← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي سماعه من أبي بكر: محمد بن يحيى ابن آدم خادم المزني، قال: سمعت المزني يقول: قال لي الشافعي: تدري مَن القدري؟ القدري (١) الذي يقول: إن الله لم يخلق الشر حتى عُمِل به. وفي هذا دليل على أنه كان يرى الشر خلقاً من خلق الله وكسباً من كسب مَنْ عمل به. وكان يرى الاستطاعة مع العمل؛ فقد قال في أول «كتاب الرسالة»: «الحمد لله الذي لا يُؤدَّى شكرُ نعمة [(٢ من نعمِه إلا بنعمة منه توجب على مؤدِّي ماضي ٢)] نعمه بأدائها نِعمةً حادثة يَجِبُ عليه شكرُه بها». وقال بعد ذلك: «وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه». وهو فيما أخبرنا (٣) أبو عبد الله عن أبي العباس، عن الربيع عن الشافعي. وإنما أراد بالنعمة الحادثة: توفيق الله عبده لشكره (٤) على ماضي.

стр. 457

نعمه، وأراد بهداه الذي لا يضل مَنْ أنعم به عليه: تخصيصَه مَن أسعده بإعانته على اكتساب الخير. وقال في كتاب آخر: «فهدى بكتابه ثم على لسان نبيه ﷺ ، مَن أنعم عليه. يعني مَن أنعم عليه بالسعادة والتوفيق للطاعة دون من حرمها، فبيّن بهذا أن الدعوة عامة، والهداية - التي هي التوفيق للطاعة والعصمة عن المعصية - خاصة، كما قال الله : ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١)﴾. وقرأت في كتاب أبي منصور الحمشاذي فيما سمع - يعني: أبا الحسن محمد ابن إسحاق يقول: سمعت أبا موسى - يعني عمران بن موسى للُجَاشعي - يقول: قال أبو نعيم: حدثنا الربيع قال: قال الشافعي: إن مشيئة العِباد هي إلى الله تعالى ولا يشاءون إلا أن يشاء الله ربُّ العالمين؛ فإنّ الناس لم يخلقوا أعمالهم، وهي خلق من خلق (٢) الله تعالى أفعالَ العباد، وإن القدر خيرَه وشرَّه من الله ، وإن عذاب القبر حق، ومساءلة أهل القبور حق، والبعث حق (٣)، والحساب حق (٤)، والجنة والنار، وغير ذلك مما جاءت به السنن فظهرت على ألسنة العلماء وأتباعهم من بلاد المسلمين - حق.

стр. 458

قلت: وفي دعاء الشافعي ﵀ في الصلاة على الجنازة دلالة على مذهبه في فتنة القبر وعذابه؛ فإنه قال «في كتاب الجنائز» في دعائه للميت: وقِهِ عذابَ القبر وكلّ هول دون القيامة. وقال في موضع آخر: وقه فتنة القبر وعذابه [(١ وأفسح له في قبره ١)]. قرأت في كتاب أبي نعيم الأصبهاني، وأخبرني به الثقة عنه، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد، قال: حدثنا أبو علي: محمد بن هارون بن شعيب الأنصاري، بدمشق، قال: حدثنا: محمد بن هارون بن حسان، قال: حدثنا أحمد ابن يحيى بن الوزير، قال: حدثنا أبو عبد الله: محمد بن إدريس الشافعي عن يحيى بن سليم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي ابن أبي طالب: أنه خطب الناس يوماً، فقال في خطبته: وأعجب ما في الإنسان قلبه: فيه مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نَسِي التحفُّظ، وإن ناله الخوف شَغَله الحزن، وإن أصابته مصيبة قَصَمه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغِنى، وإن عضّته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف. فكل نقص (٢) به مُضِرّ، وكل إفراط له مُفسد. قال: فقام إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل، فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ فقال: بحر عميق فلا تلجه. فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟

стр. 459

فقال: بيت مظلم فلا تدخله. قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ قال: سرُّ الله لا تبحث عنه. قال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن القدر؟ قال: أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، فقال: يا أمير المؤمنين إن فلاناً يقول بالاستطاعة وهو حاضرك فقال: عليّ به فأقاموه فلما رآه سلّ من سيفه قدر أربع أصابع فقال: الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد فأضرب عنقك. قال: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: قل أملكها بالله الذي إن شاء مَلَّكَنِيها. وفي إسناد هذا إلى ابن الوزير نظر. والله أعلم. وللشافعي ﵀ كلام كثير في مجاري كلامه يوافق ما أمر به أمير المؤمنين علي ﵁ فيما رُوي عنه في آخر هذا الحديث. من ذلك أني قرأت في «كتاب السنن» الذي رواه عنه حرملة بن يحيى وغيره في مسألة الأذان: قال الشافعي: وقول المؤذن: حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح دعاءٌ منه إلى الصلاة ثم دعاء منه يعُلمه فيه أن دعاءه إلى الصلاة دعاء إلى الفلاح، وينبغي لمن دعا إلى الفلاح بالصلاة، وعلِم أنه لا يأتي الفلاح بطاعة الله في الصلاة ولا غيرها إلا بعون الله أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ لأنه لا حول له يصل إلى طاعة الله إلا بالله . أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: أنشدني محمد بن حاضر، قال: أنشدني أبو علي الهمداني (١)

стр. 460

قال: أنشدنا أبو يعلى الموصلي قال: أنشدونا للشافعي: قدر الله واقع ... حين يقضى (١) ورودُهُ قد مضى فيك حكمه ... وانقضى ما يريدُهُ فأرِدْ ما يكونَ إن ... لم يكن ما تريدُهُ * * * ونقل إلينا من كلامه في الرد على القدرية فصول قد كتبناها في «جزء» من آخر هذا الكتاب.

стр. 461

باب ما يؤثر عنه في إثبات الرؤية * * * أنبأني أبو القاسم: الحسن بن محمد بن حبيب المُفَسِّر، ﵀، إجازة، قال: سمعت أبا علي: الحسن (١) بن أحمد الخياط النَّسوِي، بها، يقول: سمعت أبا نعيم: عبد الملك بن محمد بن عدي الجُرْجَاني، يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، ﵀، وجاءه كتاب من الصَّعِيد - وهو اسم موضع - يسألونه عن قول الله جل ذكره: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (٢)﴾ فكتب فيه: لَمَّا حجب الله قوماً بالسخط دلّ على أن قوماً يرونه بالرّضا [قال الربيع (٣)]. قلت له: أَوَتَدِينُ بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا.

стр. 462

أخبرنا أبو زكريا (١) بن أبي إسحاق، قال: حدثنا الزبير بن عبد الواحد الأَسَدَابَاذِي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن عقيل الفِرْيَابِي، قال: حدثنا المزني، قال: سمعت ابن هرم القرشي، يقول: سمعت الشافعي يقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: هذا دليل على أن أولياءه يرونه يوم القيامة. وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السُّلمي، قال: سمعت جعفر بن محمد بن الحارث المراغي، يقول: سمعت الحسين بن محمد بن بحر، يقول: سمعت إسماعيل بن يحيى المزني يقول: سمعت ابن هرم القرشي، يقول: سمعت الشافعي يقول في قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال: فلما حجبهم في السخط كان هذا دليلا على أنهم يرونه في الرضا. قال: فقال أبو النجم القَزْويني: يا أبا إبراهيم، به تقول؟ قال: نعم، وبه أَدِينُ اللهَ . قال: فقام إليه عصام وقبَّل رأسه، وقال: يا سيد الشافعييّن، اليوم بَيَّضت وجوهنا. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا علي بن عمر الدَّارَقُطْنِي

стр. 463

الحافظ، قال: ذكر إسحاق الطحّان المصري، قال: حدثنا سعيد بن أسد، قال: قلت للشافعي: ما تقول في حديث الرؤية؟ فقال لي: يا بن أسد، إقض عليَّ، حييتُ أو متّ: إن كلّ حديث يصحّ عن رسول الله، ﷺ ، فإني أقول به وإن لم يبلغني.

стр. 464

باب ما يؤثر عنه في تفضيل النبي، ﷺ ، على جميع الخلق وإثبات الشفاعة له (١) * * * أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا عبد الله بن محمد النسائي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني، قال: أخبرنا أبو يحيى السّاجي، فيما أجاز لي مشافهة، قال: سمعت (٢) الربيع، يقول: قال الشافعي، ﵀: محمد رسول الله، خير خلق رب العالمين. واختلف الناس: فطائفة تقول الأنبياء، وطائفة تقول الملائكة. واختلفوا في آدم ومحمد، ﵉: أيهما أفضل؟ واختلفوا في مكة والمدينة: أيهما أفضل؟ قال الشافعي: مكة خير البقاع. وقال في «كتاب الرسالة (٣)» في ذكر رسول الله، ﷺ : فكان خيرتُه المصطفى لوحيه، المُنْتخَبُ لرسالته، المفضَّلُ على جميع خلقه

стр. 465

لفتح (١) رحمته، وختم نبوته، وأعلم ما أَرسَل به مرسلا قبله، المرفوع ذكره مع ذكره في الأولى، والشافع المشفّعُ في الأخرى، أفضل خلقه نفساً، وأجمعُهم لكل خلق رضية في دين ودنيا، وخيرهم نسباً وداراً: محمداً عبده ورسوله، ﷺ . ثم ساق الكلام إلى أن قال: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن «مجاهد» في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٢)﴾ قال: لا أُذْكَرُ إلا ذُكِرْت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله. قال الشافعي (٣): يعني - والله أعلم - ذكره عند الإيمان بالله والأذان. ويحتمل ذكره عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية، فصلّى الله على نبينا كلّما ذكرهُ الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. وصلى الله عليه في الأوَّلين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلَّى على أحدٍ من خلقه، وزكَّانا وإيّاكم بالصّلاة عليه أفضل ما زكّى أحداً من أمته بصلاته عليه. والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مُرْسلاً عمّن أرسل إليه؛ فإنه أنقذنا به من الهلَكة وجعلنا في خير أمة أُخرجت للناس، دائنين بدينه الذي ارتضى واصطفى به ملائكته ومن أنعم عليه من خلقه، فلم تمس بنا نِعْمَةٌ ظهرت ولا بَطَنت نِلْنا بها حظاً في دين ودنيا، ودفع بها عنا مكروه فيهما أو في واحد منهما - إلا ومحمد ﷺ سَبَبُها، القائد إلى خيرها، الهادي إلى رشدها، الذائد عن الهلكة وموارد السوء في خلاف

стр. 466

الرشد، المنبه للأسباب التي تورد الهلَكة، القائم بالنصيحة في الإرشاد والإنذار فيها. فصلّى الله على محمد وعلى آل محمد، كما صلى على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّه حميد مجيد. وهذا كله فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع عن الشافعي. فذكره. أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي، ﵀، قال: قال الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ (١)﴾ ثم أنزل الله على نبيه، ﷺ ، أن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - يعني قول الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ (٢)﴾ يعني - والله أعلم - ما تقدم من ذنبه قبل الوحي، وما تأخر: أن يعصمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به من رضاه عنه، وأنه أول شافع، وأول مشَفَّع يوم القيامة، وسيد الخلائق. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة. قال: ذكر زكريا السّاجي قال: إن الحسين بن علي - يعني الكرابيسي، قال:

стр. 467

سمعت (١) الشافعي يقول: يكره للرجل أن يقول: قال (٢) الرسول، ولكن يقول: قال رسول الله، ﷺ ، تعظيما له. وذكر الشافعي ﵀ في «كتاب إحياء الموات (٣)» في حِمَى رسول الله ﷺ ، وحمى غيره، فصلا، فقال: ورسوله إن شاء الله إنما كان يحمي لصلاح عامة المسلمين لا لما يحمي له غيره من خاصّة نفسه، وذلك أنه، ﷺ ، لم يملك مالاً إلا مالا غنى به (٤) وبعياله عنه ومصلحتهم حتى صير ما مَلَّكَه الله من خمس الخمس مَرْدُوداً في مصلحتهم، وكذلك ماله إذا حَبَسَ قوت سنته مَرْدُوداً في (٥) مصلحتهم: في الكُرَاع والسلاح عُدّة في سبيل الله، وأن ماله في نفسه كان مفرغاً لطاعة الله. فصلى الله عليه وسلم، وجزاه الله خير ما جزى نبيًّا عن أمته. وهذا فيما أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس، قال: أخبرنا الربيع، قال: قال الشافعي. فذكره. قال المزني، فيما بلغني عنه عقيب هذا: ما رأيت من العلماء من يوجب للنبي ﷺ في كتبه ما يوجبه الشافعي؛ لحسن ذكره رسول الله، ﷺ ، ورحمة الله عليه ورضي الله عنه (٦). وقرأت في «كتاب القديم للشافعي» رحمة الله عليه في فضل ما ذكره، وأن الدعاء يتم بالصلاة على النبي، ﷺ ؛ فيتممه بها:

стр. 468

أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا علي بن عمر الحافظ، قال: حدثنا إبراهيم بن رشيق العَسال، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن الورد قال: حدثنا علي بن محمد بن حيُّون قال: حدثنا عمرو بن سواد السّرحي، قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: ما أعطى الله تعالى نبيا قط شيئاً إلا وقد (١) أعطى محمداً، ﷺ ، أكثر. قال عمرو: فقلت له: قد أعطى الله عيسى ﵇ أكثر منه: أن يحيى الموتى. قال الشافعي: فالجذع الذي كان يخطب إلى جنبه قبل أن يُجْعل له المنبر حين حنَّ إلى النبي ﷺ ؟ يعني: فهو (٢) أكثر من ذلك.

стр. 469

باب ما يؤثر عنه في الذنوب التي هي دون الكفر بالله * * * أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى في آخرين، قالوا: حدثنا أبو العباس الأصم، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس، عن عبادة بن الصامت، قال: كنا مع رسول الله ﷺ ، في مجلس فقال: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا. وقرأ عليهم الآية (١)، وقال: فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً [(٢ فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ٢)] فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه (٣)».

стр. 470

قال الشافعي: لم أسمع في الحدود حديثاً أبين من هذا. وقد روي عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «وما يُدْريك لعل الحدود نزلت كفارة للذنوب». وهو يشبه هذا، وهذا أبين منه. قال: وقد روي عن رسول الله ﷺ حديث معروف عندنا، وهو غير متصل الإسناد فيما أعرفه وهو أن رسول الله، ﷺ ، قال: «من أصاب منكم من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله؛ فإنه من يُبْدِ لنا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عليه كتابَ الله (١)». وروى أن أبا بكر على عهد رسول الله، ﷺ ، أمر رجلا أصاب حدًّا بالاستتار، وأن عمر أمره به (٢). وهذا حديث صحيح عنهما. ونحن نحب لمن أصاب الحد أن يستتر وأن يتقي الله ولا يعود لمعصية الله؛ فإن الله يقبل التوبة عن عباده. وقال الشافعي ﵀: من تولى عن الزَّحْف لا مُتَحَرِّفاً لقتالٍ ولا مُتَحَيِّزاً إلى فئة خِفْتُ عليه – إلا أن يعفو الله – أن يكون قد باء بسخط من الله.

стр. 471

وقال فيمن نظر إلى فرج حرام لتلذذ أو غير شهادة عامداً: كان حرِجاً إلا أن يعفو الله عنه. وقال في وصيته: «وجعل الآخرة دار قرار وجزاء بما عمل في الدنيا من خير أو شر إن لم يُعفه جل ثناؤه». وقال في الفرق بين النكاح الذي تثبت به حرمة المصاهرة وبين الزنا [الذي (١)] لا تثبت به تلك الحرمة: «وذلك أن (٢) الله رضى النكاح وأمر به وندب إليه؛ فلا يجوز أن تكون الحرمة التي أنعم الله بها على من أتى ما دعاه الله إليه كالزاني العاصي لله الذي حدَّه الله وأوجب له النار، إلا أن يعفو عنه. وبسط الكلام فيه.

стр. 472

باب ما يؤثر عنه فيما يلحق الميت من فعل (١) غيره * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع، قال: حدثنا الشافعي، قال: ويلحق الميت من فعل غيره وعمله ثلاث: حج يؤدى عنه ومال يتصدق به عنه أو يقضى، ودعاء. وإنما قلنا بهذا استدلالاً بالسنة في الحج خاصة والعمرة مثله قياساً. فأما (٢) المال: فإن الرجل يجب عليه فيما لله الحق من الزكاة وغيرها فيجزيه أن يؤدي غيره بأمره؛ لأنه إنما أريد بالفرض فيه تأديته إلى أهله لا عمل على البدن، وإذا (٣) عمل بأمري على ما فرض الله في (٤) مالي، فقد أدى الفرض عني. وأما الدعاء: فإن الله ندب العباد إليه وأمر رسوله ﷺ به فإذ أجاز أن يدعى للأخ حياً جاز أن يدعى له ميتاً ولحقه إن شاء الله بركة ذلك مع أن الله واسع لأن يوفى الحي أجره ويدخل على الميت منفعته، وكذلك كلما تطوع رجل عن رجل صدقة تطوع.

стр. 473

وذكره في «القديم» واحتج بالأخبار التي وردت في الصدقة عن الميت. وذكره في كتاب حرملة أبسط من ذلك، وهو منقول في المبسوط بتمامه. وذكر في دعائه للميت في صلاة الجنازة: وقد جئناك شفعاء له ورجونا له رحمتك وأنت أرأف به، اللهم ارحمه بفضل رحمتك؛ فإنه فقير إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه (١). وقال في موضع آخر: وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له (٢). وفي هذا جواز شفاعة المسلمين بعضهم لبعض كما وردت به الأخبار.

стр. 474

باب ما يؤثر عنه في الخلفاء الأربعة ﵃ * * * أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت الزبير بن عبد الواحد الحافظ بأسداباد يقول: سمعت أبا الطيب علي بن أحمد بن سليمان الصوري يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول في التفضيل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا إدريس بن علي بن إسحاق المؤذن قال: سمعت أبا بكر عبد الله بن محمد بن زياد قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول في الخلافة: التفضيل يبدأ بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: حدثنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي قال: حدثنا محمد، يعني: ابن خالد قال: حدثنا الساجي قال: حكى الترمذي (١)

стр. 475

عن الربيع عن الشافعي أنه قال: أفضل الناس بعد رسول الله، ﷺ ، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، رضوان الله عليهم. وقرأت هذه الحكاية في كتاب زكريا بن يحيى الساجي فيما حدثه عيسى بن إبراهيم البغدادي، عن محمد بن نصر التِّرمذي، عن الربيع، عن الشافعي مثلها. أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سمرة البغوي (١) قال: حدثنا أبو طلحة: أحمد بن محمد ابن عبد الكريم الفزاري، قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: أفضل الناس بعد رسول الله، ﷺ ، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ﵃. أخبرنا الحسين، قال: حدثنا ظفران بن الحسين، قال: حدثنا محمد ابن إبراهيم بن زياد، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: سمعت الشافعي يقول مثل ذلك.

стр. 476

وأخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن فنجويه، قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكِنْدي، قال: حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: حدثنا الحسين بن علي، قال: سمعت الشافعي يقول: اضطر الناس بعد رسول الله، ﷺ ، إلى أبي بكر، فلم يجدوا تحت أَدِيم السماء خيراً من أبي بكر، من أجل ذلك استعملوه على رقاب الناس. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت علي بن أحمد بن إبراهيم الفارسي يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن حفص، قال: سمعت عبيد الله ابن أحمد، بالرَّمْلَة، قال: سمعت داود بن علي الأصبهاني يقول: سمعت أبا ثَوْر يقول: سمعت الشافعي يقول: ما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة. وإنما اختلف من اختلف منهم في علي وعثمان: منهم من قدَّم عليًّا على عثمان، ومنهم من قدم عثمان على عليّ. ونحن لا نخطئ أحداً من أصحاب رسول الله، ﷺ ، فيما فعلوا. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنبأنا أبو الطيب الفقيه، قال: أخبرنا محمد ابن عبد الرحمن الأصبهاني عن أبي يحيى الساجي، قال: سمعت الحسن بن محمد الزعفراني يقول: سمعت الشافعي يقول: أجمع الناس على خلافة أبي بكر، واستخلف

стр. 477

أبو بكر عمر، ثم جعل عمر الشورى إلى ستة، على أن يُولُّوها واحداً، فولَّوْها عثمان. ﵃ أجمعين. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي (١) ﵀ «في مسألة الحُجَّة في تثبيت خبر الواحد» ولم تزل كتب رسول الله، ﷺ ، تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي. ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره. ثم ساق الكلام إلى أن قال: وهكذا كانت كتب خلفائه من بعده وعمالهم. وما أجمع المسلمون عليه من كون (٢) الخليفة واحداً، والقاضي واحداً، والأمير واحداً، والإمام واحداً. فاستخلفوا أبا بكر، واستخلف أبا بكر عمر، ثم [أمر (٣)] عمر أهل الشورى ليختاروا واحداً، فاختاروا عبدُ الرحمن عثمانَ بن عفان. أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، قال: حدثنا أبو العباس الأصمّ، قال أخبرنا الربيع، قال:

стр. 478

قال الشافعي - يعني في خلال مسألة ذكرها -: كان أبو بكر خليفة النبي، ﷺ ، والعاملَ بعده. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «المحرم» قال: حدثنا أبو العباس: محمد ابن يعقوب قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا إبراهيم بن سعد [(١ وأخبرنا أبو إسحاق الأموي، قال: أنبأنا شافع بن محمد، قال: أنبأنا الطحاوي، قال: حدثنا المزني، قال: حدثنا الشافعي عن إبراهيم بن سعد ١)] عن أبيه عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه: أن امرأة أتت النبي، ﷺ ، فسألته عن شيء فأمرها أن ترجع. فقالت: يا رسول الله، إن رجعتُ فلم أجدك؟ كأنها تعني الموت. قال: فَاتِي أبا بكر (٢). أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الصفّار، قال: أخبرنا زياد بن الخليل، قال: حدثنا مُسَدّد، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش، عن حُذَيْفَة: أن النبي، ﷺ ، قال: اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي: أبي بكر وعمر (٣).

стр. 479

وهكذا رواه عبيد الله بن محمد بن هارون، عن الشافعي، عن سفيان ابن عيينة. وأخبرنا أبو سعيد: يحيى بن محمد بن يحيى الإسفرايني، قال: حدثنا أبو بكر الديناري (١)، قال: حدثنا بشر (٢) بن موسى، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا زائدة بن قدامة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان: أن رسول الله. ﷺ ، قال: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر (٣).

стр. 480

وهكذا روى عن أبي بكر: محمد بن يزيد بن حكيم المستملي، عن الشافعي، عن سفيان بن عيينة، غير أنه زاد في إسناده فقال: عن مولى (١) لربعي، عن ربعي. وكذلك قال (٢) محمد بن كثير عن سفيان، غير أنه لم يذكر زائدة. ورواه إسحاق بن عيسى، عن سفيان، عن مِسْعَر، عن عبد الملك ابن عمير، عن هلال - مولى ربعي عن ربعي - عن حذيفة، عن النبي، ﷺ . وعن عمرو بن هرم، عن ربعي، عن حذيفة، وعن سلمة بن كهيل عن أبي الزَّعْرَاء، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي، ﷺ . أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو عبد الله: محمد بن العباس الضّبي، قال: أنبأنا أبو أحمد النسائي (٣)، قال: حدثنا محمد بن محمد بن عبد العزيز المروزي، قال: سمعت داود بن علي بن خلف يقول: سمعت الحارث بن سُريج يقول: سمعت إبراهيم بن عبيد الحَجَبي. وقال [غيره (٤)]: إبراهيم بن عبد الله الحجبي. يقول للشافعي (٥): ما رأيت هاشمياً قطّ قدّم أبا بكر وعمر على عليّ غيرك؟

стр. 481

قال: فقال له الشافعي: عليّ: ابن عمِّي وابن خالي - كذا قال، والصواب ابن خالتي - وأنا رجل من بني عبد مناف، وأنت رجل من بني عبد الدار، ولو كانت هذه مكرمة كنتُ أولى بها منك، ولكن ليس الأمر على ما تحسب (١). قلت: وقوله: «ما رأيت هاشميًّا غيرك» صحيح؛ فإن الشافعي وإن كان من صليبة المطلب بن عبد مناف، فقد ذكرنا في نسبه أن أم عبد يزيد جدّ الشافعي: الشِّفَاءُ بنت هاشم بن عبد مناف. وأم السائب بن عبيد جدّ الشافعي: الشِّفَاء بنت الأرقم بن هاشم بن عبد مناف. وأم الشفاء: خلدة بنت أسد ابن هاشم بن عبد مناف، أخت فاطمة بنت أسد بن هاشم أم علي بن أبي طالب. فهو هاشمي من هذه الوجوه التي ذكرناها. وعلي بن أبي طالب ابن خالة جدّه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: كتب إليّ محمد بن علي بن الحسين البلخي (٢) بخطه يذكر أنه سمع أبا محرز: يحيى (٣) بن يعقوب بن إبراهيم يقول: سمعت محمد بن عبد الأعلى الغسال يقول: سمعت أبي يقول: ذُكِر عليّ بن أبي طالب عند الشافعي، فقال: رجل من القوم: ما نَفَرَ الناسَ من علي بن أبي طالب إلا أنه كان لا يبالي بأحد. فقال الشافعي: مهلا؛ لأنه كان فيه أربع خصال لا تكون خصلة واحدة منها في أحد إلا حقَّ له أن

стр. 482

لا يبالي بأحد: إن علي بن أبي طالب كان زاهداً، والزاهد لا يبالي بالدنيا ولا بأهلها. وكان عالماً، والعالم لا يبالي بأحد. وكان شجاعاً، والشجاع لا يبالي بأحد. وكان شريفا، والشريف لا يبالي بأحد. كذا قال شيخنا ﵀: محمدَ ابن عبد الأعلى. وقال غيره: محمد بن عبد الغني. وهو الصحيح. وقد ذكر الدارقطني - في أسامي من روى عن الشافعي - عبد الغني بن عبد العزيز المصري. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، قال: أخبرنا أبو محمد: عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن البستي، بهمذان، قال: حدثنا أحمد بن محمد ابن يوسف، قال: حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، قال: حدثنا محمد بن الحسين السجستاني، عن أحمد بن محمد الجوال قال: سمعت الربيع ابن سليمان يقول: سمعت الشافعي ينشد: شهدتُ بأن الله لا شيء غيره ... وأشهد أن البعث حقٌّ وأخلصُ وأنّ عُرَى الإيمان قولٌ محسَّنٌ ... وفعلٌ زكِيٌّ قد يزيد وينقصُ (١) وأن أبا بكر خليفة أحمدٍ ... وكان أبو حفص على الخير يحرصُ (٢) وأشهد ربي أن عثمان فاضلٌ ... وأن عليًّا فضله متخصّصُ أئمة قومٍ يقتدي بفعالهمُ ... لحَا الله من إيّاهُم يتنقّصُ (٣)

стр. 483

فما لِغُوَاةٍ يشتمون سفاهة ... وما لِسفيهٍ لا يجاب فيَحرصُ (١) وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي فيما حدثه أبو بكر: أحمد بن محمد [بن محمد (٢)] المراغي، بدمشق، عن أبي بكر بن أخت الجوال الدينوري (٣) عن خاله أحمد بن الجوال. بإسناده، فذكر هذه الأبيات غير أنه قال: «خليفة ربه» وقال: «يقتدي بهداهم». وقال أبو الحسن: عبد الرحمن بن أحمد الشافعي - فيما (٤) قرأت عليه بمصر - قال: سمعت يحيى بن زكريا النيسابوري - يعني الأعرج - يحدث عن ابن عبد الحكم (٥)، قال: سمعت الشافعي يقول: ما أرى أنّ الناس ابتلوا بشتم أصحاب رسول الله، ﷺ ، إلا ليزيدهم الله بذلك ثواباً عند انقطاع عملهم (٦). ورواه الربيع عن الشافعي بمعناه، وقال: إلا ليجري الله، ، لهم الحسنات وهم أموات.

стр. 484

باب ما يؤثر عنه في جملة الصحابة، ﵃ وعنه * * * قرأت في كتاب الرسالة القديمة، رواية الحسن بن محمد الزعفراني، عن الشافعي، ﵀، أنه قال (١): وقد أثنى الله، ﵎، على أصحاب رسول الله، ﷺ ، في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله، ﷺ ، من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحمهم الله وهنَّاهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصدِّيقين والشهداء والصالحين، هم (٢) أدَّوْا إلينا سنن رسول الله، ﷺ ، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله، ﷺ ، عامًّا وخاصًّا، وعَزْماً وإرشاداً. وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمرٍ استدرك به علم واستنبط به. وآراؤهم لنا أَحْمَدُ وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا (٣). والله أعلم.

стр. 485

ومن أدركْنا ممن نرضى، أو حُكِي لنا عنه ببلدنا - صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله، ﷺ ، فيه سنّة إلى قولِهِم إن اجتمعوا، وقول بعضهم إن تفرقوا. فهكذا نقول، ولم نخرج من أقاويلهم. وإن قال واحدهم، ولا (١) يخالفه غيره، أخذنا بقوله. ثم ذكر فصلا في ترجيح قول الأئمة منهم. قال: فإن اختلفت الحكام اسْتَدْلَلْنَا بالكتاب والسنة في اختلافهم. وإن اختلف المُفْتُون بعد الأئمة بلا دلالة فيما اختلفوا فيه - نظرنا إلى الأكثر. فإن تكافئوا نظرنا أحسن أقاويلهم مَخْرَجاً عندنا. وقد نقلت كلامه مبسوطاً في أول «كتاب المبسوط» المردود إلى ترتيب المختصر. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروزي، قال: حدثني محمد بن خالد، قال: سمعت حسين بن علي يقول - كذا في كتابي. وقرأت في كتاب زكريا ابن يحيى الساجي قال: حدثني محمد بن إسماعيل، قال: سمعت الحسين بن علي يقول: سمعت الشافعي يقوب: العشرة (٢) أشكال، لهم أن يغير بعضهم على بعض. والمهاجرون

стр. 486

الأولون والأنصار لهم أن يغيروا بعضهم على بعض. والمسلمة من بعدُ – يريد مسلمة الفتح – أشكال، لهم أن يغير بعضهم على بعض. فإذا ذهب أصحاب محمد، ﷺ ، فحرام على تابعي الاتباع لهم بإحسان. زاد فيما قرأت من كتابه: قد وجد (١).

стр. 487

باب ما يؤثر عنه في قتال أمير المؤمنين: عليّ بن أبي طالب أهلَ القبلة * * * وله في «القديم» كتاب في قتال أهل البغي، وفي «الجديد» كتاب آخر في قتالهم، بناهُ على قتال عليّ، رضوان الله عليه، من قاتله من المسلمين وتبع سيرته في قتالهم بعد الاحتجاج في قتال الفئة (١) الباغية حتى تفيءَ إلى أمر الله تعالى بقول الله ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٢)﴾. قال الشافعي (٣): فذكر الله تعالى اقتتال الطائفتين. والطائفتان المُمْتَنِعَتَان: الجماعتان، كل واحدة تمتنع أشدّ الامتناع أو أضعف، إذا لزمها اسم الامتناع. وسماهم الله «المؤمنين» وأمر بالإصلاح بينهم. ثم ساق الكلام إلى أن قال: فلا تقاتلوا حتى تدعوا إلى الصلح؛ لأن على الإمام الدعاء كما أمر الله

стр. 488

تعالى قبل القتال. وأمر الله تعالى بقتال الباغية، وهي مسماة باسم الإيمان حتى تَفِئَ إلى أمر الله، فإذا فاءت لم يكن لأحد قتالها. ثم بسط الكلام في شرح ذلك. واحتج في «باب السيرة في أهل البغي (١)» بحديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: علي بن الحسين، قال: دخلت على مروان بن الحكم، فقال: ما رأيت أحداً أكرم غَلَبَةَ من أبيك: ما هو إلا أن ولَّيْنا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل مدبر، ولا يُذَفَّفُ على جريح. وقال الشافعي: (٢) قال الدراوردي: حدثنا جعفر، عن أبيه: أن علياً كان لا يأخذ سلَباً، ولا يذفِّف على جريح، ولا يقتل مدبراً. وقال الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي فاخته: أن عليًّا اتي بأسير يوم صفّين فقال: لا تقتلني صبراً، فقال عليّ: لا أقتلك صبراً؛ إني أخاف الله رب العالمين. فخلّى سبيله (٣). قال الشافعي (٤): والحرب «يوم صفّين» قائمة، ومعاوية يقاتل جادًّا في أيامه كلها مُنْتَصِفاً أو مُسْتَعَلِياً، وعليّ يقول لأسير من أصحاب معاوية:

стр. 489

لا أقتلك صبراً؛ إني أخاف الله رب العالمين. وإنما أراد به بعض العراقيين حيث يزعم أن الأسير من أهل البغي يقتل إذا كانت له فئة يرجع إليها (١) يقاتل جادًّا في أيامه كلها منتصفاً أو مستعلياً – يعني يساويه مرة في الغلبة في الحرب ويعلوه أخرى، وعليّ يقول لأسير من أصحابه: لا أقتلك صبراً؛ إني أخاف الله رب العالمين. قال الشافعي في خلال كلامه: وقلت له: علي بن أبي طالب ولِّي قتال المتأولين فلم يُقْصِصْ من دم ولا مال أصيب في التأويل. وفي كل هذا دلالة على أن الشافعي ﵀ كان يعتقد في «عليّ» ﵁ أنه كان محقًّا في قتاله مَنْ خرج عليه، وأن «معاوية» ومن قاتله لم يخرجوا بالبغي من الإيمان؛ لأن الله تعالى سمى الطائفتين جميعاً: مؤمنين، والآية عامّة. وجرى علي، ﵁، في قتالهم مجرى قتال (٢) الإمام العادل من خرج من طاعته من المؤمنين، وسار بسيرته في قتالهم، وقصد به حملهم على الرجوع إلى الطاعة، كما قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (٣)﴾. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا الزبير بن عبد الواحد، قال: سمعت أبا العباس: أحمد بن يحيى بن زكريا يقول: سمعت الربيع يقول:

стр. 490

سمعت الشافعي يقول: الخلفاء خمسة: أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وعمر بن عبد العزيز، رضوان الله عليهم (١). وإنما قال هذا لِما ظهر من عدله وحسن سيرته. ثم إنه كان يرى وجوب طاعة مَنْ غلب بالسيف من المسلمين في غير معصية الله. أخبرنا أبو عبد الله، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا حرملة، قال: سمعت الشافعي يقول: كان من غلب على الخلافة بالسيف حتى يسمى خليفة ويجمع الناس عليه – فهو خليفة. قال حرملة: يعني إذا كان من قريش يُغْزَى معه وتُصلَّى خلفه الجمعة. ومن لم يفعل فهو صاحب بدعة. وقد روينا في «كتاب فضائل الصحابة» توبة من قاتل عليًّا من أصحاب النبي، ﷺ ، يوم الجمل، وروينا اعتراف معاوية بذنوبه في قصة المِسْوَر بن مَخْرَمّةَ، وأنه يرجو النجاة بكلمة الشهادة، وما يقيمه من الحدود، وقتال المشركين مع صحبة رسول الله، ﷺ . والله أعلم. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه، قال: حدثنا أبو بكر بن عبيدة الوبري (٢)، عن يونس بن عبد الأعلى، قال:

стр. 491

سمعت الشافعي يقول: سئل عمرُ بن عبد العزيز عن أهل صفّين؟ فقال: تلك دماء طهَّر الله منها يدي فلا أحِبُّ أن أخْضِب لساني بها. قلت: وهذا رأي حسن جميل من عمر بن عبد العزيز، ﵁، في السكوت عما لا يعنيه إذا لم يحتج إلى القول فيه. فأما إذا احتاج إلى تعلّم السيرة في قتال الفئة الباغية، فلا بد له من متابعة علي بن أبي طالب في سيرته في قتالهم. ثم ولا بد من أن يعتقد كونه محقًّا في قتالهم. وإذا كان هو محقًّا في قتالهم كان خصمه مخطئاً في قتاله والخروج عليه، غير أنه لم يخرج ببغيه عن الإسلام، كما حكينا عن الشافعي، رحمة الله عليه، في متابعته عليًّا في سيرته في قتالهم، وتسمية الطائفتين جميعاً مسلمتين. وفي قتال علي ومعاوية وخروج مارقة من بينهما، وهم أهل البهروان – ورد الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن النبي، ﷺ ، قال: «تكون أمتي فرقتين فتخرج من بينهما خارجة مارقة يلى قتلها أولاهما بالحق (١)». وفي رواية أخرى: «تقتلها أولى الطائفتين بالحق».

стр. 492

فجعل النبي، ﷺ ، الفرقتين جميعاً من أمته، وجعل الذي قتلها أولاهما بالحق، فوليها علي. وروينا عن أبي بَكْرَةَ عن النبي، ﷺ : أنه سماها مسلمين في قصة الحسن بن علي (١) ﵃. وروينا عن (٢) على أنه سئل عن أهل الجمل؟ فقال: إخواننا بَغَوْا علينا فقاتلناهم، وقد فاءوا وقد قبلنا منهم. وكان عبد الله بن عمر إذا ذكر أهل صفّين قال: قوم أصابتهم فتنة، يغفر الله لنا ولهم. فنقول ما قال سلفنا، ﵃، في كل واحدة من الطائفتين عند الحاجة إليه. ونسكت عما [سكتوا عنه] عند الاستغناء به عنه. وبالله التوفيق. ومما (٣) حكى عن أبي داود السجستاني أن «أحمد بن حنبل» أُخبِر أن

стр. 493

«يحيى بن معين» ينسب «الشافعي» إلى التشيع، فقال له أحمد: تقول هذا لإمام من أئمة المسلمين؟ فقال يحيى: إني نظرت في «كتابه (١) في قتال أهل البغي» فإذا قد احتج من أوله إلى آخره بعلي بن أبي طالب. فقال أحمد بن حنبل: عجباً لك! فبمن كان يحتج الشافعي في قتال أهل البغي، وأول من ابتلي من هذه الأمة بقتال أهل البغي علي بن أبي طالب؟ وهو الذي سنَّ (٢) قتالهم وأحكامهم. ليس عن النبي، ﷺ ، ولا عن الخلفاء وغيره – فيه سنة، فبمن كان يَسْتَنُّ؟ فخجل يحيى من ذلك (٣).

стр. 494

باب (١) ما جاء عن الشافعي، ﵀، في مجانبة أهل الأهواء وبغضه إياهم، وذمه كلامهم، وإزْرَائه بهم، ودقه عليهم ومناظرته إياهم * * * أخبرنا أبو عثمان: سعيد بن محمد بن عبدان قال: سمعت أبا العباس: محمد ابن يعقوب الأصم يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول (٢) لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك بالله (٣) خير من أن يلقاه بشيء من الهوى. وفي رواية: بشيء من الأهواء. زاد فيه غير الربيع: وذلك أنه رأى قوماً يتجادلون في القدر بين يديه فقال الشافعي: في كتاب الله المشيئة له دون خلقه. والمشيئة [إثبات] إرادة الله، يقول الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (٤)﴾ فأَعْلَمَ خَلْقَه أنّ المشيئة له.

стр. 495

وكان يثبت القدر. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا عبد الله بن محمد القاضي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن زياد، قال: حدثنا أبو يحيى السّاجِي – أو فيما أجاز لي مُشَافَهَةً – قال: أخبرنا الربيع. فذكره وقال: بشيء من هذه الأهواء. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: حدثنا أبو الوليد يقول: سمعت إبراهيم بن محمد يقول. ح. وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: قال صاحبنا الليث بن سعد: لو رأيتُ صاحب هوى يمشي على الماء ما قبلته (١). فقال الشافعي: أما إنه قصَّر، لو رأيتُه يمشي في الهواء ما قبلتُه (٢). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الحسن: محمد بن عبد الله ابن محمد العمري، قال: حدثنا أبو بكر: محمد بن إسحاق قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أتيت الشافعي بعد ما كلم حفص الفرد فقال: غبت عنا يا أبا موسى، لقد اطلعت من أهل الكلام (٣) على شيء
следующие страницы →