← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

نَتَّخِذَهُ وَلَداً (القصص/ ٩)) * «١» . ٥-* (قال عبد الله بن رواحة للنّبيّ ﷺ : إنّي توسّمت فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أنّي ثابت البصر وقال آخر: توسّمته لمّا رأيت مهابة ... عليه وقلت المرء من آل هاشم) * «٢» . ٦-* (قال ابن القيّم: كان الصّدّيق- ﵁ أعظم الأمّة فراسة، وبعده عمر بن الخطّاب ﵁، ووقائع فراسته مشهورة فإنّه ما قال لشيء أظنّه كذا إلّا كان كما قال، ويكفي في فراسته: موافقته ربّه في المواضع المعروفة. ومرّ بعمر- ﵁ سواد بن قارب، ولم يكن يعرفه، فقال: لقد أخطأ ظنّي، وإنّ هذا كاهن، أو كان يعرف الكهانة في الجاهليّة. فلمّا جلس بين يديه قال له ذلك عمر، فقال: سبحان الله يا أمير المؤمنين ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل ما استقبلتني به، فقال له عمر ﵁: ما كنّا عليه في الجاهليّة أعظم من ذلك، ولكن أخبرني عمّا سألتك عنه، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين كنت كاهنا في الجاهليّة ... وفراسة الصّحابة- ﵃ أصدق الفراسة) * «٣» . ٧-* (قال ابن القيّم- ﵀: كان إياس ابن معاوية من أعظم النّاس فراسة، وله الوقائع المشهورة، وكذلك الشّافعيّ ﵀، وقيل: إنّ له فيها تاليف) * «٤» . ٨-* (وقال أيضا: ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أمورا عجيبة، وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم، ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما) * «٥» . ٩-* (روي عن الحسن البصريّ أنّه دخل عليه عمرو بن عبيد فقال: هذا سيّد فتيان البصرة إن لم يحدث، فكان من أمره من القدر ما كان، حتّى هجره عامّة إخوانه) * «٦» . ١٠-* (قال ثعلب: الواسم النّاظر إليك من فرقك «٧» إلي قدمك، وأصل التّوسّم التّثبّت والتّفكّر، مأخوذ من الوسم وهو التّأثير بحديدة في جلد البعير وغيره، وذلك يكون بجودة القريحة وحدّة الخاطر وصفاء الفكر، زاد غيره: وتفريغ القلب من حشو الدّنيا، وتطهيره من أدناس المعاصي وكدورة الأخلاق وفضول الدّنيا) * «٨» . ١١-* (قال عمرو بن نجيد: كان شاه الكرمانيّ حادّ الفراسة لا يخطىء، ويقول: من غضّ بصره عن المحارم، وأمسك نفسه عن الشّهوات، وعمّر باطنه بالمراقبة وظاهره باتّباع السّنّة، وتعوّد أكل الحلال لم تخطىء فراسته) * «٩» .

стр. 1542

١٢-* (يقال في بعض الكتب القديمة: إنّ الصّدّيق لا تخطىء فراسته) * «١» . ١٣-* (قال الشّاعر طريف بن تميم العنبريّ: أو كلّما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم ١٤-* (وقال زهير بن أبي سلمى: وفيهنّ ملهى للصّديق ومنظر ... أنيق لعين النّاظر المتوسّم ١٥-* (وقيل في قول الله تعالى: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (الحجر/ ٧٥) . قيل: معناه للمتفرّسين أو للنّاظرين أو للمعتبرين، أو للمتبصّرين، قال أبو عبيدة: والمعنى متقارب) * «٢» . من فوائد (البصيرة والفراسة) (١) الفراسة الإيمانيّة نظر إلى الأشياء بنور الله. (٢) تشعر المؤمن بكرامته على الله. (٣) قوّة الفراسة على حسب قوّة الإيمان. (٤) المتفرّس المؤمن يثق به النّاس ويطمئنّون إليه. (٥) معظم تعلّق الفراسة بالعين والقلب. (٦) بعض الفراسة يحصل بالرّياضة ولا علاقة لها بالإيمان ومعظم أصحابها مشعوذون.

стр. 1543

البكاء / الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ / ٨/ ١٦/ ١٨/ البكاء لغة: مصدر قولهم بكى يبكى بكاء وبكى، فهو باك، والجمع بكاة وبكيّ، وهذا المصدر مأخوذ من مادّة (ب ك ي) الّتي تدلّ في أصل اللّغة على معنيين: الأوّل: بمعنى خروج الدّمع، والاخر: نقصان الشّيء وقلّته «١» . ويرجع البكاء هنا إلى المعنى الأوّل، وهو يقصر ويمدّ فيقال فيه: البكا والبكاء. قال النّحويّون: من قصره أجراه مجرى الأدواء والأمراض، ومن مدّه أجراه مجرى الأصوات كالثّغاء والرّغاء والدّعاء، وأنشد الخليل في قصره ومدّه: بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل وذكر ابن منظور عن الفرّاء وغيره: أنّ البكاء بالمدّ يكون إذا أردت الصّوت الّذي يكون مع البكاء، وإذا قصرت أردت الدّموع وخروجها. ويقول الكفويّ: البكاء يمدّ إذا كان الصّوت أغلب، ويقصر إذا كان الحزن أغلب، وقيل: هو بالقصر خروج الدّمع فقط، وبالمدّ خروج الدّمع مع الصّوت، والمرء إن تهيّأ للبكاء قيل: أجهش، فإن امتلأت عينه دموعا قيل: اغرورقت، فإن سالت قيل: دمعت وهمعت. والفعل منه بكى، يقال: بكيت فلانا وبكّيته إذا بكيت عليه وبكّيته أيضا هيّجته للبكاء، وأبكيته إذا صنعت به ما يبكيه، قال الشّاعر: الشّمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا ويقال: استبكيته وأبكيته بمعنى واحد والبكيّ الكثير البكاء ووزنه فعيل. ويقال: رجل باك والجمع بكاة وبكيّ، فأمّا «بكاء» بكسر الباء في قوله ﷺ «إنّا معاشر الأنبياء بكاء» فإنّه مأخوذ من بكأ الّتي تدلّ على القلّة، قال أبو عبيد: معناه: قليلة دموعهم «٢» . البكاء اصطلاحا: هو إراقة الدّموع من أثر الخوف من الله أو للتّعبير عن حزن في الفؤاد.

стр. 1544

والبكاء أنواع: (١) بكاء خشية من الله تعالى. (٢) بكاء عند سماع القرآن. (٣) بكاء الاعتبار والتّدبّر والخوف من الوعيد. (٤) بكاء الرّحمة لفقدان عزيز. (٥) بكاء التّصنّع وهو غير مستحبّ. (٦) بكاء الاعتراض وهو المصحوب بحركات وأصوات تدلّ على الاعتراض على قدر الله. وهذا مذموم ومحرّم. (٧) بكاء الخوف من حوادث الدّنيا وتغيّراتها وتقلّباتها. وهو يولّد المرض والاكتئاب. البكاء بين المدح والذم: المفروض أن يكون البكاء خشية من الله تعالى، وخوفا منه، وطمعا في رحمته، فهذا هو البكاء المحمود، أو أن يكون البكاء من سماع القرآن وما فيه بعد تدبّره وتأمّله، أو أن يكون لمعنى إنسانيّ نبيل كما فعل سيّد البشر ﷺ حين مات ابنه إبراهيم، وهذا كلّه من البكاء المحمود المشروع. أمّا بكاء التّصنّع وما فيه، سواء كان ذلك لإثبات صدق قول أو دعوى أو ما إلى ذلك كما فعل إخوة يوسف، فهذا من البكاء المذموم؛ لأنّه لا يكاد يدلّ على صدق الإنسان في فعله أو فعاله، وقد قيل: إنّ المصنوع لا يخفى، وقال حكيم: إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبيّن من بكى ممّن تباكى «١» وقد ذهب العلماء إلى القول بأنّ البكاء إنّما يكون عند تلاوة القرآن، يقول القرطبيّ: «ينبغي لمن قرأ سجدة أن يدعو فيها بما يليق باياتها، فإن قرأ سورة السّجدة الم تَنْزِيلُ ... قال: اللهمّ اجعلني من السّاجدين لوجهك، المسبّحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك، وإن قرأ سجدة سبحان قال: اللهمّ اجعلني من الباكين إليك، الخاشعين لك، وإن قرأ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا قال: اللهمّ اجعلني من عبادك المنعم عليهم، المهديّين السّاجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك» «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الخشوع- الخشية التذكر- تذكر الموت- التوبة- الرجاء- الخوف- الورع. وفي ضد ذلك: انظر صفات: اتباع الهوى- البلادة والغباء- الجفاء- الغفلة- القسوة الإعراض طول الأمل] .

стр. 1545

الآيات الواردة في «البكاء» البكاء دليل الإيمان: ١- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩) «١» ٢- أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨) «٢» البكاء من الله: ٣- وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) «٣» البكاء ندما: ٤- فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) «٤» البكاء الكاذب (التباكي) : ٥- وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦) «٥» الآيات الواردة في «البكاء» معنى ٦- وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) «٦» ٧- وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) «٧» ٨- وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) «٨»

стр. 1546

الأحاديث الواردة في (البكاء) ١-* (عن ثوبان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «طوبى لمن ملك نفسه ووسعه بيته وبكى على خطيئته» ) * «١» . ٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء. فخطب فقال: «عرضت عليّ الجنّة والنّار، فلم أر كاليوم في الخير والشّرّ، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» ، قال: فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشدّ منه، قال: غطّوا رءوسهم ولهم خنين «٢» ) * «٣» . ٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسّهما النّار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» ) * «٤» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يلج النّار رجل بكى من خشية الله حتّى يعود اللّبن في الضّرع «٥» ، ولا يجتمع غبار في سبيل الله «٦» ودخان جهنّم» ) * «٧» . الأحاديث الواردة في (البكاء) معنى ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: الإمام العادل، وشابّ نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه «٨» ، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ) * «٩» .

стр. 1547

٦-* (عن أبي أمامة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «ليس شيء أحبّ إلى الله من قطرتين وأثرين. قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهراق «١» في سبيل الله. وأمّا الأثران، فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله» ) * «٢» . ٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من ذكر الله ففاضت عيناه «٣» من خشية الله حتّى يصيب الأرض من دموعه لم يعذّبه الله تعالى يوم القيامة» ) * «٤» . ٨-* (عن العرباض بن سارية- ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ يوما بعد صلاة الغداة «٥» موعظة بليغة ذرفت «٦» منها العيون، ووجلت «٧» منها القلوب. فقال رجل: إنّ هذه موعظة مودّع فبماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟. قال: «أوصيكم بتقوى الله، والسّمع والطّاعة وإن عبد حبشيّ؛ فإنّه من يعش منكم ير اختلافا كثيرا، وإيّاكم ومحدثات الأمور فإنّها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين، عضّوا عليها بالنّواجذ «٨» » ) * «٩» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (البكاء) ٩-* (عن عبد الله بن الشّخّير- ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّي وفي صدره أزيز كأزيز «١٠» الرّحى من البكاء ﷺ * «١١» . ١٠-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اقرأ عليّ القرآن» قال: فقلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟. قال: «إنّي أشتهي أن أسمعه من غيري» ، فقرأت النّساء حتّى إذا بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً، رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل) * «١٢» . ١١-* (عن عبد الله بن عمرو قال:

стр. 1548

انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ إلى الصّلاة، وقام الّذين معه فقام قياما فأطال القيام ثمّ ركع فأطال الرّكوع، ثمّ رفع رأسه، وسجد فأطال السّجود، ثمّ رفع رأسه وجلس فأطال الجلوس، ثمّ سجد فأطال السّجود، ثمّ رفع رأسه وقام، فصنع في الرّكعة الثّانية مثل ما صنع في الرّكعة الأولى من القيام والرّكوع والسّجود والجلوس فجعل ينفخ في آخر سجوده من الرّكعة الثّانية ويبكي ويقول: «لم تعدني هذا وأنا فيهم، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك «١» ثمّ رفع رأسه وانجلت الشّمس» . فقام رسول الله ﷺ فخطب النّاس فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله فإذا رأيتم كسوف أحدهما فاسعوا إلى ذكر الله- والّذي نفس محمّد بيده لقد أدنيت الجنّة منّي حتّى لو بسطت يدي لتعاطيت من قطوفها ولقد أدنيت النّار منّي حتّى لقد جعلت أتّقيها خشية أن تغشاكم، حتّى رأيت فيها امرأة من حمير تعذّب في هرّة، ربطتها فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض «٢» فلا هي أطعمتها ولا هي سقتها حتّى ماتت فلقد رأيتها تنهشها إذا أقبلت، وإذا ولّت تنهش أليتها وحتّى رأيت فيها صاحب السّبتيّتين أخا بني الدّعداع يدفع بعصا ذات شعبتين في النّار، وحتّى رأيت فيها صاحب المحجن «٣» الّذي كان يسرق الحاجّ بمحجنه متّكئا على محجنه في النّار يقول: أنا سارق المحجن» ) * «٤» . ١٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين وكان ظئرا «٥» لإبراهيم ﵇ فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبّله وشمّه. ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان. فقال له عبد الرّحمن بن عوف- ﵁: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يا ابن عوف إنّها رحمة» . ثمّ أتبعها بأخرى فقال ﷺ «إنّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلّا ما يرضي ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ) * «٦» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: زار النّبيّ ﷺ قبر أمّه. فبكى وأبكى من حوله فقال: «استأذنت ربّي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي. واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور. فإنّها تذكّر الموت» ) * «٧» . ١٤-* (عن أنس- ﵁ قال: شهدنا بنت رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس

стр. 1549

على القبر. فرأيت عينيه تدمعان، فقال: هل فيكم من أحد لم يقارف اللّيلة؟ فقال أبو طلحة: أنا. قال: «فانزل في قبرها» . فنزل في قبرها فقبرها. قال ابن مبارك قال فليح: أراه يعني الذّنب. قال أبو عبد الله: (ليقترفوا) أي ليكتسبوا) * «١» . ١٥-* (وعن أبي هريرة ﵁ قال: «لمّا نزلت أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ* وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ. بكى أصحاب الصّفّة حتّى جرت دموعهم على خدودهم فلمّا سمع رسول الله ﷺ بكى معهم فبكينا ببكائه؛ فقال ﷺ لا يلج النّار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنّة مصرّ على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم» ) * «٢» . ١٦-* (عن هاني مولى عثمان- ﵁ قال: كان عثمان، إذا وقف على قبر يبكي حتّى يبلّ لحيته. فقيل له: تذكر الجنّة والنّار ولا تبكي، وتبكي من هذا؟ قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ القبر أوّل منزل من منازل الاخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه. وإن لم ينج منه فما بعده أشدّ منه» قال: وقال رسول الله ﷺ : «ما رأيت منظرا قطّ إلّا والقبر أفظع منه» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (البكاء) ١-* (عن عرفجة قال: قال أبو بكر الصّدّيق ﵁: من استطاع منكم أن يبكي فليبك ومن لم يستطع فليتباك «٤» ) * «٥» . ٢-* (قرأ ابن عمر- ﵄ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فلمّا بلغ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (المطففين/ ١- ٦) بكى حتّى خرّ وامتنع من قراءة ما بعده) * «٦» . ٣-* (خرج عمر يوما إلى السّوق ومعه الجارود «٧» ، فإذا امرأة عجوز فسلّم عليها عمر، فردّت عليه، وقالت: هيه يا عمير، عهدتك وأنت تسمّى عميرا في سوق عكاظ تصارع الصّبيان فلم تذهب الأيام حتّى سمعت عمر، ثمّ قليل سمعت أمير المؤمنين. فاتّق الله في الرّعيّة، واعلم أنّه من خاف الموت خشي الفوت. فبكى عمر، فقال الجارود: لقد

стр. 1550

اجترأت على أمير المؤمنين وأبكيته، فأشار إليه عمر أن دعها، فلمّا فرغ قال: أما تعرف هذه؟ قال: لا، قال: هذه خولة ابنة حكيم الّتي سمع الله قولها، فعمر أحرى أن يسمع كلامها، أشار إلى قوله تعالى قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها (المجادلة/ ١) وهي خولة هذه) * «١» . ٤-* (بكى أبو هريرة في مرضه، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إنّي لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي على بعد سفري وقلّة زادي، وإنّي أمسيت في صعود على جنّة أو نار، لا أدري إلى أيّتهما يؤخذ بي) * «٢» . ٥-* (عن حفص بن عمر- ﵄ قال: بكى الحسن، فقيل: ما يبكيك؟ قال: أخاف أن يطرحني غدا في النّار ولا يبالي) * «٣» . ٦-* (عن القاسم بن عبد الرّحمن قال: قال رجل لابن مسعود: يا أبا عبد الرّحمن أوصني قال: ليسعك بيتك، وابك من ذكر خطيئتك، وكفّ لسانك) * «٤» . ٧-* (عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، أنّه بكى يوما بين أصحابه فسئل عن ذلك، فقال: فكّرت في الدّنيا ولذّاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتّى تكدّرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر، إنّ فيها مواعظ لمن ادّكر «٥» » ) * «٦» . ٨-* (قالت فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر ابن عبد العزيز للمغيرة بن حكيم: يا مغيرة، إنّه قد يكون في النّاس من هو أكثر صلاة وصياما من عمر، وما رأيت أحدا قطّ كان أشدّ فرقا «٧» من ربّه من عمر، كان إذا صلّى العشاء قعد في مسجده ثمّ رفع يديه، فلم يزل يبكي حتّى تغلبه عيناه، ثمّ ينتبه فلا يزال يبكي حتّى تغلبه عيناه) * «٨» . ٩-* (عن الحسن أنّه قرأ هذه الاية أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ* وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (النجم/ ٥٩- ٦٠) ، قال: والله إن كان أكيس القوم في هذا الأمر لمن بكى، فأبكوا هذه القلوب، وابكوا هذه الأعمال؛ فإنّ الرّجل لتبكي عيناه وإنّه لقاسي القلب) * «٩» . ١٠-* (قال الحسن البصريّ: «إنّ المؤمنين قوم ذلّت والله منهم الأسماع والأبصار والأبدان حتّى حسبهم الجاهل مرضى، وهم والله أصحاب القلوب، ألا تراه يقول: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ (فاطر/ ٣٤) ، والله لقد كابدوا في الدّنيا حزنا

стр. 1551

شديدا، وجرى عليهم ما جرى على من كان قبلهم، والله ما أحزنهم ما أحزن النّاس، ولكن أبكاهم وأحزنهم الخوف من النّار» ) * «١» . ١١-* (عن ابن أبي مليكة قال: مرّ رجل على عبد الله بن عمرو وهو ساجد في الحجر وهو يبكي، فقال: أتعجب أن أبكي من خشية الله، وهذا القمر يبكي من خشية الله؟! قال: ونظر إلى القمر حين شفّ أن يغيب) * «٢» . ١٢-* (قال مالك: دخل عمر بن عبد العزيز على فاطمة امرأته فطرح عليها خلق ساج «٣» عليه، ثمّ ضرب على فخذها، فقال: يا فاطمة لنحن ليالي دابق أنعم منّا اليوم، فذكّرها ما كانت نسيته من عيشها، فضربت يده ضربة فيها عنف، فنحّتها عنها، وقالت: لعمري لأنت اليوم أقدر منك يومئذ، فقام وهو يقول بصوت حزين: يا فاطمة، إنّي أخاف إن عصيت ربّي عذاب يوم عظيم، فبكت فاطمة وقالت: اللهمّ أعذه من النّار) * «٤» . ١٣-* (قال أبو سليمان: عوّدوا أعينكم البكاء، وقلوبكم التّفكّر. وقال: «الفكر في الدّنيا حجاب عن الاخرة، والفكر في الاخرة يورث الحكمة ويحيي القلوب» ) * «٥» . ١٤-* (عن عبد الأعلى التّيميّ قال: من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق ألّا يكون أوتي علما ينفع، لأنّ الله تعالى نعت العلماء فقال: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ- إلى قوله- وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ (الإسراء/ ١٠٧- ١٠٩) » ) * «٦» . ١٥-* (عن سالم بن أبي الجعد، قال: قال عيسى ﵇: طوبى لمن بكى على خطيئته، وخزن لسانه، ووسعه بيته) * «٧» . ١٦-* (قال سريّ السّقطيّ: للخائف مقامات منها الحزن اللّازم، والهمّ الغالب، والخشية المقلقة وكثرة البكاء، والتّضرّع في اللّيل والنّهار، والهرب من مواطن الرّاحة، ووجل القلب) * «٨» . ١٧-* (عن يزيد بن ميسرة قال: «البكاء من سبعة أشياء: البكاء من الفرح، والبكاء من الحزن، والفزع، والرّياء، والوجع والشّكر، وبكاء من خشية الله تعالى، فذلك الّذى تطفأ الدّمعة منها أمثال البحور من النّار» ) * «٩» . من أقوال الشعراء: ١٨- قال كعب بن مالك: بكت عيني وحقّ لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل

стр. 1552

على أسد الإله غداة قالوا: ... أحمزة ذاكم الرّجل القتيل؟ أبا يعلى لك الأركان هدّت ... وأنت الماجد البرّ الوصول عليك سلام ربّك في جنان ... مخالطها نعيم لا يزول «١» من فوائد (البكاء) (١) البكاء دليل على خشية الله ومراقبته. (٢) البكاء دليل على صلاح العبد واستقامته. (٣) البكاء يورث الخوف من الله وهو علامة على صحّة الإيمان. (٤) البكاء طريق موصّل إلى محبّة الله ورضوانه. (٥) البكاء دليل على رقّة القلب واستجابته. (٦) البكاء سمة من سمات الخاشعين.

стр. 1553

[حرف التاء] التأمل / الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ / ٣٤/ ٣/ ٢١/ التأمل لغة: مصدر تأمّل وهو مأخوذ من مادة (أم ل) الّتي تفيد معنيين: الأوّل: التّثبّت والانتظار، والثّاني: الحبل من الرّمل ومن المعنى الأوّل قول الخليل: الأمل الرّجاء تقول أمّلته أؤمّله تأميلا، وأملته آمله أملا وإملة على بناء جلسة، وهذا لما فيه من الانتظار. والتّأمّل: التثبّت في النّظر، قال الشّاعر (زهير) : تأمّل خليلي هل ترى من ظعائن ... تحمّلن بالعلياء من فوق جرثم وقال المرار: تأمّل ما تقول وكنت قدما ... قطاميّا تأمّله قليل القطاميّ الصّقر وهو يكتفي بنظرة واحدة «١» . وقال ابن منظور: (يقال) تأمّلت الشّيء أي نظرت إليه متثبّتا له، وتأمّل الرّجل: تثبّت في الأمر والنّظر «٢» . التّأمّل اصطلاحا: هو تدقيق النّظر في الكائنات بغرض الاتّعاظ والتّذكّر، وقال الكفويّ: التّأمّل هو استعمال الفكر، ونقل عن بعض الأفاضل: أنّ قولهم: تأمّل بلا فاء إشارة إلى الجواب القويّ، وبالفاء إلى الجواب الضّعيف وبالفاء واللام (فليتأمّل) إلى الجواب الأضعف قال: ومعنى «تأمّل» : أنّ في هذا المحلّ دقّة، ومعنى «فتأمّل» أنّ في هذا المحلّ أمرا زائدا على الدّقة بتفصيل، ومعنى «فليتأمّل» ، هكذا مع زيادة اللّام والفاء، أي تأمّل ما سبق مع زيادة في الدّقّة، بناء على أنّ كثرة الحروف تدلّ على كثرة في المعنى «٣» . تأمل القرآن: قال ابن القيّم: أمّا التّأمّل في القرآن فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه. وجمع الفكر على تدبّره وتعقّله. وهو المقصود بإنزاله، لا مجرّد تلاوته بلا فهم ولا تدبّر، قال الله تعالى كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (ص/ ٢٩) . فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبّر القرآن، وإطالة التّأمّل فيه وجمع الفكر على معاني آياته. فإنّها تطلع العبد على معالم الخير والشّرّ بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومال أهلهما،

стр. 1554

وتتلّ «١» في يده مفاتيح كنوز السّعادة والعلوم النّافعة. وتثبّت قواعد الإيمان في قلبه. وتشيّد بنيانه، وتوطّد أركانه. وتريه صورة الدّنيا والاخرة، والجنّة والنّار في قلبه. وتحضره بين الأمم وتريه أيّام الله فيهم. وتبصّره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله. وتعرّفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبّه وما يبغضه، وصراطه الموصّل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطّريق وآفاتها. وتعرّفه النّفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصحّحاتها وتعرّفه طريق أهل الجنّة وأهل النّار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم. ومراتب أهل السّعادة وأهل الشّقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه. وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وبالجملة تعرّفه الرّبّ المدعوّ إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وتعرّفه مقابل ذلك ثلاثة أخرى: ما يدعو إليه الشّيطان، والطّريق الموصّلة إليه، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه. فهذه ستّة أمور ضروريّ للعبد معرفتها، ومشاهدتها ومطالعتها. فتشهده الاخرة حتّى كأنّه فيها، وتغيّبه عن الدّنيا حتّى كأنّه ليس فيها، وتميّز له بين الحقّ والباطل في كلّ ما اختلف فيه العالم، فتريه الحقّ حقّا، والباطل باطلا، وتعطيه فرقانا ونورا يفرّق به بين الهدى والضّلال، والغيّ والرّشاد، وتعطيه قوّة في قلبه، وحياة وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا. فيصير في شأن والنّاس في شأن آخر. فإنّ معاني القرآن دائرة على التّوحيد وبراهينه، والعلم بالله وما له من أوصاف الكمال، وما ينزّه عنه من سمات النّقص، وعلى الإيمان بالرّسل، وذكر براهين صدقهم، وأدلّة صحّة نبوّتهم، والتّعريف بحقوق مرسلهم، وعلى الإيمان بملائكته، وهم رسله في خلقه وأمره، وتدبيرهم الأمور بإذنه ومشيئته، وما جعلوا عليه من أمر العالم العلويّ والسّفليّ، وما يختصّ بالنّوع الإنسانيّ منهم، من حين يستقرّ في رحم أمّه إلى يوم يوافي ربّه ويقدم عليه، وعلى الإيمان باليوم الاخر وما أعدّ الله فيه لأوليائه من دار النّعيم المطلق، الّتي لا يشعرون فيها بألم ولا نكد ولا تنغيص، وما أعدّ لأعدائه من دار العقاب الوبيل الّتي لا يخالطها سرور ولا رخاء ولا راحة ولا فرح؛ وعلى تفصيل ذلك أتمّ تفصيل وأبينه؛ وعلى تفاصيل الأمر والنّهي، والشّرع والقدر، والحلال والحرام، والمواعظ والعبر، والقصص والأمثال، والأسباب والحكم، والمبادى والغايات، في خلقه وأمره. فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربّه بالوعد الجميل، وتحذّره وتخوّفه بوعيده من العذاب الوبيل «٢» ، وتحثّه على التّضمّر «٣» والتّخفّف للقاء اليوم

стр. 1555

الثّقيل، وتهديه في ظلم الاراء والمذاهب إلى سواء السّبيل. وتصدّه عن اقتحام طرق البدع والأضاليل وتبعثه على الازدياد من النّعم بشكر ربّه الجليل، وتبصّره بحدود الحلال والحرام، وتوقفه عليها لئلّا يتعدّاها فيقع في العناء الطّويل، وتثبّت قلبه عن الزّيغ والميل عن الحقّ والتّحويل. وتسهّل عليه الأمور الصّعاب والعقبات الشّاقّة غاية التّسهيل. وتناديه كلّما فترت «١» عزماته، وونى «٢» في سيره: تقدّم الرّكب وفاتك الدّليل. فاللّحاق اللّحاق، والرّحيل الرّحيل، وتحدو به وتسير أمامه سير الدّليل وكلّما خرج عليه كمين من كمائن العدوّ أو قاطع من قطّاع الطّريق نادته: الحذر الحذر، فاعتصم بالله، واستعن به، وقل: حسبي الله ونعم الوكيل. وفي تأمّل القرآن وتدبّره، وتفهّمه أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد «٣» . الفرق بين التأمل والتفكر والتدبر: قد يظنّ المرء للوهلة الأولى أنّ هذه الصّفات الثّلاثة مترادفة أي أنّها ذات معنى واحد، ولكن لا يلبث هذا الظنّ أن يتلاشى عند التّحقيق العلمي؛ لأنّ بينها فروقا دقيقة تحتّم أن نجعلها صفات مستقلّة، فالتّأمّل في أصل اللّغة مأخوذ من مادّة (أم ل) الّتي تدلّ على التثبّت. والانتظار، والتّفكّر مأخوذ من مادة (ف ك ر) الّتي تدلّ على تردّد القلب في الشّيء، أمّا التّدبّر فمأخوذ من مادّة (د ب ر) الّتي يقصد بها النّظر في عواقب الأمور. ومن النّاحية الاصطلاحيّة نجد التّفكّر يشير إلى جولان الفكرة وهي القوّة المطرقة للعلم بحسب نظر العقل وذلك للإنسان دون الحيوان كما يقول الرّاغب «٤» ، ولا يقال هذا إلا فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب، ولهذا روي: «تفكّروا في آلاء الله ولا تفكّروا في الله» . وقد عرّفه الجرجانيّ بأنّه تصرّف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب «٥» ، ونقل عن بعضهم: أنّ الفكر مقلوب عن الفرك، لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبا للوصول إلى الحقيقة، أمّا الفرك فيكون في الأمور الحسّيّة لا المعنويّة، وهذا دليل على ما ذهب إليه فقهاء اللّغة العربيّة من دوران المادّة حول معنى (عامّ) واحد، مع اختلاف في التّفاصيل ولا يشترط في التّفكّر إدامة النّظر ولا أن يتجاوز الحاضر إلى ما يئول إليه الشّيء مستقبلا. أمّا التّأمّل فقد روعي فيه إدامة النّظر والتّثبّت إذ جاء في تعريفه أنّه «تدقيق النّظر في الكائنات بغرض الاتّعاظ والتّذكّر «٦» أي إنّه قد روعي إدامة الفكر واستمراريّته ومن ثمّ فلا تكون النّظرة

стр. 1556

الواحدة تأمّلا وإن كان يمكن أن تكون من قبيل التّفكّر. وإذا انتقلنا إلى التّدبّر وجدناه يعني (اصطلاحا) النّظر في عواقب الأمور وما تصير إليه الأشياء أي إنّه يتجاوز الحاضر إلى المستقبل لأنّ التّدبّر يعني التّفكير في دبر الأمور ومن ثمّ عرّفه الجرجاني بأنّه عبارة عن النّظر في عواقب الأمور «١» ، وكلّ من التّدبّر والتّفكّر من عمل القلب وحده إلّا أنّ التّفكّر تصرّف القلب بالنّظر في الدّليل والتّدبّر تصرّفه بالنّظر في العواقب، وكلاهما لا يشترط فيه الدّيمومة أو الاستمرار بخلاف التّأمّل، وهناك فرق جوهريّ آخر بين التّأمّل وكلّ من التّفكّر والتّدبّر يتمثّل في أنّ التّأمّل قد يحدث بالبصر وحده أو بالبصر يعقبه التّفكّر، أمّا التّفكّر والتّدبّر فبالبصيرة وحدها إذ هما من أعمال القلب (أو العقل) . والخلاصة أنّ التّأمّل قد يكون بالبصر مع استمرار وتأنّ يؤدّي إلى استخلاص العبرة، وأنّ التّفكّر جولان الفكر في الأمر الّذي تكون له صورة عقليّة عن طريق الدّليل. أمّا التّدبّر؛ فإنّه يعني النّظر العقليّ إلى عواقب الأمور. وهكذا رأينا أنّ هذه المعاني الثّلاثة وإن كانت متقاربة إلّا أنّها ليست واحدة وإذا ذكر بعض أهل العلم أنّها مترادفة فإنّما يقصد فقط التّرادف الجزئيّ الّذي قد يوجد في بعض الأحيان دون بعضها الاخر. التأمل في القرآن الكريم: لم يرد لفظ التّأمّل في القرآن الكريم صراحة ولكن أشارت إليه عديد من الايات الّتي تأمر بالنّظر في خلق الله والتّثبّت في رؤية عجائب الكون وآثار السّابقين، وقد نعت آيات كثيرة على المشركين عدم تأمّلهم فيما تشاهده أعينهم ويقع تحت أيديهم من عجائب صنع الله، وقد اقترنت آيات كثيرة بالأفعال «يروا، ينظروا» بصيغة المضارع الّتي تدلّ على الاستمرار وإدامة الرّؤية أو النّظر. مثال ذلك قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت/ ١٩، ٢٠) . إنّ التّأمّل الّذي دعا إليه القرآن الكريم ونعى على الكفّار والمشركين عدم تنبّههم له وغفلتهم عنه ممّا جعلهم في غيّهم يعمهون، يتعلّق بأشياء كثيرة منها: التّأمّل في عجائب صنع الله- ومنها التّأمّل في خلق الإنسان، ومنها التّأمّل في إحياء الله الأرض بعد موتها، ومنها التّأمّل في آثار الأمم السّابقة، وقد كان تأمّل ذلك حريّا بأن يردّهم إلى الصّواب ويحملهم على التّصديق بالوحدانيّة والإيمان بالبعث، ولكن أنّى لهم ذلك، وقد صاروا كالبهائم الّتي لا عقل لها فلا تستنبط شيئا ممّا تراه الأعين، ولو كانوا يعقلون لما فاتهم استخلاص العبر والوصول إلى

стр. 1557

النّتائج، قال تعالى:.. أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (يوسف/ ١٠٩) . وسوف نذكر فيما يلي الايات الكريمة الّتي تحضّ على التّأمّل وفقا للسّياقات الّتي وردت فيها «١» . [للاستزادة: انظر صفات: التدبر- التفكر- التذكر- الوعظ- التبين (التثبت) - تذكر الموت- التذكير- النظر والتبصر. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- البلادة والغباء- العجلة- الغفلة- طول الأمل- الجهل] .

стр. 1558

الآيات الواردة في «التأمل» معنى التأمل في خلق السماوات والأرض: ١- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) «١» ٢- إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) «٢» ٣- قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) «٣» ٤- أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً (٩٩) «٤» ٥- أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) «٥» ٦- أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) «٦» ٧- خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١) «٧» ٨- أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) «٨» ٩- أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) «٩»

стр. 1559

التأمل فيما تنبت الأرض: ١٠- وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) «١» ١١- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) «٢» ١٢- أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) «٣» ١٣- أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧) «٤» التأمل في أحوال الأمم السابقة: ١٤- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) «٥» ١٥- أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) «٦» ١٦- وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) «٧» ١٧- أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) «٨» ١٨- أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) «٩»

стр. 1560

١٩- أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) «١» ٢٠- أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً (٤٤) «٢» ٢١- أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) «٣» ٢٢- أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) «٤» التأمل في خلق الإنسان: ٢٣- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) «٥» ٢٤- أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) «٦» ٢٥- أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) «٧» التأمل في أحوال الطير: ٢٦- أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩) «٨»

стр. 1561

التأمل في نعم الله وعجائب مخلوقاته: ٢٧- أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) «١» ٢٨- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) «٢» ٢٩- أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) «٣» ٣٠- أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) «٤» ٣١- إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) «٥» ٣٢- بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) «٦» ٣٣- أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)

стр. 1562

أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) «١» ٣٤- أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) «٢»

стр. 1563

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (التأمل) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: بتّ عند خالتي ميمونة فتحدّث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثمّ رقد، فلمّا كان ثلث اللّيل الاخر قعد فنظر إلى السّماء فقال: «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (آل عمران/ ١٩٠) » ، ثمّ قام فتوضّأ واستنّ «١» فصلّى إحدى عشرة ركعة ثمّ أذّن بلال فصلّى ركعتين ثمّ خرج فصلّى الصّبح) * «٢» . ٢-* (عن حذيفة- ﵁ قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثمّ مضى. فقلت: يصلّي بها في ركعة. فمضى، فقلت: يركع بها، ثمّ افتتح النّساء فقرأها، ثمّ افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسّلا، إذا مرّ باية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ ... الحديث) * «٣» . ٣-* (عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ ، قالت: كان أوّل ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّادقة في النّوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه (وهو التّعبّد) اللّيالي أولات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها. حتّى فجئه الحقّ «٤» وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» . قال: فأخذني فغطّني «٥» حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني «٦» . فقال: اقرأ. قال: «قلت ما أنا بقارئ» . قال: فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ» . فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني. فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق/ ١- ٥) . فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره «٧» حتّى دخل على خديجة. فقال: «زمّلوني، زمّلوني» فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع «٨» . ثمّ قال لخديجة: «أي خديجة مالي؟» ، وأخبرها الخبر. قال: «لقد خشيت على نفسي» . قالت له خديجة: كلّا. أبشر. فو الله لا يخزيك الله أبدا. والله إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، وهو ابن عمّ خديجة

стр. 1564

أخي أبيها، وكان امرأ تنصرّ في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربيّ، ويكتب من الإنجيل بالعربيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي عمّ، اسمع من ابن أخيك. قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رآه. فقال له ورقة: هذا النّاموس «١» الّذي أنزل على موسى ﷺ يا ليتني فيها جذعا «٢» ، يا ليتني أكون حيّا حين يخرجك قومك. قال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قطّ بما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا) * «٣» . من الاثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التأمل) ١-* (كان لقمان يطيل الجلوس وحده، فكان يمرّ به مولاه فيقول: يا لقمان، إنّك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع النّاس كان آنس لك. فيقول لقمان: «إنّ طول الوحدة أفهم للفكر، وطول الفكر دليل على طريق الجنّة» ) * «٤» . ٢-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه كان إذا تلا هذه الاية: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ (الحديد/ ١٦) ، قال: بلى يا ربّ، بلى يا ربّ) * «٥» . ٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: «ركعتان مقتصدتان في تفكّر خير من قيام ليلة بلا قلب» ) * «٦» . ٤-* (عن عبد الله بن عتبة قال: سألت أمّ الدّرداء، ما كان أفضل عبادة أبي الدّرداء، قالت: «التّفكّر والاعتبار» ) * «٧» . ٥-* (بينا أبو شريح يمشي إذ جلس فتقنّع «٨» بكسائه فجعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟. قال: «تأمّلت في ذهاب عمري وقلّة عملي واقتراب أجلي» ) * «٩» . ٦-* (عن عامر بن عبد قيس قال: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمّد ﷺ يقولون: إنّ ضياء الإيمان أو نور الإيمان التّفكّر) * «١٠» . ٧-* (كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز

стр. 1565

- ﵀: اعلم أنّ التّفكّر يدعو إلى الخير والعمل به، والنّدم على الشّرّ، يدعو إلى تركه، وليس ما يفنى- وإن كان كثيرا- يعدل ما يبقى، وإن كان طلبه عزيزا، واحتمال المئونة المنقطعة الّتي تعقب الرّاحة الطّويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية) * «١» . ٨-* (عن الحسن- ﵀ قال: تفكّر ساعة خير من قيام ليلة) * «٢» . ٩-* (قال عمر بن عبد العزيز- ﵀: «التّأمّل في نعم الله- من أفضل العبادة» ) * «٣» . ١٠-* (قال سفيان بن عيينة- ﵀: إذا المرء كانت له فكرة ... ففي كلّ شيء له عبرة) * «٤» . ١١-* (عن محمّد بن كعب القرظيّ قال: «لأن أقرأ في ليلتي حتّى أصبح ب «إذا زلزلت والقارعة» لا أزيد عليهما وأتردّد فيهما وأتفكّر أحبّ إليّ من أن أهذّ «٥» ليلتي هذّا- أو قال-: أنثره نثرا) » * «٦» . ١٢-* (قال أبو نواس: تأمّل في نبات الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين «٧» شاخصات ... بأحداق هي الذّهب السّبيك على قضب الزّبرجد شاهدات ... بأنّ الله ليس له شريك) * «٨» ١٣-* (قال الفضيل: «إنّما نزل القرآن ليعمل به فاتّخذ النّاس قراءته عملا. قال: قيل: كيف العمل به؟. قال: أي ليحلّوا حلاله، ويحرّموا حرامه، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهية، ويقفوا عند عجائبه» ) * «٩» . ١٤-* (قال الشّيخ أبو سليمان الدّارانيّ: «إنّي لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلّا رأيت لله فيه نعمة ولي فيه عبرة» ) * «١٠» . ١٥-* (قال بشر بن الحارث الحافي: «لو تفكّر النّاس في عظمة الله ما عصوا الله » ) * «١١» . ١٦-* (قال مغيث الأسود: «زوروا القبور كلّ يوم تذكّركم الاخرة، وشاهدوا الموقف بقلوبكم. وانظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنّة أو إلى النّار، وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النّار، ومقامعها وأطباقها. وكان يبكي عند ذلك حتّى يرفع صريعا من بين أصحابه قد ذهب عقله» ) * «١٢» .

стр. 1566

١٧-* (قال الغزاليّ- ﵀: «كثر الحثّ في كتاب الله تعالى على التّدبّر والاعتبار والنّظر والافتكار، ولا يخفى أنّ الفكر هو مفتاح الأنوار ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر النّاس قد عرفوا فضله، ورتبته لكن جهلوا حقيقته وثمرته ومصدره) * «١» . ١٨-* (وقال ﵀: «اعلم أنّ كلّ ما في الوجود ممّا سوى الله تعالى فهو فعل الله وخلقه، وكلّ ذرّة من الذّرّات، فيها عجائب وغرائب تظهر بها حكمة الله وقدرته وجلاله وعظمته، وإحصاء ذلك غير ممكن؛ لأنّه لو كان البحر مدادا لذلك لنفد البحر قبل أن ينفد عشر عشيره، ولكنّا نشير إلى جمل منه ليكون ذلك كالمثال لما عداه. فنقول: الموجودات المخلوقة منقسمة إلى (ما لا يعرف أصلها) فلا يمكننا التّفكّر فيها وكم من الموجودات الّتي لا نعلمها كما قال الله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (النحل/ ٨) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (يس/ ٣٦) وقال: وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (الواقعة/ ٦١) وإلى ما يعرف أصلها وجملتها، ولا يعرف تفصيلها) فيمكننا أن نتفكّر في تفصيلها، وهي منقسمة إلى ما أدركناه بحسّ البصر، وإلى ما لا ندركه بالبصر أمّا الّذي لا ندركه بالبصر، فكالملائكة والجنّ والشّياطين والعرش والكرسيّ وغير ذلك، ومجال الفكر في هذه الأشياء ممّا يضيق ويغمض. فلنعدل إلى الأقرب إلى الأفهام وهي المدركات بحسّ البصر: وذلك هو السّماوات السّبع والأرض وما بينهما، فالسّماوات مشاهدة بكواكبها وشمسها وقمرها وحركتها ودورانها وطلوعها وغروبها، والأرض مشاهدة بما فيها من جبالها ومعادنها وأنهارها وبحارها وحيوانها ونباتها، وما بين السّماء والأرض وهو الجوّ مدرك بغيومها وأمطارها وثلوجها ورعدها وبرقها وصواعقها وشهبها وعواصف رياحها. فهذه هي الأجناس المشاهدة من السّماوات والأرض وما بينهما، وكلّ جنس منها ينقسم إلى أنواع، وكلّ نوع ينقسم إلى أقسام، ويتشعّب كلّ قسم إلى أصناف. ولا نهاية لانشعاب ذلك وانقسامه في اختلاف صفاته وهياته ومعانيه الظّاهرة والباطنة. وجميع ذلك مجال التّأمّل فلا تتحرّك ذرّة في السّموات والأرض من جماد ولا نبات ولا حيوان ولا فلك ولا كوكب إلّا والله تعالى هو محرّكها وفي حركتها حكمة أو حكمتان أو عشر أو ألف حكمة، كلّ ذلك شاهد لله تعالى بالوحدانيّة ودالّ على جلاله وكبريائه، وهي الايات الدّالّة عليه. وقد ورد في القرآن الحثّ على التّفكّر في هذه الايات كما قال الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي

стр. 1567

الْأَلْبابِ (آل عمران/ ١٩٠) ، وكما قال تعالى: في آياته من أوّل القرآن إلى آخره. فلنذكر كيفيّة الفكر في بعض الايات: (وما أكثر الايات وما أعظمها) . فمن آياته: الإنسان المخلوق من النّطفة- وأقرب شيء إلى نفسك- وفيك من العجائب الدّالّة على عظمة الله تعالى ما تنقضي الأعمار في الوقوف على عشر عشيره وأنت غافل عنه. فيا من هو غافل عن نفسه وجاهل بها، كيف تطمع في معرفة غيرك؟ وقد أمرك الله تعالى بالتّدبّر في نفسك في كتابه العزيز فقال: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (الذاريات/ ٢١) وذكر أنّك مخلوق من نطفة قذرة فقال: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ* مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ* مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ* ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ* ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ* ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (عبس/ ١٧- ٢٢) وقال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (الروم/ ٢٠) ، وقال تعالى: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى القيامة/ ٣٧- ٣٨) وقال تعالى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ* فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ* إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (المرسلات/ ٢٠- ٢٢) وقال: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (يس/ ٧٧) ، وقال: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ (الإنسان/ ٢) ثمّ ذكر: كيف جعل النّطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما، فقال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً (المؤمنون/ ١٢- ١٤) الاية. فتكرير ذكر النّطفة في الكتاب العزيز ليس ليسمع لفظه ويترك التّفكّر في معناه، فانظر الان إلى النّطفة وهي قطرة من الماء قذرة لو تركت ساعة ليضربها الهواء فسدت وأنتنت- كيف أخرجها ربّ الأرباب من الصّلب والتّرائب، وكيف جمع بين الذّكر والأنثى وألقى الألفة والمحبّة في قلوبهم، وكيف قادهم بسلسلة المحبّة والشّهوة إلى الاجتماع، وكيف استخرج النّطفة من الرّجل بحركة الوقاع، وكيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق وجمعه في الرّحم؟. ثمّ كيف خلق المولود من النّطفة وسقاه بماء الحيض وغذّاه حتّى نما وربا وكبر، وكيف جعل النّطفة وهي بيضاء مشرقة علقة حمراء، ثمّ كيف جعلها مضغة، ثمّ كيف قسّم أجزاء النّطفة وهي متساوية متشابهة إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللّحم؟ ثمّ كيف ركّب من اللّحوم والأعصاب والعروق الأعضاء الظّاهرة، فدوّر الرّأس وشقّ السّمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ، ثمّ مدّ اليد والرّجل، وقسّم رءوسها بالأصابع وقسّم الأصابع بالأنامل؟ ثمّ كيف ركّب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطّحال والرّئة والرّحم والمثانة والأمعاء كلّ واحد على شكل مخصوص ومقدار مخصوص لعمل مخصوص، ثمّ كيف قسّم كلّ عضو من هذه الأعضاء بأقسام أخر، فركّب العين من سبع طبقات، لكلّ طبقة وصف مخصوص وهيئة

стр. 1568

مخصوصة لو فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها تعطّلت العين عن الإبصار، فلو ذهبنا إلى نصف ما في آحاد هذه الأعضاء من العجائب والايات لانقضى فيها الأعمار. فانظر الان إلى العظام، وهي أجسام صلبة قويّة كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة، ثمّ جعلها قواما للبدن وعمادا له، ثمّ قدّرها بمقادير مختلفة وأشكال مختلفة فمنه صغير وكبير وطويل ومستدير ومجوّف ومصمت وعريض ودقيق. ولمّا كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه، مفتقرا للتّردّد في حاجاته، لم يجعل عظمه عظما واحدا بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتّى تتيسّر بها الحركة، وقدّر شكل كلّ واحدة منها على وفق الحركة المطلوبة منها، ثمّ وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقه بالعظم الاخر كرباط له، ثمّ خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة منه وفي الاخر حفرا غائصة فيه موافقة لشكل الزّوائد لتدخل فيها وتطبق عليها، فصار العبد إن أراد تحريك جزء من بدنه لم يمتنع عليه، ولولا المفاصل لتعذّر عليه ذلك. ثمّ انظر كيف خلق عظام الرّأس وكيف جمعها وركّبها، وقد ركّبها من خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال والصّور فألّف بعضها إلى بعض بحيث استوى به كرة الرّأس. كما تراه. فمنها ستّة تخصّ القحف، وأربعة عشر للّحي الأعلى، واثنان للّحي الأسفل، والبقيّة هي الأسنان بعضها عريضة تصلح للطّحن وبعضها حادّة تصلح للقطع، وهي الأنياب والأضراس والثّنايا، ثمّ جعل الرّقبة مركبا للرّأس وركّبها من سبع خرزات مجوّفات مستديرات فيها تحريفات وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض- ويطول ذكر وجه الحكمة فيها. ثمّ ركّب الرّقبة على الظّهر، وركّب الظّهر من أسفل الرّقبة إلى منتهى عظم العجز من أربع وعشرين خرزة، وركّب عظم العجز من ثلاثة أجزاء مختلفة، فيتّصل به من أسفله عظم العصعص وهو أيضا مؤلّف من ثلاثة أجزاء. ثمّ وصل عظام الظّهر بعظام الصّدر وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام العانة وعظام العجز وعظام الفخذين والسّاقين وأصابع الرّجلين، فلا نطوّل بذكر عدد ذلك. ومجموع عدد العظام في بدن الإنسان مئتا عظم وثمانية وأربعون عظما، سوى العظام الصّغيرة الّتي حشا بها خلل المفاصل، فانظر كيف خلق جميع ذلك من نطفة سخيفة رقيقة. وليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يعرف عددها؛ فإنّ هذا علم قريب يعرفه الأطبّاء والمشرّحون، إنّما الغرض أن ينظر منها في مدبّرها وخالقها أنّه كيف قدّرها ودبّرها، وخالف بين أشكالها وأقدارها، وخصّصها بهذا العدد المخصوص لأنّه لو زاد عليها واحدا لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قلعه، ولو نقص منها واحدا لكان نقصانا يحتاج إلى جبره، فالطّبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج في جبرها وأهل البصائر ينظرون فيها ليستدلّوا بها على جلالة خالقها، ومصوّرها، فشتّان بين النّظرين.

стр. 1569

ثمّ انظر كيف خلق الله تعالى آلات لتحريك العظام وهي العضلات. فخلق في بدن الإنسان تسعا وعشرين وخمس مائة عضلة- والعضلة مركّبة من لحم وعصب ورباط وأغشية- وهي مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وقدر حاجاتها، فأربع وعشرون عضلة منها هي لتحريك حدقة العين وأجفانها، لو نقصت واحدة من جملتها اختلّ أمر العين. وهكذا لكلّ عضو عضلات بعدد مخصوص وقدر مخصوص. وكلّ ذلك صنع الله في قطرة ماء قذرة، فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه في ملكوت السّماوات وكواكبها. وما حكمته في أوضاعها وأشكالها ومقاديرها وأعدادها واجتماع بعضها وتفرّق بعضها واختلاف صورها وتفاوت مشارقها ومغاربها؟ فلا تظنّنّ أنّ ذرّة من ملكوت السّماوات تنفكّ عن حكمة، وحكم، بل هي أحكم خلقا وأتقن صنعا، وأجمع للعجائب من بدن الإنسان؛ بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السّماوات ولذلك قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها* رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها* وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (النازعات/ ٢٧- ٢٩) . فارجع الان إلى النّطفة وتأمّل حالها أوّلا وما صارت إليه ثانيا، وتأمّل أن لو اجتمع الجنّ والإنس على أن يخلقوا للنّطفة سمعا أو بصرا أو عقلا أو قدرة أو علما أو روحا أو يخلقوا فيها عظما أو عرقا أو عصبا أو جلدا أو شعرا هل يقدرون على ذلك؟. أنت ترى النّطفة القذرة كانت معدومة فخلقها خالقها في الأصلاب والتّرائب، ثمّ أخرجها منها وشكّلها فأحسن تشكيلها وقدّرها فأحسن تقديرها وتصويرها. وقسّم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة فأحكم العظام في أرجائها، وحسّن أشكال أعضائها وزيّن ظاهرها وباطنها ورتّب عروقها وأعصابها وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها، وجعلها سميعة بصيرة عالمة ناطقة. وخلق لها الظّهر أساسا لبدنها والبطن حاويا لآلات غذائها والرّأس جامعا لحواسّها، ففتح العينين ورتّب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيئاتها، ثمّ حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها، ثمّ أظهر في مقدار عدسة منها صورة السّماوات مع اتّساع أكنافها وتباعد أقطارها، فهو ينظر إليها. ثمّ شقّ أذنيه وأودعهما ماء مرّا ليحفظ سمعها ويدفع الهوامّ عنها وحوّطها بصدفة الأذن لتجمع الصّوت فتردّه إلى صماخها ولتحسّ بدبيب الهوامّ إليها، وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدبّ فيها شكله، وفتح منخريه وأودع فيها حاسّة الشّمّ ليستدلّ باستنشاق الرّوايح على مطاعمه وأغذيته، وليستنشق بمنفذ المنخرين روح الهواء غذاء لقلبه وترويحا لحرارة باطنه، وفتح الفم وأودعه اللّسان ناطقا وترجمانا ومعربا عمّا في القلب وزيّن الفم بالأسنان لتكون آلة الطّحن والكسر والقطع فأحكم أصولها وحدّد رءوسها وبيّض لونها ورتّب صفوفها متساوية الرّءوس متناسقة التّرتيب كأنّها الدّر المنظوم، وخلق الشّفتين وحسّن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسدّ منفذه

стр. 1570

وليتمّ بها حروف الكلام، وخلق الحنجرة وهيّأها لخروج الصّوت، وخلق للّسان قدرة للحركات والتّقطيعات لتقطيع الصّوت في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف وليتّسع بها طريق النّطق بكثرتها. ثمّ خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضّيق والسّعة والخشونه والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطّول والقصر، حتّى اختلفت بسببها الأصوات، فلا يتشابه صوتان؛ بل يظهر بين كلّ صوتين فرق حتّى يميّز السّامع بعض النّاس عن بعض بمجرّد الصّوت في الظّلمة. ثمّ زيّن الرّأس بالشّعر والأصداغ، وزيّن الوجه باللّحية والحاجبين، وزيّن الحاجب برقّة الشّعر واستقواس الشّكل، وزيّن العينين بالأهداب. ثمّ خلق الأعضاء الباطنة وسخّر كلّ واحد لفعل مخصوص. وإذا عرفت طريق الفكر في نفسك فتفكّر في الأرض الّتي هي مقرّك، ثمّ أنهارها وجبالها، ومعادنها، ثمّ ارتفع منها إلى ملكوت السّماوات، والأرض فمن آياته أن خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا فجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها، وجعلها قارّة لا تتحرّك، وأرسى فيها الجبال أوتادا لها تمنعها من أن تميد. ثمّ وسّع أكنافها حتى عجز الادميّون عن بلوغ جميع جوانبها وإن طالت أعمارهم وكثر تطوافهم، فقال تعالى: وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ* وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (الذاريات/ ٤٧- ٤٨) وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها (الملك/ ١٥) وقال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً (البقرة/ ٢٢) وقد أكثر في كتابه العزيز من ذكر الأرض ليتفكّر في عجائبها فظهرها مقرّ للأحياء وبطنها مرقد للأموات، قال الله تعالى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً* أَحْياءً وَأَمْواتاً (المرسلات/ ٢٥- ٢٦) . ومن آياته الجواهر المودعة تحت الجبال، والمعادن الحاصلة من الأرض: ففي الأرض قطع متجاورات مختلفة، فانظر إلى الجبال كيف يخرج منها الجواهر النّفيسة من الذّهب والفضّة والفيروز واللّعل وغيرها. ومن آياته أصناف الحيوانات وانقسامها إلى ما يطير وإلى ما يمشي، وانقسام ما يمشي إلى ما يمشي على رجلين، وإلى ما يمشي على أربع، وعلى عشر، وعلى مئة، كما يشاهد في بعض الحشرات، ثمّ انقسامها في المنافع والصّور والأشكال والأخلاق والطّباع. ومن آياته البحار العميقة المكتنفة لأقطار الأرض، الّتي هي قطع من البحر الأعظم المحيط بجميع الأرض، حتّى إنّ جميع المكشوف من البوادي والجبال والأرض بالإضافة إلى الماء كجزيرة صغيرة في بحر عظيم وبقيّة الأرض مستورة بالماء. وقد شاهدت عجائب الأرض وما فيها فتأمّل الان عجائب البحر، فإنّ عجائب ما فيه من الحيوان والجواهر أضعاف عجائب ما تشاهده على وجه الأرض. ومن آياته الهواء اللّطيف المحبوس بين مقعّر

стр. 1571

السّماء ومحدّب الأرض يدرك بحسّ اللّمس عند هبوب الرّياح جسمه، ولا يرى بالعين شخصه، وجملته مثل البحر الواحد والطّيور محلّقة في جوّ السّماء ومستبقة سبّاحة فيه بأجنحتها كما تسبح حيوانات البحر في الماء، وتضطرب جوانبه وأمواجه عند هبوب الرّياح كما تضطرب أمواج البحر، فإذا حرّك الله الهواء وجعله ريحا هابّة، فإن شاء جعله نشرا بين يدي رحمته كما قال سبحانه وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ (الحجر/ ٢٢) فيصل بحركته روح الهواء إلى الحيوانات والنّباتات فتستعدّ للنّماء، وإن شاء جعله عذابا على العصاة من خليقته كما قال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ* تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (القمر/ ١٩- ٢٠) . ثمّ انظر إلى عجائب الجوّ وما يظهر فيه من الغيوم والرّعود والبروق والأمطار والثّلوج والشّهب والصّواعق، فهي عجائب ما بين السّماء والأرض، وقد أشار القرآن إلى جملة ذلك في قوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (الدخان/ ٣٨) . ومن آياته ملكوت السّماوات والأرض، وما فيها من الكواكب، وهو الأمر كلّه، ومن أدرك الكلّ وفاته عجائب السّماوات فقد فاته الكلّ تحقيقا. فالأرض والبحار والهواء وكلّ جسم سوى السّماوات بالإضافة إلى السّماوات قطرة في بحر وأصغر. ثمّ انظر كيف عظّم الله أمر السّماوات والنّجوم في كتابه، فما من سورة إلّا وتشتمل على تفخيمهما في مواضع، وكم من قسم في القرآن بها كقوله تعالى: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (البروج/ ١) ، وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (الطارق/ ١) ، وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (الذاريات/ ٧) ، وَالسَّماءِ وَما بَناها (الشمس/ ٥) ، وكقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها* وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها، (الشمس/ ١- ٢) وكقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوارِ الْكُنَّسِ (التكوير/ ١٥- ١٦) ، وقوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى، النجم/ ١) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (الواقعة/ ٧٥- ٧٦) وقد علمت أنّ عجائب النّطفة القذرة عجز عن معرفتها الأوّلون والاخرون، وما أقسم الله بها- فما ظنّك بما أقسم الله تعالى به وأحال الأرزاق عليه وأضافها إليه فقال تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (الذاريات/ ٢٢) وأثنى على المفكّرين فيه فقال: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (آل عمران/ ١٩١) . وذمّ المعرضين عنها فقال: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (الأنبياء/ ٣٢) فأيّه نسبة لجميع البحار والأرض إلى السّماء وهي متغيّرات على القرب، والسّماوات صلاب شداد محفوظات عن التّغيّر إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ولذلك سمّاه الله تعالى محفوظا فقال: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً (الأنبياء/ ٣٢) ، وقال سبحانه: وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (النبأ/ ١٢) وقال: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها* رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (النازعات/ ٢٧- ٢٨) ، فانظر إلى

стр. 1572

الملكوت لترى عجائب العزّ والجبروت. فتأمّل أيّها العاقل في الملكوت فعسى أن تفتح لك أبواب السّماء فتجول بقلبك في أقطارها إلى أن يقوم قلبك بين يدي عرش الرّحمن، وأدنى شيء إليك نفسك ثمّ الأرض الّتي هي مقرّك، ثمّ الهواء المكتنف لك، ثمّ النّبات والحيوان وما على وجه الأرض، ثمّ عجائب الجوّ وهو ما بين السّماء والأرض، ثمّ السّماوات السّبع بكواكبها، ثمّ الكرسيّ، ثمّ العرش، ثمّ الملائكة الّذين هم حملة العرش وخزّان السّماوات. فارفع الان رأسك إلى السّماء وانظر فيها: في كواكبها وفي دورانها وطلوعها وغروبها وشمسها وقمرها واختلاف مشارقها ومغاربها ودءوبها في الحركة على الدّوام- من غير فتور في حركتها ومن غير تغّير في سيرها؛ بل تجري جميعا في منازل مرتّبة بحساب مقدّر لا يزيد ولا ينقص إلى أن يطويها الله تعالى طيّ السّجلّ للكتاب- وتدبّر عدد كواكبها وكثرتها واختلاف ألوانها، فبعضها يميل إلى الحمرة وبعضها إلى البياض وبعضها إلى اللّون الرّصاصيّ. ثمّ انظر كيفيّة أشكالها، فبعضها على صورة العقرب وبعضها على صورة الحمل والثّور والأسد والإنسان، وما من صورة في الأرض إلّا ولها مثال في السّماء. ثمّ انظر إلى مسير الشّمس في فلكها في مدّة سنة، ثمّ هي تطلع في كلّ يوم وتغرب، بسير آخر سخّرها له خالقها، ولولا طلوعها وغروبها لما اختلف اللّيل والنّهار ولم تعرف المواقيت، ولأطبق الظّلام على الدّوام، أو الضّياء على الدّوام، فكان لا يتميّز وقت المعاش عن وقت الاستراحة، فانظر كيف جعل الله تعالى اللّيل لباسا والنّوم سباتا والنّهار معاشا، وانظر إلى إيلاجه اللّيل في النّهار، والنّهار في اللّيل، وإدخاله الزّيادة والنّقصان عليهما على ترتيب مخصوص. وانظر إلى إمالته مسير الشّمس عن وسط السّماء حتّى اختلف بسببه الصّيف والشّتاء والرّبيع والخريف، فإذا انخفضت الشّمس من وسط السّماء في مسيرها برد الهواء وظهر الشّتاء، وإذا استوت في وسط السّماء اشتدّ القيظ «١» ، وإذا كانت فيما بينهما اعتدل الزّمان، وعجائب السّماوات لا مطمع في إحصاء عشر عشير جزء من أجزائها، وإنّما هذا تنبيه على طريق الفكر) * «٢» . ١٩-* (قال ابن القيّم- ﵀: أصل الخير والشّرّ من قبل التّفكّر، فإنّ الفكر مبدأ الإرادة والطّلب في الزّهد والتّرك والحبّ والبغض، وأنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد، وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أجلّ الأفكار، ويليها أربعة: فكر في مصالح الدّنيا وطرق تحصيلها، وفكر في مفاسد الدّنيا وطرق الاحتراز منها، فعلى هذه الأقسام الثّمانية دارت أفكار العقلاء. ورأس القسم الأوّل

стр. 1573

الفكر في آلاء الله ونعمه وأمره ونهيه وطرق العلم به وبأسمائه وصفاته من كتابه وسنّة نبيّه وما والاهما، وهذا الفكر يثمر لصاحبه المحبّة والمعرفة، فإذا فكّر في الاخرة وشرفها ودوامها، وفي الدّنيا وخسّتها وفنائها أثمر له ذلك الرّغبة في الاخرة والزّهد في الدّنيا. وكلّما فكّر في قصر الأمل وضيق الوقت أورث ذلك الجدّ والاجتهاد وبذل الوسع في اغتنام الوقت. وهذه الأفكار تعلي همّته وتحييها بعد موتها وسفولها وتجعله في واد والنّاس في واد، وبإزاء هذه الأفكار الأفكار الرّديئة الّتي تجول في قلوب أكثر هذا الخلق، كالفكر فيما لم يكلّف الفكر فيه، ولا أعطي الإحاطة به من فضول العلم الّذي لا ينفع، كالفكر في كيفيّة ذات الرّبّ ممّا لا سبيل للعقول إلى إدراكه) * «١» . ٢٠-* (قال الشّاعر: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإنّ الذّنوب تزيل النّعم وحطها بطاعة ربّ العباد ... فربّ العباد سريع النّقم وإيّاك والظّلم مهما استطعت ... فظلم العباد شديد الوخم وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر آثار من قد ظلم) * «٢» . ٢١-* (قيل لإبراهيم بن أدهم: إنّك تطيل الفكرة، فقال: «الفكرة مخّ العقل» ) * «٣» . من فوائد (التأمل) (١) التّأمّل نافع للعبد في معاشه ومعاده، حيث يعرف به العبد معالم الخير والشّرّ. (٢) التّأمّل خير معين على التّقوى والموعظة. (٣) التّأمّل قيمة عقليّة كبرى تجعل صاحبها في مأمن من تقلّب الأيّام وصروف الزّمان. (٤) التّأمّل يؤدّي بالمسلم أن يكون إيمانه عن اقتناع ويخرجه من دائرة العامّة إلى الخاصّة. (٥) التّأمّل دليل البصر. (٦) التّأمّل رأس رجاحة العقل.

стр. 1574

التأني / الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ / ٦/ ١٠/ ٩/ التأني لغة: لفظ التّأنّي مصدر تأنّى ومعناه ترفقّ وانتظر وهو مأخوذ من مادّة (همزة/ نون/ الحرف المعتل) الّتي تدلّ بحسب أصل اللّغة على أربعة معان: الأوّل: البطء وما أشبهه من الحلم وغيره. الثّاني: ساعة من الزّمان. الثّالث: إدراك الشّيء. الرّابع: ظرف من الظّروف. والتّأنّي هنا مأخوذ من المعنى الأوّل، يقول الخليل: الأناة: الحلم، والفعل منه أنى وتأنّى واستأنى، وأنشد بيت الكميت: قف بالدّيار وقوف زائر ... وتأنّ إنّك غير صاغر ويروى وتأيّ، ويقال للتّمكّث في الأمور التّأنّي ومنه الحديث الشّريف الّذي قيل فيمن يتخطّى رقاب النّاس يوم الجمعة، رأيتك آذيت وآنيت يعني أخّرت المجيء وأبطأت، ويقال من الأناة: رجل أنيّ ذو أناة قال الشّاعر: واحلم فذو الرّأي الأنيّ الأحلم ويقال: تأنّى في الأمر أي ترفّق، واستأنى به أي انتظر به يقال: استؤني به حولا أي انتظر به حولا، ويقال: تأنّيتك حتّى لا أناة بي، والأناة هي الاسم على وزن قناة؛ قال النّابغة: الرّفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا. وأصل هذا كلّه وني يني (ونا) ونيا من بابي تعب ووعد. والأناة الحلم أبدلت الواو المفتوحة في الوناة همزة فصارت أناة. يقول الرّاغب: يقال آنيت الشّيء إيناء أي أخّرته عن أوانه والأناة التّؤدة، وتأنّى فلان تأنّيا وأنى يأني فهو آن أي وقور واستأنيته انتظرت أوانه. والاسم من ذلك الأناء على فعال، قال الحطيئة: وآنيت العشاء إلى سهيل ... أو الشّعرى فطال بي الأناء ويقال امرأة أناة أي رزينة لا تصخب ولا تفحش، وقال اللّحيانيّ: هي الّتي فيها فتور عن القيام والقعود والمشي، وقال الأزهريّ: هي الّتي فيها فتور لنعمتها، قال الشّاعر: أناة كأنّ المسك تحت ثيابها ... وريح خزامى الطّلّ في دمث الرّمل «١»

стр. 1575

واصطلاحا: التّأنّي عدم العجلة في طلب شيء من الأشياء والتّمهّل في تحصيله والتّرفّق فيه «١» . التأني عند نزول القرآن: وجملة وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ (طه/ ١١٤) ناشئة على ما تقدّم من التّنويه بالقرآن وما اشتمل عليه من تصاريف إصلاح النّاس. فلمّا كان النّبيّ ﷺ حريصا على صلاح الأمّة شديد الاهتمام بنجاتها لا جرم أنّه خطر بقلبه الشّريف عقب سماع تلك الايات رغبة أو طلبة في الإكثار من نزول القرآن وفي التّعجيل به إسراعا بعظة النّاس وصلاحهم فعلّمه الله أن يكل الأمر إليه؛ فإنّه أعلم بما يناسب حال الأمّة العامّ. ومعنى مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ أي من قبل أن يتمّ وحي ما قضي وحيه إليك، أي ما نفّذ إنزاله فإنّه هو المناسب، فالمنهيّ عنه هو سؤال التّعجيل أو الرّغبة الشّديدة في النّفس الّتي تشبه الاستبطاء لا مطلق مودّة الازدياد، فقد قال النّبيّ ﷺ في شأن قصّة موسى مع الخضر- ﵉ «وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ الله علينا من أمرهما أو من خبرهما» . ويجوز أن يكون معنى العجلة بالقرآن العجلة بقراءته حال إلقاء جبريل آياته. فعن ابن عبّاس- ﵄: كان النّبيّ ﷺ يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل حرصا على الحفظ وخشية من النّسيان فأنزل الله وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ الاية. وهذا كما قال ابن عبّاس في قوله تعالى لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (القيامة/ ١٦) كما في صحيح البخاريّ. وعلى هذين التّأويلين يكون المراد بقضاء وحيه إتمامه وانتهاءه، أي انتهاء المقدار الّذي هو بصدد النّزول. وعن مجاهد وقتادة أنّ معناه: لا تعجل بقراءة ما أنزل إليك لأصحابك ولا تمله عليهم حتّى تتبيّن لك معانيه. وعلى هذا التّأويل يكون قضاء الوحي تمام معانيه. وعلى كلا التّفسيرين يجري اعتبار موقع قوله: وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (طه/ ١١٤) «٢» . فإذا ما كان التّأنّي مطلوبا من النّبيّ ﷺ حين تنزّل القرآن عليه؛ فإنّ التّأنّي يكون مطلوبا من الإنسان في أمور حياته كلّها. [للاستزادة: انظر صفات: التدبر- التفكر- النظر والتبصر- التأمل- التبين (التثبت) . وفي ضد ذلك انظر صفات: العجلة- الطيش- التفريط والإفراط] .

стр. 1576

الآيات الواردة في «التأني» معنى ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) «١» ٢- وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) «٢» ٣- فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) «٣» ٤- فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤) «٤» ٥- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) «٥» ٦- لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) «٦»

стр. 1577

الأحاديث الواردة في (التأني) ١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّه قال: إنّ أناسا من عبد القيس قدموا على رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا نبيّ الله، إنّا حيّ من ربيعة، وبيننا وبينك كفّار مضر. ولا نقدر عليك إلأ في الأشهر الحرم فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا، وندخل به الجنّة إذا نحن أخذنا به، فقال رسول الله ﷺ : «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم. وأنهاكم عن أربع: عن الدّبّاء، والحنتم، والمزفّت، والنّقير «١» » . قالوا: يا نبيّ الله، ما علمك بالنّقير؟ قال: «بلى جذع تنقرونه، فتقذفون فيه من القطيعاء «٢» ، (قال سعيد: أو قال من التّمر) ثمّ تصبّون فيه من الماء، حتّى إذا سكن غليانه شربتموه حتّى إنّ أحدكم (أو أحدهم) ليضرب ابن عمّه بالسّيف وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك» . قال: وكنت أخبؤها حياء من رسول الله ﷺ . فقلت: ففيم نشرب يا رسول الله؟ قال: «في أسقية الأدم الّتي يلاث على أفواهها» قالوا: يا رسول الله، إنّ أرضنا كثيرة الجرذان «٣» ولا تبقى بها أسقية الأدم، فقال نبيّ الله ﷺ «وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان وإن أكلتها الجرذان» وقال نبيّ الله ﷺ لأشجّ عبد القيس: «إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله ورسوله الحلم والأناة» ) * «٤» . ٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ عن النّبيّ ﷺ : «التّأنّي من الله والعجلة من الشّيطان، وما أحد أكثر معاذير من الله، وما شيء أحبّ إلى الله من الحمد» ) * «٥» .

стр. 1578

الأحاديث الواردة في (التأني) معنى ٣-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا، فقلت يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السّنّ ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: «إنّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضينّ حتّى تسمع من الاخر كما سمعت من الأوّل؛ فإنّه أحرى أن يتبيّن لك القضاء» قال: فما زلت قاضيا، أو ما شككت في قضاء بعد) * «١» . ٤-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما ثلاثة نفر يتماشون أخذهم المطر، فمالوا إلى غار في الجبل فانحطّت على فم غارهم صخرة من الجبل فأطبقت عليهم. فقال بعضهم لبعض انظروا أعمالا عملتموها لله صالحة فادعوا الله بها لعلّه يفرجها. فقال أحدهم: اللهمّ، إنّه كان لي والدان شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعى عليهم، فإذا رحت عليهم فحلبت بدأت بوالديّ أسقيهما قبل ولدي، وإنّه نأى بي الشّجر يوما فما أتيت حتّى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب فقمت عند رءوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أبدأ بالصّبية قبلهما والصّبية يتضاغون عند قدميّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتّى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج لنا فرجة نرى منها السّماء، ففرج الله لهم فرجة حتّى يرون «٢» منها السّماء «٣» ... الحديث) * «٤» . ٥-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «التّؤدة «٥» في كلّ شيء إلّا في عمل الاخرة» ) * «٦» . ٦-* (عن فضالة بن عبيد الأوسيّ- ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو في صلاته لم يمجّد الله ولم يصلّ على النّبيّ ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «عجلت أيّها المصلّي» ثمّ علّمهم رسول الله ﷺ . وسمع رسول الله ﷺ رجلا يصلّي فمجّد الله وحمده وصلّى على النّبيّ ﷺ ، فقال رسول

стр. 1579

الله ﷺ : «ادع تجب وسل تعط» ) * «١» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: قد دعوت ربّي فلم يستجب لي» ) * «٢» . ٨-* (عن عبد الله بن سرجس المزنيّ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «السّمت الحسن والتّؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءا من النّبوّة» ) * «٣» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (التأني) ٩-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: جاء أعرابيّ (ملويّ) جريء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن الهجرة، إليك أينما كنت، أو لقوم خاصّة أم إلى أرض معلومة أم إذا متّ انقطعت؟. قال: فسكت «٤» عنه يسيرا ثمّ قال: «أين السّائل؟» قال: ها هو ذا يا رسول الله. قال: «الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن وتقيم الصّلاة وتؤتي الزّكاة ثمّ أنت مهاجر وإن متّ بالحضر» ، ثمّ قال: (عبد الله بن عمرو) : جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أخبرنا عن ثياب أهل الجنّة خلقا تخلق أم نسجا تنسج فضحك بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ : «ممّ تضحكون؟ من جاهل يسأل عالما؟» ثمّ أكبّ رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: «أين السّائل؟» قال: هو ذا أنا يا رسول الله، قال: «بل تشقّق عنها ثمار الجنّة ثلاث مرّات» ) * «٥» . ١٠-* (عن مروان والمسور بن مخرمة- ﵄ أنّهما قالا: إنّ رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يردّ إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : «معي من ترون، وأحبّ الحديث إليّ أصدقه فاختاروا إحدى الطّائفتين: إمّا السّبيّ وإمّا المال، وقد كنت استأنيت «٦» بكم، وكان أنظرهم «٧» رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة حين قفل «٨» من الطّائف فلمّا تبيّن لهم أنّ رسول الله ﷺ غير رادّ إليهم إلّا إحدى الطّائفتين، قالوا: فإنّا نختار سبينا. فقام رسول الله ﷺ في المسلمين: فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: «أمّا بعد فإنّ إخوانكم قد جاءونا

стр. 1580

تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ منكم أن يطيّب ذلك فليفعل «١» . ومن أحبّ منكم أن يكون على حظّه حتّى نعطيه إيّاه من أوّل ما يفأ الله علينا فليفعل. فقال النّاس قد طيّبنا ذلك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «إنّا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممّن لم يأذن» فارجعوا حتّى يرفع إلينا عرفاؤكم «٢» أمركم، فرجع النّاس فكلّمهم عرفاؤهم، ثمّ رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنّهم قد طيّبوا وأذنوا) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (التأني) ١-* (بلغ عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّ جماعة من رعيّته اشتكوا من عمّاله فأمرهم أن يوافوه، فلمّا أتوه قام فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس أيّتها الرّعيّة إنّ لنا عليكم حقّا: النّصيحة بالغيب والمعاونة على الخير، أيّتها الرّعاة إنّ للرّعيّة عليكم حقّا فاعلموا أنّه لا شيء أحبّ إلى الله ولا أعزّ من حلم إمام ورفقه، وليس جهل أبغض إلى الله ولا أغمّ من جهل إمام وخرقه «٤» ) * «٥» . ٢-* (قال ابن عبّاس- ﵄ لرجل: حدّث النّاس كلّ جمعة مرّة، فإن أبيت فمرّتين، فإن أكثرت فثلاث مرّات ولا تملّ النّاس هذا القرآن، ولا ألفينّك «٦» تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقصّ عليهم فتقطع عليهم حديثهم فتملّهم، ولكن أنصت فإذا أمروك فحدّثهم وهم يشتهونه. فانظر السّجع من الدّعاء فاجتنبه، فإنّي عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلّا ذلك الاجتناب) * «٧» . ٣-* (قال أبو حاتم- رحمه الله تعالى-: «إنّ العاجل لا يكاد يلحق، كما أنّ الرّافق لا يكاد يسبق، والسّاكت لا يكاد يندم، ومن نطق لا يكاد يسلم، وإنّ العجل يقول قبل أن يعلم، ويجيب قبل أن يفهم ويحمد قبل أن يجرّب ... » ) * «٨» . ٤-* (قال النّوويّ- رحمه الله تعالى-: «التّأنّي في الحركات واجتناب العبث هو السّكينة المحمودة. أمّا غضّ البصر وخفض الصّوت وعدم الالتفات فهو الوقار» ) * «٩» .
следующие страницы →