو درع حديد أو سيف فلا يجوز إثنان منهما بواحد لأن أصلها الوزن فلا تخرج من أصلها بعمل الآدميين. وبسط الكلام فيه. * * *

стр. 395

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أخبرني الصعب بن جثامة أنه سمع النبي، ﷺ ، يسأل عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم. فقال النبي، ﷺ : هم منهم. وزاد عمرو بن دينار عن الزهري: هم من آبائهم (١). وعن سفيان، عن الزهري، عن أبيّ (٢) ابن كعب بن مالك، عن عمه، أن النبي ﷺ ، لما بَعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والولدان. قال: فكان سفيان يذهب إلى أن قول النبي، ﷺ : «هم منهم»

стр. 396

إباحة لقتلهم، وأن حديث النبي، ﷺ ، في ابن أبي الحقيق، ناسخ (١) له. قال: وكان الزهري إذا حدث بحديث الصّعب بن جثامة، أتبعه حديث ابن كعب بن مالك. قال الشافعي: وحديث الصّعب كان في عمرة النبي، ﷺ ، فإن كان في عمرته الأولى فقد قتل ابن أبي الحقيق قبلها، وقيل في سنتها، وإن كان في عُمرته الآخرة فهي بعد ابن أبي الحقيق غير شك. والله أعلم (٢). قال الشافعي: [ولم نعلمه (٣)] رخص في قتل النساء والولدان ثم نهى عنه، ومعنى نهيه عندنا - والله أعلم - عن قتل النساء والولدان: أن يقصد قصدهم بقتل، وهم يُعرفون متميزين عمن (٤) أمر بقتلهم منهم (٥). ومعنى قوله: هم منهم، أنهم يجمعون خصلتين: أن ليس لهم حكم الإيمان الذي يمنع به الدّم، ولا حكم دار الإيمان الذي يمنع به الغارة على الدار. وإذ أباح (٦) رسول الله، ﷺ ، البيات والغارة على الدار، وأغار على

стр. 397

بني المصطلق غارّين - العلم يحيط أن البيات من الغارة إذا حل (١) بإحلال رسول الله، ﷺ ، لم يُمنع أحد بيَّت أو أغار من أن يُصيب النساء والولدان؛ فَيَسْقط (٢) المأثم فيهم، والكفارة والعقل والقود عمن أصابهم؛ إذ أبيح له (٣) أن يُبَيِّت ويغير، وليست لهم حرمة الإسلام، ولا يكون له قتلهم عامداً لهم متميزين عارفاً بهم (٤). وإنما نهى عن قتل الولدان؛ لأنهم لم يبلغوا كفرا فيعملوا به، وعن قتل النساء؛ لأنه لا معنى فيهن لقتال، وإنهن والولدان يتخولون فيكونون قوة لأهل دين الله، . واستشهد (٥) الشافعي بقول الله، : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ (٦)﴾ الآية. فأوجب الله، سبحانه، بقتل المؤمن خطأَ، الدِّيةَ وتحرير رقبة، وفي قتل ذي الميثاق، الدية وتحرير رقبة، إذا كانا ممنوعي الدم بالإيمان والعهد والدار معاً، وكان المؤمن في الدار الممنوعة، وهو ممنوع بالإيمان، فجعل فيه الكفارة بإتلافه، ولم يجعل فيه الدية وهو ممنوع الدم بالإيمان، فلما (٧) كان الولدان والنساء من المشركين لا ممنوعين بإيمان ولا دار، لم يكن فيهم عقل ولا قَوَد ولا مأثم، إن شاء الله تعالى، ولا كفارة.

стр. 398

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي في ذكر مناهي رسول الله، ﷺ ، وما استدل به على أنه أراد ببعض ما نَهى عنه في حالة دون حالة، كما ذكرنا مثاله فيما تقدم، ثم ذكر النهي (١) عن الجمع في النكاح بين المرأة وأختها، وبينها وبين عمتها وبين خالتها، وعن الجمع بين أكثر من أربع نسوة، وعن النكاح في الهدة، وعن نكاح الشغار والمتعة والمحرم، والنهي عن بيوع الغَرر، وبيع الرُّطَب بالتمر إلا في العرايا وغير ذلك، وذكر أنه يفسخ النكاح والبيع في جميع ذلك. ثم ذكر نهي رسول الله، ﷺ ، أن يشتمل الرجل الصَّمّاء (٢) وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد مفضياً بفرجه إلى السماء، وأنه أمر غلاما أن يأكل مما بين يديه، ونهى أن يأكل من أعلى الصحفة، ونهى عن أن يقرن الرجل، إذا أكل، بين التمرتين، أو يكشف الثمرة عما في جوفها، وأن يغرس على ظهر الطريق. قال الشافعي (٣): فلما كان الثوب مباحاً للابسه، والعام مباحاً لآكله حتى يأتي عليه كله إن شاء الله، والأرض مباحة له إذا كانت لله لا لآدمي، وكان الناس فيها شرعا، فهو منهي فيها عن شيء أن يفعله، وقد أمر فيها بأن يفعل شيئا غير الذي نهي عنه، والنهي يدل على أنه إنما نهى عن اشتمال الصماء والاحتباء مفضيا بفرجه غير مستتر: - أن في ذلك كشف عورته، قيل له: استرها بثوبك، فلم يكن

стр. 399

نهيه عن كشف عورته نهيه عن لبس ثوبه، فيحرم عليه لبسه، بل أمره بلبسه (١) كما يستر عورته (٢)، ولم يكن أمره أن يأكل من بين يديه، ولا يأكل من رأس الطعام إذا كان مباحاً له أن يأكل ما بين يديه وجميع الطعام، إلا أدباً في الأكل من بين يديه؛ لأنه أجمل عند المؤاكلة (٣)، وأبعد له من قبح الطعمة والنهمة (٤) وأمره أن لا يأكل من رأس الطعام؛ لأن البركة تنزل منه على النظر له في أن يبارك بركة دائمة (٥) بدوام نزولها، وهو يبيح له إذا أكل ما حول رأس الطعام أن يأكل رأسه، وإذا أباح (٦) له الممر على ظهر الطريق فالممر عليه إذا كان مباحا؛ لأنه لا مالك له يمنع الممر عليه فيحرم منعه (٧). فإنما نهاه لمعنى ثبت نظراً له فإنه؛ قال: فإنها مأوى الهوامّ، وطرق الحيات، على النظر له لا على أن التَّعْريسَ مُحَرَّم، وقد ينهى عنه إذا كان الطريق متضايقا مسلوكا؛ لأن إذا عرس عليه في ذلك الوقت منع غيره حقه في الممر. قال الشافعي: ومن فعل ما نهى عنه وهو عالم بنهيه، فهو عاص بفعله فليستغفر الله ولا يعود. فإن قال قائل (٨): فهذا عاص والذي ذكرت في الكتاب قبله في النكاح والبيوع عاص، فكيف فرقت بين حالهما؟ فقلت: أما في المعصية فلم أفرق بينهما؛ لأني قد جعلتهما عاصيين، وبعض المعاصي أعظم من بعض.

стр. 400

فإن قال قائل (١): فكيف لم يحرم على هذا لبسه وأكله وممره على الأرض بمعصيته؟ قيل له: هذا أمر بأمر في مباح حلال له، فأحللت له ما حل له وحرمت عليه ما حرم، ومعصيته في الشيء المباح له لا تحرمه عليه بكل حال، ولكن يحرم عليه أن يفعل فيه المعصية، وجعل نظير ذلك الرجل يطأ امرأته أو جاريته حائضتين أو صائمتين، لم يحل له ذلك الوطء في حاله تلك، ولم تحرم واحدة منهما عليه في تلك الحال إذا كان أصلها مباحا حلالا. قال: وأصل (٢) مال الرجل محرم على غيره إلا بما أبيح له مما يحل (٣) وفروج النساء محرمات إلا بما أبيحت به (٤) من النكاح والملك، فإذا عقد عقدة البيع أو النكاح منهيا عنهما (٥) على محرم لا يحل إلا بما أحل به (٦)، لم يحل المحرم بمحرم (٧)، وكان على أصل تحريمه حتى يؤتى بالوجه الذي أحله الله به في كتابه، أو على لسان رسول الله، ﷺ ، أو إجماع المسلمين، أو ما هو في مثل معناه. * * * حدثنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا الربيع، قال: حدثنا الشافعي (٨)، قال: لا تجوز إمامة المرأة الرجال

стр. 401

لما قصر بهن فيه عن الرجال؛ فإن الله، جل ثناؤه، يقول: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (١)﴾ وقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (٢)﴾ فلما كانت الصلاة مما يقوم به (٣) الإمام على المأموم، لم يجز أن تكون المرأة التي عليها القيِّمُ قيِّمة على قيِّمها. ولما كانت الإمامة درجة فضل؛ لم يجز أن يكون لها درجة الفضل على من جعل الله له عليها درجة. ولما كان من سنة النبي ﷺ ثم الإسلام أن (٤) تكون متأخرة خلف الرجال؛ لم يجز أن تكون متقدمة بين أيديهم. فإن قال قائل: فالعبد (٥) مفضول؟ قيل (٦): وكذلك الحر يكون مفضولا، ثم يتقدم من هو أفضل منه فيجوز. وقد يكون العبد خيرا من الحر، وقد تأتي عليه حال يعتق فيها فيصير حرا، وهو في كل حال من الرجال. والمرأة لا تصير بكل (٧) حال من أن تكون امرأة عليها قيِّم من الرجال في عامة أمرها * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي، قال: أخبرنا عبد الرحمن – يعني محمد – قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتابه، قال: سمعت أبي، يقول:

стр. 402

الشافعي أَدْخَلَ عليهم – يعني أصحاب أبي حنيفة – إذا بدأ المتوضئ بعضو دون عضو، فقال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (١)﴾ فقالوا – يعني أصحاب أبي حنيفة – إذا بدأ بالمروة قبل الصفا يعيد ذلك الشوط (٢). وقرأت في «كتاب عبد الرحمن بن أبي حاتم» عن أبيه، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى، يقول: قال لي الشافعي (٣) في حلف الرجل بطلاق المرأة قبل أن ينكحها: لا شيء عليه. قال: لأني رأيت الله ذكر الطلاق بعد النكاح، وقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ (٤)﴾. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا بكر: محمد بن عبد الله بن شاذان الرازي، يقول: سمعت أبا الفضل بن مهاجر يقول: سمعت المزني، يقول: سمعت الشافعي، يقول وسئل من العدل؟ قال: ما أحد يطيع الله حتى لا يعصيه، وما أحد يعصي الله حتى لا يطيعه، ولكن إذا كان أكثر عمله الطاعة (٥) ولا يقدم على كبيرة، فهو عدل (٦). قال: سمعت أبا عمرو بن مطر، يقول: سمعت موسى بن عبد المؤمن، يقول: سمعت ابن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي، يقول مثله. * * *

стр. 403

ورواه البويطي عن الشافعي، وزاد فيه (١) عند قوله: حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا. أخبرناه أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن بن محمد، قال: أخبرنا أبو العباس: عبد الله بن محمد ابن عمرو المقرئ قال: سمعت البويطي يقول: قال الشافعي، ﵁، فذكر معناه. وذكره الشافعي في «كتاب الشهادات» رواية الربيع أتم منه (٢)، فقال: ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلا يَمْحَضُ الطاعةَ والمروءة حتى لا يخلطها بمعصية، وترك (٣) المروءة ولا يمحض المعصية، وترك (٤) المروءة حتى لا يخلطها (٥) بشيء من الطاعة والمروءة، فإن كان الأغلب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة – قبلت شهادته. وإذا كان الأغلب الظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة – ردّت شهادته، وكل من كان مقيما على معصية فيها حد [وأخذ (٦)] فلا تجوز (٧) شهادته، وكل من كان منكشف الحال في الكذب مُظهرَه غير مستتر به – لم تجز شهادته، وكذلك كل من جرّب بشهادة زور (٨) وهذا فيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ، إجازة، قال: حدثنا أبو العباس – هو الأصم – قال: أخبرنا الربيع عن الشافعي فذكره. * * *

стр. 404

أخبرنا محمد بن الحسن السلمي، قال: سمعت أحمد بن الحسن الأصبهاني، يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن بشر الحافظ، يقول: سمعت عبد الله (١) بن محمد ابن هارون، يقول: سمعت محمد بن إدريس الشافعي، يقول بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله وسنة نبيه، ﷺ ، فقال له رجل: أصلحك الله، ما تقول في المحرم قتل زُنْبورا؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ (٢)﴾ حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعى بن حراش، عن حذيفة، قال: قال رسول الله، ﷺ : اقتدوا باللذَينِ من بَعْدِي: أبي بكر وعمر (٣). وحدثنا سفيان، عن مسعر، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر، أنه أمر بقتل الزنبور. ورأيته في «كتاب أبي نعيم الأصبهاني» بإسناد له عن أبي بكر بن محمد ابن يزيد بن حكيم المستملى، عن الشافعي. غير أنه جعل السؤال عن أكل فرخ الزنبور، وقال في الإسناد: حدثنا سفيان، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، عن مولى لربعى، عن ربعى، عن حذيفة، وقال في إسناد حديث عمر: حدثونا عن إسرائيل، قال المستملى: حدثنا أبو أحمد، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى،

стр. 405

عن سويد بن غفلة، أن عمر بن الخطاب أمر بقتل الزنبور (١). قال الشافعي: وفي المعقول أن ما أُمِرَ بقتله فحرام أكله. * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا محمد: أحمد بن عبد الله المزني، يقول: حدثنا محمد بن سهل بن الحسن البغدادي، قال: حدثنا وبرة (٢) بن محمد الغساني، قال: سمعت معمر بن شبيب، يقول: سمعت المأمون، يقو لمحمد بن إدريس الشافعي: يا محمد، لأي علة خلق الله الذباب؟ قال: فأطرق، ثم قال له: مذلة للملوك يا أمير المؤمنين. قال: فضحك المأمون وقال: يا محمد، رأيت الذبابة قد سقطت على خدّي؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ولقد سألتني وما عندي جواب، فأخذني من ذلك الزَّمَعُ، فلما رأيتُ الذبابة (٣) قد سقطت بموضع لا يناله أحدٌ؛ انفتح فيه الجواب. فقال: لله دَرّك يا محمد. * * * أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو بكر بن عثمان البغدادي، قال: سمعت من يحكي عن محمد بن إسحاق عن المزني، قال: سئِل الشافعي عن نعامة ابتلعت جوهرة لرجل آخر؟ فقال: لست آمره بشيء، ولكن إن كان صاحب الجوهرة كيِّساً غدا على النعامة

стр. 406

فذبحها واستخرج جوهرته ثم ضمن لصاحب النعامة ما بين قيمتها حية ومذبوحة (١). * * * أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثني أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الرّعيني المعدل بمصر، قال: حدثنا أبو الحسن: أحمد بن محمد بن الحارث بن القباب، قال: حدثنا إسحاق بن صُغَير العطار، قال: سألت أبا عبد الله الشافعي، قلت له: ما تقول في رجل احتلب عنزا (٢) من الظباء وهو مُحْرِم؟ قال: فقال: تقوّم العنز باللبن، وتقوّم بلا لبن، فينظر نقص ما بينهما فليتصدق به. فقلت له: من أين وما الحجة على مخالفنا؟ فقال: أصاب إنسان (٣) ملكا ضائعاً، قال إسحاق: معناه مثلك يناظرني؟ * * * أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا علي بن عمر الحافظ ببغداد، قال: حدثنا الحسن بن رشيق، قال: حدثنا عبد الله بن الحسين المصعبي، قال: حدثنا عمارة بن وثيمة، قال: حدثنا داود بن أبي صالح، قال: قلت للشافعي: يا أبا عبد الله، أنت تقول:

стр. 407

لا تجوز الصلاة وفي ثوب المصلي من شعره شيء، وهذا ما لا ينضبط ولا يقدر على التحرز منه، نشدتك بالله إلا ما نظرت في هذا قبل أن تموت، فقال: أشهد على أني رجعت عن هذا قبل أن أموت. وقد نقلت سائر أقواله فيه في «المبسوط (١)». وقرأت في كتاب الشيخ أبي بكر بن زكريا الساجي (٢) سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد، يقول: سمعت أبا العباس بن سُريج القاضي، يقول: سمعت إبراهيم البلدي، يقول: سمعت المزني، يقول: رجع الشافعي عن قوله بنجاسة شعر بني آدم. قال: وسمعت أبا الوليد، يقول: سمعت أبا العباس بن سُريج يقول: لا أعلم للشافعي في ذلك نصاً ولا رجوعاً إلا أنه قال في المرأة: إذا وصلت شعرها بشعر إنسان، قد قيل: تعيد الصلاة وقيل: لا تعيد. قلت: كذا (٣) قاله القاضي أبو العباس بن سُريج، ﵀، في هذه الحكاية عنه. وقد أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي (٤)، ﵀: لا يصلي الرجل والمرأة واصلين شعورهما بشعر

стр. 408

ما لا يؤكل لحمه، ولا بشعر ما يؤكل لحمه، إلا أن يؤخذ منه (١) شعره وهو حي، فيكون في معنى المذكي، كاللبن، ويؤخذ [بعد (٢)] ما يذكّي ما يؤكل لحمه، فيقع الذكاة (٣) على [كل (٤)] حي [منه (٥)] وميت. قال: وإن سقط من شعورهما شيء فوصلاه بشعر إنسان أو بشعورهما – لم يصليا فيه، فإن فعلا فقد قيل: يعيدان. ولا يجوز أن يستمتع من الآدميين بما يستمتع به من البهائم بحال؛ لأنها مخالفة شعور ما يؤكل لحمه ذكيا وحيا (٦). فقول الشافعي: فقد قيل: يعيدان، يتضمن قوله: وقيل: لا يعيد. غير أنه لم ينقل فيما نقل لينا من كتاب. والله أعلم. أخبرنا أبو زكريا: يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا أبو عبد الله الزبير بن عبد الواحد، قال: حدثني أبو عبد الله: محمد بن أحمد بن أخي عيسى عن زغبَة (٧). قال: حدثنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: إذا ضاقت الأشياء اتسعت وإذا اتسعت ضاقت.

стр. 409

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أنبأنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: لا يكون لك أن تقول إلا عن أصل، أو قياس على أصل. والأصل: كتاب أو سنة، أو قول بعض أصحاب رسول الله، ﷺ ، أو إجماع الناس (١). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثني أبو بكر: محمد بن علي الفقيه للقفال، قال: حدثنا عمر بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: لا يقال للأصل: لم ولا كيف. وقد ذكر الشافعي، ﵀، في مسألة المنيّ فصلا، بين فيه المعنى فيما أمر به تعبدا، فقال (٢): ولو كان كثرة الماء إنما يجب لقِذَر ما يخرج، كان هذان – يعني الخلا والبول – اقذر، وأولى أن يكون على صاحبهما الغسل مرات، وكان مخرجهما أولى بالغسل من الوجه الذي لم يخرجا منه، ولكن إنما أمر الله تعالى بالوضوء لمعنى تعبدا ابتلى الله به طاعة العباد؛ لينظر من يطيعه منهم، ومن يعصيه، لا على قذر، ولا على نظافة ما يخرج. وهذا فيما أخبرناه أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال: حدثنا الشافعي ﵀: فذكره.

стр. 410

باب ما يستدل به على معرفة الشافعي بأصول الفقه * * * وهذا الباب كبير (١). والشافعي، ﵀، أوّل من صنف في أصول الفقه. وقد نقلت إلى أول «كتاب المبسوط»، «وكتاب المعرفة» ثم إلى «كتاب المدخل إلى السنن» ما يُستدل به على معرفته بذلك. وإيرادُ جميعه ها هنا مما يطول به الكتاب، فاقتصرت على إيراد شيء منه يسير، وبالله التوفيق والتيسير. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن محمد بن يحيى الدارمي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد الرازي، قال: أخبرني أبو عثمان: نزيل مكة، قال: سمعت دبيس، يقول: كنت مع أحمد بن حنبل في المسجد الجامع فمر حسين - يعني الكرابيسي - فقال: هذا - يعني الشافعي - رحمة من الله لأمة محمد، ﷺ ، ومر حسين. ثم جئت إلى حسين، فقلت: ما تقول في الشافعي ﵀؟ قال: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الناس الكتاب والسنة والاتفاق، وما كنا ندري ما الكتاب ولا السنة نحن والأولون حتى سمعنا من الشافعي الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 411

قلت: ولهذا قال: لا يقال للأصل: لم وكيف؟ وبالله التوفيق. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١)﴾ وقال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٢)﴾ وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾. قال الشافعي: فجماع (٤) ما أبان الله، ، لخلقه في كتابه مما تعبدهم به لما مضى في حكمه، جلّ ثناؤه، من وجوه. فمنها: ما أبانه لخلقه نصا، مثل جُمَل فرائضه في أن عليهم صلاة وزكاة وحجاً وصوماً، وأنه حرّم (٥) الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ونص على الزنا والخمر وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وبيّن لهم كيف فَرْض (٦) الوضوء، مع غير ذلك مما بيّن نصّا. ومنه (٧) ما أَحْكَم فرضه بكتابه، وبيّن كيف هو على لسان نبيه،

стр. 412

صلى الله عليه وسلم، مثل عدد الصلاة والزكاة ووقتها، وغير ذلك من فرائضه التي أنزل في كتابه. ومنه: ما سَنَّ (١) رسولُ الله، ﷺ ، مما ليس لله فيه نص حكم. وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله، ﷺ ، والانتهاء إلى حكمه. قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ (٢)﴾ وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (٣)﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ (٤)﴾ فأعلمهم أن بيعتهم رسول الله، ﷺ بيعته، وكذلك أعلمهم أن طاعته طاعته، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥)﴾ مع سائر ما ورد في معنى هذه الآيات. قال الشافعي (٦): فَمَن قَبِل عن رسول الله ﷺ فبفرض الله قَبِل. ثم قال: ومنه ما فرض على خلقه الاجتهاد في طلبه، وابتلى طاعتهم في الاجتهاد كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض الله عليهم؛ فإنه يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٧)﴾.

стр. 413

وقال: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ (١)﴾ وقال: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (٢)﴾ قال الشافعي (٣): فليس لأحد أبداً أن يقول في شيء حل ولا حرم إلا من جهة العلم. وجهة العلم الخبر: في الكتاب، والسنة، أو الإجماع، أو القياس. والقياس: ما طلب بالدلائل على موافقة الخبر المتقدم من الكتاب أو السنة، لأنهما علم الحق المفترض طلبه. وموافقته تكون من وجهين: أحدهما: أن يكون الله أو رسوله حرّم الشيء منصوصاً أو أحله لمعنى، فإذا وجدنا ما في مثل ذلك المعنى فيما لم ينص فيه بعينه كتاب ولا سنة أحللناه أو حرمناه؛ لأنه في معنى الحلال أو الحرام. ونجد الشيء يشبه الشيء منه والشيء من غيره، ولا نجد شيئاً أقرب به شبهاً من أحدهما فنُلحقه بأولى الأشياء شبهاً به. وذكر مثال ذلك من جزاء الصيد وغيره. * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:

стр. 414

قال الشافعي: قال الله، ﵎: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (١)﴾ الآية. وقال لنبيه ﷺ في أهل الكتاب: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٢)﴾ وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ (٣)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ (٤)﴾. قال الشافعي (٥): فأعلم الله نبيه، ﷺ ، أنّ فرضاً عليه وعلى مَنْ قِبَله والناس إذا حكموا أن يحكموا بالعدل، «والعدل» اتباع حكمه المنزَّل؛ قال الله، جل ثناؤه، لنبيه ﷺ حين أمره بالحكم بين أهل الكتاب: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. ووضع الله جل ثناؤه نبيَّه، ﷺ ، مِنْ دينِه مَوْضِعَ الإبانة عن كتاب الله معنى ما أراد، وفرض طاعته، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ (٦)﴾ وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٧)﴾ وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ

стр. 415

عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾. قال الشافعي (٢): فعِلْمُ الحق كتابُ الله تعالى، ثم سنةُ نبيه، ﷺ ، فليس لمفتي ولا لحاكم أن يفتي ولا يحكم حتى يكون عالماً بهما، ولا أن يخالفهما، ولا واحداً منهما بحال. فإذا خالفهما فهو عاص لله به، وحكمه مردود. فإذا لم يوجد المنصوص (٣) فالاجتهاد بأن يُطْلَبا: كما يطلب الاجتهاد بأن يتوجه إلى البيت. وليس لأحد أن يقول مستحسناً على غير الاجتهاد (٤). كما ليس لأحد إذا غاب البيت عنه أن يصلّي حيث أحبّ، ولكنه يجتهد في التوجه إلى البيت. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال: قال الشافعي (٥): «والاجتهاد» لا يكون إلا على مطلوب، والمطلوب لا يكون أبداً إلا على عين قائمة تطلب بدلالة يقصد بها إليها أو بينة (٦) على عين

стр. 416

قائمة. وهذا يبين أَن حَرَاماً على أحدٍ أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر، والخبر من الكتاب والسنة عين يتأخى (١) معناه المجتهد ليصيبه كما البيت يتأخَّاه من غاب عنه ليصيبه أو (٢) قصده بالقياس. ثم ساق الكلام إلى أن قال (٣): وإذا (٤) كان هذا هكذا. كان على العالِم أن لا يقول إلا من جهة العلم. وجهة العلم: الخبر اللازم والقياس بالدلائل على الصّواب؛ حتى يكون صاحب العلم أبداً متّبعا خبراً، وطالب الخبر بالقياس كما يكون متبع البيت بالعيان، وطالبا قصده بالاستدلال بالإعلام مجتهداً. ولو قال (٥) بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم (٦) من الذي قال وهو غير عالم، ولكان القول بغير أهل العلم جائزاً. ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله، ﷺ ، أن يقول إلا من جهة العلم: عِلْمِ ما (٧) مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار: ما وصفت من القياس عليها فلا يقيس إلا من جمع (٨) الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله: فرضه وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وخاصِّهِ وعامه وإرشاده. ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله، ﷺ ، فإذا لم يجد سنة

стр. 417

فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس (١). ولا يكون لأحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن (٢) وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب، ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل وحتى يفرق بين المشتبه، ولا يعجل بالقول به دون التثبت، ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه؛ لأنه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبتا (٣) فيما اعتقد من الصَّواب. وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده والإنصاف من نفسه؛ حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك [ولا يكون بما قال، أعنى منه، بما خالفه حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما يترك] (٤) إن شاء الله تعالى. وذكر فيما (٥) يمتنع القياس عليه أن يكون أحلّ الله لهم شيئا جملة، وحرم منه شيئا بعينه، فيحلون الحلال بالجملة ويحرمون الشيء بعينه، ولا يقيسون على الأول الحرام؛ لأن الأكثر منه حلال، والقياس على الأكثر أولى. وكذلك إن حرم جملة وأحل بعضها، وكذلك إن فرض شيئا وخص النبي، ﷺ ، بالتخفيف في بعضه. وذكر في سبب ما يحسبه الإنسان مختلفا من الكتاب والسنة وليس بمختلف - ما أخبرنا أبو عبد الله، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أنبأنا الربيع، قال:

стр. 418

قال الشافعي: وإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها [وكان مما تعرف من معانيها (١)] اتساع لسانها، وأن فطرتها أن تخاطب بالشيء منه عامًّا ظاهراً يراد به العام الظاهر، ويستغنى بأول هذا منه (٢) عن آخره، وعامًّا ظاهراً يراد به العام ويدخله الخاص، فيُستدل (٣) على هذا ببعض ما خوطب به (٤)، وعاماً ظاهراً يراد به الخاص، وظاهراً يعرف في سياقه أنه يراد به غير ظاهره، وكل هذا موجود في علمه في القرآن (٥) في أول الكلام أو وسطه أو آخره. وتبتدئ الشيء من كلامها يُبِينُ أولُ لفظها فيه عن آخره ويَبتدئ بالشيء من كلامها يُبِينُ آخر لفظها فيه عن أوله. وتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ كما تعرف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها، لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها، وتُسمّى الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتُسمِّي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة (٦). ثم ذكر الشافعي، ﵀، مثالَ كلِّ نوع مما أشار إليه من الكتاب. وذكر فيما نُسِخ من الكتاب: أنّ الله تعالى فرض فرائض أثْبَتَها، وأخرى نسخها، رحمة لخلقه بالتخفيف عنهم، وبالتوسعة عليهم زيادة فيما ابتدأهم به من

стр. 419

نعمة، وأثابهم على الانتهاء إلى ما أَثْبَت عليهم (١) جنتَه والنجاةَ من عذابه، فعمتهم رحمته فيما اُثبت ونسخ. فله الحمد على نعمه (٢). ثم ذكر فصلا في نسخ الكتاب بالكتاب دون السنة، ونسخ السنة بالسنة دون الكتاب، وأن كلَّ واحد منهما كان حقًّا في وقته. وأنه إنما يعرف الناسخ والمنسوخ (٣) بالآخِر من الأمرين. وأنَّ أكثر الناسخ في كتاب الله إنما عرف بدلالة سنة رسول الله، ﷺ . ثم ذكر مثال ذلك، وذكر مثال الفرائض المنصوصة التي سنَّ رسول الله، ﷺ ، معها، ومثال الفرائض الجُمْل التي أبان رسول الله، ﷺ ، عن الله كيف هي ومواقيتها، ومثال العام من أمر الله تعالى الذي أراد به العامّ، والعامّ الذي أراد به الخاصّ. ثم ذكر سنته فيما ليس فيه نصّ كتاب. * * * قال الشافعي بعد فصل طويل في وجوه السنن (٤): وسنَّتُه، ﷺ ، لا تَعْدوا واحداً من الوجوه التي ذهب إليها أهل العلم أنها تُبَيِّن عن كتاب الله، ، إما برسالة من الله، أو إلهام له

стр. 420

وإلهام الأنبياء، صلوات الله عليهم، وحي، وإما بأمر جعله الله إليه (١) لموضعه الذي وضعه به من دينه. * * * وذكر الشافعي، ﵀، فصلا في «علل الأحاديث التي توهم الاختلاف» وهو فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال: قال الشافعي (٢): وكلُّ ما سنَّ رسولُ الله، ﷺ ، مع كتاب الله من سنة فهي موافقة كتاب الله في النص بمثله، وفي الجملة بالتبيين عن الله. والتبيين يكون أكثر تفسيراً من الجملة. وما سنَّ مما ليس فيه نصّ كتاب، فَبِفَرْضِ الله طاعتَه عامَّة في أمره، تَبِعْناه. وأما «الناسخ والمنسوخ من حديثه» فهو كما نسخ الله الحكم من كتابه بالحكم غيره من كتابه. وكذلك سنة رسول الله، ﷺ ، تنسخ سنته. وأما (٣) المختلفة التي لا دلالة على أنها ناسخ ولا أنها منسوخ، فكل أمره مُوتَفِقٌ صحيح لا اختلاف فيه. ورسولُ الله، ﷺ ، عربيُّ اللسان والدار، فقد يقولُ القولَ عامًّا يريد به العام، وعامًّا يريد به الخاصّ، كما وصفتُ في كتاب الله، جل وعز. ويُسْأل عن الشيء فيجيب على قَدْرِ المسألة، ويُؤَدِّي المجيبُ عنه الخبرَ

стр. 421

مُتقَصَّى، والخبرَ مختصراً، فيأتي ببعض معانيه دون بعض. ويُحدِّثُ عنه الرجلَ الحديثَ قد أَدْرَكَ جوابَه ولم يدرك المسألةَ، فيدله على حقيقة الجواب بمعرفته السبب الذي يخرج عليه الجواب. ويسنُّ في الشيء سنّةً وفيما يخالفه أخرى، فلا يخلِّص بعض السامعين بين اختلاف الحالتين اللتين سَنَّ فيهما. ويَسُنُّ (١) سنة في بعض معنى (٢) فيحفظُها حَافِظٌ. ويسنُّ في معنى يخالفه في مَعْنَى ويجامِعُه في معنَى سُنَّةً غيرها، لاختلاف الحالتين (٣) فيحفظُ غيرُه تلك السنَّة، فإذا أَدَّى كلٌّ مَا حَفِظ رآه بعضُ السامعين اختلافاً، وليس منه شيء بمختلف. ويُسنّ بلفظٍ مَخْرجه عامّ جملة بتحريم شيء أو تحليله. ويسنُّ في غيره خلاف الجملة، فيستدل على أنه لم يرد بما حرّم ما أَحَلّ، ولا بما أحلّ ما حرّم. ولكُلِّ هذا نظيرٌ فيما كتبناه من جُمَل أحكام الله، . قال: وكلّ ما كان كما وصفتُ أُمْضِيَ على ما سنَّه عليه وفرّق بيْن ما (٤) فُرّق بينه منه، ولم يُقَل ما فَرْقُ بيْن كذا وكذا؛ لأن قول (٥) ما فَرْق بين كذا وكذا فيما فرّق بيْنه رسول الله، ﷺ ، لا يعدو أن يكون جهلا ممن قاله، أو ارتياباً شراً من الجهل. وليس فيه إلا طاعةُ

стр. 422

الله باتباعه (١). وما لم يوجد فيه إلا الاختلاف فَنَصيرُ إلى الأثْبَت من الحديثين. وقال في موضع آخر: فلا نذهب إلى واحد منهما دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى. وذلك أن يكون أحدهما أثبت من الآخر، أو يكون أشبه بكتاب الله، أو سنة رسول الله، ﷺ ، فيما سوى ما اختَلف فيه الحديثان من سنته، أو أولى بما يعرف أهل العلم، أو أصحَّ في القياس، أَو الذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله، ﷺ (٢). قال: ولم تجد عنه، ﷺ ، حديثين مختلفين إلا ولهما مَخْرَجٌ، أو على أحدهما دلالة بأَحد ما وصفتُ (٣). وقد ذكر الشافعي مثال كل نوع من الأنواعِ التي أشار إليها، فاقتصرت هاهنا على إيراد هذه الجملة، فقال في أقاويل أصحاب رسول الله، ﷺ : إذا (٤) تفرقوا فيها: نصير إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس. ورجح في القديم، وفي كتاب اختلافه ومالك، قول الأئمة من الصحابة على قول غيرهم.

стр. 423

ورجح في القديم أقوال غيرهم من الصحابة بالكثرة، فإن تكافئوا فبأَحسنها مخرجاً. قال الشافعي (١): والأمر في الكتاب والسنة وكلام الناس يحتمل معاني: أحدها: أن يكون الله، ، حرم شيئاً ثم أباحه فكان أمره إحلال ما حرم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا (٢)﴾ وكقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٣)﴾ وكقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٥)﴾ وأشباه لهذا كثيرة (٦). ليس حتما أن يصطادوا إذا أحلوا، ولا ينتشروا للطلب للتجارة إذا صلّوا، ولا ياكل من صداق امرأته إذا طابت منه نفسا، ولا يأكل من بُدْنته إذا نحرها. قال (٧): ويحتمل أن يكون دلّهم على ما فيه رشدهم، ويحتمل أن يكون حتما، وفي كل الحتم من الله الرشد، فقال بعض أهل العلم: الأمْرُ كلّه على الإباحة والدلالة على الرشد، حتى توجد الدلالة من الكتاب، أو السنة، أو الاجماع، على

стр. 424

أنه أريد بالأمر: الحتم، فيكون فرضا لا يحل تركه (١). وما نهى الله عنه فهو محرم حتى توجد الدلالة عليه بأَن النهي عنه على غير التحريم، وإنما أريد به: إرشاد (٢)، أو تنزيه، أو أدب، أو أراد نهيا عن بعض الأمور دون بعض. قال (٣): وقد يحتمل أن يكون الأمر في معنى النهي فيكونان لازمين (٤) إلا بدلالة أنهما غير لازمين. قال (٥): وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة طلب الدلائل؛ ليفرقوا بين الحتم، والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في الأمر والنهي معا. * * * وقال الشافعي: والأحكام في القرآن على ظاهرها وعمومها، وكذلك الحديث عن رسول الله، ﷺ ، على عمومه وظهوره حتى يأتي دلالة بأَنه أراد به خاصا دون عام. أخبرنا محمد بن موسى قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع، قال: أنبأنا الشافعي، قال: أَنبأَنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ، قال:

стр. 425

من باع نخلا قد أُبِّرَت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع (١)». قال الشافعي: وهذا الحديث ثابت عندنا عن رسول الله، ﷺ (٢)، وفيه دلالة على أن الحائط إذا بيع ولم يُؤَبَّر نخلُه، فثمرته للمشتري؛ لأن رسول الله، ﷺ ، إذا خبّر فقال: «[إذا أُبِّر (٣)] فثمرته للبائع» فقد أخبر أن حكمه إذا لم يؤبَّر غير حكمه إذا أُبِّر، ولا يكون ما فيه (٤) إلا للبائع أو للمشتري، لا لغيرهما ولا موقوفا، فمن باع حائطا لم يؤبر فالثمرة للمشتري بغير شرط استدلالا موجوداً بالسُّنّة. قال الشافعي (٥): والإبار: التلقيح، وهو أن يؤخذ شيء من طلع الفحل منه فيدخل بين ظهراني طلع الإناث من النخل فيكون ثمراً بإذن الله (٦). * * * أخبرنا محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال: قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا (٧)﴾ فقلنا: لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة، ولا يجزيه إلا أن يطعم ستين مسكينا، والإطعام قبل أن يتماسا. وإذا ذكر الله الكفارة في العتق في موضع، فقال: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ثم ذكر كفارة مثلها، فقال: ﴿رَقَبَةٍ﴾ نعلم أن
следующие страницы →