وله من أمثال ذلك كلام كثير يطول ذكره. والله يوفقنا لما وفقه له بفضله ورحمته.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله: الحسين بن الحسن الفقيه ببخاري يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: هذه الأحاديث التي في كتب الشافعي ﵀ وهو يرويها عني يجب أن تأخذها لفظا بعد لفظ.
وقد حدثني رفيقنا أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم بن عبدان الكرماني بهذه الرؤيا أشبع من هذا قال: سمعت أبا عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام ببخاري كأنه في صحراء على ربوة من الأرض، وبين يديه الأئمة الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﵃ أجمعين، وكلّ واحد منهم على يسار صاحبه دونه، وأنا دونهم، فقال لي رسول الله ﷺ : هذه الأحاديث التي في كتاب الشافعي وهو يرويها عني يجب أن تأخذها لفظا بعد لفظ.
стр. 632
باب
ما يستدل به على فصاحة الشافعي ومعرفته (١) باللغة وديوان العرب.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني الحسين بن علي بن محمد، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس (٢) - قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل، فيما كتب إليّ، قال:
قال الشافعي (٣) ﵁: أنا قرأت على «مالك» وكان يعجبه قراءتي. قال: لأنه كان فصيحا.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الزبير بن عبد الواحد، قال: حدثني أبو المؤمل: عباس (٤) بن الفضل، بأُرْسُوف (٥)، قال: سمعت محمد بن عوف يقول:
سمعت «أحمد بن حنبل» يقول: الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه (٦).
стр. 633
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا الحسن بن رشيق - إجازة - قال: ذكر زكريا السّاجي، أخبرني جعفر بن محمد، قال: قال «أحمد بن حنبل (١)»: كلام الشافعي في اللغة حجة.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو القاسم بن عبيد: أن زكريا بن يحيى الساجي حدثهم قال: أخبرنا أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي، قال: سمعت أبي يقول:
أقام الشافعي على قراءة العربية وأيام الناس عشرين سنة، وقال: ما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق - إجازة - حدثنا أحمد بن علي المدائني، قال: قال المزني:
قدم علينا الشافعي وكان بمصر «ابن هشام» صاحب المغازي، وكان علامة أهل مصر في الغريب والشعر، فقيل له: تأتى الشافعي، فأبى. فلما كان بعد ذلك قيل له: إنّه وإنّه، فأتاه فذاكره أنساب الرجال، فقال الشافعي، ﵁، له بعد أن تذاكرا: دع عنك أنساب الرجال فإنها لا تذهب عنا وعنك، وخذ بنا في أنساب النساء. فلما أخذوا فيها بَقِيَ ابنُ هشام (٢).
وكان بعد ذلك يقول: ما ظننت أن الله خلق مثل هذا.
وكان يقول: قول الشافعي ﵁ في اللغة حجة.
стр. 634
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا علي بن عمر الحافظ، ببغداد، حدثنا إبراهيم بن علي النَّسائي، حدثنا محمد بن رمضان، قال: سمعت محمود النحوي، يقول:
كان «عبد الملك بن هشام» النحوي إذا شك في شيء من اللغة بعث إلى الشافعي فسأله عنه.
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الماليني، أخبرنا أبو أحمد: عبد الله بن عديّ الحافظ، قال: حدثنا يحيى بن حيوية، قال: سمعت أبا سعيد الفريابي، يقول: سمعت محمد النحوي، يقول: سمعت ابن هشام النحوي يقول:
طالت مجالستنا محمد بن إدريس الشافعي فما سمعت منه لحنة قطّ، ولا كلمة غيرها أحسن منها (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال: سمعت محمد ابن المسيب، وأبا نعيم، يحكيان عن الربيع أنه قال:
قال ابن هشام صاحب المغازي: الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة (٢).
وقال الربيع: وكان ابن هشام بمصر (٣) كالأصمعي بالعراق.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا علي بن عيسى المدائني، قال: سمعت الربيع بن سليمان، يقول:
стр. 635
سمعت أيوب بن سويد يقول: خذوا عن الشافعي اللغة.
أَخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن الحسين الدِّينوري، حدثنا ظَفْران بن الحسين، حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، قال: حدثت عن «أبي عبيد: القاسم بن سلام» قال:
كان الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة، أو من أهل اللغة. قال أبو محمد: الشك مني (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قال أبو العلاء الأصبهاني: أخبرنا أبو بكر الأنباري، حدثني أبي، عن أبي عبيدة قال:
قال أبو عثمان المازني: الشافعي عندنا حجة في النحو.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، ببغداد، حدثنا عمر بن الحسن بن علي القَرَاطِيسي، حدثنا ابن أبي الدنيا، حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال:
قلت لعمي يا عمَّاه، على من قرأت شعر هُذَيل؟ فقال: على رجل من آل المطلب يقال له: محمد بن إدريس (٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، قال، سمعت شيخا يحدث أبا العباس بن سريج يقول: سمعت أبي يقول:
سمعت الأصمعي يقول: صَحَّحْتُ أشعار الهُذَلِيِّين على شاب من قريش بمكة يقال له: محمد بن إدريس الشافعي.
стр. 636
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، قال: سمعت منصور بن محمد بن الحنفي يقول: سمعت أبا عمر الزَّاهِد يقول: سمعت «أبا موسى الحامض (١)» يقول:
قال الأصمعي: قرأت على الشافعي الشعر.
أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، أخبرنا الفضل بن الفضل الكندي، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال: سمعت جعفر بن محمد الخُوَارَزْمي يحدث عن أبي عثمان المازني، قال: سمعت الأصمعي فقال: أنشدنيها رجل.
أخبرنا أبو عبد الله قال: قال أبو العلاء الأصبهاني الأديب: حدثنا الوليد بن أبان الأصبهاني حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني قال:
سمعت الأصمعي يقول: قرأت شعر الشَّنْفَري على علّامة (٢) بمكة يقال له: محمد بن إدريس الشافعي. فأنشدني لثلاثين شاعراً أساميهم: عَمْرو.
أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا ابن بنت الشافعي، قال:
سمعت «الزبير بن بكار» قال: أخذت شعر هذيل ووقائعها عن عمي «مُصْعَب» فسألته عمن أخذها؟ فقال: أخذتها من محمد بن إدريس الشافعي حفظا.
стр. 637
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه، أخبرنا إبراهيم بن محمود، وحدثني أبو سليمان - يعني داود الأصبهاني - حدثني مصعب ابن عبد الله الزبيري، قال:
قرأ على محمد بن إدريس الشافعي أشعار هذيل حفظا، ثم قال لي: لا تخبر بهذا أهل الحديث فإنهم لا يحتملون هذا (١).
قال مصعب: وكان الشافعي يَسْمُر مع أبي من أول الليل حتى الصباح لا ينامان.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي، حدثنا أحمد بن على الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا ابن بنت الشافعي قال:
سمعت الزبير بن بكار يقول: أخذت شعر هذيل ووقائعها وأيامها من عمّي مُصْعَب، فسألته عمن أخذها فقال: من شاب من قريش لم أر مثله فصاحة، يقال له: محمد بن إدريس الشافعي، حفظا.
قال: وسمعت زكريا الساجي يقول: حدثني جعفر بن عبد الله، عن «مصعب الزبيري» قال:
كان أبي والشافعي يتسامران، فأملى علي الشافعي شعر هذيل حفظا.
قال: حدثنا زكريا الساجي، قال: سمعت جعفر بن محمد الخوارزمي يحدث، عن أبي عثمان المازني قال:
стр. 638
سمعت الأصمعي يقول: قرأت شعر الشَّنْفَري على الشافعي بمكة.
قال زكريا: فذكرت ذلك للرياشي (١) فقال: ما أنكره، قرأتها على الأصمعي قال: أنشدنيها رجل من قريش بمكة (٢) قال: والشنفري رفيق «تأبط شرا» جاء ورأسه (٣) تحت إبطه فقالوا (٤): تأبط شرا (٥).
أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن الحسين بن فنجويه الدينوري، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي، حدثنا زكريا الساجي، حدثنا عصام بن محمد قال: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري قال:
سمعت الشافعي يقول: أَرْوِي لثلاثمائة شاعر مجنون.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا عبد الله بن الحسين البُسْتِي (٦)، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف الهِيتي (٧)، حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله الرازي بدمشق حدثنا
стр. 639
أبو بكر: محمد بن أحمد - بدمشق - قال: قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم:
ولدت في ذي القعدة لأربع عشرة بقيت من سنة ست (١) وثمانين ومائة. ولو أدركت الشافعي وأنا رجل لاستخرجت من بين جنبيه علوماً جمّة، ما كان أتمه في كل فن (٢)! لقد قرأت عليه من أشعار هذيل فما أذكر له قصيدة إلا أنشدنها من أولها إلى آخرها. على أنه مات وله أربع وخمسون سنة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد بن أحمد العدل، أخبرني جعفر بن محمد الدُوْلابي الرازي، أخبرني أحمد بن محمد بن حرزاذ الرازي، عن محمد بن عبد الله بن إسحاق قال:
سمعت «المُبَرِّد» يقول: رحم الله «الشافعي» كان من أشعر الناس، وآدب الناس، وأعرفهم بالقراءات (٣).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا أبو بكر: محمد بن إبراهيم البغدادي، حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني.
ح (٤): وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي (٥)، حدثنا أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، قال:
стр. 640
سمعت «الزعفراني» يقول: ما رأيت أحداً قطّ أفصح ولا أعلم من الشافعي. كان أعلم الناس، وأفصح الناس، وكان يقرأ عليه من كل الشعر فيعرفه.
أخبرنا أبو عبد الله بن فنحويه الدينوري، حدثنا ظفران بن الحسين، حدثنا أبو محمد بن أبي حاتم، سمعت الربيع بن سليمان يقول:
كان الشافعي عَرَبِيَّ النفس، عَرَبِيَّ اللسان (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم، عن محمد بن إسحاق قال: سمعت «الربيع بن سليمان» يقول:
لو رأيتَ الشافعي وحُسنَ بيانه وفصاحته لتعجبت منه، ولو أنه ألف هذه الكتب على عربيته التي [كان] (٢) يتكلم بها، لم يُقْدَر على قراءة كتبه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عمرو السماك، شِفَاهاً: أن أبا محمد الشافعي: أحمد بن محمد بن عبد الله، أخبرهم في كتابه، قال: سمعت «أبا الوليد بن الجارود» يقول:
كان يقال: إن محمد بن إدريس الشافعي لغة وحده، يحتج به كما يُحتج بالبَطْنِ من العرب.
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، أخبرنا محمد بن علي بن طلحة، حدثنا أحمد ابن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا ابن بنت الشافعي، سمعت ابن أبي الجارود - وهو أبو الوليد - يقول:
ما رأيت أحداً إلا وكتبه أكبر من مشاهدته إلا الشافعي فإنّ لسانه
стр. 641
أكبر من كتبه (١).
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِينِي، حدثنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، حدثنا يحيى بن زكريا، حيويه، قال:
سمعت يونس بن عبد الأَعْلى يقول:
كانت ألفاظ الشافعي كأنها سُكّر (٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الحسين بن محمد الدارمي، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن أبي حاتم - قال:
قال أبي: حدثني «أحمد بن أبي سُريج» قال: ما رأيت أحداً أَفْوَهَ ولا أنطق من الشافعي (٣).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا محمد بن علي بن طلحة، حدثنا أحمد ابن علي، حدثنا زكريا الساجي، حدثني ابن بنت الشافعي، حدثني ابن بنت عفر المكي قال:
كانت بمكة جنازة قد شهدها مشايخ قريش، فجعلنا نمشي وراء الجنازة، والشافعي متوسط القوم يتحدّث ويتكلّم، فما سمعت غناء ولا لهواً ولا متكلما أحسن من لفظه وحديثه، حتى تمنيت أن يطوِّل الله علينا الطريق لئلا يسكت.
وأخبرنا أبو سعد الماليني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا الحسن بن إسماعيل النقار، حدثنا محمد بن سهل، حدثني «أحمد بن صالح» قال:
стр. 642
كان الشافعي إذا تكلم كأن صوته صَنْجٌ أو جَرَسٌ من حسن صوته (١).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت بعض أصحابنا يقول:
سمعت «الجاحظ» يقول: نظرت في كتب الشافعي فإذا هو درّ منظوم إلى درّ، فنظرت في كتب «فلان» فإذا هو كلام الأطباء.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا علي الزعفراني، بِسَاوَة (٢)، حدثنا أبو عمر: غلام ثعلب:
ح (٣). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد بن أحمد العدل، أخبرني منصور بن محمد الأديب، قال: سمعت أبا عمر: غلام ثعلب يقول:
سمعت «ثعلبا» يقول: إنما تَوَحَّدَ (٤) «الشافعي» باللغة؛ لأنه من أهلها. فأما «أبو حنيفة» فإنه منها على بعد. لفظ حديث السلمي، وفي رواية
أبي عبد الله: إنما تَوَحَّدَ الشافعي باللغة؛ لأنه كان حاذقا بها، فأما «أبو حنيفة» فلو عمل كل شيء ما عوتب؛ لأنه كان خارجاً من اللغة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، سمعت محمد بن عبد الله الفقيه يقول:
سألت «أبا عمر غلام ثعلب» - الذي لم تر عيناي مثله - عن حروف أخذت على الشافعي مثل قوله: ماء مالح، ومثل قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ (٥) أي لا يكثر من تعولون، وقوله: أينبغي أن يكون كذا وكذا؟
стр. 643
فقال لي: كلام الشافعي صحيح.
سمعت «أبا العباس ثعلبا» يقول: يأخذون على الشافعي وهو من بيت اللغة، يجب أن يؤخذ عنه.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو النضر: محمد بن محمد بن يوسف الفقيه الطوسي، أخبرنا أبو محمد: جعفر بن أحمد السَّاماني، سمعت الربيع بن سليمان يقول:
قال الشافعي: إذا وجدتم في كتابي الخطأ فأصلحوا فإني لا أخطئ. يعني في العربية.
وأخبرنا محمد بن عبد الله، أنبأنا أبو الوليد، سمعت إبراهيم بن محمود يقول: سمعت «الربيع بن سليمان» يقول:
أعربوا (١) هذا الكتاب؛ فإن الشافعي لم يلحن.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر: محمد بن عثمان النحوي، حدثنا أبو رَوْق العمراني، حدثنا أبو حاتم: سهل بن محمد السجستاني قال:
قال «الشافعي»: ما بلغني أن أحداً أفهم لهذا الشأن مني، وقد كنت أحب أن أرى «الخليل» بن أحمد.
وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، حدثنا محمد بن أبي يوسف، سمعت أبا حاتم السجستاني يقول. فذكره.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرني أبو الحسين: علي بن محمد بن عمر الفقيه الرازي، بها، أنبأنا ابن أبي حاتم، حدثنا حرملة بن يحيى، قال:
стр. 644
سمعت «الشافعي» يقول: أصحاب العربية جن الإنس، يبصرون مالا يبصر غيرهم (١).
وبهذا الإسناد قال: حدثنا «الشافعي» قال: إذا أردت أن تعرف الرجل: أكاتب هو أم لا؟ فانظر أين يضع دواته، فإن وضعها عن شماله أو بين يديه فاعلم أنه ليس بكاتب (٢).
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا محمد بن رمضان، أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال:
رآني الشافعي وأنا أستمد من دواة من ناحية اليسار، فقال: أشعرت أنه من الحراضة أن يضع الرجل دواته من ناحية اليسار. قال محمد: فالحراضة: الحمق.
حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرني أبي، حدثنا حرملة، قال:
سمعت الشافعي يقول: بذلة كلامنا صون كلام غيرنا.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو محمد: جعفر بن محمد بن الحارث.
وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا جعفر المراغي، قال: سمعت أبا يحيى بن زكريا بن محمد النيسابوري، بمصر، يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
стр. 645
سمعت الشافعي يقول: شِعْرُ ذي الرُّمَّة بَعْرُ غزال، ونَقْطُ عروس.
حدثنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب المذكر، حدثنا محمد بن المنذر بن سعيد، حدثنا محمد بن عبد الحكم، قال:
قال الشافعي: ليس يقدّم أهل البادية على شعر «ذي الرمة» أحداً.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد، أخبرني أبو الحسن: أحمد بن محمد المقري بأبيورد، حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن الحافظ، حدثنا الحسن ابن علي بن الأشعث، قال:
سمعت «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» وسأله رجل فقال له: أصلحك الله، أكان الشافعي حجة في اللغة؟ فقال: إن كان أحد من أهل العلم حجة فالشافعي حجة في كل شيء.
قال: وقال محمد بن المنذر الهروي: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كان «ابن هشام» صاحب المغازي يقول: الشافعي ممن يؤخذ عنه اللغة.
قال الربيع: وكان بمصر رجل يقال له: «سرح الغول» كان إذا قال إنسان قصيدة عرضها عليه ليصلحها له. قال: وكان الشافعي يقول: ادعوا لي سرحا ولا يقول الغول. فناظره الشافعي فأسمعه يقول - يعني سرحا -: نحن والله نحتاج نستقبل طلب العلم من اليوم.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد، أخبرنا الربيع بن سليمان، قال:
قال «الشافعي»: المقاريف: الهُجْن. والهجين: أن يكون أبوه بِرْذَوْناً وأمّه عربية.
стр. 646
وبإسناده: حدثنا عبد الرحمن بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حرملة، قال:
سمعت «الشافعي» يقول: لا أقول الحُليّ؛ إنما هو الحَلْي. يعني في الزكاة نصابا.
وبإسناده قال: سمعت «الشافعي» يقول: العميق: الفجاج، والغميق: ما في جوف الأرض.
أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا الحسين بن محمد الدارمي، وهو أبو أحمد، أخبرنا عبد الرحمن، أخبرنا الربيع، قال:
سمعت «الشافعي» يقول: المعقول: هو الذي إذا تكلم به علم أنه كما قال.
* * *
حدثنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، أخبرنا الربيع بن سليمان، قال:
قال «الشافعي»: [وقد كان من العرب من يقول] (١): حمام الطائر (٢): ناس الطائر. أي يعقل عقل الناس.
وذكرت (٣) العرب الحمام في (٤) أشعارِها.
[فقال الهذلي] (٥):
стр. 647
وذكّرني بكايَ على تليدٍ ... حمامة «مرَّ» جاوبت الحماما (١)
وقال الشاعر (٢):
أحسن إذا حمامة «بطن وجٍّ» ... تغنّت فوق مرقاة حنينا
وقال جرير (٣):
إني تذكرني الزُّبَير حمامة ... تدعو بمجمع نخلتين هديلا
قال الشافعي: مع شعر كثير قالوه فيما ذهبوا فيه إلى ما وصفت من أن أصواتها غناء وبكاء معقول عندهم، وليس ذلك في شيء من الطائر غير ما (٤) وقع عليه اسم الحمام.
قال الشافعي - فيما لم أسمعه -: فيقال فيما وقع عليه اسم حمام من الطائر: فيه شاة لهذا الفرق واتباع (٥) الخبر عمن سميت (٦) في حمام مكة. وبسط الكلام فيه (٧).
* * *
стр. 648
أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع قال:
قال «الشافعي»: كمال الذكاة بأربع: الحُلْقُوم والمَرِيء والودَجَيْن (١).
وأقل ما يكفي من الذكاة اثنان: الحلقوم والمَرِيء (٢).
والودجان: عرقان قد يسلان الإنسان ثم يحيا.
والمريء: هو الموضع الذي يدخل منه طعام كل خلق يأكل من بشر أو بهيمة.
والحلقوم: موضع النفس وإذا بانا فلا حياة تجاوز طرفة عين (٣).
قال: ونهى عمر بن الخطاب عن النخع، وأن تعجل الأنفس أن تزهق.
قال «الشافعي»: والنخع: أن تذبح الشاة ثم يكسر قفاها من موضع المذبح (٤) لنخعه ولمكان الكسر فيه، أو تضرب ليعجل قطع حركتها (٥).
أخبرنا أبو سعيد: محمد بن موسى، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الربيع قال:
قال «الشافعي» ﵁، قال الله سبحانه: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (٦)﴾
стр. 649
فكان معقولا أن الوجه: ما دون منابت شعر الرأس إلى (١) الأذنيين واللحيين والذَّقَن، وليس ما جاوز منابت شعر الرأس الأعم من النزعتين من الوجه (٢)
قال الربيع: وقد قال الشاعر:
فلا تنكحي إن فَرَّقَ الدهرُ بينا ... أغَمَّ القَفَا والوجه ليس بأنْزَعَا (٣)
ورواه غيره عن الربيع عن الشافعي أنه قال: الأَثّطُّ: الكَوْسَجُ (٤) والأغَمُّ: الذي على قفاه شعر: ثم أنشد الربيع.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد الرازي (٥)، حدثنا عبد الرحمن بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن سواد السّرحي، قال:
اختلف «ابن وهب» و «الشافعي» في الحديبية، فقال ابن وهب: الحديبية بالتثقيل. وقال الشافعي: بالتخفيف. قال أبي: التخفيف أشبه.
قال وقال أبي: قال عمرو بن سواد السرحي: كان «الشافعي» يقول: غزوة مُؤْتة بالرفع.
وقرأت في كتاب العاصمي عن بعض أصحابنا عن أبي بكر بن زياد النيسابوري، عن ابن عبد الحكم، قال: سمعت «الشافعي» يقول: لا تقل جِعِرَّانة، ولكن الجعرانة بالتخفيف.
حدثنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا الربيع
стр. 650
حدثنا «الشافعي» قال: فإن كان من أصابعه شيء خلق ملتصقا قلقل (١) الماء على غضونه حتى يصل الماء إلى ما ظهر من جلده لا يجزيه غير ذلك وليس عليه أن يفْتُقِ ما خلق مُرْنَتَقًا منها.
وبهذا الإسناد قال: فإذا أتى المرء على أمر الله به من غسل ومسح فقد أدّى ما عليه، قلَّ الماء أو كثر. وقد يرفقُ بالماء القليل فيكفي ويُخرق بالكثير فلا يكفي.
وبهذا الإسناد قال «الشافعي»: وإن كان الرجل من أهل البادية فداره حيث أراد المقام. فإن كان ممن لا مال له ولا دار يصير إليها، وكان سيَّارة يتبع أبداً مواقع القطر، فحل بموضع ثم تشامَّ (٢) برقاً فانتجعه. فإن استيقن (٣) أنه ببلد تقصر إلى مثله الصلاة قصر وإن شك لم يقصُر.
قال بعض أهل اللغة: قوله تشامَّ برقا: معناه: دنا منه أي من صوبه ومطره، يقال: دار فلان تُشَامّ دارَ فلان أي قريبة منها (٤).
стр. 651
باب
ذكر أبيات تؤثر مما أنشد (١) الشافعي لنفسه أو أنشد لغيره
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، قال:
قال «الشافعي»: الشعر كلام حَسَنُه كحسَن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، غير أنه كلام باق سائر، فذلك فضله على سائر (٢) الكلام، فمن كان من الشعراء (٣) لا يُعرف بنقص المسلمين وأذاهم والإكثار من ذلك ولا بأن يمدح فيكثر الكذب - لم تُردَّ شهادته. وبسط الكلام فيه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا علي التَّرْقُفي (٤) يقول: سمعت ابن الأنباري يُنشد للشافعي.
ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد، حدثني أبو القاسم: الحسن بن محمد بن الحسن، قال: وجدت في كتابي: عن محمد بن القاسم العمري، حدثني الربيع بن سليمان قال:
جاء رجل إلى الشافعي فسأله عن مسألة فأجاب، فقال له الرجل: جزاك الله خيراً. فأنشأ الشافعي يقول:
стр. 652
إذا المُشْكِلاتُ تَصدَّين لي ... كشفتُ حقائقَها بالنظرْ
وإن برقَت في مَخِيل السّحاب ... عَمْياء لا تَجْتلِيها الفِكرْ
مُقنَّعة بغيوب الغيوم ... وضعتُ عليها حُسام البصرْ (١)
لساني كشِقْشِقَة الأرْحَبِيِّ ... أو كالحُسَام اليماني الذّكرْ
ولَستُ بإمّعَةٍ في الرجال ... أسائل هذا وذا: ما الخبرْ؟
ولكنني مِدْرَهُ الأصغَرَينِ ... أقيسُ بما قد مضى ما غَبَرْ (٢)
وسبَّاق قومي إلى المكرُمات ... وجَلاَّب خير ودفَّاع شر
لفظ حديث أبي عبد الله إلا أنه قال: «تصدَّيْنني». وفي رواية السلمي: «في مخيل الصواب عمياء».
وقال:
مقنعة بغيوب الأمور ... وضعت عليها لسان البصر
وقال:
ولكنني مِدْرَهُ الأصغرين ... طَلاّب خير وفَرَّاج شرّ (٣)
وحدثنا أبو عبد الله الحافظ قال: وقال أبو عبد الله: محمد بن محمد بن عبيد الله الواعظ: سمعت أبا عمرو العثماني يحكي عن الربيع بن سليمان قال:
كنت يوماً عند الشافعي فجاءه رجل فقال: أيها العالم، ما تقول في حالف حلف إن كان في كمي دراهم أكثر من ثلاثة فعبدي حر؟ وكان في كمه أربعة
стр. 653
دراهمْ (١) فقال: لم يعتق عبده. قال: لم؟ قال: لأنه استثنى ما في كمه دراهم، والدرهم لا يكون دراهم. فقال آمنت بالذي فَوَّهَكَ هذا العلم (٢). فأنشأ الشافعي يقول. قال. فذكر هذه الأبيات.
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو سهل: محمد بن أحمد الفقيه، قال: سمعت الحسين بن الحسن يقول: سمعت سعداً الكاتب يقول: سمعت «المُبرّد» يقول:
دخل رجل على «الشافعي» ﵁ وهو مستلق على ظهره فقال: إن أصحاب أبي حنيفة الفُصّحاء. قال: فاستوى الشافعي جالساً وأنشأ يقول:
فلولا الشّعْرُ بالعلماء يزْرِي ... لكنتُ اليوم أَشْعَرَ من لَبِيد
وأشجعَ في الوغي من كلّ لَيْثٍ ... وآلِ مُهلّب وأبي يزيد
ولولا خشيةُ الرحمن ربي ... حَشَرْتُ الناس كلَّهم عَبِيدي (٣)
* * *
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا عبد الله: لزبير بن عبد الواحد الحافظ، يقول: سمعت أحمد بن محمد بن يحيى بن جرير المصري (٤) يقول: حدثني أبو عبيد الله بن أبي وهب قال:
سمعت الشافعي يقول:
стр. 654
وأَنَطَقتِ الدَّراهم بعد صَمْت ... أناساً بعدما كانوا سُكُوتا
فما عطَفُوا على أحد بفضل ... ولا عرفوا لِمَكْرُمةٍ بيوتا
وأخبرنا أبو زكريا (١) بن أبي إسحاق، حدثنا الزبير، حدثني أبو علي: أحمد ابن محمد بن جرير، بمصر، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب قال:
سمعت الشافعي يقول. فذكر البيتين غير أنه قال: «أنطقت» لو يذكر الواو.
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت الحسين بن أحمد بن موسى البيهقي، أخبرنا محمد بن القاسم الأسدي.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ، حدثني أبو بكر: محمد بن القاسم بن مطر، بمصر، حدثنا الربيع بن سليمان.
وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، قال: سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن القاسم، حدثنا الربيع قال (٢):
أنشدنا الشافعي:
لَيْتَ الكلابَ لنا كانت مُجَاورةً ... وليتنا لم نر مِمّن نرى أحداً
إنّ الكلابَ لتَهْدَى في مَوَاطِنِها ... والناسُ ليس بهادٍ شرّهم أبدا
فانجُ بنفسك واستأنس بوحدتها ... تُلفَى سعيداً إذا ما كنت منفردا (٣)
لم يذكر السلمي البيت الثالث:
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد، حدثنا الحسن بن سفيان، عن حرملة.
стр. 655
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد الرازي - حدثنا أبي، حدثنا حرملة قال:
سمعت الشافعي ﵀ يقول:
ودع الذين إذا أَتَوْكَ تنَسَّكُوا ... وإذا خَلَوْا فهُمُ ذِئابُ حِقَافِ (١)
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنشدني أبو عثمان: سعيد بن أبي سعيد قال: أنشدني أبو علي الحليمي الشَّاشِي، ببخاري، للشافعي ﵁.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد، قال: أنشدني منصور ابن يحيى (٢) الحنفي قال: أنشدني عبد الله بن إبراهيم الحميري (٣)، باليمن، للشافعي ﵁:
أصبحت مُطَّرحاً في مَعْشرٍ جَهِلُوا ... حقَّ الأديب فباعوا الرأس بالذنبِ
والنّاسُ يجمعهم شَمْلُ وبينهم ... في العقل فَرْقٌ وفي الآداب والحسبِ (٤)
والعُوْدُ لو لم تَطبْ منه روائحه ... لم يفْرق الناسُ بين العود والحطَبِ (٥)
أنشدنا أبو القاسم: الحسن بن محمد بن حبيب المفسّر، قال: أنشدنا أبو عبد الله الصغّار، قال: أنشدنا ابن الأنباري، قال: أنشدني الحسين بن عبد الرحمن للشافعي، ﵁:
стр. 656
أقسم بالله لرَضْخُ النَّوَى ... وشُرْبُ ماء القُلُبِ المَالِحهْ
أحْسنُ بالإنسان من حِرصه ... ومن سؤَال الأَوْجهِ الكالِحَهْ (١)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني نصر بن محمد، قال: أنشدني ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد، قال: أنشدني أبو محمد الشاشي للشافعي ﵁:
لَذلّ السّؤالِ وهَوْل الممات ... كُلاّ وجدناه طَعْماً وَبِيلا
فإن كان لا بد إحداهما ... فمَشْياً إلى الموت مَشْياً جميلا (٢)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، قال: سمعت سعيد بن أحمد بن سلمة الهمذاني، يقول: أنشدني محمد بن الحسن الحنفي قال: أنشدنا خيثمة بن سليمان، عن الربيع بن سليمان، قال: أنشدني الشافعي ﵁:
تَدَرّعتُ ثوباً للقنوع حَصِينةً ... أصُون بها عرضي وأجعلها ذُخْرا
ولم أحذر الدهر الخَؤون فإنما ... قُصَارَاهُ أن يرمي بي الموت والفقرا
فأعددت للموت الإلهَ وعَفْوَه ... أعددت للفقر التجلّدَ والصبرا (٣)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، قال: أنشدني محمد بن حاضر، قال: أنشدني بعض أصحابنا، عن محمد بن
стр. 657
عبد الرحيم (١) الجرجاني، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي ﵁ يقول:
حسبي بقُلِّى إن نفعْ ... ما الذّلّ إلا في الطمعْ
من راقب الله رجعْ ... عن سوء ما كان صنعْ (٢)
ما طار طَيرٌ وَارْتفعْ ... إلا كما طار وقعْ (٣)
أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العلاء: الحسن ابن كوشاد الأديب يقول: أنشدنا الربيع بن سليمان للشافعي ﵁:
لا تاسَ في الدنيا على فائتٍ ... وعندك الإسلامُ والعافيهْ
إن فات أمر كنت تسعى له ... ففيهما من فائتٍ حافيهْ (٤)
أخبرني (٥) أبو عبد الرحمن السلمي قال: أنشدني أبو عبد الله: محمد بن شاذان قال:
стр. 658
أنشدنا أحمد بن محمد الصابوني قال: قال حرملة: قال الشافعي:
أمَتُّ مطامعي وأرحتُ نفسي ... فإنّ النفسَ ما طِمَعت تهونُ
وأحييت القُنُوعَ وكان ميْتا ... ففي إحيائه عرض مَصُونُ (١)
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني نصر بن محمد، قال: أنشدني علي بن محمد القَصْري، قال: أنشدني عبد الله بن عبد الرحمن، قال: أنشدونا للشافعي ﵀:
أزلتُ مطامعي وأرحتُ نفسي ... لأنّ النفسَ ما طمِعَت تهونُ
وأحييت الرجاءَ وكان ميْتا ... وفي إحيائه عرضي مصونُ (٢)
إذا طَعٌ ألمَّ بنفس عبدِ ... عَلَته مذَلةٌ وعلاه هُونُ (٣)
أنشدنا أبو عبد الرحمن قال: أنشدنا طاهر بن عبد الله قال: أنشدنا أبو الحسن: محمد بن الحسين الفياضي، قال: أنشدني أبي للشافعي:
كُلْ بملح الجريش خُبزَ الشّعيرِ ... واعْتَقِب للنجاةِ ظَهْرَ البعير
وجُبِ المهْمهَ المخوفَ إلى طَنْجَةٍ ... أو خلفها إلى الدُّرْدُرُورِ (٤)
وصُنِ الوجهَ أن يذلَّ وأن يَخْضَعَ إلاَّ إلى اللطيفِ الخبير
стр. 659
أخبرنا (١) أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو عبد الله: الزبير ابن عبد الواحد الحافظ، بأسداباذ، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن محمد: أبو بكر القطان، قال: حدثني أبو عيسى: محمد بن عياض بن أبي شحمة الضبعي، قال: حدثنا محمد بن راشد، حدثنا (٢) أبو بكر الأصبهاني، قال: سمعت أبا إبراهيم المزني يقول:
أنشدني الشافعي من قِيله:
شهدتُ بأن الله لا شيء غيرهُ ... وأشهد أنّ البعثَ حقٌّ وأخلصُ
وأنّ عُرَى الإيمان قولٌ مبيَّنُ ... وفعلٌ زكيٌّ قد يزيد وينقصُ
وأنّ أبا بكر خليفةُ ربِّه ... وكان أبو حفْصٍ على الخير يحرصٌ (٣)
وأشهِدُ ربي أنّ عثمان فاضلٌ ... وأنّ عليًّا فَضْلهُ مُتخَصِّصُ (٤)
أئمةُ قومٍ يُقْتدى بِهُداهُمُ ... لَحَا الله مَنْ إبّاهم يَتَنَقَّصُ (٥)
فما لِغواةٍ يَشْتُمُونَ سفاهةً ... وما لسفيهٍ لا يحيصُ ويخرصُ (٦)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: قرأت في كتاب بعض فقهائنا: سمعت
стр. 660
أبا الحسن: محمد بن شعيب الترقفي (١) الفقيه ينشد للشافعي ﵁:
آلُ النبيّ ذَرِيعَتِي ... وهُمُ إليه وسيلتي
أرجو بأنْ أُعطي غداً ... بيدي اليمين صحيفَتِي (٢)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «كتاب المعجم» حدثنا أبو الحسين: علي ابن عبد العزيز البغدادي، حدثنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله بن وافد الكوفي قال: حدثني أبي قال: حدثنا إسماعيل بن يحيى المزني (٣) عن محمد بن إدريس الشافعي قال: لما قَتل عليُّ بن أبي طالب ﵁ عمرو بن عبدودٍّ (٤) العامري بكته أخته عمرة بنت عبدودّ فقالت:
لو كان قاتلُ عَمْرو غير قاتله ... بكَيتُه ما أقام الرّوحُ في جسدي
لكنّ قاتلَهُ من لا يعاب به ... وكان يدعى قديماً بيضةَ البَلد
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في: «كتاب التاريخ» قال: حدثني علي بن الحسين بن علي الطوسي التاجر، حدثنا محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي وقيل له: إنا نرى قريشا يُظهرُون من محبة أهل البيت ما تخفيه ولا تظهره، فأنشأ الشافعي يقول:
وما زال كِتمانِيكَ حتى كأنّما ... برَجْع سؤال السائلي عنك لأعجَمُ (٥)
стр. 661
لأسلمَ من قول الوشاة وتَسْلمي ... سلمت وهلْ حيٌ من الناس يَسلم (١)
وبلغني أنه قيل لأبي نعيم: الفضل بن دكين في معنى هذا فأنشد البيتين، كما أخبرنا أبو الفتح: محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ، ببغداد، قال: سمعت أحمد بن يعقوب يقول: سمعت عبد الله بن الصّلت يقول: كنت عند أبي نعيم: الفضل بن دكين فجاءه ابنه يبكي فقال له: مالك؟ فقال: الناس يقولون: إنك تتشيع، فأنشأ يقول:
وما زال كِتْمَانِيكَ حتّى كأنما ... بردّ جواب السائلي عنك أعجمُ
وأكتم ودى مع صفاء مودتي ... لتسلمَ من قول الوشاة وأسلمُ
وقرأت بخط رفيقنا أبي عبد الله الكِرْماني فيما سمعه من أبي عبد الله:
محمد بن عبد الله بن عبيد الشيرازي: أن أبا العباس الضرير أنشده قال: أنشدني عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: أنشدني المزني قال: سمعت الشافعي ﵁ ينشد:
إذا نحن فضّلنا عَلِيًّا فإننا ... رَوَافضُ بالتفضيل عند ذوي الجهل
وفَضلُ أبي بكر إذا ما ذكرتْهُ ... رُمِيتُ بِنَصْبٍ عند ذكريَ للفضل
فلا زِلْتُ ذا رفضٍ ونصبٍ كلاهما ... بحُبَّيهما حتى أُوَسَّدَ في الرمل (٢)
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في «التاريخ» قال: سمعت عبد الله (٣) بن حامد
стр. 662
يقول: حدثونا عن مشايخنا أن الشافعي قال: فذكر هذه الأبيات الثلاثة غير أنه قال: «حتى أغيَّب في الرمل».
أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزّكِّي حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ أخبرني محمد بن محمد بن الأشعث، حدثنا الربيع قال: أنشدنا الشافعي ﵁:
يا راكباً قِف بالمُحَصَّبِ من مِنى ... واهتف بقاعد خِيفها والناهِض
سَحَراً إذا فاض الحجيجُ إلى مِنى ... فَيضاً كمُلْتَطم الفُرَاتِ الفائض
إن كان رَفْضاً حبُّ آلِ محمدٍ ... فَلْيَشْهَدِ الثقلانِ أني رافضي (١)
وإنما قال هذه الأبيات حين نسبته الخوارج إلى الرفض حسداً وبَغْياً.
وقد روينا عن يونس بن عبد الأعلى: أن الشافعي كان إذا ذكر «الرافضة» عابهم أشد العيب ويقول: شر عصابة.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الزبير بن عبد الواحد، حدثني أبو القاسم بن سلامة المصري، حدثني الحسن بن محمد بن الضحاك (٢) قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر العدل، قال: وجدت في كتابي: عن أحمد بن يوسف ابن تميم، حدثنا الربيع قال: أنشدنا الشافعي:
لم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعا ... في الدين بالرأي لم تُبعث بها الرّسُلُ
حتى استخفّ بحق الله أكثرْهم ... وفي الذي حُمِّلوا من حقه شُغُلُ (٣)
стр. 663
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنشدنا الحسين بن أحمد بن موسى القاضي، قال: أنشدني ابن الأنباري، عن أبيه، للشافعي:
ح. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر الخوارزمي، ببغداد، قال: حدثني أحمد بن علي البخاري، قال: حدثني بعض أصحابنا عن الخوارزمي لأنه أنشد للفقيه الشافعي:
أأنثر دُرًّا بين سَارِحَة النّعمْ ... أأنظم منثوراً لراعية الغنمْ؟
لعمري لئن ضُيِّعت في شَرّ بلدةٍ ... فلست مُضِيعاً بينهم غررَ الكلمْ
فإن فرّج الله اللطيفُ بلطفه ... وصادفتُ أهلاً للعلوم وللحِكمْ
بَثَثْتُ مفيداً واستفدتُ وِدادَهم ... وإلاّ فَمَحْزونٌ لدَيَّ ومكْتَتَمْ
ومن مَنحَ الجهّالَ علماً أضلعَه ... ومن منع المُسْتوجِبِين فقد ظَلَمْ
لفظ حديث أبي عبد الله، وفي رواية السلمي:
أأنثر درًّا بين سارحة النعم ... وأنشر مَكْنوناً لدى سائر الغنم؟
فإن قدّر اللهُ المفيد إفادة ... وصادفتُ أهْلا للعلوم وللحِكمَ
ثم ذكر البيتين بعده وقال: «فمكنون» (١) بدل «محزون» (٢).
قلت: بلغني أن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلّة أصحاب مالك وأقبلوا فابتدأ في مخالفة أصحاب مالك في بعض المسائل؛ فتنكروا له فأنشأ يقول. فذكر هذه الأبيات.
стр. 664
أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد الماليني (١)، حدثنا أبو أحمد بن عدي، قال: سمعت الحسن بن سفيان يقول: سمعت حَرْمَلة يقول:
كان الشافعي كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين.
وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير (٢) بن عبد الواحد الحافظ، بأسداباذ، وأبو عبد الله: محمد بن عبيد الله الواعظ، قال: حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حرملة بن يحيى، قال:
سمعت الشافعي يقول:
ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمِي، حدثنا محمد بن يزيد العدل، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا حَرْمَلة بن يحيى، قال: كان الشافعي يتمثل بهذين البيتين:
تمنى رجالٌ أن أموتَ وإنْ أَمُتْ ... فتلك سبيلٌ لست فيها بأَوحَد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأُخرَى مِثْلِها فَكأن قدِ (٣)
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: وقال الحسين بن محمد الماسرجسي، حدثنا أبو الحسين: محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، حدثنا إبراهيم بن يوسف الهِسِنْجَاني (٤)، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول:
стр. 665
رأيت أشهب بن عبد العزيز ساجداً وهو يقول في سجوده: للهم أمت الشافعي وإلا ذهب علم مالك بن أنس فبلغ الشافعي ذلك فتبسم وأنشأ يقول. فذكر البيتين وزاد بيتا ثالثاً:
وقد علموا لو ينفع العلمُ عندهم ... لئن مِتُّ ما الداعي عليَّ بمُخْلَد (١)
حدثنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا عبد الله: محمد بن أحمد بن بطة الأصبهاني يقول: سمعت الحسين بن محمد بن سلم الأصبهاني يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مئوية (٢) الأصبهاني يقول: سمعت المزني يقول:
حضرت الشافعي وقيل له: إن فلاناً يقول: الشافعي ليس بفقيه. فضحك وأنشأ يقول:
إنِّي نشأتُ وحسّادي ذَوُو عددٍ ... ربَّ المَعَارِج لا تُفْنِي لهم عدداً (٣)
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن البستي (٤)، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف الهيتي، حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن جعفر، حدثنا أحمد بن سعيد بن غرير قال: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي ينشد:
كلّ العداوة قد تُرْجَى إماتتها ... إلا عداوة من عاداك بالحسدِ (٥)
стр. 666
قال: وسمعت الشافعي يقول: يحسدني من هو مني إذ ليس مثلي، ويحسدني من هو مثلي إذ ليس مني.
وبهذا الإسناد: أخبرنا أبو عبد الرحمن السُّلَمي قال: أنشدنا الإمام أبو الطيب: سهل بن محمد بن سليمان للشافعي ﵁:
وذي حسدٍ يَغْتَابُنِي حيثُ لا يَرَى ... مكاني ويثني صالحا حيث أسمعُ (١)
تورَعتُ أن أغتابه مِن ورائه ... وما هو إذ يغتابني مُتَورِّعُ (٢)
وأنشدنا أبو عبد الله الحافظ، أنشدنا الأستاذ أبو الحسين: علي بن أحمد ابن أسد الأديب، أنشدني أبو عبد الله: محمد بن عبد الله بن واقد الكوفي، أنشدني علي بن محمد العلوي الحِمَّانِي (٣) للشافعي. فذكر هذين البيتين.
أخبرنا محمد بن الحسين الأزدي، حدثنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن البستي (٤)، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف الْهِيتِي، حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، حدثنا محمد بن زفر، حدثني المزني قال: سمعت الشافعي يقول:
كان لرجل جليس فبلغه أنه يذكره من خلفه ويطعن عليه، فكتب إليه بهذه الأبيات:
سأصبر فأصْبِر واقطع الوَصْلَ بيننا ... ولا تذكرني واسلُ بالله عن ذكري
فقد عشتَ دهراً لسْتَ تعرف من أنا ... وعشتُ ولم أعرفك دهراً من الدّهرِ
стр. 667
سلام فراقٍ لا مودّة بيننا ... ولا ملتقى حتى القيامة والحشرِ (١)
سمعت حرملة يقول: سمعت الشافعي يتمثل بهذا البيت:
اسقِهم السُّمَّ إنْ ظفرتَ بهم ... وامزج لهم من لسانك العَسَلا
أخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت ابن أبي حازم (٢) يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي وكتب إلى رجل كتاباً يراسله: «إن الأفئدة مزارعُ الألسن؛ فازرع الكلمة الكريمة فإنها إن لم تنبت كلها (٣) نبت (٤) بعضها، وإنّ من النطق ما هو أشدّ من الصخر وأنفذ من لإبر، وأمرَّ من الصبر، وأدْور (٥) من الرّحا، وأحدُّ من الأسنَّة، وربما اغتفرتُ حَرًّا (٦) على حرارته مخافةَ أن يكون أحرّ وأمرّ وأنكر منه، ولذلك أقول:
لقد أسمع القول الذي كان كلّما ... تُذَكّرينه النفسُ قلبي يُصْدَعُ
فأُبدي لمن أبداه مني بشاشةً ... كأني مسْرُورٌ بما منه أسمعُ
стр. 668
وما ذاك من عجب به غير أنني ... أرى ترك بعض الشر للشر أقطعُ (١)
أنشدنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنشدني أبو سهل الفقيه، أنشدني أبو الحسين بن اللبان الفَرَضي للشافعي ﵀:
مَا حكَّ جلدَك مثلُ ظُفْرِك ... فتولَّ أنت جميعَ أمرِكْ
وإذا قصدت لحاجةٍ ... فاقصِد لِمعْتَرِفٍ بقدركْ (٢)
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو عمرو: محمد بن أحمد الجوادي (٣) حدثنا أبو العباس: محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن عمران ابن عبد الله قال: سمعت عبد الرحمن بن إبراهيم الزهري يقول:
وفد محمد بن إدريس الشافعي على رجل من قومه باليمن، كان بها أميراً فأقام عنده أياماً ثم سأله الرجوع إلى بلده فكتب إليه يعتذر وعرض عليه شيئاً يسيراً فكتب الشافعي ﵁ بأبيات في ظهر رُقعته:
أتاني عذر منك في غير كُنْههِ ... كأنّك عن بِرِّي بِذَاكَ تحِيدُ (٤)
لسانُكَ هَشٌّ بالنَّوالِ ولا أرَى ... يمينك إن جاد اللِّسَانُ تجودُ
فإن قلت: لي بيتٌ وسِيطٌ وبَسْطَةٌ ... وأسلافُ صِدْقٍ قد مَضَوْا وجُدودُ
صَدَقْتَ ولكن أنتَ خرَّبتَ ما بَنَوْا ... بكفّيك عَمْداً والبنَاءُ جديدُ (٥)
стр. 669
إذا كان ذو القربى لديك مبعَّدًا ... ونال الذي يهوى لديك بعيدُ (١)
تفرّق عنكَ الأقربون لشأنهم ... وأشفقت أن تبقى وأنت وحيدُ
واصبحت بين الحمد والذمِّ واقفاً ... فياليت شعري أيّ ذاك تريدُ؟ (٢)
قال: فكتب إليه: بل أريد الحمد منك بأبي أنت وأمي قد وجهت إليك بخمسمائة دينار لمهماتك وخمسمائة دينار لنفقتك، وعشرة أثواب [من] (٣) حبر اليمن، ونجيباً لمطيتك.
وأخبرنا القاضي الإمام أبو عمر (٤): محمد بن الحسن بن محمد، حدثنا أحمد ابن محمود بن خرزاذ الكازروني، حدثنا أبو إسماعيل: إبراهيم بن محمد الأصبهاني حدثنا أبو العباس الأَبيوَرْدِيِ قال:
خرج الشافعي ﵁ إلى اليمن إلى ابن عم له فبرّه (٥) ببرّ غير طائل، فكتب إليه الشافعي، فذكر هذه الأبيات دون الثالث والرابع، وقال في ابتدائه: «أتاني بر منك في غير كنهه» وقال في الثالث: «ونال الندى من كان منك بعيد». قال: فكتب إليه ابن عمه أن خذ (٦) هذه خمسمائة دينار، وخمسمائة درهم، فاصرفها في نفقتك، وخمسة أثواب من عصب اليمن؛ فاجعلها في عَيْبتك، وهذا نجيبٌ فاركبه.
стр. 670
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن يوسف الدقيقي قال: سمعت أبا العباس الأصم يقول: سمعت أبا الحسن الكرماني ينشد للشافعي.
ح (١). وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن محمد - يعني أبا بكر الشيباني يقول: سمعت الحسن بن شهمردان يقول: سمعت أبا إسحاق المروزي يقول: ذكر المزني أن الشافعي أخذ بيده فقال:
أُحِبُّ من الإخوان كُلَّ مُوَاتِي ... وكلَّ غَضِيضِ الطّرْفِ عن عَثَراتي (٢)
يصاحبني في كلّ أمرٍ أحبُّه ... ويحفظني حيًّا وبعد وفاتي
فَمنْ لي بهذا ليت أني أصبْتُه ... فقاسمته مالي مع الحسناتِ (٣)
زاد أبو عبد الله في روايته: زادني (٤) فيه غيره:
تَصفَّحتُ إخواني فكان أقلّهم ... على كثرة الإخوان أهل ثقاتي (٥)
وقال: «يساعدني» مكان «يُصاحبني» وقال: «وجدته» بدل «أصبته» وقال: «أقاسمه مالي ومن حسناتي».
وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي روايته عن الزبير بن عبد الواحد، عن أبي عبد الله: محمد بن جعفر أحمد الفارسي، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصبهاني، عن المزني، قال: