← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

الاعتبار الاعتبار لغة: مصدر «اعتبر» وهو مأخوذ من مادّة (ع ب ر) الّتي تدلّ على النفوذ والمضيّ في الشّيء، يقال: عبرت النّهر عبورا، وعبر النّهر (بالفتح والكسر) شطّه.. والمعبر شطّ نهر هيّيء للعبور، والمعبر سفينة يعبر عليها النّهر، ومن الباب العبرة، قال الخليل: عبرة الدّمع جريه، قال: والدّمع أيضا عبرة؛ لأنّ الدّمع يعبر أي ينفذ ويجري. فأمّا الاعتبار والعبرة فهما عند ابن فارس مقيسان من عبري النّهر (أي شاطئيه) لأنّ كلّ واحد منهما مساو لصاحبه، فذاك عبر لهذا وهذا عبر لذاك، فإذا قلت اعتبرت الشّيء، فكأنّك نظرت إلى الشّيء فجعلت ما يعنيك عبرا لذاك فتساويا عندك، هذا اشتقاق الاعتبار. وقال تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (الحشر/ ٢) كأنّه قال: انظروا إلى من فعل ما فعل فعوقب بما عوقب به، فتجنّبوا مثل صنيعهم لئلّا ينزل بكم مثل ما نزل بأولئك، ومن الدّليل على صحّة هذا القياس قول الخليل: عبّرت الدّنانير تعبيرا إذا وزنتها دينارا دينارا، والعبرة الاعتبار بما مضى «١» . الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٣/ ٢/ ٢٢ وقال الرّاغب: أصل العبر تجاوز من حال إلى حال، فأمّا العبور فيختصّ بتجاوز الماء.. ومنه عبر النّهر لجانبه حيث يعبر إليه (المرء) أو منه، واشتقّ منه عبر العين للدّمع والعبرة كالدّمعة، وقيل عابر سبيل أي المارّ وعبر القوم إذا ماتوا كأنّهم عبروا قنطرة الدّنيا، والاعتبار والعبرة (يكون) بالحالة الّتي يتوصّل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد، قال تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً* «٢» وقال: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ «٣» «٤» ، وفي حديث أبي ذرّ: «فما كانت صحف موسى؟ قال: كانت عبرا كلّها» ، والعبر جمع عبرة وهي كالموعظة ممّا يتّعظ به الإنسان ويعمل به ويعتبر ليستدلّ به على غيره «٥» والعبرة أيضا: الاعتبار بما مضى، وقيل: العبرة الاسم من الاعتبار، والعرب تقول: اللهمّ اجعلنا ممّن يعبر الدّنيا ولا يعبرها، أي ممّن يعتبر بها ولا يموت سريعا حتّى يرضيك بالطّاعة، ويقال: عبرت عينه واستعبرت: دمعت وعبر عبرا واستعبر: بدت عبرته وحزن. وفي حديث أبي بكر ﵁ أنّه ذكر النّبيّ ﷺ ثمّ استعبر فبكى هو، استفعل من العبرة وهي تحلّب الدّمع «٦» .

стр. 1087

والاعتبار اصطلاحا: قال الكفويّ: الاعتبار هو النّظر في حقائق الأشياء وجهات دلالتها ليعرف بالنّظر فيها شيء آخر من جنسها، وقيل: الاعتبار هو التّدبّر وقياس ما غاب على ما ظهر. وقال المناويّ: العبرة والاعتبار: الّاتعاظ، ويكون بمعنى الاعتداد بالشّيء في ترتيب الحكم، وقال بعضهم: الاعتبار المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى، ومن علم أدنى إلى علم أعلى «١» . وقال الجرجانيّ: الاعتبار: أن يرى الدّنيا للفناء. والعاملين فيها للموت. وعمرانها للخراب. وقيل: الاعتبار اسم من المعتبرة، وهي رؤية فناء الدّنيا كلّها باستعمال النّظر في فناء جزئها «٢» . كيفية التفكر والاعتبار: قال الغزاليّ- ﵀: اعلم أنّ معنى الفكر هو إحضار معرفتين في القلب، ليستثمر منهما معرفة ثالثة. ومثاله أنّ من مال إلى العاجلة، وآثر الحياة الدّنيا، وأراد أن يعرف أنّ الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة فله طريقان: أحدهما: أن يسمع من غيره أنّ الآخرة أولى بالإيثار من الدّنيا، فيقلّده، ويصدّقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر، فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرّد قوله، وهذا يسمّى تقليدا ولا يسمّى معرفة. والطّريق الثّاني: أن يعرف أنّ الأبقى أولى بالإيثار، ثمّ يعرف أنّ الآخرة أبقى. فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة، وهو أنّ الآخرة أولى بالإيثار، ولا يمكن تحقّق المعرفة بأنّ الآخرة أولى بالإيثار إلّا بالمعرفتين السّابقتين. فإحضار المعرفتين السّابقتين في القلب للتّوصّل به إلى المعرفة الثّالثة يسمّى تفكّرا واعتبارا وتذكّرا ونظرا وتأمّلا وتدبّرا. أمّا التّدبّر والتأمّل والتّفكّر: فعبارات مترادفة على معنى واحد ليس تحتها معان مختلفة. وأمّا اسم التذكّر والاعتبار والنّظر؛ فهي مختلفة المعاني، وإن كان أصل المسمّى واحدا؛ كما أنّ اسم الصّارم، والمهنّد «٣» ، والسّيف؛ يتوارد على شيء واحد، ولكن باعتبارات مختلفة. فالصّارم يدلّ على السّيف من حيث هو قاطع، والمهنّد يدلّ عليه من حيث نسبته إلى موضعه، والسّيف يدلّ دلالة مطلقة من غير إشعار بهذه الزّوائد «٤» . [للاستزادة، انظر صفات: التدبر- التأمل- التذكر- التذكير- التفكر. وفي ضد ذلك، انظر صفات: الإعراض- البلادة والغباء- الغفلة- التفريط والإفراط- الضلال- سوء الخلق] .

стр. 1088

الآيات الواردة في «الاعتبار» الاعتبار بالمشاهدات: ١- قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) «١» ٢- وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) «٢» ٣- وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) عَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) «٣» ٤- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) «٤» ٥- سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) «٥» الاعتبار بالمرويات: ٦- لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١) «٦»

стр. 1089

٧- هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) «١» الآيات الواردة في «الاعتبار» معنى ٨- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) «٢» ٩- وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) «٣» ١٠- لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) «٤» ١١- وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) «٥»

стр. 1090

١٢- أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) «١» ١٣- فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) «٢»

стр. 1091

الأحاديث الواردة في (الاعتبار) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «قال رجل: لأصدّقنّ اللّيلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدّثون. تصدّق اللّيلة على زانية. قال: اللهمّ لك الحمد على زانية، لأتصدّقنّ بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيّ، فأصبحوا يتحدّثون. تصدّق على غنيّ، قال: اللهمّ لك الحمد على غنيّ، لأتصدّقنّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدّثون. تصدّق على سارق. فقال: اللهمّ لك الحمد على زانية وعلى غنّي وعلى سارق. فأتي. فقيل له: أمّا صدقتك فقد قبلت. أمّا الزّانية فلعلّها تستعفّ بها عن زناها، ولعلّ الغنيّ يعتبر فينفق ممّا أعطاه الله، ولعلّ السّارق يستعفّ بها عن سرقته» ) * «١» . ٢-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنّ فيها عبرة. ونهيتكم عن النّبيذ ألا فانتبذوا، ولا أحلّ مسكرا، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادّخروا» ) * «٢» . الأحاديث الواردة في (الاعتبار) معنى [انظر صفات: التدبر- التذكر- التفكر- الوعظ]

стр. 1092

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاعتبار) ١-* (عن طاوس قال: قال الحواريّون لعيسى ﵇: «يا روح الله! هل على الأرض اليوم مثلك؟ فقال: نعم، من كان منطقه ذكرا، وصمته فكرا، ونظره عبرة، فإنّه مثلي» ) * «١» . ٢-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «الشّقيّ من شقي في بطن أمّه، والسّعيد من وعظ بغيره» ) *» . ٣-* (وعن ابن عمر- ﵄: أنّه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة «٣» فيقف على بابها فينادي بصوت حزين: أين أهلك؟ ثمّ يرجع إلى نفسه فيقول: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) * «٤» . ٤-* (وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀: أنّه بكى يوما بين أصحابه فسئل عن ذلك فقال: فكّرت في الدّنيا ولذّاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتّى تكدّرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إنّ فيها مواعظ لمن ادّكر) * «٥» . ٥-* (قال وهب بن منبّه: «ما طالت فكرة امرىء قطّ إلّا فهم، ولا فهم امرؤ قطّ إلّا علم، ولا علم امرؤ قطّ إلّا عمل» ) * «٦» . ٦-* (قال سفيان بن عيينة: «الفكر نور يدخل قلبك، وربّما تمثّل بهذا البيت: إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كلّ شيء له عبرة» ) * «٧» . ٧-* (قال عبد الله بن المبارك: «مرّ رجل براهب عند مقبرة ومزبلة فناداه فقال: يا راهب، إنّ عندك كنزين من كنوز الدّنيا لك فيهما معتبر، كنز الرّجال وكنز الأموال» ) * «٨» . ٨-* (قال الحسن البصريّ- ﵀: «من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكّرا فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو» ) * «٩» . ٩-* (قال حاتم الأصمّ: «من العبرة يزيد العلم، ومن الذّكر يزيد الحبّ، ومن التّفكّر يزيد الخوف» ) * «١٠» . ١٠-* (قال الشّيخ أبو سليمان الدّارانيّ: «إنّي لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلّا رأيت لله عليّ فيه نعمة ولي فيه عبرة» ) * «١١» .

стр. 1093

١١-* (قال مغيث الأسود: «زوروا القبور كلّ يوم تفكّركم؛ وشاهدوا الموقف بقلوبكم؛ وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنّة أو النّار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النّار ومقامها وأطباقها، وكان يبكي عند ذلك حتّى يرفع صريعا من بين أصحابه قد ذهب عقله» ) * «١» . ١٢-* (قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً ... (النحل/ ٦٦) إنّ لكم أيّها النّاس في الإبل والبقر والغنم آية، ودلالة حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه» ) * «٢» . ١٣-* (وقال ﵀ في تفسير قوله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (النازعات/ ٢٦) أي لمن يتّعظ وينزجر) * «٣» . ١٤-* (وقال في تفسير قوله تعالى: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (النور/ ٤٤) أي لدليلا على عظمته تعالى) * «٤» . ١٥-* (قال ابن الجوزيّ- ﵀: «يا خاطبا حور الجنّة وهو لا يملك فلسا من عزيمة، افتح عين الفكر في ضوء العبر لعلّك تبصر مواقع خطابك» ) * «٥» . ١٦-* (وقال أيضا- ﵀: «العجب ممّن يقول: اخرج إلى المقابر فاعتبر بأهل البلى ولو فطن علم أنّه مقبرة يغنيه الاعتبار بما فيها عن غيرها خصوصا من قد أوغل «٦» في السّنّ، فإنّ شهوته ضعفت، وقواه قلّت، والحواسّ كلّت «٧» والنّشّاط فاتر «٨» ، والشّعر أبيض. فليعتبر بما فقد وليستغن عن ذكر من فقد، فقد استغنى بما عنده عن التّطلّع إلى غيره» ) * «٩» . ١٧-* (وقال الحسين بن عبد الرّحمن: نزهة المؤمن الفكر ... لذّة المؤمن العبر نحمد الله وحده ... نحن كلّ على خطر ربّ لاه وعمره ... قد تقضّى وما شعر ربّ عيش قد كان فو ... ق المنى مونق الزّهر في خرير من العيو ... ن وظلّ من الشّجر وسرور من النّبا ... ت وطيب من الثّمر غيّرته وأهله ... سرعة الدّهر بالغير «١٠» نحمد الله وحده ... إنّ في ذاك معتبر إنّ في ذا لعبرة ... للبيب إن اعتبر» ) * «١١» ١٨-* (قال الغزاليّ- ﵀: «كثر الحثّ في كتاب الله تعالى على التّدبّر والاعتبار والنّظر والافتكار» ) * «١٢» . ١٩-* (عن عمرو بن شيبة قال: «كنت

стр. 1094

بمكّة بين الصّفا والمروة، فرأيت رجلا راكبا بغلة وبين يديه غلمان ينفّرون النّاس. قال: ثمّ عدت بعد حين فدخلت بغداد، فكنت على الجسر، فإذا أنا برجل حاف حاسر «١» طويل الشّعر، قال: فجعلت أنظر إليه وأتأمّله. فقال لي: مالك تنظر إليّ، فقلت له: شبهتك برجل رأيته بمكّة، ووصفت له الصّفة، فقال له: أنا ذلك الرّجل. فقلت ما فعل الله بك؟ فقال: ترفّعت في موضع يتواضع فيه النّاس، فوضعني الله حيث يترفّع النّاس» ) * «٢» . ٢٠-* (قال محمّد بن الحسين: «دخلت على محمّد بن مقاتل، فقلت له: عظني، فقال: اعمل فإن متّ لم تعد أبدا. وانظر إلى الذّاهبين هل عادوا؟ تذهب أيّامنا على لعب ... منّا بها والذّنوب تزداد أين أحبابنا وبهجتهم؟ ... بطيب أيّام عيشهم بادوا) * «٣» . ٢١-* (قال بعض الحكماء: من نظر إلى الدّنيا بغير العبرة انطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة» ) * «٤» . ٢٢-* (قال الشّاعر: اعتبر يا أيّها المغ ... رور بالعمر المديد أنا شدّاد بن عاد ... صاحب الحصن المشيد وأخو القوّة والبأ ... ساء والملك الحشيد دان أهل الأرض طرّا ... لي من خوف الوعيد وملكت الشّرق والغر ... ب بسلطان شديد فأتى هود وكنّا ... في ضلال قبل هود فدعانا لو قبلنا ... هـ إلى الأمر الرّشيد فعصيناه ونادى ... ما لكم هل من محيد فأتتنا صحيحة ته ... وي من الأفق البعيد فتوافينا كزرع ... وسط بيداء «٥» حصيد) * «٦» من فوائد (الاعتبار) (١) كثرة التّفكّر والاعتبار تقوّي الإيمان بالله . (٢) توسّع مدارك المؤمن وتدلّه على آيات الله تعالى. (٣) تكسب المؤمن خوفا من الله ومهابة من عقابه. (٤) تجعله يعرف الدّنيا أنّها ظلّ زائل وأنّ الآخرة هي دار القرار. (٥) يقنع المؤمن بما رزقه الله عمّا في أيدي النّاس. (٦) يعيش المؤمن بسعادة واطمئنان.

стр. 1095

الاعتذار الاعتذار لغة: الاعتذار مصدر اعتذر وهو مأخوذ من مادّة (ع ذ ر) الّتي تدلّ على معان كثيرة غير منقادة ومنها: العذر وهو روم الإنسان إصلاح ما أنكر عليه بكلام. يقال منه: عذرته أعذره عذرا من باب ضرب، والاسم: العذر (بالضم) والجمع: أعذار. ويقال: فلان قام قيام تعذير فيما استكفيته، إذا لم يبالغ وقصّر فيما اعتمد عليه فيه. وقد تضمّ الذّال بالإتباع فيقال «عذر» «١» . ويقال: اعتذر فلان اعتذارا ومعذرة وعذرة من دينه فعذرته، وهو معذور. وتقول: اعتذر إليّ، طلب قبول معذرته، واعتذر عن فعله أظهر عذره، وأمّا قولك: اعتذرت منه فمعناه شكوته، وعذر الرّجل صار ذا عيب وفساد، ومثله أعذر، وأعذر فيه. أي بالغ في الأمر، ولهذا فإنّ معنى حديث «أعذر الله إلى من بلغ من العمر ستّين سنة» أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدّة ولم يعتذر. وأمّا عذّر الرّجل (بالتّضعيف) فمعناه أنّه اعتذر ولم يأت بشيء، ولم يثبت له عذر. وأعذر (بالألف) يعني ثبت له عذره الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩/ ١٤/ ١٢ وجاءت الآية في التّوبة بالقراءتين على كلا المعنيين وهي قوله تعالى: وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ (التوبة/ ٩٠) فبالتّثقيل معناه أنّهم تكلّفوا العذر ولا عذر لهم، وبالتّخفيف: الّذين لهم عذر، وعلى هذا ورد الأثر عن ابن عبّاس- ﵄ رحم الله المعذّرين ولعن الله المعذّرين، ويقال أعذر من أنذر أي بالغ في العذر، أي في كونه معذورا. ومن عذيري من فلان، وعذيرك من فلان. قال عمرو بن معد يكرب: أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خليلك من مراد ومعناه: هلمّ من يعذرك منه إن أوقعت به، وذلك لأنّه أهل للإيقاع به، فإن أوقعت به كنت معذورا. وقال بعضهم: أصل العذر من العذرة وهي الشّيء النّجس، ومنه سمّيت القلفة العذرة، فقيل عذرت الصّبيّ إذا طهّرته وأزلت عذرته، وكذا عذرت فلانا: أزلت نجاسة ذنبه بالعفو كقولك غفرت له أي سترت ذنبه «٢» .

стр. 1096

واصطلاحا: قال الجرجانيّ: الاعتذار: محو أثر الذّنب «١» . وقال الكفويّ: الاعتذار: إظهار ندم على ذنب تقرّ بأنّ لك فى إتيانه عذرا «٢» . وقال المناويّ: الاعتذار: تحرّي الإنسان ما يمحو أثر ذنبه» . وقد سوّى بعض العلماء بين العذر والاعتذار في المعنى. فقال الرّاغب الأصفهانيّ: العذر تحرّي الإنسان ما يمحو به ذنوبه «٤» وإلى مثل هذا ذهب الفيروزاباديّ في «البصائر» «٥» . وقد فرّق الجرجانيّ بين الأمرين فذكر أنّ الاعتذار هو (تحرّي) محو أثر الذّنب (كما سبق) ، وأنّ العذر ما يتعذّر على المعنّى (فعله) على موجب الشّرع إلّا بتحمّل ضرر زائد «٦» . أساليب الاعتذار: قال الفيروزاباديّ- رحمه الله تعالى: الاعتذار على ثلاثة أضرب: أن يقول: لم أفعل، أو يقول: فعلت لأجل كذا فيذكر ما يخرجه عن كونه مذنبا، والثّالث أن يقول: فعلت ولا أعود، ونحو هذا. وهذا الثّالث هو التّوبة، وكلّ توبة عذر، وليس كل عذر توبة «٧» . [للاستزادة، انظر صفات: الألفة- حسن الخلق- حسن المعاملة- حسن العشرة- المحبة. وفي ضد ذلك، انظر صفات: الإساءة- سوء المعاملة الهجر- البغض- الكبر والعجب- الغرور] .

стр. 1097

الآيات الواردة في «الاعتذار» ١- وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) «١» ٢- وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) «٢» ٣- وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) «٣» ٤-* إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) «٤» ٥- قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦) «٥» ٦- يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢) «٦» ٧- بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) «٧» ٨- وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) «٨» ٩- هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) «٩»

стр. 1098

الأحاديث الواردة في (الاعتذار) ١-* (عن المغيرة بن شعبة- ﵁ قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسّيف غير مصفح «١» عنه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ . فقال: «أتعجبون من غيرة سعد، فوالله لأنا أغير منه، والله أغير منّي، من أجل غيرة «٢» الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحبّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشّرين ومنذرين، ولا شخص أحبّ إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنّة» ) * «٣» . ٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إيّاك وكلّ أمر يعتذر منه» ) * «٤» . ٣-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سريّة، فلمّا لقينا العدوّ انهزمنا في أوّل عادية، فقدمنا المدينة في نفر ليلا، فاختفينا، ثمّ قلنا: لو خرجنا إلى رسول الله ﷺ واعتذرنا إليه، فخرجنا، فلمّا لقيناه قلنا: نحن الفرّارون يا رسول الله، قال: «بل أنتم العكّارون «٥» وأنا فئتكم» . قال أسود بن عامر: «وأنا فئة كلّ مسلم» ) * «٦» . ٤-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «التّأنّي من الله، والعجلة من الشّيطان، وما أحد أكثر معاذير من الله، وما من شيء أحبّ إلى الله من الحمد» ) * «٧» . ٥-* (عن أمّ رومان وهي أمّ عائشة- ﵄ لمّا قيل فيها ما قيل، قالت: بينما أنا مع عائشة جالستان إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار وهي تقول: فعل الله بفلان وفعل. قالت: فقلت: لم؟ قالت: إنّه نمى ذكر «٨» الحديث، فقالت عائشة: أيّ

стр. 1099

حديث؟ فأخبرتها. قالت: فسمعه أبو بكر ورسول الله ﷺ ؟ قالت: نعم. فخرّت مغشيّا عليها، فما أفاقت إلّا وعليها حمّى «١» بنافض فجاء النّبيّ ﷺ ، فقال: «ما لهذه؟» قلت: حمّى أخذتها من أجل حديث تحدّث به فقعدت فقالت: والله لئن حلفت لا تصدّقونني، ولئن اعتذرت لا تعذرونني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه، والله المستعان على ما تصفون. فانصرف النّبيّ ﷺ ، فأنزل الله ما أنزل، فأخبرها فقالت: بحمد الله لا بحمد أحد» ) * «٢» . الأحاديث الواردة في (الاعتذار) معنى ٦-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه مغضبا، فاتّبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتّى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ . فقال أبو الدّرداء: ونحن عنده- فقال رسول الله ﷺ : «أمّا صاحبكم فقد غامر» ، وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتّى سلّم وجلس إلى النّبيّ ﷺ وقصّ على رسول الله ﷺ الخبر. قال أبو الدّرداء: وغضب رسول الله ﷺ ، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم. فقال رسول الله ﷺ : «هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إنّي قلت: يا أيّها النّاس إنّي رسول الله إليكم جميعا. فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت» ) * «٣» . ٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كان رجل من الأنصار أسلم، ثمّ ارتدّ ولحق بالشّرك، ثمّ تندّم فأرسل إلى قومه: سلوا لي رسول الله ﷺ . هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنّ فلانا قد ندم، وإنّه أمرنا أن نسألك هل له من توبة؟ فنزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ فأرسل إليه، فأسلم) * «٤» . ٨-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا. فسأل عن أعلم أهل الأرض فدلّ على راهب فأتاه، فقال: إنّه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا. فقتله فكمّل به مائة، ثمّ سأل عن أعلم أهل الأرض فدلّ على رجل عالم، فقال: إنّه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم. ومن يحول

стр. 1100

بينه وبين التّوبة. انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإنّ بها أناسا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنّها أرض سوء، فانطلق حتّى إذا نصف الطّريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب. فقالت ملائكة الرّحمة: جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنّه لم يعمل خيرا قطّ. فأتاهم ملك في صورة آدميّ فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيّتهما كان أدنى فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض الّتي أراد. فقبضته ملائكة الرّحمة» ) * «١» . ٩-* (عن أبي البختريّ- ﵀ عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يهلك النّاس حتّى يعذروا «٢» من أنفسهم» ) * «٣» . ١٠-* (عن عبد الله بن معقل بن مقرّن قال: دخلت مع أبي على عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «النّدم توبة» فقال له أبي: أنت سمعت النّبيّ ﷺ يقول: النّدم توبة؟» قال: نعم) * «٤» . ١١-* (قال عائذ بن عمرو: إنّ أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر. فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدوّ الله مأخذها. قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدهم؟ فأتى النّبيّ ﷺ ، فأخبره، فقال: «يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك» . فأتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه؟ أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر الله لك يا أخيّ» ) * «٥» . ١٢-* (عن كعب بن مالك- ﵁ وهو أحد الثّلاثة الّذين تيب عليهم «أنّه لم يتخلّف عن رسول الله ﷺ فى غزوة غزاها قطّ غير غزوتين ... الحديث وفيه: قال رسول الله ﷺ : «يا أمّ سلمة تيب على كعب» قالت: أفلا أرسل إليه فأبشّره؟ قال: «إذا يحطمكم «٦» النّاس، فيمنعونكم النّوم سائر اللّيلة» . حتّى إذا صلّى رسول الله ﷺ صلاة الفجر، آذن بتوبة الله علينا، وكان إذا استبشر استنار وجهه حتّى كأنّه قطعة من القمر وكنّا أيّها الثّلاثة الّذين خلّفوا عن الأمر الّذي قبل من هؤلاء الّذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التّوبة) *» . ١٣-* (عن أنس- ﵁ قال: غاب عمّي أنس بن النّضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أوّل قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرينّ الله ما أصنع. فلمّا

стр. 1101

كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: اللهمّ إنّي أعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني أصحابه، وأبرأ إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني المشركين. ثمّ تقدّم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنّة وربّ النّضر، إنّي أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسّيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثّل به المشركون فما عرفه أحد إلّا أخته ببنانه. قال أنس: كنّا نرى- أو نظنّ- أنّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (الأحزاب/ ٢٣) إلى آخر الآية» ) * «١» . ١٤-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا، أقرع بين نسائه. فأيّتهنّ خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها. فخرج فيها سهمي. فخرجت مع رسول الله ﷺ . وذلك بعد ما أنزل الحجاب. فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه، مسيرنا. حتّى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرّحيل. فقمت حين آذنوا بالرّحيل. فمشيت حتّى جاوزت الجيش. فلمّا قضيت من شأني أقبلت إلى الرّحل. فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار «٢» قد انقطع. فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي. فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب. وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النّساء إذ ذاك خفافا. لم يهبّلن «٣» ولم يغشهنّ اللّحم. إنّما يأكلن العلقة من الطّعام. فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السّنّ. فبعثوا الجمل وساروا. ووجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيمّمت منزلي الّذي كنت فيه. وظننت أنّ القوم سيفقدوني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطّل السّلميّ، ثمّ الذّكوانيّ، قد عرّس «٤» من وراء الجيش فأدلج. فأصبح عند منزلي. فرأى سواد إنسان نائم. فأتاني فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ. فاستيقظت باسترجاعه «٥» حين عرفني، فخمّرت «٦» وجهي بجلبابي ... قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين؛ من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي. فوالله

стр. 1102

ما علمت على أهلي إلّا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا. وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» . فقام سعد ابن معاذ الأنصاريّ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ... الحديث) * «١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاعتذار) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: رحم الله المعذّرين ولعن الله المعذّرين) * «٢» . ٢-* (قال ابن مسعود- ﵁ يعرض النّاس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمّا عرضتان، فجدال ومعاذير، وأمّا العرضة الثّالثة فعند ذلك تطير الصّحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله) * «٣» . ٣-* (عن الحسن بن عليّ- ﵄ قال معتذرا: يا هذا- لرجل سأله- حقّ سؤالك إيّاي يعظم لديّ، ومعرفتي بما يجب لك تكبر عليّ، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله، والكثير في ذات الله قليل، وما في ملكي وفاء لشكرك، فإن قبلت الميسور ورفعت عنّي مؤنة الاحتمال والاهتمام لما أتكلّفه من واجب حقّك فعلت، فقال:- يا ابن رسول الله- أقبل وأشكر العطيّة، وأعذر على المنع، فدعا الحسن بوكيله وجعل يحاسبه على نفقاته حتّى استقصاها، فقال: هات الفضل من الثّلثمائة ألف درهم، فأحضر خمسين ألفا قال: فما فعلت بالخمسمائة دينار؟ قال: هي عندي. قال: أحضرها، فأحضرها، فدفع الدّنانير والدّراهم إلى الرّجل، قال: هات من يحملها لك، فأتاه بحمّالين فدفع إليه الحسن رداءه لكراء الحمّالين، فقال له مواليه: والله ما عندنا درهم! فقال: أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم» ) * «٤» . ٤-* (اعتذر رجل إلى إبراهيم النّخعيّ رحمه الله تعالى، فقال له: «قد عذرتك غير معتذر، إنّ المعاذير يشوبها الكذب» ) * «٥» . ٥-* (قدّم إلى الحجّاج أسرى ليقتلوا فقدّم رجل ليضرب عنقه فقال: «والله لئن كنّا أسأنا في الذّنب لما أحسنت في العقوبة» فقال الحجّاج: «أفّ لهذه الجيف أما كان فيها أحد يحسن مثل هذا؟ وأمسك عن القتل» ) * «٦» . ٦-* (اعتذر رجل إلى سليمان بن وهب

стр. 1103

فأكثر، فقال له سليمان: حسبك فإنّ الوليّ لا يحاسب، والعدوّ لا يحتسب له» ) * «١» . ٧-* (اعتذر رجل إلى الحسن بن سهل من ذنب كان له، فقال له الحسن: «تقدّمت لك طاعة، وحدثت لك توبة، وكانت بينهما منك نبوة، ولن تغلب سيّئة حسنتين» ) * «٢» . ٨-* (قال عبد الرّحمن بن المبارك اليزيديّ (مؤدّب ولد يزيد بن منصور الحميريّ) يعتذر إلى المأمون لأنّه امتنّ عليه بتأديبه إيّاه: أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو» ) * «٣» . ٩-* (قال الشّافعيّ- ﵀: يا لهف قلبي على مال أجود به ... على المقلّين من أهل المروءات إنّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات) * «٤» . ١٠-* (دخل رجل على المنصور فقال له: تكلّم بحجّتك. فقال الرّجل: لو كان لي ذنب تكلّمت بعذري وعفوك أحبّ إليّ من براءتي» ) * «٥» . ١١-* (أتي الهادي برجل من الحبس فجعل يقرّره بذنوبه فقال الرّجل: اعتذاري ردّ عليك، وإقراري يوجب لي ذنبا، ولكنّي أقول: إذا كنت ترجو في العقوبة راحة ... فلا تزهدن عند المعافاة في الأجر فعفا عنه» ) * «٦» . ١٢-* (قال الخرائطيّ- رحمه الله تعالى-: أنشدني محمّد بن إسماعيل الإسحاقيّ: إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه ... وكان الّذي لا يقبل العذر جانيا» ) * «٧» . من فوائد (الاعتذار) (١) الاعتذار يمحو الذّنوب. (٢) استجلاب المنافع من المعتذر إليه. (٣) الأصل ألّا يقدم الإنسان على ما يعتذر منه، فإن فعل فالاعتذار يصفّي القلوب. (٤) يرزق قابل الاعتذار مودّة الله فهو أكثر معاذير من كلّ أحد. (٥) يرزق المعتذر والمعتذر إليه التّواضع. (٦) المسلم الّذي يقبل العذر من أخيه يشجّعه على فعل الخير. (٧) الاعتذار يقي النّاس من الهلاك.

стр. 1104

الاعتراف بالفضل الاعتراف لغة: مصدر اعترف بالشّيء أي أقرّ به، وهو مأخوذ من مادّة (ع ر ف) الّتي تدلّ على معنيين: الأوّل تتابع الشّيء متّصلا بعضه ببعض ومن ذلك عرف الفرس، والآخر السّكون والطّمأنينة ومنه المعرفة والعرفان، تقول عرف فلانا عرفانا ومعرفة، وهذا أمر معروف لأنّ من عرف شيئا اطمأنّ إليه، ومن أنكره توحّش منه ونبا عنه. ومن هذا المعنى قولهم: اعترف بالشّيء إذا أقرّ، كأنّه عرفه فأقرّ به «١» ، وجاء في الصّحاح: والاعتراف بالذّنب: الإقرار به واعترفت القوم، إذا سألتهم عن خبر لتعرفه. وربّما وضعوا اعترف موضع عرف كما وضعوا عرف موضع اعترف «٢» ، ويقال عرف بذنبه عرفا واعترف (اعترافا) : أقرّ «٣» . وضدّ (الاعتراف) الجحود والنكران، وفي التّنزيل يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها (النحل/ ٨٣) . وأمّا الفضل: فهو الإحسان وهو ضدّ النّقص والنّقيصة، ويقال: رجل مفضال وامرأة مفضالة على قومها إذا كانت ذات فضل سمحة، وأفضل عليه الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٥/ ٢١/ ٤ وتفضّل بمعنى. وأمّا المتفضّل فهو الّذي يدّعي الفضل على أقرانه، وتقول: فضّلته على غيره تفضيلا: إذا حكمت له بذلك، وفاضلته ففضلته، إذا غلبته بالفضل. والفضلة والفضالة، ما فضل من شيء «٤» . الاعتراف بالفضل اصطلاحا: ولا يختلف المعنى الاصطلاحيّ للاعتراف بالفضل عن معناه المألوف في اللّغة، وهو أن يقرّ المتفضّل عليه من النّاس بفضل من يصدر عنه الفضل ولا يجحده أو يتناساه، ولا شكّ أنّ المولى- هو صاحب الفضل في الأولى والآخرة، إذ هو المتفضّل على أهل الدّنيا مسلمهم وكافرهم بنعمه الّتي لا تحصى، وفي الآخرة يدخل عباده الصّالحين الجنّة ويورثهم دار المقامة من فضله. الاعتراف بالفضل في القرآن الكريم: أمرنا الله تعالى في القرآن الكريم بألّا ننسى الفضل فيما بيننا، وأن ننسب هذا الفضل إلى أهله، ولمّا كان الله- هو صاحب الفضل في الأولى والآخرة، فقد امتدحت آي الذّكر الحكيم من يعترف بهذا الفضل له سبحانه، كما نعى على الكفّار

стр. 1105

جحودهم ونكرانهم لفضله ، وفضل الأنبياء. قال الطّبريّ عند تفسير وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (البقرة/ ٢٣٧) : يقول تعالى ذكره: ولا تغفلوا أيّها النّاس، الأخذ بالفضل بعضكم على بعض فتتركوه، ولكن ليتفضّل الرّجل المطلّق زوجته قبل مسيسها، فيكمّل لها تمام صداقها إن كان لم يعطها جميعه. وإن كان قد ساق إليها جميع ما كان فرض لها، فليتفضّل عليها بالعفو عمّا يجب له ويجوز له الرّجوع به عليها، وذلك نصفه. فإن شحّ الرّجل بذلك وأبى إلّا الرّجوع بنصفه عليها، فتتفضّل المرأة المطلّقة عليه بردّ جميعه عليه، إن كانت قد قبضته منه. وإن لم تكن قبضته، فلتعف عن جميعه. فإن هما لم يفعلا ذلك وشحّا وتركا ما ندبهما الله إليه- من أخذ أحدهما على صاحبه بالفضل- فلها نصف ما كان فرض لها في عقد النّكاح وله نصفه «١» . منزلة الاعتراف بالفضل: لهذه الصّفة منزلة جليلة لما يعود منها من خير على المجتمع بأسره حيث يؤدّي ذلك إلى استقرار هذا المجتمع وتآلف أفراده وتشجيع ذوي الفضل أن يستمرّوا في تفضّلهم الّذي يلقى الاعتراف من الآخرين، ولمّا كان من طبع الإنسان أن يهشّ إذا نسب إليه الخير، وتوجّه إليه بالشّكر، كان الاعتراف بالفضل باعثا على مرضاته، بعد مرضاة الله تعالى؛ لأنّ من يشكر النّاس فإنّما هو في الحقيقة يشكر المولى الّذي أجرى الخير علي أيديهم، وقد جاء في الحديث: أنّ «من لا يشكر النّاس لا يشكر الله» «٢» . ويفهم من ذلك أنّ من يشكر النّاس فإنّما يشكر الله- أيضا، والشّكر لله يزيد في النّعمة ويورث الرّضا: الشّكر لله كنز لا نفاد له ... من يلزم الشّكر لم يكسب به ندما وقال الآخر: ومن يشكر المخلوق يشكر لربّه ... ومن يكفر المخلوق فهو كفور «٣» [للاستزادة: انظر صفات: الإنصاف- الثناء- الشكر- المروءة- التودد- بر الوالدين- البر- حسن الخلق- الحمد. وفي ضد ذلك: انظر صفات: نكران الجميل- الجحود- عقوق الوالدين- التفريط والإفراط- الإساءة- الكبر والعجب] .

стр. 1106

الآيات الواردة في «الاعتراف بالفضل» الاعتراف بالفضل في القرآن الكريم: ١- وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧) «١» ٢- يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) «٢» ٣- وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) «٣» ٤- قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) «٤» ٥- ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥) «٥»

стр. 1107

الأحاديث الواردة في (الاعتراف بالفضل) ١-* (عن زيد بن خالد الجهنيّ- ﵁ أنّه قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصّبح بالحديبية- على أثر سماء» كانت من اللّيلة- فلمّا انصرف أقبل على النّاس، فقال: «هل تدرون ماذا قال ربّكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، وكافر بالكوكب، وأمّا من قال: بنوء «٢» كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» ) * «٣» . ٢-* (عن عبد الله بن الزّبير- ﵄ أنّه كان يقول في دبر كلّ صلاة حين يسلّم: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوّة إلّا بالله، لا إله إلّا الله، ولا نعبد إلّا إيّاه له النّعمة، وله الفضل وله الثّناء الحسن لا إله إلّا الله مخلصين له الدّين ولو كره الكافرون» . وقال: كان رسول الله ﷺ يهلّل بهنّ دبر كلّ صلاة) * «٤» . الأحاديث الواردة في (الاعتراف بالفضل) معنى ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: أتى جبريل النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام «٥» أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها- ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب «٦» لا صخب «٧» فيه ولا نصب «٨» » ) * «٩» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصّدقة فقيل: منع ابن جميل «١٠» ، وخالد بن الوليد وعبّاس بن عبد المطّلب، فقال النّبيّ ﷺ : «ما ينقم ابن جميل إلّا أنّه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله، وأمّا خالد، فإنّكم تظلمون خالدا، قد احتبس أدرعه وأعتده «١١» في سبيل لله، وأمّا العبّاس ابن عبد المطلّب، فعمّ رسول الله ﷺ فهي عليه صدقة ومثلها معها» ) * «١٢» .

стр. 1108

٥-* (عن أبي موسى- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الأشعريّين إذا أرملوا «١» في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثمّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسّويّة، فهم منّي وأنا منهم» ) * «٢» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص «٣» وأقرع وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم «٤» . فبعث إليهم ملكا، فأتى الأبرص فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عنّي الّذي قد قذرني النّاس. قال فمسحه فذهب عنه قذره. وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل- (أو قال: البقر شكّ إسحق) إلّا أنّ الأبرص أو الأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخر: البقر- قال فأعطي ناقة عشراء «٥» . فقال: بارك الله لك فيها. قال فأتى الأقرع فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا الّذي قذرني النّاس. قال فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرة حاملا. فقال: بارك الله لك فيها. قال فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يردّ الله إليّ بصري فأبصر به النّاس. قال فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟. قال: الغنم. فأعطي شاة والدا «٦» . فأنتج هذان وولّد هذا «٧» . قال: فكان لهذا واد من الإبل. ولهذا واد من البقر. ولهذا واد من الغنم. قال ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين. قد انقطعت بي الحبال «٨» في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثم بك. أسألك، بالّذي أعطاك اللّون الحسن والجلد الحسن والمال، بعيرا أتبلّغ عليه في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك. ألم تكن أبرص يقذرك النّاس؟ فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: إنّما ورثت هذا المال كابرا عن كابر «٩» . فقال: إن كنت كاذبا، فصيّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا. وردّ عليه مثل ما ردّ على هذا. فقال: إن كنت كاذبا فصيّرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن

стр. 1109

سبيل. انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثمّ بك. أسألك- بالّذي ردّ عليك بصرك- شاة أتبلّغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري فخذ ما شئت، ودع ما شئت. فوالله لا أجهدك اليوم «١» شيئا أخذته لله. فقال: أمسك مالك. فإنّما ابتليتم. فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك» ) * «٢» ٧-* (عن عائشة- ﵂ قالت: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا. قالت الأولى: زوجي لحم جمل غثّ «٣» على رأس جبل وعر «٤» ، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. قالت الثّانية: زوجي لا أبثّ خبره «٥» ، إنّي أخاف أن لا أذره «٦» ، إن أذكره أذكر عجره وبجره «٧» . قالت الثّالثة: زوجي العشنّق «٨» ، إن أنطق أطلّق، وإن أسكت أعلّق قالت الرّابعة: زوجي كليل تهامة «٩» ، لا حرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة. قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد «١٠» ، وإن خرج أسد، ولا يسأل عمّا عهد. قالت السّادسة: زوجي إن أكل لفّ «١١» وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ، ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ. قالت السّابعة: زوجي غياياء أو عياياء١» طباقاء، كلّ داء له داء «١٣» ، شجّك أو فلك «١٤» أو جمع كلّا لك. قالت الثّامنة: زوجي الرّيح ريح زرنب «١٥» ، والمسّ مسّ أرنب. قالت

стр. 1110

التّاسعة: زوجي رفيع العماد «١» ، طويل النّجاد «٢» ، عظيم الرّماد «٣» قريب البيت من النّادي «٤» . قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك «٥» ، مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر «٦» ، أيقنّ أنهنّ هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع فما أبو زرع، أناس من حليّ أذنيّ «٧» ، وملأ من شحم عضديّ «٨» ، وبجّحني «٩» فبجحت إليّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشقّ «١٠» ، فجعلني في أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنقّ «١١» فعنده أقول فلا أقبّح، وأرقد فأتصبّح، وأشرب فأتقنّح «١٢» . أمّ أبي زرع فما أمّ أبي زرع، عكومها رداح «١٣» ، وبيتها فساح «١٤» ابن أبي زرع فما ابن أبي زرع، مضجعه كمسلّ شطبة «١٥» ، ويشبعه ذراع الجفرة «١٦» . بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع، طوع أبيها، وطوع أمّها، وملء كسائها «١٧» ، وغيظ جارتها «١٨» . جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع، لا تبثّ حديثنا تبثيثا «١٩» ولا تنقّث ميرتنا تنقيثا «٢٠» ، ولا تملأ بيتنا تعشيشا «٢١» ؛ قالت: خرج

стр. 1111

أبو زرع والأوطاب تمخض «١» ، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمّانتين «٢» ، فطلّقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريّا، ركب شريّا «٣» وأخذ خطّيّا «٤» ، وأراح عليّ نعما ثريّا «٥» ، وأعطاني من كلّ رائحة زوجا، قال كلي أمّ زرع، وميري أهلك «٦» ، فلو جمعت كلّ شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع «٧» » ) *» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: مرّ أبو بكر والعبّاس- ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار، وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النّبيّ ﷺ منّا. فدخل على النّبيّ ﷺ فأخبره بذلك، قال: فخرج النّبيّ ﷺ ، وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر- ولم يصعده بعد ذلك اليوم- فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أوصيكم بالأنصار فإنّهم كرشي «٩» وعيبتي «١٠» وقد قضوا الّذي عليهم، وبقي الّذي لهم فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم» ) * «١١» . ٩-* (عن جرير بن عبد الله- ﵁ قال: لمّا بعث النّبيّ ﷺ أتيته فقال: يا جرير لأيّ شيء جئت؟ قال: جئت لأسلم على يديك يا رسول الله، قال: فألقى إليّ كساءه ثمّ أقبل على أصحابه وقال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه. وقال: وكان لا يراني بعد ذلك إلّا تبسّم في وجهي» ) * «١٢» . ١٠-* (عن أنس- ﵁ أنّه قال: لمّا قدم النّبيّ ﷺ المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوما أبذل من كثير ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ حتّى خفنا أن يذهبوا بالأجر كلّه. فقال النّبيّ ﷺ : «لا، ما دعوتم الله لهم وأثنيتم

стр. 1112

عليهم» ) * «١» ١١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتّى تروا أنّكم قد كافأتموه» ) * «٢» ١٢-* (عن أسامة بن زيد- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثّناء» ) * «٣» ١٣-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّه قال: شهدت رسول الله ﷺ يوم حنين، وجاءته وفود هوازن فقالوا: يا محمّد إنّا أصل وعشيرة، فمنّ علينا، منّ الله عليك، فإنّه قد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك. فقال: «اختاروا بين نسائكم وأموالكم وأبنائكم» ، قالوا: خيّرتنا بين أحسابنا وأموالنا، نختار أبناءنا، فقال: «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم، فإذا صلّيت الظّهر فقولوا: إنّا نستشفع برسول الله ﷺ على المؤمنين، وبالمؤمنين على رسول الله ﷺ في نسائنا وأبنائنا. قال: ففعلوا، فقال رسول الله ﷺ : «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لكم» ، وقال المهاجرون: ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، وقالت الأنصار: مثل ذلك، وقال عيينة بن بدر: أمّا ما كان لي ولبني فزارة فلا، وقال الأقرع بن حابس: أمّا أنا وبنو تميم فلا، وقال عبّاس ابن مرداس: أمّا أنا وبنو سليم فلا، فقالت الحيّان «٤» : كذبت، بل هو لرسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «يا أيّها النّاس ردّوا عليهم نساءهم وأبناءهم فمن تمسّك بشيء من الفيء «٥» فله علينا ستّة فرائض من أوّل شيء يفيئه الله علينا» ، ثمّ ركب راحلته، وتعلّق به النّاس، يقولون: اقسم علينا فيئنا بيننا، حتّى ألجئوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فقال: «يا أيّها النّاس: ردّوا عليّ ردائي، فوالله لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعم لقسمته بينكم، ثمّ لا تلفوني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا» ، ثمّ دنا من بعيره، فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصابعه السّبّابة والوسطى ثمّ رفعها، فقال: «يا أيّها النّاس ليس لي من هذا الفيء ولا هذه إلّا الخمس، والخمس مردود عليكم فردّوا الخياط والمخيط، فإنّ الغلول «٦» يكون على أهله يوم القيامة عارا ونارا وشنارا «٧» ، فقام رجل معه كبّة من

стр. 1113

شعر، فقال: إنّي أخذت هذه أصلح بها بردعة بعير لي دبر «١» قال: «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب فهو لك» ، فقال الرّجل: يا رسول الله أمّا إذ بلغت ما أرى فلا أرب «٢» لي بها، ونبذها» ) * «٣» . ١٤-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: استأذنت هالة بنت خويلد- أخت خديجة- على رسول الله ﷺ فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك فقال: اللهمّ هالة بنت خويلد، فغرت فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشّدقين هلكت في الدّهر فأبدلك الله خيرا منها» ) * «٤» . ١٥-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ أنّه قال: كنت جالسا عند النّبيّ ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتّى أبدى عن ركبته، فقال النّبيّ ﷺ : «أمّا صاحبكم فقد غامر» «٥» فسلّم، وقال: يا رسول الله: إنّي كان بيني وبين ابن الخطّاب شيء فأسرعت إليه ثمّ ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ، فأقبلت إليك فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر (ثلاثا) » ، ثمّ إنّ عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النّبيّ ﷺ ، فجعل وجه النّبيّ ﷺ يتمعّر «٦» حتّى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم (مرّتين) فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ (مرّتين) فما أوذي بعدها» ) * «٧» . ١٦-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: ما غرت على نساء النّبيّ ﷺ ، إلّا على خديجة. وإنّي لم أدركها، قالت: وكان رسول الله ﷺ ، إذا ذبح الشّاة، فيقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة، قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنّي قد رزقت حبّها» ) * «٨» . ١٧-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّه قال: خطب رسول الله ﷺ النّاس وقال: «إنّ الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله» . قال: فبكى أبو بكر، فعجبنا

стр. 1114

لبكائه أن يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّر، فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر أعلمنا. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متّخذا خليلا غير ربّي لاتّخذت أبا بكر ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ باب في المسجد إلّا سدّ «١» إلّا باب أبي بكر» ) * «٢» . ١٨-* (عن جبير بن مطعم بن عديّ- ﵁ أنّه قال: إنّ النّبيّ ﷺ قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عديّ حيّا ثمّ كلّمني في هؤلاء النّتنى «٣» لتركتهم له» ) * «٤» . ١٩-* (عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ- ﵁ أنّه قال: لمّا أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في النّاس في المؤلّفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنّهم وجدوا «٥» إذ لم يصبهم ما أصاب النّاس فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلّالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ كلّما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ. قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ ؟. قال: كلّما شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ. قال: لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا. ألا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاة والبعير، وتذهبون بالنّبيّ ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك النّاس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها. الأنصار شعار «٦» والنّاس دثار «٧» إنّكم ستلقون بعدي أثرة «٨» فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض» ) * «٩» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا أصحابي، لا تسبّوا أصحابي، فوالّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» ) * «١٠» . ٢١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر النّاس لم يشكر الله- » ) * «١١» .

стр. 1115

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الاعتراف بالفضل) ١-* (قال أبو حاتم بن حبّان البستيّ- رحمه الله تعالى-: «الواجب على المرء أن يشكر النّعمة، ويحمد المعروف على حسب وسعه وطاقته، إن قدر فبالضّعف، وإلّا فبالمثل وإلّا فبالمعرفة بوقوع النّعمة عنده، مع بذل الجزاء له بالشّكر. وقوله: جزاك الله خيرا. وقال أنشدني عليّ بن محمّد: علامة شكر المرء إعلان حمده ... فمن كتم المعروف منهم فما شكر إذا ما صديقي نال خيرا فخانني ... فما الذّنب عندي للّذي خان أو فجر ) * «١» ٢-* (كان إبراهيم بن أدهم- رحمه الله تعالى- إذا صنع إليه أحد معروفا حرص على أن يكافئه، أو يتفضّل عليه. قال صاحب له: فلقيني وأنا على حمار، وأنا أريد بيت المقدس، جائيا من الرّملة، وقد اشترى بأربعة دوانيق» تفّاحا وسفرجلا وخوخا وفاكهة فقال لي: أحبّ أن تحمل هذا. وإذا عجوز يهوديّة في كوخ لها فقال: أحبّ أن توصّل هذا إليها، فإنّني مررت وأنا ممس، فبيّتني عندها فأحبّ أن أكافئها على ذلك» ) * «٣» . ٣-* (وقال ابن حبّان البستيّ- رحمه الله تعالى-: إنّي لأستحبّ للمرء أن يلزم الشّكر للصّنائع، والسّعي فيها من غير قضائها، والاهتمام بالصّنائع؛ لأنّ الاهتمام ربّما فاق المعروف، وزاد على فعل الإحسان. إذ المعروف يعمله المرء لنفسه، والإحسان يصطنعه إلى النّاس، وهو غير مهتمّ به ولا مشفق عليه وربّما فعله الإنسان، وهو كاره والاهتمام لا يكون إلّا من فرط عناية، وفضل ودّ، فالعاقل يشكر الاهتمام أكثر من شكره المعروف. أنشدني عبد العزيز ابن سليمان: لأشكرنّك معروفا هممت به ... إنّ اهتمامك بالمعروف معروف ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشّيء بالقدر المجلوب مصروف) * «٤» . ٤-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى- أنشدني المنتصر بن بلال: ومن يسد معروفا إليك فكن له ... شكورا يكن معروفه غير ضائع ولا تبخلن بالشّكر والقرض فاجزه ... تكن خير مصنوع إليه وصانع وقال أنشدني الكريزيّ:

стр. 1116

أحقّ النّاس منك بحسن عون ... لمن سلفت لكم نعم عليه وأشكرهم أحقّهم جميعا ... بحسن صنيعة منكم إليه وقال أنشدني بعض أهل العلم: فكن شاكرا للمنعمين لفضلهم ... وأفضل عليهم إن قدرت وأنعم ومن كان ذا شكر فأهل زيادة ... وأهل لبذل العرف من كان ينعم وقال: الحرّ لا يكفر النّعمة، ولا يتسخّط المصيبة، بل عند النّعم يشكر، وعند المصائب يصبر، ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقع أوشك أن لا يشكر الكثير منه، والنّعم لا تستجلب زيادتها، ولا تدفع الآفات عنها إلّا بالشّكر» ) * «١» . من فوائد (الاعتراف بالفضل) (١) اعتراف بالمنعم والنّعمة. (٢) سبب من أسباب حفظ النّعمة بل المزيد. (٣) لا يكون باللّسان فقط بل اللّسان يعبّر عمّا في الجنان وكذلك يكون بعمل الجوارح والأركان. (٤) كثرة النّعم من المنعم لا يمكن أن يؤدّي الإنسان حقّها، وبالشّكر يؤدّي حقّها. (٥) يكسب رضا الرّبّ ومحبّته.

стр. 1117

الاعتصام الاعتصام لغة: يقول ابن فارس: «العين والصّاد والميم أصل واحد صحيح يدلّ على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كلّه معنى واحد، من ذلك العصمة: أن يعصم الله تعالى عبده من سوء يقع فيه، واعتصم العبد بالله تعالى: إذا امتنع، واستعصم: التجأ ... إلخ «١» . والاعتصام: الاستمساك بالشّيء، ومنه قول أبي طالب: ثمال «٢» اليتامى عصمة للأرامل. أي يمنعهم من الضّياع والحاجة، والعصمة: المنع، واعتصم فلان بالله، إذا امتنع به، والعصمة: الحفظ، وعصم إليه: اعتصم به، وأعصمه: هيّأ له شيئا يعتصم به، وأعصم بالفرس: امتسك بعرفه. قال الزّجّاج: أصل العصمة الحبل، وكلّ ما أمسك شيئا فقد عصمه، وأعصم الرّجل بصاحبه إعصاما إذا لزمه «٣» . الاعتصام بالكتاب والسنة اصطلاحا: اجتماع المسلمين على الاستعانة بالله، والوثوق به الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩/ ٨/ ٦ وعدم التّفرّق عنه، والاجتماع على التّمسّك بعهده على عباده، وهو الإيمان والطّاعة أو الكتاب «٤» (والسّنّة) لأنّ من أطاع الرّسول فبفرض الله ذلك فى كتابه كما قال الله- : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (النساء/ ٨٠) «٥» . أنواع الاعتصام: قال ابن القيّم- ﵀: الاعتصام نوعان: اعتصام بالله، واعتصام بحبل الله. قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (آل عمران/ ١٠٣) ، وقال: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (الحج/ ٧٨) . ومدار السّعادة الدّنيويّة والأخرويّة: على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلّا لمن تمسّك بهاتين العصمتين. فأمّا الاعتصام بحبله: فإنّه يعصم من الضّلالة، والاعتصام به: يعصم من الهلكة، فإنّ السّائر إلى الله كالسّائر على طريق نحو مقصده، فهو محتاج إلى هداية الطّريق. والسّلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلّا بعد حصول هذين الأمرين له. فالدّليل كفيل بعصمته

стр. 1118

من الضّلالة، وأن يهديه إلى الطّريق، والعدّة والقوّة والسّلاح الّتي بها تحصل له السّلامة من قطّاع الطّريق وآفاتها. فالاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتّباع الدّليل. والاعتصام بالله يوجب له القوّة والعدّة والسّلاح، والمادّة الّتي يستلئم بها في طريقه. ولهذا اختلفت عبارات السّلف في الاعتصام بحبل الله، بعد إشارتهم كلّهم إلى هذا المعنى. فقال ابن عبّاس: تمسّكوا بدين الله. وقال ابن مسعود: هو الجماعة، وقال: «عليكم بالجماعة، فإنّها حبل الله الّذي أمر به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطّاعة خير ممّا تحبّون في الفرقة» وقال مجاهد وعطاء «بعهد الله» وقال قتادة والسّدّيّ وكثير من أهل التّفسير: «هو القرآن» . وقال مقاتل: بأمر الله وطاعته، ولا تفرّقوا كما تفرّقت اليهود والنّصارى. قال صاحب المنازل: الاعتصام بحبل الله هو المحافظة على طاعته مراقبا لأمره. ويريد بمراقبة الأمر: القيام بالطّاعة لأجل أنّ الله أمر بها وأحبّها، لا لمجرّد العادة، أو لعلّة باعثة «١» سوى امتثال الأمر، كما قال طلق بن حبيب في التّقوى: هي العمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله. فالاعتصام بحبل الله يحمي من البدعة وآفات العمل، والله أعلم. وأمّا الاعتصام به: فهو التّوكّل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن يحمي العبد ويمنعه، ويعصمه ويدفع عنه، فإنّ ثمرة الاعتصام به: هو الدّفع عن العبد، والله يدافع عن الّذين آمنوا، فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كلّ سبب يفضي «٢» به إلى العطب، ويحميه منه، فيدفع عنه الشّبهات والشّهوات، وكيد عدوّه الظّاهر والباطن، وشرّ نفسه، ويدفع عنه موجب أسباب الشّرّ بعد انعقادها، بحسب قوّة الاعتصام به وتمكّنه، فتفقد في حقّه أسباب العطب، فيدفع عنه موجباتها ومسبّباتها. «٣» قال الشّيخ أحمد شاكر في قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا: أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التّفرّق، وقد وردت الأحاديث المتعدّدة بالنّهي عن التّفرّق والأمر بالاجتماع والائتلاف، وقد وقع ذلك في هذه الأمّة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة منها فرقة ناجية إلى الجنّة ومسلّمة من عذاب النّار، وهم الّذين على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: الألفة- الاجتماع- التعاون على البر والتقوى- التعارف. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التفرق- التفريط والإفراط- التنازع- الضعف- الوهن] .

стр. 1119

الآيات الواردة في «الاعتصام» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) «١» ٢- إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (١٤٦) «٢» ٣- يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) «٣» ٤- قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) «٤» ٥- وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) «٥» ٦-* وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) «٦»

стр. 1120

الآيات الواردة في «الاعتصام» معنى ٧- لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) «١» ٨-* وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) «٢» ٩- فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) «٣»

стр. 1121

الأحاديث الواردة في (الاعتصام) ١-* (عن الحارث بن هشام- ﵁ أنّه قال لرسول الله ﷺ : أخبرني بأمر أعتصم به؟ فقال رسول الله ﷺ : «املك هذا» وأشار إلى لسانه) * «١» . ٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: إنّ رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحجّ، ثمّ أذّن في النّاس في العاشرة: أنّ رسول الله ﷺ حاجّ ... الحديث وفيه «٢» - «وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به. كتاب الله ... » ) * «٣» ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله «٤» جميعا ولا تفرّقوا، ويكره لكم: قيل وقال «٥» ، وكثرة السّؤال «٦» ، وإضاعة المال» ) * «٧» . ٤-* (عن سفيان بن عبد الله الثّقفيّ- ﵁ قال: قلت: يا رسول الله: حدّثني بأمر أعتصم به، قال: «قل ربّي الله ثمّ استقم» . قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثمّ قال: «هذا» ) * «٨» . الأحاديث الواردة في (الاعتصام) معنى ٥-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: «إنّ خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا مجدّع الأطراف «٩» » ) * «١٠» . ٦-* (عن مالك بن أنس- ﵀ بلغه أنّ رسول الله ﷺ قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما: كتاب الله وسنّة رسوله» ) *١» . ٧-* (عن أمّ الحصين- ﵂ قالت: حججت مع رسول الله ﷺ حجّة الوداع،

стр. 1122

فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف، وهو على راحلته، ومعه بلال وأسامة أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشّمس، فقال رسول الله ﷺ قولا كثيرا، ثمّ سمعته يقول: «إن أمّر عليكم عبد مجدّع «١» أسود يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا» ) * «٢» . ٨-* (عن زيد بن أرقم- ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ يوما فينا خطيبا، بماء يدعى خمّا بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكّر، ثمّ قال: «أمّا بعد، ألا أيّها النّاس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب «٣» ، وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به» فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه ثمّ قال: «وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي «٤» » ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الاعتصام) ١-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال فى قوله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ قال: «حبل الله الجماعة» ) * «٦» . ٢-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال: «إنّ هذا الصّراط محتضر، تحضره الشّياطين ينادون يا عبد الله هلمّ «٧» هذا هو الطّريق، ليصدّوا عن سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله، فإنّ حبل الله القرآن» ) * «٨» . ٣-* (عن أبي العالية في قوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ قال: بالإخلاص للهّ وحده وَلا تَفَرَّقُوا يقول: لا تعادوا «٩» عليه- يقول على الإخلاص- وكونوا عليه إخوانا) * «١٠» . ٤-* (عن ابن زيد في وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ، قال: «الإسلام» ) * «١١» . ٥-* (عن سماك بن الوليد الحنفيّ؛ أنّه لقي ابن عبّاس فقال: «ما تقول في سلاطين علينا يظلموننا، ويشتموننا، ويعتدون علينا في صدقاتنا، ألا نمنعهم؟، قال: لا، أعطهم، الجماعة الجماعة «١٢» ،

стр. 1123

إنّما هلكت الأمم الخالية بتفرّقها، أما سمعت قول الله وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا» ) * «١» . ٦-* (قال ابن بطّال: «لا عصمة لأحد إلّا في كتاب الله، أو في سنّة رسوله، أو في إجماع العلماء على معنى في أحدهما» ) * «٢» . من فوائد (الاعتصام) (١) دليل صلاح المرء واستقامته. (٢) يورث محبّة الله ومحبّة النّاس. (٣) يثمر السّعادة في الدّارين. (٤) يجنّب الإنسان مسالك الشّيطان ومضلّاته. (٥) دليل على صدق الإيمان ومحبّة الرّحمن. (٦) يقوّي الأمّة ويرفعها. (٧) في الاعتصام تجمّع، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب. (٨) الاعتصام بالله يدفع عن العبد ويحمي من الشّهوات والشّبهات.

стр. 1124

الإغاثة الإغاثة لغة: مصدر قولهم: أغاثه يغيثه، وهو مأخوذ من مادّة (غ وث) ، الّتي تدلّ على الإعانة والنّصرة عند الشّدّة، أمّا مادّة (غ ي ث) اليائيّة فإنّها تدلّ على الحيا (المطر) النّازل من السّماء «١» ، وقيل: الغيث المطر في إبّانه «٢» ، (أي في الوقت الّذي يحتاج إليه فيه) ، يقال من الأصل الأوّل (غ وث) : استغثته فأغاثني، أي استعنت به عند الشّدّة فأعانني، ومن الأصل الثّاني (غ ي ث) استغثنا الله فغاثنا «٣» أي طلبنا المطر فأمدّنا الله به، قال ذو الرّمّة: ما رأيت أفصح من أمة آل فلان، قلت لها كيف كان المطر عندكم؟ قالت: غثنا ما شينا (أي ما شئنا) «٤» . وقال الجوهريّ: يقال: غوّث الرّجل: قال: واغوثاه، والاسم «٥» من ذلك: الغوث والغواث والغياث والغياث (بتثليث الغين) ، يقال: أجاب الله الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١١/ ١٥/ ٨ دعاءه وغواثه، ولم يرد بالفتح (أي بفتح أوّله) من الأصوات «٦» سواه، والقياس أن يأتي بالضّمّ مثل البكاء والدّعاء، وبالكسر مثل النداء والصّياح، وشاهد ذلك قول العامريّ: بعثتك مائزا فلبثت حولا ... متى يأتي غواثك من تغيث؟ «٧» والاسم من الإغاثة: الغياث، وأصله الغواث، صارت الواو ياء لكسر ما قبلها «٨» ، والغياث: ما أغاثك الله به «٩» ، وقال ابن منظور: الغواث بالضّمّ: الإغاثة، وقولهم: استغاث (مثل غوّث) أي صاح واغوثاه «١٠» ، قال الزّبيديّ: هذا أصله، ثمّ إنّهم استعملوه بمعنى: صاح ونادى طلبا للغوث «١١» ، وفي حديث هاجر (أمّ إسماعيل) ، «.. فهل عندك غواث؟» ، الغواث بالفتح كالغياث بالكسر من الإغاثة بمعنى الإعانة «١٢» ، ومن ذلك الحديث

стр. 1125

الأخر: اللهمّ أغثنا، بالهمزة من الإغاثة، أمّا الحديث الآخر: «فادع الله يغيثنا (بفتح الياء) ، (فهو من الغيث) ، يقال غاث الله البلاد يغيثها، إذا أرسل عليها المطر، أمّا ما جاء في حديث توبة كعب: «فخرجت قريش مغوثين لعيرهم» فالمعنى: مغيثين فجاء به على الأصل ولم يعلّه، كما في استحوذ واستنوق، قال ابن الأثير، ولو روي مغوّثين بالتّشديد من غوّث بمعنى أغاث- لكان وجها «١» ، وتأتي الإغاثة أيضا بمعنى التّفريج، قال ابن سيدة: يقول (المضطرّ) الواقع في بليّة: أغثني، أي فرّج عنّي، واستغثت فلانا فما كان لي عنده مغوثة ولا غوث أي إغاثة «٢» ، قال في اللّسان: وغوث جائز في هذه المواضع، أن يوضع- وهو اسم- موضع المصدر- أي الإغاثة «٣» وقال الرّاغب: الغوث يقال في النّصرة، والغيث يقال في المطر. ويقال: استغثته: طلبت الغوث أو الغيث، فأغاثني من الغوث، وغاثني من الغيث، أمّا غوّث فلا تكون إلّا من الغوث، وقول الله تعالى: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ (الكهف/ ٢٩) فإنّه يصحّ أن يكون من الغيث ويصحّ أن يكون من الغوث، وكذا يغاثوا يصحّ فيه المعنيان «٤» . المغيث من أسمائه تعالى: قال صاحب موسوعة «له الأسماء الحسنى» : المغيث، اسم من الأسماء الحسنى الزّائدة عن الأسماء المعروفة «٥» . وقال الإمام ابن تيميّة: ومن أسماء الله- المغيث، وهو بمعنى «المجيب» لكنّ الإغاثة أخصّ بالأفعال، والإجابة أخصّ بالأقوال» ، ويمكن- لغة- أن يكون المعنى أنّه سبحانه هو الغيّاثّ الّذي يقدّم العون والنّصرة للمضطرّين كما أنّه ينزّل الغيث على العباد والبلاد، فهو سبحانه غياث المستغيثين الّذين يطلبون الغوث (المعونة والنّصرة) أو الغيث (المطر الّذي يحتاج إليه) ، قال أبو عبد الله الحليميّ- رحمه الله تعالى- الغيّاث هو المغيث، وأكثر ما يقال: غياث المستغيثين ومعناه: المدرك عباده في الشّدائد إذا دعوه وهو مجيبهم ومخلّصهم «٧» . الإغاثة اصطلاحا: الإغاثة تقديم الغوث وهو «التّخليص من الشّدّة والنقمة والعون على الفكاك من الشّدائد «٨» . الفرق بين الإغاثة والاستغاثة: المراد بالاستغاثة هنا طلب الغوث أي النّصرة والإعانة من قبل المضطرّ أو المحتاج، أمّا الإغاثة فهي تقديم ذلك العون ممّن وفّقه الله تعالى لمن هو في حاجة إليه.
следующие страницы →