← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ورحمة الله. قال فزادوه: ورحمة الله. قال: فكلّ من يدخل الجنّة على صورة آدم. وطوله ستّون ذراعا. فلم يزل الخلق ينقص بعده حتّى الآن» ) * «١» . ٢٩-* (عن أمّ هانئ بنت أبي طالب- ﵂ تقول: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح. فوجدته يغتسل. وفاطمة ابنته تستره بثوب. قالت: فسلّمت، فقال: «من هذه؟» قلت: أمّ هاني بنت أبي طالب. قال: «مرحبا بأمّ هانئ» ، فلمّا فرغ من غسله قام فصلّى ثماني ركعات. ملتحفا في ثوب واحد. فلمّا انصرف قلت: يا رسول الله زعم ابن أمّي عليّ بن أبي طالب أنّه قاتل رجلا أجرته، فلان بن هبيرة. فقال رسول الله ﷺ : «قد أجرنا من أجرت يا أمّ هاني» قالت أمّ هانئ: وذلك ضحى» ) * «٢» . ٣٠-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «السّلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه فأفشوه بينكم؛ فإنّ الرّجل المسلم إذا مرّ بقوم، فسلّم عليهم، فردّوا عليه كان له عليهم فضل درجة بتذكيره إيّاهم، فإن لم يردّوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم وأطيب» ) * «٣» . ٣١-* (عن ثوبان- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا انصرف من صلاته، استغفر ثلاثا. وقال: «اللهمّ أنت السّلام ومنك السّلام. تباركت ذا الجلال والإكرام» قال الوليد: فقلت للأوزاعيّ: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله) * «٤» . ٣٢-* (عن حنظلة- ﵁ قال: كنّا عند رسول الله ﷺ . فوعظنا فذكر النّار. قال: ثمّ جئت إلى البيت فضاحكت الصّبيان ولا عبت المرأة. قال: فخرجت فلقيت أبا بكر. فذكرت ذلك له. فقال: وأنا قد فعلت مثل ما تذكر. فلقينا رسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله! نافق حنظلة. فقال: «مه «٥» » فحدّثته بالحديث. فقال أبو بكر: وأنا قد فعلت مثل ما فعل. فقال: «يا حنظلة! ساعة وساعة. ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذّكر، لصافحتكم الملائكة، حتّى تسلّم عليكم في الطّرق» ) * «٦» . ٣٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: كنّا نسلّم على النّبيّ ﷺ وهو يصلّي فيردّ علينا، فلمّا رجعنا من عند النّجاشيّ سلّمنا عليه فلم يردّ علينا، فقلنا: يا رسول الله، إنّا كنّا نسلّم عليك

стр. 1157

فتردّ علينا، قال: «إنّ في الصّلاة شغلا» . فقلت لإبراهيم: كيف تصنع أنت؟ قال: أردّ في نفسي) * «١» . ٣٤-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: كنّا نقول: التّحيّة في الصّلاة ونسمّي ويسلّم بعضنا على بعض. فسمعه رسول الله ﷺ فقال: «قولوا: التّحيّات لله والصّلوات والطّيّبات، السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين، أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. فإنّكم إن فعلتم ذلك فقد سلّمتم على كلّ عبد لله صالح في السّماء والأرض» ) * «٢» . ٣٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا. ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا. أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السّلام بينكم» ) * «٣» . ٣٦-* (عن أنس- ﵁ أنّه مرّ على صبيان فسلّم عليهم وقال: «كان النّبيّ ﷺ يفعله» ) * «٤» . ٣٧-* (عن أبي أيّوب- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان، فيصدّ هذا ويصدّ هذا، وخيرهما الّذي يبدأ بالسّلام» . وذكر سفيان أنّه سمعه منه ثلاث مرّات) * «٥» . ٣٨-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ أنّه توضّأ في بيته ثمّ خرج، فقال: لألزمنّ رسول الله ﷺ ولأكوننّ معه يومي هذا. قال فجاء المسجد فسأل عن النّبيّ ﷺ فقالوا: خرج وجّه ههنا «٦» ، قال: فخرجت على إثره أسأل عنه حتّى دخل بئر أريس، قال: فجلست عند الباب. وبابها من جريد، حتّى قضى رسول الله ﷺ حاجته وتوضّأ، فقمت إليه، فإذا هو قد جلس على بئر أريس وتوسّط قفّها «٧» وكشف عن ساقيه ودلّاهما في البئر «٨» . قال: فسلّمت عليه ثمّ انصرفت فجلست عند الباب. فقلت: لأكوننّ بوّاب رسول الله ﷺ اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت من هذا؟ فقال: أبو بكر. فقلت: على رسلك «٩» ، ثمّ ذهبت فقلت: يا رسول الله هذا أبو بكر يستأذن، فقال: «ائذن له وبشّره بالجنّة» . قال: فأقبلت حتّى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله

стр. 1158

صلّى الله عليه وسلّم يبشّرك بالجنّة. قال: فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله ﷺ معه في القفّ ودلّى رجليه في البئر كما صنع النّبيّ ﷺ وكشف عن ساقيه. ثمّ رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضّأ ويلحقني. فقلت: إن يرد الله بفلان- يريد أخاه- خيرا يأت به. فإذا إنسان يحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطّاب، فقلت على رسلك. ثمّ جئت إلى رسول الله ﷺ فسلّمت عليه، وقلت: هذا عمر يستأذن فقال: «ائذن له وبشّره بالجنّة» فجئت عمر فقلت: أذن ويبشّرك رسول الله ﷺ بالجنّة. قال: فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ في القفّ عن يساره ودلّى رجليه في البئر. ثمّ رجعت فجلست فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا- يعني أخاه- يأت به، فجاء إنسان فحرّك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفّان، فقلت: على رسلك، قال: وجئت النّبيّ ﷺ فأخبرته، فقال: «ائذن له وبشّره بالجنّة مع بلوى تصيبه» . قال: فجئت فقلت: ادخل، ويبشّرك رسول الله ﷺ بالجنّة. مع بلوى تصيبك. قال: فدخل فوجد القفّ قد ملأ، فجلس وجاههم «١» من الشّقّ الآخر» . قال شريك: فقال سعيد بن المسيّب: فأوّلتها قبورهم «٢» » ) * «٣» . ٣٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد رأيتني في الحجر. وقريش تسألني عن مسراي. فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها «٤» . فكربت كربة ما كربت مثله قطّ «٥» . قال: فرفعه الله لي أنظر إليه. ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء. فإذا موسى قائم يصلّي. فإذا رجل ضرب «٦» جعد كأنّه من رجال شنوءة. وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يصلّي. أقرب النّاس به شبها عروة بن مسعود الثّقفيّ. وإذا إبراهيم ﵇ قائم يصلّي. أشبه النّاس به صاحبكم (يعني نفسه) فحانت الصّلاة فأممتهم. فلمّا فرغت من الصّلاة، قال قائل: يا محمّد! هذا مالك صاحب النّار فسلّم عليه. فالتفتّ إليه فبدأني بالسّلام» ) * «٧» . ٤٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يسلّم عليّ إلّا ردّ الله عليّ روحي حتّى أردّ ﵇» ) * «٨» . ٤١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: مرّ يهوديّ برسول الله ﷺ ، فقال:

стр. 1159

السّام «١» عليك. فقال رسول الله ﷺ : «وعليك» . فقال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما يقول؟ قال: السّام عليك» ، قالوا: يا رسول الله ألا نقتله؟ قال: «لا، إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» ) * «٢» . ٤٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا بنيّ إذا دخلت على أهلك فسلّم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك» ) *» . ٤٣-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يا عائشة، هذا جبريل يقرأ عليك السّلام» . قالت: قلت: وعليه السّلام ورحمة الله، ترى ما لا نرى. تريد رسول الله ﷺ . تابعه شعيب. وقال يونس والنّعمان عن الزّهريّ «وبركاته» ) * «٤» . ٤٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ : أنّه قال: «يسلّم الرّاكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» ) * «٥» . ٤٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «يسلّم الصّغير على الكبير، والمارّ على القاعد، والقليل على الكثير» ) * «٦» . الأحاديث الواردة في (إفشاء السلام) معنى ٤٦-* (عن قتادة- ﵁ قال: قلت لأنس أكانت المصافحة في أصحاب النّبيّ ﷺ قال: نعم) * «٧» . ٤٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: لمّا جاء أهل اليمن، قال رسول الله ﷺ : «قد جاءكم أهل اليمن، وهم أوّل من جاء بالمصافحة» ) * «٨» . ٤٨-* (عن البراء- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلّا غفر لهما قبل أن يفترقا» ) * «٩» . ٤٩-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، الرّجل منّا يلقى أخاه أو صديقه، أينحني له؟ قال: «لا» . قال: أفيلتزمه ويقبّله؟ قال: «لا» قال: أيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: «نعم» ) * «١٠» .

стр. 1160

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (إفشاء السلام) ٥٠-* (عن أنس- ﵁ قال: أتى عليّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان. قال: فسلّم علينا. فبعثني إلى حاجة. فأبطأت على أمّي. فلمّا جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت: إنّها سرّ. قالت: لا تحدّثنّ بسرّ رسول الله ﷺ أحدا. قال أنس: والله لو حدّثت به أحدا لحدّثتك، يا ثابت!) * «١» . ٥١-* (عن عوف بن مالك الأشجعيّ- ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبّة من أدم، فسلّمت فردّ وقال: «ادخل» فقلت: أكلّي يا رسول الله؟ قال: «كلّك» فدخلت) * «٢» . ٥٢-* (عن المقداد- ﵁ قال: أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد «٣» . فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فليس أحد منهم يقبلنا «٤» . فأتينا النّبيّ ﷺ فانطلق بنا إلى أهله. فإذا ثلاثة أعنز، فقال النّبيّ ﷺ : «احتلبوا هذا اللّبن بيننا» قال: فكنّا نحتلب، فيشرب كلّ إنسان منّا نصيبه. ونرفع للنّبيّ ﷺ نصيبه، قال: فيجيء من اللّيل، فيسلّم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان. قال: ثمّ يأتي المسجد، فيصلّي، ثمّ يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشّيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي فقال: محمّد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم. ما به حاجة إلى هذه الجرعة «٥» . فأتيتها فشربتها. فلمّا أن وغلت «٦» في بطني، وعلمت أنّه ليس إليها سبيل. قال: ندّمني الشّيطان، فقال: ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمّد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك. فتذهب دنياك وآخرتك. وعليّ شملة إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النّوم، وأمّا صاحباي فناما، ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النّبيّ ﷺ فسلّم كما كان يسلّم، ثمّ أتى المسجد فصلّى، ثمّ أتى شرابه فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئا. فرفع رأسه إلى السّماء فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك فقال «اللهمّ أطعم من أطعمني، وأسق من أسقاني» قال: فعمدت إلى الشّملة فشددتها عليّ وأخذت الشّفرة، فانطلقت إلى الأعنز أيّها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ فإذا هي حافلة «٧» وإذا هنّ حفّل كلّهنّ، فعمدت إلى إناء لآل

стр. 1161

محمّد ﷺ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه حتّى علته رغوة «١» فجئت إلى رسول الله ﷺ فقال: أشربتم شرابكم اللّيلة؟ قال: قلت يا رسول الله، اشرب. فشرب ثمّ ناولني، فقلت: يا رسول الله، اشرب. فشرب ثمّ ناولني، فلمّا عرفت «٢» أنّ النّبيّ ﷺ قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتّى ألقيت إلى الأرض. قال: فقال النّبيّ ﷺ : «إحدى سوآتك «٣» يا مقداد» فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا وفعلت كذا. فقال النّبيّ ﷺ : «ما هذه إلّا رحمة من الله «٤» ، أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها» ، قال: فقلت: والّذي بعثك بالحقّ ما أبالي إذا أصبتها، وأصبتها معك من أصابها من النّاس» ) * «٥» . ٥٣-* (عن عمير مولى ابن عبّاس قال: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة زوج النّبيّ ﷺ حتّى دخلنا على أبي جهيم بن الحارث بن الصّمّة الأنصاريّ، فقال أبو الجهيم: أقبل النّبيّ ﷺ من نحو بئر جمل فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يردّ عليه النّبيّ ﷺ حتّى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه، ثمّ ردّ ﵇ * «٦» . ٥٤-* (عن أسامة بن زيد- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ ركب حمارا، عليه إكاف «٧» ، تحته قطيفة «٨» فدكيّة «٩» . وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج. وذاك قبل وقعة بدر، حتّى مرّ بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود، فيهم عبد الله بن أبيّ. وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلمّا غشيت المجلس عجاجة الدّابّة «١٠» ، خمّر «١١» عبد الله بن أبيّ أنفه بردائه. ثمّ قال: لا تغبّروا علينا «١٢» . فسلّم عليهم النّبيّ ﷺ . ثمّ وقف فنزل. فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن. فقال عبد الله بن أبيّ: أيّها المرء لا أحسن من هذا «١٣» إن كان ما تقول حقّا، فلا تؤذنا في

стр. 1162

مجالسنا. وارجع إلى رحلك «١» . فمن جاءك منّا فاقصص عليه. فقال عبد الله بن رواحة: اغشنا في مجالسنا. فإنّا نحبّ ذلك. قال: فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود. حتّى همّوا أن يتواثبوا. فلم يزل النّبيّ ﷺ يخفّضهم «٢» . ثمّ ركب دابّته حتّى دخل على سعد بن عبادة فقال: «أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟ (يريد عبد الله بن أبيّ) قال كذا وكذا» قال: اعف عنه يا رسول الله واصفح. فو الله لقد أعطاك الله الّذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة «٣» أن يتوّجوه، فيعصّبوه بالعصابة «٤» . فلمّا ردّ الله ذلك بالحقّ الّذي أعطاكه، شرق بذلك» . فذلك فعل به ما رأيت. فعفا عنه النّبيّ ﷺ * «٦» . ٥٥-* (عن غالب، قال: إنّا لجلوس بباب الحسن، إذ جاء رجل فقال: حدّثني أبي، عن جدّي، قال: بعثني أبي إلى رسول الله ﷺ فقال: ائته، فأقرئه السّلام، قال: فأتيته فقلت: إنّ أبي يقرئك السّلام، فقال: «عليك وعلى أبيك السّلام» ) * «٧» . ٥٦-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: «بعثني رسول الله ﷺ في حاجة له، فانطلقت، ثمّ رجعت وقد قضيتها، فأتيت النّبيّ ﷺ فسلّمت عليه فلم يردّ عليّ، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعلّ رسول الله ﷺ وجد عليّ أنّي أبطأت عليه. ثمّ سلّمت عليه فلم يردّ عليّ، فوقع في قلبي أشدّ من المرّة الأولى. ثمّ سلّمت عليه، فردّ عليّ فقال: «إنّما منعني أن أردّ عليك أنّي كنت أصلّي» وكان على راحلته متوجّها إلى غير القبلة) * «٨» . ٥٧-* (عن أنس- ﵁ قال: بني على النّبيّ ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطّعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثمّ يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتّى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا نبيّ الله ما أجد أحدا أدعوه، فقال: فارفعوا طعامكم. وبقي ثلاثة رهط يتحدّثون في البيت، فخرج النّبيّ ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السّلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك. فتقرّى «٩» حجر نسائه كلّهنّ، يقول لهنّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثمّ رجع النّبيّ ﷺ فإذا ثلاثة من رهط في البيت يتحدّثون- وكان النّبيّ ﷺ شديد الحياء- فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري

стр. 1163

أخبرته أو أخبر أنّ القوم خرجوا، فرجع حتّى إذا وضع رجله في أسكفّة «١» الباب داخله وأخرى خارجه أرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب) * «٢» . ٥٨-* (عن مالك بن صعصعة- ﵁: أنّ نبيّ الله ﷺ حدّثه عن ليلة أسري به قال: بينما أنا في الحطيم- وربّما قال في الحجر- مضطجعا، إذ أتاني آت، فقدّ- قال أو سمعته يقول: فشقّ- ما بين هذه إلى هذه. فقلت للجارود، وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول من قصّه إلى شعرته فاستخرج قلبي، ثمّ أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي، ثمّ حشي، ثمّ أعيد، ثمّ أتيت بدابّة دون البغل وفوق الحمار أبيض- فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم- يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتّى أتى السّماء الدّنيا فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح. فلمّا خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فسلّم عليه. فسلّمت عليه، فردّ السّلام ثمّ قال: مرحبا بالابن الصّالح والنّبيّ الصالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء الثانية، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح. فلمّا خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلّم عليهما، فسلّمت، فردّا، ثمّ قالا: مرحبا بالأخ الصّالح، والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي إلى السّماء الثالثة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء الرّابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد قيل: أو قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح. فلمّا خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس، فسلّم عليه، فسلّمت عليه فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء الخامسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد ﷺ قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. فلمّا خلصت فإذا هارون. قال: هذا هارون فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء السّادسة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: من معك؟

стр. 1164

قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. فلمّا خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. فلمّا تجاوزت بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلاما بعث بعدي يدخل الجنّة من أمّته أكثر ممّن يدخلها من أمّتي. ثمّ صعد بي إلى السّماء السّابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم. قال: مرحبا به، ونعم المجيء جاء. فلمّا خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلّم عليه. قال فسلّمت عليه، فردّ السّلام، ثمّ قال: مرحبا بالابن الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ رفعت لي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أمّا الباطنان فنهران في الجنّة، وأمّا الظاهران فالنّيل والفرات. ثمّ رفع لي البيت المعمور. ثمّ أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللّبن، فقال: هي الفطرة الّتي أنت عليها وأمّتك. ثمّ فرضت عليّ الصّلاة خمسين صلاة كلّ يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمسين صلاة كلّ يوم، وإنّي والله قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك، فرجعت، فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فأمرت بعشر صلوات كلّ يوم، فرجعت فقال مثله. فرجعت فأمرت بخمس صلوات كلّ يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمس صلوات كلّ يوم، وإنّي قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التخفيف لأمّتك. قال: سألت ربّي حتّى استحييت، ولكن أرضى وأسلّم. قال: فلمّا جاوزت نادى مناد. أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي» ) * «١» . ٥٩-* (عن عمران بن حصين- ﵄ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: «السّلام عليكم، فردّ ﵇، ثمّ جلس، فقال النّبيّ ﷺ : «عشر» ثمّ جاء آخر فقال: السّلام عليكم ورحمة الله، فردّ عليه، فجلس فقال: «عشرون» ثمّ جاء آخر فقال: السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فردّ عليه، فجلس، فقال: «ثلاثون» ) * «٢» . ٦٠-* (عن عبد الله بن بسر- ﵁

стр. 1165

قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب، من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: «السّلام عليكم، السّلام عليكم» وذلك أنّ الدّور لم يكن عليها يومئذ ستور» ) * «١» . ٦١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ ، إذا خرج، أقرع بين نسائه. فطارت القرعة على عائشة وحفصة. فخرجتا معه جميعا. وكان رسول الله ﷺ ، إذا كان باللّيل، سار مع عائشة، يتحدّث معها. فقالت حفصة لعائشة: ألّا تركبين اللّيلة بعيري وأركب بعيرك، فتنظرين وأنظر قالت: بلى. فركبت عائشة على بعير حفصة. وركبت حفصة على بعير عائشة. فجاء رسول الله ﷺ إلى جمل عائشة، وعليه حفصة، فسلّم ثمّ سار معها. حتّى نزلوا. فافتقدته عائشة فغارت. فلمّا نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر «٢» ، وتقول: يا ربّ! سلّط عليّ عقربا أو حيّة تلدغني. رسولك «٣» ولا أستطيع أن أقول له شيئا» ) * «٤» . ٦٢-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا، أقرع بين نسائه. فأيّتهنّ خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها. فخرج فيها سهمي. فخرجت مع رسول الله ﷺ . وذلك بعد ما أنزل الحجاب. فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه، مسيرنا. حتّى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرّحيل. فقمت حين آذنوا بالرّحيل. فمشيت حتّى جاوزت الجيش. فلمّا قضيت من شأني أقبلت إلى الرّحل. فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار «٥» قد انقطع. فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرّهط الّذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي. فرحلوه على بعيري الّذي كنت أركب. وهم يحسبون أنّي فيه. قالت: وكانت النّساء إذ ذاك خفافا. لم يهبّلن «٦» ولم يغشهنّ اللّحم. إنّما يأكلن العلقة «٧» من الطّعام. فلم يستنكر القوم ثقل «٨» الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السّنّ. فبعثوا الجمل وساروا. ووجدت عقدي بعد ما استمرّ الجيش. فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب. فتيمّمت منزلي الّذي كنت فيه وظننت أنّ القوم سيفقدوني فيرجعون إليّ. فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطّل

стр. 1166

السّلميّ، ثمّ الذّكوانيّ، قد عرّس «١» من وراء الجيش فادّلج «٢» فأصبح عند منزلي. فرأى سواد إنسان نائم. فأتاني فعرفني حين رآني. وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب عليّ. فاستيقظت باسترجاعه «٣» . حين عرفني. فخمّرت وجهي بجلبابي. وو الله ما يكلّمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه. حتّى أناخ راحلته. فوطيء على يدها فركبتها. فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش. بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظّهيرة «٤» . فهلك من هلك في شأني. وكان الّذي تولّى كبره عبد الله بن أبيّ بن سلول. فقدمنا المدينة. فاشتكيت، حين قدمنا المدينة شهرا. والنّاس يفيضون في قول أهل الإفك. ولا أشعر بشيء من ذلك. وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول الله ﷺ اللّطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنّما يدخل رسول الله ﷺ فيسلّم ثمّ يقول: «كيف تيكم؟» . فذاك يريبني. ولا أشعر بالشّرّ. حتّى خرجت بعد ما نقهت «٥» وخرجت معي أمّ مسطح قبل المناصع «٦» . وهو متبرّزنا. ولا نخرج إلّا ليلا إلى ليل. وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبا من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأول في التّنزّه «٧» . وكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأمّ مسطح، وهي بنت أبي رهم ابن المطّلب بن عبد مناف. وأمّها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصّدّيق. وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد بن المطّلب. فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي. حين فرغنا من شأننا. فعثرت أمّ مسطح في مرطها «٨» . فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبّين رجلا قد شهد بدرا. قالت: أي هنتاه «٩» أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وما الّذي قال؟. قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك. فازددت مرضا إلى مرضي. فلمّا رجعت إلى بيتي، فدخل عليّ رسول الله ﷺ . فسلّم، ثمّ قال: «كيف تيكم؟» . قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟. قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقّن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ . فجئت أبويّ، فقلت لأمّي: يا أمّتاه، ما يتحدّث النّاس؟. فقالت: يا بنيّة هوّني عليك. فوالله! لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة «١٠» عند رجل يحبّها، ولها ضرائر، إلّا كثّرن عليها «١١» . قالت: قلت: سبحان الله، وقد تحدّث النّاس بهذا؟. قالت: فبكيت تلك

стр. 1167

اللّيلة حتّى أصبحت لا يرقأ «١» لي دمع ولا أكتحل بنوم «٢» ثمّ أصبحت أبكي. ودعا رسول الله ﷺ عليّ ابن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي «٣» . يستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأمّا أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالّذي يعلم من براءة أهله، وبالّذي يعلم في نفسه لهم من الودّ. فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا. وأمّا عليّ بن أبي طالب فقال: لم يضيّق الله عليك والنّساء سواها كثير. وإن تسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة، فقال: «أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟» . قالت له بريرة: والّذي بعثك بالحقّ إن رأيت عليها أمرا قطّ أغمصه «٤» عليها، أكثر من أنّها جارية حديثة السّنّ، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الدّاجن» فتأكله. قالت فقام رسول الله ﷺ على المنبر. فاستعذر «٦» من عبد الله بن أبيّ ابن سلول. قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي. فوالله ما علمت على أهلي إلّا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» . فقام سعد بن معاذ الأنصاريّ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه. وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة، وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن اجتهلته الحميّة «٧» . فقال لسعد بن معاذ: كذبت، لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عمّ سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: كذبت. لعمر الله لنقتلنّه. فإنّك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان الأوس والخزرج «٨» ، حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر. فلم يزل رسول الله ﷺ يخفّضهم حتّى سكتوا وسكت. قالت: وبكيت يومي ذلك. لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثمّ بكيت ليلتي المقبلة. لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. فبينماهما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها. فجلست تبكي. قالت فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ . فسلّم ثمّ جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل. وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ حين جلس، ثمّ قال: «أمّا بعد. يا عائشة فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله. وإن كنت ألممت بذنب

стр. 1168

فاستغفري الله وتوبي إليه. فإنّ العبد إذا اعترف بذنب ثمّ تاب، تاب الله عليه» . قالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي «١» حتّى ما أحسّ منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ فيما قال: فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ . فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت، وأنا جارية حديثة السّنّ، لا أقرأ كثيرا من القرآن: إنّي، والله! لقد عرفت أنّكم قد سمعتم بهذا حتّى استقرّ في نفوسكم وصدّقتم به. فإن قلت لكم إنّي بريئة، والله يعلم أنّي بريئة، لا تصدّقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنّي بريئة، لتصدّقونني. وإنّي والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ. قالت: ثمّ تحوّلت فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة. وأنّ الله مبرّئي ببراءتي. ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى. ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى. ولكنّي كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النّوم رؤيا يبرّئني الله بها. قالت: فو الله ما رام «٢» رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتّى أنزل الله على نبيّه ﷺ . فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء «٣» عند الوحي. حتّى إنّه ليتحدّر منه مثل الجمان «٤» من العرق، في اليوم الشّات، من ثقل القول الّذي أنزل عليه. قالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ ، وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أمّا الله فقد برّأك» . فقالت لي أمّي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه. ولا أحمد إلّا الله هو الّذي أنزل براءتي. قالت: فأنزل الله : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ (٢٤/ النور/ ١١) عشر آيات. فأنزل الله هؤلاء الآيات براءتي. قالت: فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الّذي قال لعائشة. فأنزل الله : وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى (النور/ ٢٢) إلى قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ. قال حبّان بن موسى: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. فقال أبو بكر: والله إنّي لأحبّ أن يغفر الله لي. فرجع إلى مسطح النّفقة الّتي كان ينفق عليه. وقال: لا أنزعها منه أبدا. قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش، زوج النّبيّ ﷺ عن أمري: «ما علمت؟ أو ما رأيت؟» . فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلّا خيرا.

стр. 1169

قالت عائشة: وهي التّي كانت تساميني «١» من أزواج النّبيّ ﷺ . فعصمها الله بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها «٢» فهلكت فيمن هلك» ) * «٣» . ٦٣-* (عن سيّار قال: كنت أمشي مع ثابت البنانيّ. فمرّ بصبيان فسلّم عليهم وحدّث ثابت؛ أنّه كان يمشي مع أنس. فمرّ بصبيان فسلّم عليهم وحدّث أنس؛ أنّه كان يمشي مع رسول الله ﷺ . فمرّ بصبيان فسلّم عليهم» ) * «٤» . ٦٤-* (عن جابر- ﵁ لمّا قدم رسول الله ﷺ من خيبر قدم جعفر- ﵁ من الحبشة، تلقّاه رسول الله ﷺ فقبّل جبهته ثمّ قال: «والله ما أدري بأيّهما أنا أفرح، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» ) * «٥» . ٦٥-* (عن أسماء ابنة يزيد- ﵂ قالت: مرّ علينا النبيّ ﷺ في نسوة فسلّم علينا» ) * «٦» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (إفشاء السلام) ١-* (عن الأغرّ أغرّ مزينة قال: كان رسول الله ﷺ أمر لي بجزء من ثمر عند رجل من الأنصار، فمطلني به فكلّمت فيه رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «اغد معه يا أبا بكر فخذ له ثمره» . فوعدني أبو بكر المسجد إذا صلّينا الصّبح، فوجدته حيث وعدني فانطلقنا فكلّما رأى أبا بكر رجل من بعيد سلّم عليه فقال أبو بكر: أما ترى ما يصيب القوم عليك من الفضل لا يسبقك إلى السّلام أحد، فكنّا إذا طلع الرّجل بادرناه بالسّلام قبل أن يسلّم علينا» ) * «٧» . ٢-* (قال عمر- ﵁: «ثلاث يصفين لك ودّ أخيك: أن تسلّم عليه إذا لقيته، وتوسّع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه» ) * «٨» . ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁: «أنّه سمع عمر بن الخطّاب. وسلّم عليه رجل فردّ ﵇. ثمّ سأل عمر الرّجل: كيف أنت؟ فقال أحمد إليك الله، فقال عمر: ذلك الّذي أردت

стр. 1170

منك» ) * «١» . ٤-* (عن عمرو بن ميمون الأوديّ قال: «رأيت عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: يا عبد الله بن عمر، اذهب إلى أمّ المؤمنين عائشة- ﵂، فقل: يقرأ عمر بن الخطّاب عليك السّلام، ثمّ سلها أن أدفن مع صاحبيّ. قالت: كنت أريده لنفسي، فلأوثرنّه اليوم على نفسي. فلمّا أقبل قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال: ما كان شيء أهمّ إليّ من ذلك المضجع، فإذا قبضت فاحملوني، ثمّ سلّموا، ثمّ قل: يستأذن عمر بن الخطّاب، فإن أذنت لي فادفنوني، وإلّا فردّوني إلى مقابر المسلمين، إنّي لا أعلم أحدا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر الّذين توفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فمن استخلفوا بعدي، فهو الخليفة فاسمعوا له وأطيعوا. فسمّى عثمان وعليّا وطلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص. وولج عليه شابّ من الأنصار فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله: كان لك من القدم في الإسلام ما قد علمت، ثمّ استخلفت فعدلت، ثمّ الشّهادة بعد هذا كلّه. فقال: ليتني يا ابن أخي وذلك كفافا لا عليّ ولا لي. أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأوّلين خيرا، أن يعرف لهم حقّهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم. وأوصيه بالأنصار خيرا، الّذين تبوّءوا الدّار والإيمان أن يقبل من محسنهم ويعفى عن مسيئهم. وأوصيه بذمّة الله وذمّة رسوله ﷺ أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلّفوا فوق طاقتهم» ) * «٢» . ٥-* (أخرج ابن سعد وغيره: أنّ الجنّ رثوا عمر بن الخطّاب بأبيات منها: عليك السّلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزّق» ) * «٣» . ٦-* (عن تميم بن سلمة: «أنّ عمر بن الخطّاب- ﵁ لقي أبا عبيدة بن الجرّاح فصافحه وقبّل عمر يده وتنحّيا يبكيان» ) * «٤» . ٧-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ أنّه قال: «يجزأ عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم ويجزأ عن الجلوس أن يردّ أحدهم» ) * «٥» . ٨-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «إنّي أرى لردّ الجواب حقّا كما أرى لردّ جواب السّلام» ) * «٦» . ٩-* (عن محمّد بن عمرو بن عطاء: أنّه قال: «كنت جالسا عند عبد الله بن عبّاس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن، فقال: السّلام عليكم ورحمة الله

стр. 1171

وبركاته، ثمّ زاد بعد ذلك شيئا مع ذلك أيضا. قال ابن عبّاس وهو يومئذ قد ذهب بصره: من هذا؟ قالوا: هذا اليمانيّ الّذي يغشاك، فعرّفوه إيّاه، فقال ابن عبّاس: إنّ السّلام انتهى إلى البركة» ) * «١» . ١٠-* (عن أنس- ﵁ قال: «كان أصحاب النّبيّ ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر تعانقوا» ) * «٢» . ١١-* (عن عامر قال: «كان ابن عمر إذا حيّا ابن جعفر قال: السّلام عليك يا ابن ذي الجناحين» ) * «٣» . ١٢-* (عن الطّفيل بن أبيّ بن كعب أخبر: «أنّه كان يأتي عبد الله بن عمر، فيغدو معه إلى السّوق، قال: فإذا غدونا إلى السّوق، لم يمرّ عبد الله بن عمر على سقّاط «٤» ، ولا صاحب بيعة «٥» ، ولا مسكين، ولا أحد إلّا سلّم عليه، قال الطّفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوما، فاستتبعني إلى السّوق، فقلت له: وما تصنع في السّوق، وأنت لا تقف على البيع، ولا تسأل عن السّلع، ولا تسوم بها، ولا تجلس في مجالس السّوق؟ قال وأقول: اجلس بنا ههنا نتحدّث، قال: فقال لي عبد الله بن عمر: يا أبا بطن!: وكان الطّفيل ذا بطن إنّما نغدو من أجل السّلام، نسلّم على من لقينا» ) * «٦» . ١٣-* (قال كعب بن مالك- ﵁: «دخلت المسجد، فإذا برسول الله ﷺ ، فقام إليّ طلحة ابن عبيد الله يهرول حتّى صافحني وهنّأني» ) * «٧» . ١٤-* (عن جابر- ﵁ قال: «آخر ما ودّعت محمّد بن عليّ فإنّي معه بالبقيع فقال: أتراك غاديا؟ قلت: نعم، فأخذ بيدي فغمزها وقال: أستودعك الله، وأقرأ عليك السّلام أتدري ما غمزي بيدي إيّاك؟ هذا قبلة المؤمن أخاه المؤمن» ) * «٨» . ١٥-* (عن أبي أمامة (صديّ بن عجلان) ﵁ قال: «من تمام تحيّاتكم المصافحة» ) * «٩» . ١٦-* (عن أبي البختريّ؛ قال جاء الأشعث ابن قيس وجرير بن عبد الله البجليّ إلى سلمان الفارسيّ، فدخلا عليه في حصن في ناحية المدائن، فأتياه فسلّما عليه، وحيّياه ثمّ قالا: أنت سلمان الفارسيّ. قال: نعم. قالا: أنت صاحب رسول الله ﷺ . قال: لا أدري. فارتابا وقالا: لعلّه ليس الّذي نريد. قال لهما: أنا صاحبكما الّذي تريدان. إنّي قد رأيت رسول الله ﷺ وجالسته، فإنّما

стр. 1172

صاحبه من دخل معه الجنّة فما حاجتكما؟ قالا: جئناك من عند أخ لك بالشّام. فقال: من هو؟ قالا: أبو الدّرداء. قال: فأين هديّته الّتي أرسل بها معكم. قالا: ما أرسل معنا هديّة. قال: اتّقيا الله وأدّيا الأمانة، ما جاءني أحد من عنده إلّا جاء معه بهديّة قالا: لا يرفع علينا هذا أنّ لنا أموالا فاحتكم فيها. قال: ما أريد أموالكما ولكنّي أريد الهديّة الّتي بعث بها معكما. قالا: والله ما بعث معنا بشيء إلّا أنّه قال لنا: إنّ فيكم رجلا كان رسول الله ﷺ إذا خلا به لم يبغ أحدا غيره، فإذا أتيتماه فاقرئاه منّي السّلام. قال: فأيّ هديّة كنت أريد منكما غير هذه، وأيّ هديّة أفضل من السّلام تحيّة من عند الله مباركة طيّبة» ) * «١» . ١٧-* (قال عمّار- ﵁: «ثلاث من جمعهنّ فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك وبذل السّلام للعالم، والإنفاق من الإقتار» ) *» . ١٨-* (عن أبي أمامة الباهليّ- ﵁ قال: «الرّجل يدخل بيته بالسّلام ضامن على الله تعالى أن يدخله الجنّة» ) * «٣» . ١٩-* (عن معاوية بن قرّة عن أبيه؛ قال: «يا بنيّ إذا كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل السّلام عليكم فإنّك شريكهم فيما يغتنمون في ذلك المجلس» ) * «٤» . ٢٠-* (عن أبي حازم عن أبيه عن سهل؛ قال: كنّا نفرح يوم الجمعة. قلت لسهل: ولم؟ قال: كانت لنا عجوز ترسل إلى بضاعة- نخل بالمدينة- فتأخذ من أصول السّلق فتطرحه في قدر وتكركر «٥» حبّات من شعير، فإذا صلّينا الجمعة انصرفنا، ونسلّم عليها، فتقدّمه إلينا فنفرح من أجله، وما كنّا نقيل ولا نتغدّى إلّا بعد الجمعة» ) * «٦» . ٢١-* (عن عبد الله بن أبي موسى؛ قال: أرسلني مدرك بن مدرك إلى عائشة أسألها عن أشياء قال: فأتيتها فإذا هي تصلّي الضّحى، فقلت: أقعد حتّى تفرغ. فقالوا: هيهات. فقلت: لآذنها كيف أستأذنعليها. فقال: قل السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين السّلام على أمّهات المؤمنين أو أزواج النّبيّ صلّى الله عليكم ... فذكر الحديث» ) * «٧» . ٢٢-* (قال الحسن البصريّ: «المصافحة تزيد في الودّ» ) * «٨» . ٢٣-* (قال ابن هبيرة: «من سلّم على رجل فقد أمنه» ) * «٩» . ٢٤-* (قال ابن حجر- ﵀:

стр. 1173

جمعت آداب من رام الجلوس على الطّر ... يق من قول خير الخلق إنسانا أفش السّلام وأحسن في الكلام ... وشمّت عاطسا وسلاما ردّ إحسانا في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث ... لهفان اهد سبيلا واهد حيرانا بالعرف مر وانه عن نكر وكفّ أذى ... وغضّ طرفا وأكثر ذكر مولانا) * «١» . ٢٥-* (قال بعضهم: لمّا عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من غمّ العداوات إنّي أحيّي عدوّي حين رؤيته ... لأدفع الشّرّ عنّي بالتّحيّات وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنّه قد حشا قلبي مسرّات) * «٢» . من فوائد (إفشاء السلام) (١) السّلام من أسماء الله تعالى وهو المسلّم لعباده المسلّم على أوليائه. (٢) والجنّة دار السّلام فهي دار السّلامة من الآفات. (٣) والسّلام أمان الله في الأرض وهو تحيّة المؤمنين في الجنّة وتحيّة أهل الإسلام في الدّنيا. (٤) وهو طريق المحبّة والتّعارف بين المسلمين. (٥) في إشاعة السّلام بين المسلمين تنشأ المودّة والمحبّة ويشعر كلّ مسلم بالاطمئنان تجاه الآخرين. (٦) البخل بالسّلام أشدّ من البخل بالمال. (٧) قد يزيل العداوة وينهي الخصومة ويسلّ؟ سخيمة الصّدور. (٨) في المداومة عليه تمييز للمسلمين وكيد لأعداء الدّين. (٩) من حافظ عليه حاز فضل الاتّباع وجزاء الطّاعة. (١٠) كلّما زادت كلمات السّلام زادت حسناته.

стр. 1174

إقامة الشهادة أ- الإقامة لغة: الإقامة مأخوذة من أقام الشّيء أدامه، والشّرع أظهره، والصّلاة أدام فعلها. ب- والشهادة لغة: من شهد المجلس يشهده شهودا، حضره واطّلع عليه، وعاينه فهو شاهد، جمعه شهود وشهّد وأشهاد، وشهد عند الحاكم لفلان على فلان بكذا يشهد، أدّى ما عنده من الشّهادة. وشهد على كذا: أخبره به خبرا قاطعا. قال ابن فارس: الشّهادة الإخبار بما قد شوهد. الشهادة اصطلاحا: الشّهادة: بيان الحقّ، سواء كان عليه أو على غيره، وهي خبر قاطع يختصّ بمعنى يتضمّن ضرر غير المخبر فيخرج الإقرار. وقيل: إقرار مع العلم وثبات اليقين. والإقرار قد ينفكّ عن ذلك. ولذلك أكذب الله الكفّار في قولهم: نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (المنافقون/ ١) ولمّا كان الخبر الخاصّ مبيّنا للحقّ من الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٠/ ٢٤/ ٨ الباطل سمّي شهادة. وسمّي المخبر به شاهدا، فلهذا شبّهت الدّلالة في كمال وضوحها بالشّهادة. وشهد الرّجل على كذا يشهد عليه شهادة: إذا أخبر به قطعا وشهد له بكذا يشهد به شهادة: إذا أدّى ما عنده من الشّهادة. والشّهادة تقام بلفظ الشّهادة. أعني: أشهد بالله، وتكون قسما ومنهم من يقول: إن قال (أشهد) يكون قسما (وإن لم يقل بالله) «١» . وقال الرّاغب: الشّهادة قول صادر عن علم حصل بمشاهدة بصيرة أو بصر «٢» . وقال المناويّ: الشّهادة إخبار عن عيان بلفظ أشهد في مجلس القاضي بحقّ لغيره على غيره «٣» . إقامة الشّهادة*: هي الإخبار بحقّ للغير على آخر عن يقين في مجلس الحكم. قال الجرجانيّ: هي إخبار عن عيان بلفظ الشّهادة في مجلس القاضي بحقّ للغير على آخر، فالإخبارات ثلاثة: إمّا بحقّ للغير على آخر، وهو الشّهادة، أو بحقّ للمخبر على آخر، وهو الدّعوى، أو بالعكس وهو الإقرار «٤» .

стр. 1175

لفظ الشهادة: قال الإمام الفيّوميّ: جرى على ألسنة الأمّة، سلفها وخلفها في أداء الشّهادة أشهد، مقتصرين عليه، دون غيره من الألفاظ الدّالّة على تحقيق الشّيء، نحو أعلم وأتيقّن، وهو موافق لألفاظ الكتاب والسّنّة أيضا فكان كالإجماع على تعيين هذه اللّفظة، دون غيرها، ولا يخلو من معنى التّعبّد، إذ لم ينقل غيره، ولعلّ السّرّ فيه أنّ الشّهادة اسم من المشاهدة، وهي الاطّلاع على الشّيء عيانا، فاشترط في الأداء ما ينبأ عن المشاهدة، وأقرب شيء يدلّ على ذلك ما اشتقّ من اللّفظ، وهو أشهد، بلفظ المضارع، ولا يجوز شهدت؛ لأنّ الماضي موضوع للإخبار عمّا وقع نحو قمت، أي؟ فيما مضى من الزّمان، فلو قال شهدت: احتمل الإخبار عن الماضي، فيكون غير مخبر به في الحال، وعليه قوله تعالى، حكاية عن أولاد يعقوب ﵈: وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا (يوسف/ ٨١) ، لأنّهم شهدوا عند أبيهم أوّلا بسرقته، حين قالوا إنّ ابنك سرق، فلمّا اتّهمهم اعتذروا عن أنفسهم بأنّهم لا صنع لهم في ذلك، وقالوا: وما شهدنا عندك سابقا بقولنا إنّ ابنك سرق، إلّا بما عاينّاه من إخراج الصّواع «١» من رحله، والمضارع موضوع للإخبار في الحال، فإذا قال أشهد، فقد أخبر في الحال، وعليه قوله تعالى: قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ (المنافقون/ ١) : أي نحن الآن شاهدون بذلك، وأيضا، فقد استعمل أشهد في القسم، نحو (أشهد بالله لقد كان كذا) أي أقسم، فتضمّن لفظ أشهد معنى المشاهدة والقسم والإخبار في الحال، فكأنّ الشّاهد قال: أقسم بالله لقد اطّلعت على ذلك، وأنا الآن أخبر به، وهذه المعاني مفقودة في غيره من الألفاظ، فلهذا اقتصر عليه احتياطا، واتّباعا للمأثور «٢» . الشهيد من أسماء الله تعالى الحسنى: ذكر ابن القيّم أنّ من أسماء الله: الشّهيد أي الّذي لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السّماء؛ بل هو مطّلع على كلّ شيء، مشاهد له، عليم بتفاصيله «٣» . الشهيد من أسماء النبي ﷺ : ومن أسماء النّبيّ ﷺ الشّاهد والشّهيد، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (الأحزاب/ ٤٥) قال: لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ (الحج/ ٧٨) وقال أيضا: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة/ ١٤٣) ، وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (النساء/ ٤١) . والشّهادة خبر قاطع؛ كذا في الصّحاح «٤» .

стр. 1176

وأصلها: المعاينة، وفيه أيضا: الشّهيد الشّاهد ومعنى الاسمين: أنّه ﷺ يشهد على الأمم يوم القيامة بتبليغ الأنبياء رسالات الله إليهم، ويشهد على أمّته بالتّبليغ إليهم ولهم بالإيمان. أخرج الشّيخان عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة، فيقال: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال: هل بلّغكم: فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّته» . فذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (البقرة/ ١٤٣) والوسط العدل «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الإصلاح- الإنصاف- التناصر- العدل والمساواة- القسط- الصدق- الأمانة- الوفاء. وفي ضد ذلك: انظر صفات: شهادة الزور- الكذب- التخاذل- الظلم- نقض العهد] .

стр. 1177

الآيات الواردة في «إقامة الشهادة» الشهادة عن تبليغ الرسالة: ١- وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) «١» ٢- فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (٤١) «٢» ٣- وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) «٣» ٤- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) «٤» ٥- قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) «٥» ٦- إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً* (٨) «٦» ٧- إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) «٧» الشهادة في الحقوق المتعلقة بالأموال: ٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ

стр. 1178

إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) * وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) «١» ٩- وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) «٢» ١٠-* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) «٣» ١١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) «٤» ١٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اعْتَدَيْنا إِنَّا إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) «٥»

стр. 1179

١٣-* إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) » الشهادة في الحقوق المتعلقة بالأعراض والأنكحة: ١٤- وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) «٢» ١٥- وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) «٣» ١٦- وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)

стр. 1180

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) «١» ١٧- إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) «٢» ١٨- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (٣) «٣» الشهادة على الأعمال: ١٩- الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) «٤» ٢٠- حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) «٥»

стр. 1181

الأحاديث الواردة في (إقامة الشهادة) ١-* (عن أبي الأسود قال: أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، وهم يموتون موتا ذريعا، فجلست إلى عمر- ﵁ فمرّت جنازة فأثني خيرا، فقال عمر: وجبت. ثمّ مرّ بأخرى فأثني خيرا، فقال عمر وجبت. ثمّ مرّ بالثّالثة فأثني شرّا، فقال: وجبت. فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت كما قال النّبيّ ﷺ : «أيّما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنّة» . قلنا: وثلاثة قال: «وثلاثة» . قلنا: واثنان؟ قال: «واثنان» . ثمّ لم نسأله عن الواحد» ) * «١» . ٢-* (عن ربعيّ بن حراش، عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ قال: اختلف النّاس في آخر يوم من رمضان، فقدم أعرابيّان فشهدا عند النّبيّ ﷺ بالله لأهلّ الهلال أمس عشيّة. فأمر رسول الله ﷺ النّاس أن يفطروا» - زاد خلف في حديثه-: «وأن يغدوا إلى مصلّاهم» ) * «٢» . ٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ أعمى كانت له أمّ ولد تشتم النّبيّ ﷺ وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلمّا كانت ذات ليلة جعلت تقع في النّبيّ ﷺ وتشتمه فأخذ المغول «٣» فوضعه في بطنها، واتّكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطّخت ما هناك بالدّم. فلمّا أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فجمع النّاس فقال: «أنشد الله رجلا فعل ما فعل، لي عليه حقّ، إلّا قام» فقام الأعمى يتخطّى النّاس، وهو يتزلزل حتّى قعد بين يدي النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله! أنا صاحبها كانت تشتمك، وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرهم فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللّؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة، جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتّكأت عليها حتّى قتلتها، فقال النّبيّ ﷺ : «ألا اشهدوا أنّ دمها هدر» ) * «٤» . ٤-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ أنّ أمّه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة «٥» من ماله لابنها، فالتوى بها سنة «٦» ، ثمّ بدا له «٧» فقالت: لا أرضى حتّى تشهد رسول الله ﷺ على ما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي. وأنا يومئذ غلام. فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إنّ أمّ هذا، بنت رواحة أعجبها

стр. 1182

أن أشهدك على الّذي وهبت لابنها. فقال رسول الله ﷺ : «يا بشير! ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم. فقال: «أكلّهم وهبت له مثل هذا؟» قال: لا، فقال: «فلا تشهدني إذا. فإنّي لا أشهد على جور «١» » ) * «٢» . ٥-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرّجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثمّ يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أشير إلى أحدهما قدّمه في اللّحد، وقال: «أنا شهيد على هؤلاء» وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسّلهم) * «٣» . ٦-* (عن عمارة بن خزيمة أنّ عمّه حدّثه- وهو من أصحاب النّبيّ ﷺ : أنّ رسول الله ﷺ ابتاع فرسا من أعرابيّ، فاستتبعه إلى منزله ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابيّ بالفرس، فطفق رجال يعترضون الأعرابيّ يساومونه بالفرس، لا يشعرون أنّ رسول الله ﷺ ابتاعه «٤» ، فنادى الأعرابيّ النّبيّ ﷺ ، فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلّا بعته. فقام النّبيّ ﷺ حين سمع نداء الأعرابيّ، فقال: «أو ليس قد ابتعته منك؟» قال الأعرابيّ: لا، والله ما بعتكه، فقال رسول الله ﷺ : «بلى قد ابتعته منك» فطفق الأعرابيّ يقول: هلمّ شهيدا. فقال خزيمة: أنا أشهد أنّك قد بايعته، فأقبل النّبيّ ﷺ على خزيمة. فقال: «بم تشهد؟» قال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله ﷺ شهادة خزيمة شهادة رجلين» ) * «٥» . ٧-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّ هذه الآية الّتي في القرآن يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (الأحزاب/ ٤٥) قال في التّوراة: يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا وحرزا للأمّيّين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب بالأسواق «٦» ، ولا يدفع السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتّى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلّا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا» ) * «٧» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه ذكر رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلّفه ألف دينار فقال: ائتنى بالشّهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا. قال:

стр. 1183

فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمّى فخرج في البحر فقضى حاجته، ثمّ التمس مركبا* يركبها يقدم عليه للأجل الّذي أجّله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثمّ زجّج «١» موضعها، ثمّ أتى بها إلى البحر فقال: اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت تسلّفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك، وسألني شهيدا فقلت: كفى بالله شهيدا فرضي بذلك. وإنّي جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه الّذي له فلم أقدر، وإنّي أستودعكها. فرمى بها في البحر حتّى ولجت فيه، ثمّ انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرّجل الّذي كان أسلفه ينظر لعلّ مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة الّتي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلمّا نشرها وجد المال والصّحيفة، ثمّ قدم الّذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الّذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟ قال: أخبرك أنّي لم أجد مركبا قبل الّذي جئت فيه. قال: فإنّ الله قد أدّى عنك الّذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدّينار راشدا» ) * «٢» . ٩-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّه قال لعبد الله بن أبي صعصعة: إنّي أراك تحبّ الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك- أو باديتك- فأذّنت بالصّلاة فارفع صوتك بالنّداء، فإنّه لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ ولا إنس ولا شيء إلّا شهد له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ » ) * «٣» . ١٠-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال: «ائتوني بأعلم رجلين منكم» فأتوه بابني صوريا. فنشدهما كيف تجدان أمر هذين في التّوراة؟ قالا: نجد في التّوراة إذا شهد أربعة أنّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما، قال: «فما يمنعكما أن ترجموهما؟» قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشّهود، فجاءوا بأربعة فشهدوا أنّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة. فأمر رسول الله ﷺ برجمهما) * «٤» . ١١-* (عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصّامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم في هذا الحيّ من الأنصار، قبل أن يهلكوا. فكان أوّل من لقينا

стр. 1184

أبا اليسر «١» ، صاحب رسول الله ﷺ . ومعه غلام له معه ضمامة من صحف «٢» وعلى أبي اليسر بردة «٣» ومعافريّ «٤» ، وعلى غلامه بردة ومعافريّ، فقال له أبي: يا عمّ، إنّي أرى في وجهك سفعة من غضب «٥» . قال: أجل. كان لي على فلان ابن فلان الحراميّ مال. فأتيت أهله فسلّمت. فقلت: ثمّ هو؟ قالوا: لا. فخرج عليّ ابن له جفر» فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك فدخل أريكة أمّي «٧» . فقلت: اخرج إليّ. فقد علمت أين أنت، فخرج. فقلت: ما حملك على أن اختبأت منّي؟ قال: أنا، والله أحدّثك. ثمّ لا أكذبك، خشيت، والله أن أحدّثك فأكذبك. وأن أعدك فأخلفك. وكنت صاحب رسول الله ﷺ . وكنت والله معسرا. قال: قلت: آلله! قال: آلله «٨» !. قلت: آلله! قال: آلله. قلت: آلله! قال: آلله. قال فأتى بصحيفته فمحاها بيده. فقال: إن وجدت قضاء فاقضني، وإلّا أنت في حلّ. فأشهد، بصر عينيّ هاتين «٩» (ووضع إصبعيه على عينيه) ، وسمع أذنيّ هاتين «١٠» ، ووعاه قلبي هذا (وأشار إلى مناط قلبه «١١» ) رسول الله ﷺ وهو يقول: «من أنظر معسرا، أو وضع عنه، أظلّه الله في ظلّه» ) * «١٢» . ١٢-* (عن أبي قتادة- ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حنين. فلمّا التقينا

стр. 1185

كانت للمسلمين جولة «١» قال: فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين «٢» . فاستدرت إليه حتّى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه «٣» . وأقبل عليّ فضمّني ضمّة وجدت منها ريح الموت «٤» ، ثمّ أدركه الموت فأرسلني. فلحقت عمر بن الخطّاب فقال: ما للنّاس؟ فقلت: أمر الله. ثمّ إنّ النّاس رجعوا. وجلس رسول الله ﷺ فقال: «من قتل قتيلا له عليه بيّنة «٥» فله سلبه «٦» » قال: فقمت، فقلت: من يشهد لي «٧» ؟ ثمّ جلست. ثمّ قال مثل ذلك. فقال: فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثمّ جلست. ثمّ قال ذلك الثّالثة فقمت. فقال رسول الله ﷺ : «مالك يا أبا قتادة» ؟ فقصصت عليه القصّة، فقال: رجل من القوم: صدق يا رسول الله! سلب ذلك القتيل عندي. فأرضه من حقّه، وقال أبو بكر الصّدّيق: لاها الله إذا «٨» لا يعمد «٩» إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله ﷺ فيعطيك سلبه. فقال رسول الله ﷺ : «صدق «١٠» فأعطه إيّاه» فأعطاني، قال: فبعت الدّرع فابتعت به مخرفا «١١» في بني سلمة. فإنّه لأوّل مال تأثّلته «١٢» في الإسلام. وفي حديث اللّيث فقال أبو بكر الصّدّيق: كلّا، لا يعطيه

стр. 1186

أضيبع من قريش ويدع أسدا من أسد الله. وفي حديث اللّيث: لأوّل مال تأثّلته) * «١» . ١٣-* (عن سعيد بن جبير- ﵁ قال: سئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب أيفرّق بينهما؟ قال: فما دريت ما أقول: فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكّة. فقلت للغلام: استأذن لي، قال: إنّه قائل «٢» ، فسمع صوتي. قال: ابن جبير؟ قلت: نعم. قال: ادخل. فوالله! ما جاء بك هذه السّاعة، إلّا حاجة. فدخلت. فإذا هو مفترش برذعة متوسّد وسادة حشوها ليف، قلت: أبا عبد الرّحمن! المتلاعنان، أيفرّق بينهما؟ قال: سبحان الله! نعم. إنّ أوّل من سأل عن ذلك فلان ابن فلان، قال: يا رسول الله! أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلّم تكلّم بأمر عظيم. وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النّبيّ ﷺ فلم يحبه، فلمّا كان بعد ذلك أتاه فقال: إنّ الّذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله- هؤلاء الآيات في سورة النّور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ (النور/ ٦- ٩) فتلاهنّ عليه ووعظه وذكّره، وأخبره أنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا، والّذي بعثك بالحقّ ما كذبت عليها، ثمّ دعاها فوعظها وذكّرها وأخبرها أنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة قالت: لا والّذي بعثك بالحقّ إنّه لكاذب. فبدأ بالرّجل فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصّادقين. والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثمّ ثنّى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنّه لمن الكاذبين. والخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصّادقين. ثمّ فرّق بينهما) * «٣» . ١٤-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقبل أعرابيّ، فلمّا دنا منه قال له رسول الله ﷺ : «أين تريد؟» قال: إلى أهلي، قال: «هل لك في خير؟» قال: وما هو؟ قال: «تشهد أنّ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله» قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: «هذه السّلمة» «٤» فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطيء الوادي، فأقبلت تخدّ الأرض خدّا حتّى قامت بين يديه، فأشهدها فشهدت ثلاثا أنّه كما قال، ثمّ رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابيّ إلى قومه. وقال: إن اتّبعوني أتيتك بهم، وإلّا رجعت مكثت معك) * «٥» . ١٥-* (عن أنس بن مالك- ﵁ يقول: مرّوا بجنازة فأثنوا عليها خيرا، فقال النّبيّ ﷺ : «وجبت» ، ثمّ مرّوا بأخرى فأثنوا عليها

стр. 1187

شرّا. فقال: «وجبت» . فقال عمر بن الخطّاب- ﵁: ما وجبت؟. قال: «هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنّة، وهذا أثنيتم عليه شرّا فوجبت له النّار، أنتم شهداء الله في الأرض» ) * «١» ١٦-* (عن أبي وائل قال: قال عبد الله- ﵁: من حلف على يمين يستحقّ بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، ثمّ أنزل الله تصديق ذلك: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا- فقرأ إلى- عَذابٌ أَلِيمٌ (آل عمران/ ٧٧) . ثمّ إنّ الأشعث بن قيس خرج إلينا فقال: ما يحدّثكم أبو عبد الرّحمن؟ قال: فحدّثناه، قال: فقال: صدق، لفيّ نزلت، كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «شاهداك أو يمينه» ، قلت: إنّه إذن يحلف ولا يبالي، فقال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين يستحقّ بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان» ، ثمّ أنزل الله تصديق ذلك، ثمّ اقترأ هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا إلى وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» ) * «٢» . ١٧-* (عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ : «من وجد لقطة فليشهد ذا عدل- أو ذوي عدل- ولا يكتم ولا يغيّب، فإن وجد صاحبها فليردّها عليه، وإلّا فهو مال الله- يؤتيه من يشاء» ) * «٣» . ١٨-* (عن زيد بن ثابت- ﵁ قال: نسخت الصّحف في المصاحف ففقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فلم أجدها إلّا مع خزيمة بن ثابت الأنصاريّ الّذي جعل رسول الله ﷺ شهادته شهادة رجلين، وهو قوله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ (الأحزاب/ ٢٣) » ) * «٤» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه أقبل يريد الإسلام- ومعه غلامه- ضلّ كلّ واحد منهما من صاحبه، فأقبل بعد ذلك وأبو هريرة جالس مع النّبيّ ﷺ فقال النّبيّ ﷺ : «يا أبا هريرة هذا غلامك قد أتاك» ، فقال: أما إنّي أشهدك أنّه حرّ. قال فهو حين يقول: يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنّها من دارة الكفر نجّت) * «٥» . ٢٠-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ سعد بن عبادة- ﵁ توفّيت أمّه وهو غائب عنها فقال: يا رسول الله إنّ أمّي توفّيت، وأنا غائب عنها، أينفعها شيء إن تصدّقت به عنها؟ قال: «نعم» . قال: فإنّي أشهدك أنّ حائطي «٦» صدقة

стр. 1188

عليها» ) * «١» . ٢١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قالوا يا رسول الله! هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ قال: «هل تضارّون في رؤية الشّمس في الظّهيرة، ليست في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟» قالوا: لا. قال: «فوالّذي نفسي بيده لا تضارّون في رؤية ربّكم إلّا كما تضارّون في رؤية أحدهما. قال: «فيلقى العبد فيقول: أي فل «٢» ألم أكرمك، وأسوّدك» ، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس «٤» وتربع «٥» ؟ فيقول: بلى. قال: فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني «٦» . ثمّ يلقى الثّاني فيقول: أي فل، ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي ربّ. قال: فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثمّ يلقى الثّالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا ربّ! آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصلّيت وصمت وتصدّقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول ههنا إذا «٧» قال: ثمّ يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكّر في نفسه: من ذا الّذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر «٨» من نفسه. وذلك المنافق. وذلك الّذي يسخط الله عليه» ) * «٩» . ٢٢-* (عن أبي سعيد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح وأمّته، فيقول الله تعالى: هل بلّغت؟ فيقول: نعم أي ربّ. فيقول لأمّته هل بلّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاءنا من نبيّ، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد ﷺ وأمّته، فنشهد أنّه قد بلّغ وهو قوله جلّ ذكره (البقرة/ ١٤٣) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ» ) *. والوسط العدل «١٠» .

стр. 1189

الأحاديث الواردة في (إقامة الشهادة) معنى ٢٣-* (عن عقبة بن الحارث أنّه تزوّج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: قد أرضعت عقبة والّتي تزوّج. فقال لها عقبة: ما أعلم أنّك أرضعتني، ولا أخبرتني، فأرسل إلى آل أبي إهاب يسألهم فقالوا: ما علمناها أرضعت صاحبتنا. فركب إلى النّبيّ ﷺ بالمدينة فسأله، قال رسول الله ﷺ : «كيف وقد قيل» ففارقها، ونكحت زوجا غيره» ) * «١» . ٢٤-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: تراءى النّاس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أنّي رأيته فصامه وأمر النّاس بصيامه» ) * «٢» . من الآثار الواردة في (إقامة الشهادة) ١-* (عن المسور بن مخرمة قال: استشار عمر ابن الخطّاب النّاس في ملاص المرأة «٣» قال المغيرة بن شعبة: شهدت النّبيّ ﷺ قضى فيه بغرّة: عبد أو أمة. قال فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال: فشهد له محمّد بن مسلمة» ) * «٤» . ٢-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: لمّا ولي عمر بن الخطّاب، خطب النّاس، فقال: إنّ رسول الله ﷺ أذن لنا في المتعة ثلاثا، ثمّ حرّمها. والله لا أعلم أحدا يتمتّع وهو محصن إلّا رجمته بالحجارة. إلّا أن يأتيني بأربعة يشهدون أنّ رسول الله ﷺ أحلّها بعد إذ حرّمها» ) * «٥» . ٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: شهد عندي رجال مرضيّون- وأرضاهم عندي عمر- أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن الصّلاة بعد الصّبح، حتّى تشرق الشّمس وبعد العصر حتّى تغرب» ) * «٦» . ٤-* (عن حصين بن المنذر أبي ساسان.

стр. 1190

قال: شهدت عثمان بن عفّان وأتي بالوليد «١» قد صلّى الصّبح ركعتين. ثمّ قال أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان:- أحدهما حمران- أنّه شرب الخمر. وشهد آخر أنّه رآه يتقيّأ. فقال: عثمان: إنّه لم يتقيّأ حتّى شربها. فقال: يا عليّ قم فاجلده. فقال عليّ: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: ولّ حارّها من تولّى قارّها «٢» فكأنّه وجد عليه «٣» فقال: يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده. وعليّ يعدّ. حتّى بلغ أربعين. فقال: أمسك، ثمّ قال: جلد النّبيّ ﷺ أربعين. وجلد أبو بكر أربعين. وعمر ثمانين. وكلّ سنّة، وهذا أحبّ إليّ» ) * «٤» . ٥-* (عن سفيان قال: سمعت عمرا قال: كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدّثهما بجالة سنة سبعين- عام حجّ مصعب بن الزّبير بأهل البصرة- عند درج زمزم قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عمّ الأحنف، فأتانا كتاب عمر ابن الخطّاب قبل موته بسنة: فرّقوا بين كلّ ذي محرم من المجوس. ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس. حتّى شهد عبد الرّحمن بن عوف أنّ رسول الله ﷺ أخذها من مجوس هجر» ) * «٥» . ٦-* (عن جابر قال: سرنا مع رسول الله ﷺ ، وكان قوت كلّ رجل منّا في كلّ يوم تمرة فكان يمصّها، ثمّ يصرّها في ثوبه، وكنّا نختبط بقسيّنا «٦» ونأكل. حتّى قرحت أشداقنا «٧» فأقسم أخطئها «٨» رجل منّا يوما، فانطلقنا به ننعشه «٩» فشهدنا أنّه لم يعطها، فأعطيها، فقام فأخذها» ) * «١٠» .

стр. 1191

٧-* (عن حسين بن الحارث الجدليّ- من جديلة قيس- أنّ أمير مكّة خطب، ثمّ قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ ، أن ننسك للرّؤية، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، فسألت الحسين بن الحارث: من أمير مكّة؟ قال: لا أدري ثمّ لقيني بعد فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمّد بن حاطب، ثمّ قال الأمير: إنّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منّي، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إلى رجل. قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الّذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق، وكان أعلم بالله منه. فقال: بذلك أمرنا رسول الله ﷺ » ) * «١» . ٨-* (قال شريح القاضي، وسأله إنسان الشّهادة، فقال: ائت الأمير حتّى أشهد لك. وقال عكرمة: قال عمر لعبد الرّحمن بن عوف: لو رأيت رجلا على حدّ- زنا أو سرقة- وأنت أمير، فقال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين، قال: صدقت. وقال عمر: لولا أن يقول النّاس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرّجم بيدي، وأقرّ ماعز عند النّبيّ ﷺ بالزّنا أربعا فأمر برجمه، ولم يذكر أنّ النّبيّ ﷺ أشهد من حضره، وقال حمّاد: إذا أقرّ مرّة عند الحاكم رجم، وقال: الحكم أربعا» ) * «٢» . من فوائد (إقامة الشهادة) ١- إقامة الشّهادة مرضاة للرّبّ ومسخطة للشّيطان. ٢- إقامة للعدل ودفع للظّلم. ٣- تعين على أداء الحقوق إلى أهلها. ٤- كتم الشّهّادة إثم عظيم وشرّ مستطير. ٥- العدل مبنيّ على إقامة الشّهادة بالحقّ، وبالعدل تقوى الأمم. ٦- شهادة الحقّ مطلوبة في كلّ المعاملات والعبادات والعلاقات. ٧- المسلم الّذي يؤدّي الشّهادة على وجهها يطمئنّ قلبه ويرضي ربّه. ٨- إقامة الشّهادة علامة الجرأة ودليل القوّة في الدّين. ٩- إقامة الشّهادة لله من ثمار اليقين. ١٠- طاعة لأوامر الله سبحانه.

стр. 1192

أكل الطيبات أكل الطيبات لغة: الأكل معروف وهو ما يطعمه الإنسان من صنوف الأغذية وغيرها. والطّيّب خلاف الخبيث، قال ابن سيدة: طاب الشّيء طيبا وطابا: لذّ وزكا. وطاب الشّيء أيضا يطيب طيبا وطيبة وتطيابا، وطعام طيّب للّذي يستلذّ الآكل طعمه. وقد تكرّر في الحديث ذكر الطّيّب والطّيّبات، وأكثر ما يرد بمعنى الحلال. ويقال أرض طيّبة للّتي تصلح للنّبات، وريح طيّبة إذا كانت ليست بشديدة، وطعمة طيّبة إذا كانت حلالا، وامرأة طيّبة إذا كانت حصانا «١» عفيفة، ومنه قوله تعالى: الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ (النور/ ٢٦) وكلمة طيّبة إذا لم يكن فيها مكروه، والكلمة الطّيّبة: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله. وليلة طيّبة أي آمنة كثيرة الخير، ومنه قوله تعالى بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (سبأ/ ١٥) «٢» . واصطلاحا: قال الكفويّ: الطّيّب: ما أفتاك قلبك أن ليس فيه جناح، وقيل: الطّيّب ما يستلذّ من المباح. وقيل: الطّيّب ما لا يعصى الله في كسبه ولا يتأذّى حيوان الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٧/ ٩/ ٨ بفعله. وقال الرّاغب: «وأصل الطّيّب ما تستلذّه الحواسّ وما تستلذّه النّفس، والطّعام الطّيّب في الشّرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز ومن المكان الّذي يجوز» «٣» . الطيب من كل شيء مختار الله: قال ابن القيّم ﵀: «اختار الله- من كلّ جنس من أجناس المخلوقات أطيبه، واختصّه لنفسه وارتضاه دون غيره، فإنّه تعالى طيّب لا يحبّ إلّا الطّيّب، ولا يقبل من العمل والكلام والصّدقة إلّا الطّيّب، فالطّيّب من كلّ شيء هو مختاره تعالى. من سمات الطيبين أكل الطيبات: وأمّا خلقه تعالى، فعامّ للنّوعين، وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته، فإنّ الطّيّب لا يناسبه إلّا الطّيّب، ولا يرضى إلّا به، ولا يسكن إلّا إليه، ولا يطمئن قلبه إلّا به. فله من الكلام الكلم الطّيّب الّذي لا يصعد إلى الله- تعالى- إلّا هو، وهو أشدّ شيء نفرة «٤» عن الفحش في المقال، والتّفحّش في اللّسان والبذاء «٥» ، والكذب والغيبة،

стр. 1193

والنّميمة والبهت «١» ، وقول الزّور، وكلّ كلام خبيث. وكذلك لا يألف من الأعمال إلّا أطيبها، وهي الأعمال الّتي اجتمعت على حسنها الفطر السّليمة مع الشّرائع النّبويّة، وزكّتها العقول الصّحيحة، فاتّفق على حسنها الشّرع والعقل والفطرة، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبّب إليه جهده وطاقته، ويحسن إلى خلقه ما استطاع، فيفعل بهم ما يحبّ أن يفعلوا به، ويعاملوه به، ويدعهم ممّا يحبّ أن يدعوه منه، وينصحهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحبّ أن يحكم له به، ويحمل أذاهم ولا يحمّلهم أذاه، ويكفّ عن أعراضهم، ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسنا أذاعه، وإذا رأى لهم سيّئا كتمه، ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا يبطل شريعة، ولا يناقض لله أمرا ولا نهيا. وله أيضا من الأخلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم، والوقار، والسّكينة، والرّحمة، والصّبر، والوفاء، وسهولة الجانب، ولين العريكة» ، والصّدق، وسلامة الصّدر من الغلّ والغشّ والحقد والحسد، والتّواضع، وخفض الجناح لأهل الإيمان، والعزّة والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلّله لغير الله، والعفّة، والشّجاعة، والسّخاء، والمروءة، وكلّ خلق اتّفقت على حسنه الشّرائع والفطر والعقول. وكذلك لا يختار من المطاعم إلّا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الّذي يغذّي البدن والرّوح أحسن تغذية، مع سلامة العبد من تبعته. وكذلك لا يختار من المناكح إلّا أطيبها وأزكاها، ومن الرّائحة إلّا أطيبها وأزكاها، ومن الأصحاب والعشراء إلّا الطّيّبين منهم، فروحه طيّب، وبدنه طيّب، وخلقه طيّب، وعمله طيّب، وكلامه طيّب، ومطعمه طيّب، ومشربه طيّب، وملبسه طيّب، ومنكحه طيّب، ومدخله طيّب، ومخرجه طيّب، ومنقلبه طيّب، ومثواه «٣» كلّه طيّب. فهذا ممّن قال الله تعالى فيه: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (النحل/ ٣٢) ومن الّذين يقول لهم خزنة الجنّة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (الزمر/ ٧٣) وهذه الفاء تقتضي السّببيّة، أي: بسبب طيبكم ادخلوها. وقال تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ (النور/ ٢٦) وقد فسّرت الآية بأنّ الكلمات الخبيثات للخبيثين، والكلمات الطّيّبات للطّيّبين، وفسّرت بأنّ النّساء الطّيّبات للرّجال الطّيّبين، والنّساء الخبيثات للرّجال الخبيثين. وهي تعمّ ذلك وغيره، فالكلمات، والأعمال، والنّساء الطّيّبات لمناسبها من الطّيّبين، والكلمات، والأعمال، والنّساء الخبيثات لمناسبها من الخبيثين، فالله- جعل الطّيّب

стр. 1194

بحذافيره في الجنّة، وجعل الخبيث بحذافيره في النّار، فجعل الدّور ثلاثة: دارا أخلصت للطّيّبين، وهي حرام على غير الطّيّبين، وقد جمعت كلّ طيّب وهي الجنّة، ودارا أخلصت للخبيث والخبائث، ولا يدخلها إلّا الخبيثون وهي النّار، ودارا امتزج فيها الطّيّب والخبيث وخلط بينهما، وهي هذه الدّار، ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، وذلك بموجب الحكمة الإلهيّة، فإذا كان يوم معاد الخليقة، ميّز الله الخبيث منالطّيّب، فجعل الطّيّب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنّة وهي دار الطّيّبين، والنّار، وهي دار الخبيثين، وأنشأ الله تعالى من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم فجعل طيّبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذّاتهم، أنشأ لهم منها أكمل أسباب النّعيم والسّرور، وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم، فأنشأ لهم منها أعظم أسباب العقاب والآلام، حكمة بالغة، وعزّة باهرة قاهرة، ليري عباده كمال ربوبيّته، وكمال حكمته وعلمه وعدله ورحمته، وليعلم أعداؤه أنّهم كانوا هم المفترين الكذّابين، لا رسله البررة الصّادقون. قال الله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (النحل/ ٣٨- ٣٩) والمقصود أنّ الله- جعل للسّعادة والشّقاوة عنوانا يعرفان به، فالسّعيد الطّيّب لا يليق به إلّا طيّب، ولا يأتي إلّا طيّبا ولا يصدر منه إلّا طيّب، ولا يلابس إلّا طيّبا، والشّقيّ الخبيث لا يليق به إلّا الخبيث، ولا يأتي إلّا خبيثا، ولا يصدر منه إلّا الخبيث، فالخبيث يتفجّر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه، والطّيّب يتفجّر من قلبه الطّيب على لسانه وجوارحه. وقد يكون في الشّخص مادّتان، فأيّهما غلب عليه كان من أهلها فإن أراد الله به خيرا طهّره من المادّة الخبيثة قبل الموافاة. فيوافيه يوم القيامة مطهّرا، فلا يحتاج إلى تطهيره بالنّار، فيطّهّر منها بما يوفّقه له من التّوبة النّصوح، والحسنات الماحية، والمصائب المكفّرة، حتّى يلقى الله وما عليه خطيئة، ويمسك عن الآخر موادّ التّطهير، فيلقاه يوم القيامة بمادّة خبيثة، ومادّة طيّبة وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه، فيدخله النّار طهرة له وتصفية وسبكا، فإذا خلصت سبيكة إيمانه من الخبث، صلح حينئذ لجواره، ومساكنة الطّيّبين من عباده. وإقامة هذا النّوع من النّاس في النّار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها، فأسرعهم زوالا وتطهيرا أسرعهم خروجا، وأبطؤهم أبطؤهم خروجا، جزاء وفاقا، وما ربّك بظلّام للعبيد. ولمّا كان المشرك خبيث العنصر، خبيث الذّات، لم تطهّر النّار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثا كما كان كالكلب إذا دخل البحر، ثمّ خرج منه، فلذلك حرّم- الله تعالى- على المشرك الجنّة. ولمّا كان المؤمن الطّيّب المطيّب مبرّءا من

стр. 1195

الخبائث، كانت النّار حراما عليه؛ إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها، فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب، وشهدت فطر عباده وعقولهم بأنّه أحكم الحاكمين، وربّ العالمين، لا إله إلّا هو «١» . الفرق بين الطيب والحلال: قال الكفويّ: الحلال: ما أفتاك المفتي أنّه حلال. والطّيّب: ما أفتاك قلبك أن ليس فيه جناح. وقيل: الحلال: مالا يعصى الله فيه، والطّيّب ما يستلذّ من المباح «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الصلاح- الطاعة- القناعة- مجاهدة النفس- محاسبة النفس المراقبة- العفة- النزاهة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: أكل الحرام- اتباع الهوى- التطفيف- الربا- الغلول- السرقة الغش] .
следующие страницы →