← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

تحزين من الشّيطان، ورؤيا ممّا يحدّث المرء نفسه. فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصلّ، ولا يحدّث بها النّاس» ) * «١» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «إنّ الدّين يسر ولن يشادّ الدّين أحد إلّا غلبه. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة «٢» والرّوحة وشيء من الدّلجة «٣» » ) * «٤» . ١٠-* (عن بريدة الأسلميّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «بشّر المشّائين في الظّلم إلى المساجد بالنّور التّامّ يوم القيامة» ) * «٥» . ١١-* (عن أبيّ بن كعب- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ؛ قال: «بشّر هذه الأمّة بالسّناء والرّفعة والنّصر والتّمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الاخرة للدّنيا لم يكن له في الاخرة نصيب» ) * «٦» . ١٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: بينما جبريل قاعد عند النّبيّ ﷺ ، سمع نقيضا من فوقه «٧» . فرفع رأسه فقال: «هذا باب من السّماء فتح اليوم، لم يفتح قطّ إلّا اليوم» . فنزل منه ملك، فقال: «هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم» ، فسلّم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبيّ قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلّا أعطيته» ) * «٨» . ١٣-* (عن أبي طلحة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ جاء ذات يوم والبشرى في وجهه فقلنا: يا رسول الله إنّا لنرى البشرى في وجهك؟ فقال: «إنّه أتاني الملك فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقول أما يرضيك أنّه لا يصلّي عليك أحد إلّا صلّيت عليه عشرا ولا يسلّم عليك أحد إلّا سلّمت عليه عشرا» ) * «٩» . ١٤-* (عن عمران بن حصين- ﵄ قال: جاء نفر من بني تميم إلى النّبيّ ﷺ فقال: «يا بني تميم أبشروا» . فقالوا: بشّرتنا فأعطنا. فتغيّر وجهه. فجاءه أهل اليمن، فقال: «يا أهل اليمن اقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم» . قالوا: قبلنا. فأخذ النّبيّ ﷺ يحدّث بدء الخلق «١٠» والعرش، فجاء رجل

стр. 1507

فقال: يا عمران راحلتك تفلّتت. ليتني لم أقم» ) * «١» . ١٥-* (عن أبي هريرة وأبي سعيد- ﵄ قالا: خطبنا رسول الله ﷺ يوما، فقال: «والّذي نفسي بيده (ثلاث مرّات) ثمّ أكبّ، فأكبّ كلّ رجل منّا يبكي لا يدري على ماذا حلف، ثمّ رفع رأسه وفي وجهه البشرى فكانت أحبّ إلينا من حمر النّعم. ثمّ قال: «ما من عبد يصلّي الصّلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزّكاة ويجتنب الكبائر السّبع إلّا فتحت له أبواب الجنّة فقيل له ادخل بسلام» ) * «٢» . ١٦-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: خرجت ليلة من اللّيالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده. ليس معه إنسان. قال: فظننت أنّه يكره أن يمشي معه أحد. قال: فجعلت أمشي في ظلّ القمر. فالتفت فرآني فقال: «من هذا؟» فقلت: أبو ذرّ. جعلني الله فداءك. قال: «يا أبا ذرّ تعال» قال: فمشيت معه ساعة. فقال: «إنّ المكثرين هم المقلّون يوم القيامة. إلّا من أعطاه الله خيرا. فنفح فيه يمينه وشماله، وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرا» قال: فمشيت معه ساعة. فقال: «اجلس ههنا» قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة. فقال لي: «اجلس ههنا حتّى أرجع إليك» قال: فانطلق في الحرّة حتّى لا أراه. فلبث عنّي. فأطال اللّبث. ثمّ إنّي سمعته وهو مقبل وهو يقول: «وإن سرق وإن زنى» قال: فلمّا جاء لم أصبر فقلت: يا نبيّ الله جعلني الله فداءك. من تكلّم في جانب الحرّة؟ ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا. قال: «ذاك جبريل. عرض لي في جانب الحرّة. فقال: بشّر أمّتك أنّه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة. فقلت: «يا جبريل وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى» ؟ قال: نعم. قال قلت: «وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم. وإن شرب الخمر» ) * «٣» . ١٧-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ ؛ أنّها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ : «سدّدوا وقاربوا، وأبشروا؛ فإنّه لن يدخل الجنّة أحدا عمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا. إلّا أن يتغمّدني الله برحمة. واعلموا أنّ أحبّ العمل إلى الله أدومه وإن قلّ» ) * «٤» . ١٨-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرّجل يعمل العمل من الخير ويحمده النّاس عليه؟ قال: «تلك عاجل بشرى المؤمن» ) * «٥» . ١٩-* (عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ ، قالت: كان أوّل ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا

стр. 1508

الصّادقة في النّوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. ثمّ حبّب إليه الخلاء. فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه (وهو التّعبّد) «١» اللّيالي أولات العدد. قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها. حتّى فجئه الحقّ وهو في غار حراء، فجاء الملك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» . قال: فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. قال: قلت: «ما أنا بقارى» . قال: فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارى» فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني. فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق/ الاية ١- ٥) . فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره حتّى دخل على خديجة فقال «زمّلوني زمّلوني فزمّلوه» حتّى ذهب عنه الرّوع. ثمّ قال لخديجة: «أي خديجة مالي؟» ، وأخبرها الخبر. قال: «لقد خشيت على نفسي» «٢» قالت له خديجة: كلّا. أبشر. فو الله لا يخزيك الله أبدا. والله إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، وهو ابن عمّ خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العربيّ، ويكتب من الإنجيل بالعربيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي عمّ اسمع من ابن أخيك. قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رآه. فقال له ورقة: هذا النّاموس «٣» الّذي أنزل على موسى ﷺ ، ياليتني فيها جذعا «٤» ، يا ليتني أكون حيّا حين يخرجك قومك. قال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قطّ بما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا) * «٥» . ٢٠-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا، أقرع بين نسائه. فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه. الحديث ... وفيه: قالت، فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ ، وهو يضحك، فكان

стр. 1509

أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أمّا الله فقد برّأك ... الحديث) * «١» . ٢١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كشف رسول الله ﷺ السّتارة والنّاس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أيّها النّاس إنّه لم يبق من مبشّرات النّبوّة إلّا الرّؤيا الصّالحة يراها المسلم. أو ترى له، ألا وإنّي نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا. فأمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ- وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء. فقمن «٢» أن يستجاب لكم» ) * «٣» . ٢٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنت أدعو أمّي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله إنّي كنت أدعو أمّي إلى الإسلام فتأبى عليّ فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اهد أمّ أبي هريرة» ، فخرجت مستبشرا بدعوة نبيّ الله ﷺ ، فلمّا جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف «٤» فسمعت أمّي خشف قدميّ «٥» ، فقالت مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء «٦» . قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثمّ قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أمّ أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال: «خيرا» . قال: قلت يا رسول الله ادع الله أن يحبّبني أنا وأمّي إلى عباده المؤمنين ويحبّبهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ حبّب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة- وأمّه إلى عبادك المؤمنين وحبّب إليهم المؤمنين» فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلّا أحبّني) * «٧» . ٢٣-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: كنت أنا وأصحابي، الّذين قدموا معي في السّفينة نزولا في بقيع بطحان «٨» ورسول الله ﷺ بالمدينة. فكان يتناوب رسول الله ﷺ عند صلاة العشاء كلّ ليلة نفر منهم «٩» . قال أبو موسى: فوافقنا رسول الله ﷺ أنا وأصحابي. وله بعض الشّغل في أمره، حتّى أعتم بالصّلاة. حتّى ابهارّ اللّيل «١٠» ثمّ خرج رسول الله ﷺ فصلّى بهم. فلمّا قضى صلاته قال لمن حضره: «على رسلكم «١١» . أعلمكم، وأبشروا أنّ من نعمة الله

стр. 1510

عليكم أنّه ليس من النّاس أحد، يصلّي هذه السّاعة غيركم» أو قال: «ما صلّى هذه السّاعة أحد غيركم» . قال أبو موسى: فرجعنا فرحين بما سمعنا من رسول الله ﷺ * «١» . ٢٤-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ قال: كنت ردف «٢» النّبيّ ﷺ على حمار يقال له عفير. فقال: «يا معاذ هل تدري حقّ الله على عباده وما حقّ العباد على الله؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ حقّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا. وحقّ العباد على الله، أن لا يعذّب من لا يشرك به شيئا» . فقلت: يا رسول الله: أفلا أبشّر به النّاس. قال: «لا تبشّرهم فيتّكلوا» ) * «٣» . ٢٥-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: كنت عند النّبيّ ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكّة والمدينة. ومعه بلال فأتى رسول الله ﷺ رجل أعرابيّ. فقال: ألا تنجز لي، يا محمّد ما وعدتني؟ فقال له رسول الله ﷺ : «أبشر» . فقال له الأعرابيّ: أكثرت عليّ من أبشر. فأقبل رسول الله ﷺ على أبي موسى وبلال، كهيئة الغضبان. فقال: «إنّ هذا قد ردّ البشرى. فاقبلا أنتما» . فقالا: قبلنا يا رسول الله. ثمّ دعا رسول الله ﷺ بقدح فيه ماء. فغسل يديه ووجهه فيه، ومجّ فيه. ثمّ قال: «اشربا منه. وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا» . فأخذا القدح. ففعلا ما أمرهما به رسول الله ﷺ فنادتهما أمّ سلمة من وراء السّتر: أفضلا لأمّكما ممّا في إنائكما. فأفضلا لها منه طائفة) * «٤» . ٢٦-* (عن المغيرة- ﵁ قال: قال سعد بن عبادة لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسّيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «تعجبون من غيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير منّي، ومن أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحبّ إليه العذر «٥» من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشّرين والمنذرين، ولا أحد أحبّ إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنّة» ) * «٦» . ٢٧-* (عن عبد الله الهوزنيّ؛ قال: لقيت بلالا مؤذّن رسول الله ﷺ بحلب «٧» ، فقلت: يا بلال، حدّثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ قال: ما كان له شيء، كنت أنا الّذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفّي، وكان إذا أتاه الإنسان مسلما فرآه عاريا يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري له البردة فأكسوه وأطعمه، حتّى اعترضني رجل من المشركين

стр. 1511

فقال: يا بلال، إنّ عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلّا منّي، ففعلت، فلمّا أن كان ذات يوم توضّأت ثمّ قمت لأؤذّن بالصّلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التّجّار، فلمّا (أن) رآني قال: يا حبشيّ؛ قلت: يالبّاه، فتجهّمني وقال لي قولا غليظا، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشّهر؟ قال: قلت: قريب، قال: إنّما بينك وبينه أربع، فاخذك بالّذي عليك فأردّك ترعى الغنم كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس النّاس، حتّى إذا صلّيت العتمة «١» رجع رسول الله ﷺ إلى أهله فاستأذنت عليه، فأذن لي، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت (وأمّي) إنّ المشرك الّذي كنت أتديّن منه قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عنّي، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق «٢» إلى بعض هؤلاء الأحياء الّذين قد أسلموا حتّى يرزق الله رسوله ﷺ ما يقضي عنّي، فخرجت حتّى إذا أتيت منزلي فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجنّي عند رأسي، حتّى إذا انشقّ عمود الصّبح الأوّل أردت أن أنطلق فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال، أجب رسول الله ﷺ ، فانطلقت حتّى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهنّ أحمالهنّ، فاستأذنت فقال لي رسول الله ﷺ : أبشر فقد جاءك الله بقضائك «٣» ، ثمّ قال: «ألم تر الرّكائب المناخات الأربع؟» فقلت: بلى، فقال: «إنّ لك رقابهنّ وما عليهنّ فإنّ عليهنّ كسوة وطعاما أهداهنّ إليّ عظيم فدك «٤» ، فاقبضهنّ واقض دينك» ففعلت، فذكر الحديث، ثمّ انطلقت إلى المسجد فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد، فسلّمت عليه فقال: «ما فعل ما قبلك؟» قلت: قد قضى الله كلّ شيء كان على رسول الله ﷺ فلم يبق شيء، قال: «أفضل شيء؟» قلت: نعم، قال: «انظر أن تريحني منه، فإنّي لست بداخل على أحد من أهلي حتّى تريحني منه» فلمّا صلّى رسول الله ﷺ العتمة دعاني فقال: «ما فعل الّذي قبلك» قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات رسول الله ﷺ في المسجد وقصّ الحديث، حتّى إذا صلّى العتمة يعني من الغد دعاني قال: «ما فعل الّذي قبلك؟» قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله، فكبّر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثمّ اتّبعته حتّى (إذا) جاء أزواجه فسلّم عليهنّ امرأة امرأة، حتّى أتى مبيته، فهذا الّذي سألتني عنه) * «٥» . ٢٨-* (عن كعب بن مالك- ﵁ قال: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قطّ. إلّا في غزوة تبوك ... الحديث وفيه: فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر الله- منّا. قد

стр. 1512

ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع «١» يقول، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، قال فاذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا، حين صلّى صلاة الفجر فذهب النّاس يبشّروننا. فذهب قبل صاحبيّ مبشّرون، وركض رجل إليّ فرسا، وسعى ساع من أسلم «٢» قبلي، وأوفى الجبل، فكان الصّوت أسرع من الفرس فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته يبشّرني. فنزعت له ثوبيّ فكسوتهما إيّاه ببشارته. والله ما أملك غيرهما يومئذ. واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت أتأمّم «٣» رسول الله ﷺ يتلقّاني النّاس فوجا فوجا، يهنّئوني بالتّوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك. حتّى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله النّاس، فقام طلحة ابن عبيد الله يهرول حتّى صافحني وهنّأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول الله ﷺ قال، وهو يبرق وجهه من السّرور ويقول: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» قال فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال «لا. بل من عند الله» وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه، كأنّ وجهه قطعة قمر. قال وكنّا نعرف ذلك) * «٤» . ٢٩-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة أنّه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أوّلهم: أيّهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك اللّيلة فلم يرهم حتّى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلّموه حتّى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولّاه منهم جبريل فشقّ جبريل ما بين نحره إلى لبّته حتّى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتّى أنقى جوفه ثمّ أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب «٥» محشوّا إيمانا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده يعني عروق حلقه ثمّ أطبقه، ثمّ عرج به إلى السّماء الدّنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السّماء، من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمّد، قال: وقد بعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا، فيستبشر به أهل السّماء ... الحديث) * «٦» . ٣٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن

стр. 1513

النّبيّ ﷺ قال: «ما أهلّ مهلّ قطّ إلّا بشّر» قيل: يا رسول الله بالجنّة؟ قال: «نعم» ) * «١» . ٣١-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنّا لنكره الموت. قال: «ليس ذلك، ولكنّ المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه ممّا أمامه، فأحبّ لقاء الله وأحبّ الله لقاءه، وإنّ الكافر إذا حضر بشّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه ممّا أمامه. فكره لقاء الله وكره الله لقاءه» ) * «٢» . ٣٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «الميّت تحضره الملائكة. فإذا كان الرّجل صالحا، قالوا: اخرجي أيّتها النّفس الطّيّبة كانت في الجسد الطّيّب، اخرجي حميدة، وأبشري بروح وريحان وربّ غير غضبان فلا يزال يقال لها، حتّى تخرج. ثمّ يعرج بها إلى السّماء. فيفتح لها. فيقال: من هذا؟ فيقولون فلان. فيقال: مرحبا بالنّفس الطّيّبة، كانت في الجسد الطّيّب. ادخلي حميدة، وأبشري بروح وريحان وربّ غير غضبان. فلا يزال يقال لها ذلك حتّى ينتهى بها إلى السّماء الّتي فيها الله . وإذا كان الرّجل السّوء قال: اخرجي أيّتها النّفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة، وأبشري بحميم وغسّاق وآخر من شكله أزواج. فلا يزال يقال لها ذلك حتّى تخرج، ثمّ يعرج بها إلى السّماء، فلا يفتح لها. فيقال: من هذا؟ فيقال: فلان. فيقال: لا مرحبا بالنّفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث. ارجعي ذميمة، فإنّها لا تفتح لك أبواب السّماء، فيرسل بها من السّماء، ثمّ تصير إلى القبر» ) * «٣» . ٣٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: إنّ النّبيّ ﷺ قال: «يجمع الله النّاس يوم القيامة في صعيد واحد ثمّ يطلع عليهم ربّ العالمين فيقول: ألا يتبع كلّ إنسان ما كانوا يعبدون، فيمثّل لصاحب الصّليب صليبه، ولصاحب التّصاوير تصاويره، ولصاحب النّار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون فيطلع عليهم ربّ العالمين، فيقول: ألا تتّبعون النّاس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، نعوذ بالله منك، الله ربّنا، وهذا مكاننا حتّى نرى ربّنا وهو يأمرهم ويثبّتهم، ثمّ يتوارى ثمّ يطلع فيقول: ألا تتّبعون النّاس؟ فيقولون: نعوذ بالله منك، نعوذ بالله منك الله ربّنا، وهذا مكاننا حتّى نرى ربّنا وهو يأمرهم ويثبّتهم، قالوا: وهل نراه يا رسول الله؟ قال: «وهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإنّكم لا تضارّون في رؤيته تلك

стр. 1514

السّاعة، ثمّ يتوارى ثمّ يطلع فيعرّفهم نفسه، ثمّ يقول: أنا ربّكم فاتّبعوني فيقوم المسلمون، ويوضع الصّراط، فيمرّون عليه مثل جياد الخيل والرّكاب «١» وقولهم عليه سلّم سلّم، ويبقى أهل النّار فيطرح منهم فيها فوج، ثمّ يقال هل امتلأت؟ فتقول هَلْ مِنْ مَزِيدٍ ثمّ يطرح فيها فوج، فيقال: هل امتلأت، فتقول هَلْ مِنْ مَزِيدٍ حتّى إذا أوعبوا فيها «٢» وضع الرّحمن قدمه فيها وأزوى بعضها إلى بعض، ثمّ قال: قط، قالت: قط قط «٣» . فإذا أدخل الله أهل الجنّة الجنّة وأهل النّار النّار، قال: أتي بالموت ملبّيا، فيوقف على السّور الّذي بين أهل الجنّة وأهل النّار، ثمّ يقال: يا أهل الجنّة، فيطّلعون خائفين، ثمّ يقال: يا أهل النّار: فيطّلعون مستبشرين يرجون الشّفاعة، فيقال لأهل الجنّة وأهل النّار: هل تعرفون هذا؟ فيقولون (هؤلاء وهؤلاء) : قد عرفناه، هو الموت الّذي وكّل بنا، فيضجع فيذبح ذبحا على السّور الّذي بين الجنّة والنّار، ثمّ يقال: يا أهل الجنّة خلود لا موت، ويا أهل النّار خلود لا موت» ) * «٤» . ٣٤-* (عن أبي سعيد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله يا آدم، فيقول: لبّيك وسعديك، والخير في يديك، قال يقول: أخرج بعث النّار، قال: وما بعث النّار؟ قال: من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فذاك حين يشيب الصّغير، وتضع كلّ ذات حمل حملها، وترى النّاس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد. فاشتدّ ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أيّنا ذلك الرّجل؟ قال: «أبشروا، فإنّ من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل. ثمّ قال: والّذي نفسي بيده، إنّي لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنّة. قال: فحمدنا الله وكبّرنا. ثمّ قال: والّذي نفسي بيده، إنّي لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنّة، إنّ مثلكم في الأمم كمثل الشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود، أو كالرّقمة في ذراع الحمار «٥» » ) * «٦» .

стр. 1515

الأحاديث الواردة في (البشارة) معنى ٣٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ يوما بلحم. فرفع إليه الذّراع وكانت تعجبه. فنهس «١» منها نهسة فقال: «أنا سيّد النّاس يوم القيامة ... الحديث وفيه: ثمّ يقال: يا محمّد ارفع رأسك، سل تعطه. اشفع تشفّع. فأرفع رأسي فأقول: يا ربّ أمّتي، أمّتي. فيقال: يا محمّد أدخل الجنّة من أمّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنّة. وهم شركاء النّاس «٢» فيما سوى ذلك من الأبواب. والّذي نفس محمّد بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة «٣» لكما بين مكّة وهجر «٤» أو كما بين مكّة وبصرى «٥» » ) * «٦» . ٣٦-* (عن ابن مسعود- ﵁ أنّ رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له، فأنزلت عليه وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ قال الرّجل: ألي هذه؟ قال: «لمن عمل بها من أمّتي» ) * «٧» . ٣٧-* (عن سهل بن سعد- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ؛ قال يوم خيبر: «لأعطينّ هذه الرّاية رجلا يفتح الله على يديه. يحبّ الله ورسوله. ويحبّه الله ورسوله قال: فبات النّاس يدوكون «٨» ليلتهم أيّهم يعطاها. قال: فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول الله ﷺ . كلّهم يرجو أن يعطاها. فقال: «أين عليّ بن أبي طالب؟» فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال فأرسلوا إليه. فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه. ودعا له فبرأ. حتّى كأن لم يكن به وجع. فأعطاه الرّاية. فقال عليّ: يا رسول الله أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا. فقال: «انفذ على رسلك «٩» . حتّى تنزل بساحتهم. ثمّ ادعهم إلى الإسلام. وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله فيه. فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم «١٠» » ) * «١١» . ٣٨-* (عن مالك بن صعصعة- ﵁ أنّ نبيّ الله ﷺ حدّثه عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم وربّما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت فقدّ- قال وسمعته يقول: فشقّ- ما بين

стр. 1516

هذه إلى هذه» ... الحديث. وفيه: «ثمّ فرضت عليّ الصّلاة خمسين صلاة كلّ يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمسين صلاة كلّ يوم، وإنّي والله قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك، فرجعت، فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فأمرت بعشر صلوات كلّ يوم، فرجعت فقال مثله. فرجعت فأمرت بخمس صلوات كلّ يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمس صلوات كلّ يوم، وإنّي قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة. فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك. قال: سألت ربّي حتّى استحييت، ولكن أرضى وأسلّم» . قال: «فلمّا جاوزت نادى مناد. أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي» ) * «١» . ٣٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ ؛ قال لبلال عند صلاة الفجر: «يا بلال حدّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإنّي سمعت دفّ «٢» نعليك بين يديّ في الجنّة؟» . قال: ما عملت عملا أرجى عندي أنّي لم أتطهّر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلّا صلّيت بذلك الطّهور ما كتب لي أن أصلّي) * «٣» . ٤٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الميّت يصير إلى القبر. فيجلس الرّجل الصّالح في قبره، غير فزع ولا مشعوف «٤» . ثمّ يقال له: فيم كنت «٥» ؟ فيقول: كنت في الإسلام. فيقال له: ما هذا الرّجل؟ فيقول: محمّد رسول الله ﷺ جاءنا بالبيّنات من عند الله فصدّقناه. فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فيفرج له فرجة قبل النّار. فينظر إليها يحطم بعضها بعضا «٦» . فيقال له: انظر إلى ما وقاك الله. ثمّ يفرج له قبل الجنّة. فينظر إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: هذا مقعدك. ويقال له: على اليقين كنت وعليه متّ. وعليه تبعث إن شاء الله «٧» ويجلس الرّجل السّوء في قبره فزعا مشعوفا. فيقال له: فيم كنت؟ فيقول: لا أدري. فيقال له: ما هذا الرّجل؟ فيقول: سمعت النّاس يقولون قولا فقلته. فيفرج له قبل الجنّة. فينظر

стр. 1517

إلى زهرتها وما فيها. فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك. ثمّ يفرج له فرجة قبل النّار. فينظر إليها. يحطم بعضها بعضا. فيقال له: هذا مقعدك على الشّكّ كنت. وعليه متّ. وعليه تبعث، إن شاء الله تعالى» ) * «١» . ٤١-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم آخر أهل الجنّة دخولا الجنّة. وآخر أهل النّار خروجا منها. رجل يؤتى به يوم القيامة. فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها. فتعرض عليه صغار ذنوبه. فيقال: عملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا، كذا وكذا، فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر. وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه. فيقال له: فإنّ لك مكان كلّ سيّئة حسنة. فيقول: ربّ قد عملت أشياء لا أراها ههنا» فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه) * «٢» . ٤٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ بسيسة عينا «٣» ينظر ما صنعت عير أبي سفيان «٤» . فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله ﷺ . (قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه) قال: فحدّثه الحديث. قال: فخرج رسول الله ﷺ فتكلّم. فقال: «إنّ لنا طلبة «٥» فمن كان ظهره «٦» حاضرا فليركب معنا» فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم «٧» في علو المدينة. فقال: «لا إلّا من كان ظهره حاضرا» فانطلق رسول الله ﷺ وأصحابه. حتّى سبقوا المشركين إلى بدر وجاء المشركون. فقال رسول الله ﷺ : «لا يقدّمنّ أحد منكم إلى شيء حتّى أكون أنا دونه «٨» » فدنا المشركون. فقال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» قال: يقول عمير ابن الحمام الأنصاريّ: يا رسول الله جنّة عرضها السّماوات والأرض؟. قال: «نعم» . قال: بخ بخ «٩» . فقال رسول الله ﷺ : «ما يحملك على قولك بخ بخ» . قال: لا. والله يا رسول الله إلّا رجاءة «١٠» أن أكون من أهلها. قال: «فإنّك من أهلها» فأخرج تمرات من قرنه «١١» . فجعل يأكل منهنّ. ثمّ قال: لئن أنا حييت حتّى آكل تمراتي هذه إنّها لحياة طويلة. قال فرمى بما كان معه من التّمر، ثمّ قاتلهم حتّى

стр. 1518

قتل) * «١» . ٤٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : عرضت عليّ الأمم فأخذ النّبيّ يمرّ معه الأمّة، والنّبيّ يمرّ معه النّفر، والنّبيّ يمرّ معه العشرة، والنّبيّ يمرّ معه الخمسة، والنّبيّ يمرّ وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل هؤلاء أمّتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمّتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيّرون «٢» ، وعلى ربّهم يتوكّلون. فقام إليه عكّاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «اللهمّ اجعله منهم» . ثمّ قام إليه رجل آخر. فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «سبقك بها عكّاشة» ) * «٣» . ٤٤-* (عن خرشة بن الحرّ. قال: كنت جالسا في حلقة مسجد المدينة. قال وفيها شيخ حسن الهيئة. وهو عبد الله بن سلام. قال فجعل يحدّثهم حديثا حسنا. قال فلمّا قام قال القوم: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا. قال فقلت: والله لأتّبعنّه فلأعلمنّ مكان بيته. قال فتبعته. فانطلق حتّى كاد أن يخرج من المدينة. ثمّ دخل منزله. قال فاستأذنت عليه فأذن لي. فقال: ما حاجتك يا ابن أخي؟ قال فقلت له: سمعت القوم يقولون لك لمّا قمت: من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة فلينظر إلى هذا. فأعجبني أن أكون معك. قال: الله أعلم بأهل الجنّة. وسأحدّثك ممّ قالوا ذاك؟ إنّي بينما أنا نائم، إذ أتاني رجل فقال لي: قم. فأخذ بيدي فانطلقت معه. قال فإذا بجوادّ عن شمالي. قال فأخذت لاخذ فيها، فقال لي: لا تأخذ فيها فإنّها طرق أصحاب الشّمال. قال فإذا جوادّ منهج «٤» على يميني، فقال لي: خذ ههنا، فأتى بي جبلا، فقال لي: اصعد. قال: فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت على استي. قال: حتّى فعلت ذلك مرارا. قال: ثمّ انطلق بي حتّى أتى بي عمودا، رأسه في السّماء وأسفله في الأرض، في أعلاه حلقة فقال لي: اصعد فوق هذا. قال قلت: كيف أصعد هذا؟ ورأسه في السّماء. قال: فأخذ بيدي فزجل بي «٥» . قال: فإذا أنا متعلّق بالحلقة. قال ثمّ ضرب العمود فخرّ. قال: وبقيت متعلّقا بالحلقة حتّى أصبحت. قال: فأتيت النّبيّ ﷺ فقصصتها عليه. فقال: «أمّا الطّرق الّتي رأيت عن يسارك فهي طرق أصحاب الشّمال. قال وأمّا الطّرق الّتي رأيت عن يمينك فهي طرق أصحاب اليمين؛ وأمّا الجبل فهو منزل الشّهداء، ولن تناله؛ أمّا العمود فهو عمود الإسلام؛ وأمّا العروة فهي عروة الإسلام ولن

стр. 1519

تزال متمسّكا بها حتّى تموت» ) * «١» . ٤٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵄ قال: لمّا نزلت: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ (المائدة/ ٩٣) فقال لي رسول الله ﷺ : «أنت منهم» ) * «٢» . ٤٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: وقف النّبيّ ﷺ بعرفات وقد كادت الشّمس تغرب فقال: «يا بلال أنصت لي النّاس» فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله ﷺ فنصت النّاس. فقال: «يا معشر النّاس أتاني جبريل آنفا فأقرأني من ربّي السّلام وقال: إنّ الله- غفر لأهل عرفات وأهل المشعر الحرام وضمن عنهم التّبعات «٣» » فقام عمر بن الخطّاب- ﵁ فقال: يا رسول الله هذا لنا خاصّة؟ قال: «هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة» . فقال عمر ابن الخطّاب: كثر خير الله وطاب) * «٤» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (البشارة) ٤٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أوّل النّاس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشّرهم إذا أيسوا «٥» ، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ولا فخر» ) * «٦» . ٤٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنّا قعودا حول رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر في نفر فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا، فكنت أوّل من فزع فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتّى أتيت حائطا للأنصار لبني النّجّار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والرّبيع الجدول «٧» ) . فاحتفزت «٨» كما يحتفز الثّعلب فدخلت على رسول الله ﷺ فقال: «أبو هريرة؟» فقلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما شأنك. قلت: كنت بين أظهرنا فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا فكنت أوّل من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثّعلب وهؤلاء النّاس ورائي فقال: «يا أبا هريرة» (وأعطاني نعليه) قال: «اذهب بنعليّ هاتين فمن لقيت

стр. 1520

من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقنا بها قلبه فبشّره بالجنّة» ... الحديث) * «١» . ٤٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنّة: يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصّلاة دعي من باب الصّلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصّيام دعي من باب الرّيّان ومن كان من أهل الصّدقة دعي من باب الصّدقة. فقال أبو بكر- ﵁: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله. ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة «٢» فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلّها؟ قال: «نعم. وأرجو أن تكون منهم» ) * «٣» . ٥٠-* (عن أنس بن مالك- ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكّسا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرّ. كان يرفع صوته فوق صوت النّبيّ ﷺ فقد حبط عمله وهو من أهل النّار، فأتى الرّجل النّبيّ ﷺ فأخبره أنّه قال: كذا وكذا، فرجع إليه المرّة الاخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه فقل له: إنّك لست من أهل النّار، ولكنّك من أهل الجنّة» ) * «٤» . ٥١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيّد أهل اليمامة فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: «ماذا عندك يا ثمامة؟» . فقال: عندي يا محمّد خير، إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتّى كان بعد الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة» قال: ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله ﷺ حتّى كان من الغد فقال: «ماذا عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : «أطلقوا ثمامة» ، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثمّ دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، يا محمّد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلّها إليّ، والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحبّ الدّين كلّه إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك فأصبح بلدك أحبّ البلاد كلّها إليّ، وإنّ خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ «فبشّره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر» ، فلمّا قدم مكّة قال له قائل: أصبوت «٥» ؟ فقال: لا ولكنّي أسلمت مع رسول الله ﷺ ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتّى يأذن فيها رسول الله ﷺ * «٦» .

стр. 1521

١-* (قال عبد الله بن زيد الأنصاريّ: «١» أحمد الله ذا الجلال وذا الإك ... رام حمدا على الأذان كثيرا إذ أتاني به البشير من الله ... فأكرم به لديّ بشيرا في ليال والى بهنّ ثلاث ... كلّما جاء زادني توقيرا) *. ٢-* (قال الرّافعيّ: «٢» إذا أمسى فراشي من تراب ... وصرت مجاور الرّب الرّحيم فهنّوني أحبّائي وقولوا ... لك البشرى قدمت على كريم) . من فوائد (البشارة) (١) حصول الفرج بعد الشّدّة. (٢) انشراح الصّدر وسعادة القلب. (٣) دليل كمال الإيمان وحسن الإسلام. (٤) سبب لاستقرار النّفس وراحة البال. (٥) دليل حسن الخاتمة. (٦) حبّ المبشّر لمن يبشّره واستئناسه به. (٧) البشارة تجلب الطّمأنينة وسكون النّفس وترفع الرّوح المعنويّة. (٨) تعود البشارة بالنّفع العاجل للمبشّر كما في حديث كعب بن مالك.

стр. 1522

البشاشة / الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ / ٥/ ٢٣/ ٦/ البشاشة لغة: مصدر بشّ، وهو مأخوذ من مادّة (ب ش ش) الّتي تدلّ بحسب وضع اللّغة على معنى واحد هو اللّقاء الجميل والضّحك إلى الإنسان سرورا به، أنشد ابن دريد: لا يعدم السّائل منه وفرا ... وقبله بشاشة وبشرا بشّ يبشّ بشّا وبشاشة والبشاشة: طلاقة الوجه. والبشّ: اللّطف في المسألة، والإقبال على الرّجل، وقيل: هو أن يضحك له، وقيل فرح الصّديق بالصّديق، ولقاؤه لقاء جميلا. ويقال: رجل هشّ بشّ: أي طلق الوجه طيّب. ويقال للوجه: البشيش، فيقال فلان مضيء البشيش. ويقال: تبشبش به أي آنسه وواصله «١» . والبشّ: اللّطف في المسألة والإقبال على الرّجل وقيل: هو أن يضحك له ويلقاه لقاء جميلا، والبشاشة طلاقة الوجه، وبشاشة اللّقاء: الفرح بالمرء والانبساط إليه والأنس به، ورجل هشّ بشّ وبشّاشّ: طلق الوجه طيّب، وقد بششت به (بالكسر) أبشّ بشّا وبشاشة «٢» . واصطلاحا: هي سرور يظهر في الوجه يدلّ به على ما في القلب من حبّ اللّقاء والفرح بالمقابلة. [للاستزادة: انظر صفات: التودد- حسن السمت- السرور- طلاقة الوجه- الرضا- الفرح] . وفي ضد ذلك: انظر صفات: الجفاء- الحزن العبوس- القنوط- الوهن- اليأس] .

стр. 1523

الآيات الواردة في «البشاشة» معنى ١- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣) «١» ٢- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) «٢» ٣- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) «٣» ٤- تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) «٤» ٥- وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) «٥»

стр. 1524

الأحاديث الواردة في (البشاشة) ١-* (عن عبد الرّحمن بن عوف- ﵁ قال: رآني رسول الله ﷺ وعليّ بشاشة العرس. فقلت: تزوّجت امرأة من الأنصار. فقال: «كم أصدقتها؟» فقلت: نواة من ذهب) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما توطّن «٢» رجل مسلم المساجد للصّلاة والذّكر إلّا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في (البشاشة) معنى ٣-* (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنّ عبد الله بن عبّاس أخبره أنّ أبا سفيان بن حرب أخبره أنّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجّارا بالشّام في المدّة الّتي كان رسول الله ﷺ مادّ فيها «٤» أبا سفيان وكفّار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الرّوم، ثمّ دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيّكم أقرب نسبا بهذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت أنا أقربهم نسبا. فقال أدنوه منّي، وقرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثمّ قال لترجمانه: قل لهم إنّي سائل هذا الرّجل، فإن كذبني فكذّبوه. فو الله لولا الحياء من أن يأثروا علىّ كذبا لكذبت عنه. ثمّ كان أوّل ما سألني عنه أنّه قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قطّ قبله؟ قلت لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت لا. قال: فأشراف النّاس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو فاعل فيها. قال ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيّاه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منّا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصّلاة والصّدق والعفاف والصّلة. فقال للتّرجمان:

стр. 1525

قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنّه فيكم ذو نسب، فكذلك الرّسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك؟ لقلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على النّاس ويكذب على الله، وسألتك أشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرّسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنّهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتّى يتمّ. وسألتك أيرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرّسل لا تغدر. وسألتك بم يأمركم؟ فذكرت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصّلاة والصّدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقّا فسيملك موضع قدميّ هاتين. وقد كنت أعلم أنّه خارج لم أكن أظنّ أنّه منكم، فلو أنّي أعلم أنّي أخلص إليه لتجشّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثمّ دعا بكتاب رسول الله ﷺ الّذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه، فإذا فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم من محمّد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الرّوم. سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين. فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. قال أبو سفيان: فلمّا قال ما قال، وفرغ من قراءة الكتاب، كثر عنده الصّخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا. فقلت لأصحابي حين أخرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنّه يخافه ملك بني الأصفر. فما زلت موقنا أنّه سيظهر حتّى أدخل الله عليّ الإسلام) * «١» .

стр. 1526

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (البشاشة) ٤-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: إنّ رجلا استأذن على النّبيّ ﷺ فلمّا رآه قال: بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة. فلمّا جلس تطلّق «١» النّبيّ ﷺ في وجهه وانبسط إليه. فلمّا انطلق الرّجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرّجل قلت له كذا وكذا. ثمّ تطلّقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال رسول الله ﷺ «يا عائشة متى عهدتني فاحشا؟ إنّ شرّ النّاس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه النّاس اتّقاء شرّه» ) * «٢» . ٥-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «كلّ معروف صدقة، وإنّ من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك» ) * «٣» . ٦-* (عن أبي ذرّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق «٤» » ) * «٥» . ٧-* (عن أبي جريّ جابر بن سليم، قال: رأيت رجلا يصدر «٦» النّاس عن رأيه، لا يقول شيئا إلّا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ . قلت: عليك السّلام يا رسول الله، مرّتين، قال: لا تقل عليك السّلام؛ فإنّ عليك السّلام تحيّة الميّت، قل: السّلام عليك. قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: «أنا رسول الله الّذي إذا أصابك «٧» ضرّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة «٨» فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة «٩» فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك» . قلت: اعهد إليّ، قال: لا تسبّنّ أحدا. قال: فما سببت بعده حرّا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة، قال: «ولا تحقرنّ شيئا من المعروف، وأن تكلّم أخاك، وأنت منبسط إليه وجهك إنّ ذلك من المعروف. وارفع إزارك إلى نصف السّاق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإيّاك وإسبال الإزار، فإنّها من المخيلة «١٠» ، وإنّ الله لا يحبّ المخيلة. وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنّما وبال ذلك عليه) * «١١» . ٨-* (عن أنس- ﵁ أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب بالمدينة فقال: قحط المطر، فاستسق ربّك، فنظر إلى السّماء وما نرى من سحاب، فاستسقى، فنشأ السّحاب بعضه

стр. 1527

إلى بعض، ثمّ مطروا حتّى سالت مثاعب «١» المدينة، فما زالت إلى الجمعة المقبلة ما تقلع ثمّ قام ذلك الرّجل، أو غيره- والنّبيّ ﷺ يخطب فقال: غرقنا، فادع ربّك يحبسها عنّا، فضحك ثمّ قال: «اللهمّ حوالينا ولا علينا» - مرّتين أو ثلاثا، فجعل السّحاب يتصدّع عن المدينة يمينا وشمالا يمطر ما حوالينا، ولا يمطر فيها شيء، يريهم الله كرامة نبيّه ﷺ وإجابة دعوته) * «٢» . ٩-* (عن كعب بن مالك- ﵁ أنّه قال: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها إلّا في غزوة تبوك ... الحديث. وفيه: قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول الله ﷺ قال، وهو يبرق وجهه من السّرور ويقول: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» . قال فقلت: أمن عندك يا رسول الله، أم من عند الله؟ فقال: «لا، بل من عند الله» وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه. كأنّ وجهه قطعة قمر. قال وكنّا نعرف ذلك. قال: فلمّا جلست بين يديه قلت ... الحديث) * «٣» . ١٠-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: لمّا كان رسول الله ﷺ بالطّائف قال: إنّا قافلون غدا إن شاء الله، فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : لا نبرح أو نفتحها. فقال النّبيّ ﷺ : «فاغدوا على القتال. قال: فغدوا فقاتلوهم قتالا شديدا، وكثر فيهم الجراحات، فقال رسول الله ﷺ : إنّا قافلون غدا إن شاء الله. قال: فسكتوا فضحك رسول الله ﷺ * «٤» . ١١-* (عن بريدة الأسلميّ- ﵁ أنّه قال: إنّ النّبيّ ﷺ كان لا يتطيّر من شيء، وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه. فإذا أعجبه اسمه فرح به ورؤي بشر ذلك في وجهه. وإذا دخل قرية سأل عن اسمها. فإن أعجبه اسمها فرح بها ورؤي بشر ذلك في وجهه. وإن كره اسمها رؤي كراهية ذلك في وجهه) * «٥» . ١٢-* (عن أبي طلحة الأنصاريّ- ﵁ أنّه قال: جاء النّبيّ ﷺ يوما وهو يرى البشر في وجهه، فقيل: يا رسول الله، إنّا نرى في وجهك بشرا لم نكن نراه؟ قال: «أجل إنّ ملكا أتاني فقال لي: يا محمّد إنّ ربّك يقول لك: أما يرضيك أن لا يصلّي عليك أحد من أمّتك إلّا صلّيت عليه عشرا، ولا يسلّم عليك إلّا سلّمت عليه عشرا.. قال: قلت: بلى» ) * «٦» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: أتى رجل النّبيّ ﷺ فقال: هلكت، وقعت على أهلي في رمضان. قال: «أعتق رقبة» . قال: ليس لي.

стр. 1528

قال: «فصم شهرين متتابعين» . قال: لا أستطيع. قال: «فأطعم ستّين مسكينا» . قال: لا أجد. فأتي بعرق «١» فيه تمر. فقال: «أين السّائل؟ تصدّق بها» . قال: على أفقر منّي؟ والله ما بين لابتيها «٢» أهل بيت أفقر منّا. فضحك النّبيّ ﷺ حتّى بدت نواجذه، قال: «فأنتم إذا» ) * «٣» . ١٤-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ ممّا عدل به. أتى النّبيّ ﷺ ، وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النّبيّ ﷺ أشرق وجهه وسرّه (يعني قوله)) * «٤» . ١٥-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ قال: استأذن عمر بن الخطّاب- ﵁ على رسول الله ﷺ ، وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهنّ على صوت النّبيّ ﷺ ، فلمّا استأذن عمر تبادرن الحجاب، فأذن له النّبيّ ﷺ فدخل والنّبيّ ﷺ يضحك، فقال أضحك الله سنّك يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي. فقال: «عجبت من هؤلاء اللّاتي كنّ عندي، لمّا سمعن صوتك تبادرن الحجاب» . فقال: أنت أحقّ أن يهبن يا رسول الله. ثمّ أقبل عليهنّ فقال: يا عدوّات أنفسهنّ، أتهبنني ولم تهبن رسول الله ﷺ ؟ فقلن: إنّك أفظّ وأغلظ من رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ : إيه يا ابن الخطّاب، والّذي نفسي بيده ما لقيك الشّيطان سالكا فجّا «٥» إلّا سلك فجّا غير فجّك» ) * «٦» . ١٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: كان أبو بكر يصلّي لهم في وجع رسول الله ﷺ الّذي توفّي فيه حتّى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصّلاة كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم كأنّ وجهه ورقة مصحف ثمّ تبسّم رسول الله ﷺ ضاحكا. قال فبهتنا ونحن في الصّلاة من فرح بخروج رسول الله ﷺ ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ. وظنّ أنّ رسول الله ﷺ خارج للصّلاة فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتمّوا صلاتكم قال: ثمّ دخل رسول الله ﷺ فأرخى السّتر. قال فتوفّي رسول الله ﷺ من يومه ذلك) * «٧» . ١٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: كان رسول الله ﷺ أجود البشر فما هو إلّا أن

стр. 1529

يدخل شهر رمضان فيدارسه «١» جبريل ﷺ فلهو أجود من الرّيح) * «٢» . ١٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس فنظرت إلى صفحة عاتق النّبيّ ﷺ وقد أثّرت فيها حاشية الرّداء من شدّة جبذته، ثمّ قال: يا محمّد، مر لي من مال الله الّذي عندك. فالتفت إليه فضحك، ثمّ أمر له بعطاء) * «٣» . ١٩-* (عن عائشة- ﵂ أنّ رفاعة القرظيّ طلّق امرأته فبتّ طلاقها «٤» ، فتزوّجها بعده عبد الرّحمن بن الزّبير، فجاءت النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله إنّها كانت عند رفاعة فطلّقها ثلاث تطليقات، فتزوّجها بعده عبد الرّحمن بن الزّبير، وإنّه والله ما معه يا رسول الله إلّا مثل هذه الهدبة- لهدبة أخذتها من جلبابها- قال وأبو بكر جالس عند النّبيّ ﷺ وابن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة ليؤذن له، فطفق «٥» خالد ينادي أبا بكر، يا أبا بكر ألا تزجر هذه عمّا تجهر به عند رسول الله؟ وما يزيد رسول الله ﷺ على التّبسّم، ثمّ قال: «لعلّك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» ) * «٦» . ٢٠-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: لمّا اعتزل نبيّ الله ﷺ نساءه قال: دخلت المسجد. فإذا النّاس ينكتون «٧» بالحصى ويقولون: طلّق رسول الله ﷺ نساءه ... إلى أن قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب. فقلت يا رسول الله! ما يشقّ عليك من شأن النّساء؟ فإن كنت طلّقتهنّ؛ فإنّ الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك. وقلّما تكلّمت، وأحمد الله بكلام إلّا رجوت أن يكون الله يصدّق قولي الّذي أقول. ونزلت هذه الاية: آية التّخيير: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ (التحريم/ ٥) وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (التحريم/ ٤) وكانت عائشة بنت أبي بكر وحفصة تظاهران على سائر نساء النّبيّ ﷺ . فقلت: يا رسول الله، أطلّقتهنّ؟ قال «لا» قلت: يا رسول الله، إنّي دخلت المسجد والمسلمون ينكتون بالحصى يقولون: طلّق رسول الله ﷺ نساءه. أفأنزل فأخبرهم أنّك لم تطلّقهنّ؟ قال: «نعم. إن شئت» فلم أزل أحدّثه حتّى تحسّر «٨» الغضب عن وجهه.

стр. 1530

وحتّى كشر «١» فضحك، وكان من أحسن النّاس ثغرا، ثمّ نزل نبيّ الله ﷺ ونزلت. فنزلت أتشبّث «٢» بالجذع ونزل رسول الله ﷺ كأنّما يمشي على الأرض ما يمسّه بيده. فقلت: يا رسول الله! إنّما كنت في الغرفة تسعة وعشرين. قال: «إنّ الشّهر يكون تسعا وعشرين» . فقمت على باب المسجد، فناديت بأعلى صوتي: لم يطلّق رسول الله ﷺ نساءه. ونزلت هذه الاية: وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (النساء/ ٨٣) . فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر. وأنزل الله- آية التّخيير) * «٣» . ٢١-* (عن جرير بن عبد الله البجليّ- ﵁ أنّه قال: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلّا تبسّم في وجهي ولقد شكوت إليه أنّي لا أثبت على الخيل. فضرب بيده في صدري وقال: اللهمّ ثبّته واجعله هاديا مهديّا) * «٤» . ٢٢-* (عن عديّ بن حاتم- ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد فقال القوم: هذا عديّ بن حاتم وجئت بغير أمان ولا كتاب. فلمّا دفعت إليه أخذ بيدي، وقد كان قال قبل ذلك «إنّي لأرجو أن يجعل الله يده في يدي» قال: فقام فلقيته امرأة وصبيّ معها فقالا: إنّ لنا إليك حاجة. فقام معهما حتّى قضى حاجتهما، ثمّ أخذ بيدي حتّى أتى بي داره، فألقت له الوليدة وسادة فجلس عليها، وجلست بين يديه، (فحمد الله وأثنى عليه) ، ثمّ قال: «ما يفرّك «٥» أن تقول لا إله إلّا الله. فهل تعلم من إله سوى الله؟» قال: قلت لا، قال: ثمّ تكلّم ساعة ثمّ قال: «إنّما تفرّ أن تقول الله أكبر، أو تعلم أنّ شيئا أكبر من الله؟» قال: قلت لا، قال «فإنّ اليهود مغضوب عليهم وإنّ النّصارى ضلّال» . قال: قلت: فإنّي جئت مسلما، قال: فرأيت وجهه تبسّط فرحا. قال: ثمّ أمر بي فأنزلت عند رجل من الأنصار جعلت أغشاه آتيه طرفي النّهار، قال فبينا أنا عنده عشيّة إذ جاءه قوم في ثياب من الصّوف من هذه النّمار «٦» قال: فصلّى وقام فحثّ عليهم ثمّ قال: ولو صاع ولو بنصف صاع ولو بقبضة ولو ببعض قبضة يقي أحدكم وجهه حرّ جهنّم أو النّار ولو بتمرة ولو بشقّ تمرة، فإنّ أحدكم لاقي الله وقائل له ما أقول لكم: ألم أجعل لك سمعا وبصرا؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أجعل لك مالا وولدا؟ فيقول: بلى. فيقول: أين ما قدّمت لنفسك؟ فينظر قدّامه وبعده، وعن يمينه وعن شماله، ثمّ لا يجد شيئا يقي به وجهه حرّ جهنّم. ليق أحدكم وجهه النّار ولو بشقّ تمرة، فإن لم يجد فبكلمة طيّبة فإنّي لا أخاف عليكم الفاقة، فإنّ الله ناصركم

стр. 1531

ومعطيكم حتّى تسير الظّعينة «١» فيما بين يثرب والحيرة ... الحديث) * «٢» . ٢٣-* (عن جرير- ﵁ قال: كنّا عند رسول الله ﷺ في صدر النّهار. قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النّمار «٣» أو العباء متقلّدي السّيوف. عامّتهم من مضر. بل كلّهم من مضر. فتمعّر «٤» وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة «٥» . فدخل ثمّ خرج. فأمر بلالا فأذّن وأقام. فصلّى ثمّ خطب فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (النساء/ ١) إلى آخر الاية. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. والاية الّتي في الحشر: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ (الحشر/ ١٨) تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره (حتّى قال) ولو بشقّ تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفّه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ثمّ تتابع النّاس، حتّى رأيت كومين من طعام وثياب. حتّى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلّل كأنّه مذهبة «٦» . فقال رسول الله ﷺ «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده. من غير أن ينقص من أجورهم شيء. ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) * «٧» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (البشاشة) ١-* (قال عليّ بن أبي طالب- ﵁: «من الدّهاء حسن اللّقاء» ) * «٨» . ٢-* (قال ابن وكيع- رحمه الله تعالى-: «لاق بالبشر من لقيت من النّا ... س وعاشر بأحسن الإنصاف لا تخالف وإن أتوا بمحال ... تستفد ودّهم بترك الخلاف» ) * «٩» . ٣-* (قال ابن مفلح- رحمه الله تعالى-: على المسلم أن ينزّه نفسه عن كلّ وصف مذموم شرعا أو عقلا أو عرفا كغلّ وحقد وحسد ونكد وغضب

стр. 1532

وعجب وخيلاء ورياء وهوى وغرض سوء وقصد رديء ومكر وخديعة ومجانبة كلّ مكروه لله تعالى، وإذا جلست مجلس علم أو غيره فاجلس بسكينة ووقار وتلقّ النّاس بالبشرى والاستبشار» ) * «١» . ٤-* (عن سعيد بن عبد الرّحمن الزّبيديّ، قال: «يعجبني من القرّاء كلّ سهل طلق مضحاك: فأمّا من تلقاه ببشر ويلقاك بضرس، يمنّ عليك بعمله فلا كثّر الله في النّاس أمثال هؤلاء» ) * «٢» . ٥-* (قال الشّاعر: «لا يعدم السّائل منه وفرا ... وقبله بشاشة وبشرا» ) * «٣» . ٦-* (قال بعض الشّعراء: «أزور خليلي ما بدا لي هشّه ... وقابلني منه البشاشة والبشر فإن لم يكن هشّ وبشّ تركته ... ولو كان في اللّقيا الولاية والبشر وحقّ الّذي ينتاب داري زائرا ... طعام وبرّ قد تقدّمه بشر» ) * من فوائد (البشاشة) انظر فوائد صفة (طلاقة الوجه)

стр. 1533

البصيرة والفراسة /الآيات/ الأحاديث/ الآثار / ٧/ ٩/ ١٥/ البصيرة لغة: البصيرة على وزن فعيلة بمعنى مفعلة مأخوذة من مادّة (ب ص ر) الّتي تدلّ على العلم بالشّيء، يقال هو بصير به. قال الرّاغب: «البصر يقال للجارحة النّاظرة (أي العين) نحو قوله تعالى: كَلَمْحِ الْبَصَرِ (النحل/ ٧٧) ، ويقال لقوّة القلب المدركة بصيرة وبصر نحو قوله تعالى: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (ق/ ٢٢) .. وجمع البصر أبصار وجمع البصيرة بصائر قال تعالى: فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ (الأحقاف/ ٢٦) ولا يكاد يقال لجارحة بصيرة، ويقال من الأوّل (البصر) أبصرت، ومن الثّاني (البصيرة) أبصرته وبصرت به وقلّما يقال: بصرت في الحاسّة إذا لم تضمّنه رؤية القلب.. وقوله- أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (يوسف/ ١٠٨) أي على معرفة وتحقّق، والضّرير يقال له بصير على سبيل العكس (كذا قالوا) والأولى أنّ ذلك يقال دعاء له من قوّة بصيرة القلب لا لما قالوه، ولهذا لا يقال له مبصر ولا باصر. ويقول صاحب اللّسان: يقال: بصر به بصرا وبصارة وأبصره وتبصّره: نظر إليه هل يبصره. قال سيبويه: بصر صار مبصرا، وأبصره إذا أخبر بالّذي وقعت عينه عليه، وحكاه اللّحيانيّ: بصر به، بكسر الصّاد: أي أبصره. وأبصرت الشّيء: رأيته، وباصره: نظر معه إلى شيء أيّهما يبصره قبل صاحبه. وبصر بصارة: صار ذا بصيرة، وبصّره الأمر تبصيرا وتبصرة: فهّمه إيّاه. وقال الأخفش في قوله: قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ (٩٦ سورة طه) ، أي علمت ما لم يعلموا به من البصيرة، وقال اللّحيانيّ: والبصيرة: عقيدة القلب. قال اللّيث: البصيرة اسم لما اعتقد في القلب من الدّين وتحقيق الأمر، وقيل: البصيرة الفطنة، تقول العرب: أعمى الله بصائره أي فطنه، عن ابن الأعرابيّ، وفعل ذلك على بصيرة: أي على عمد، وعلى غير بصيرة: أي على غير يقين. التّبصّر. التّامّل والتّعرّف، والتّبصير: التّعريف والإيضاح، ورجل بصير بالعلم: عالم به. ويقال للفراسة الصّادقة: فراسة ذات بصيرة «١» . ومن أجل أنّ الفراسة بعض إطلاقات البصيرة وهما المقصودتان هنا فقد جئنا بتعريف الفراسة أيضا. قال الأصمعيّ: يقال فارس بيّن الفروسة والفراسة والفروسيّة، وإذا كان فارسا بعينه ونظره فهو

стр. 1534

بيّن الفراسة، (بكسر الفاء) ، ويقال: إنّ فلانا لفارس بذلك الأمر إذا كان عالما به. ويقال هو يتفرّس إذا كان يتثبّت وينظر. ويقال: رجل فارس بيّن الفروسة والفراسة في الخيل، وهو الثّبات عليها والحذق بأمرها، ورجل فارس بالأمر أي عالم به بصير. والفراسة (بكسر الفاء) : في النّظر والتّثبّت والتّأمّل للشّيء والبصر به، يقال: إنّه لفارس بهذا الأمر إذا كان عالما به. والفراسة، (بالكسر) : الاسم من قولك: تفرّست فيه خيرا. وتفرّس في الشّيء: توسّمه، والاسم الفراسة بالكسر. واستعمل الزّجّاج منه أفعل فقال: أفرس النّاس أي أجودهم وأصدقهم فراسة ثلاثة: العزيز في يوسف- على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام- وابنة شعيب في موسى- على نبيّنا وعليهم الصّلاة والسّلام- وأبو بكر في تولية عمر بن الخطّاب- ﵄ «١» . واصطلاحا: قال الجرجانيّ: البصيرة هي قوّة القلب المنوّر بنور الله يرى بها حقائق الأشياء وبواطنها. وهي بمثابة البصر للنّفس يرى به صور الأشياء وظواهرها. وقال الكفويّ: البصيرة قوّة في القلب تدرك بها المعقولات «٢» . والبصير: اسم من أسماء الله الحسنى. والبصير هو المبصر لجميع المبصرات، وفي «النّهاية» : أنّ البصير هو الّذي يشاهد الأشياء كلّها، ظاهرها وخفيّها، والبصر في حقّه تعالى عبارة عن الصّفة الّتي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات. وقيل: البصير المتّصف بالبصر لجميع الموجودات، فيعلم تعالى جميع المبصرات تمام العلم، وتنكشف له تمام الانكشاف والتّجلّي، فهو يبصر خائنة الأعين وما تخفي الصّدور. يشاهد ويرى، ولا يغيب عنه ما في السّموات العلى، وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثّرى، وهو الحاضر الّذي لا يغيب «٣» . منزلة الفراسة: قال ابن القيّم- ﵀: ومن منازل إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة/ ٤) منزلة الفراسة. قال الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (الحجر/ ٧٥) قال مجاهد- ﵀: المتفرّسين. وقال: ابن عبّاس- ﵄: للنّاظرين، وقال قتادة: للمعتبرين، وقال مقاتل: للمتفكّرين. ولا تنافي بين هذه الأقوال، فإنّ النّاظر متى نظر في آثار ديار المكذّبين ومنازلهم، وما آل إليه أمرهم أورثه فراسة وعبرة وفكرة، وقال تعالى في حقّ المنافقين: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ

стр. 1535

وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (محمد/ ٣٠) ، فالأوّل: فراسة النّظر والعين، والثّاني: فراسة الأذن والسّمع. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة- ﵀ يقول: علّق معرفته إيّاهم على المشيئة، ولم يعلّق تعريفهم بلحن خطابهم على شرط، بل أخبر به خبرا مؤكّدا بالقسم، فقال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ (محمد/ ٣٠) وهو تعريض الخطاب، وفحوى الكلام ومغزاه. والمقصود: أنّه سبحانه أقسم على معرفتهم من لحن خطابهم، فإنّ معرفة المتكلّم وما في ضميره من كلامه: أقرب من معرفته بسيماه وما في وجهه، فإنّ دلالة الكلام على قصد قائله وضميره أظهر من السّيماء المرئيّة، والفراسة تتعلّق بالنّوعين بالنّظر والسّماع. والفراسة ثلاثة أنواع: إيمانيّة. وسببها: نور يقذفه الله في قلب عبده، يفرّق به بين الحقّ والباطل، والحالي «١» والعاطل «٢» ، والصّادق والكاذب. وحقيقتها: أنّها خاطر يرد على القلب ينفي ما يضادّه. وهذه الفراسة على حسب قوّة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحدّ فراسة. وأصل هذا النّوع من الفراسة: من الحياة والنّور اللّذين يهبهما الله تعالى لمن يشاء من عباده فيحيا القلب بذلك ويستنير، فلا تكاد فراسته تخطئ، قال الله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها (الأنعام/ ١٢٢) كان ميتا بالكفر والجهل، فأحياه الله بالإيمان والعلم، وجعل له القرآن والإيمان نورا يستضيء به في النّاس على قصد السّبيل، ويمشي به في الظّلم والله أعلم. الفراسة الثّانية: فراسة الرّياضة والجوع والسّهر والتّخلّي، فإنّ النّفس إذا تجرّدت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجرّدها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدلّ على إيمان ولا على ولاية، وكثير من الجهّال يغترّ بها، وللرّهبان فيها وقائع معلومة، وهي فراسة لا تكشف عن حقّ نافع ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها جزئيّ من جنس فراسة الولاة، وأصحاب عبارة الرّؤيا والأطبّاء ونحوهم. الفراسة الثّالثة: الفراسة الخلقيّة، وهي الّتي صنّف فيها الأطبّاء وغيرهم واستدلّوا بالخلق على الخلق لما بينهما من الارتباط الّذي اقتضته حكمة الله كالاستدلال بصغر الرّأس الخارج عن العادة على صغر العقل. ومعظم تعلّق الفراسة بالعين، فإنّها مرآة القلب وعنوان ما فيه، ثمّ باللّسان، فإنّه رسوله وترجمانه. وأصل هذه الفراسة: أنّ اعتدال الخلقة والصّورة: هو اعتدال المزاج والرّوح، وعن اعتدالها يكون اعتدال الأخلاق والأفعال، وبحسب انحراف

стр. 1536

الخلقة والصّورة عن الاعتدال يقع الانحراف في الأخلاق والأعمال. هذا إذا خلّيت النّفس وطبيعتها. وفراسة المتفرّس تتعلّق بثلاثة أشياء: بعينه، وأذنه، وقلبه، فعينه للسّيماء والعلامات، وأذنه: للكلام وتصريحه وتعريضه، ومنطوقه ومفهومه، وقلبه للعبور والاستدلال من المنظور والمسموع إلى باطنه وخفيّه، فيعبر إلى ما وراء ظاهره، وهو في ذلك كالصّير فيّ ينظر للجوهر من ظاهر السّكّة والنّقد فيعرف الصّحيح من الزّائف. البصيرة تنجم عن الفكرة: الفكرة هي تحديق القلب نحو المطلوب الّذي قد استعدّ له مجملا، ولمّا يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه، فإذا صحّت الفكرة أوجبت البصيرة، إذ هي نور في القلب يبصر به الوعد، والجنّة والنّار، وما أعدّ الله في هذه لأوليائه؛ لأنّ البصيرة نور يقذفه الله في قلب يرى به حقيقة ما أخبرت به الرّسل فيتحقّق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرّسل وتضرّره بمخالفتهم؛ وهذا معنى قول العارفين «البصيرة» تحقّق الانتفاع بالشّيء والتّضرّر به، والبصيرة ما خلّصك من الحيرة إمّا بإيمان أو بعيان «١» . الفرق بين الفراسة (البصيرة) والظن: الفرق بين الفراسة والظّنّ أنّ الظّنّ يخطىء ويصيب وهو يكون مع ظلمة القلب ونوره ولهذا أمر تعالى باجتناب كثير منه وأخبر أنّ بعضه إثم «٢» . وأمّا الفراسة فقد أثنى الله على أهلها ومدحهم، وهي لا تحدث إلّا لقلب قد تطهّر وتصفّى وتنزّه من الأدناس وقرب من الله تعالى فأصبح صاحبه ينظر بنور الله الّذي جعله في قلبه، ذلك لأنّ القلب إذا قرب من الله انقطعت عنه معارضات السّوء المانعة من معرفة الحقّ وإدراكه، وكان تلقّيه من مشكاة قريبة من الله بحسب قربه منه، وأضاء الله له النّور بقدر قربه فرأى في ذلك النّور ما لم يره البعيد والمحجوب وصار قلبه كالمرآة الصّافية تبدو فيها صور الحقائق على ما هي عليه فلا تكاد تخطىء له فراسة. بين الفراسة والغيب: ليست الفراسة من علم الغيب بل علّام الغيوب قذف الحقّ في قلب قريب مستبشر بنوره غير مشغول بنقوش الأباطيل والخيالات والوساوس الّتي تمنعه من حصول صور الحقائق فيه، وإذا غلب على القلب النّور فاض على الأركان وبادر من القلب إلى العين فكشف بعين بصره بحسب ذلك النّور «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الإيمان- التأمل- التبين (التثبت) - التدبر- حسن الظن- التفكر- التقوى. اليقين. وفي ضد ذلك: نظر صفات: البلادة والغباء- سوء الظن- الشك- الطيش- الغفلة- الوسوسة- الوهم] .

стр. 1537

الآيات الواردة في «البصيرة» ١- قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) «١» ٢- يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) «٢» الايات الواردة في «البصيرة» معنى ٣- قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦) «٣» ٤- وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨) «٤» ٥- قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) «٥» ٦- إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) «٦» ٧- وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) «٧»

стр. 1538

الأحاديث الواردة في (البصيرة والفراسة) ١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ ذكر قوما يكونون في أمّته، يخرجون في فرقة من النّاس، سيماهم التّحالق «١» . قال: «هم شرّ الخلق أو من أشرّ الخلق- يقتلهم أدنى الطّائفتين إلى الحقّ» قال: فضرب النّبيّ ﷺ لهم مثلا: أو قال قولا: «الرّجل يرمي الرّميّة- أو قال الغرض- فينظر في النّصل «٢» فلا يرى بصيرة، وينظر في النّضيّ «٣» فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق «٤» فلا يرى بصيرة» ) * «٥» قال: قال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق. ٢-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: حدّثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدّجّال، فكان فيما حدّثنا قال: «يأتي وهو محرّم عليه أن يدخل نقاب «٦» المدينة، فينتهي إلى بعض السّباخ «٧» الّتي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير النّاس، أو من خير النّاس، فيقول له: أشهد أنّك الدّجّال الّذي حدّثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدّجّال: أرأيتم إن قتلت هذا ثمّ أحييته، أتشكّون في الأمر؟ فيقولون: لا، قال: فيقتله ثمّ يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قطّ أشدّ بصيرة منّي الان، قال: فيريد الدّجّال أن يقتله فلا يسلّط عليه» ) * «٨» . الأحاديث الواردة في (البصيرة والفراسة) معنى ٣-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اتّقوا فراسة المؤمن فإنّه ينظر بنور الله، ثمّ قرأ: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (الحجر/ ٧٥) » ) * «٩» . ٤-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله عبادا يعرفون النّاس بالتّوسّم» ) * «١٠» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال:

стр. 1539

جاء رجل من بني فزارة إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ امرأتي ولدت غلاما أسود، فقال النّبيّ ﷺ : «هل لك من إبل؟» قال: نعم قال: «فما ألوانها؟» قال: حمر، قال: «هل فيها من أورق؟» قال: إنّ فيها لورقا «١» ، قال: «فأنّى أتاها ذلك؟» قال: عسى أن يكون نزعه عرق «٢» ، قال: «وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» ) * «٣» . ٦-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ قال: جاء عويمر العجلانيّ إلى عاصم بن عديّ فقال: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا فيقتله، أتقتلونه به؟ سل لي يا عاصم رسول الله ﷺ ، فسأله فكره النّبيّ ﷺ المسائل وعابها، فرجع عاصم فأخبره أنّ النّبيّ ﷺ كره المسائل فقال عويمر: والله لاتينّ النّبيّ ﷺ . فجاء وقد أنزل الله تعالى القرآن خلف عاصم، فقال له: «قد أنزل الله فيكم قرآنا» ، فدعا بهما فتقدّما فتلاعنا، ثمّ قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، ففارقها، ولم يأمره النّبيّ ﷺ بفراقها، فجرت السّنّة في المتلاعنين، وقال النّبيّ ﷺ : «أنظروها فإن جاءت به أحمر قصيرا مثل وحرة «٤» فلا أراه إلّا قد كذب، وإن جاءت به أسحم أعين «٥» ذا أليتين «٦» فلا أحسب إلّا قد صدق عليها، فجاءت به على الأمر المكروه» ) * «٧» . ٧-* (عن عمرو بن عبسة السّلميّ- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعرض الخيل وعنده عيينة بن بدر الفزاريّ فقال له رسول الله ﷺ : «أنا أعلم بالخيل منك» فقال عيينة: وأنا أعلم بالرّجال منك، فقال رسول الله ﷺ : «فمن خير الرّجال؟» قال: رجال يحملون سيوفهم على عواتقهم ورماحهم على مناسج خيولهم من رجال نجد، فقال رسول الله ﷺ : «كذبت بل خير الرّجال رجال اليمن، والإيمان يمان إلى لخم وجذام، ومأكول حمير خير من أكلها وحضر موت خير من بني الحارث، والله ما أبالي لو هلك الحارثان جميعا لعن الله الملوك الأربعة جمدا ومخوسا وأبضعة وأختهم العمرّدة» ثمّ قال: «أمرني ربّي أن ألعن قريشا مرّتين فلعنتهم، وأمرني أن أصلّي عليهم فصلّيت عليهم مرّتين مرّتين» ثمّ قال: «لعن الله تميم بن مرّة خمسا وبكر بن وائل سبعا ولعن الله قبيلتين من قبائل بني تميم: مقاعس وملادس» ثمّ قال: «عصيّة عصت الله ورسوله. عبد قيس وجعدة وعصمة» ثمّ قال: «أسلم وغفار ومزينة وأحلافهم من جهينة خير من بني أسد وتميم وغطفان وهوازن عند الله يوم القيامة» ثمّ قال: «شرّ قبيلتين في العرب نجران وبنو تغلب وأكثر القبائل في الجنّة مذحج» ) * «٨» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال:

стр. 1540

قال رسول الله ﷺ : «لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس محدّثون «١» ، فإن يك في أمّتي أحد فإنّه عمر» زاد زكريّاء: وعن سعد عن أبي هريرة قال: قال النّبيّ ﷺ «لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمّتي منهم أحد فعمر» . قال ابن عبّاس- ﵄ من نبيّ ولا محدّث» ) * «٢» . ٩-* (عن عبد الله بن سلام قال: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل «٣» النّاس إليه، وقيل قدم رسول الله ﷺ فجئت في النّاس لأنظر إليه فلمّا استبنت وجه رسول الله ﷺ عرفت أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب وكان أوّل شيء تكلّم به أن قال: «يا أيّها النّاس: أفشوا السّلام، وأطعموا الطّعام، وصلّوا والنّاس نيام تدخلوا الجنّة بسلام» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (البصيرة) ١-* (وروي أنّ عمر بن الخطّاب- ﵁ دخل عليه قوم من مذحج فيهم الأشتر، فصعّد فيه النّظر وصوّبه وقال: أيّهم هذا؟ قالوا: مالك بن الحارث، فقال: ما له قاتله الله، إنّي لأرى للمسلمين منه يوما عصيبا، فكان منه في الفتنة ما كان) * «٥» . ٢-* (قال ابن عبّاس- ﵄: ما سألني أحد عن شيء إلّا عرفت أفقيه هو أو غير فقيه) * «٦» . ٣-* (روي عن الشّافعيّ ومحمّد بن الحسن أنّهما كانا بفناء الكعبة ورجل على باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجّارا، وقال الاخر: بل حدّادا، فتبادر من حضر إلى الرّجل فسأله فقال: كنت نجّارا وأنا اليوم حدّاد) * «٧» . ٤-* (قال ابن مسعود- ﵁: أفرس النّاس ثلاثة: العزيز في يوسف، حيث قال لامرأته أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً (يوسف/ ٢١) وابنة شعيب حين قالت لأبيها في موسى: اسْتَأْجِرْهُ القصص/ ٢٦) ، وأبو بكر في عمر- ﵄ حيث استخلفه، وفي رواية أخرى: وامرأة فرعون حين قالت: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ

стр. 1541

نَتَّخِذَهُ وَلَداً (القصص/ ٩)) * «١» . ٥-* (قال عبد الله بن رواحة للنّبيّ ﷺ : إنّي توسّمت فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أنّي ثابت البصر وقال آخر: توسّمته لمّا رأيت مهابة ... عليه وقلت المرء من آل هاشم) * «٢» . ٦-* (قال ابن القيّم: كان الصّدّيق- ﵁ أعظم الأمّة فراسة، وبعده عمر بن الخطّاب ﵁، ووقائع فراسته مشهورة فإنّه ما قال لشيء أظنّه كذا إلّا كان كما قال، ويكفي في فراسته: موافقته ربّه في المواضع المعروفة. ومرّ بعمر- ﵁ سواد بن قارب، ولم يكن يعرفه، فقال: لقد أخطأ ظنّي، وإنّ هذا كاهن، أو كان يعرف الكهانة في الجاهليّة. فلمّا جلس بين يديه قال له ذلك عمر، فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به، فقال له عمر ﵁: ما كنّا عليه في الجاهليّة أعظم من ذلك، ولكن أخبرني عمّا سألتك عنه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين كنت كاهنا في الجاهليّة ... وفراسة الصّحابة- ﵃ أصدق الفراسة) * «٣» . ٧-* (قال ابن القيّم- ﵀: كان إياس ابن معاوية من أعظم النّاس فراسة، وله الوقائع المشهورة، وكذلك الشّافعيّ ﵀، وقيل: إنّ له فيها تاليف) * «٤» . ٨-* (وقال أيضا: ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أمورا عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما) * «٥» . ٩-* (روي عن الحسن البصريّ أنّه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال: هذا سيّد فتيان البصرة إن لم يحدث، فكان من أمره من القدر ما كان، حتّى هجره عامّة إخوانه) * «٦» . ١٠-* (قال ثعلب: الواسم النّاظر إليك من فرقك «٧» إلي قدمك، وأصل التّوسّم التّثبّت والتّفكّر، مأخوذ من الوسم وهو التّأثير بحديدة في جلد البعير وغيره، وذلك يكون بجودة القريحة وحدّة الخاطر وصفاء الفكر، زاد غيره: وتفريغ القلب من حشو الدّنيا، وتطهيره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدّنيا) * «٨» . ١١-* (قال عمرو بن نجيد: كان شاه الكرمانيّ حادّ الفراسة لا يخطىء، ويقول: من غضّ بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشّهوات، وعمّر باطنه بالمراقبة وظاهره باتّباع السّنّة، وتعوّد أكل الحلال لم تخطىء فراسته) * «٩» .

стр. 1542

١٢-* (يقال في بعض الكتب القديمة: إنّ الصّدّيق لا تخطىء فراسته) * «١» . ١٣-* (قال الشّاعر طريف بن تميم العنبريّ: أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم ١٤-* (وقال زهير بن أبي سلمى: وفيهنّ ملهى للصّديق ومنظر ... أنيق لعين النّاظر المتوسّم ١٥-* (وقيل في قول الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (الحجر/ ٧٥) . قيل: معناه للمتفرّسين أو للنّاظرين أو للمعتبرين، أو للمتبصّرين، قال أبو عبيدة: والمعنى متقارب) * «٢» . من فوائد (البصيرة والفراسة) (١) الفراسة الإيمانيّة نظر إلى الأشياء بنور الله. (٢) تشعر المؤمن بكرامته على الله. (٣) قوّة الفراسة على حسب قوّة الإيمان. (٤) المتفرّس المؤمن يثق به النّاس ويطمئنّون إليه. (٥) معظم تعلّق الفراسة بالعين والقلب. (٦) بعض الفراسة يحصل بالرّياضة ولا علاقة لها بالإيمان ومعظم أصحابها مشعوذون.

стр. 1543

البكاء / الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ / ٨/ ١٦/ ١٨/ البكاء لغة: مصدر قولهم بكى يبكى بكاء وبكى، فهو باك، والجمع بكاة وبكيّ، وهذا المصدر مأخوذ من مادّة (ب ك ي) الّتي تدلّ في أصل اللّغة على معنيين: الأوّل: بمعنى خروج الدّمع، والاخر: نقصان الشّيء وقلّته «١» . ويرجع البكاء هنا إلى المعنى الأوّل، وهو يقصر ويمدّ فيقال فيه: البكا والبكاء. قال النّحويّون: من قصره أجراه مجرى الأدواء والأمراض، ومن مدّه أجراه مجرى الأصوات كالثّغاء والرّغاء والدّعاء، وأنشد الخليل في قصره ومدّه: بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل وذكر ابن منظور عن الفرّاء وغيره: أنّ البكاء بالمدّ يكون إذا أردت الصّوت الّذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدّموع وخروجها. ويقول الكفويّ: البكاء يمدّ إذا كان الصّوت أغلب، ويقصر إذا كان الحزن أغلب، وقيل: هو بالقصر خروج الدّمع فقط، وبالمدّ خروج الدّمع مع الصّوت، والمرء إن تهيّأ للبكاء قيل: أجهش، فإن امتلأت عينه دموعا قيل: اغرورقت، فإن سالت قيل: دمعت وهمعت. والفعل منه بكى، يقال: بكيت فلانا وبكّيته إذا بكيت عليه وبكّيته أيضا هيّجته للبكاء، وأبكيته إذا صنعت به ما يبكيه، قال الشّاعر: الشّمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا ويقال: استبكيته وأبكيته بمعنى واحد والبكيّ الكثير البكاء ووزنه فعيل. ويقال: رجل باك والجمع بكاة وبكيّ، فأمّا «بكاء» بكسر الباء في قوله ﷺ «إنّا معاشر الأنبياء بكاء» فإنّه مأخوذ من بكأ الّتي تدلّ على القلّة، قال أبو عبيد: معناه: قليلة دموعهم «٢» . البكاء اصطلاحا: هو إراقة الدّموع من أثر الخوف من الله أو للتّعبير عن حزن في الفؤاد.

стр. 1544

والبكاء أنواع: (١) بكاء خشية من الله تعالى. (٢) بكاء عند سماع القرآن. (٣) بكاء الاعتبار والتّدبّر والخوف من الوعيد. (٤) بكاء الرّحمة لفقدان عزيز. (٥) بكاء التّصنّع وهو غير مستحبّ. (٦) بكاء الاعتراض وهو المصحوب بحركات وأصوات تدلّ على الاعتراض على قدر الله. وهذا مذموم ومحرّم. (٧) بكاء الخوف من حوادث الدّنيا وتغيّراتها وتقلّباتها. وهو يولّد المرض والاكتئاب. البكاء بين المدح والذم: المفروض أن يكون البكاء خشية من الله تعالى، وخوفا منه، وطمعا في رحمته، فهذا هو البكاء المحمود، أو أن يكون البكاء من سماع القرآن وما فيه بعد تدبّره وتأمّله، أو أن يكون لمعنى إنسانيّ نبيل كما فعل سيّد البشر ﷺ حين مات ابنه إبراهيم، وهذا كلّه من البكاء المحمود المشروع. أمّا بكاء التّصنّع وما فيه، سواء كان ذلك لإثبات صدق قول أو دعوى أو ما إلى ذلك كما فعل إخوة يوسف، فهذا من البكاء المذموم؛ لأنّه لا يكاد يدلّ على صدق الإنسان في فعله أو فعاله، وقد قيل: إنّ المصنوع لا يخفى، وقال حكيم: إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبيّن من بكى ممّن تباكى «١» وقد ذهب العلماء إلى القول بأنّ البكاء إنّما يكون عند تلاوة القرآن، يقول القرطبيّ: «ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق باياتها، فإن قرأ سورة السّجدة الم تَنْزِيلُ ... قال: اللهمّ اجعلني من السّاجدين لوجهك، المسبّحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك، وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهمّ اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين لك، وإن قرأ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا قال: اللهمّ اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديّين السّاجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك» «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الخشوع- الخشية التذكر- تذكر الموت- التوبة- الرجاء- الخوف- الورع. وفي ضد ذلك: انظر صفات: اتباع الهوى- البلادة والغباء- الجفاء- الغفلة- القسوة الإعراض طول الأمل] .

стр. 1545

الآيات الواردة في «البكاء» البكاء دليل الإيمان: ١- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩) «١» ٢- أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) «٢» البكاء من الله: ٣- وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) «٣» البكاء ندما: ٤- فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) «٤» البكاء الكاذب (التباكي) : ٥- وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) «٥» الآيات الواردة في «البكاء» معنى ٦- وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) «٦» ٧- وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) «٧» ٨- وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) «٨»
следующие страницы →