← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

مُتقَصَّى، والخبرَ مختصراً، فيأتي ببعض معانيه دون بعض. ويُحدِّثُ عنه الرجلَ الحديثَ قد أَدْرَكَ جوابَه ولم يدرك المسألةَ، فيدله على حقيقة الجواب بمعرفته السبب الذي يخرج عليه الجواب. ويسنُّ في الشيء سنّةً وفيما يخالفه أخرى، فلا يخلِّص بعض السامعين بين اختلاف الحالتين اللتين سَنَّ فيهما. ويَسُنُّ (١) سنة في بعض معنى (٢) فيحفظُها حَافِظٌ. ويسنُّ في معنى يخالفه في مَعْنَى ويجامِعُه في معنَى سُنَّةً غيرها، لاختلاف الحالتين (٣) فيحفظُ غيرُه تلك السنَّة، فإذا أَدَّى كلٌّ مَا حَفِظ رآه بعضُ السامعين اختلافاً، وليس منه شيء بمختلف. ويُسنّ بلفظٍ مَخْرجه عامّ جملة بتحريم شيء أو تحليله. ويسنُّ في غيره خلاف الجملة، فيستدل على أنه لم يرد بما حرّم ما أَحَلّ، ولا بما أحلّ ما حرّم. ولكُلِّ هذا نظيرٌ فيما كتبناه من جُمَل أحكام الله، . قال: وكلّ ما كان كما وصفتُ أُمْضِيَ على ما سنَّه عليه وفرّق بيْن ما (٤) فُرّق بينه منه، ولم يُقَل ما فَرْقُ بيْن كذا وكذا؛ لأن قول (٥) ما فَرْق بين كذا وكذا فيما فرّق بيْنه رسول الله، ﷺ ، لا يعدو أن يكون جهلا ممن قاله، أو ارتياباً شراً من الجهل. وليس فيه إلا طاعةُ

стр. 422

الله باتباعه (١). وما لم يوجد فيه إلا الاختلاف فَنَصيرُ إلى الأثْبَت من الحديثين. وقال في موضع آخر: فلا نذهب إلى واحد منهما دون غيره إلا بسبب يدل على أن الذي ذهبنا إليه أقوى. وذلك أن يكون أحدهما أثبت من الآخر، أو يكون أشبه بكتاب الله، أو سنة رسول الله، ﷺ ، فيما سوى ما اختَلف فيه الحديثان من سنته، أو أولى بما يعرف أهل العلم، أو أصحَّ في القياس، أَو الذي عليه الأكثر من أصحاب رسول الله، ﷺ (٢). قال: ولم تجد عنه، ﷺ ، حديثين مختلفين إلا ولهما مَخْرَجٌ، أو على أحدهما دلالة بأَحد ما وصفتُ (٣). وقد ذكر الشافعي مثال كل نوع من الأنواعِ التي أشار إليها، فاقتصرت هاهنا على إيراد هذه الجملة، فقال في أقاويل أصحاب رسول الله، ﷺ : إذا (٤) تفرقوا فيها: نصير إلى ما وافق الكتاب، أو السنة، أو الإجماع، أو كان أصح في القياس. ورجح في القديم، وفي كتاب اختلافه ومالك، قول الأئمة من الصحابة على قول غيرهم.

стр. 423

ورجح في القديم أقوال غيرهم من الصحابة بالكثرة، فإن تكافئوا فبأَحسنها مخرجاً. قال الشافعي (١): والأمر في الكتاب والسنة وكلام الناس يحتمل معاني: أحدها: أن يكون الله، ، حرم شيئاً ثم أباحه فكان أمره إحلال ما حرم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا (٢)﴾ وكقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ (٣)﴾ وكقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٥)﴾ وأشباه لهذا كثيرة (٦). ليس حتما أن يصطادوا إذا أحلوا، ولا ينتشروا للطلب للتجارة إذا صلّوا، ولا ياكل من صداق امرأته إذا طابت منه نفسا، ولا يأكل من بُدْنته إذا نحرها. قال (٧): ويحتمل أن يكون دلّهم على ما فيه رشدهم، ويحتمل أن يكون حتما، وفي كل الحتم من الله الرشد، فقال بعض أهل العلم: الأمْرُ كلّه على الإباحة والدلالة على الرشد، حتى توجد الدلالة من الكتاب، أو السنة، أو الاجماع، على

стр. 424

أنه أريد بالأمر: الحتم، فيكون فرضا لا يحل تركه (١). وما نهى الله عنه فهو محرم حتى توجد الدلالة عليه بأَن النهي عنه على غير التحريم، وإنما أريد به: إرشاد (٢)، أو تنزيه، أو أدب، أو أراد نهيا عن بعض الأمور دون بعض. قال (٣): وقد يحتمل أن يكون الأمر في معنى النهي فيكونان لازمين (٤) إلا بدلالة أنهما غير لازمين. قال (٥): وعلى أهل العلم عند تلاوة الكتاب ومعرفة السنة طلب الدلائل؛ ليفرقوا بين الحتم، والمباح والإرشاد الذي ليس بحتم في الأمر والنهي معا. * * * وقال الشافعي: والأحكام في القرآن على ظاهرها وعمومها، وكذلك الحديث عن رسول الله، ﷺ ، على عمومه وظهوره حتى يأتي دلالة بأَنه أراد به خاصا دون عام. أخبرنا محمد بن موسى قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أنبأنا الربيع، قال: أنبأنا الشافعي، قال: أَنبأَنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ ، قال:

стр. 425

من باع نخلا قد أُبِّرَت، فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع (١)». قال الشافعي: وهذا الحديث ثابت عندنا عن رسول الله، ﷺ (٢)، وفيه دلالة على أن الحائط إذا بيع ولم يُؤَبَّر نخلُه، فثمرته للمشتري؛ لأن رسول الله، ﷺ ، إذا خبّر فقال: «[إذا أُبِّر (٣)] فثمرته للبائع» فقد أخبر أن حكمه إذا لم يؤبَّر غير حكمه إذا أُبِّر، ولا يكون ما فيه (٤) إلا للبائع أو للمشتري، لا لغيرهما ولا موقوفا، فمن باع حائطا لم يؤبر فالثمرة للمشتري بغير شرط استدلالا موجوداً بالسُّنّة. قال الشافعي (٥): والإبار: التلقيح، وهو أن يؤخذ شيء من طلع الفحل منه فيدخل بين ظهراني طلع الإناث من النخل فيكون ثمراً بإذن الله (٦). * * * أخبرنا محمد بن موسى، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال: قال الشافعي: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا (٧)﴾ فقلنا: لا يجزيه إلا رقبة مؤمنة، ولا يجزيه إلا أن يطعم ستين مسكينا، والإطعام قبل أن يتماسا. وإذا ذكر الله الكفارة في العتق في موضع، فقال: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ثم ذكر كفارة مثلها، فقال: ﴿رَقَبَةٍ﴾ نعلم أن

стр. 426

الكفارة لا تكون إلا مؤمنة (١). ثم ساق الكلام إلى أن قال: لأنهما مجتمعتان في أنهما كفارتان، كما ذكر الشهود في البيع والزنا ولم يذكر عدلا. وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ (٢)﴾ وقال حين الوصية ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ (٣)﴾ وشرط العدل واجتماعهما في أنهما شهادة يدل على أن لا تقبل فيها (٤) إلا العدول وبسط الكلام فيه.

стр. 427

باب ما يستدل به على معرفة الشافعي، بأصول الكلام، وصحة اعتقاده فيها * * * وهذا الباب يشتمل على أبواب. منها: باب ما يؤثر عنه في الإيمان أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثني الزبير بن عبد الواحد الحافظ، بأَسَدَابَاذ، قال: حدثني يوسف بن عبد الأحد، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص. أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال: حدثنا الشافعي - يعني في مسألة ذكرها في كتاب السِّيَر (١) -: وهكذا إن صلى فالصلاة من الإيمان. وأخبرنا أبو سعيد، قال: حدثنا أبو العباس، قال: حدثنا الربيع، قال:

стр. 428

قال الشافعي (١) - يعني في «كتاب الذّبائح» في مسألة ذكرها -: وأُحبّ أن يكثر الصلاة عليه. يعني على النبي، ﷺ . قال الشافعي: فصلّى الله عليه في كل الحالات؛ لأن ذكر الله والصلاة عليه إيمان بالله، وعبادة له يؤجر عليها، إن شاء الله، من قالها. ثم ساق (٢) الكلام إلى أن قال (٣): وما يصلِّي عليه أحد إلا إيماناً بالله، وإعظاماً له، وتقرباً إليه، وقُرْبةً بالصلاة منه وزُلْفَى. * * * أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد الدينوري، بالدَّامَغَان، قال: حدثنا ظفران بن الحسين، قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم الرازي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد المَيْمُوني، قال: حدثني أبو عثمان: محمد بن محمد الشافعي، قال: سمعت أبي: محمد بن إدريس الشافعي، يقول ليلة للحميدي: ما يحتج عليهم - يعني على أهل الإرجاء - أَحَجَّ من قوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا

стр. 429

اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (١)﴾. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: سمعت أبي يقول: سمعت حرملة يقول: اجتمع حفص الفرد ومِصلان الأنماطي (٢) عند الشافعي بمصر فتكلما في الإيمان، فاحتج مصلان في الزيادة والنقصان، واحتج الفرد في الإيمان قولا، فَعَلا حفص الفرد على مصلان، وقوى عليه وضعف مصلان، فشق على الشافعي؛ فأخذ المسألة على أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فطحن حفص الفرد وقطعه (٣). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم المؤذن، عن عبد الواحد بن محمد الأرغياني، عن أبي محمد الزّبيري، قال: قال رجل للشافعي: أي الأعمال عند الله أفضل؟ قال الشافعي: ما لا يقبل عملا إلا به. قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًّا. قال الرجل: ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟

стр. 430

قال الشافعي: الإيمان عمل لله، والقول بعض ذلك العمل. قال الرجل: صف لي ذلك؛ حتى أفهمه. قال الشافعي: إن للإيمان حالات ودرجاتٍ وطبقاتٍ، فمنها التام المُنْتَهِي تمامه، والناقص البيِّن نقصانه، والراجح الزائد رجحانه. قال الرجل: وإن الإيمان ليتمّ وينقص، ويزيد؟ قال الشافعي: نعم. قال: وما الدليل على ذلك؟ قال الشافعي: إن الله، جل ذكره، فرض الإيمان على جوارح بني آدم، فقسمه فيها، وفرقه عليها، فليس من جوارحه جارحة إلا وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أختها، بفرض من الله تعالى: فمنها: «قلبه» الذي يعقل به، ويفقه، ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح، ولا تصدر إلا عن رأيه وأمره. ومنها: «عيناه» اللتان ينظر بهما، و «أذناه» اللتان يسمع بهما، و «يداه» اللتان يبطش بهما، و «رجلاه» اللتان يمشي بهما و «فرجه» الذي البَاهُ من قِبَلِه (١)، و «لسانه» الذي ينطق به، و «رأسه» الذي فيه وجهه. فرض على «القلب» غير ما فرض على «اللسان»، وفرض على «السمع» غير ما فرض على «العينين»، وفرض على «اليدين» غير ما فرض على «الرجلين»، وفرض على «الفرج» غير ما فرض على «الوجه».

стр. 431

فأما «فرض الله على القلب من الإيمان»: فالإقرار والمعرفة والعَقْد، والرضا والتسليم بأنّ الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً، ﷺ ، عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نَبِيّ أو كتاب. فذلك ما فرض الله، جل ثناؤه، على القلب، وهو عمله (١): ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا (٢)﴾ وقال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٣)﴾ وقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ (٤)﴾ وقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ (٥)﴾ فذلك ما فرضَ الله على القلب من الإيمان، وهو عمله، وهو رأس الإيمان. «وفرض [الله (٦)] على اللسان»: القولَ والتعبيرَ عن القلب بما (٧) عَقَد (٨) وأَقرَّ به، فقال في ذلك: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ (٩)﴾ وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا (١٠)﴾ فذلك ما فرض الله على اللسان من القول، والتعبير عن القلب، وهو عمله، والفرض عليه من الإيمان.

стр. 432

وفرض الله (١) على «السمع»: أن يتنزه عن الاستماع إلى ما حرّم الله، وأن يُغْضى (٢) عما نهى الله عنه، فقال في ذلك: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ (٣)﴾ ثم استثنى موضع النسيان، فقال جل وعز: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ أي: فقعدت معهم: ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤)﴾ وقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥)﴾ وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٦)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ (٧)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٨)﴾ فذلك ما فرض الله، جلّ ذكره، على السمع من التّنْزِيه عما لا يحلّ له، وهو عمله، وهو من الإيمان. و «فرض على العينين»: أن لا ينظر بهما إلى ما حرّم الله، وأن يغضيهما عما نهاه عنه، فقال، ﵎، في ذلك: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (٩)﴾ الآيتين: أن ينظر أحدهم إلى فرج أخيه، ويحفظ فرجه من أن ينظر إليه. وقال: كلّ شيء من حفظ الفرج، في كتاب الله، فهو من الزنا إلا هذه الآية، فإنها من النظر.

стр. 433

فذلك ما فرض الله على العينين من غَضِّ البصر، وهو عملها، وهو من الإيمان. ثم أخبر عما فرض على القلب والسمع والبصر، في آية واحدة، فقال: ، في ذلك ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (١)﴾ وقال: يعني وفَرَضَ على الفرج: أن لا يهتكه (٢) بما حرّم الله عليه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٣)﴾ وقال: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ (٤)﴾ الآية. يعني بالجلود: الفروج (٥) والأفخاذ. فذلك (٦) ما فرض الله على الفروج من حفظها عما لا يحل له، وهو عملها. «وفرض على اليدين»: أن لا يبطش بهما [إلى ما حرم الله تعالى، وأن يبطش بهما (٧)] إلى (٨) ما أمر الله من الصدقة وصلة الرحم، والجهاد في سبيل الله، والطهور للصلوات، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (٩)﴾ إلى آخر الآية. وقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً (١٠)﴾ لأن الضرب، والحرب، وصلة الرحم، والصدقة، من علاجها.

стр. 434

«وفرض على الرجلين»: أن لا يمشي بهما إلى ما حرّم الله، جل ذكره، فقال في ذلك: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ (١). «وفرض على الوجه»: السجودَ لله بالليل والنهار، ومواقيت الصلاة، فقال في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢)﴾ وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (٣)﴾ يعني بالمساجد: ما يسجد عليه ابن آدم في صلاته، من الجبهة وغيرها. قال: فذلك ما فرض الله على هذه الجوارح. وسمى الطهورَ والصلواتِ إيماناً في كتابه، وذلك حين صَرفَ اللهُ، تعالى، وجهَ نبيه، ﷺ ، من الصلاة إلى بيت المقدس، وأمره بالصّلاة إلى الكعبة. وأن المسلمون قد صّلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، فقالوا: يا رسول الله، أرأيت صلاتنا التي كنا نصليها إلى بيت المقدس، ما حالها وحالنا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤)﴾ فسمّى الصلاَة إيماناً، فمن لقى الله حافظاً لصلواته، حافظاً لجوارحه، مؤدياً بكل جارحة من جوارحه ما أمر الله به وفرض عليها – لقى اللهَ مستكملَ الإيمان من أهل الجنة، ومن كان لشيء منها تاركا مُتعمِّداً مما أمر الله به – لقى اللهَ ناقصَ الإيمان. قال: وقد عرفت نقصانه وإتمامه، فمن أين جاءت زيادته؟

стр. 435

قال الشافعي: قال الله، جل ذكره: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ • وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١)﴾ وقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (٢)﴾. قال الشافعي: ولو كان هذا الإيمان كله واحداً لا نقصان فيه ولا زيادة - لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل. ولكن بتمام الإيمان دَخل (٣) المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله [في الجنة (٤)]، وبالنقصان من الإيمان دخل المُفَرِّطون النار. قال الشافعي: إن الله، ، سَابَق بين عباده كما سُوبِقَ بين الخليل يوم الرهان. ثم إنهم على درجاتهم من سبق عليه، فجعل كل أمْرِئ على درجة سَبْقِه، لا ينقصه فيها حقَّه، ولا يُقدَّم مَسْبُوقٌ على سابِق، ولا مَفْضُولٌ على فاضل. وبذلك فضّل أول هذه الأمة على آخرها. ولو لم يكن لمن سبق إلى الإيمان فضل على من أبطأ عنه - للحق آخر هذه الأمة بأوّلها. قال أحمد: قد رأيت هذا الجواب عن الإيمان «لأبي عُبَيْد» أبسط من هذا، فإن صحّت الحكايتان فيحتمل أن يكون «أبو عُبَيْدٍ» أخذه عن الشافعي، ثم زاد في البيان. ويحتمل أن يوافق قولٌ قولا. والله أعلم.

стр. 436

وقوله: «دخل المفرطون النار» مُطْلَقٌ في هذه الحكاية، وقد قَيَّده الشافعي، ﵀، في مواضع من كتبه: قال الشافعي – فيمن تولّى عن الزّحف غير مُتَحرِّفٍ لقتال لا مُتَحِّيزاً إلى فئة: خِفْت عليه – إلا أن يعفوَ الله – أن يكون قد بَاءَ بِسَخَطٍ من الله. قلت: هذا الذي نقلناه عن الشافعي، ﵀، في الإيمان: إنما هو في كماله، فأما قدر ما يأتي به الكافر؛ حتى يُحْكَمَ له بحكم الإيمان، فقد أخبرنا أبو سعيد ابن أبي عمرو [رحمة الله عليه] قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا الربيع، قال: أنبأنا الشافعي في مسأَلة إعْتاقِ الرقبة المؤمنة في الكفارة، قال (١): إذا وصَفَت – يعني الرقبة – الإسلامَ فأعتقها بكمالها (٢) – أَجْزَأَتْ عنه. قال: ووصفها الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتَبْرَأَ مما خالف الإسلام من دِين، فإذا فَعَلَتْ فهذا كمالُ وصْفِ الإسلام. قال: وأَحبُّ إليّ لو امتحنها بالإقرار بالبعث بعد الموت وما أشبهه. وذكر حديث معاوية بن الحَكَم: أنه قال لرسول الله، ﷺ ، في الجارية التي لطم وجهها: عَلَيَّ رقبة، أفأَعتقها؟ فقال لها رسول الله، ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء. فقال: من أنا؟ فقالت: أنت رسول الله، ﷺ . قال: فأعتقها. زاد فيه غير الشافعي: «أعتقها؛

стр. 437

فإنها مؤمنة (١)». وذكر في رواية الزّعفراني عنه في «الكتاب القديم»: حديث عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة مرْسَلاً: أنّ رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله، ﷺ ، بجارية له سوداء، فقال رسول الله، ﷺ : أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. قال: أتشهدين أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم. فقال رسول الله، ﷺ : أعتقها (٢). قال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: وفي هذا الحديث، والذي قبله الدلالة على أن وَصْفَ الإسلام إسلامٌ يوجب لصاحبه اسم الإسلام، والإسلام: الإيمان.

стр. 438

قلت: وفي هذا إشارة من الشافعي، إلى أن الإيمان والإسلام اسمان (١) لمسمى واحد، إذا كانا حقيقة، أو كانا باللسان دون العقيدة في حقن الدم، وإنما يفترقان إذا كان أحدهما حقيقة، والآخر بمعنى الاستسلام خوفاً من السيف. قال الشافعي – في رواية الربيع: أخبر الله تعالى عن قوم من الأعراب، فقال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ (٢)﴾ فأَعْلَمُه أنّه لم يدخل الإيمان قلوبهم، وأنهم أظهروه وحَقَن به دماءهم. قال الشافعي: قال «مجاهد» في قوله: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ قال: استسلمنا مخافة القتل والسَّبْي. قلت: وأما حديث «معاوية بن الحكم» فقد خالفه «عبيد الله» في لفظ الحديث، وهو، وإن كان مُرْسَلا، فرواته أفقه. ووافقه «الشريد بن سويد الثقفي» مرسلا (٣). وروى عن عون بن عبد الله بن عتبة عن أبيه، واختلف عليه في إسناده،

стр. 439

ومتنه (١)، وهو إن صح فكأن النبي، ﷺ ، خاطبها على قدر معرفتها؛ فإنها وأمثالها قبل الإسلام (٢) كانوا يعتقدون في الأوثان أنها آلهة في الأرض، فأراد أن (٣) يعرف إيمانها، فقال لها: أين الله؟ حتى إذا أشارت إلى الأصنام – عرف أنها غير مؤمنة، فلما قالت: في السماء، عرف أنها برئت من الأوثان، وأنها مؤمنة بالله الذي في السماء إله وفي الأرض إله، أو أشار، وأشارت، إلى ظاهر ما ورد به الكتاب. ثم معنى قوله في الكتاب: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ (٤): «مَن فوق السماء» على العرش [كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ وكل ما علا فهو سماء،

стр. 440

والعرش أعلى (١)] السموات، فهو على العرش (٢) كما أخبر بلا كيف، بائِنُ من خلقه، غير مُمَاسّ من خلقه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٣).

стр. 441

باب ما يؤثر عنه، ﵀، في دلائل التوحيد * * * قرأت في كتاب أبي نعيم الأَصبِهاني سماعَه من محمد بن إبراهيم بن أحمد، قال: حدثنا زاهر بن محمد بن الفيض: أبو الصقر الحِمْيري (١) الشّيزري، بها، إملاءً، من أصله، قال: حدثنا منصور بن عبد العزيز الثعلبي - بمصر - قال: حدثنا محمد ابن إسماعيل بن الحبَّال الحِمْيَري، عن أبيه، قال: كان محمد بن إدريس الشافعي رجلا شريفاً. فذكر الحكاية في ابتداء تعلّمه، ورحلته إلى مالك بن أنس، ثم خروجه إلى اليمن، ثم حمله إلى العراق، ثم رجوعه، ثم حمله إلى العراق مرة أخرى، مقيداً، واجتماعه مع محمد بن الحسن، وبِشر المريسي، في مجلس هارون الرشيد. قال: فقال له بشر: أخبرني ما الدليل على أن الله تعالى واحد؟ فقال الشافعي: يا بشر، ما تردك من لسان الخواص فأكلمك على لسانهم، إلا أنه لا بدّ لي من أن أجيبك على مقدارك من حيث أنت الدليل عليه به، ومنه وإليه، واختلاف الأصوات من المصوّت إذا كان المحرّك واحداً: دليل على أنه واحد، وعدم الضد في الكلام (٢) على الدوام: دليل على أن الله واحد،

стр. 442

وأربع نيرات (١) مختلفات، في جسد واحد، متفقات الدوام (٢) على تركيبه (٣) في استقامة الشكل: دليل على أن الله واحد. وأربع طبائع مختلفات في الخافقين، أضداد غير أشكال، مؤلفات على إصلاح الأحوال: دليلٌ على أن الله واحد: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ كل ذلك: دليل على أن الله واحد لا شريك له. فقال له بشر: وما الدليل على أن محمداً رسول الله؟ قَال: القرآن المنزل، وإجماع المسلمين عليه، والآيات التي لا تليق بأحد غيره – يعني المعجزات التي ظهرت عليه دون غيره – وتقرير المعلوم (٥) في كون الإيمان بدليل واضح: دليل على أنه رسول الله، ﷺ ، لا بعده مُرْسَلٌ نُقِرُّ له.

стр. 443

وذِكر باقي الحكاية وفيها: فقال له بشر: ادعيت الإجماع، فهل تعرف شيئاً أجمع الناس عليه؟ قال: نعم أجمعوا على أن هذا الحاضر أمير المؤمنين، فمن خالفه قتل. فضحك الرشيد وأمر بأخذ القيد عن رجله وخلع عليه وأمر له بخمسين ألف درهم (١). وقد أخبرني به الثقة من أصحابنا أن أبا نعيم أنبأه إجازة. فذكره. * * * وقال الشافعي في تحميد ربه : قال الله ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (٢)﴾. قال الشافعي: والحمد لله الذي لا يؤدَّى شكرُ نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مُؤَدِّى ماضي (٣) نِعَمِه بأدائها: نِعْمةً حادثةً يجب عليه شكرُه بها (٤)، ولا يبلغ الواصفون كُنْهَ عظمته الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به (٥) خلقه وأحمد حمداً كما ينبغي لِكَرم وجهه وعِزِّ جلاله. ولأستعينه استعانةَ مَنْ لا حول له ولا قوة إلا به. وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه. وأستغفره لما أزلفت وأخرت استغفارَ من يُقرُّ بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.

стр. 444

وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله. ثم ساق الكلام إلى آخره (١). وهو فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيعُ بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي. فذكره. وقال في كتاب «الرسالة القديمة»: وأنا أسأل اللهَ المبتدئَ لنا بنعمه قبل استحقاقها، المُديمَها (٢) علينا بإفضاله مع تقصيرِنَا، الْجَاعِلَنا في خير أمة أُخْرجت للناس: أمة خيرِ خَلْقه: محمدٍ عبده ورسوله ﷺ – أن يأخذ بأسماعنا وقلوبنا وألسنتنا إلى طاعته، وأن يَمْلِك لنا أنفُسَنا وألسنتنا وجميعَ جوارحنا عما يُخالف طاعته وأن لا يكلنا إلى أنفسنا؛ فإنه إن وَكَلَنا إليها وكَلَنا إلى غير كافٍ، وأن يُحْضِرنا العصمةَ والتوفيق، ويُنْطق ألسنتنا بالحق الذي لا تَخْلِطُه الشُّبَه ولا تَمِيلُ به الأهْواء ولا تَخُونه (٣) الغَفَلات. وله دعوات حسان قد نَقلْت أكثرَها إلى كتاب الصلاة والحج من كتاب «المعرفة». وبالله التوفيق والعصمة.

стр. 445

باب ما يؤثر عن الشافعي، ﵀، في أسماء الله، وصفات ذاته وأن القرآن كلام الله، وكلامه من صفات ذاته * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد: محمد بن موسى بن الفضل؛ قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي، قال: مَنْ حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنَث، فعليه الكفارة. ومَن حلف بشيء غيرِ الله مثل أن يقول الرجل: والكعبةِ، وأبي، وكذا وكذا ما كان، فحنث فلا كفارة عليه. ومثل ذلك قوله: لَعمْري. لا كفارة عليه، وكلُّ يمين بغير الله فهي مكروهة منهيٌّ عنها من قِبَل قولِ رسول الله، ﷺ : «إن الله ينهاكم أن تَحْلِفُوا بآبائكم، فَمَن كان حالفاً فَلْيحلِفْ بالله أو لِيَسْكت (١)».

стр. 446

فجعل اليمين باسم من أسماء الله كاليمين بالله، ثم قال: ومن حلف بشيء غير الله فلا كفارة عليه، فبيّن بذلك أنه لا يقال في أسماء الله وصفاته: إنها أغيار، وإنما يقال: أغيارٌ، لما يكون مخلوقاً. قال الشافعي: في روايتنا عن أبي سعيد وحده: فإن (١) قال: وحقِّ الله وعظمةِ الله وجلالِ الله وقدرةِ الله، يريد بهذا كله اليمين أو لا نِيّة له – فَهي يمين. وإن لم يرد به اليمين فليس بيمين؛ لأنه يحتمل أن يكون: وحق الله واجب على كل مسلم، وقدرة الله ماضية عليه لا أنه يَمين. وإنما يكون يَميناً بأن لا ينوىَ شيئاً، أو بأن ينوى يميناً. فجعل الشافعي بعض هذه الألفاظ للذات، وبعضَها لصفة الذات، حتى جعل الحلف بها يميناً عند إرادة اليمين بها وعند الإطلاق. وهو صحيح؛ لأن الحق هو المتحقق وجوده، والعظمة والجلال يَرْجع معناها إلى استحقاق الذات إعظامَه وإجلالَه، والقدرةُ من صفات الذات. فإن أراد بالحق: الحقوق التي هي واجبةٌ لله على كل مسلم فهي أغْيار، وهي العبادات التي أمره بها، واجتناب الفَواحش التي نهى عنها، وهي مِن اكتساب العباد، وهي مخلوقة.

стр. 447

وإن (١) أراد بالقدرة أيضاً ما (٢) قدّره على عباده بقدرته فذلك خلقُه وهو غيرٌ. وإن (٣) أراد بالعظمة والجلال ما في ملكوت السموات والأرض مِن آياته فهو مخلوق، فالحِلفُ بذلك يكون حَلِفاً بغير الله، فلا يكون يميناً. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السُّلَمي، قال: سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت مكي بن عبدان يقول: سمعت جعفر بن محمد ابن موسى يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: مَنْ حلف باسم من أسماء الله فعليه الكفارة؛ لأن أسماءه غير مخلوقة. ومَن حلف بالبيت والكعبة فلا كفارة عليه. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق إجازة قال: حدثنا سعيد بن أحمد بن زكريا اللخمي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي، ﵀، يقول: إذا سمعتَ الرجل يقول: الاسم غير المسمى – فاشهد عليه بالزَّنْدقة. أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال: قال الشافعي: وإن قال: لعمر الله، فإن أراد اليمين فهي يمين، وإن لم

стр. 448

يُرد اليمين فليست بيمين؛ لأنها تحتمل غير اليمين؛ لأن قوله: لعمري إنما هي لحقي. (١) قال: وإذا قال: عليَّ عهدُ الله وميثاقه وكفالته ثم حنث - فليست بيمين إلا أن ينوي بها يميناً. وكذلك ليست بيمين لو تكلم بها وهُوَ لا ينوي شيئاً من قِبَل أن لِله عليه عهداً أن يؤدي فرائضه، وكذلك لله عليه ميثاق بذلك، وأمانة بذلك، وكذلك الذّمة، والكفالة. (١) قلت: قوله: لعمر: الله يحتمل وحياة الله فيكون حَلِفاً بصفة الحياة، وهي من صفات الذات فتكون يميناً، فإن لم يُرِد يمينا فتحتمل وحقّ الله على عباده، من العبادات واجتناب المحرمات؛ فتكون أغياراً؛ فلا يكون يمينا. وقوله: على عهد الله، وميثاقه، وكفالته: يحتمل استحقاقَ الله ما تعبَّدَنا به، ويحتمل أمرَ الله الذي هو قولُه وكلامه، فيكون من صفات ذاته، فيكون يمينا. فإن لم يُرد يمينا فيحتمل ما ذكره الشافعي من الواجبات التي هي عليه (٢)؛ فتكون أغيارا، ولا تكون يمينا. وفيما حكى المُزَنى عن الشافعي أنه قال: قوله : ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ (٣)﴾ وعِلم الله كان، قبل اتباعهم وبعده، سواء. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني عبد الله بن محمد الفقيه، قال: أخبرنا أبو جعفر الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو يحيى الساجي، إجازة، قال: سمعت

стр. 449

أبا شعيب (١) المصري يقول: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: القرآن - كلام الله تعالى - غير مخلوق. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن علي بن زياد يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: سمعت الربيع يقول: لما كلّم الشافعي ﵀ حفص الفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق. قال الشافعي: كفرتَ بالله العظيم. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم المؤذِّن، عن عبد الواحد بن محمد الأرغياني. عن أبي محمد الزبيري، قال: قال رجل للشافعي: أخبرني عن القرآن، خالق هو؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فمخلوق؟ قال الشافعي: اللهم لا. قال: فغير مخلوق؟ قال الشافعي: اللهم نعم. قال: فما الدليل على أنه غير مخلوق؟ فرفع الشافعي رأسه وقال: تقرّ بأن القرآن كلام الله؟ قال: نعم. قال الشافعي: سبقْت في هذه الكلمة؛ قال الله تعالى ذِكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ (٢)﴾ وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (٣)﴾.

стр. 450

قال الشافعي: فَتُقِرُّ بأن الله كان وكان كلامه، أو كان الله ولم يكن كلامه؟ فقال الرجل: بل كان الله، وكان كلامه. قال: فتبسّم الشافعي وقال: يا كوفيون، إنكم لتأتوني بعظيم من القول. إذا كنتم تُقِرُّون بأن الله كان قبل القَبْل، وكان كلامه فمن أين لكم الكلام: إن الكلام الله، أو سوى الله، أو غير الله. أو دون الله؟ قال: فسكت الرجل وخرج. أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع، قال: قال الشافعي - يعني في مسألة ذكرها فيمن حلف لا يكلِّم رجلا فأرسل إليه رسولا -: من قال: يخنّث ذهب إلى أن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ (١)﴾ وقال إن الله تعالى يقول للمؤمنين في المنافقين: ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ (٢)﴾ وإنما نبّأهم من أخبارهم بالوحي الذي ينزل به جبريل ﵇، على النبي ﷺ ، ويخبرهم النبي، ﷺ ، بوحي الله. ومن قال: لا يحنَث قال: إن كلام الآدميين لا يشبه كلامَ الله :

стр. 451

كلامُ الآدميين بالمواجهة. ألا ترى أنه لو هَجَر رجل رجلا كانت الهجرة محرَّمةً عليه فوق ثلاث ليال، وكتب إليه أو أرسل إليه، وهو يقدر على كلامه - لم يخرجه هذا من هجرته التي يأثم بها (١)؟ فسمى الشافعي، ﵀، على القولين جميعاً، إخبارَ الله بالوحي الذي نزل به جبريل ﵇ على النبي ﷺ ، وأخبر به النبي، ﷺ بوحي من الله - تكليمَ الله عباده المؤمنين، فالمؤمن يسمع كلامَ الله من صاحب الرسالة، ويحفظه ويتلوه ويكتبه، ويكون المسموع والمحفوظ والمتلو والمكتوب - كلامَ الله . أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي، قال: حدثنا الحسن بن رشيق المصري، إجازة، قال: حدثنا محمد بن سفيان بن سعيد الخياط، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأصبهاني بمكة، قال: سمعت الجارودي يقول: ذكر الشافعي إبراهيم بن إسماعيل ابن علَية، فقال: أنا مُخالف له في كل شيء (٢)، وفي قوله: لا إله إلا الله، لست أقول كما يقول: أنا أقول: لا إله إلا الله الذي كلّم موسى مِن وراء حجاب، وذاك يقول: الذي خلق كلاماً أسمَعَه موسى من وراء حجاب. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة. وأخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: أنبأنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا الحسن ابن رشيق، قال: حدثنا علي بن السّري بن الصقر (٣)، قال: حدثنا حبيش (٤)

стр. 452

ابن موسى، قال: حدثنا الحسن بن عثمان، قال: حدثنا إبراهيم بن الوليد، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، قال: سمعت الشافعي يقول: رأيت سفيان بن عيينة - قائما على باب كُتَّاب - فقلت: يا أبا محمد، ما تعمل هاهنا؟ قال لي: إليك عنّي ويحَك، فإني أحب أن أسمع كلامَ ربّي مِن هذا الغلام. قرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحُسَين العاصمي، قال: قرأت على محمد بن يحيى: خادم المُزَني بالفسطاط، أن أبا زيد: عبد الرحمن ابن محمد بن طريف حدّثه قال: حدثنا أبو حاتم يحيى بن زكريا الأموي، قال: حدثنا محمد بن إدريس - يعني الشافعي، قال: حدثني بعض أصحابنا قال: اختصم رجلان: مسلم ويهودي إلى عيسى بن أبان، وكان قاضي البصرة - وكان يرى رأيَ القوم - فصارت اليمين على المسلم، فقال له اليهودي: حَلِّفه، فقال: أحلف بالله الذي لا إله إلا هو. قال اليهودي للقاضي: إنك تزعم أن القرآن مخلوق، والله الذي لا إله إلا هو في القرآن، فحلِّفه لي بالخالق لا بالمخلوق. فتحير عيسى عند ذلك وقال: قُوما حتى انظر في أمركما. ومما أنبأني أبو عبد الله الحافظ ﵀ في «كتاب المناسك للشافعي» قال: حدثنا أبو العباس - هو الأصم - قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال:

стр. 453

قال الشافعي ﵀: «أستحب القراءة في الطواف، والقراءة أفضل ما تكلّم به المرء». قلت: فجعل الشافعي القراءةَ مِن كَسْب القارئ حين أضافها إلى تكلُّمه بها. وفيه ثم فيما مضى من قوله: القرآن كلام الله - دلالةٌ على أنه كان يُفَرّق بين القراءة والمقروء، فيجعل القراءة من كسب القارئ، ويعتقد في المقروء (١) أنه كلامُ الله، تعالى، غيرَ مخلوق.

стр. 454

باب ما يؤثر عنه في إثبات المشيئة لله وهي من صفات الذات، وفي إثبات القدر وخلق الأفعال وعذاب القبر * * * أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي - يعني في «كتاب صلاة الجمعة» - قال: قال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (١)﴾ فأعلم الله خلقه أنّ المشيئة له دون خلقه، وأنّ مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله، والمشيئة إرادة الله . أخبرنا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، قال: حدثنا الزبير ابن عبد الواحد، قال: حدثني حمزة بن علي العطار، قال: حدثنا الربيع، قال: سئل الشافعي عن القدر، فقال: وما (*) شئتَ كان وإن لم أشأ ... وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكن

стр. 455

خلقتَ العباد على ما علمتَ ... ففي العلم يَمْضي (١) الفتى والمُسِن على ذا مَنَنْتَ وهذا خذلْتَ ... وهذا أعنتَ وذا لم تُعن فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيدٌ ... ومنهم قَبيحٌ ومنهم حَسَن أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا محمد بن علي بن طلحة، قال: حدثنا أحمد بن علي الأصبِهاني قال: حدثنا الساجي قال: حدثنا أحمد بن عبد الله، عن الربيع بن سليمان، عن الشافعي: أنه كان يكره الصلاة خلف القَدَري. وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي أن جعفر بن أحمد حدّثه، قال: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: القدرية: الذين قال رسول الله ﷺ : «هم مجوسُ هذه الأمة (٢)» الذين يقولون: إن الله لا يَعلم المعاصيَ حتى تكون. كذا وجدتُه في كتابه.

стр. 456

وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي سماعه من أبي بكر: محمد بن يحيى ابن آدم خادم المزني، قال: سمعت المزني يقول: قال لي الشافعي: تدري مَن القدري؟ القدري (١) الذي يقول: إن الله لم يخلق الشر حتى عُمِل به. وفي هذا دليل على أنه كان يرى الشر خلقاً من خلق الله وكسباً من كسب مَنْ عمل به. وكان يرى الاستطاعة مع العمل؛ فقد قال في أول «كتاب الرسالة»: «الحمد لله الذي لا يُؤدَّى شكرُ نعمة [(٢ من نعمِه إلا بنعمة منه توجب على مؤدِّي ماضي ٢)] نعمه بأدائها نِعمةً حادثة يَجِبُ عليه شكرُه بها». وقال بعد ذلك: «وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه». وهو فيما أخبرنا (٣) أبو عبد الله عن أبي العباس، عن الربيع عن الشافعي. وإنما أراد بالنعمة الحادثة: توفيق الله عبده لشكره (٤) على ماضي.

стр. 457

نعمه، وأراد بهداه الذي لا يضل مَنْ أنعم به عليه: تخصيصَه مَن أسعده بإعانته على اكتساب الخير. وقال في كتاب آخر: «فهدى بكتابه ثم على لسان نبيه ﷺ ، مَن أنعم عليه. يعني مَن أنعم عليه بالسعادة والتوفيق للطاعة دون من حرمها، فبيّن بهذا أن الدعوة عامة، والهداية - التي هي التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية - خاصة، كما قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١)﴾. وقرأت في كتاب أبي منصور الحمشاذي فيما سمع - يعني: أبا الحسن محمد ابن إسحاق يقول: سمعت أبا موسى - يعني عمران بن موسى للُجَاشعي - يقول: قال أبو نعيم: حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: إن مشيئة العِباد هي إلى الله تعالى ولا يشاءون إلا أن يشاء الله ربُّ العالمين؛ فإنّ الناس لم يخلقوا أعمالهم، وهي خلق من خلق (٢) الله تعالى أفعالَ العباد، وإن القدر خيرَه وشرَّه من الله ، وإن عذاب القبر حق، ومساءلة أهل القبور حق، والبعث حق (٣)، والحساب حق (٤)، والجنة والنار، وغير ذلك مما جاءت به السنن فظهرت على ألسنة العلماء وأتباعهم من بلاد المسلمين - حق.

стр. 458

قلت: وفي دعاء الشافعي ﵀ في الصلاة على الجنازة دلالة على مذهبه في فتنة القبر وعذابه؛ فإنه قال «في كتاب الجنائز» في دعائه للميت: وقِهِ عذابَ القبر وكلّ هول دون القيامة. وقال في موضع آخر: وقه فتنة القبر وعذابه [(١ وأفسح له في قبره ١)]. قرأت في كتاب أبي نعيم الأصبهاني، وأخبرني به الثقة عنه، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد، قال: حدثنا أبو علي: محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري، بدمشق، قال: حدثنا: محمد بن هارون بن حسان، قال: حدثنا أحمد ابن يحيى بن الوزير، قال: حدثنا أبو عبد الله: محمد بن إدريس الشافعي عن يحيى بن سليم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي ابن أبي طالب: أنه خطب الناس يوماً، فقال في خطبته: وأعجب ما في الإنسان قلبه: فيه مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نَسِي التحفُّظ، وإن ناله الخوف شَغَله الحزن، وإن أصابته مصيبة قَصَمه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغِنى، وإن عضّته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف. فكل نقص (٢) به مُضِرّ، وكل إفراط له مُفسد. قال: فقام إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ فقال: بحر عميق فلا تلجه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟

стр. 459

فقال: بيت مظلم فلا تدخله. قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ قال: سرُّ الله لا تبحث عنه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ قال: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، فقال: يا أمير المؤمنين إن فلاناً يقول بالاستطاعة وهو حاضرك فقال: عليّ به فأقاموه فلما رآه سلّ من سيفه قدر أربع أصابع فقال: الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد فأضرب عنقك. قال: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: قل أملكها بالله الذي إن شاء مَلَّكَنِيها. وفي إسناد هذا إلى ابن الوزير نظر. والله أعلم. وللشافعي ﵀ كلام كثير في مجاري كلامه يوافق ما أمر به أمير المؤمنين علي ﵁ فيما رُوي عنه في آخر هذا الحديث. من ذلك أني قرأت في «كتاب السنن» الذي رواه عنه حرملة بن يحيى وغيره في مسألة الأذان: قال الشافعي: وقول المؤذن: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح دعاءٌ منه إلى الصلاة ثم دعاء منه يعُلمه فيه أن دعاءه إلى الصلاة دعاء إلى الفلاح، وينبغي لمن دعا إلى الفلاح بالصلاة، وعلِم أنه لا يأتي الفلاح بطاعة الله في الصلاة ولا غيرها إلا بعون الله أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه لا حول له يصل إلى طاعة الله إلا بالله . أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: أنشدني محمد بن حاضر، قال: أنشدني أبو علي الهمداني (١)

стр. 460

قال: أنشدنا أبو يعلى الموصلي قال: أنشدونا للشافعي: قدر الله واقع ... حين يقضى (١) ورودُهُ قد مضى فيك حكمه ... وانقضى ما يريدُهُ فأرِدْ ما يكونَ إن ... لم يكن ما تريدُهُ * * * ونقل إلينا من كلامه في الرد على القدرية فصول قد كتبناها في «جزء» من آخر هذا الكتاب.
следующие страницы →