← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا عمرو: إسماعيل بن نجيد (١) بن أحمد بن يوسف السلمي ينشد للشافعي، ﵁: كساني ربي إذا عريت عمامة ... جديدا وكان الله يختارها ليا وقيدني ربي بقْيدٍ مُداخَلٍ ... فأعيت يميني حلَّهُ وشماليا أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت علي بن الحسن بن محمد الأنصاري الشاعر يقول: سمعت بعض أصحابنا يحكي عن المزني أنه قال: مرض الشافعي، ﵁، فدخلنا عليه نعوده فقال له بعض من حضر: ألا نأتيك بطبيب؟ قال: بلى [قال:] (٢) فأتيناه بطبيب، فأخذ يجس الشافعي فوجد الشافعي العلة في جسم الطبيب (٣) والطبيب لا يعلم، فأطرق الشافعي وأنشد: جاء الطبيب يجسُّني فجسسته ... فإذا الطبيب لما به من حالي (٤) وغدا يعالجني بطول سقامه ... ومن العجائب أعمشٌ كحَّالي وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو منصور بن أبي محمد الأديب، سمعت أبا الفضل: جعفر (٥) بن محمد الشاعر الأديب، أخبرنا أبو بكر: محمد بن محمد البصري، حدثنا زكريا بن يحيى الساجي، سمعت الربيع بن سليمان يقول: جاء رجل إلى الشافعي فسأله عن مسألة فوجده لا شيء عنده فأنشأ يقول: فذكر هذين البيتين، غير أنه قال في البيت الأول: «فإذا الطبيب كما يجس كحالي» (٦)

стр. 702

سمعت أبا الوليد: حسان بن محمد يقول: سمعت جعفر بن أحمد الساماني يقول: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت المزني يقول: دخلت على الشافعي، وهو عليل فقلت: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلا، وللإخوان مفارقا، ولسوء أفعالي ملاقيا، وعلى الله وارادا، وبكأس المنية شاربا، ولا والله ما أدري أروحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها؟ ثم أنشأ يقول: فلما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلّما (١) تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما وأيقنت أن العفو منك سجية ... تجود وتعفو منَّة وتكرُّما (٢) فلولاك لا يغوى بإبليس عالم ... فكيف وقد أغوى صفيَّك آدما (٣) وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: سمعت جعفر بن أحمد الساماني يحكي عن المزني، وأخبرنا أبو عبد الرحمن قال: وسمعت أبا العباس: محمد بن الحسن يقول: سمعت عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري يقول: سمعت المزني يقول: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقلت له: يا أبا عبد الله، كيف أصبحت؟ فذكر الحديث غير أنه قدم قوله: «وبكأس المنية شارباً» على قوله: «وعلى الله واردا، ولسوء فعالي ملاقياً» وقال في البيت الأول:

стр. 703

فلما قسا قلبي وضاقت مسالكي ... جعلت رجائي نحو عفوك سلّما وقال في البيت الثالث: ومازلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزلْ ... تجود وتعفو منَّةً وتكرُّما [وقال في البيت الرابع: ولولاك لم يغوى بإبليس عابد ... فكيف وقد أغوى صفيَّك آدما] (١) وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا علي بن يعقوب، حدثنا الحسن بن الحنظلي، حدثني أحمد بن محمد الأموي، عن محمد بن إدريس الشافعي قال: دخلنا على الحسن بن هانئ: أبي نواس، وهو يجود بنفسه فقلنا له: ما أعددت لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول: فذكر الأبيات الثلاثة الأواخر على لفظ حديثنا عن السلمي قبله، ولم يذكر البيت الأول. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله: أحمد بن محمد المذكر بالنوقان، حدثنا محمد بن المنذر الهروي، حدثني بعض أصحابنا، عن الربيع عن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول، دخلنا على أبي نواس وهو يجود بنفسه فقلنا له: ما أعددت لهذا اليوم؟ فأنشأ يقول. فذكر الأبيات الثلاثة. وفي هذين الإسنادين ضعف. وقد روى في هذه زيادات أبيات نذكرها عند ذكر مرض الشافعي، ﵀، إن شاء الله. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أخبرنا علي بن عمر بن أحمد بن مهدي الحافظ - ببغداد - حدثني إبراهيم بن محمد المعدل، حدثنا عبد الوهاب بن سعد، حدثنا

стр. 704

علي بن الحسن بن خلف، حدثنا أبو نصر: أحمد بن علي، حدثنا علي بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن سعيد بن أبي مريم قال: سمعت الشافعي يقول: ليس لقريش كلها شعر جديد - أو قال جيد - وأشعرها ابن هرمة (١)، ثم مروان بن أبي حفصة. وقد مضى عن الشافعي أنه قال: لا يكاد يجود شعر القرشي؛ وذلك أن الله جل ذكره، قال لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (٢) ولا يكاد يجود خط القرشي؛ وذلك أن النبي ﷺ كان أمِّيًّا أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أنبأني عمرو بن السماك: أن أبا محمد بن الشافعي أخبرهم في كتابه قال: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول. فذكره (٣)

стр. 705

باب ما يستدل به على معرفة الشافعي، ﵀، بالطب * * * أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، وأبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطّوسي الفقيه، قالا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي، ﵀، يقول (١): العلم علمان: علم فقد الأديان، وعلم طب الأبدان. لفظ حديث أبي عبد الله. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السّلمي، قال: سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خُزَيمة يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن عبد الحَكم يحكي عن الشافعي، ﵀، أنه قال: علم الفقه للأديان، وعلم الطّب للأبدان، وما سوى ذلك فَبُلْغَة مجلس. رواه محمد بن يحي بن حسّان، عن الشافعي قال: وما سوى ذلك من الشعر ونحوه فهو عَنَاء وعبث (٢). أخبرنا أبو عبد الرحمن، سمعت عبد الله بن الحسين السّلامي البغدادي يقول:

стр. 706

سئل أبو بكر بن طاهر عن قول الشافعي: «العلم علمان» فقال: عند العوام: أنّ علم الأديان هو ظاهر الفقه، وعلم الأبدان هو ظاهر الطب. وعند الحكماء: أنّ علم الأديان هو علم مشاهدة القلوب بالمعاملات في صنع الله وتدبيره، وهو الفقه النافع. وعلم الأبدان فهو ظاهر أوامر الله - تعالى ذكره - ونواهيه في الحلال والحرام، وهو حجة الله على خلقه، وهو الطب النافع. فعلم القلوب عين الإسلام وحقائقه، وعلم الأبدان هو آداب الإسلام وشرائعه. وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت عبد الرحمن بن محمد بن إدريس يقول: حدثنا أبو الحسن العسكري قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال الشافعي: إذا دخلت بلدة ولا تجد فيها حاكماً عدلاً، ولا ماء جارياً، وطبيباً رفيقا - فلا تسكنها. وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني الحسين بن محمد الدارمي، أخبرنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس: حدثنا بعض شيوخنا عن الشافعي أنه قال: لا تسكن بلدة لا يكون فيها عالم يُنْبِئُكَ عن دينك، ولا طبيب ينبئك عن أمر بدنك. ورواه عبد الرحمن في كتابه، عن محمد بن هارون بن منصور، عن بعضهم، عن الشافعي (١).

стр. 707

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا عبد الله بن محمد القاضي، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن علي (١)، حدثنا عثمان بن صالح، سمعت حرملة يقول: سمعت الشافعي يقول: اثنان أَغْفَلَهما الناسُ: الطب والعربية. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت محمد بن عبد الله بن محمد بن قريش يقول: سمعت الحسن بن سفيان يقول: قال حرملة بن يحيى: كان الشافعي يتلهّف على ما ضيّع المسلمون من الطب، ويقول: ضيَّعوا ثلث العلم ووكلوه إلى اليهود والنصارى. وكذلك رواه أبو عبد الله الجرجاني، عن الحسن بن سفيان. ورواه أبو محمد (٢) الأنْماطِي، عن الحسن، قال: نصف العلم. أخبرنا أبو عبد الله (٣)، سمعت أبا عمرو: محمد بن محمد بن عبدوس الأنماطي الزاهد يقول: سمعت الحسن بن سفيان يقول. فذكره بمعناه، وقال: وهو نصف العلم. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد، قال: أنبأني أبو عمرو السّمّاك: أن أبا سعيد الجَصّاص حدّثهم قال: سمعت الربيع يقول (٤): دخلت على الشافعي يوماً، وهو عليل، فقلت:

стр. 708

كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت والله ضعيفاً. قال: فقلت: قَوَّى الله ضَعْفَك، فقال: ويحك يا ربيع، إنْ قَوَّى الضَعْفَ مني قتلني. فقلت: والله - جعلت فداك - ما أردتُ إلا الخير، فكيف أقول؟ قال: قل: قَوَّى الله قُوَّتك، وأَضْعَفَ ضعْفَك. قال: ثم قال: يا ربيع، أما علمت أن الله، جل ذكره، ركّب في العبد أعضاء ساكنة فإذا تحركت آذته، وركّب فيه أعضاء متحركة فإذا سكنت آذته. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، أنبأنا عبد الرحمن - يعني ابن أبي حاتم - حدثني أبي، حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: سمعت الشافعي يقول: احذر أن تشرب لهؤلاء الأطباء إلا دواء تعرفه (١) أخبرنا أبو عبد الله، أخبرنا أبو الوليد قال: سمعت أبا بكر (٢) البغدادي يحدث عن يونس بن عبد الأعلى. فذكره. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا الزبير بن عبد الواحد، حدثنا الحسن (٣) بن سفيان. حدثنا حرملة، عن الشافعي، عن «سفيان بن عيينة» قال: نظر إليّ ابن أبجر وبي صُفْرَةٌ فقال: عليك بالحلبة بالعسل.

стр. 709

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى؛ قالوا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول (١): الفول يزيد في الدّماغ، والدّماغ يزيد في العقل (٢). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا أبو بكر: أحمد بن محمد بن عبيدة، عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال الشافعي: لم أر شيئا أنفع للوباء من [دهن] (٣) البنفسج يدهن به ويشرب. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني نصر بن محمد بن أحمد العطار، حدثنا سليمان بن أبي سلمة الفقيه، حدثنا محمد بن أحمد الهمذاني، حدثنا يحيى بن زكريا النيسابوري، عن الربيع بن سليمان، قال: قال أبو عثمان: محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: كان أبي إذا أخذته الحمى طلب أتْرُجَة يعصر ماءها ويشربه خوفا على لسانه. أخبرنا أبو سعيد: أحمد بن محمد المَالينِي، حدثنا أبو أحمد بن عدي الحافظ، قال: سمعت الحسن بن رشيق (٤) يقول: سمعت حَرْمَلَة يقول: سمعت الشافعي يقول: لا تأكلن بيضاً مسلوقاً بليلٍ أبداً، فقلّ من أكله (٥) بليل فلم

стр. 710

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر: أحمد بن محمد الجرجاني، حدثني أبو بكر: محمد بن حمدون المُسْتَمْلِي، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الكريم، قال: سمعت أحمد بن آدم بن غندر الجرجاني يقول: سمعت حرملة يقول: رأيت الشافعي ينهي عن أكل الباذنجان بالليل. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب المُذَكّر، حدثنا محمد بن المنذر، شكر، حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: سمعت الشافعي يقول: عجبا لمن يخرج من الحمام ثم لا يأكل: كيف يعيش؟ وعجباً لمن يَحْتَجِم ثم يأكل - يعني من ساعته - كيف يعيش؟ وبهذا الإسناد قال: سمعت الشافعي يقول: الناس يقولون: ما في العراق (١)، وما في الدنيا مثل مصر للرجال، لقد قدمت مصر وأنا مثل الخصيّ ما أتحرك، فما برحت من مصر حتى ولد لي من جاريتي «دنانير» أبو الحسن. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال: سمعت أبا عبد الله العَبْدَوِي يحكي عن ابن أبي داود. عن هارون سعيد قال: قال لنا الشافعي: أخذت اللّبان سنة فأعقبني صّب الدم سنة (٢). ورواه أيضاً ابن عبد الحكم، عن الشافعي، غير أنه قال: دمت على أكل اللبان - وهو الكُنْدُرُ - فأعقبني صبّ الدم سنة.

стр. 711

أخبرنا محمد بن الحسين السَّلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا محمد بن أحمد بن زكريا، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: أكل اللحم يزيد في العقل. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا الفضل: عبد الله بن عبد المطلب الشيباني، بالكوفة، يقول: سمعت أحمد بن عبد الله بن سيف يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال الشافعي: لا يسكن العقل في الجسم الغليظ. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنبأني أبو القاسم بن عبيد القاضي: أن زكريا بن يحيى الساجي حدثهم قال: حدثني الحسن بن محمد البَجَلي - من ولد جرير بن عبد الله - حدثني الحسن بن إدريس الخولاني قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: ما أفلح سمين قط، إلا أن يكون محمد بن الحسن. فقيل له: فلم؟ قال: لأنه لا يعدو العاقل من إحدى حالتين (١): إمّا أن يهتم لآخرته ومعاده، أو لدنياه ومعاشه. والشحم مع الهم لا ينعقد، فإذا خلا من المعنيين صار في حد البهائم لِعَقْد الشحم. ثم قال الشافعي: كان ملك في الزمان الأول، وكان مثقلا (٢) كثير اللحم لا ينتفع بنفسه، فجمع المُتطبّبين وقال: احتالوا لي حيلة يخفّ عني لحمي هذا قليلا. فما قدروا له على صفة. قال: فُنُعِتَ (٣) له رجل عاقل أديب متطبّب،

стр. 712

فبعث إليه فأُشْخِصَ فقال: تعالجني ولك الغنى؟ قال: أصلح الله الأمير، أنا رجل مُتطبِّب ومنجّم، دعني أنظر الليلة في طالعك أي دواء يوافق طالعك فأسقيك. قال: فغدا عليه. فقال: أيها الملك، الأمانَ. قال: لك الأمان. قال: رأيت طالعك يدل على أن عمرك شهر، فإن أحببت حتى أعالجك فإن أردتَ بيان ذلك فاحبسني عندك، فإن كان لقولي حقيقة فحلّ عني، وإلا فاستقص عليَّ. قال: فحبسه. ثم رفع الملك الملاهي واحتجب عن الناس وخلا وحده مغتمًّا، ما يرفع رأسه يعدّ أيامه، كلما انسلخ يوم ازداد غما حتى هزل وجفّ لحمه، ومضى لذلك ثمانية (١) وعشرون يوماً، فبعث إليه فأخرجه فقال: ما ترى؟ قال: أعزّ الله الملك، أنا أهون على الله من أن أعلم الغيب، والله ما أعرف عمري، فكيف أعرف عمرك؟ إنه لم يكن عندي دواء إلا الغم فلم أقدر أن أَجْلبَ إليك الغم إلا بهذه العلّة فأذابت (٢) شحم الكلى. قال: فأجازه وأحسن إليه. أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي الحسن الصوفي، أخبرنا الحسن بن رشيق إجازة، حدثنا علي بن يعقوب بن سالم، سمعت ابن عبد الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: ثلاثة أشياء ليس فيها حيلة: الحماقة، والطاعون، والهرم. أخبرنا محمد بن الحسين السّلمي (٣)، أخبرنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن البُسْتِي، حدثنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله الرازي، حدثنا الحسن بن علي بن مروان: أبو عبد الله المصري، بحلب، حدثنا الربيع بن سليمان، قال:

стр. 713

سمعت الشافعي يقول: قال لي الرشيد: يا محمد، بلغني أنك تُبَاكِرُ الغداء، قلت: نعم يا أمير المؤمنين. قال: ولم ذاك؟ قلت: يا أمير المؤمنين؛ لأربع خصال. قال: وما هي؟ قلت برد الماء، وطيب الهواء، وقلّة الذباب، ثم أحسم طمعي (١) عن موائد غيري. قال الرشيد: هذا بيت القصيد (٢)، ورواه أبو الحسن العاصمي، عن محمد بن عبد الله الرازي، عن الحسن وقال: فقال الرشيد: هذا بيت القصيدة. وقرأت في كتاب أبي الحسن روايته عن الزبير بن عبد الواحد، عن علي ابن محمد، عن ابن عبد الحكم، عن الشافعي قال: رأيت في كتاب الطب: «عجباً لمن يدخل الحمام قبل أن يأكل، ثم يؤخر الأكل بعد ما يخرج كيف لا يموت، عجباً لمن احتجم ثم يبادر الأكل. وقرأت في كتابه روايته عن أبي أحمد: حامد بن محمد المروزي الحافظ، عن أبي يحيى بن زكريا بن أحمد البَلْخِي، عن محمد بن عصمة الجوزجاني، عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي يقول: ثلاثة أشياء دواء الذي لا دواء له وأعيا الأطباء أن تداويه: العنب، ولبن اللّقاح، وقصب السكر. وقال الشافعي: لولا قصب السكر ما أقمتم ببلادكم. وقرأت في كتابه روايته عن عبد الرحمن بن عبد الرحمن بن العباس، عن يحيى بن زكريا، عن الربيع، عن الشافعي قال (٣): كان [لي] غلام أعشى لم يكن يبصر باب الدار فأخذت له زيادة الكبد فكحلته بها فأبصر.

стр. 714

أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا محمد بن الربيع بن سليمان الجيزي، حدثنا (١ يونس بن عبد الأعلى ١)، قال: قال لي الشافعي: ما اغتسلت، في شتاء قط ولا صيف، من حنابة إلا بالماء الحار. أخبرنا محمد بن عبد الله، سمعت الزبير بن عبد الواحد الحافظ. وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق، حدثنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ، حدثني عبد الله بن محمد الحجاج المصري، بمصر، حدثنا يحيى بن أيوب العَلاَّف، سمعت حرملة بن يحيى يقول: سمعت الشافعي يقول: الوَرَّاق إنما يأكل من دية عينيه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني الحسين بن علي، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس - حدثني أبي، حدثني ابن أبي شريح. سمعت الشافعي يقول (٢): ما تخلَّل الإنسان بالخلال (٣) من بين أسنانه فليقذفه، وما أخرجه بأصابعه فليأكله. أورده شيخنا أبو عبد الله في هذا الباب. وقد روينا عن أبي سعيد (٤) الخير عن أبي هريرة، عن النبي، صلى الله عليه

стр. 715

وسلم، قال: من أكل طعاما فما تخلله (١) فليلفظ، ومالاك بلسانه فليبلع. من فعل [هذا] (٢) فقد أحسن، ومن لا فلا حرج (٣). وفي كتاب أبي نعيم الأصبهاني بإسناده، عن أبي حصين المصري أنه قال: سمعت طبيباً بمصر محدقا، فقال: ورد الشافعي مصر وقعد إليّ فما زال يذاكرني بالطب، حتى ظننت أن طبيب العراق ورد علينا - فقلت: أقرأ عليك شيئاً من كتب بقراط؟ فأشار إلي الجامع وقال: إن هؤلاء لا يتركونني لك.

стр. 716

باب ما يستدل به على معرفة الشافعي بالنجوم * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (١) وقال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٢). قال الشافعي: فكانت العلامات: جبالا (٣)، وليلا ونهاراً، فيها أَرْوَاحٌ (٤) معروفة بالأسماء، وإن كانت مختلفة المَهَابِّ، شمساً وقمراً ونجوماً، معروفة المطالع والمغارب والمواضع من الفلك، فعرض عليهم الاجتهاد في التوجه شَطْرَ المسجد الحرام بما دلَّهم عليه مما وصفت (٥). أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأني عبد الرحمن بن الحسن القاضي: أن زكريا بن يحيى السَّاجِي حدّثهم. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا محمد بن علي بن طلحة، حدثني

стр. 717

أحمد بن علي (١)، حدثنا ابن زكريا الساجي، أخبرني ابن بنت الشافعي. وفي رواية أبي عبد الله: أخبرني أحمد بن محمد بن بنت الشافعي، سمعت أبي يقول: كان الشافعي وهو حَدَثٌ ينظر في النجوم، وما ينظر في شيء إلا حفظه وفهمه، فجلس يوماً وامرأة رجل تَطْلُق، فحسب فقال: تلد جارية عوراء، على فرجها خال أسود، وتموت إلى كذا. فولدت فكان ما قال، فجعل على نفسه أن لا ينظر فيه أبداً، ودفن الكتب التي كانت عنده من النجوم (٢). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد: حسَّان بن محمد الفقيه، قال: وحدّثت عن الحسن بن سفيان، عن حرملة قال: كان الشافعي يديم النظر في كتب النجوم، وكان له صديق وعنده جارية قد حبلت فقال له: إنها تلد إلى سبعة (٣) وعشرين يوماً بولد يكون في فخذه الأيسر خال أسود، ويعيش أربعة وعشرين يوما، ثم يموت. فجاءت به على النعت الذي وَصَفَ، وانقضت مدته فمات. فأحرق الشافعي بعد ذلك الكتب، وما عَاوَدَ النظر في شيء منها.

стр. 718

باب ما يستدل به على معرفة الشافعي، ﵀، بالرَّمْي والفروسية * * * أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، قال: قال الشافعي (١): قال الله ﵎: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (٢) فزعم أهل العلم أن القوة هي الرمي. وقال فيما رواه عن النبي، ﷺ : «لا سَبْقَ إلا في خُفٍّ أَو حَافِرٍ أو نَعْلٍ» (٣) وبسط الكلام فيما يحلّ منه وما يحرم. أخبرنا محمد بن عبد الله، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن أبي حاتم الحَنْظَلِي - حدثنا أبي، سمعت عمرو بن سَوَّاد قال: قال لي الشافعي: ولدت بعسقلان، فلما أتى عليّ سنتان حملتني أمي إلى مكة، وكانت نَهْمتي (٤) في شيئين: في الرّمي، وطلب العلم، فنلت من الرمي

стр. 719

حتى كنت أصيب من عشَرة عشرة، وسكَت عن العلم فقلت له: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي (١). أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدثنا أبو الحسن: علي بن محمد بن عمر الفقيه، حدثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن، حدثني أبو عبد الله: محمد بن الحسن بن الجنيد، سمعت عمرو بن سَوّاد السَّرْحِي يقول: سمعت الشافعي يقول: تمنيت من الدنيا شيئين: العلم والرمي. فأما الرّمي فإني كنت أصيب (٢) من عشرة عشرة، والعلم فما ترون. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب المذكّر، حدثنا محمد بن المنذر سعيد، سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ألزم الرّمي حتى كان الطبيب يقول لي: أخاف أن يصيبك السّلَ من كثرة وقوفك في الحر. وروينا فيما مضى، عن المزني، عن الشافعي [قال]: كنت أرمي (٣) بين الغرضين فأصيب من عشرة تسعة. وأخبرنا محمد بن عبد الله، أخبرني نصر بن محمد العطار، سمعت أبا حفص (٤)

стр. 720

محمد بن الحسن الكلابي، بدمشق، يقول: سمعت عبد الله بن محمد يقول: سمعت عصاماً يقول: سمعت المزني يقول: كان الشافعي يسميني القطامي (١) الرامي، ووضع «كتاب السبق والرمي» بسببي، وأملاه عليّ. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، أخبرنا الحسين (٢) بن أحمد الصفّار الهروي، حدثنا محمد بن بشير العسكري، حدثنا الربيع بن سليمان قال: (٣) كان الشافعي أفرس خلق الله وأشجعه، وكان يأخذ بأذنه وأذن الفرس، والفرس يعدو، فيثب على ظهره وهو يعدو.

стр. 721

باب ما يؤثر عن الشافعي، ﵀، في فراسته وإصابته فيها * * * أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله [الحافظ قال] (١): أنبأني أبو القاسم ابن عبيد القاضي، شفَاهاً، أنّ زكريا بن يحيى السَّاجِي حدّثهم. ح. وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أنبأنا محمد بن علي ابن طلحة المروروذي، حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا ابن يحيى، حدثني أبو داود: سليمان بن الأشعث السِّجِسْتَانِي، حدثنا قُتيبة ابن سعيد. حدثني الحُمَيْدي قال: خرجت أنا والشافعي من مكة فلقينا رجلا بالأبطح، فقلت للشافعي: ما صَنْعةُ الرجل؟ فقال: نجار أو خياط. فسألته فقال: كنت نجاراً وأنا اليوم خياط (٢). وقرأت هذه الحكاية في كتاب زكريا بن يحيى السَّاجِي بإسناده هذا. قال (٣): وقلت للشافعي: ازكن الرجل، فقال: خياط أو نجار. يعني فسألته فقال: كنت نجاراً وأنا اليوم خياط. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو نصر: أحمد بن سهل الفقيه، ببخاري، من أصل كتابه، حدثنا أبو عمرو: قيس بن أنيف البخاري، حدثنا أبو رجاء: قتيبة بن سعيد، قال:

стр. 722

رأيت محمد بن الحسن والشافعي قاعدين بفناء الكعبة، فمرّ رجلٌ، فقال أحدهما لصاحبه: تعالى حتى نزكن على هذا المارّ: أيّ حرفة معه؟ فقال أحدهما: هذا خياط. وقال الآخر: هذا نجار. فبعثا إليه فسألاه فقال: كنت خياطاً واليوم أَنْجُر. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو تراب الطّوسي قال: سمعت محمد ابن المنذر يقول: سمعت الربيع بن سليمان [يقول]: سمعت الشافعي، وقدم عليه رجل من أهل صنعاء، فلما رآه قال له: أنت من أهل صنعاء؟ قال: نعم. قال: فحدّادٌ أنت؟ قال: نعم. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو محمد: جعفر بن محمد بن الحارث [قال]: سمعت أبا بكر (١) النيسابوري يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنا عند الشافعي إذ مرّ به رجل فقال الشافعي: لا يخلو هذا الرجل من أين يكون حائكا أو نجاراً. قال: فدعوناه فقلنا: ما صنعتك؟ فقال: نجار. فقلنا: وغير ذلك، فقال: عندي غلمان يعملون. يعني في الحياكة. أخبرنا محمد بن عبد الله، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، سمعت محمد بن إسحاق يحكي عن الربيع قال: مَرّ أخي في صحن الجامع فدعاني الشافعي فقال: يا ربيع، انظر إلى الذي يمشي، هذا أخوك؟ قلت: نعم أصلحك الله. قال: اذهب. ولم يكن رآه قبل ذلك.

стр. 723

وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي، عن ابن (١) مسكين المصري، عن الربيع بن سليمان قال: كان لي أخ يقال له: وكيع، وكنت يوماً عند الشافعي فرآه من بعيد فقال: يا ربيع، هذا أخوك؟ قلت: نعم. قال: ممن أنت؟ قلت: من مُرّاد، قال: اتّق لا تكن تبغض علي بن أبي طالب فقلت: لا والله أحبه، قال: هو خير لك. فأثْبَتني في المؤذنين وكلَّم الأمير فأجرى عليّ كل شهر ديناراً. أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس - قال: حدثنا أبي قال: حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت الشافعي، ﵀، يقول: احذر الأعور والأحْوَل والأعرج والأحْدَب والأشْقَر والكَوْسَجَ (٢)، وكلّ من به عاهة في بدنه، وكلّ ناقص الخلق فاحذره؛ فإنه صاحب التواء، ومعاملته عسرة (٣). قال مرة أخرى: فإنهم أصحاب خِبّ (٤). وبهذا الإسناد قال: حضرت الشافعي، واشترى له طِيْبٌ، فأتى به فوقع فيه كلام بين يديه فقال:

стр. 724

ممن اشترى هذا الطيب ما صفته؟ قال: أشقر. قال: اردده؛ فما جاءني خير قط من أَشْقَر (١). قلت: بلغني عن أبي محمد: عبد الرحمن بن أبي حاتم أنه قال عَقَيبه (٢): إنما يعني: إذا كان وِلاَدُهُمْ بهذه الحالة. فأما من حدث فيه شيء من هذه العلل، وكان في الأصل صحيح التركيب - لم يضر (٣). وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أنبأنا محمد بن علي ابن طلحة المروروذي، حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني، حدثنا زكريا بن يحيى السَّاجي، حدثنا أبو داود - هو السّجستاني - قال: سمعت الربيع يقول: وجّه الشافعي رجلا ليشتري له طِيْباً، فلما جاءه قال: اشتريته من أَشْقَرِ كَوْسَج؟ فقال: نعم. قال: عُدْ فَرُدَّهُ عليه. أخبرنا أبو عبد الله، أنبأني أبو عمر بن السماك، شِفَاهاً: أَنَّ أبا عبد الله: محمد بن حمدان بن سفيان حدّثه: سمعت الربيع بن سليمان يقول: اشتهى الشافعي يوماً عنباً أبيض، فأمرني فاشتريت له منه بدرهم، فلما رآه استجاده فقال لي: يا أبا محمد، ممّن اشتريت هذا؟ فسمَّيتُ له البائع، فَنَحَّى الطبقَ من بين يديه وقال لي: اردده عليه، واشترِ لي من غيره.

стр. 725

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو جعفر: محمد بن صالح بن هانئ، حدثنا أحمد بن سلمة بن عبد الله، قال: قال أبو بكر بن إدريس، وَرَّاق الحُمَيْدي: سمعت الحميدي يقول: قال محمد بن إدريس الشافعي: خرجت إلى اليمن في طلب كتب الفراسة حتى كتبتها وجمعتها، ثم لما كان انصرافي مررت في طريقي برجل وهو محتبي بفناء داره، أزرق العين، ناتئ الجبهة، سِنَاطٌ (١) فقلت له (٢): هل من منزل؟ قال: نعم - قال الشافعي: وهذا النعت أخبث ما يكون في الفراسة - فأنزلني فرأيت أكرم رجل: بعث إلي بعشاء وطِيْب وعلَفٍ لدابتي وفراش ولحاف، وجعلت أتقلّب الليل أجمع، ما أصنع بهذه الكتب؟ فلما أصبحت قلت للغلام: أَسْرِجْ فأسْرَجَ، فركبت ومررت عليه وقلت له: إذا قدمت مكة ومررت بِذِي طُوًى فسل عن منزل محمد بن إدريس الشافعي. فقال لي الرجل: أَمَوْلًى لأبيكَ أنا؟ قلت: لا. قال: فهل كان لك نعمة عندي؟ قلت: لا. قال: فأين ما تكلّفتُ لك البارِحَةَ؟ قلت: وما هو؟ قال: اشتريتُ لك طعاماً بدرهمين وأَدَمًا بكذا، وعطراً بثلاثة دراهم، وعلفاً لدابتك بدرهمين، وكراء الفِرَاش واللحاف درهمان. قال: قلت: يا غلام، أعطه، فهل بقي من شيء؟ قال: كراء المنزل؛ فإني وسعت عليك وضيقت على نفسي. (٣ فَغَبَطْتُ نفسي ٣) بتلك الكتب. فقلت له بعد ذلك: هل بقى من شيء؟ قال: امض أخزاك الله تعالى، فما رأيت قط شرًّا منك. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت منصور بن عبد الله الهروي يقول: سمعت المغازلي بحلب يقول:

стр. 726

سمعت المزني يقول: كنت مع الشافعي، ﵀، في المسجد الحرام إذ دخل رجل يدور بين الدّوّام، فقال الشافعي للربيع: قم فقل له: ذهب عنك عبد أسود مصاب بإحدى عينيه؟ قال الربيع: فقمت إليه فقلت له ما قال الشافعي فقال: هذا عبدي. فقلت له: تعال إلى الشافعي، فتقدم إلى الشافعي فقال: هذا عبدي. فقال له: مُرَّ فإنّه في الحَبش. فمرّ الرجل فوجده في الحَبَش. فقال المزني: فقلنا له: أخبرنا فقد حَيّرْتَنا. قال: نعم، رأيت رجلا دخل من باب المسجد يدور بين النّوّام فقلت: هارباً يطلبه، ورأيته يجيء إلى النّوّام السّودان فقلت: عبد أسود، ورأيته يجيء إلى ما يلي العين اليسرى فقلت: مصاب بإحدى عينيه. فقلنا: فالحبش، كيف علمته؟ فقال: تأولتُ حديث رسول الله ﷺ : «لا خير في الحبش: إذا جاعوا سرقوا، وإذا شبعوا شربوا وزَنَوْا (١)» فتأولت أنه فعل إحداها، فكان كذلك. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو منصور: محمد بن عبد الله الفقيه، سمعت أبا الحسن: أحمد بن أبي الحسين السليطي المزَكِّي يقول: كان الشافعي يفتي في الجامع ببغداد فجاء «عمرو بن بَحر الجاحظ» فسأله فقال: يا أبا عبد الله، ما نقول في رجل خصى ديكا؟ فقال الشافعي: أرأيته؟ وأراك أبا عثمان. فَعَلِمَه بمسألته. وما كان يعرفه بعينه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر.

стр. 727

وأخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أخبرني نصر بن أحمد ابن محمد، حدثني محمد بن عمرو البصري، حدثنا محمد بن الحسين ابن إبراهيم قال: قال الربيع: دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبويطي والمزني ومحمد ابن عبد الله بن عبد الحكم. قال: فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال ثم التفت إلينا فقال: أمّا أنت يا أبا يعقوب فتموت في حديدك. وأما أنت يا مزني فستكون لك بمصر هَنَاتٌ وهَنَات، ولتدركن زماناً تكون أقيس أهل ذلك الزمان. وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهبك أبيك. وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة. قال الربيع: فكان كما قال. وقرأته في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم هذا: حدثني إبراهيم بن محمد بن المولد الرقّى، بالرقّة، حدثنا عبد الواحد بن معبد، عن الربيع بن سليمان. فذكره. قال أبو الحسن: قوله لابن عبد الحكم: «أما أنت فسترجع إلى مذهب أبيك» يعني به مذهب مالك، ﵀. أخبرنا محمد بن عبد الله، أنبأني أبو عمرو بن السمّاك، شِفَاهاً، أنّ محمد بن حمدان الطرائفي، حدّثه قال: قال الربيع: ما رأيت أفطن من الشافعي: لقد سمى رجالا ممن يصحبه

стр. 728

فوصف كلَّ واحد منهم بصفة ما أخطأ فيها: فذكر المزني والبويطي وفلانا وفلانا، فقال: ليفعل فلان كذا، وفلان كذا، وليصحبن فلان السلطان وليقلدن القضاء. وقال لهم يوما وقد اجتمعوا: ما فيكم أنفع لي من هذا - وأومأ إليَّ - لأنه أسلمكم ناحية، وذكر صفات غير هذه. قال: فلما مات الشافعي، ﵀، صار كلّ واحد منهم إلى ما ذكر فيه، ما أخطأ في شيء من ذلك.

стр. 729

باب ما يؤثر عن الشافعي، ﵀، في فضل العلم والترغيب في تعلمه وتعليمه والعمل به * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطوسي الفقيه، وأبو محمد: عبد الله بن يوسف الأصبهاني، وأبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي؛ قالوا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي، ﵀، يقول: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة (١). وقال أبو إسحاق: حدثنا أبو العباس، أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا جعفر بن محمد السّاماني قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب العلم. قيل له: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد، قال: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: سمعت أحمد بن محمد بن السّندي يقول: سمعت الربيع يقول: قال لي الشافعي: يا ربيع، اطلب العلم ولو بالصين.

стр. 730

وأخبرنا محمد بن عبد الله، حدثني صالح بن أحمد بن محمد بن صالح التميمي، بهمذان، حدثنا إبراهيم بن محمد الهمذاني، حدثنا أحمد بن سنان، سمعت الربيع ابن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: لو أنّ أهل كُوْرَةٍ اجتمعوا على ترك طلب العلم لرأَيتُ للحاكم أن يجبرهم على طلب العلم. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، أنبأنا أبو محمد بن أبي حامد، حدثنا عيسى بن عبد الله العثماني، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: سمعت «ابن عيينة» يقول: لم يُعط أحد في الدنيا شيئاً أفضل من النّبوة، ولم يعط بعد النبوة شيء أفضل من طلب العلم والفقه، ولم يعط في الآخرة أفضل من الرحمة، فقيل له: يا أبا محمد، عمّن هذا؟ فقال: عن الفقهاء كلّهم. أخبرنا أبو عبد الرحمن بن أبي الحسن الصوفي، سمعت أبا محمد بن أبي حامد يقول: سمعت أبا نعيم الجرجاني الفقيه يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم. أخبرنا أبو حازم العَبْدَوِي الحافظ، حدثنا أحمد بن عبد الله الحافظ، من كتابه، سمعت محمد بن عبدان التُّسْتَرِي، قال: سمعت الحسين بن علي النخعي، سمعت حَرْمَلَة بن يحيى يقول:

стр. 731

سمعت الشافعي يقول: ما تُقُرِّب إلى الله بشيء بعد أداء الفرائض أفضل من طلب العلم. أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، أنبأنا الحسن بن رشيق، إجازة، سمعت علي بن يعقوب بن سويد يقول: حدثنا الربيع بن سليمان [قال]: سمعت الشافعي يقول (١) ليونس بن عبد الأعلى: يا أبا موسى، عليك بالفقه؛ فإنه كالتفاح الشامي يحمل من عامه (٢). وأخبرنا محمد بن الحسين، حدثنا عبد الله بن سعيد بن عبد الرحمن، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر، حدثنا أبو يعقوب: إسحاق بن محمد الأنصاري، بصيدا، عن الحسن بن محمد الزعفراني قال: سمعت الشافعي يقول: بقيت ست (٣) عشرة سنة، ما كان طعامي إلا رَخْفاً وتمراً آكل منه بقدر ما يقوم به جسدي، فقيل له: ما الذي أردت به يا أبا عبد الله؟ قال: أردت الحفظ للعلم والفقه، تركته لله فرزقني بعد ذلك. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني الحسين بن محمد الدّارمي، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن أبي حاتم - حدثني أبو بشر بن أحمد الدُّولابي في طريق مصر، أخبرني أبو بكر بن إدريس وَرَّاق الحُمْيدي. أخبرني الحميدي، عن الشافعي قال: كنت يتيما في حجر أمي، ولم يكن معنا ما نعطي المعلم، وكان المعلم قد رضى مني أن أَخْلُفه إذا قام. فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شِعْب الخَيْف، فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جَرَّة قديمة فإذا امتلأ العظم طرحتم في الجَرَّة (٤).

стр. 732

أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت عبد الرحمن بن محمد الإدريسي يقول: حدثني عمرو بن أحمد السوراني، حدثنا مقسم (١) قال: سمعت حرملة يقول: سمعت الشافعي، ﵁ وأرضاه، يقول: ما أفلح في العلم إلا من طَلَبه بالقلّة، ولقد كنتُ أطلب ثمن القرطاس فيعزُّ عليّ. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي قالا: سمعنا أبا العباس محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: لا يصلح طلب العلم إلا لمفلس. قال: وإن كان مَكْفِيًّا (٢). أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت الشيخ أبا سهل: محمد بن سليمان يقول: [سمعت أبا تراب: محمد بن سهل يقول: سمعت الربيع يقول (٣)]: سمعت الشافعي يقول: لا يطلب هذا العلم أحد بالملك وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش، وخدمة العلم وتواضع النفس أفلح. وحدثنا أبو عبد الله: محمد بن إبراهيم الكرماني، حدثنا أبو سعد: أسد ابن رستم، بهراة، حدثنا القاضي أبو نصر: منصور بن محمد بن مطرف، حدثنا محمد ابن سهل المعلم أبو تراب، حدثنا الربيع بن سليمان. فذكر هذه الحكاية والتي قبلها غير أنه قال في التي قبلها: إلا لفقير، قيل: ولا لغني مكفي؟ قال: ولا لغني مكفي. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الرحمن: محمد بن إبراهيم المؤذن عن محمد بن إسحاق، سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول:

стр. 733

سمعت الشافعي، ﵁، يقول: لا يفلح الرجل في هذا الشأن - يعني في طلب العلم - حتى يكون له قميص ولا يكون له سراويل، ويكون له سراويل ولا يكون له قميص. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت محمد بن يعقوب الأصم يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي، ﵁، يقول: يحتاج طالب العلم إلى ثلاث خصال: أولها: طول العمر، والثاني: سعة ذات اليد، والثالث: الذكاء. وهذا لا يخالف ما مضى، وإنما أراد بما مضى حكاية عن غالب أحوال الناس في زهادة أهل الثروة في طلب العلم وقلة صبرهم عليه. وأراد بهذا أن يكون له سعة في المعيشة لا يشغله طلب القوت عن التعلم. والله أعلم. أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، أنبأنا علي بن بندار، حدثنا محمد بن المنذر ابن سعيد، حدثنا الحسن بن عامر النصيبي، سمعت أحمد بن صالح يقول: سمعت الشافعي يقول: تفقَّه قبل أن تَرَأس فإذا تَرَأست فلا سبيل إلى التفقه. أخبرنا أبو سعد المَالِيني، أخبرنا أبو أحمد بن عدي، حدثنا الحسين ابن إسماعيل النقار، حدثنا موسى بن سهل، حدثني أحمد بن صالح، قال: قال لي الشافعي: يا أبا جعفر، تَعَبّد من قبل أن تَرَأس، فإذا ترأست فلم تقدر تَعَبَّد. كذا وجدته وعليه: صح، والأول أصح. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، سمعت أبا بكر: أحمد بن العباس المقري يقول: سمعت أبا عبد الله: الحسين بن عبد الله المروزي الموصلي يقول: سمعت الزعفراني يقول: سمعت الشافعي يقول: من تعلم علما فَلْيَدقِّق فيه لئلا يضيع دَقِيقُ العلم.

стр. 734

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن، حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن أبي حاتم - وقال وفي كتابه عن الربيع بن سليمان قال: سمعت الشافعي، وذكر من يحمل العلم جُزَافاً فقال: هذا مثل حاطب ليل يَقْطَع حُزْمَةَ حطبه فيحملها ولعل فيها أَفْعَى تلدغه وهو لا يدري (١). أخبرنا أبو محمد بن يوسف قال: سمعت محمد بن علي الفقيه يقول: سمعت الحسين بن علي بن أنبار يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: قلت لمحمد بن إدريس الشافعي، ﵀: كيف شهوتك للأدب؟ وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي، سمعت محمد بن عبد الله الرازي يقول: سمعت عبد الرحمن بن أبي حاتم يقول: سمعت المزني يقول: قيل لمحمد بن إدريس الشافعي: كيف شهوتك للأدب؟ قال: أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه فتودّ أعضائي أنّ لها أسْماعاً تتنعم به مثل ما تَنَّعَمت الأذنان.

стр. 735

قيل: وكيف حرصك عليه؟ قال: حرص الجَمُوع المَنُوع على بلوغ لذته (١) في المال. وقال: وكيف طلبك له؟ قال: طلب المرأة المُضِلَّة وَلَدها وليس لها غيره. أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد الصوفي، سمعت محمد بن أحمد بن عبد الأعلى المقري يقول: سمعت أحمد بن عبد الرحمن يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: من لا يحبُّ العلم فلا خير فيه، ولا يكن بينك وبينه معرفة ولا صداقة. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني الحسين بن محمد بن الحسين الحافظ، أخبرنا أبو الحسين: محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي، بدمشق، حدثنا أبو بكر: أحمد بن هارون، حدثنا أحمد بن عبّاد التميمي، سمعت حرملة بن يحيى يقول: سمعت الشافعي، ﵁ يقول - وذُكِرَ له أصحاب الحديث وما هم فيه من المَجَانَة والضّحك وأنهم لا يستعملون الأدب - فقال الشافعي: يا سبحان الله! لو استعمل أصحاب الحديث ما تقولون لكانوا علماء كلّهم. ثم التفت إلينا الشافعي فقال: ما أعلم أني أخذت (٢) شيئاً من الحديث أو القرآن أو النحو أو العربية، أو شيئاً من الأشياء مما كنت أستفيده - إلا كنت أستعمل فيه اجتناب ما ذكرتم، وكنت (٣) أفعل هذا قديماً، وكان ذلك طبعي إلى أن قدمت المدينة فرأيت من «مالك بن أنس) ما رأيت من هيبته وإجلاله للعلم، فازددت لذلك حتى ربما كنت أكون في مجلسه فأريد أن أَصْفَحَ الورقةَ فأصْفَحها صَفْحاً رقيقاً، هيبةً له؛ لئلا يسمع وَقْعَها.

стр. 736

أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، سمعت الحسين بن علي يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: والله ما اجترأتُ أن أشرب الماء والشافعيّ ينظر إليَّ هيبةً له. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو الطيَّب: عبد الله بن محمد القاضي، حدثنا أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن، حدثنا أحمد بن روح، حدثنا الربيع قال: سمعت الشافعي يقول: كنت (١) آتي «سفيان بن عيينة» فلا أُسلِّم عليه حتى يكون هو الذي يبدأني فيلتفت إليّ فيقول: كيف أصبحت أصلحك الله؟ وذلك أنه كان إذا بدأه إنسان بالسلام ردّ عليه بضيق: كيف أصبحت؟! كيف أصبحت؟! أخبرنا أبو عبد الرحمن السّلمي، حدثنا الحسن بن رشيق، إجازة، حدثنا محمد بن يحيى. حدثنا الربيع بن سليمان قال: قال لي الشافعي: قيل لسفيان بن عيينة، وقد ضاق خلقه: يا محمد (٢)، يأتيك قوم من أقطار الأرض فتضيق عليهم؟! يوشك أن يذهبوا ويتركوك. قال: هم إذاً حَمْقَى مثلك إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الوليد الفقيه، حدثنا أبو عوانة، حدثنا الربيع بن سليمان قال:

стр. 737

قال الشافعي: قيل لابن عيينة: إن قوما يأتونك (١) من أقطار الأرض فتغضب عليهم! يوشك أن يذهبوا أو يتركوك. قال: هم حمقى إذاً مثلك أن يتركوا ما ينفعهم لسوء خلقي (٢). كذا في رواية الربيع. وأخبرنا أبو الفضل بن أبي سعد الهَرَوِي - قدم علينا حاجًّا - قال: حدثنا أبو أحمد: محمد بن الغطريف (٣) الغطريفي، بجرجان، حدثنا أبو عوانة، سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: سمعت الشافعي يقول: كان يختلف إلى «الأعمش» رجلان: أحدهما (٤) كان الحديث من شأنه، والآخر (٥) لم يكن الحديث من شأنه، فغضب الأعمش يوما على الذي من شأنه الحديث، فقال الآخر: لو غضب عليَّ كما غضبَ عليك لم أعد إليه: فقال الأعمش: إذاً هو أحمق مثلك، يترك ما ينفعه لسوء خلقي (٦). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثني أحمد بن الحسين الصوفي، حدثنا أحمد ابن محمد بن الحسين المصري، سمعت الربيع بن سليمان يقول: ألحَّ على الشافعي، ﵀، قومٌ من أصحاب الحديث فقال: لا تكلّفوني أن أقول لكم ما قال «محمد بن سيرين» لرجل ألحّ عليه: إنَّك إن كلَّفتني ما لم أُطِقْ ... ساءَكَ ما سرَّكَ منّي من خُلُقْ

стр. 738

أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: وكنا يوما عنده، فقرأ لنا فاستزدناه فقال: سمعت الشافعي يقول: كلَّ يومٍ لا يُنِيلُ المَعْدِن. أخبرنا أبو محمد: عبد الله بن يوسف الأصفهاني، سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول (١): كتب إليَّ أبو يعقوب البويطي من الحبس: أن اصبر نفسك للغرباء، وأحسن خلقك لأهل خلقتك؛ فإني كنت أسمع الشافعي كثيراً يتمثل بهذا البيت: أُهينُ لهم نَفْسِي لكي يُكرمُونَها ... ولَنْ تُكْرَمَ النَّفْسُ التي لا تُهِينُها (٢) أخبرنا محمد بن عبد الله، سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب (٣) يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: قال لي الشافعي: لو أستطيع أن أطعمك العلم لَأَطْعَمْتُكَهُ. أخبرنا محمد بن عبد الله، سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب، سمعت الربيع بن سليمان يقول: (٤)

стр. 739

قال لي الشافعي: الموعظة للعوَام، والنصيحة للإخوان، والتذكرة للخواص منهم - فَرْضٌ افترضه الله على عقلاء المؤمنين، ولولا ذاك لبطلت السنة وتعطّلت الفرائض (١). أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، سمعت أحمد بن محمد بن رميح الحافظ يقول: سمعت أبا طلحة: أحمد بن محمد بن عبد الكريم، بالبصرة، يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: زينة العلماء التقوى، وحِلْيَتُهم حسن الخلق، وجمالُهم كرمُ النفس. قال: وسمعت الشافعي يقول: لا عيب بالعلماء أعظم من رغبتهم فيما زهَّدهم الله فيه، وزهدهم فيما رغّبهم الله فيه. أخبرنا محمد بن الحسين السلمي، سمعت أبا عمرو: محمد بن جعفر بن محمد ابن مطر يقول: سمعت إبراهيم بن محمود يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: زينة العلماء (٢) الورع والحلم. وبإسناده قال: سمعت الشافعي يقول: لا يجمل العلم ولا يحسن إلا بثلاث خلال: تقوى الله، وإصابة السنة، والخشية.

стр. 740

أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد، أخبرني نصر بن محمد بن أحمد الصوفي، سمعت أبا بشر: محمد بن أحمد يقول: سمعت الحسن بن سعيد المقري، حدثنا محمد بن زياد الحضرمي، حدثنا حرملة بن يحيى التّجيبي. سمعت الشافعي يقول: كتبَ حكيمٌ إلى حكيمٍ: يا أخي قد أوتيت علماً، فلا (١) تُدَنِّس علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يومَ يسعى أهلُ العلم بنور علمهم (٢). أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت أبا الحسن بن مقسم المقري، ببغداد، يقول: سمعت أبا بكر الخلاّل يقول: سمعت الشافعي يقول: ليس العلم ما حُفِظَ، العلم ما نَفَع. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين الصوفي قال: سمعت أبا علي: محمد بن عبد العزيز يقول: سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول: سمعت يوسف ابن عبد الأحد يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: قال لي الشافعي، ﵁: يا أبا موسى، قد أَنِسْتُ بالفقر حتى لا أستوحش منه. قال: وسمعت الشافعي يقول: يا أبا موسى، أَزْيَنُ شيء بالعلماء الفقرُ مع القناعة، والرضا بهما. قال: وسمعت الشافعي يقول: فقر العلماء فَقْرُ اختيار، وفَقْرُ الجهّال فقر اضطرار (٣).
следующие страницы →