باب
ما يستدل به على معرفة الشافعي ﵁ بصحة الحديث وعِلَّته
* * *
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى - قراءة - قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ قال:
صلى عمر الصبح بمكة، ثم طاف بالبيت سبعاً، ثم خرج وهو يريد المدينة، فلما كان بذي طُوى وطلعت الشمس صلّى ركعتين (١).
قال يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي في هذا الحديث: اتبع سفيان ابن عيينة - في قوله الزهري عن عروة عن عبد الرحمن - المجرّة: يريد لزم الطريق (٢).
قال عبد الرحمن بن محمد: وذلك أن مالك بن أنس ويونس وغيرهما رَوَوْا عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن [عن عبد الرحمن (٣)] بن عبد القاريّ عن عمر. وزاد الشافعي: أن سفيان وهم، وأن الصحيح ما رواه مالك (٤).
* * *
стр. 597
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنبأنا الحسن بن رشيق - إجازة - قال: حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال:
حدثنا الشافعي قال: كل ما قال فيه سفيان: حدثنيه معمر، فإنما هو عن معمر، عن الزهري.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشافعي (١)، ﵁ يعني في «مسألة المفطر في صوم التطوع» - لا قضاء عليه.
قال: وخالفنا بعض الناس وأخذ في هذا وقال: حدثنا الثقة، عن ابن جريج، عن ابن شهاب: أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين فأُهدي لهما شيء فأفطرتا فذكرتا ذلك للنبي ﷺ فقال: صوما يوما مكانه (٢).
قال الشافعي: فقلت: فهل عندك حجة من رواية أو أثر لازم غير هذا؟
فقال: ما يحضرني الآن شيء غيره، والذي كنا نبني عليه من الأخبار في هذا.
فقلت له: فهل تقبل مني أن أحدثك مرسلاً كثيراً عن ابن شهاب وابن المنكدر ونظرائهما ومن (٣) هو أمن منهما: عمرو بن دينار وعطاء وابن (٤) المسيب وعروة؟ قال: لا.
стр. 598
قلت: فكيف قبلت عن ابن شهاب مرسلاً في شيء ولا تقبله عنه ولا عن مثله ولا أكبر منه في شيء غيره؟
فقال: فلعله لم يحمله إلا عن ثقة.
قلت: وهكذا يقول لك من أخذ بمرسله في غير هذا أو مرسل من هو أكبر منه، فيقول: كل ما غاب عني مما يمكن فيه أن يحمله عن ثقة وعن مجهول لم تقم عليّ به حجة حتى أعرف من حمله عنه بالثقة؛ فأقبله، أو أجهله فلا أقبله.
قلت: ولم؟ لأنك إنما أنزلته منزلة الشهادات فلا تقبل أن يشهد لك شاهدان على ما لم يريا، ولم يسميا من شهدا على شهادته؟ قال: أجل. وهكذا يقول في حديث ابن شهاب كلام مَن كأنه يعلم وَهاء حديث ابن شهاب: هذا عند ابن شهاب، ولم يَعرف معه شيئاً يخالفه هو أولى أن يصير إليه منه.
فقال: أو كان واهياً عن ابن شهاب؟ قلت: نعم.
فذكر الحديث الذي أخبرنا أبو عبد الله، وأبو زكريا بن إسحاق قالا: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا الربيع قال: حدثنا الشافعي قال:
حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن ابن شهاب: الحديث الذي رويت عن حفصة وعائشة عن النبي ﷺ . قال ابن جريج فقلت له: أسمعته من عروة بن الزبير؟ فقال: لا، إنما أخبرنيه رجل بباب عبد الملك بن مروان أو رجل من جلساء عبد الملك بن مروان، قال الشافعي - في روايتنا عن أبي عبد الله: فقلت له: أرأيت لو كنت ترى الحجة تقوم بالحديث المرسل ثم علمتَ أن ابن شهاب قال في هذا الحديث ما حكيت لك، أتقبله؟ قال: لا، هذا
стр. 599
يوهنه بأن تخبر أنه قبله عن رجل لا يسميه ولو عرفه لسمّاه أو وثّقه.
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشافعي (١) ﵁ في «مسألة زكاة مال اليتيم» فقال (٢): قد روينا عن ابن مسعود أنه قال: أَحْصُر مالَ اليتيم فإذا بلغ فأُعْلِمه ما مر عليه من السنين.
قال الشافعي: قلنا وهذا حجة عليك (٣): كان ابن مسعود أمر والي اليتيم أن لا يؤدي عنه الزكاة حتى يكون هو يتولى أداءها بنفسه؛ لأنه لا يأمر بإحصاء ما مر عليه من السنين وعدد ماله إلا ليؤدي عن نفسه ما وجب عليه من الزكاة.
مع أنك تزعم أن هذا ليس بثابت عن ابن مسعود من وجهين أحدهما: أنه منقطع، وأن الذي رواه ليس بحافظ (٤).
وقال في القديم رواية الزعفراني عنه: إنما روى هذا ليث - يعني ابن أبي سليم - عن مجاهد مرسلا. وليس مثل هذا ثابتاً.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا الحسين بن محمد الدارمي قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال: حدثني أبي قال: حدثني محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال:
стр. 600
سمعت الشافعي يقول (١): لا تثبت الرواية عن بشير بن نَهيك.
قلت: وإنما أراد حديث ابن أبي عروبة وغيره، عن قتادة، عن النضر ابن أنس، عن بَشير بن نُهيك، عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ ، في العتق والاسْتِسْعَاء (٢). وذلك لأن شعبة بن الحجاج وهشام الدّستواتي روياه عن قتادة دون ذكر الاستسعاء فيه (٣).
ورواه همام بن يحيى عن قتادة، وفصل حديث الاستسعاء من الحديث فجعله من قول قتادة (٤)، ولأن حديث «ابن عمر» و «عمران بن حصين» عن النبي، ﷺ ، يدلان على إبطال الاسْتِسْعَاء (٥).
стр. 601
قال الشافعي: قيل لمن حضر من أهل الحديث: لو اختلف نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وحده، وهذا (١) الإسناد - يعني حديث بشير في الاستسعاء - أيهما كان أثبت؟
قال: نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ .
قال الشافعي: وقلت: وعلينا أن نصير إلى الأثبت من الحديثين؟ قال: نعم.
قلت (٢): فمع نافع حديث عمران بن حصين بإبطال الاستسعاء.
* * *
أخبرنا أبو طاهر الفقيه وأبو عبد الله الحافظ وأبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو سعيد بن أبي عمرو وقالوا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
سمعت الشافعي يقول: ليس فيه (٣) عن رسول الله ﷺ في التحريم والتحليل حديث ثابت، والقياس أنه حلال (٤). وقد غلط سفيان في إسناد هذا الحديث (٥): حديث ابن الهاد.
стр. 602
قلت: أما قوله: «غلط سفيان في إسناد حديث ابن الهاد» فهو كما قال؛ وذلك لأن سفيان بن عيينة رواه عن يزيد بن الهاد، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن أبيه قال:
قال رسول الله ﷺ : «إن الله لا يستحي من الحق: لا تأتوا النساء في أدبارهن».
وخالفه عبد العزيز بن محمد، فرواه عن يزيد بن الهاد، عن عبيد الله بن عبد الله بن الحصين، عن هرمي بن عبد الله الواقفي، عن خزيمة بن ثابت (١).
ورواه الوليد بن كثير عن عبيد الله الخَطْمي (٢)، عن عبد الملك بن عمرو ابن قيس الخطمي، عن هرمي بن عبد الله عن خزيمة بن ثابت.
ورواه الوليد بن كثير، عن عبيد الله الخطمي، عن عبد الملك بن عمرو ابن قيس الخطمي، عن هرمي بن عبد الله، عن خزيمة، وقيل عن حميد بن قيس عن هرمي، وقيل عن عمرو بن شعيب عن هرمي. وقيل عنه عن عبد الله بن هرمي. فمداره على «هرمي» وليس بالمعروف.
وأما قوله: «ليس فيه حديث ثابت» فقد رواه في رواية الربيع من حديث عمرو بن أحيحة، عن خزيمة. ووثق جميع رواته.
قال: فلست أرخص فيه بل أنهي عنه (٣).
стр. 603
واستدل في «كتاب عشرة النساء (١)» في تحريم إتيان النساء في أدبارهن بالآية، وبحديث عمرو بن أحيحة، عن خزيمة، عن النبي ﷺ .
وقال: والإتيان في الدبر حتى يبلغ منه مبلغ الإتيان في القبل محرّم بدلالة الكتاب والسنة.
أخبرنا بذلك أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعي. فذكره.
وأخبرنا أبو عبد الله أخبرني الحسين بن محمد الدارمي أخبرنا قال: حدثنا عبد الرحمن بن إدريس قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
كان الشافعي يحرم إتيان النساء في أدبارهن.
وأما قوله: «والقياس أنه حلال» فإني قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كذب - يعني ابن عبد الحكم - على الشافعي. قال الربيع: قال الشافعي: إتيان النساء في أدبارهن حرام بالكتاب والسنة.
قلت: يحتمل أن يكون صادقا في هذه الحكاية، وهذا مختصر من حكاية ابن عبد الحكم عن الشافعي في مناظرة جرت بينه وبين محمد بن الحسن في عيبِهِ أهلَ المدينة بذلك وذَبّ الشافعي عنهم على طريق الجدل. فأما المذهب فما وضعه في كتبه المصنفة من تحريمه. والله أعلم.
* * *
стр. 604
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشافعي ﵀ في حديث عبد العزيز بن عمر، عن ابن موهب، عن تميم الداري أن رجلا أسلم على يدي رجل فقال [له (١)] النبي ﷺ : «أنت أحق الناس بحياته وموته»:
لا يثبت، وابن موهب ليس بالمعروف عندنا، ولا نعلم لقى تميما (٢)، ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندكم من قبل أنه مجهول، ولا أعلمه متصلا.
قلت: فقد ذكر فيه بعض الرواة سماعه منه. وضعفه البخاري ﵀. وأدخل بعضهم بينه وبين تميم قبيصة. وهو أيضا ضعيف لا يثبت. وقد شرحناه في «كتاب المعرفة» و «كتاب السنن».
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسين (٣) قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد - قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول:
سمعت الشافعي يقول: اختلفوا في إهلال رسول الله ﷺ ، وأصح ذلك حديث عمرة عن عائشة قالت:
خرجنا لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة ولا نُرى إلا الحج، وإنما أحرم رسول الله ﷺ ينتظر القضاء: أي ما يؤمر به (٤).
стр. 605
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس - هو الأصم - قال: حدثنا الربيع قال:
قال الشافعي ﵁: وأشبه الرواية أن يكون محفوظا رواية جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ خرج لا يسمي حجًّا ولا عمرة وطاوس: أن النبي ﷺ خرج محرما ينتظر القضاء؛ لأن رواية يحيى بن سعيد عن القاسم، وعمرة عن عائشة توافق روايته.
وبسط الكلام في بيان ذلك وتأويل قول من خالف هذه الرواية. وهو منقول في «كتاب المعرفة».
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال:
قال الشافعي: ومن باع سلعةً من السلع إلى أجل من الآجال وقبضها المشتري فلا بأس أن يبيعها الذي اشتراها بأقل من الثمن أو أكثر أو دين أو نقد (١) لأنها بيعة غير البيعة الأولى.
وقال «بعض الناس»: لا يشتريها البائع بأقل من الثمن، وزعم أن القياس أن ذلك جائز، ولكنه زعم يتَّبع الأثر، ومحمود منه أن يتَّبع الأثر الصحيح، فلما سُئِل عن الأثر إذا هو أبو إسحاق عن امرأته عالية بنت أنفع: أنها دخلت مع امرأة أبي السفر على عائشة فذكرت لعائشة حديثا: أن زيد بن أرقم باع شيئاً إلى العطاء ثم اشتراه بأقل مما باعه فقالت عائشة: أخْبِري زيد بن أرقم
стр. 606
أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ ، إلا أن يتوب (١).
قال الشافعي: قيل له: أثبت هذا الحديث عن عائشة؟ فقال: أبو إسحاق رواه عن امرأته.
قيل: فتعرف امرأته بشيء يثبت به حديثها؟ فما علمته قال شيئاً.
فقلت له: تردّ حديث بُسْرَةَ بنت صفوان: مهاجرة معروفة بالفضل بأن تقول حديث امرأة وتحتج بحديث امرأة ليست عندك منها معرفة أكثر من أن زوجها روى عنها؟
وقال في «مسألة بيع المدبر» وقد باعت عائشة مدبرة لها فكيف خالفتها مع حديث النبي ﷺ وأنتم تروون عن أبي إسحاق، عن امرأته، عن عائشة شيئاً في البيوع تزعم أنت وأصحابك أن القياس غيره، وتقول: لا أخالف عائشة، ثم خالفتها (٢) ومعها سنة رسول الله ﷺ ، والقياس والمعقول.
وقال في حديث أبي جعفر: محمد بن علي: أن النبي، ﷺ ، باع خدمة مدبر (٣). ما روى هذا عن أبي جعفر فيما علمت أحدٌ يثبت حديثه (٤).
وإنما قال ذلك؛ لأن راويه فيما وقع إلى الشافعي عن أبي جعفر: الحجاج بن أرطأة والحجاج لا يحتج به.
ثم قال: ولو رواه من يثبت حديثه ما كان فيه لك حجة من وجوه. فذكر منها: أنه منقطع، وأنت لا تثبت المنقطع لو لم يخالفه غيره، فكيف تثبت المنقطع
стр. 607
يخالفه المتصل، ولو ثبت كان يجوز أن أقول: باع رقبة مُدبَّر كما حدّث جابر، وخدمة مدَّبر، كما حدث محمد بن علي.
وبسط الكلام فيه إلى أن قال:
روى أبو جعفر أن النبي، ﷺ ، قضى باليمين مع الشاهد فقلت: مرسل. وقد رواه معه عددٌ فطرحتَه، وروايته يوافقه عليها عددٌ منها حديثان متصلان أو ثلاثة صحيحة ثابتة وهو لا يخالفه فيه أحد برواية غيره. وأردت تثبيت حديث رويته عن أبي جعفر ويخالفه فيه جابر عن النبي ﷺ ، ما أبعد ما بين أقاويلك!!
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب حدثنا الربيع بن سليمان:
حدثنا الشافعي أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، وعن (١) أبي الزبير، سمعنا «جابر بن عبد الله» يقول: دَبَّرَ رجلٌ منا غلاماً له ليس له مال غيره، فقال النبي، ﷺ : من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن النحام (٢).
قال عمرو: سمعت جابراً يقول: عبداً قبطيًّا مات عام أول في إمارة ابن الزبير. زاد أبو الزبير: يقال له يعقوب.
قال الشافعي (٣): هكذا سمعته منه عامة دهري، ثم وجدت في كتابي: «دبّر رجل منا غلاماً له فمات» فإما أن يكون خطأً من كتابي، أو خطأً
стр. 608
من سفيان: [فإن كان من سفيان (١)] فابن جريج أحفظ لحديث أبي الزبير من سفيان، ومع ابن جريج حديث الليث وغيره. وأبو الزبير يحد الحديث تحديدا يخبر (٢) فيه حياة الذي دبّره، وحماد بن زيد مع حماد بن سلمة وغيره أَحْفَظُ لحديث عمرو من سفيان وحده.
وقد يستدل على حفظ الحديث من خَطَائه بأقل مما وجدت في حديث ابن جريج والليث عن أبي الزبير، وفي حديث حماد بن [زيد عن] (٣) عمرو [بن دينار] (٤) وغير حماد بن زيد عن عمرو كما رواه حماد.
وقد أخبرني غير واحد ممن لقى سفيان بن عيينة قديماً أنه لم يكن يُدخل في حديثه: «مات».
وعجب بعضهم حين أخبرته أني وجدت في كتابي: «مات» وقال: لعل هذا خطأ عنه، وزلة منه حفظتها عنه.
قلت: قد ذكرنا في «كتاب السنن» و «كتاب المعرفة» ما يشهد لقول الشافعي بالصحة في تعليل رواية سفيان، وقد وقعت هذه اللفظة أيضاً في رواية شريك، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر. وخالفه إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش عن سلمة، عن عطاء، فقالا: «ودفع ثمنه إلى مولاه» وبمعناه قاله حسين المعلم وعبد الحميد بن سهل وغيرهما، عن عطاء (٥).
стр. 609
وإنما وقع هذا الخطأ له ولغيره لما رويناه في إسناد صحيح (١) عن مطر، عن عطاء، وعمرو، وأبي الزبير، عن جابر: أن رجلا من الأنصار أعتق مملوكه إنْ حَدَثَ به حدَثٌ فمات فدعا به النبي ﷺ فباعه من نعيم بن عبد الله.
فقوله: «إن حدث به حدث فمات» من قول المعتق في شرط العتق؛ لأنه إخبار عن موته يوم البيع، فتوهم بعض الرواة أنه خبر موته، وإنما هو من قول المعتق في شرط العتق. والله أعلم (٢)،
* * *
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب قال: حدثنا الربيع بن سليمان:
أخبرنا الشافعي، أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: رأيت رسول الله، ﷺ ، إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع، ولا يرفع بين السجدتين.
قال الشافعي (٣): فخالفنا «بعض الناس» في رفع اليدين في الصلاة فقال: إذا افتتح الصلاة رفع يديه حتى يحاذي أذنيه ثم لا يعود لرفعهما في شيء من الصلاة.
стр. 610
واحتج بحديث يزيد بن أبي زياد: أخبرناه سفيان، عن يزيد (١) بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال:
رأيت رسول الله، ﷺ ، إذا افتتح الصلاة رفع يديه.
قال سفيان: ثم قدمت الكوفة فلقيت يزيد فسمعته يحدث بهذا وزاد فيه: «ثم لا يعود». وظننت أنهم لقنوه. قال سفيان: هكذا سمعت يزيد يحدث به. سمعته بعد ذلك يحدث به هكذا ويزيد فيه: «ثم لا يعود».
قال الشافعي: وذهب سفيان إلى أن يغلط يزيد في هذا الحديث ويقول: كأنه لُقِّن هذا الحرف فتلقنَّه، ولم يكن سفيان يرى يزيد بالحفظ.
قال الشافعي: فقلت لبعض من يقول هذا القول: حديث الزهري عن سالم عن أبيه، أثبت عند أهل العلم بالحديث أم حديث يزيد؟ قال: بل حديث الزهري وحده.
فقلت: فمع الزهري أحد عشر رجلا من أصحاب رسول الله، ﷺ ، منهم: أبو حُمَيْد السّاعِدِي، وحديث وائل بن حجر. كلها عن النبي، ﷺ ، بما وصفت. وثلاثة عشر حديثاً أولى أن تثبت من حديث واحد. ومن أصل قولنا وقولك: أنه لو لم يكن معنا إلا حديث واحد ومعك حديث يكافئه في الصحة، وكان في حديثك أن لا يعود لرفع اليدين - كان حديثنا أولى أن يؤخذ به؛ لأن فيه زيادة حفظ ما لم يحفظ صاحب حديثك. فكيف صرت إلى حديثك وتركت حديثنا والحجة لنا فيه عليك (٢) بهذا، وبأن (٣) إسناد حديثك ليس كإسناد حديثنا،
стр. 611
وبأن أهل الحفظ يرون أن يزيد لقن: «ثم لا يعود» (١).
قال: فإن إبراهيم النخعي أنكر حديث وائل بن حجر وقال (٢): أرى (٣) وائل بن حُجْر أعلم من علي وعبد الله. قلت: وروى إبراهيم عن علي وعبد الله: أنهما رويا عن النبي، ﷺ ، خلاف ما روى وائلُ بن حُجْر؟
قال: لا، ولكن ذهب إلى أن ذلك لو كان روياه أو فعلاه.
قلت: وروى إبراهيم هذا عن علي وعبد الله نصًّا؟ قال: لا.
قلت: فخفى عن إبراهيم شيء رواه علي وعبد الله أو فعلاه؟
قال: ما أشك في ذلك (٤).
قلت: فلم احتججت بأنه ذكر عليا وعبد الله وقد يأخذ هو وغيره عن غيرهما ما لم يأت عن واحد منهما؟
ومن قولنا وقولك أنَّ «وائل بن حجر» إذ كان ثقة لو روى عن النبي ﷺ ، شيئاً فقال عدد من أصحاب النبي، ﷺ لم يكن ما روى - كان الذي قال كان أولى أن يؤخذ بقوله من الذي قال لم يكن.
وأصل قولنا: إن إبراهيم لو روى عن علي وعبد الله لم يقبل منه لأنه لم يلق واحداً منهما إلا أن يسمي بينه وبينهما ويكون ثقة لِلُقِيِّهِما.
ثم أردت إبطال ما روى وائل بن حجر عن النبي ﷺ
стр. 612
فإن لم يعلم (١) إبراهيم فيه قول علي وعبد الله؟
قال: لعله علمه.
قلت: ولو علمه لم يكن عندي فيه حجة بأن رواه. وإن كنت تريد أن توهم أنه سمعه أنه رواه بلا أن يقول هو: رويته - جاز لنا أن نتوهم في كل ما لم يروه أنه علم فيه ما لم يقل: لنا علمناه. ولو روى عنهما خلافه لم يكن فيه عندك حجة.
فقال: وائل أعرابي.
قلت: أفرأيت قَرْثَع الضبي (٢) وقزعة (٣) وسهم بن منجاب (٤) حين روى
стр. 613
إبراهيم عنهم، وروى عن عبيد بن نَضْلة (١) أهم أولى أن يروى عنهم أو وائل بن حجر وهو معروف عندكم بالصحابة وليس واحد من هؤلاء فيما زعمت معروفا عندكم بحديث ولا شيء؟
قال: لا، بل وائل بن حجر.
ثم قلت: كيف ترد حديث رجل من الصحابة وتروى عمن دونه ونحن إنما قلنا برفع اليدين عن عدد لعله لم يرو عن النبي ﷺ شيئاً قط أكثر منهم غير وائل، ووائل أهل أن نقبل منه.
* * *
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الحسين: محمد بن يعقوب قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا أبو إبراهيم المزني ومحمد بن عبد الله ابن عبد الحكم قال:
حدثنا الشافعي، عن مالك، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب عُجرة أنه كان مع رسول الله صلى الله، عليه وسلم فآذاه القمل في رأسه فأمره رسول الله صلى عليه وسلم أن يحلق رأسه (٢). الحديث.
قال الطحاوي: سمعت المزني وابن عبد الحكم، يقولان: قال محمد بن إدريس:
стр. 614
غلط مالك بن أنس في هذا الحديث؛ الحفاظ حفظوه عن عبد الكريم عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
قال أبو جعفر الطحاوي: ولم يغلط «مالك» في هذا الحديث، إنما غلط فيه «الشافعي»؛ لأن ابن وهب والقَعْنَبي قد روياه عن مالك، عن عبد الكريم الجزري عن مجاهد.
قلت: لم يغلط الشافعي فيما قال، وإنما غلط «الطحاوي» لأن مالك ابن أنس، رحمنا الله وإياه، كان يقرأ عليه الموطأ بعد ما صنفه إلى آخر عمره مرة بعد أخرى. ففي العرضة التي حضرها الشافعي لم يذكر في إسناده مجاهدا.
قال: والشافعي إنما تكلم على ما رواه له دون ما رواه لغيره، ولم يكن قد وقعت إليه رواية ابن وهب حتى يعلم بها، إنه إنما ترك ذكره في سماعه، وقد رواه يحيى بن عبد الله بن بكير، وهو أحد حفاظ المصريين، عن مالك بن أنس عن عبد الكريم، عن ابن أبي ليلى (١) كما رواه الشافعي، ﵁ وأرضاه.
* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، قال: حدثنا محمد بن رمضان بن شاكر قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
سمعت الشافعي يقول: لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث.
стр. 615
وأخبرنا أبو عبد الرحمن قال: أخبرنا الحسن بن رشيق - إجازة - قال: حدثنا محمد بن يحيى الفارسي قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: سمعت الشافعي يقول: لم يضبط أحمد من أهل البلدان فتوح بلادهم إلا أهل الحجاز.
أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد بن موسى قال: حدثنا محمد بن المظفر قال: حدثنا أبو الفضل: جعفر بن أحمد بن محمد السلمي الأنطاكي بمصر قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال:
قال لي محمد بن إدريس الشافعي: إذا وجدت متقدمي أهل المدينة على شيء فلا يَدْخُل قلبَك شكٌّ أنه حق (١).
стр. 616
باب
ما يستدل به على إتقان الشافعي ﵀ في الرواية ومذهبه في قبول الأخبار واحتياطه فيها
* * *
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الماليني قال: حدثنا أبو أحمد بن عدي الحافظ قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن حيوية قال: وجدت في كتاب لأبي سعيد الفريابي (١) رحمة الله عليه أن المزني قال:
قال الشافعي: قال رسول الله ﷺ : «حدثوا عن نبي إسرائيل ولا حرجَ وحدِّثوا عني ولا تكذِبُوا عليّ» (٢).
قال: معناه أن الحديث إذا حدثت به وأدّيته على ما سمعت حقًّا كان أو غير حق لم يكن عليك حرج، والحديث عن رسول الله ﷺ لا ينبغي أن يُحدث به إلا عن ثقة.
وقد قيل (٣): «من حدَّث حديثاً وهو يَرَى أنه كذبٌ فهو أحدُ الكاذِبَيْن» (٤).
стр. 617
قال: إذا حدثت بالحديث فيكون عندك كذباً ثم تحدثه فأنت أحد الكاذبين في المأثم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباسي: محمد بن يعقوب قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي بعد فصل ذكره:
وجماع هذا أنه لا يقبل إلا حديث ثابت كما لا يقبل من الشهود إلا من عرف عدله (١).
وإذا كان الحديث مجهولا أو مرغوبا عمن حمله كان كما لم يأت لأنه ليس بثابت.
وذكر بهذا الإسناد شرائط من يقبل خبره فقال:
ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً منها:
أن يكون من حدّث به ثقةً في دينه، معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدِّي الحديث بحروفه كما سمعه، ولا يحدِّث به على المعنى؛ لأنه إذا حدَّث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه - لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام. وإذا أدى بحروفه لم يبق وجه يخاف فيه إحالة الحديث.
حافظاً إن حدّث من حفظه. حافظاً لكتابه إن حدّث من كتابه. إذا شرك (٢) أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم. بريئاً من أن يكون مدلِّساً،
стр. 618
يحدث عمن لقى ما لم يسمع منه أو يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات خلافه.
ويكون هكذا مَنْ فوقه ممن حدثه ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ ، أو إلى من انتهى به إليه دونه؛ لأن كل واحد منهم مُثْبِتٌ لِمَنْ حدَّثه ومثبتٌ على من (١) حدَّث عنه (٢).
قال في القديم في رواية الزعفراني عنه:
فإن جُهِل منهم واحد وقف عن روايته حتى يعرف بما وصفت فيقبل خبره أو بخلافه فيردَّ خبره، كما يقف الحاكم عمن شهد عنده حتى يتبيّن عدله فيقبل شهادته أو جرحه فيردَّ شهادته.
وقال في الجديد في روايتنا:
ومن كثر (٣) غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح - لم يقبل حديثه، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادات لم تقبل شهادته.
قال: وأقبل الحديث: حدثني فلان عن فلان، إذا لم يكن مدلِّساً.
ومن عرفناه دلّس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته وليست تلك العورة بِكَذبٍ فيردّ بها حديثُه، ولا على النصيحة في الصدق فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق، فقلنا: لا نَقْبل من مدلِّسٍ حديثاً حتى يقول: حدثني أو سمعت.
стр. 619
قال الشافعي: ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه إلا بصدق المخبر وكذبه، إلا في الخاص القليل من الحديث، وذلك بأن يحدِّث المحدِّث بما لا يجوز أن يكون مثله، أو يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه.
وقال بهذا الإسناد في الفرق بين الشهادة والخبر:
إني أقبل في الحديث الرجلَ الواحدَ والمرأة، ولا أقبل واحداً منهما في الشهادات وحده. وأقبل الحديث: حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلِّسا، ولا أقبل في الشهادات إلا سمعت أو رأيت أو أشهدني.
وتختلف الأحاديث: فنأخذ ببعضها استدلالاً بكتاب الله أو سنة أو إجماع أو قياس. وهذا لا يؤخذ به في الشهادات.
ثم يكون بشر كلّهم تجوز شهادته، ولا أقبل حديثه من قبل ما يدخل في الحديث من كثرة الإحالة وإزالة بعض الألفاظ والمعاني. وبسط الكلام فيه إلى أن قال في شرح ذلك:
وتكون اللفظة تُتْرك من الحديث فتُحيل معناه، أو ينطق بها بغير لفظ المحدث والناطق بها غير عامد لإحالة الحديث فتحيل معناه. فإذا كان الذي يحمل الحديث يجهل هذا المعنى وكان غير عاقل للحديث فلم يقبل حديثه إذا كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه وكان يلتمس تأديته على معانيه وهو لا يعقل المعنى.
وقال في الفرق بينهما: حيث قبل خبر الواحد ولم تقبل شهادة الواحد وحده أن يكون العدل يكون جائزَ الشهادة في أمور مردوداً في أمور: إذا
стр. 620
شهد في موضع يَجُرُّ به إلى نفسه زيادة، أو يدفع بها عن نفسه غرماً، أو إلى والده وولده، أو يدفع بها عنهما، ومواضع الظن سواها.
والشاهد إنما يشهد على واحد ليلزمه غرما أو عقوبة وللرجل ليُؤْخذ له غرم أو عقوبة وهو خلى مما لزم غيره.
وبسط الكلام فيه إلى أن قال:
والمحدِّث بما يحل ويحرم لا يجر إلى نفسه ولا إلى غيره ولا يدفع عنها ولا عن غيره شيئا مما يَتَموَّلُ الناسُ، ولا بما فيه عقوبة عليهم ولا [لهم، (١) و] هو ومن حدثه ذلك الحديث من المسلمين سواء.
وبسط الكلام فيه إلى أن قال:
ولأنهم - يعني (٢) المحدثين من أهل العلم - وُضِعُوا موضع الأمانة ونُصِبُوا أعلاماً للذين كانوا عالمين بما ألزمهم الله من الصدق في كل أمر، وإن الحديث في الحلال والحرام أعلى الأمور وأبعدها من أن يكون فيه موضع ظنة، وقد قدم إليهم في الحديث عن رسول الله، ﷺ ، بشيء لم يتقدم إليهم في غيره: فوعد على الكذب عن رسول الله، ﷺ ، النار. وذكر الأحاديث التي وردت في هذا الباب، وهي مذكورة في غير هذا الكتاب.
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن القزويني - قاضي مصر - عن الربيع، قال:
سمعت الشافعي يقول:
стр. 621
لا يجوز لأحد أن يختصر حديث رسول الله، ﷺ ، فيأتي ببعض الحديث ويترك بعضه، يحدث بالحديث كما روى عنه بألفاظه؛ ليدرك كلٌّ مما سمع منها ما فهَّمَه الله ﵎.
أخبرنا أبو عبد الرحمن بن الحسين السُّلمي قال: حدثنا الحسين بن محمد الماسرجَسِي الحافظ قال: حدثنا محمد بن سفيان - بمصر - قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي ﵀: الأصل قرآن أو سنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله، ﷺ ، وصح الإسناد منه فهو سنة، والإجماع أكثر من الخبر الواحد المنفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل الحديث المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسناداً أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل، ولا يقال لأصل: لم ولا: كيف؟ وإنما يقال للفرع: لم، فإذا صح قياسه على الأصل صح وقامت الحجة به، فإذا روى الثقة حديثا ولم يروِه غيره لا يقال شاذا؛ إنما الشاذ أن يروى الثقات حديثا على نصٍّ - أو قال على نسق - ثم يرويه بعضهم مخالفاً لهم يقال: شذ عنهم (١).
هكذا رواه أبو موسى: يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي في المنقطع. وشرط الشافعي في المنقطع في «كتاب الرسالة» ما نقلناه في «كتاب المدخل» و «كتاب المعرفة (٢)» وغيرهما وهو: أن لا يقبل المراسيل من بعد كبار التابعين. قال الشافعي: لأمور:
стр. 622
أحدها: أنهم أشدُّ تحرُّزاً فيمن يرْوُون عنه.
والآخر: أنهم تؤخذ عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه.
والآخر: كثرة الإحالة في الأخبار، فإذا كثرت الإحالة كان أمكن لسهوهم وضعف (١) من يقبل عنه، فأما كبار التابعين الذين أرسلوا الحديث فشركهم الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله ﷺ .
قال الشافعي: فإن انفرد - يعني الواحد منهم - بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قُبل ما ينفرد به من ذلك، ويعتبر عليه بأن ينظر: هل يوافقه مُرْسَلُ غيره ممن قَبِل العلم من غير رجاله الذين قبل عنهم، فإن وجد ذلك كانت دلالة تقوى له مُرْسَله، وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن أصحاب النبي، ﷺ قولا له فإن وجد يوافق ما روى عن رسول الله ﷺ كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله إلا عن أصل يصح إن شاء الله، وكذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روى عن النبي ﷺ بمن يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسم مجهولا، ولا مرغوبا عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه، ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه.
وبسط الكلام فيه وهو فيما أخبرناه أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا الربيع قال: حدثنا الشافعي. فذكره.
стр. 623
قلت: فالشافعي ﵀، يقبل مراسيل كبار التابعين إذا انضم إليها ما يؤكدها، وقد ذكرنا في «كتاب المدخل» من أمثلتها بعضها، وإذا لم ينضم إليها ما يؤكدها [لم يقبله] سواء كان مرسل ابن المسيَّب أو غيره.
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع مراسيل لابن المسيب لم يقل بها الشافعي حين لم ينضم إليها ما يؤكدها، ومراسيل لغيره قد قال بها حين انضم إليها ما يؤكدها، وزيادة ابن المسيب على غيره في هذا: أنه أصح التابعين إرسالا فيما زعم الحفاظ والله أعلم
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو العباس قال: حدثنا الربيع قال:
حدثنا الشافعي قال: حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد قال: سألت ابناً لعبد الله بن عمر عن مسألة فلم يقل فيها شيئا فقيل له: إنا لنعظم أن يكون مثلك ابن إمامَيْ هُدًى (١) تُسأل عن أمر ليس عندك فيه علم؟ فقال: أعظمُ والله من ذلك عند الله، وعند مَن عرف الله، وعند مَنْ عقل عن الله أن أقول ما ليس لي به علم أو أخبر عن غير ثقة (٢).
وبإسناده قال: حدثنا الشافعي قال: أخبرني عمي: محمد بن علي بن شافع عن هشام، عن عروة، عن أبيه قال: إني لأسمع الحديث أستحسنه فما يمنعني
стр. 624
من ذكره إلا كراهيةُ أن يسمعه سامعٌ فيقتدي به. أسمعه من الرجل لا أثق به قد حدثه عمن أثق به، وأسمعه (١) من الرجل أثق به قد حدثه عمن لا أثق به.
قال الشافعي: وقال سعد بن إبراهيم: لا يحدث عن النبي ﷺ إلا الثقات (٢).
أخبرنا أبو الحسين: علي بن محمد بن عبد الله بن بشران قال: حدثنا أبو جعفر: محمد بن عمرو الرزاز قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السُّلمي قال: سمعت الحميدي يقول: سمعت ابن عيينة يقول: سمعت مِسْعر بن كدام يقول: سمعت سعد بن إبراهيم يقول: لا يحدِّثُ عن النبي ﷺ إلا الثقات.
* * *
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال: سمعت الربيع يقول:
سمعت الشافعي وسأله رجل عن شيء من أمر نوح فقال الشافعي: ليتنا نجد بيننا وبين نبينا ﷺ أي شيء يصح فكيف بيننا وبين نوح؟!
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الحسن: محمد بن عبد الله الجوهري يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري يقول:
стр. 625
كان الشافعي ﵀ إذا سئل عمّن لا يعرفه: أثقة هو؟ فيقول: والله لا أشهد أنه مسلم.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلمي قال: حدثنا محمد بن العباس الضَّبِّي قال: أنبأنا عيسى بن عبد الله.
ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن قال: حدثنا أبو محمد بن أبي حامد قال: حدثنا عيسى بن عبد الله العُثماني قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
سمعت الشافعي يقول: قال سفيان بن عيينة: حدث الزهري يوما بحديث فقلت: هاته بلا إسناد فقال لي الزهري: أترقى السطح بلا سلم؟ وفي روايته عن الضبي: أترقى السطح بلا سُلَّم؟
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا سهل محمد: بن سليمان الفقيه إمام الشافعيين في عصره يقول: [سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول (١):]
سمعت الشافعي يقول: إذا قرأت على المحدث فقل: أخبرنا، وإذا قرأ عليك المحدث فقل: حدثنا (٢).
وكذلك حكاه زكريا الساجي وغيره، عن الربيع، عن الشافعي، قال: زكريا: سمعت الحسن بن محمد الزعفراني يقول:
كان الشافعي إذا حدثنا عن مالك يقول: حدثنا، وربما (٣) يقول: أنبأنا، كأنه واحد.
стр. 626
قلت: الذي رجع إليه الشافعي في الجديد قول أحمد بن حنبل وأكثر أهل الحديث.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين بن محمد الدارمي (١) قال: أخبرنا عبد الرحمن - يعني محمد بن إدريس - قال: أخبرني أبي قال:
سمعت الربيع بن سليمان يقول: همّ الشافعي بالخروج - يعني من مصر - وكان قد بقي عليّ من كتاب البيوع شيء، فقلت للشافعي: أجزه لي فقال: ما قرئ عليّ فكما قرئ عليّ فأعدت عليه بعد ذلك، فأعاد مثل ما قال أولاً وما زادني على ذلك، ثم منَّ الله علينا به فأقام عندنا بعد ذلك مدة، فسمعنا بعد ذلك وتوفى عندنا. يعني أنه كره الإجازة (٢).
قلت: وقد كرهها أيضا مالك بن أنس وجماعة من الحفاظ، ورخص فيها جماعة منهم، ومن رخص فيها ميزها من السماع وبيّنها للفرق بينهما، وترجيح (٣) السماع عليها لما يخشى فيما أجيز له ووصل إليه كتابه من الإحالة والتحريف.
وبالله التوفيق.
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أخبرنا يونس (٤) بن عمر الزاهد قال: قرئ على أبي الحسن المصري وأنا أسمع: حدثكم عمر بن عبد العزيز بن مقلاض قال: سمعت أبي يقول:
سمعت الشافعي يقول: قال شعبة بن الحجاج: التدليس أخو الكذب.
стр. 627
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، ابن أخي عبد الله بن وهب قال:
سمعت الشافعي يقول: إذا رأيت الكتاب فيه إلحاق وإصلاح فاشهد له بالصحة.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا الحسن القصار الفقيه يقول: سمعت ابن أبي حاتم يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
قرأت «كتاب الرسالة المصرية» على الشافعي نيفا وثلاثين مرة فما من مرة إلا كان يصححه. ثم قال الشافعي في آخره: أبى الله (١) أن يكون كتاب صحيح غير كتابه.
قال الشافعي: يدل على ذلك قول الله ﵎: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٢)﴾.
قلت: ومما يذكر في إتقان الشافعي ﵀ روايةَ الحديث أنه كان سمع من مالك بن أنس الكثير، ثم روى حديثا لم يسمعه منه عن الثقة عنده، عن عبد الله بن الحارث عن مالك. وكان قد سمعه من عبد الله بن الحارث فشك فيه فتركه، ورواه عن الثقة عبد الله بن الحارث، ورواه أيضاً عن مسلم بن خالد الزنجي، عن ابن جريج، عن سفيان الثوري، عن مالك، عن رجل، عن عبد الله بن نافع، عن مالك، مع سماعه الكثير من عبد الله بن نافع.
стр. 628
وكان قد سمع الحديث الكثير من «عبد العزيز بن محمد الدراوَرْدي، وروى ما لم يسمعه منه عن عمرو بن سلمة وغيره عن عبد العزيز. وله من هذا الجنس روايات كثيرة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي قال:
كتب الشافعي حديث ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن خلاد، عن أبيه، عن عمه، عن النبي ﷺ : «أنه رأى رجلا يصلي في ناحية المسجد فقال له: ارجع فصلّ فإنك لم تصلّ (١)» كتب الشافعي هذا الحديث عن حسين الألثغ عن يحيى بن سعيد. قال: [أَبو محمد - يعني (٢)] ابن أبي حاتم -: ولعل يحيى بن سعيد كان حيا في ذلك الوقت.
قلت: وهذا لأن هذا الحديث كان عند الشافعي عن إبراهيم بن محمد، وكان إبراهيم قد خلَط في إسناده، فأحبَّ أن يسمعه من طريق صحيح فسمعه ممن هو أصغر سنا منه لحاجته إليه، ولم يستنكف من ذلك لتقواه الله تعالى (٣)، ولأن قصده من العلم كان الإرشاد والنصيحة، لا الشرف (٤) به وبالعالي من الإسناد. وبالله التوفيق.
وقوله في بعض رواياته: «أخبرنا الثقة» لا لأنه كان يأنف من ذكر اسمه،
стр. 629
ولكن لمعنى آخر ذكرناه في رواية محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن الشافعي، في شيء حكاه ابن عبد الحكم عن الشافعي، فلم يذكره الشافعي، فجعل ابن عبد الحكم يذكره حتى ذكره، فقال: يا محمد، لا تحدث عن حيّ؛ فإن الحي لا يُؤمن عليه النسيان.
فكأنه، ﵀، حين وضع الكتاب الذي روى فيه عن الثقة عنده لم تبلغه وفاة (١) المروي عنه فاستعمل ما قاله لابن عبد الحكم. والله أعلم.
ومما يعد [في إتقانه: أنه كان يجد (٢)] الحديث في كتابه في موضعين: أحدهما موصولا والآخر منقطعاً فيرويه منقطعا.
ومما يعد في إتقانه: أنه كان يروي له بعض شيوخه حديثاً مرفوعاً فيجده في رواية الحفاظ موقوفاً فيقفه ويبيِّنه.
وكذلك يروي له بعض شيوخه حديثا متصلا فيجده في رواية الحفاظ منقطعا فيرسله ويبينه.
ومما يعد في احتياطه لنفسه ونظره في كتبه لدينه أنه كان لا يرى الاحتجاج برواية المجهولين ولا بما كان ضعيفا عنده بانقطاع أو ضعف راوٍ، وإن رواه في جملة ما روى من الأحاديث بيَّن ضعف، وأخبر أن اعتماده فيما اختار على غيره. ومثال ذلك فيما أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى قال: حدثنا أبو العباس الأصم قال: حدثنا الربيع قال:
قال الشافعي ﵀ في أثرين ذكرهما في مسألة من «كتاب الحدود»:
стр. 630
وهاتان الروايتان وإن لم تُخالفهما (١) غير معروفتين عندنا، ونحن نرجو أن لا يكون ممن تدعوه الحجة على من خالفه إلى قبول خبر من لا يَثبت خبره بمعرفته عنده. وله من أمثال هذا كلام كثير نقله إلى «كتاب المعرفة».
ومما يعد في إتقانه واحتياطه: أنه كان يروي حديثا بإسناد صحيح وآخر بإسناد أضعف منه فيميز بينهما فيما يدبر من الكلام بالعبارة.
ومثال ذلك أنه روى حديث مالك وسفيان عن أبي الزبير عن جابر أن عمر بن الخطاب ﵁ قضى في الأرنب بعَناق (٢)، وحديثه عن سعيد عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الضحاك عن ابن عباس في معناه. ثم قال فيما يريد من الكلام: وقلنا قول عمر بن الخطاب وما روى عن ابن عباس أن فيها عَناقا دون المسِنَّة، وذكر حجته. فميز بينها في اللفظ؛ لأن الرواية فيه عن عمر رضي الله تعالى عنه موصولة صحيحة من ابن عباس فقال: وما روى ابن عباس لم يقل قول ابن عباس.
стр. 631
وله من أمثال ذلك كلام كثير يطول ذكره. والله يوفقنا لما وفقه له بفضله ورحمته.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله: الحسين بن الحسن الفقيه ببخاري يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: هذه الأحاديث التي في كتب الشافعي ﵀ وهو يرويها عني يجب أن تأخذها لفظا بعد لفظ.
وقد حدثني رفيقنا أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن عبدان الكرماني بهذه الرؤيا أشبع من هذا قال: سمعت أبا عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام ببخاري كأنه في صحراء على ربوة من الأرض، وبين يديه الأئمة الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃ أجمعين، وكلّ واحد منهم على يسار صاحبه دونه، وأنا دونهم، فقال لي رسول الله ﷺ : هذه الأحاديث التي في كتاب الشافعي وهو يرويها عني يجب أن تأخذها لفظا بعد لفظ.
стр. 632
باب
ما يستدل به على فصاحة الشافعي ومعرفته (١) باللغة وديوان العرب.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن علي بن محمد، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس (٢) - قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل، فيما كتب إليّ، قال:
قال الشافعي (٣) ﵁: أنا قرأت على «مالك» وكان يعجبه قراءتي. قال: لأنه كان فصيحا.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الزبير بن عبد الواحد، قال: حدثني أبو المؤمل: عباس (٤) بن الفضل، بأُرْسُوف (٥)، قال: سمعت محمد بن عوف يقول:
سمعت «أحمد بن حنبل» يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (٦).
стр. 633
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا الحسن بن رشيق - إجازة - قال: ذكر زكريا السّاجي، أخبرني جعفر بن محمد، قال: قال «أحمد بن حنبل (١)»: كلام الشافعي في اللغة حجة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو القاسم بن عبيد: أن زكريا بن يحيى الساجي حدثهم قال: أخبرنا أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبي يقول:
أقام الشافعي على قراءة العربية وأيام الناس عشرين سنة، وقال: ما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق - إجازة - حدثنا أحمد بن علي المدائني، قال: قال المزني:
قدم علينا الشافعي وكان بمصر «ابن هشام» صاحب المغازي، وكان علامة أهل مصر في الغريب والشعر، فقيل له: تأتى الشافعي، فأبى. فلما كان بعد ذلك قيل له: إنّه وإنّه، فأتاه فذاكره أنساب الرجال، فقال الشافعي، ﵁، له بعد أن تذاكرا: دع عنك أنساب الرجال فإنها لا تذهب عنا وعنك، وخذ بنا في أنساب النساء. فلما أخذوا فيها بَقِيَ ابنُ هشام (٢).
وكان بعد ذلك يقول: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا.
وكان يقول: قول الشافعي ﵁ في اللغة حجة.
стр. 634
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، ببغداد، حدثنا إبراهيم بن علي النَّسائي، حدثنا محمد بن رمضان، قال: سمعت محمود النحوي، يقول:
كان «عبد الملك بن هشام» النحوي إذا شك في شيء من اللغة بعث إلى الشافعي فسأله عنه.
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الماليني، أخبرنا أبو أحمد: عبد الله بن عديّ الحافظ، قال: حدثنا يحيى بن حيوية، قال: سمعت أبا سعيد الفريابي، يقول: سمعت محمد النحوي، يقول: سمعت ابن هشام النحوي يقول:
طالت مجالستنا محمد بن إدريس الشافعي فما سمعت منه لحنة قطّ، ولا كلمة غيرها أحسن منها (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال: سمعت محمد ابن المسيب، وأبا نعيم، يحكيان عن الربيع أنه قال:
قال ابن هشام صاحب المغازي: الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة (٢).
وقال الربيع: وكان ابن هشام بمصر (٣) كالأصمعي بالعراق.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا علي بن عيسى المدائني، قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول:
стр. 635
سمعت أيوب بن سويد يقول: خذوا عن الشافعي اللغة.
أَخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن الحسين الدِّينوري، حدثنا ظَفْران بن الحسين، حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: حدثت عن «أبي عبيد: القاسم بن سلام» قال:
كان الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة، أو من أهل اللغة. قال أبو محمد: الشك مني (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو العلاء الأصبهاني: أخبرنا أبو بكر الأنباري، حدثني أبي، عن أبي عبيدة قال:
قال أبو عثمان المازني: الشافعي عندنا حجة في النحو.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، ببغداد، حدثنا عمر بن الحسن بن علي القَرَاطِيسي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال:
قلت لعمي يا عمَّاه، على من قرأت شعر هُذَيل؟ فقال: على رجل من آل المطلب يقال له: محمد بن إدريس (٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال، سمعت شيخا يحدث أبا العباس بن سريج يقول: سمعت أبي يقول:
سمعت الأصمعي يقول: صَحَّحْتُ أشعار الهُذَلِيِّين على شاب من قريش بمكة يقال له: محمد بن إدريس الشافعي.