← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

٧-* (عن حسين بن الحارث الجدليّ- من جديلة قيس- أنّ أمير مكّة خطب، ثمّ قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ ، أن ننسك للرّؤية، فإن لم نره، وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، فسألت الحسين بن الحارث: من أمير مكّة؟ قال: لا أدري ثمّ لقيني بعد فقال: هو الحارث بن حاطب، أخو محمّد بن حاطب، ثمّ قال الأمير: إنّ فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منّي، وشهد هذا من رسول الله ﷺ ، وأومأ بيده إلى رجل. قال الحسين: فقلت لشيخ إلى جنبي: من هذا الّذي أومأ إليه الأمير؟ قال: هذا عبد الله بن عمر، وصدق، وكان أعلم بالله منه. فقال: بذلك أمرنا رسول الله ﷺ » ) * «١» . ٨-* (قال شريح القاضي، وسأله إنسان الشّهادة، فقال: ائت الأمير حتّى أشهد لك. وقال عكرمة: قال عمر لعبد الرّحمن بن عوف: لو رأيت رجلا على حدّ- زنا أو سرقة- وأنت أمير، فقال: شهادتك شهادة رجل من المسلمين، قال: صدقت. وقال عمر: لولا أن يقول النّاس زاد عمر في كتاب الله لكتبت آية الرّجم بيدي، وأقرّ ماعز عند النّبيّ ﷺ بالزّنا أربعا فأمر برجمه، ولم يذكر أنّ النّبيّ ﷺ أشهد من حضره، وقال حمّاد: إذا أقرّ مرّة عند الحاكم رجم، وقال: الحكم أربعا» ) * «٢» . من فوائد (إقامة الشهادة) ١- إقامة الشّهادة مرضاة للرّبّ ومسخطة للشّيطان. ٢- إقامة للعدل ودفع للظّلم. ٣- تعين على أداء الحقوق إلى أهلها. ٤- كتم الشّهّادة إثم عظيم وشرّ مستطير. ٥- العدل مبنيّ على إقامة الشّهادة بالحقّ، وبالعدل تقوى الأمم. ٦- شهادة الحقّ مطلوبة في كلّ المعاملات والعبادات والعلاقات. ٧- المسلم الّذي يؤدّي الشّهادة على وجهها يطمئنّ قلبه ويرضي ربّه. ٨- إقامة الشّهادة علامة الجرأة ودليل القوّة في الدّين. ٩- إقامة الشّهادة لله من ثمار اليقين. ١٠- طاعة لأوامر الله سبحانه.

стр. 1192

أكل الطيبات أكل الطيبات لغة: الأكل معروف وهو ما يطعمه الإنسان من صنوف الأغذية وغيرها. والطّيّب خلاف الخبيث، قال ابن سيدة: طاب الشّيء طيبا وطابا: لذّ وزكا. وطاب الشّيء أيضا يطيب طيبا وطيبة وتطيابا، وطعام طيّب للّذي يستلذّ الآكل طعمه. وقد تكرّر في الحديث ذكر الطّيّب والطّيّبات، وأكثر ما يرد بمعنى الحلال. ويقال أرض طيّبة للّتي تصلح للنّبات، وريح طيّبة إذا كانت ليست بشديدة، وطعمة طيّبة إذا كانت حلالا، وامرأة طيّبة إذا كانت حصانا «١» عفيفة، ومنه قوله تعالى: الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ (النور/ ٢٦) وكلمة طيّبة إذا لم يكن فيها مكروه، والكلمة الطّيّبة: شهادة أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله. وليلة طيّبة أي آمنة كثيرة الخير، ومنه قوله تعالى بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (سبأ/ ١٥) «٢» . واصطلاحا: قال الكفويّ: الطّيّب: ما أفتاك قلبك أن ليس فيه جناح، وقيل: الطّيّب ما يستلذّ من المباح. وقيل: الطّيّب ما لا يعصى الله في كسبه ولا يتأذّى حيوان الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٧/ ٩/ ٨ بفعله. وقال الرّاغب: «وأصل الطّيّب ما تستلذّه الحواسّ وما تستلذّه النّفس، والطّعام الطّيّب في الشّرع ما كان متناولا من حيث ما يجوز وبقدر ما يجوز ومن المكان الّذي يجوز» «٣» . الطيب من كل شيء مختار الله: قال ابن القيّم ﵀: «اختار الله- من كلّ جنس من أجناس المخلوقات أطيبه، واختصّه لنفسه وارتضاه دون غيره، فإنّه تعالى طيّب لا يحبّ إلّا الطّيّب، ولا يقبل من العمل والكلام والصّدقة إلّا الطّيّب، فالطّيّب من كلّ شيء هو مختاره تعالى. من سمات الطيبين أكل الطيبات: وأمّا خلقه تعالى، فعامّ للنّوعين، وبهذا يعلم عنوان سعادة العبد وشقاوته، فإنّ الطّيّب لا يناسبه إلّا الطّيّب، ولا يرضى إلّا به، ولا يسكن إلّا إليه، ولا يطمئن قلبه إلّا به. فله من الكلام الكلم الطّيّب الّذي لا يصعد إلى الله- تعالى- إلّا هو، وهو أشدّ شيء نفرة «٤» عن الفحش في المقال، والتّفحّش في اللّسان والبذاء «٥» ، والكذب والغيبة،

стр. 1193

والنّميمة والبهت «١» ، وقول الزّور، وكلّ كلام خبيث. وكذلك لا يألف من الأعمال إلّا أطيبها، وهي الأعمال الّتي اجتمعت على حسنها الفطر السّليمة مع الشّرائع النّبويّة، وزكّتها العقول الصّحيحة، فاتّفق على حسنها الشّرع والعقل والفطرة، مثل أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا، ويؤثر مرضاته على هواه، ويتحبّب إليه جهده وطاقته، ويحسن إلى خلقه ما استطاع، فيفعل بهم ما يحبّ أن يفعلوا به، ويعاملوه به، ويدعهم ممّا يحبّ أن يدعوه منه، وينصحهم بما ينصح به نفسه، ويحكم لهم بما يحبّ أن يحكم له به، ويحمل أذاهم ولا يحمّلهم أذاه، ويكفّ عن أعراضهم، ولا يقابلهم بما نالوا من عرضه، وإذا رأى لهم حسنا أذاعه، وإذا رأى لهم سيّئا كتمه، ويقيم أعذارهم ما استطاع فيما لا يبطل شريعة، ولا يناقض لله أمرا ولا نهيا. وله أيضا من الأخلاق أطيبها وأزكاها، كالحلم، والوقار، والسّكينة، والرّحمة، والصّبر، والوفاء، وسهولة الجانب، ولين العريكة» ، والصّدق، وسلامة الصّدر من الغلّ والغشّ والحقد والحسد، والتّواضع، وخفض الجناح لأهل الإيمان، والعزّة والغلظة على أعداء الله، وصيانة الوجه عن بذله وتذلّله لغير الله، والعفّة، والشّجاعة، والسّخاء، والمروءة، وكلّ خلق اتّفقت على حسنه الشّرائع والفطر والعقول. وكذلك لا يختار من المطاعم إلّا أطيبها، وهو الحلال الهنيء المريء الّذي يغذّي البدن والرّوح أحسن تغذية، مع سلامة العبد من تبعته. وكذلك لا يختار من المناكح إلّا أطيبها وأزكاها، ومن الرّائحة إلّا أطيبها وأزكاها، ومن الأصحاب والعشراء إلّا الطّيّبين منهم، فروحه طيّب، وبدنه طيّب، وخلقه طيّب، وعمله طيّب، وكلامه طيّب، ومطعمه طيّب، ومشربه طيّب، وملبسه طيّب، ومنكحه طيّب، ومدخله طيّب، ومخرجه طيّب، ومنقلبه طيّب، ومثواه «٣» كلّه طيّب. فهذا ممّن قال الله تعالى فيه: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (النحل/ ٣٢) ومن الّذين يقول لهم خزنة الجنّة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (الزمر/ ٧٣) وهذه الفاء تقتضي السّببيّة، أي: بسبب طيبكم ادخلوها. وقال تعالى: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ (النور/ ٢٦) وقد فسّرت الآية بأنّ الكلمات الخبيثات للخبيثين، والكلمات الطّيّبات للطّيّبين، وفسّرت بأنّ النّساء الطّيّبات للرّجال الطّيّبين، والنّساء الخبيثات للرّجال الخبيثين. وهي تعمّ ذلك وغيره، فالكلمات، والأعمال، والنّساء الطّيّبات لمناسبها من الطّيّبين، والكلمات، والأعمال، والنّساء الخبيثات لمناسبها من الخبيثين، فالله- جعل الطّيّب

стр. 1194

بحذافيره في الجنّة، وجعل الخبيث بحذافيره في النّار، فجعل الدّور ثلاثة: دارا أخلصت للطّيّبين، وهي حرام على غير الطّيّبين، وقد جمعت كلّ طيّب وهي الجنّة، ودارا أخلصت للخبيث والخبائث، ولا يدخلها إلّا الخبيثون وهي النّار، ودارا امتزج فيها الطّيّب والخبيث وخلط بينهما، وهي هذه الدّار، ولهذا وقع الابتلاء والمحنة بسبب هذا الامتزاج والاختلاط، وذلك بموجب الحكمة الإلهيّة، فإذا كان يوم معاد الخليقة، ميّز الله الخبيث منالطّيّب، فجعل الطّيّب وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، وجعل الخبيث وأهله في دار على حدة لا يخالطهم غيرهم، فعاد الأمر إلى دارين فقط: الجنّة وهي دار الطّيّبين، والنّار، وهي دار الخبيثين، وأنشأ الله تعالى من أعمال الفريقين ثوابهم وعقابهم فجعل طيّبات أقوال هؤلاء وأعمالهم وأخلاقهم هي عين نعيمهم ولذّاتهم، أنشأ لهم منها أكمل أسباب النّعيم والسّرور، وجعل خبيثات أقوال الآخرين وأعمالهم وأخلاقهم هي عين عذابهم وآلامهم، فأنشأ لهم منها أعظم أسباب العقاب والآلام، حكمة بالغة، وعزّة باهرة قاهرة، ليري عباده كمال ربوبيّته، وكمال حكمته وعلمه وعدله ورحمته، وليعلم أعداؤه أنّهم كانوا هم المفترين الكذّابين، لا رسله البررة الصّادقون. قال الله تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ* لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (النحل/ ٣٨- ٣٩) والمقصود أنّ الله- جعل للسّعادة والشّقاوة عنوانا يعرفان به، فالسّعيد الطّيّب لا يليق به إلّا طيّب، ولا يأتي إلّا طيّبا ولا يصدر منه إلّا طيّب، ولا يلابس إلّا طيّبا، والشّقيّ الخبيث لا يليق به إلّا الخبيث، ولا يأتي إلّا خبيثا، ولا يصدر منه إلّا الخبيث، فالخبيث يتفجّر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه، والطّيّب يتفجّر من قلبه الطّيب على لسانه وجوارحه. وقد يكون في الشّخص مادّتان، فأيّهما غلب عليه كان من أهلها فإن أراد الله به خيرا طهّره من المادّة الخبيثة قبل الموافاة. فيوافيه يوم القيامة مطهّرا، فلا يحتاج إلى تطهيره بالنّار، فيطّهّر منها بما يوفّقه له من التّوبة النّصوح، والحسنات الماحية، والمصائب المكفّرة، حتّى يلقى الله وما عليه خطيئة، ويمسك عن الآخر موادّ التّطهير، فيلقاه يوم القيامة بمادّة خبيثة، ومادّة طيّبة وحكمته تعالى تأبى أن يجاوره أحد في داره بخبائثه، فيدخله النّار طهرة له وتصفية وسبكا، فإذا خلصت سبيكة إيمانه من الخبث، صلح حينئذ لجواره، ومساكنة الطّيّبين من عباده. وإقامة هذا النّوع من النّاس في النّار على حسب سرعة زوال تلك الخبائث منهم وبطئها، فأسرعهم زوالا وتطهيرا أسرعهم خروجا، وأبطؤهم أبطؤهم خروجا، جزاء وفاقا، وما ربّك بظلّام للعبيد. ولمّا كان المشرك خبيث العنصر، خبيث الذّات، لم تطهّر النّار خبثه، بل لو خرج منها لعاد خبيثا كما كان كالكلب إذا دخل البحر، ثمّ خرج منه، فلذلك حرّم- الله تعالى- على المشرك الجنّة. ولمّا كان المؤمن الطّيّب المطيّب مبرّءا من

стр. 1195

الخبائث، كانت النّار حراما عليه؛ إذ ليس فيه ما يقتضي تطهيره بها، فسبحان من بهرت حكمته العقول والألباب، وشهدت فطر عباده وعقولهم بأنّه أحكم الحاكمين، وربّ العالمين، لا إله إلّا هو «١» . الفرق بين الطيب والحلال: قال الكفويّ: الحلال: ما أفتاك المفتي أنّه حلال. والطّيّب: ما أفتاك قلبك أن ليس فيه جناح. وقيل: الحلال: مالا يعصى الله فيه، والطّيّب ما يستلذّ من المباح «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الصلاح- الطاعة- القناعة- مجاهدة النفس- محاسبة النفس المراقبة- العفة- النزاهة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: أكل الحرام- اتباع الهوى- التطفيف- الربا- الغلول- السرقة الغش] .

стр. 1196

الآيات الواردة في «أكل الطيبات» لا بد أن يكون المأكل طيبا: ١- وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) «١» ٢- يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) «٢» ٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) «٣» ٤- وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠) «٤» ٥- يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) «٥» ٦- يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) «٦» لا بد أن يكون الإنفاق من الطيب: ٧- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧) «٧» الطيب هو ما أحله الله وساقه: ٨- يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ

стр. 1197

وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) «١» ٩- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) «٢» ١٠- قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) «٣» ١١- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) «٤» ١٢- وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦) «٥» ١٣- وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) «٦» ١٤- وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) «٧» ١٥-* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) «٨» ١٦- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) «٩» ١٧- وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) «١٠»

стр. 1198

الأحاديث الواردة في (أكل الطيبات) ١-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، إلّا من قال بالمال هكذا وهكذا، وكسبه من طيّب» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتصدّق أحد بتمرة من كسب طيّب، إلّا أخذها الله بيمينه، فيربّيها كما يربّي أحدكم فلوّه «٢» أو قلوصه «٣» . حتّى تكون مثل الجبل أو أعظم» ) * «٤» . ٣-* (عن المقدام بن معد يكرب الزّبيديّ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ما كسب الرّجل كسبا أطيب من عمل يده. وما أنفق الرّجل على نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة» ) * «٥» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيّها النّاس! إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (البقرة/ ١٧٢) ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر، يمدّ يديه إلى السّماء. يا ربّ. يا ربّ. ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذّي بالحرام. فأنّى يستجاب لذلك؟» ) * «٦» . ٥-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أطيب ما أكل الرّجل من كسبه، وإنّ ولده من كسبه» ) * «٧» . الأحاديث الواردة في (أكل الطيبات) معنى ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «خير الكسب كسب العامل إذا نصح «٨» » ) * «٩» . ٧-* (عن الزّبير بن العوّام- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لأن يأخذ أحدكم أحبلا فيأخذ حزمة من حطب فيبيع فيكفّ الله بها وجهه خير من أن يسأل النّاس أعطي أم منع» ) * «١٠» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال:

стр. 1199

سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدّق به ويستغني به من النّاس، خير له من أن يسأل رجلا، أعطاه أو منعه ذلك. فإنّ اليد العليا أفضل من اليد السّفلى. وابدأ بمن تعول «١» » ) *» . ٩-* (عن المقدام- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما أكل أحد طعاما قطّ خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإنّ نبيّ الله داود- ﵇ كان يأكل من عمل يده» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (أكل الطيبات) ١-* (قال أبو عبد الله الباجيّ الزّاهد: «خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله- ومعرفة الحقّ، وإخلاص العمل لله، والعمل على السّنّة، وأكل الحلال» ) * «٤» . ٢-* (قال ابن رجب الحنبليّ- ﵀ بعد قوله ﷺ : «إنّ الله- تعالى- طيّب لا يقبل إلّا طيّبا وإنّ الله- تعالى- أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ... » قال: المراد بهذا أنّ الرّسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطّيّبات الّتي هي الحلال وبالعمل الصّالح) * «٥» . ٣-* (قال ابن كثير عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً (البقرة/ ١٦٨) أباح لهم أن يأكلوا ممّا في الأرض في حال كونه حلالا من الله طيّبا أي مستطابا فى نفسه غير ضارّ للأبدان ولا للعقول) «٦» . ٤-* (وقال عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (البقرة/ ١٧٢) والأكل من الحلال سبب لتقبّل الدّعاء والعبادة، كما أنّ الأكل من الحرام يمنع قبول الدّعاء والعبادة) «٧» . ٥-* (قال الحسن البصريّ عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ (المؤمنون/ ٥١) قال: أما والله ما أمركم بأصفركم ولا أحمركم، ولا حلوكم ولا حامضكم ولكن قال: انتهوا إلى الحلال منه) * «٨» . ٦-* (وقال سعيد بن جبير والضّحّاك: كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ يعني الحلال) * «٩» . ٧-* (وقال عمرو بن شرحبيل: «كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمّه» ) * «١٠» .

стр. 1200

٨-* (عن عمر بن عبد العزيز. أنّه قال يوما: «إنّي أكلت حمّصا وعدسا فنفخنى» . فقال له بعض القوم: يا أمير المؤمنين إنّ الله يقول في كتابه: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ* فقال عمر: «هيهات ذهبت به إلى غير مذهبه. إنّما يريد به طيب الكسب ولا يريد به طيب الطّعام» ) * «١» . من فوائد (أكل الطيبات) ١- طريق موصل إلى محبّة الله وجنّته. ٢- سبب لإجابة الدّعاء. ٣- البركة في العمر، والنّماء في المال. ٤- السّعادة في الدّنيا، والفوز والنّجاة في الآخرة. ٥- يورث حلاوة المقال والفعال. ٦- البركة في الذّرّيّة من ثمار الكسبالطّيّب (أيّما عبد نبت جسمه من سحت فالنّار أولى به) . ٧- كسب الرّجل من عمل يده رفعة وكرامة.

стр. 1201

الألفة الألفة لغة: هي الاسم من الائتلاف وكلاهما مأخوذ من مادّة (أل ف) الّتي تدلّ على انضمام الشّيء إلى الشّيء، والأشياء الكثيرة أيضا، ومن ذلك الألف لأنّه اجتماع المئين، قال الخليل: ألفت الشّيء آلفه، والألفة مصدر الائتلاف، وإلفك وأليفك: الّذي تألفه، وكلّ شيء ضممت بعضه إلى بعض فقد ألّفته تأليفا، ويقال: ألف الشّيء إلفا فهو آلف، وآلفته وأنا مؤلف. قال أبو زيد: أهل الحجاز يقولون: آلفت المكان والقوم، وآلفت غيري أيضا: حملته على أن يألف، وأوالف الطّير: الّتي بمكّة وغيرها. ويقال: آلفت الطّير موضع كذا، وهنّ مؤلفات لأنّها لا تبرح «١» . ويقال للمألوف: إلف وآلف، والمؤلّف: ما جمع من أجزاء مختلفة ورتّب ترتيبا قدّم فيه ما حقّه التّقديم، وأخّر فيه ما حقّه أن يؤخّر، وقول الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (قريش/ ١) مصدر من آلف، والمؤلّفة قلوبهم هم الّذين يتحرّى فيهم بتفقّدهم أن يصيروا من جملة من وصفهم الله بقوله: لَوْ أَنْفَقْتَ الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٥/ ٨/ ٢٣ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (الأنفال/ ٦٣) وأوالف الطّير: ما ألفت الدّار، والألف: العدد المخصوص، وسمّي بذلك لكون الأعداد فيه مؤتلفة. وآلفت الدّراهم أي بلغت بها الألف «٢» . وقال الجوهريّ يقال: ألفه يألفه (بالكسر) أعطاه ألفا، وآلفت القوم إيلافا، أي كمّلتهم ألفا، والإلف: الأليف، يقال: حنّت الإلف إلى الإلف، والجمع ألائف، والألّاف: جمع آلف، ويقال: فلان قد ألف هذا الموضع (بالكسر) يألفه إلفا (أي اعتاده) وآلفه إيّاه غيره، ويقال أيضا: آلفت الموضع إيلافا وكذلك آلفته مؤالفة وإلافا، ويقال: ألفت بين الشّيئين تأليفا فتألّفا وأتلفا، وتألّفته على الإسلام، ومن هذا المؤلّفة قلوبهم، وقول الله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ (قريش/ ١) معناه: أهلكت أصحاب الفيل لأولف قريشا مكّة، لتولف قريش رحلة الشّتاء والصّيف، أي تجمع بينهما «٣» . وقيل الإيلاف: العهد والذّمام، وفي حديث ابن عبّاس- ﵄: قد علمت قريش أنّ أوّل من أخذ لها الإيلاف لهاشم، قال ابن الأثير: كان

стр. 1202

هاشم ابن عبد مناف أخذه من الملوك لقريش «١» ، وأورد ابن منظور في: «لإيلاف قريش» ثلاثة أوجه: لإيلاف، ولإلاف، ووجه ثالث لإلف قريش، فمن قرأ لإلافهم وإلفهم فهو من ألف يألف، ومن قرأ لإيلافهم، فهو من آلف يؤلف، يقال: ألف الشّيء وآلفه إلفا وإلافا وألفانا: لزمه، وآلفه إيّاه ألزمه، وفلان قد ألف هذا الموضع بالكسر (لا غير) ، وقول الله- قال: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (الأنفال/ ٦٣) ، قال فيها أبو منصور: نزلت في المتحابّين في الله، وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ (التوبة/ ٦٠) في آية الصّدقات قوم من سادات العرب أمر الله تعالى نبيّه ﷺ في أوّل الإسلام بتألّفهم؛ أي بمقاربتهم وإعطائهم ليرغّبوا من وراءهم في الإسلام، فلا تحملهم الحميّة مع ضعف نيّاتهم على أن يكونوا إلبا مع الكفّار على المسلمين، وقد نفّلهم النّبيّ ﷺ يوم حنين بمائتين من الإبل تألّفا لهم «٢» . الألفة اصطلاحا: الألفة والإلف: اجتماع مع التئام ومحبّة «٣» . أمّا التّألّف: فهو المداراة والإيناس لمن هم حديثو عهد بكفر ليثبتوا على الإسلام رغبة فيما يصل إلى أيديهم من المال «٤» . وقال التّهانويّ: الألفة (بالضّمّ) : هي ميلان القلب إلى المألوف «٥» . وقال الجرجانيّ: الألفة اتّفاق الآراء في المعاونة على تدبير المعاش «٦» . درجات الألفة: قال التّهانويّ: نقلا عن بعضهم: للألفة خمس درجات: الأولى: النّظر في أفعال الصّانع وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه الواحد وهذا بمنزلة أن يذكر إنسان بخصاله الحميدة فتعلق مودّته بالقلب. الثّانية: كتمان الحبّ إذ يخفي الأليف حقيقة حاله مهما اعتراه في سبيل ذلك. الثّالثة: مرتبة تمنّي اللّقاء، وفيها لا يعنيه وجود أو هلاك لنفسه. الرّابعة: الإخبار والاستخبار، والأليف في هذا المقام يريد الإخبار والاستخبار عن أحوال مألوفه.

стр. 1203

الخامسة: التّضرّع والخشوع للمألوف «١» . الألفة وصلاح الإنسان: ذكر الماورديّ: أنّ الألفة الجامعة هي إحدى القواعد المهمّة الّتي يصلح بها حال الإنسان، وذلك أنّ الإنسان مقصود بالأذيّة، محسود بالنّعمة، فإذا لم يكن آلفا مألوفا تخطّفته أيدي حاسديه، وتحكّمت فيه أهواء أعاديه، فلم تسلم له نعمة، ولم تصف له مدّة، فإذا كان آلفا مألوفا انتصر بالألفة على أعاديه، وامتنع من حاسديه، فسلمت نعمته منهم، وصفت له مدّته «٢» عنهم، وإن كان صفو الزّمان عسرا وسلمه خطرا «٣» . الألفة والعلاقات الاجتماعية: يقول الدّكتور عليّ خليل: هذه الألفة الجامعة بين الأفراد من خواصّ الجانب الاجتماعيّ في الشّخصيّة المسلمة باعتبارها تجاذب يشدّ الفعل الاجتماعيّ المختار، والعلاقات والتّفاعلات الاجتماعيّة بعضها إلى بعض، وهي تؤدّي إلى القوّة في التّرابط والصّحّة في التّوافق، والمتعة في التّضام، وهي الّتي تشدّ بناء الجماعة المسلمة بعضه إلى بعض. ووظيفتها الاجتماعيّة مهمّة، لأنّها داعية إلى التّماسك الاجتماعيّ، واستقرار بنائه، ولها أهمّيّتها الخاصّة لكلّ من الفرد والجماعة لما فيها من داع إلى التّناصر والسّلامة الاجتماعيّة، ولما توفّره من جوّ اجتماعيّ سليم صحيح لنموّ الشّخصيّة الاجتماعيّة، وقد حثّ النّبيّ ﷺ على الألفة لأنّها كما يقول الإمام الماورديّ: «تجمع الشّمل وتمنع الذلّ «٤» » . أسباب الألفة ودواعيها: أسباب الألفة خمسة، وهي: الدّين، والنّسب، والمصاهرة، والمودّة، والبرّ. فأمّا الدّين: فلأنّه يبعث على التّناصر، ويمنع من التّقاطع والتّدابر. وبمثل ذلك وصّى رسول الله ﷺ أصحابه، فروى سفيان عن الزّهريّ عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا. وكونوا عباد الله إخوانا، لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» هذا وإن كان اجتماعهم في الدّين يقتضيه، فهو على وجه التّحذير من تذكّر تراث الجاهليّة، وإحن «٥» الضّلالة، فقد بعث رسول الله ﷺ والعرب أشدّ تقاطعا وتعاديا، وأكثر اختلافا وتماديا، حتّى إنّ بني الأب الواحد كانوا يتفرّقون أحزابا، فتثور بينهم بالتّحزّب والافتراق أحقاد الأعداء وإحن البعداء، وكانت الأنصار أشدّهم تقاطعا وتعاديا، وكان بين الأوس والخزرج من الاختلاف والتّباين، أكثر من غيرهم، إلى أن أسلموا، فذهبت إحنهم، وانقطعت

стр. 1204

عداوتهم، وصاروا بالإسلام إخوانا متواصلين، وبألفة الدّين أعوانا متناصرين، قال الله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً (آل عمران/ ١٠٣) يعني أعداء في الجاهليّة فألّف بين قلوبكم بالإسلام، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (مريم/ ٩٦) يعني: حبّا، وعلى حسب التّأليف على الدّين تكون العداوة فيه، إذا اختلف أهله، فإنّ الإنسان قد يقطع في الدّين من كان به بارّا، وعليه مشفقا. هذا أبو عبيدة بن الجرّاح وقد كانت له المنزلة العالية في الفضل، والأثر المشهور في الإسلام. قتل أباه يوم بدر طاعة للهّ- ولرسوله ﷺ ، حين بقي على ضلاله، وانهمك في طغيانه، فلم تعطفه عليه رحمة، ولا كفّه عنه شفقة، وهو من أبرّ الأبناء، تغليبا للدّين على النّسب، ولطاعة الله تعالى على طاعة الأب. وعلّة ذلك أنّ الدّين والاجتماع على العقد الواحد فيه لمّا كان أقوى أسباب الألفة، كان الاختلاف فيه من أقوى أسباب الفرقة. وأمّا النّسب: وهو الثّاني من أسباب الألفة، فلأنّ تعاطف الأرحام، وحميّة القرابة، يبعثان على التّناصر والألفة. وتمنعان من التّخاذل والفرقة، أنفة من استعلاء الأباعد على الأقارب، وتوقيّا من تسلّط الغرباء الأجانب. ولذلك حفظت العرب أنسابها، لمّا امتنعت عن سلطان يقهرها، ويكفّ الأذى عنها لتكون بها متضافرة على من ناوأها، متناصرة على من شاقّها وعاداها، حتّى بلغت بألفة الأنساب تناصرها على القويّ الأيد، وتحكّمت فيه تحكّم المتسلّط المتشطّط. وأمّا المصاهرة: وهي الثّالث من أسباب الألفة، فلأنّها استحداث مواصلة، وتمازج مناسبة، صدرا عن رغبة واختيار، وانعقدا عن خبرة وإيثار، فاجتمع فيها أسباب الألفة، وموادّ المظاهرة، قال الله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم/ ٢١) يعني بالمودّة المحبّة، وبالرّحمة الحنوّ والشّفقة، وهما من أوكد أسباب الألفة. وفيها تأويل آخر، قاله الحسن البصريّ- ﵀: إنّ المودّة النّكاح، والرّحمة الولد. وقال تعالى: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً (النحل/ ٧٢) . ولم تزل العرب تجتذب البعداء، وتتألّف الأعداء بالمصاهرة، حتّى يرجع النّافر مؤانسا، ويصير العدوّ مواليا، وقد يصير للصّهر بين الاثنين، ألفة بين القبيلتين، وموالاة بين العشيرتين. حكي عن خالد بن يزيد بن معاوية: أنّه قال: كان أبغض خلق الله- إليّ آل الزّبير، حتّى تزوّجت منهم «رملة» فصاروا أحبّ خلق الله- إليّ. وأمّا المؤاخاة بالمودّة: وهي الرّابع من أسباب الألفة، فلأنّها تكسب بصادق الودّ إخلاصا ومصافاة، وتحدث بخلوص المصافاة وفاء ومحاماة، وهذا أعلى مراتب الألفة، ولذلك آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه، لتزيد ألفتهم، ويقوى تضافرهم وتناصرهم.

стр. 1205

وقيل: إنّما سمّي الصّديق صديقا لصدقه، والعدوّ عدوّا لعدوه عليك «١» . وقال ثعلب: إنّما سمّي الخليل خليلا؛ لأنّ محبّته تتخلّل القلب. فلا تدع فيه خللا إلّا ملأته. وأمّا البرّ: وهو الخامس من أسباب الألفة: فلأنّه يوصّل إلى القلوب ألطافا، ويثنيها محبّة وانعطافا، ولذلك ندب الله تعالى إلى التّعاون به، وقرنه بالتّقوى له، فقال: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى (المائدة/ ٢) لأنّ له في التّقوى رضا الله تعالى، وفي البرّ رضا النّاس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا النّاس، فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته «٢» . أثر الإسلام في التأليف بين الأمم: ويقول الشّيخ ابن عاشور: كان العرب جميعا قبل الإسلام في عداوة وحروب، فالأوس والخزرج كانت بينهم حروب دامت مائة وعشرين سنة قبل الهجرة، كان منها يوم بعاث، والعرب كانوا في حروب وغارات، وجميع الأمم الّتي دعاها الإسلام كانوا في تفرّق وتخاذل، فصار الّذين دخلوا في الإسلام إخوانا، أولياء بعضهم لبعض، لا يصدّهم عن ذلك اختلاف انساب، ولا تباعد مواطن، ولقد حاول حكماؤهم، وأولو الرّأي منهم التّأليف بينهم، وإصلاح ذات بينهم، بأفانين الدّعاية من خطابة، وجاه وشعر، فلم يصلوا إلى ما ابتغوا حتّى ألّف الله بين قلوبهم بالإسلام فصاروا بذلك التّأليف بمنزلة الإخوان. وقد امتنّ الله عليهم بتغيير أحوالهم من أشنع حالة إلى أحسنها: فحالة كانوا عليها هي حالة العداوة والتّفاني والتّقاتل. وحالة أصبحوا عليها وهي حالة الأخوّة ولا يدرك الفرق بين الحالتين إلّا من كانوا في السّوأى فأصبحوا في الحسنى، والنّاس إذا كانوا في حالة بؤس وضنك واعتادوها صار الشّقاء دأبهم، وذلّت له نفوسهم، فلم يشعروا بما هم فيه، ولم يتفطّنوا لوخيم عواقبه، حتّى إذا هيّأ لهم الصّلاح، وأخذ يتطرّق إليهم استفاقوا من شقوتهم. وعلموا حالتهم ولأجل هذا المعنى جمعت الآية ذكر الحالتين وما بينهما فقالت: إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً (آل عمران/ ١٠٣) «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الاجتماع- الإخاء الكلم الطيب- البر- التعاون على البر والتقوى- المحبة- حسن الخلق- صلة الرحم- التودد. وفي ضد ذلك: انظر صفات: البغض- التفرق- التنازع- القسوة- قطيعة الرحم] .

стр. 1206

الآيات الواردة في «الألفة» ١- وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) «١» ٢- وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) «٢» الآيات الواردة في «الألفة» لفظا ولها معنى آخر ٣-* إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) «٣» ٤- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) «٤» ٥- لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) «٥»

стр. 1207

الأحاديث الواردة في (الألفة) ١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «الأرواح جنود مجنّدة» . فما تعارف «٢» منها ائتلف «٣» وما تناكر «٤» منها اختلف «٥» » ) * «٦» . ٢-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بعث عليّ- ﵁ إلى النّبيّ ﷺ بذهيبة «٧» ، فقسمها بين الأربعة: الأقرع بن حابس الحنظليّ ثمّ المجاشعيّ، وعيينة بن بدر الفزاريّ، وزيد الطّائيّ ثمّ أحد بني نبهان، وعلقمة بن علاثة العامريّ، أحد بني كلاب، فغضبت قريش والأنصار، قالوا: يعطي صناديد «٨» أهل نجد ويدعنا، قال: «إنّما أتألّفهم» فأقبل رجل غائر العينين مشرف الوجنتين «٩» ، ناتيء الجبين «١٠» ، كثّ اللّحية محلوق، فقال: اتّق الله يا محمّد، فقال: «من يطع الله إذا عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض ولا تأمنوني؟» فسأله رجل قتله- أحسبه خالد بن الوليد- فمنعه، فلمّا ولّى قال: «إنّ من ضئضىء «١١» هذا- أو: في عقب هذا- قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم «١٢» ، يمرقون «١٣» من الدّين مروق السّهم من الرّميّة، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد «١٤» » ) * «١٥» . ٣-* (عن عبد الله بن زيد بن عاصم- ﵁ قال: لمّا أفاء الله على رسوله «١٦» ﷺ يوم حنين، قسم في النّاس في المؤلّفة قلوبهم، «١٧» ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنّهم وجدوا «١٨» إذ لم يصبهم ما أصاب النّاس، فخطبهم فقال: «يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلّالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرّقين فألّفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي» كلّما قال شيئا قالوا: الله

стр. 1208

ورسوله أمنّ «١» ، قال: «لو شئتم قلتم: جئتنا كذا وكذا، ألا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاة والبعير، وتذهبون بالنّبيّ ﷺ إلى رحالكم، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك النّاس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار «٢» والنّاس دثار، إنّكم ستلقون بعدي أثرة «٣» ، فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض» ) * «٤» . ٤-* (عن أنس- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ «إنّي أعطي قريشا أتألّفهم «٥» ، لأنّهم حديثو عهد بجاهليّة» ) * «٦» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن مؤلّف، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» ) * «٧» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أحبّكم إليّ أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا «٨» ، الّذين يألفون ويؤلفون، وإنّ أبغضكم إليّ المشّاءون بالنّميمة «٩» المفرّقون بين الأحبّة الملتمسون للبراء العيب» «١٠» ) * «١١» . الأحاديث الواردة في (الألفة) معنى انظر صفة: الاجتماع

стр. 1209

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الألفة) ٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين: حين أفاء الله على رسوله أموال هوازن فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل كلّ رجل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. قال أنس: فحدّث رسول الله ﷺ بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبّة من أدم، ولم يدع أحدا غيرهم، فلمّا اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟» فقالت الأنصار: أمّا ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا وأمّا ناس حديثة أسنانهم فقالوا: كذا وكذا للّذي قالوا. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّي لأعطي رجالا حدثاء عهد بكفر أتألّفهم- أو قال: أستألفهم- أفلا ترضون أن يذهب النّاس بالأموال وترجعون برسول الله إلى رحالكم، فوالله لما تنقلبون به خير ممّا ينقلبون به» . قالوا: أجل يا رسول الله! قد رضينا. فقال لهم رسول الله ﷺ «إنّكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتّى تلقوا الله ورسوله فإنّي فرطكم على الحوض «١» » . قال أنس: فلم نصبر) * «٢» . ٨-* (عن عبد الرّحمن بن عوف- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: شهدت حلف المطيّبين مع عمومتي وأنا غلام، فما أحبّ أنّ لي حمر النّعم وأنّي أنكثه» قال الزّهريّ: قال رسول الله ﷺ : «لم يصب الإسلام حلفا إلّا زاده شدّة، ولا حلف في الإسلام» وقد ألّف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار) * «٣» .

стр. 1210

من الآثار الواردة في (الألفة) ١-* (عن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: جزع عمرو بن العاص عند الموت جزعا شديدا، فلمّا رأى ذلك ابنه عبد الله بن عمرو قال: يا أبا عبد الله ما هذا الجزع وقد كان رسول الله ﷺ يدنيك ويستعملك؟ قال: أي بنيّ! قد كان ذلك وسأخبرك عن ذلك. إنّي والله ما أدري «أحبّا ذلك أم تألّفا يتألّفني» ولكن أشهد على رجلين أنّه قد فارق الدّنيا وهو يحبّهما ابن سميّة وابن أمّ عبد، فلمّا حدّثه وضع يده موضع الغلال» من ذقنه وقال: اللهمّ أمرتنا فتركنا، ونهيتنا فركبنا، ولا يسعنا إلّا مغفرتك، وكانت تلك هجّيراه «٢» حتّى مات) * «٣» . ٢-* (قال أبو حاتم- ﵁ سبب ائتلاف النّاس وافتراقهم- بعد القضاء السّابق- هو تعارف الرّوحين. وتناكر الرّوحين، فإذا تعارف الرّوحان وجدت الألفة بين نفسيهما، وإذا تناكر الرّوحان وجدت الفرقة بين جسميهما) * «٤» . ٣-* (عن مجاهد قال: رأى ابن عبّاس- ﵄ رجلا فقال: «إنّ هذا ليحبّني، قالوا: وما علمك؟ قال: إنّي لأحبّه، والأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) * «٥» . ٤-* (قال مالك- ﵁ «النّاس أشكال كأجناس الطّير، الحمام مع الحمام، والغراب مع الغراب، والبطّ مع البطّ، والصّعو مع الصّعو، وكلّ إنسان مع شكله» ) * «٦» . ٥-* (قال أبو حاتم- ﵁ إنّ من النّاس من إذا رآه المرء يعجب به، فإذا ازداد به علما ازداد به عجبا، ومنهم من يبغض حين يراه، ثمّ لا يزداد به علما إلّا إذا ازداد له مقتا، فاتّفاقهما يكون باتّفاق الرّوحين قديما. وافتراقهما يكون بافتراقهما، وإذا ائتلفا ثمّ افترقا فراق حياة من غير بغض حادث، أو فراق ممات، فهنالك الموت الفظيع، والأسف الوجيع، ولا يكون موقف أطول غمّة، وأظهر حسرة وأدوم كآبة، وأشدّ تأسّفا، وأكثر تلهّفا من موقف الفراق بين المتواخيين، وما ذاق ذائق طعما أمرّ من فراق الخلّين، وانصرام القرينين) * «٧» . ٦-* (وفي لفظ لابن جرير، فلمّا كان من أمر عائشة ما كان. فتشاور الحيّان قال بعضهم لبعض: موعدكم الحرّة، فخرجوا إليها، فنزلت هذه الآية وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ) (آل عمران/ ١٠٣) * «٨» . ٧-* (عن ابن إسحق قال: كانت الحرب بين

стр. 1211

الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة، حتّى قام الإسلام وهم على ذلك، فكانت حربهم بينهم وهم إخوان لأب وأمّ، فلم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم ثمّ إنّ الله- أطفأ ذلك بالإسلام، وألّف بينهم برسوله محمّد ﷺ * «١» . ٨-* (وعن قتادة في قوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً (آل عمران/ ١٠٣) إذ كنتم تذابحون فيها يأكل شديدكم ضعيفكم، حتّى جاء الله بالإسلام فآخى به بينكم، وألّف به بينكم. أما والله الّذي لا إله إلّا هو إنّ الألفة لرحمة، وإنّ الفرقة لعذاب) * «٢» . ٩-* (وقال أبو جعفر: يعني بقوله- جلّ ثناؤه- وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ واذكروا ما أنعم الله به عليكم من الألفة والاجتماع على الإسلام. واذكروا أيّها المؤمنون، نعمة الله عليكم الّتي أنعم بها عليكم، حين كنتم أعداء في شرككم، يقتل بعضكم بعضا عصبيّة في غير طاعة الله ولا طاعة رسوله فألّف الله بالإسلام بين قلوبكم. فجعل بعضكم لبعض إخوانا بعد إذ كنتم أعداء تتواصلون بألفة الإسلام واجتماع كلمتكم عليه) * «٣» . ١٠-* (وقال أبو جعفر في قوله تعالى: فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً، فإنّه يعني: فأصبحتم بتأليف الله- بينكم بالإسلام وكلمة الحقّ، والتّعاون على نصرة أهل الإيمان، والتّآزر على من خالفكم من أهل الكفر، إخوانا متصادقين، لا ضغائن بينكم ولا تحاسد) * «٤» . ١١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: النّعمة تكفر، والرّحم تقطع، وإنّ الله تعالى: إذا قارب بين القلوب لم يزحزحها شيء ثمّ تلا لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (الأنفال/ ٦٣)) * «٥» . ١٢-* (عن مجاهد- ﵁ قال: إذا لقي الرّجل أخاه فصافحه، تحاتّت «٦» الذّنوب بينهما كما ينثر الرّيح الورق، فقال رجل: إنّ هذا من العمل اليسير. فقال: ألم تسمع الله قال: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) * «٧» . ١٣-* (عن ابن إسحق في قوله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وألّف بين قلوبهم على الهدى الّذي بعثك به إليهم بدينه الّذي جمعهم عليه، يعني الأوس والخزرج) * «٨» . ١٤-* (عن الوليد بن أبي مغيث، عن مجاهد

стр. 1212

قال: إذا التقى المسلمان فتصافحا غفر لهما، قال قلت لمجاهد: بمصافحة يغفر لهما؟ فقال مجاهد: أما سمعته يقول: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ؟ فقال الوليد لمجاهد: أنت أعلم منّي) * «١» . ١٥-* (عن السّدّيّ في قوله تعالى: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، قال: هؤلاء الأنصار، ألّف بين قلوبهم من بعد حرب، فيما كان بينهم) * «٢» . ١٦-* (عن عبد الله قال: نزلت هذه الآية في المتحابّين في الله: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ) * «٣» . ١٧-* (عن الأوزاعيّ قال: كتب إليّ قتادة: إن يكن الدّهر فرّق بيننا فإنّ ألفة الله الّذي ألّف بين المسلمين قريب) * «٤» . ١٨-* (قال أحد الشّعراء (أحمد بن محمّد بن أبي بكر الأنباريّ) : إنّ القلوب لأجناد مجنّدة ... لله في الأرض بالأهواء تعترف فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف) * «٥» . ١٩-* (وقال منصور بن محمّد الكريزيّ: فما تبصر العينان والقلب آلف ... ولا القلب والعينان منطبقان ولكن هما روحان تعرض ذي لذي ... فيعرف هذا ذي فيلتقيان) * ٦. ٢٠-* (وقال المنتصر بن بلال الأنصاريّ: يزين الفتى في قومه ويشينه ... وفي غيرهم أخدانه ومداخله لكلّ امريء شكل من النّاس مثله ... وكلّ امرئ يهوي إلى من يشاكله) * «٧» . ٢١-* (وقال محمّد بن عبد الله بن زنجيّ البغداديّ: إن كنت حلت، وبي استبدلت مطّرحا ... ودّا، فلم تأت مكروها ولا بدعا فكلّ طير إلى الأشكال موقعها ... والفرع يجري إلى الأعراق منتزعا) * ٨ ٢٢-* (وقال محمّد بن إسحاق بن حبيب الواسطيّ: تعارف أرواح الرّجال إذا التقوا ... فمنهم عدوّ يتّقى وخليل كذاك أمور النّاس والنّاس منهم ... خفيف إذا صاحبته وثقيل) * «٩» . ٢٣-* (وقال أحمد بن عبد الأعلى الشّيبانيّ:

стр. 1213

فيا عجبا ممّن يمدّ يمينه ... إلى إلفه عند الفراق فيسرع ضعفت عن التّوديع لمّا رأيته ... فصافحته بالقلب، والعين تدمع) * «١» . من فوائد (الألفة) ١- ألفة الصّالحين بشارة. ٢- تفيد الاجتماع والقوّة. ٣- تحقّق الاجتماع على الخير. ٤- دليل البراءة من النّفاق. ٥- دليل وجود الخير فيمن يألف ويؤلف. ٦- محبّة الله ورسوله ﷺ والمؤمنين. ٧- تحقّق التّماسك الاجتماعيّ وتشيع روح المودّة بين المسلمين. ٨- داعية إلى التّناصر وسلامة المجتمع المسلم. ٩- توفّر جوّا اجتماعيّا سليما لنموّ الإنسان المسلم نموّا سليما في إطار مبادئ الإسلام. ١٠- داعية إلى التوحّد الاجتماعيّ ونبذ أسباب الفرقة والمعاداة. ١١- تشيع التّعاون بين المسلمين، وفي ذلك مدعاة لرضا الله- تعالى- ثمّ رضا النّاس.

стр. 1214

المجلد الثالث موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرّسول الكريم ﷺ الإشراف العام صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملّوح مؤسس ومدير دار الوسيلة للنشر والتوزيع لجنة الإعداد: بإشراف الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد أ. محمد أحمد سيد أحمد أ. محمد إسماعيل السيد أحمد أ. صلاح محمد عرفات أ. ناصر مهلل محمد حامد لجنة المراجعة والضبط: بإشراف أ. د. على خليل مصطفى أبو العينين أستاذ ورئيس قسم أصول التربية الإسلامية بجامعة الزقازيق، وفرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة أ. د. عبد الفتاح عبد العليم البركاوي أ. د. عبد الموجود متولي بهنسي د. عزت عبد الحميد إبراهيم د. أحمد علي محمود ربيع د. إبراهيم صلاح السيد الهدهد د. يس إبراهيم عفيفي لجنة اللغة والتدقيق والفهرسة: بإشراف أ. د. عبد الفتاح عبد العليم البركاوي أستاذ أصول اللغة العربية بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وأستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة أ. د. عبد الصبور السيد أحمد الغندور أ. د. عبد الفتاح عيسى البربري أ. د. محمد أحمد حسب الله أ. د. زكريا عبد المجيد النوتي أ. د. محمد كاظم حسن الظواهري أ. د. سيد أحمد طهطاوي أ. د. سعيد محمد صوابي أ. د. محمد إبراهيم عبد الرحمن د. أحمد كامل صالح د. فراج جودة فراج د. عاصم بدري حسين أ. سبيع حمزة حاكمي أ. أحمد شعبان الباسل أ. محمود عبد القادر الأرناؤوط أ. عبد الحميد عبد العليم البركاوي أ. فؤاد محمد نور أبو الخير إعداد السيرة النبوية: أ. د. حسام الدين قوام الدين حسن السامرائي أستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى سابقا إعداد السيرة النبوية: أ. د. حسام الدين قوام الدين حسن السامرائي استاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى سابقا إعداد المقدمة التربوية: أ. د. علي خليل أبو العينين أستاذ ورئيس قسم أصول التربية الإسلامية الإدارة والمتابعة: عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملّوح فؤاد محمد نور أبو الخير برامج الحاسب الآلي: م. ناظم يحيى عبد الرازق م. نبيل أكرم نوح الجمع والتنضيد بإشراف: توني نجيب زيدان أحمد طارق علي بيومي هاني محمد أحمد فرج كمال حمزة أحمد يوسف عبد الباقي محمود مصطفى سعد محمد محمد رضا محمد محمود كمال مصطفي أبو زيد عبد الإله محمود عساف

стр. 1215

[من شارك في إعداد هذه الموسوعة] بعون الله تعالى وتوفيقه شارك في إعداد هذه الموسوعة ١- الشيخ أ. د. صالح بن عبد الله بن حميد خطيب وإمام الحرم المكي، وعضو مجلس الشورى، وعميد كلية الشريعة بجامعة أم القرى سابقا. ٢- عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملّوح مؤسس ومدير عام مؤسسة بن ملّوح التجارية وفروعها دار الوسيلة للنشر والتوزيع ومؤسسة الصيانة الوقائية الشاملة- جدة. ٣- أ. فؤاد محمد نور أبو الخير نائب مدير عام دار الوسيلة للنشر والتوزيع، ونائب مدير عام مدارس الثغر النموذجية سابقا، ومدير القسم المتوسط والثانوي بمدارس دار الفكر سابقا. ٤- أ. د. علي خليل مصطفى أبو العينين أستاذ ورئيس قسم أصول التربية الإسلامية بجامعة الزقازيق فرع بنها، وفرع جامعة الملك عبد العزيز بالمدينة المنورة سابقا. ٥- أ. د. عبد الفتاح عبد العليم البركاوي أستاذ أصول اللغة بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة، وأستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. ٦- أ. د. حسام الدين قوام الدين السامرائي أستاذ الدراسات العليا بجامعة أم القرى سابقا. ٧- أ. د. محمد أحمد حسب الله أستاذ التاريخ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة، وأستاذ الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. ٨- أ. د. محمد كاظم حسن الظواهري أستاذ الأدب والنقد بكلية اللغة العربية بالمنوفية، وكلية المعلمات بالطائف. ٩- أ. د. عبد الموجود متولي بهنسي أستاذ البلاغة بكلية اللغة العربية بالمنوفية. ١٠- أ. د. عبد الصبور السيد الغندور أستاذ مشارك بكلية التربية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة- فرع الطائف. ١١- أ. د. عبد الفتاح عيسى البربري أستاذ مشارك بكلية التربية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة- فرع الطائف. ١٢- أ. د. زكريا عبد المجيد النوتي أستاذ الأدب المساعد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة، وكلية التربية بالطائف. ١٣- أ. د. سعيد محمد صوابي أستاذ علوم الحديث المشارك بجامعة الأزهر بالقاهرة، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة- فرع الطائف. ١٤- أ. د. محمد إبراهيم عبد الرحمن أستاذ التربية الإسلامية المشارك بكلية التربية بجامعة عين شمس بالقاهرة، وكلية المعلمين بالطائف. ١٥- أ. د. السيد أحمد طهطاوي أستاذ أصول التربية المشارك بجامعة أسيوط، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة. ١٦- د. إبراهيم صلاح السيد الهدهد أستاذ البلاغة والنقد المساعد بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر بالقاهرة. ١٧- د. أحمد علي محمود ربيع أستاذ أصول اللغة المساعد بجامعة الأزهر، وجامعة كوالالامبور بماليزيا. ١٨- د. أحمد كامل محمد صالح أستاذ التاريخ المساعد بكلية دار العلوم بالقاهرة، وكلية التربية بجامعة أم القرى- فرع الطائف. ١٩- د. عزت عبد الحميد إبراهيم أستاذ أصول اللغة المساعد بكلية اللغة العربية بالمنوفية، وكلية المعلمين بعرعر بالمملكة العربية السعودية. ٢٠- د. عاصم بدري حسين أستاذ الأدب والنقد المساعد بكلية المعلمات بالطائف. ٢١- د. فراج جودة فراج أستاذ المساعد بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وكلية التربية بالطائف. ٢٢- د. يس إبراهيم عفيفي دكتوراة في اللغويات من جامعة الأزهر. ٢٣- أ. سمير محمد عبد التواب وكيل وزارة الإعلام بالقاهرة سابقا. ٢٤- أ. صلاح محمد عرفات المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة. ٢٥- أ. محمد أحمد سيد أحمد المدرس بدار الحديث الخيرية بمكة المكرمة. ٢٦- أ. محمد إسماعيل السيد أحمد المحاضر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة. ٢٧- أ. ناصر مهلل محمد حامد خريج معهد الدعاة برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة. ٢٨- أ. محمود عبد القادر الأرناؤوط محقق تراث، الجمهورية العربية السورية. ٢٩- أ. سبيع حمزة حاكمي محقق تراث، الجمهورية العربية السورية. ٣٠- أ. أحمد شعبان الباسل المحاضر بكلية التربية- فرع جامعة أم القرى. ٣١- أ. عبد الحميد عبد العليم البركاوي تخصص القراءات (دبلوم في الشريعة الإسلامية من كلية الحقوق بالقاهرة) .

стр. 1216

محتويات المجلد الثالث م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة تابع حرف الألف ٣٠/ الأمانة/ ٥٠٧ ٣١/ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/ ٥٢٥ ٣٢/ الإنابة/ ٥٤٠ ٣٣/ الإنذار/ ٥٤٧ ٣٤/ الإنصاف/ ٥٧٦ ٣٥/ الإنفاق/ ٥٩٨ ٣٦/ الإيثار/ ٦٢٩ ٣٧/ الإيمان/ ٦٤١ حرف الباء ٣٨/ البر/ ٧٥٠ ٣٩/ بر الوالدين/ ٧٦٧ ٤٠/ البشارة/ ٧٨٠ ٤١/ البشاشة/ ٨١٢ ٤٢/ البصيرة والفراسة/ ٨٢٣ ٤٣/ البكاء/ ٨٣٣ م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة حرف التاء ٤٤/ التأمل/ ٨٤٣ ٤٥/ التأني/ ٨٦٤ ٤٦/ التبتل/ ٨٧٢ ٤٧/ التبليغ والتبيين/ ٨٧٦ ٤٨/ التبين (التثبت) / ٩٠١ ٤٩/ التدبر/ ٩٠٩ ٥٠/ التذكر/ ٩١٦ ٥١/ تذكر الموت/ ٩٣١ ٥٢/ التذكير/ ٩٦٨ ٥٣/ التسبيح/ ٩٨٠ ٥٤/ التعارف/ ١٠٠٤ ٥٥/ التعاون على البر والتقوى/ ١٠٠٨ ٥٦/ تعظيم الحرمات/ ١٠٢٨ ٥٧/ التفاؤل/ ١٠٤٥

стр. 1217

[تابع حرف الألف] الأمانة الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٦/ ٣٠/ ١٠ الأمانة لغة: الأمانة مصدر قولهم: أمن يأمن أمانة أي صار أمينا، وهو مأخوذ من مادّة (أم ن) الّتي تدلّ على سكون القلب، ويقال: أمنت الرّجل أمنا وأمنة وأمانا وآمنني يؤمنني إيمانا، ورجل أمنة: إذا كان يأمنه النّاس ولا يخافون غائلته، وأمنة بالفتح إذا كان يصدّق ما سمع ولا يكذّب بشيء، وقال الجوهريّ: الأمنة: الّذي يصدّق بكلّ شيء وكذلك الأمنة مثال الهمزة، واستأمن إليه دخل في أمانه. وقال ابن منظور: الأمان والأمانة بمعنى، والأمانة: ضدّ الخيانة. وقال ابن الأثير: الأمنة جمع أمين، وهو الحافظ. وقوله- : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً (البقرة/ ١٢٥) قال أبو إسحاق: أراد ذا أمن، فهو آمن وأمن وأمين. ورجل أمن وأمين بمعنى واحد. ويقال: أمنته على كذا، وائتمنته بمعنى. وتقول: اؤتمن فلان على ما لم يسمّ فاعله، فإن ابتدأت به صيّرت الهمزة الثّانية واوا فنقول: أؤتمن. وقال الرّاغب: والأمن والأمان والأمانة في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسما للحالة الّتي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة (تجعل الأمانة) اسما لما يؤمن عليه الإنسان، نحو قوله تعالى وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ (الأنفال/ ٢٧) أي ما ائتمنتم عليه، وقول الله سبحانه إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (الأحزاب/ ٧٢) قيل هي كلمة التّوحيد وقيل: العدالة، وقيل: حروف التّهجّي، وقيل: العقل وهو صحيح؛ فإنّ العقل هو الّذي لحصوله يتحصّل معرفة التّوحيد وتجري العدالة وتعرف حروف التّهجّي، بل لحصوله تعلّم كلّ ما في طوق البشر تعلّمه، وفعل ما في طوقهم من الجميل فعله، وبه فضّل (الإنسان) على كثير ممّن خلقه «١» . وقال الطّبريّ: اختلف في معنى هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المعنى أنّ الله ﵎ عرض طاعته وفرائضه على السّموات والأرض والجبال على أنّها إن أحسنت أثيبت وجوزيت، وإن ضيّعت عوقبت، فأبت حملها شفقا منها ألّا تقوم بالواجب عليها، وحملها آدم، إنّه كان ظلوما لنفسه، جهولا بالّذي فيه الحظّ له، وقد استدلّ أبو جعفر على ذلك

стр. 1218

بما روي عن ابن عبّاس- ﵄ وغيره من أنّ الأمانة في الآية الكريمة هي الفرائض الّتي افترضها الله على عباده، وبما روي عنه أيضا من قوله (أي ابن عبّاس) الأمانة: الطّاعة عرضها الله عليها أي على السّموات والأرض والجبال قبل أن يعرضها على آدم، فلم تطقها، فقال لآدم: يا آدم، إنّي قد عرضت الأمانة على السّموات والأرض والجبال فلم تطقها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ فقال: يا ربّ وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت فأخذها آدم فتحمّلها» «١» ، قال الطّبريّ: وقال آخرون: عني بالأمانة في هذا الموضع أمانات النّاس، وذهب فريق ثالث إلى أنّ المراد بالأمانة هنا ائتمان آدم ﵊ ابنه قابيل على أهله وولده «٢» ، وأولى هذه الأقوال بالصّواب ما قاله الّذين قالوا إنّه عني بالأمانة في هذا الموضع جميع معاني الأمانات في الدّين، وأمانات النّاس، وذلك أنّ الله لم يخصّ بقوله «عرضنا الأمانة» بعض معاني الأمانات دون بعض «٣» . وقال القرطبيّ: «الأمانة تعمّ جميع وظائف الدّين، ونسب هذا القول لجمهور المفسّرين، فالأمانة هي الفرائض الّتي ائتمن الله عليها العباد، واختلف في تفاصيل بعضها على أقوال: فقيل هي أمانات الأموال كالودائع وغيرها وقيل: في كلّ الفرائض، وأشدّها أمانة المال، وقيل: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها، وقال بعضهم: غسل الجنابة أمانة، وقيل: الأمانة هي الصّلاة (إن شئت قلت: صلّيت، وإن شئت قلت: لم أصلّ) ، وكذلك الصّيام وغسل الجنابة، وعلى ذلك فالفرج أمانة «٤» ، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللّسان أمانة، والبطن أمانة واليد أمانة، والرّجل أمانة، قال: «ولا إيمان لمن لا أمانة له» «٥» ، وقيل: هذه الأمانة هي ما أودعه الله تعالى في السّموات والأرض والجبال والخلق من الدّلائل على ربوبيّته أن يظهروها فأظهروها إلّا الإنسان فإنّه كتمها وجحدها، والمراد بالإنسان على ذلك هو الكافر والمنافق «٦» . أمّا ما جاء في الحديث: «المؤذّن مؤتمن» ، أراد به: مؤتمن القوم الّذي يثقون إليه، ويتّخذونه أمينا حافظا. والأمانة تقع على الطّاعة والعبادة والوديعة والثّقة والأمان. ويقال: رجل أمين وأمّان أي له دين. وقيل: مأمون به ثقة. قال الأعشى: ولقد شهدت التّاجر ال ... أمّان مورودا شرابه والتّاجر الأمّان بالضّمّ والتّشديد: هو الأمين «٧» . وقال ابن الأنباريّ: والأمين من حروف الأضداد، يقال: فلان أمين، أي مؤتمن، وفلان

стр. 1219

أميني، أي مؤتمني الّذي أأتمنه على أمري، قال الشّاعر: ألم تعلمي يا أسم ويحك أنّني ... حلفت يمينا لا أخون أميني أي مؤتمني» . واصطلاحا: قال الكفويّ: الأمانة: كلّ ما افترض الله على العباد فهو أمانة كالصّلاة والزّكاة والصّيام وأداء الدّين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار، وقال في موضع آخر: كلّ ما يؤتمن عليه من أموال وحرم وأسرار فهو أمانة «٢» . وقيل: هي خلق ثابت في النّفس يعفّ به الإنسان عمّا ليس له به حقّ، وإن تهيّأت له ظروف العدوان عليه دون أن يكون عرضة للإدانة عند النّاس، ويؤدّي به ما عليه أو لديه من حقّ لغيره، وإن استطاع أن يهضمه دون أن يكون عرضة للإدانة عند النّاس. وهي أحد الفروع الخلقيّة لحبّ الحقّ وإيثاره وهي ضدّ الخيانة. وقد ظهر من تعريف الأمانة أنّها تشتمل على ثلاثة عناصر. الأوّل: عفّة الأمين عمّا ليس له به حقّ. الثّاني: تأدية الأمين ما يجب عليه من حقّ لغيره. الثّالث: اهتمام الأمين بحفظ ما استؤمن عليه، وعدم التّفريط بها والتّهاون بشأنها «٣» . أي بالأمانة. أمانة الرسل: والأمانة من أبرز أخلاق الرّسل- عليهم الصّلاة والسّلام-. فنوح وهود وصالح ولوط وشعيب- في سورة الشّعراء- يخبرنا الله- أنّ كلّ رسول من هؤلاء قد قال لقومه: إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ*. ورسولنا محمّد ﷺ قد كان في قومه قبل الرّسالة وبعدها مشهورا بينهم بأنّه الأمين. وكان النّاس يختارونه لحفظ ودائعهم عنده. ولمّا هاجر ﷺ وكلّ عليّ بن أبي طالب بردّ الودائع إلى أصحابها. وجبريل- ﵇ أمين الوحي، وقد وصفه الله بذلك في قوله- وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ* نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (الشعراء/ ١٩٢- ١٩٤) . مجالات الأمانة: والمجالات الّتي تدخل فيها الأمانة كثيرة منها: الدّين والأعراض والأموال والأجسام والأرواح والمعارف والعلوم والولاية والوصاية والشّهادة والقضاء والكتابة ونقل الحديث والأسرار والرّسالات والسّمع والبصر وسائر الحواسّ، ولكلّ واحدة من التّفصيل ما يناسبها «٤» .

стр. 1220

الأمانة والتّكليف: قال النّيسابوريّ: الأمانة هي الطّاعة وهي التّكليف، ثمّ ذكر أنّ التّكليف هو الأمر بخلاف ما في الطّبيعة «١» ، وهذا النّوع ليس في السّموات والأرض والجبال، لأنّ السّموات لا يطلب منها الهبوط، والأرض لا يطلب منها الصّعود ولا الحركة، والجبال لا يطلب منها السّير، وكذا الملائكة مهتمّون بالتّسبيح والتّقديس، (وإنّما في الإنسان وحده) ، وسمّي التّكليف أمانة لأنّ من قصّر فيه فعليه الغرامة ومن أدّاه فله الكرامة، وعرض الأمانة بهذا المعنى على هذه الأجرام وإباؤها من حملها هو لعدم صلوحها لهذا الأمر، وقد خصّ بعضهم التّكليف بقول: «لا إله إلّا الله ، قال النّيسابوري: والأظهر عندي أنّ الأمانة هي الاستعداد الّذي جبل كلّ نوع من المخلوقات عليه، وحمل الأمانة عبارة عن عدم أداء حقّها، كما يقال: فلان ركب عليه الدّين، فكلّ من أخرج ما في قوّته إلى الفعل فهو مؤدّ للأمانة وقاض حقّها، وإلّا فهو حامل لها، ولا ريب أنّ السّموات مسخّرات بأمر الله كلّ يجري لأجل مسمّي، والأرض ثابتة في مستقرّها، والجبال راسخة في أمكنتها، وهكذا كلّ نوع إلّا الإنسان، فإنّ كثيرا من الأشخاص، بل أكثرها مائلة إلى أسفل سافلين، فلا جرم إن لم يقض حقّ الأمانة وانحطّ إلى رتبة الأنعام، فوصف بالظّلوميّة لأنّه صرف الاستعداد في غير ما خلق لأجله، وبالجهوليّة لأنّه جهل عاقبة إفساد الاستعداد، أو علم ولم يعمل بعلمه، فنفي عنه العلم لانتفاء ثمرته، وعلى ذلك فالمراد بالإنسان هو الآدميّون، وحمل الشّيء على بعض الجنس يكفي في صدقه على الجنس كلّه» «٢» . لقد ذكر كثير من المفسّرين ما يؤيّد أنّ الأمانة هي التّكليف عند ما قال: إنّ ما كلّفه الإنسان بلغ من عظمه وثقل محمله أنّه عرض على أعظم ما خلق الله من الأجرام وأقواه فأبى محمله، وحملها الإنسان على ضعفه ورخاوة قوّته، قال أبو حيّان: أي أنّ الإنسان لم يكن حاله- فيما يصحّ منه من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان صالح للتّكليف- مثل حال تلك الجمادات فيما يصحّ منها ويليق بها من الانقياد «٣» ، وقال ابن كثير: ما قيل في الآية الكريمة من الأقوال العديدة لا تنافي بينها، بل هي متّفقة وراجعة إلى أنّها التّكليف وقبول الأوامر والنّواهي بشرطها، وهو أنّه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب» «٤» .

стр. 1221

الأمانة في القرآن الكريم: ذكر ابن الجوزيّ- نقلا عن بعض المفسّرين أنّ الأمانة في القرآن الكريم على ثلاثة أو جه: أحدها: الفرائض ومنه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ (الأنفال/ ٢٧) . الثّاني: الوديعة، ومنه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها (النساء/ ٥٨) . الثّالث: العفّة (والصّيانة) ، ومنه قوله تعالى: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (القصص/ ٢٦) «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الإيمان- إقامة الشهادة- الاستقامة- النزاهة- التبليغ- الصدق كتمان السر- العفة- المسئولية- الورع. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الخيانة- إفشاء السر- التهاون- شهادة الزور- التطفيف- الغلول التنصل من المسئولية- الكذب- نقض العهد] .

стр. 1222

الآيات الواردة في «الأمانة» أولا: ما يؤتمن عليه الإنسان من ودائع ونحوها: ١- وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) «١» ٢- وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) «٢» ٣- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) «٣» ٤- وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧) «٤» ٥- فَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) «٥» ٦- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) «٦»

стр. 1223

٧- إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) «١» ثانيا: ما يؤمن عليه الإنسان من الفرائض والتكاليف: ٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) «٢» ٩- إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣) «٣» ثالثا: ما يؤمن عليه الإنسان من الأعراض (العفة والصيانة) والتكاليف: ١٠- قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) «٤» ١١- وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)

стр. 1224

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) «١» رابعا: ما يؤتمن عليه الرسل والملائكة في التبليغ عن المولى- -: ١٢- وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) «٢» ١٣- كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) «٣» ١٤- كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧) «٤» ١٥- وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) «٥» ١٦- إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) «٦»

стр. 1225

الأحاديث الواردة في (الأمانة) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» ) * «١» . ٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ خطب في حجّة الوداع فكان ممّا قال: «اتّقوا الله في النّساء؛ فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله. وإنّ لكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ... الحديث» ) * «٢» . ٣-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ قال: «أخبرني أبو سفيان أنّ هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم فزعمت أنّه يأمر بالصّلاة والصّدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبيّ» ) * «٣» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» ) * «٤» . ٥-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا حدّث الرّجل الحديث ثمّ التفت فهي أمانة» ) * «٥» . ٦-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» ) * «٦» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الإمام ضامن «٧» والمؤذّن مؤتمن» . اللهم أرشد الأئمّة واغفر للمؤذّنين» ) * «٩» . ٨-* (عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ- ﵄: أنّ أباه استشهد يوم أحد وترك ستّ بنات وترك عليه دينا. فلمّا حضره جذاذ النّخل «١٠» أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، قد علمت أنّ والدي استشهد يوم أحد وترك عليه دينا كثيرا وإنّي

стр. 1226

أحبّ أن يراك الغرماء. قال: «اذهب فبيدر كلّ تمر على ناحية. ففعلت ثمّ دعوته فلمّا نظروا إليه أغروا بي تلك السّاعة. فلمّا رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها بيدرا «١» ثلاث مرّات. ثمّ جلس عليه ثمّ قال: «ادع أصحابك» فما زال يكيل لهم حتّى أدّى الله أمانة والدي. وأنا والله راض أن يؤدّي الله أمانة والدي، ولا أرجع إلى أخواتي تمرة. فسلم- والله- البيادر كلّها حتّى إنّي أنظر إلى البيدر الّذي عليه رسول الله ﷺ كأنّه لم ينقص تمرة واحدة» ) * «٢» . ٩-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّه سمع رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله يبغض الفحش والتّفحّش. والّذي نفس محمّد بيده لا تقوم السّاعة حتّى يخوّن الأمين، ويؤتمن الخائن. حتّى يظهر الفحش والتّفحّش. وقطيعة الأرحام. وسوء الجوار. والّذي نفس محمّد بيده إنّ مثل المؤمن لكمثل القطعة من الذّهب، نفخ عليها صاحبها فلم تغيّر ولم تنقص. والّذي نفس محمّد بيده إنّ مثل المؤمن لكمثل النّحلة أكلت طيّبا. ووضعت طيّبا. ووقعت فلم تكسر ولم تفسد» . قال وقال: «ألا إنّ لي حوضا ما بين ناحيتيه كما بين أيلة إلى مكّة» ، أو قال: «صنعاء إلى المدينة، وإنّ فيه من الأباريق مثل الكواكب، هو أشدّ بياضا من اللّبن وأحلى من العسل. من شرب منه لا يظمأ بعدها أبدا» ) * «٣» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لي على قريش حقّا، وإنّ لقريش عليكم حقّا، ما حكموا فعدلوا، وأتمنوا فأدّوا، واسترحموا فرحموا» ) * «٤» . ١١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أعظم الأمانة «٥» عند الله يوم القيامة: الرّجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثمّ ينشر سرّها» . وفي رواية: «من أشرّ النّاس» ) * «٦» . ١٢-* (عن أمّ سلمة- رضي الله تعالى عنها- في حديث هجرة الحبشة، ومن كلام جعفر في مخاطبة

стр. 1227

النّجاشيّ. فقال له: أيّها الملك، كنّا قوما أهل جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوىّ منّا الضّعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث الله إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله، لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث. وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدّماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّيام، قال: فعدّد عليه أمور الإسلام. فصدّقناه وآمنّا، واتّبعناه على ما جاء به ... الحديث» ) * «١» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: بينما النّبي ﷺ في مجلس يحدّث القوم جاء أعرابيّ فقال: متى السّاعة؟ فمضى رسول الله ﷺ يحدّث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتّى إذا قضى حديثه قال: «أين أراه السّائل عن السّاعة؟» قال: ها أنا يا رسول الله. قال: «فإذا ضيّعت الأمانة فانتظر السّاعة» . قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر السّاعة» ) * «٢» . ١٤-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر: حدّثنا أنّ الأمانة «٣» نزلت في جذر قلوب الرّجال، ثمّ علموا من القرآن ثمّ علموا من السّنّة. وحدّثنا عن رفعها. قال: «ينام الرّجل النّومة فتقبض الأمانة من قلبه فيظلّ أثرها مثل أثر الوكت «٤» . ثمّ ينام النّومة فتقبض فيبقى فيها أثرها مثل أثر المجل «٥» ، كجمر دحرجته على رجلك فنفط «٦» . فتراه منتبرا «٧» وليس فيه شيء، ويصبح النّاس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدّي الأمانة، فيقال: إنّ في بني فلان رجلا أمينا. ويقال للرّجل ما أعقله، وما أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان. ولقد أتى عليّ زمان ولا أبالي أيّكم بايعت «٨» . لئن كان مسلما ردّه عليّ الإسلام، وإن كان نصرانيّا ردّه عليّ ساعيه، وأمّا اليوم فما كنت أبايع إلّا فلانا وفلانا» ) * «٩» .

стр. 1228

١٥-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «الخازن الأمين الّذي يؤدّي ما أمر به طيّبة نفسه أحد المتصدّقين» ) * «١» . ١٦-* (عن أبي الدّرداء- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : «خمس من جاء بهنّ مع إيمان دخل الجنّة: من حافظ على الصّلوات الخمس على وضوئهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ ومواقيتهنّ. وصام رمضان. وحجّ البيت إن استطاع إليه سبيلا وأعطى الزّكاة طيّبة بها نفسه. وأدّى الأمانة» . قالوا: يا أبا الدّرداء: وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة» ) * «٢» . ١٧-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبي معيط فمرّ بي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فقال: «يا غلام، هل من لبن؟» قال قلت: نعم. ولكنّي مؤتمن. قال: «فهل من شاة لم ينز «٣» عليها الفحل؟» فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلبه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر. ثمّ قال للضّرع: «اقلص» فقلص «٤» . قال: ثمّ أتيته بعد هذا. فقلت: يا رسول الله، علّمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي، وقال: «يرحمك الله، فإنّك غليّم معلّم» ) * «٥» . ١٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف بكم، وبزمان يوشك أن يأتي يغربل النّاس «٦» فيه غربلة، ثمّ تبقى حثالة «٧» من النّاس قد مرجت «٨» عهودهم وأماناتهم، فاختلفوا هكذا وشبّك بين أصابعه- قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما تنكرون، وتقبلون على خاصّتكم، وتذرون أمر عوامّكم» ) * «٩» . ١٩-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال لأهل نجران: لأبعثنّ إليكم رجلا أمينا حقّ أمين. فاستشرف لها أصحاب النّبيّ ﷺ فبعث أبا عبيدة» ) * «١٠» . ٢٠-* (عن أمّ سلمة وأبي هريرة- ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «المستشار

стр. 1229

مؤتمن» ) * «١» . ٢١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لكلّ أمّة أمين، وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة» ) * «٢» . ٢٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الملك في قريش والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، والأمانة في الأزد» يعني اليمن» ) * «٣» . ٢٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. والمؤمن من أمنه النّاس على دمائهم وأموالهم» ) * «٤» . ٢٤-* (عن عبد الله بن عمر- رضي الله تعالى عنهما- أنّه كان يقول للرّجل إذا أراد سفرا: ادن منّي أودّعك كما كان رسول الله ﷺ يودّعنا: «أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك» ) * «٥» . ٢٥-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي. ثمّ قال: «يا أبا ذرّ إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة خزي وندامة، إلّا من أخذها بحقّها وأدّى الّذي عليه فيها» ) * «٦» . ٢٦-* (عن حذيفة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يجمع الله ﵎ النّاس فيقوم المؤمنون حتّى تزلف «٧» لهم الجنّة. فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنّة. فيقول: وهل أخرجكم من الجنّة إلّا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله. قال: فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك، إنّما كنت خليلا من وراء وراء «٨» ، اعمدوا إلى موسى ﷺ الّذي كلّمه الله تكليما. فيأتون موسى ﷺ فيقول: لست بصاحب ذلك. اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه. فيقول عيسى ﷺ : لست بصاحب ذلك. فيأتون محمّدا ﷺ

стр. 1230

فيقوم فيؤذن له. وترسل الأمانة والرّحم «١» فتقومان جنبتي الصّراط يمينا وشمالا. فيمرّ أوّلكم كالبرق» . قال قلت: بأبي أنت وأمّي أيّ شيء كمرّ البرق؟ قال: «ألم تروا إلى البرق كيف يمرّ ويرجع في طرفة عين؟ ثمّ كمرّ الرّيح. ثمّ كمرّ الطّير، وشدّ الرّجال «٢» . تجري بهم أعمالهم «٣» . ونبيّكم قائم على الصّراط يقول: ربّ سلّم سلّم. حتّى تعجز أعمال العباد حتّى يجيء الرّجل فلا يستطيع السّير إلّا زحفا» . قال: «وفي حافتي الصّراط كلاليب معلّقة مأمورة بأخذ من أمرت به. فمخدوش ناج ومكدوس «٤» في النّار» ) * «٥» . الأحاديث الواردة في (الأمانة) معنى ٢٧-* (عن رافع بن خديج- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «العامل على الصّدقة بالحقّ كالغازي في سبيل الله حتّى يرجع إلى بيته» ) * «٦» . ٢٨-* (عن أبي زرارة عديّ بن عميرة الكنديّ- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا فما فوقه، كان غلولا يأتي به يوم القيامة، قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأنّي أنظر إليه. فقال: يا رسول الله اقبل عنّي عملك، قال: وما لك؟ قال: سمعتك تقول: كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الآن. من استعملناه منكم على عمل فليجأ بقليله وكثيرة. فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى» ) * «٧» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الأمانة) ٢٩-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بعث عليّ بن أبي طالب- ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة «٨» في أديم مقروظ «٩» ، لم تحصّل من ترابها «١٠» . قال فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرّابع إمّا علقمة وإمّا عامر بن الطّفيل. فقال رجل
следующие страницы →