← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

الأحاديث الواردة في (التعارف) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ يرفعه. قال: «النّاس معادن كمعادن الفضّة والذّهب. خيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. والأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف» ) * «١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التعارف) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا (الحجرات/ ١٣) قال: الشّعوب: القبائل العظام. والقبائل: البطون) * «٢» . ٢-* (وقال مجاهد- ﵀ في قوله تعالى: لِتَعارَفُوا كما يقال فلان بن فلان من كذا وكذا أي من قبيلة كذا) * «٣» . ٣-* (وقال ﵀: قوله تعالى: لِتَعارَفُوا: أي ليعرف بعضكم بعضا بالنّسب يقول فلان ابن فلان وفلان ابن فلان) * «٤» . ٤-* (وقال سفيان الثّوريّ في قوله لِتَعارَفُوا: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها) * «٥» . ٥-* (عن الشّعبيّ في الرّجل يعرف وجه الرّجل ولا يعرف اسمه قال: تلك معرفة النّوكى «٦» ) * «٧» . ٦-* (وقال ابن جرير الطّبريّ في قوله تعالى: لِتَعارَفُوا: يقول ليعرف بعضكم بعضا في النّسب يقول تعالى ذكره: إنّما جعلنا هذه الشّعوب والقبائل لكم أيّها النّاس ليعرف بعضكم بعضا في قرب ذي القرابة منه وبعده لا لفضيلة لكم في ذلك وقربة تقرّبكم إلى الله بل أكرمكم عند الله أتقاكم» ) * «٨» . ٧-* (وقال الإمام النّيسابوريّ في قوله تعالى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا: أي ليقع التّعارف بينكم بسبب ذلك لا أن تتفاخروا بالأنساب) * «٩» . ٨-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا: «أي

стр. 1717

ليحصل التّعارف بينهم كلّ يرجع إلى قبيلته» ) * «١» . ٩-* (روى الحكيم التّرمذيّ بسنده عن الحسن قال: «بني الإسلام على عشرة أركان، الإخلاص لله تعالى وهو الفطرة، والصّلاة وهي الملّة، والزّكاة وهي الطّهرة، والصّيام وهو الجنّة، والحجّ وهو الشّريعة، والجهاد وهو العزّة، والأمر بالمعروف وهو الحجّة، والنّهي عن المنكر وهو الوفيّة، والطّاعة وهي العصمة، والجماعة وهي الألفة» ) * «٢» . من فوائد (التعارف) (١) يقوّي روابط الأخوّة في الله. (٢) يجد المسلم له أعوانا وأنصارا حيثما كان. (٣) يورث الحبّ في الله وينمّيه. (٤) يقضي على التّناحر والتّخاصم بين أفراد المجتمع المسلم. (٥) يزيل التّمايز الطّبقيّ ويبدله بالألفة والوئام. (٦) وهو سبيل للتّعاون على البرّ والتّقوى. (٧) يورث السّكينة والطّمأنينة في القلب؛ لأنّ من عرف شيئا اطمأنّ إليه.

стр. 1718

التعاون على البر والتقوى / الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ / ١/ ٤٧/ ١٣/ التعاون لغة: مصدر تعاون وهو مأخوذ من «العون» الّذي يراد به المظاهرة على الشّيء يقال: فلان عوني أي معيني وقد أعنته، والعون أيضا الظّهير على الأمر، الواحد والاثنان والجمع والمؤنّث فيه سواء، وقد حكي في تكسيره أعوان، والعرب تقول: إذا جاءت السّنة جاء معها أعوانها يعنون بالسّنة الجدب وبالأعوان الجراد والذّئاب والأمراض. وتقول: أعنته إعانة واستعنته واستعنت به فأعانني وتعاونوا عليّ واعتونوا: أعان بعضهم بعضا، وتعاونّا أعان بعضنا بعضا. والمعونة: الإعانة، ورجل معوان حسن المعونة، وكثير المعونة للنّاس وكلّ شيء أعانك فهو عون لك، كالصّوم عون على العبادة «١» . قال الفيرزآباديّ- رحمه الله تعالى-: والعوين: اسم للجمع، واستعنته وبه فأعانني، قال تعالى فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ (الكهف/ ٩٥) . وتعاون الأعوان: إعانة بعضهم بعضا. قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ (المائدة/ ٢) وعاونه معاونة وعوانا «٢» . أقسام الناس في باب التعاون: قال الماورديّ- رحمه الله تعالى-: «تنقسم أحوال من دخل في عداد الإخوان أربعة أقسام: منهم من يعين ويستعين، ومنهم من لا يعين ولا يستعين، ومنهم من يستعين ولا يعين، ومنهم من يعين ولا يستعين. فأمّا المعين والمستعين فهو معاوض منصف يؤدّي ما عليه ويستوفي ماله، فهو كالمقرض يسعف عند الحاجة ويستردّ عند الاستغناء، وهو مشكور في معونته، ومعذور في استعانته، فهذا أعدل الإخوان. وأمّا من لا يعين ولا يستعين فهو متروك قد منع خيره وقمع شرّه فهو لا صديق يرجى، ولا عدوّ يخشى، وإذا كان الأمر كذلك فهو كالصّورة الممثّلة، يروقك حسنها، ويخونك نفعها، فلا هو مذموم لقمع شرّه، ولا هو مشكور لمنع خيره، وإن كان باللّوم أجدر. وأمّا من يستعين ولا يعين فهو لئيم كلّ، ومهين مستذلّ قد قطع عنه الرّغبة وبسط فيه الرّهبة،

стр. 1719

فلا خيره يرجى ولا شرّه يؤمن، وحسبك مهانة من رجل مستثقل عند إقلاله، ويستقلّ عند استقلاله فليس لمثله في الإخاء حظّ، ولا في الوداد نصيب. وأمّا من يعين ولا يستعين فهو كريم الطّبع، مشكور الصّنع، وقد حاز فضيلتي الابتداء والاكتفاء، فلا يرى ثقيلا في نائبة، ولا يقعد عن نهضة في معونة. فهذا أشرف الإخوان نفسا وأكرمهم طبعا فينبغي لمن أوجد له الزّمان مثله، وقلّ أن يكون له مثل؛ لأنّه البرّ الكريم والدّرّ اليتيم، أن يثني عليه خنصره، ويعضّ عليه بناجذه ويكون به أشدّ ضنّا منه بنفائس أمواله، وسنيّ ذخائره؛ لأنّ نفع الإخوان عامّ، ونفع المال خاصّ، ومن كان أعمّ نفعا فهو بالادّخار أحقّ، ثمّ لا ينبغي أن يزهد فيه لخلق أو خلقين ينكرهما منه إذا رضي سائر أخلاقه، وحمد أكثر شيمه؛ لأنّ اليسير مغفور والكمال معوز «١» . التعاون واجب ديني وضرورة اجتماعية: قال ابن خلدون- رحمه الله تعالى-: إنّ الاجتماع الإنسانيّ ضروريّ، ويعبّر الحكماء عن هذا بقولهم: الإنسان مدنيّ بالطّبع أي لا بدّ له من الاجتماع وبيانه أنّ الله سبحانه خلق الإنسان وركّبه على صورة لا يصحّ حياتها وبقاؤها إلّا بالغذاء وهداه إلى التماسه بفطرته وبما ركّب فيه من القدرة على تحصيله إلّا أنّ قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من ذلك الغذاء غير موفّية له بمادّة حياته منه ولو فرضنا منه أقلّ ما يمكن فرضه وهو قوت يوم واحد من الحنطة مثلا فلا يحصل إلّا بعلاج كثير من الطّحن والعجن والطّبخ وكلّ واحد من هذه الأعمال الثّلاثة يحتاج إلى مواعين وآلات لا تتمّ إلّا بصناعات متعدّدة من حدّاد ونجّار وفاخوريّ وهب أنّه يأكله حبّا من غير علاج فهو أيضا يحتاج في تحصيله حبّا إلى أعمال أخرى أكثر من هذه الزّراعة والحصاد والدّراس الّذي يخرج الحبّ من غلاف السّنبل ويحتاج كلّ واحد من هذه إلى آلات متعدّدة وصنائع كثيرة أكثر من الأولى بكثير، ويستحيل أن تفي بذلك كلّه أو ببعضه قدرة الواحد فلا بدّ له من اجتماع القدر الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم فيحصل بالتّعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف، وكذلك يحتاج كلّ منهم أيضا في الدّفاع عن نفسه إلى الاستعانة بأبناء جنسه؛ لأنّ الله سبحانه لمّا ركّب الطّباع في الحيوانات كلّها وقسّم القدر بينها جعل حظوظ كثير من الحيوانات العجم من القدرة أكمل من حظّ الإنسان، فقدرة الفرس مثلا، أعظم بكثير من قدرة الإنسان، وكذا قدرة الحمار والثّور والأسد والفيل أضعاف من قدرته. ولمّا كان العدوان طبيعيّا في الحيوان جعل لكلّ واحد منها عضوا يختصّ بمدافعة ما يصل إليه من عادية غيره، وجعل للإنسان عوضا عن ذلك كلّه الفكر واليد، فاليد مهيّأة للصّنائع بخدمة الفكر، والصّنائع تحصّل له الالات الّتي تنوب له عن الجوارح

стр. 1720

المعدّة في سائر الحيوانات للدّفاع. فالواحد من البشر لا تقاوم قدرته قدرة واحد من الحيوانات العجم سيّما المفترسة فهو عاجز عن مدافعتها وحده بالجملة، ولا تفي قدرته أيضا باستعمال الالات المعدّة للمدافعة لكثرتها وكثرة الصّنائع والمواعين المعدّة لها، فلا بدّ في ذلك كلّه من التّعاون عليه بأبناء جنسه، وما لم يكن ذلك التّعاون فلا يحصل له قوت ولا غذاء ولا تتمّ حياته لما ركّبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته، ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السّلاح، فيكون فريسة حيوانات ويعاجله الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر، وإذا كان التّعاون حصل له القوت للغذاء والسّلاح للدّفاع، وتمّت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه، فإذن هذا الاجتماع ضروريّ للنّوع الإنسانيّ، وإلّا لم يكمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إيّاهم «١» . البر والتقوى: انظر في المعنى اللّغوي لهذين اللّفظين في صفتي: «البرّ» و «التّقوى» . التعاون على البر والتقوى اصطلاحا: لا يختلف المعنى اللّغويّ للفظ التّعاون عن معناه الّذي تقرّر له في عرف الشّرع، ومن ثمّ يمكن تعريف صفة التّعاون على البرّ والتّقوى بأنّها: أن يظاهر المسلم أخاه ويعينه في فعل الخيرات، وعلى طاعة الله- وتجنّب معصيته. [للاستزادة: انظر صفات: الإخاء- الاجتماع الإغاثة- الألفة- التناصر- تفريج الكربات- المحبة- المواساة- البر. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التعاون على الإثم والعدوان- التخاذل- الأثرة- البخل- الشح التفرق- الأذى- التنازع] . الآيات الواردة في «التعاون على البر والتقوى» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) «٢» وانظر الايات الكريمة الواردة في صفتي: الاعتصام والاستعانة

стр. 1721

الأحاديث الواردة في (التعاون على البر والتقوى) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الدّين يسر ولن يشادّ «١» الدّين أحد إلّا غلبه، فسدّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة «٢» والرّوحة «٣» وشيء من الدّلجة «٤» » ) * «٥» . ٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: إنّ رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا. قالت: فغرت عليه فجاء فرأى ما أصنع. فقال: «مالك يا عائشة أغرت؟» فقلت: ومالي لا يغار مثلي على مثلك؟. فقال رسول الله ﷺ : «أقد جاءك شيطانك؟» قالت: يا رسول الله أو معي شيطان. قال: «نعم» . قلت: ومع كلّ إنسان؟. قال: «نعم» قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: «نعم، ولكن ربّي أعانني عليه حتّى أسلم» ) * «٦» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ للمساجد أوتادا «٧» هم أوتادها لهم جلساء من الملائكة فإن غابوا سألوا عنهم وإن كانوا مرضى عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم» ) * «٨» . ٤-* (عن سعيد بن جبير- ﵁ قال ابن عبّاس- ﵄ «أوّل ما اتّخذ النّساء المنطق من قبل أمّ إسماعيل اتّخذت منطقا «٩» لتعفّي أثرها على سارّة، ثمّ جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتّى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكّة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثمّ قفّى إبراهيم منطلقا، فتبعته أمّ إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الّذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا. ثمّ رجعت. فانطلق إبراهيم حتّى إذا كان عند الثّنيّة «١٠» ، حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثمّ دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ

стр. 1722

مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ إلى قوله يَشْكُرُونَ (إبراهيم/ ٣٧) وجعلت أمّ إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتّى إذا نفد ما في السّقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوّى أو قال: يتلبّط «١» . فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصّفا، حتّى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها، ثمّ سعت سعي الإنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي، ثمّ أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرّات. قال ابن عبّاس قال النّبيّ ﷺ : «فلذلك سعي النّاس بينهما» . فلمّا أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه «٢» - تريد نفسها- ثمّ تسمّعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه- أو قال بجناحه- حتّى ظهر الماء، فجعلت تحوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عبّاس قال النّبيّ ﷺ : «يرحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم» أو قال: «لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا» . قال فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافوا الضّيعة، فإنّ ههنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإنّ الله لا يضيّع أهله. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرّابية «٣» ، تأتيه السّيول فتأخذ عن يمينه وشماله، فكانت كذلك حتّى مرّت بهم رفقة «٤» من جرهم- أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء» ، فنزلوا في أسفل مكّة، فرأوا طائرا عائفا «٦» ، فقالوا: إنّ هذا الطّائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريّا «٧» أو جريّين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا- قال وأمّ إسماعيل عند الماء- فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ فقالت: نعم، ولكن لا حقّ لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عبّاس: قال النّبيّ ﷺ : «فألفى ذلك أمّ إسماعيل وهي تحبّ الأنس» ، فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتّى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشبّ الغلام وتعلّم العربيّة منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شبّ، فلمّا أدرك زوّجوه امرأة منهم. وماتت أمّ إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثمّ سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشرّ، نحن في ضيق وشدّة. فشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يغيّر عتبة بابه. فلمّا جاء إسماعيل كأنّه آنس شيئا فقال: هل

стр. 1723

جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا، فأخبرته أنّا في جهد وشدّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السّلام، ويقول: غيّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك، الحقي بأهلك. فطلّقها، وتزوّج منهم أخرى. فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثمّ أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم. فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله. فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللّحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهمّ بارك لهم في اللّحم والماء. قال النّبيّ ﷺ : «ولم يكن لهم يومئذ حبّ، ولو كان لهم دعا لهم فيه» ، قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكّة إلّا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇، ومريه يثبّت عتبة بابه. فلمّا جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة- وأثنت عليه- فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته، أنّا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السّلام، ويأمرك أن تثبّت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثمّ لبث عنهم ما شاء الله، ثمّ جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة «١» قريبا من زمزم، فلمّا رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد. ثمّ قال: يا إسماعيل، إنّ الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربّك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإنّ الله أمرني أن أبني ههنا بيتا وأشار إلى أكمة «٢» مرتفعة على ما حولها قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتّى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (البقرة/ ١٢٧) قال فجعلا يبنيان حتّى يدورا حول البيت وهما يقولان: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» ) * «٣» . ٥-* (عن عائشة أمّ المؤمنين- ﵂ أنّها قالت: كان أوّل ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّادقة في النّوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح «٤» . ثمّ حبّب إليه الخلاء «٥» . فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه. (وهو التّعبّد) اللّيالي أولات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزوّد لذلك. ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها.

стр. 1724

حتّى فجأه الحقّ) وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» قال فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد «١» . ثمّ أرسلني فقال: اقرأ. قال قلت: «ما أنا بقارىء» . قال فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٩٦/ العلق: الاية ١- ٥) فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره «٢» حتّى دخل على خديجة فقال: «زمّلوني «٣» زمّلوني» فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع «٤» . ثمّ قال لخديجة: «أي خديجة مالي» وأخبرها الخبر. قال «لقد خشيت على نفسي» قالت له خديجة: كلّا أبشر. فو الله لا يخزيك الله أبدا. والله إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث. وتحمل الكلّ «٥» ، وتكسب المعدوم «٦» ، وتقري الضّيف «٧» ، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى. وهو ابن عمّ خديجة، أخي أبيها. وكان امرأ تنصّر في الجاهليّة. وكان يكتب الكتاب العربيّ ويكتب من الإنجيل بالعربيّة ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي عمّ اسمع من ابن أخيك. قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رآه. فقال له ورقة: هذا النّاموس «٨» الّذي أنزل على موسى ﷺ . يا ليتني فيها جذعا «٩» يا ليتني أكون حيّا حين يخرجك قومك. قال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» قال ورقة: نعم. لم يأت رجل قطّ بما جئت به إلّا عودي. وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا» ) * «١٠» . ٦-* (عن أبي ذرّ- ﵁ أنّه قال للمعرور بن سويد لمّا لقيه بالرّبذة «١١» وعليه حلّة «١٢» وعلى غلامه حلّة: ساببت رجلا فعيّرته بأمّه، فقال لي النّبيّ ﷺ : «يا أبا ذرّ أعيّرته بأمّه؟ إنّك امرؤ فيك جاهليّة. إخوانكم خولكم «١٣» جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل،

стр. 1725

وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم» ) * «١» . ٧-* (عن عائشة- ﵂ أنّها كانت تدّاين «٢» فقيل لها مالك وللدّين؟ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد كانت له نيّة في أداء دينه إلّا كان له من الله عون» فأنا ألتمس ذلك العون) * «٣» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة حقّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الّذي يريد الأداء، والنّاكح الّذي يريد العفاف» ) * «٤» . ٩-* (عن مخارق- ﵁ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: الرّجل يأتيني فيريد مالي؟ قال: «ذكّره بالله» قال: فإن لم يذكر؟ قال: «فاستعن عليه من حولك من المسلمين» قال: فإن لم يكن حولي أحد من المسلمين، قال: «فاستعن عليه بالسّلطان» قال: فإن نأى السّلطان عنّي، قال: «قاتل دون مالك حتّى تكون من شهداء الاخرة، أو تمنع مالك» ) * «٥» . ١٠-* (عن قبيصة بن المخارق الهلاليّ- ﵁ قال: حمّلت حمالة «٦» فأتيت النّبيّ ﷺ فسألته فيها فقال: «أقم حتّى تأتينا الصّدقة فإمّا أن نحملها وإمّا أن نعينك فيها» وقال: «إنّ المسألة لا تحلّ إلّا لثلاثة لرجل تحمّل حمالة قوم فيسأل فيها حتّى يؤدّيها ثمّ يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ما له فيسأل فيها حتّى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ثمّ يمسك، ورجل أصابته فاقة فيسأل حتّى يصيب قواما من عيش «٧» أو سدادا من عيش ثمّ يمسك. وما سوى ذلك من المسائل، سحتا يا قبيصة يأكل صاحبه سحتا» ) * «٨» . ١١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الخيل معقود في نواصيها الخير والنّيل إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها، فامسحوا بنواصيها وادعوا لها بالبركة وقلّدوها ولا تقلّدوها بالأوتار «٩» » ) * «١٠» . ١٢-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال:

стр. 1726

قلت يا رسول الله أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله، والجهاد في سبيله» . قال قلت: أيّ الرّقاب أفضل؟ قال: «أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا» . قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعا أو تصنع لأخرق «١» » . قال قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: «تكفّ شرّك عن النّاس، فإنّها صدقة منك على نفسك» ) *» . ١٣-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «على كلّ مسلم صدقة» فقالوا: يا نبيّ الله، فمن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدّق» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: يعين ذا الحاجة الملهوف» قالوا: فإن لم يجد؟ قال: «فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشّرّ فإنّها له صدقة» ) * «٣» . ١٤-* (عن ربيعة بن كعب الأسلميّ ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: «سل» . فقلت: أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال «فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود» ) * «٤» . ١٥-* (عن سلمان- ﵁ قال: كنت رجلا فارسيّا من أهل أصبهان من أهل قرية منها يقال لها جيّ وكان أبي دهقان «٥» قريته وكنت أحبّ خلق الله إليه فلم يزل به حبّه إيّاي حتّى حبسني في بيته كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسيّة حتّى كنت قطن النّار «٦» الّذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة قال وكانت لأبي ضيعة عظيمة قال فشغل في بنيان له يوما فقال لي يا بنيّ إنّي قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطّلعها وأمرني فيها ببعض ما يريد فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النّصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلّون وكنت لا أدري ما أمر النّاس لحبس أبي إيّاي في بيته فلمّا مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون قال فلمّا رأيتهم أعجبني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت هذا والله خير من الدّين الّذي نحن عليه فو الله ما تركتهم حتّى غربت الشّمس وتركت ضيعة أبي ولم آتها فقلت لهم أين أصل هذا الدّين قالوا بالشّام قال ثمّ رجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كلّه قال فلمّا جئته قال أي بنيّ أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت قال قلت يا أبت مررت بناس يصلّون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فو الله ما زلت عندهم حتّى غربت الشّمس قال: أي بنيّ ليس في ذلك الدّين خير. دينك ودين آبائك خير منه، قال قلت: كلّا والله إنّه خير من ديننا. قال: فخافني فجعل في رجلي قيدا ثمّ حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النّصارى فقلت لهم إذا قدم

стр. 1727

عليكم ركب من الشّام تجّار من النّصارى فأخبروني بهم. قال: فقدم عليهم ركب من الشّام تجّار من النّصارى، قال: فأخبروني بهم، قال: فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرّجعة إلى بلادهم فاذنوني بهم، قال: فلمّا أرادوا الرّجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثمّ خرجت معهم حتّى قدمت الشّام، فلمّا قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدّين؟ قالوا الأسقفّ في الكنيسة، قال: فجئته فقلت: إنّي قد رغبت في هذا الدّين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك وأتعلّم منك وأصلّي معك. قال: فادخل فدخلت معه. قال: فكان رجل سوء يأمرهم بالصّدقة ويرغّبهم فيها فإذا جمعوا إليه منها أشياء اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين حتّى جمع سبع قلال من ذهب وورق. قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ثمّ مات فاجتمعت إليه النّصارى ليدفنوه. فقلت لهم: إنّ هذا كان رجل سوء يأمركم بالصّدقة ويرغّبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا قالوا وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلّكم على كنزه قالوا فدلّنا عليه قال فأريتهم موضعه، قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا، قال: فلمّا رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ثمّ رجموه بالحجارة ثمّ جاءوا برجل آخر فجعلوه بمكانه. قال يقول سلمان: فما رأيت رجلا لا يصلّي الخمس أرى أنّه أفضل منه، ولا أزهد في الدّنيا ولا أرغب في الاخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه، قال: فأحببته حبّا لم أحبّه من قبل وأقمت معه زمانا ثمّ حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان إنّي كنت معك وأحببتك حبّا لم أحبّه من قبلك وقد حضرك ما ترى من أمر الله فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ والله ما أعلم أحدا اليوم على ما كنت عليه لقد هلك النّاس وبدّلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلّا رجلا بالموصل وهو فلان فهو على ما كنت عليه فالحق به. قال: فلمّا مات وغيّب لحقت بصاحب الموصل. فقلت له: يا فلان إنّ فلانا أوصاني عند موته أن ألحق بك وأخبرني أنّك على أمره. قال: فقال لي: أقم عندي فأقمت عنده فوجدته خير رجل على أمر صاحبه فلم يلبث أن مات، فلمّا حضرته الوفاة قلت له يا فلان إنّ فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللّحوق بك وقد حضرك من الله ما ترى فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنّا عليه إلّا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به. قال: فلمّا مات وغيّب لحقت بصاحب نصيبين فجئته فأخبرته بخبري وما أمرني به صاحبه، قال: فأقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه فأقمت مع خير رجل فو الله ما لبث أن نزل به الموت فلمّا حضر، قلت: له يا فلان إنّ فلانا كان أوصى بي إلى فلان ثمّ أوصى بي فلان إليك فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ والله ما نعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلّا رجلا بعمّوريّة فإنّه بمثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته. قال: فإنّه على أمرنا. قال: فلمّا مات وغيّب لحقت بصاحب عمّوريّة وأخبرته خبري، فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على هدي أصحابه

стр. 1728

وأمرهم. قال: واكتسبت حتّى كان لي بقرات وغنيمة. قال: ثمّ نزل به أمر الله فلمّا حضر، قلت له: يا فلان إنّي كنت مع فلان فأوصى بي فلان إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، ثمّ أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي وما تأمرني؟ قال: أي بنيّ والله ما أعلمه أصبح على ما كنّا عليه أحد من النّاس آمرك أن تأتيه ولكنّه قد أظلّك زمان نبيّ هو مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجرا إلى أرض بين حرّتين «١» بينهما نخل به علامات لا تخفى: يأكل الهديّة ولا يأكل الصّدقة، بين كتفيه خاتم النّبوّة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. قال: ثمّ مات وغيّب فمكثت بعمّوريّة ما شاء الله أن أمكث، ثمّ مرّ بي نفر من كلب تجّارا، فقلت لهم: تحملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنيمتي هذه؟ قالوا: نعم فأعطيتهموها وحملوني حتّى إذا قدموا بي وادي القرى ظلموني فباعوني من رجل من يهود عبدا فكنت عنده، ورأيت النّخل ورجوت أن تكون البلد الّذي وصف لي صاحبي، ولم يحقّ لي في نفسي، فبينما أنا عنده قدم عليه ابن عمّ له من المدينة من بني قريظة فابتاعني منه فاحتملني إلى المدينة، فو الله ما هو إلّا أن رأيتها فعرفتها بصفة صاحبي، فأقمت بها، وبعث الله رسوله فأقام بمكّة ما أقام لا أسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرّق، ثمّ هاجر إلى المدينة فو الله إنّي لفي رأس عذق «٢» لسيّدي أعمل فيه بعض العمل وسيّدي جالس إذ أقبل ابن عمّ له حتّى وقف عليه فقال فلان، قاتل الله بني قيلة، والله إنّهم الان لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم من مكّة اليوم يزعمون أنّه نبيّ. قال: فلمّا سمعتها أخذتني العرواء «٣» حتّى ظننت سأسقط على سيّدي. قال: ونزلت عن النّخلة فجعلت أقول لابن عمّه ذلك: ماذا تقول ماذا تقول؟ قال: فغضب سيّدي فلكمني لكمة شديدة، ثمّ قال: مالك ولهذا أقبل على عملك، قال: قلت: لا شيء إنّما أردت أن أستثبت عمّا قال، وقد كان عندي شيء قد جمعته، فلمّا أمسيت أخذته ثمّ ذهبت إلى رسول الله ﷺ وهو بقباء، فدخلت عليه فقلت له إنّه قد بلغني أنّك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصّدقة، فرأيتكم أحقّ به من غيركم، قال: فقرّبته إليه. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «كلوا» وأمسك يده فلم يأكل. قال: فقلت في نفسي هذه واحدة ثمّ انصرفت عنه، فجمعت شيئا وتحوّل رسول الله ﷺ إلى المدينة، ثمّ جئت به فقلت: إنّي رأيتك لا تأكل الصّدقة وهذه هديّة أكرمتك بها، قال: فأكل رسول الله ﷺ منها وأمر أصحابه فأكلوا معه. قال: فقلت في نفسي هاتان اثنتان، ثمّ جئت رسول الله ﷺ وهو ببقيع الغرقد «٤» . قال: وقد تبع جنازة من أصحابه عليه شملتان له وهو جالس في أصحابه،

стр. 1729

فسلّمت عليه، ثمّ استدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الّذي وصف لي صاحبي فلمّا رآني رسول الله ﷺ استدرته عرف أنّي أستثبت في شيء وصف لي. قال: فألقى رداءه عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبّله وأبكي. فقال لي رسول الله ﷺ : «تحوّل» فتحوّلت فقصصت عليه حديثي كما حدّثتك يا ابن عبّاس. قال: فأعجب رسول الله ﷺ أن يسمع ذلك أصحابه ثمّ شغل سلمان الرّقّ حتّى فاته مع رسول الله ﷺ بدر وأحد. قال: ثمّ قال لي رسول الله ﷺ : «كاتب سلمان» فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلة أجيبها له بالفقير وبأربعين أوقيّة. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أعينوا أخاكم» فأعانوني بالنّخل الرّجل بثلاثين وديّة «١» ، والرّجل بعشرين، والرّجل بخمس عشرة، والرّجل بعشر. يعني: الرّجل بقدر ما عنده- حتّى اجتمعت لي ثلاثمائة وديّة، فقال لي رسول الله ﷺ : «اذهب يا سلمان ففقّر لها فإذا فرغت فائتني أكون أنا أضعها بيدي» ففقرت لها «٢» وأعانني أصحابي حتّى إذا فرغت منها جئته فأخبرته فخرج رسول الله ﷺ معي إليها فجعلنا نقرّب له الودى ويضعه رسول الله ﷺ بيده فو الّذي نفس سلمان بيده ما ماتت منها وديّة واحدة، فأدّيت النّخل، وبقي عليّ المال، فأتى رسول الله ﷺ بمثل بيضة الدّجاجة من ذهب من بعض المغازي. فقال: «ما فعل الفارسيّ المكاتب؟» قال: فدعيت له، فقال: «خذ هذه فأدّ بها ما عليك يا سلمان» فقلت: وأين تقع هذه يا رسول الله ممّا عليّ؟ قال: «خذها فإنّ الله. . سيؤدّي بها عنك» . قال: فأخذتها فوزنت لهم منها والّذي نفس سلمان بيده أربعين أوقيّة، فأوفيتهم حقّهم وعتقت، فشهدت مع رسول الله ﷺ الخندق ثمّ لم يفتني معه مشهد» ) * «٣» . ١٦-* (عن ثوبان- ﵁ قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ (التوبة/ ٣٤) قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في بعض أسفاره فقال بعض أصحابه: أنزل في الذّهب والفضّة ما أنزل: لو علمنا أيّ المال خير فنتّخذه؟ فقال: «أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه» ) * «٤» . ١٧-* (عن البراء بن عازب- ﵄ قال: جاء أعرابي فقال: يا نبيّ الله، علّمني عملا يدخلني الجنّة، قال: «لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة «٥» . أعتق النّسمة، وفكّ الرّقبة» . قال: أو ليستا واحدا؟ قال: «لا، عتق النّسمة أن تعتق النّسمة،

стр. 1730

وفكّ الرّقبة أن تعين على الرّقبة، والمنيحة الرّغوب «١» ، والفيء على ذي الرّحم «٢» ، فإن لم تطق ذلك فأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكفّ لسانك إلّا من خير» ) * «٣» . ١٨-* (عن سلمة بن الأكوع- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ضحّى منكم فلا يصبحنّ بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء» فلمّا كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله، نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: «كلوا وأطعموا وادّخروا فإنّ ذلك العام كان بالنّاس جهد فأردت أن تعينوا فيها» ) * «٤» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر عن معسر، يسّر الله عليه في الدّنيا والاخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والاخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» ) * «٥» . ٢٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من ولّاه الله- من أمر المسلمين شيئا فأراد به خيرا جعل له وزير صدق، فإن نسي ذكّره وإن ذكر أعانه» ) * «٦» . ٢١-* (عن عبد الرّحمن بن سمرة- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الرّحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الّذي هو خير وكفّر عن يمينك» ) * «٧» . ٢٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكفّ عليه ضيعته ويحوطه من ورائه» ) * «٨» .

стр. 1731

الأحاديث الواردة في (التعاون على البر والتقوى) معنى ٢٣-* (عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» . قال: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟. قال: «تأخذ فوق يديه» ) * «١» . ٢٤-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الأشعريّين إذا أرملوا «٢» في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثمّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسّويّة. فهم منّي وأنا منهم» ) * «٣» . ٢٥-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: إنّ رجلا جاء إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أيّ النّاس أحبّ إلى الله تعالى؟ وأيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «أحبّ النّاس إلى الله تعالى أنفعهم للنّاس، وأحبّ الأعمال إلى الله تعالى سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجة أحبّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد» - يعني مسجد المدينة- شهرا، «ومن كفّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتّى يتهيّأ له أثبت الله قدمه يوم تزول قدمه» ) * «٤» . ٢٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من النّاس مفاتيح للخير مغاليق للشّرّ، وإنّ من النّاس مفاتيح للشّرّ مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشّرّ على يديه» ) * «٥» . ٢٧-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: إنّ النّبيّ ﷺ ، كان إذا أتاه السّائل أو صاحب الحاجة، قال: «اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان رسوله ما شاء» ) * «٦» . ٢٨-* (عن أبي قتادة- ﵁ قال: إنّه طلب غريما له فتوارى عنه ثمّ وجده، فقال: إنّي معسر. فقال: آلله؟ قال: آلله. قال فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن ينجّيه الله من كرب يوم القيامة فلينفّس عن معسر أو يضع عنه» ) * «٧» . ٢٩-* (عن حذيفة بن اليمان- رضي الله

стр. 1732

عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «أتي الله بعبد من عباده آتاه الله مالا، فقال له: ماذا عملت في الدّنيا؟ قال: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (النساء/ ٤٢) قال: يا ربّ، آتيتني مالك فكنت أبايع النّاس وكان من خلقي الجواز «١» ، فكنت أتيسّر على الموسر وأنظر المعسر، فقال الله: أنا أحقّ بذا منك، تجاوزوا عن عبدي» ) * «٢» . ٣٠-* (عن البراء بن عازب- ﵄ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع. فذكر عيادة المريض واتّباع الجنائز وتشميت العاطس وردّ السّلام، ونصر المظلوم وإجابة الدّاعي وإبرار القسم) * «٣» . ٣١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ بعثا قبل السّاحل وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح وهم ثلاثمائة فخرجنا وكنّا ببعض الطّريق فني الزّاد فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كلّ يوم قليلا قليلا حتّى فني فلم يكن يصيبنا إلّا تمرة تمرة، فقلت ما تغني عنكم تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. ثمّ انتهينا إلى البحر، فإذا حوت مثل الظّرب» ، فأكل منه القوم ثماني عشرة ليلة. ثمّ أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا، ثمّ أمر براحلة فرحلت ثمّ مرّت تحتهما فلم تصبهما» . وفي رواية مسلم: «فلمّا قدمنا المدينة أتينا رسول الله ﷺ فذكرنا ذلك له فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟» فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله) * «٥» . ٣٢-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بينما نحن في سفر مع النّبيّ ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا. فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» فذكر من أصناف المال ما ذكر حتّى رأينا أنّه لا حقّ لأحد منّا في فضل) * «٦» . ٣٣-* (عن سلمة بن الأكوع- ﵁ قال: خفّت أزواد القوم وأملقوا «٧» ، فأتوا النّبيّ ﷺ في نحر إبلهم فأذن لهم، فلقيهم عمر فأخبروه، فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم؟ فدخل عمر على النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله ﷺ : «ناد في النّاس يأتون بفضل أزوادهم» ، فدعا وبرّك عليه، ثمّ دعاهم بأوعيتهم فاحتثى النّاس حتّى فرغوا، ثمّ قال رسول الله ﷺ : «أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله» ) * «٨» .

стр. 1733

٣٤-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: صارت صفيّة لدحية في مقسمه، وجعلوا يمدحونها عند رسول الله ﷺ قال: ويقولون: ما رأينا في السّبى مثلها. قال: فبعث إلى دحية فأعطاه بها ما أراد، ثمّ دفعها إلى أمّي فقال: «أصلحيها» قال: ثمّ خرج رسول الله ﷺ من خيبر حتّى إذا جعلها في ظهره نزل، ثمّ ضرب عليها القبّة، فلمّا أصبح قال رسول الله ﷺ : «من كان عنده فضل زاد فليأتنا به» قال فجعل الرّجل يجيء بفضل التّمر وفضل السّويق حتّى جعلوا من ذلك سوادا حيسا «١» ، فجعلوا يأكلون من ذلك الحيس ويشربون من حياض «٢» إلى جنبهم من ماء السّماء، قال: فقال أنس: فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ عليها، قال: فانطلقنا حتّى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها فرفعنا مطيّنا ورفع رسول الله ﷺ مطيّته قال: وصفيّة خلفه قد أردفها رسول الله ﷺ قال فعثرت مطيّة رسول الله ﷺ فصرع وصرعت «٣» قال: فليس أحد من النّاس ينظر إليه ولا إليها، حتّى قام رسول الله ﷺ فسترها، قال: فأتيناه فقال: «لم نضر» قال فدخلنا المدينة، فخرج جواري نسائه يتراءينها ويشمتن بصرعتها) * «٤» . ٣٥-* (عن أمّ عطيّة- ﵂ أنّها قالت: كنّا نداوي الكلمى «٥» ، ونقوم على المرضى فسألت أختي النّبيّ ﷺ ، أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ قال: «تلبسها صاحبتها من جلبابها، ولتشهد الخير ودعوة المسلمين» ) * «٦» . ٣٦-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا ثمّ شبّك بين أصابعه» ) * «٧» . ٣٧-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى» ) * «٨» . ٣٨-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» ) * «٩» . ٣٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أقال مسلما «١٠» أقال

стр. 1734

الله عثرته» ) * «١» . ٤٠-* (عن زيد بن خالد الجهنيّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من جهّز غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا» ) * «٢» . ٤١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من مشى في حاجة أخيه كان خيرا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوما ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النّار ثلاث خنادق كلّ خندق أبعد ممّا بين الخافقين «٣» » ) * «٤» . ٤٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ» ) * «٥» . ٤٣-* (عن زيد بن ثابت- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الله في حاجة العبد ما دام في حاجة أخيه» ) * «٦» . ٤٤-* (عن أبي أمامة الباهليّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يابن آدم إنّك أن تبذل الفضل خير لك، وأن تمسكه شرّ لك، ولا تلام على كفاف «٧» ، وابدأ بمن تعول، واليد العليا خير من اليد السّفلى» ) * «٨» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (التعاون على البر والتقوى) ٤٥-* (عن عائشة- ﵂ قالت: «كان النّبيّ ﷺ يكون في مهنة أهله فإذا حضرت الصّلاة قام إلى الصّلاة» ) * «٩» . ٤٦-* (عن البراء بن عازب- ﵄ قال: «كان النّبيّ ﷺ ينقل التّراب يوم الخندق حتّى أغمر بطنه أو اغبرّ بطنه يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا

стр. 1735

إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا ويرفع بها صوته: أبينا أبينا» ) * «١» . ٤٧-* (عن عثمان بن عفّان- ﵁ أنّه كان يخطب فقال: «إنّا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السّفر والحضر، وكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير» ) * «٢» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التعاون على البر والتقوى) ١-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: «عليك بإخوان الصّدق فعش في أكنافهم فإنّهم زين في الرّخاء وعدّة في البلاء» ) * «٣» . ٢-* (وقال أيضا: «آخ الإخوان على قدر التّقوى، ولا تجعل حديثك بذلة إلّا عند من يشتهيه، ولا تضع حاجتك إلّا عند من يحبّ قضاءها، ولا تغبط الأحياء إلّا بما تغبط الأموات، وشاور في أمرك الّذين يخشون الله » ) * «٤» . ٣-* (قال عبد الرّحمن بن عوف- ﵁ «آخى رسول الله ﷺ ، بيني وبين سعد بن الرّبيع، فقال لي سعد: إنّي أكثر الأنصار مالا، فأقاسمك مالي شطرين، ولي امرأتان، فانظر أيّتهما شئت حتّى أنزل لك عنها، فإذا حلّت تزوّجتها، فقلت: لا حاجة لي في ذلك، دلّوني على السّوق، فدلّوني على سوق بني قينقاع، فما رحت حتّى استفضلت أقطا وسمنا» ) * ... الحديث «٥» . ٤-* (قال المغيرة بن شعبة- ﵁: «التّارك للإخوان متروك» ) * «٦» . ٥-* (عن عبد الله بن الزّبير- ﵁ قال: لمّا وقف الزّبير يوم الجمل دعاني فقمت إلى جنبه فقال: يا بنيّ لا يقتل اليوم إلّا ظالم أو مظلوم، وإنّي لا أراني إلّا سأقتل اليوم مظلوما، وإنّ من أكبر همّي لديني، أفترى يبقي ديننا من مالنا شيئا فقال: يا بنيّ، بع مالنا، فاقض ديني. وأوصى بالثّلث، وثلثه لبنيه- يعني بني عبد الله بن الزّبير، يقول: ثلث الثّلث- فإن فضل من مالنا فضل بعد قضاء الدّين فثلثه لولدك. قال هشام: وكان بعض ولد عبد الله قد وازى بعض بني الزّبير- خبيب وعباد- وله يومئذ تسعة بنين وتسع بنات. قال عبد الله: فجعل يوصيني بدينه ويقول: يا بنيّ إن عجزت عن شيء منه فاستعن عليه مولاي. قال: فو الله ما دريت ما أراد حتّى قلت: يا أبت من مولاك؟ قال: الله. قال: فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلّا قلت: يا مولى الزّبير اقض عنه دينه، فيقضيه. فقتل الزّبير- ﵁ ولم يدع دينارا

стр. 1736

ولا درهما، إلّا أرضين منها الغابة، وإحدى عشرة دارا بالمدينة ودارين بالبصرة، ودارا بالكوفة، ودارا بمصر. قال: وإنّما كان دينه الّذي عليه أنّ الرّجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إيّاه، فيقول الزّبير: لا، ولكنّه سلف، فإنّي أخشى عليه الضّيعة. وما ولي إمارة قطّ ولا جباية خراج ولا شيئا إلّا أن يكون في غزوة مع النّبيّ ﷺ أو مع أبي بكر وعمر وعثمان- ﵃ قال عبد الله بن الزّبير فحسبت ما عليه من الدّين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف قال: فلقي حكيم ابن حزام عبد الله بن الزّبير فقال: يا ابن أخي: كم على أخي من الدّين؟ فكتمه فقال مائة ألف. فقال حكيم: والله ما أرى أموالكم تسع لهذه. فقال له عبد الله: أرأيتك إن كانت ألفي ألف ومائتي ألف؟ قال: ما أراكم تطيقون هذا، فإن عجزتم عن شيء منه فاستعينوا بي. قال: وكان الزّبير اشترى الغابة بسبعين ومائة ألف. فباعها عبد الله بألف ألف وستّمائة ألف «١» . ثمّ قام فقال: من كان له على الزّبير حقّ فليوافنا بالغابة. فأتاه عبد الله بن جعفر- وكان له على الزّبير أربعمائة ألف- فقال لعبد الله: إن شئتم تركتها لكم. قال عبد الله: لا. قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخّرون إن أخّرتم. فقال عبد الله: لا. قال: قال: فاقطعوا لي قطعة. قال عبد الله: لك من ههنا إلى ههنا. قال فباع منها فقضى دينه فأوفاه، وبقي منها أربعة أسهم ونصف، فقدم على معاوية- وعنده عمرو ابن عثمان والمنذر بن الزّبير، وابن زمعة- فقال له معاوية: كم قوّمت الغابة؟ قال: كلّ سهم مائة ألف. قال: كم بقي؟ قال: أربعة أسهم ونصف. فقال المنذر ابن الزّبير: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال عمرو بن عثمان: قد أخذت سهما بمائة ألف. وقال ابن زمعة: قد أخذت سهما بمائة ألف. فقال معاوية كم بقي؟ فقال: سهم ونصف. قال: أخذته بخمسين ومائة ألف. قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بستّمائة ألف. فلمّا فرغ ابن الزّبير من قضاء دينه، قال بنو الزّبير: اقسم بيننا ميراثنا. قال: لا والله لا أقسم بينكم حتّى أنادي بالموسم أربع سنين: ألا من كان له على الزّبير دين فليأتنا فلنقضه. قال: فجعل كلّ سنة ينادي بالموسم. فلمّا مضى أربع سنين قسم بينهم. قال: وكان للزّبير أربع نسوة، ورفع الثّلث فأصاب كلّ امرأة ألف ألف ومائتا ألف) * «٢» . ٦-* (قال عطاء بن أبي رباح- رحمه الله تعالى-: «تفقّدوا إخوانكم بعد ثلاث فإن كانوا مرضى فعودوهم أو مشاغيل فأعينوهم أو كانوا نسوا فذكّروهم» ) *» . ٧-* (قال أبو جعفر بن صهبان- رحمه الله تعالى-: «كان يقال: أوّل المودّة طلاقة الوجه، والثّانية التّودّد، والثّالثة قضاء حوائج النّاس» ) * «٤» . ٨-* (قال داود الطّائيّ لرجل طلب منه الوصيّة: «اصحب أهل التّقوى، فإنّهم أيسر أهل

стр. 1737

الدّنيا عليك مئونة، وأكثرهم لك معونة» ) * «١» . ٩-* (قال أبو حمزة الشّيبانيّ- رحمه الله تعالى- لمن سأله عن الإخوان في الله من هم؟ قال: «هم العاملون بطاعة الله- المتعاونون على أمر الله- وإن تفرّقت دورهم وأبدانهم» ) * «٢» . ١٠-* (قال ابن المعتزّ- رحمه الله تعالى-: «من اتّخذ إخوانا كانوا له أعوانا» ) * «٣» . ١١-* (قال بعض الحكماء: «من جاد لك بمودّته، فقد جعلك عديل نفسه، فأوّل حقوقه اعتقاد مودّته، ثمّ إيناسه بالانبساط إليه في غير محرّم، ثمّ نصحه في السّرّ والعلانية، ثمّ تخفيف الأثقال عنه، ثمّ معاونته فيما ينوبه من حادثة، أو يناله من نكبة، فإنّ مراقبته في الظّاهر نفاق، وتركه في الشّدّة لؤم» ) * «٤» . ١٢-* (قال بعض الشّعراء: هموم رجال في أمور كثيرة ... وهمّي من الدّنيا صديق مساعد نكون كروح بين جسمين قسّمت ... فجسماهما جسمان والرّوح واحد) * «٥» . ١٣-* (وقال بعض البلغاء: «صديق مساعد، عضد وساعد» ) * «٦» . من فوائد (التعاون على البر والتقوى) (١) إمكان إنجاز الأعمال الكبيرة الّتي لا يقدر عليها الأفراد. (٢) شعور الفرد بالقوّة ونزع شعور العجز من نفسه. (٣) دليل حبّ الخير للاخرين. (٤) مواجهة الأخطار المحدقة بالإنسان ممّن حوله من الإنسان والحيوان. (٥) ثمرة من ثمرات الإيمان فضلا عن كونه حاجة ملحّة للإنسان. (٦) أساس التّقدّم والإنتاج والنّجاح والتّفوّق. (٧) من ثمرات الأخوّة الإسلاميّة. (٨) الشّعور بالمساواة في الإنسانيّة يدفع إليه ويحضّ عليه. (٩) ينزع الحقد من القلوب الضّعيفة ويزيل أسباب الحسد. (١٠) طريق موصّل إلى محبّة الله ورضاه وجنّته. (١١) سبب من أهمّ أسباب الألفة والمحبّة بين النّاس. (١٢) يحقّق سنّة الله في خلقه ويوافق طبيعة الأشياء وفي هذا يقول الشّاعر: النّاس للنّاس من بدو وحاضرة ... بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم

стр. 1738

تعظيم الحرمات / الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ / ١٢/ ٤١/ ٢٥/ تعظيم الحرمات: تتكوّن صفة تعظيم الحرمات من لفظين هما: التّعظيم والحرمات وسنعرض أوّلا للمعنى اللّغويّ لكلّ منهما ثمّ نذكر المعنى الاصطلاحيّ لتعظيم الحرمات. التعظيم لغة: التّعظيم في اللّغة مصدر عظّم يقال عظّم فلان الأمر تعظيما بمعنى فخّمه وبجّله، وهذا المصدر مأخوذ من مادّة (ع ظ م) الّتي تدور حول معنى الكبر والقوّة كما يقول ابن فارس «١» ، وأصل ذلك العظم خلاف اللّحم يقول الرّاغب «٢» وعظم الشّيء أصله كبر عظمه، ثمّ استعير لكلّ كبير فأجري مجراه محسوسا كان أو معقولا عينا كان أو معنى. «والعظيم» إذا استعمل في الأعيان فأصله أن يقال في الأجزاء المتّصلة و «الكثير» يقال في الأجزاء المنفصلة، ثمّ قد يستعمل العظيم أيضا في الأشياء المنفصلة الأجزاء نحو: جيش عظيم ومال عظيم، وذلك في معنى الكثير، ويقول الجوهريّ: عظم الشّيء عظما كبر فهو عظيم، وعظم الشّيء أكثره ومعظمه ويقال: أعظم الأمر وعظّمه أي فخّمه والتّعظيم: التّبجيل، واستعظمه عدّه عظيما واستعظم وتعظّم، تكبّر، والاسم العظم، وتقول أصابنا مطر لا يتعاظمه شيء أي لا يعظم عنده شيء، والعظيمة والمعظّمة: النّازلة الشّديدة، والإعظامة والعظامة (شيء) كالوسادة تعظّم به المرأة عجيزتها. والعظمة الكبرياء، وعظمة الذّراع أيضا لمستغلظها، والعظم واحد العظام، وعظم الرّحل خشبة بلا أنساع ولا أداة «٣» ، والعظم خلاف الصّغر يقال منه عظم الشّيء يعظم عظما وعظامة: كبر، وعظّم الشّيء كبّره. والعظيم من صفات المولى- ويسبّح العبد ربّه فيقول سبحان ربّي العظيم، العظيم هنا الّذي جاوز قدره وجلّ عن حدود العقول حتّى لا تتصوّر الإحاطة بكنهه وحقيقته. والعظم في صفات الأجسام كبر الطّول والعرض والعمق، والله تعالى جلّ عن ذلك قال النّبيّ ﷺ ، أمّا الرّكوع فعظّموا فيه الرّبّ، أي اجعلوه في أنفسكم ذا عظمة. وعظمة الله سبحانه. لا تكيّف ولا تحدّ ولا تمثّل بشيء، ويجب على العباد أن يعلموا أنّه عظيم كما وصف نفسه وفوق ذلك بلا كيفيّة ولا تحديد «٤» وعظمات القوم: سادتهم وذوو شرفهم، وعظم الشّيء ومعظمه جلّه وأكثره، وعظم

стр. 1739

الصّلاة الفريضة كما جاء في حديث (لا يقوم فيها إلّا إلى عظم صلاة) قال ابن منظور: كأنّه أراد لا يقوم إلّا إلى الفريضة «١» . الحرمات لغة: الحرمات في اللّغة جمع حرمة «٢» وهي ما لا يحلّ انتهاكه وهي مأخوذة من مادّة (ح ر م) الّتي تدور حول معنى «المنع والتّشديد» ، يقال: الحرام: ضدّ الحلال، والحريم: حريم البئر وهو ما حولها، يحرّم على غير صاحبها أن يحفر فيه، والحرمان مكّة والمدينة، سمّيا بذلك لحرمتهما وأنّه حرّم أن يحدث فيهما أو يؤوى محدث، ويقال: أحرم الرّجل بالحجّ؛ لأنّه يحرّم عليه ما كان حلالا له من الصّيد والنّساء وغير ذلك، وأحرم الرّجل دخل في الشّهر الحرام قال الشّاعر: قتلوا ابن عفّان الخليفة محرما ... فمضى ولم أر مثله مقتولا ويقال أيضا المحرم الّذي له ذمّة، والحريم: الّذي حرّم مسّه فلا يدنى منه، ويقال بين القوم حرمة ومحرمة (بفتح الراء وضمها) وذلك مشتقّ من أنّه حرام إضاعته وترك حفظه «٣» . وقال الرّاغب: الحرام: الممنوع منه إمّا بتسخير إلهيّ كما في قوله تعالى: وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ (القصص/ ١٢) ، وإمّا بمنع قهريّ كما في قوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (المائدة/ ٧٢) وإمّا بمنع من الشّرع كما في قوله سبحانه: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ (الأنعام/ ١٤٥) «٤» . وقال في الصّحاح: الحرم بالضّمّ الإحرام، قالت عائشة- ﵂: «كنت أطيّبه ﷺ لحلّه وحرمه» ، أى عند إحرامه، وحرمة الرّجل: حرمه وأهله، ورجل حرام أي محرم ومن الشّهور أربعة حرم وهي ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب، والحرمة بالكسر: الغلمة، والحرمة أيضا الحرمان، والحرمي المنسوب إلى الحرم، وعن الأصمعيّ يقال: إنّ لي محرمات (بضم الراء وفتحها) فلا تهتكها، والمحرّم أوّل الشّهور (الهجرية) وأحرم الرّجل إذا دخل في حرمة لا تهتك قال زهير: وكم بالقنان من محلّ ومحرم وقوله تعالى: لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ* قال ابن عبّاس- ﵄ هو المحارف «٥» (أي الّذي لم

стр. 1740

يوسّع له في رزقه) ، ويقال: أحرمت عن الشّيء، إذا أمسكت عنه، وذكر الزّجّاجيّ عن اليزيديّ أنّه قال: سألت عمّي عن قول النّبيّ ﷺ : (كلّ مسلم عن مسلم محرم) قال المحرم: الممسك، ومعناه أنّ المسلم ممسك عن مال المسلم وعرضه «١» . وعليه؛ فالحرمات جمع حرمة، وهي ما يجب احترامه وحفظه من الحقوق والأشخاص، والأزمنة والأماكن، وتعظيمها: توفيتها حقّها وحفظها عن الإضاعة «٢» . الحرمات اصطلاحا: يراد بالحرمة اصطلاحا: الحكم بطلب ترك فعل ينتهض فعله سببا للعقاب، وهي بذلك ترادف التّحريم أمّا الفعل الّذي وقع عليه في ذلك فيسمّى حراما ومحظورا «٣» . أمّا حرمات الله ففيها أقوال منها: ١- المراد بها في قول مجاهد: مكّة، والحجّ، والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه كلّها. ٢- وعن زيد بن أسلم أنّ الحرمات المرادة هنا خمس هي: الكعبة الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام (مكّة المكرمة) ، والشّهر الحرام، والمحرم حتّى يحلّ. ٣- وقال ابن عاشور: حرمات الله تشمل كلّ ما أوصى الله بتعظيم أمره فتشمل مناسك الحجّ كلّها. تعظيم الحرمات اصطلاحا: ورد في تعظيم الحرمات أقوال عديدة أهمّها: ١- قال الطّبريّ ما خلاصته: تعظيم الحرمات يعني اجتناب المرء ما أمر الله باجتنابه في حال إحرامه تعظيما منه لحدود الله أن يواقعها وحرمه أن يستحلّها. ٢- وقال النّيسابوريّ: تعظيم الحرمات: العلم بوجوبها والقيام بحقوقها. ٣- وقال الزّمخشريّ: تعظيم الحرمات: العلم بأنّها واجبة المراعاة والحفظ، والقيام بمراعاتها. ٤- وقال القرطبيّ: الحرمات المقصودة هنا (في الاية الكريمة) هي أفعال الحجّ ويدخل في ذلك تعظيم المواضع «٤» . درجات تعظيم الحرمات: ويأتي تعظيم الحرمات على درجات ثلاث: الدّرجة الأولى: تعظيم الأمر والنّهي، بحيث لا يعارضا بترخّص جاف، ولا يعارضا بتشدّد غال، ولا يحمل الأمر والنّهي على علّة توهن الانقياد لهما. وهناك

стр. 1741

أمور تنافي تعظيم الأمر والنّهي: أحدها: التّرخّص الّذي يمنع صاحبه عن كمال الامتثال. الثّاني: الغلوّ الّذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنّهي. الأوّل: تفريط، والثّاني: إفراط. ومن الأمور الّتي تؤدّي إلى عدم تعظيم الأمر والنّهي: تأويل الأمر والنّهي بعلّة تعود عليهما بالإبطال، كما تأوّل بعضهم تحريم الخمر بأنّه معلّل بإيقاع العداوة والبغضاء، والتّعرّض للفساد، فإذا أمن من هذا المحذور منه جاز شربه. الدّرجة الثّانية: «تعظيم الحكم أن يبغى له عوج، أو يدافع بعلم، أو يرضى بعوض» . ومعنى هذا تعظيم الحكم الكونيّ القدريّ بألّا يطلب له عوجا أو يرى فيه عوجا؛ بل يراه كلّه مستقيما، لأنّه صادر عن عين الحكمة، فلا عوج فيه. ومن كمال التّعظيم أن لا يرضى العبد بعوض يطلبه بعمله وإن طلب ثواب الله وجزاء عمله. الدّرجة الثّالثة: «تعظيم الحقّ سبحانه، وهو أن لا يجعل دونه سببا، ولا يرى عليه حقّا، أو ينازع له اختيارا» . وهذه الدّرجة تتضمّن تعظيم الحاكم سبحانه، صاحب الخلق والأمر والّتي قبلها تتضمّن تعظيم قضائه لا مقضيّه، والأولى تتضمّن تعظيم أمره. وفي هذه الدّرجة يتيقّن المسلم من أنّ الّذي يوصّله إلى الله هو الله، ولا يتوصّل إلى رضاه إلّا به، ما دلّ على الله إلّا الله، ولا هدى إليه سواه. ولا يرى لأحد من الخلق حقّا على الله، بل الحقّ لله على خلقه. فالحقّ في الحقيقة لله على عبده، وحقّ العبد هو ما اقتضاه جوده وبرّه وإحسانه إليه بمحض جوده وكرمه. ويعني هذا أن لّا ينازع المسلم اختيار الله بل يرضى بما اختاره له؛ فإنّ ذلك من تعظيم الله ومن تعظيم حرمات الله «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الإيمان- التقوى الصلاة- الطاعة- الزكاة- الصوم- الحج والعمرة- العبادة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: انتهاك الحرمات ترك الصلاة- العصيان- التفريط والإفراط- الفسوق- الفجور- الفساد] .

стр. 1742

الآيات الواردة في «تعظيم الحرمات» ١- وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) «١» الآيات الواردة في «تعظيم الحرمات» معنى ٢- أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) «٢» ٣- وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) «٣» ٤- الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) «٤»

стр. 1743

٥- وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤) «١» ٦- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) «٢» ٧- جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) «٣» ٨- فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) «٤» ٩- إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) «٥» ١٠- التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) «٦» ١١- وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) » ١٢- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً (١) «٨»

стр. 1744

الأحاديث الواردة في (تعظيم الحرمات) ١-* (عن أبي شريح العدويّ- ﵁ أنّه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكّة: ائذن لي أيّها الأمير أحدّثك قولا قام به رسول الله ﷺ للغد من يوم الفتح فسمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلّم به أنّه حمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «إنّ مكّة حرّمها الله ولم يحرّمها النّاس فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الاخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد «١» بها شجرة. فإن أحد ترخّص لقتال رسول الله ﷺ فقولوا له: إنّ الله أذن لرسول الله ﷺ ولم يأذن لكم، وإنّما أذن لي ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشّاهد الغائب» ) * «٢» . ٢-* (عن جابر- ﵁ قال: أتى النّبيّ ﷺ النّعمان بن قوقل فقال: يا رسول الله أرأيت إذا صلّيت المكتوبة. وحرّمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنّة؟ فقال النّبيّ ﷺ : «نعم» ) * «٣» . ٣-* (عن عبد الله بن قرط- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أعظم الأيّام عند الله ﵎ يوم النّحر، ثمّ يوم القرّ «٤» » وقرّب لرسول الله ﷺ بدنات خمس أو ستّ، فطفقن يزدلفن إليه بأيّتهنّ يبدأ، فلمّا وجبت جنوبها قال: «من شاء اقتطع» ) * «٥» . ٤-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في حجّة الوداع: «ألا أيّ شهر تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا ألا شهرنا هذا. قال: ألا أيّ بلد تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا بلدنا هذا. قال: ألا أيّ يوم تعلمونه أعظم حرمة؟ قالوا: ألا يومنا هذا. قال: فإنّ الله- ﵎ قد حرّم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلّا بحقّها كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ألا هل بلّغت (ثلاثا؟ كلّ ذلك يجيبونه: ألا نعم) قال: «ويحكم أو ويلكم لا ترجعنّ بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ) * «٦» . ٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لم يحرّم حرمة إلّا وقد علم أنّه سيطّلعها منكم مطّلع «٧» ألا وإنّي آخذ بحجزكم «٨» أن تهافتوا في النّار كتهافت الفراش أو الذّباب» ) * «٩» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حرّم ما بين لابتي المدينة «١٠» على لساني» . قال: وأتى النّبيّ ﷺ بني حارثة فقال:

стр. 1745

«أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم. ثمّ التفت فقال: بل أنتم فيه» ) * «١» . ٧-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من النّاس. فمن اتّقى الشّبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإنّ لكلّ ملك حمى ألا وإنّ حمى الله في أرضه محارمه ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» ) * «٢» . ٨-* (عن أبي مالك عن أبيه- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال لا إله إلّا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله» ) * «٣» . ٩-* (عن بريدة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدّنيا» ) * «٤» . ١٠-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث. من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين» ) * «٥» . ١١-* (عن المغيرة بن شعبة- ﵁ قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسّيف غير مصفح عنه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «أتعجبون من غيرة سعد؟ فو الله لأنا أغير منه والله أغير منّي من أجل غيرة الله حرّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا شخص أغير من الله. ولا شخص أحبّ إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الله المرسلين مبشّرين ومنذرين ولا شخص أحبّ إليه المدحة من الله. من أجل ذلك وعد الله الجنّة» ) * «٦» . ١٢-* (عن أسماء بنت يزيد- ﵂ أنّها قالت: لمّا توفّي ابن رسول الله ﷺ (إبراهيم) بكى رسول الله ﷺ فقال له المعزّي (إمّا أبو بكر وإمّا عمر) أنت أحقّ من عظّم الله حقّه؛ قال رسول الله ﷺ : «تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرّبّ. لولا أنّه وعد صادق وموعود جامع، وأنّ الاخر تابع للأوّل لوجدنا عليك يا إبراهيم أفضل ممّا وجدنا. وإنّا بك لمحزونون» ) * «٧» . ١٣-* (عن عروة عن أبيه- ﵄ قال: لمّا سار رسول الله ﷺ عام الفتح، فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء يلتمسون الخبر عن رسول الله ﷺ

стр. 1746

فأقبلوا يسيرون حتّى أتوا مرّ الظّهران «١» فإذا هم بنيران كأنّها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنّها نيران عرفة. فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو فقال أبو سفيان: عمرو أقلّ من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله ﷺ فأدركوهم فأخذوهم فأتوا بهم رسول الله ﷺ ، فأسلم أبو سفيان، فلمّا سار قال للعبّاس: «احبس أبا سفيان عند خطم الجبل «٢» حتّى ينظر إلى المسلمين» فحبسه العبّاس، فجعلت القبائل تمرّ مع النّبيّ ﷺ ، كتيبة كتيبة على أبي سفيان فمرّت كتيبة فقال: يا عبّاس من هذه؟ فقال: هذه غفار. قال: مالي ولغفار. ثمّ مرّت جهينة، قال: مثل ذلك، ثمّ مرّت سعد بن هذيم. فقال: مثل ذلك، ومرّت سليم، فقال: مثل ذلك. حتّى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟، قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الرّاية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة اليوم تستحلّ الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عبّاس حبّذا يوم الذّمار «٣» ثمّ جاءت كتيبة وهي أقلّ الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه وراية النّبيّ ﷺ مع الزّبير بن العوّام، فلمّا مرّ رسول الله ﷺ بأبي سفيان. قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: «ما قال؟» قال: كذا وكذا، فقال: «كذب سعد «٤» ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة» ) * «٥» . ١٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يأخذ عنّي هؤلاء الكلمات فيعمل بهنّ أو يعلّم من يعمل بهنّ؟» فقال أبو هريرة: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدّ خمسا وقال: «اتّق المحارم تكن أعبد النّاس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى النّاس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا وأحبّ للنّاس ما تحبّ لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضّحك فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب» ) * «٦» . ١٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيّام أعظم عند الله ولا أحبّ إلى الله العمل فيهنّ من أيّام العشر فأكثروا فيهنّ التّسبيح والتّحميد والتّهليل والتّكبير» ) * «٧» . ١٦-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال المؤمن معنقا «٨» صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بلّح «٩» » ) * «١٠» .

стр. 1747

الأحاديث الواردة في (تعظيم الحرمات) معنى ١٧-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله. ويقيموا الصّلاة. ويؤتوا الزّكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها وحسابهم على الله» ) * «١» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلّا المسجد الحرام» ) * «٢» . ١٩-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : عرضت عليّ أعمال أمّتي، حسنها وسيّئها. فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطّريق. ووجدت في مساوي أعمالها النّخاعة «٣» تكون في المسجد لا تدفن» ) *» . ٢٠-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من بلد إلّا سيطؤه الدّجّال، إلّا مكّة والمدينة، ليس له من نقابها «٥» نقب إلّا عليه الملائكة صافّين يحرسونها. ثمّ ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات. فيخرج الله كلّ كافر ومنافق» ) * «٦» . ٢١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: إنّ رسول الله ﷺ ، رأى نخامة في قبلة المسجد، فأقبل على النّاس فقال: «ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربّه فيتنخّع أمامه؟ أيحبّ أحدكم أن يستقبل فيتنخّع في وجهه؟ فإذا تنخّع أحدكم فليتنخّع عن يساره تحت قدمه. فإن لم يجد فليقل هكذا» يعني تفل في ثوبه ثمّ مسح بعضه على بعض) * «٧» . ٢٢-* (عن عبد الله بن زيد المازنيّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنّة» ) * «٨» . ٢٣-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النّار من يوم عرفة. وإنّه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟» ) * «٩» . ٢٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق، رجع كما ولدته أمّه» ) * «١٠» .

стр. 1748

٢٥-* (عن جابر- ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ ، عن أكل البصل والكرّاث. فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها. فقال: «من أكل من هذه الشّجرة المنتنة فلا يقربنّ مسجدنا. فإنّ الملائكة تأذّى ممّا يتأذّى منه الإنس» ) * «١» . ٢٦-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حمل علينا السّلاح فليس منّا» ) * «٢» . ٢٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمع رجلا ينشد ضالّة في المسجد فليقل: لا ردّها الله عليك؛ فإنّ المساجد لم تبن لهذا» ) * «٣» . ٢٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تشدّ الرّحال إلّا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا ومسجد الحرام ومسجد الأقصى» ) * «٤» . ٢٩-* (عن المقداد بن الأسود- ﵁ قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلا من الكفّار. فقاتلني فضرب إحدى يديّ بالسّيف فقطعها. ثمّ لاذ منّي بشجرة، فقال: أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ قال رسول الله ﷺ : «لا تقتله» . قال: فقلت: يا رسول الله إنّه قد قطع يدي. ثمّ قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله؟. قال رسول الله ﷺ : «لا تقتله، فإن قتلته فإنّه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنّك بمنزلته قبل أن يقول كلمته الّتي قال» ) * «٥» . ٣٠-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله إلّا بإحدى ثلاث: النّفس بالنّفس، والثّيّب الزّاني والمفارق لدينه التّارك للجماعة» ) * «٦» . ٣١-* (عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ لأحدكم أن يحمل بمكّة السّلاح» ) * «٧» . ٣٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: خرجنا مع رسول الله يعني في غزوة ذات الرّقاع «٨» فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين، فحلف أن لا أنتهي حتّى أهريق دما في أصحاب محمّد، فخرج يتبع أثر النّبيّ ﷺ فنزل النّبيّ ﷺ منزلا، فقال: «من رجل يكلؤنا؟» فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فقال: «كونا بفم الشّعب «٩» » قال: فلمّا خرج الرّجلان إلى فم الشّعب، اضطجع المهاجريّ، وقام الأنصاريّ يصلّي، وأتى الرّجل فلما رأى شخصه عرف أنّه

стр. 1749

ربيئة «١» للقوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، فنزعه حتّى رماه بثلاثة أسهم، ثمّ ركع وسجد ثمّ انتبه صاحبه، فلمّا عرف أنّهم قد نذروا به «٢» هرب، ولمّا رأى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدّم قال: سبحان الله ألا أنبهتني أوّل ما رمى. قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحبّ أن أقطعها) * «٣» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (تعظيم الحرمات) ٣٣-* (عن عائشة- ﵂ أنّ قريشا أهمّهم شأن المرأة الّتي سرقت في عهد النّبيّ ﷺ في غزوة الفتح. فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ ؟ فقالوا ومن يجترأ عليه إلّا أسامة بن زيد، حبّ رسول الله ﷺ . فأتي بها رسول الله ﷺ : فكلمّه فيها أسامة بن زيد فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ، فقال: أتشفع في حدّ من حدود الله؟ فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلمّا كان العشيّ قام رسول الله ﷺ فاختطب فأثنى على الله بما هو أهله. ثمّ قال: «أمّا بعد فإنّما أهلك الّذين من قبلكم، أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ، وإنّي والّذي نفسي بيده لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها» ، ثمّ أمر بتلك المرأة فقطعت يدها) * «٤» . ٣٤-* (عن البراء- ﵁ قال: لقيت خالي ومعه راية، فقلت له: أين تريد؟ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل نكح امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله) * «٥» . ٣٥-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ : «يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا فيصلّي فيه ركعتين» ) * «٦» . ٣٦-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه قال: «لم أر رسول الله ﷺ يمسح من البيت إلّا الرّكنين اليمانيّين» ) * «٧» . ٣٧-* (عن عبد الله بن عديّ بن الحمراء- ﵁ أنّه قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وهو على ناقته واقف بالحزورة «٨» يقول: «والله إنّك لخير أرض الله، وأحبّ أرض الله إليّ، والله لولا أنّي أخرجت منك ما خرجت» ) * «٩» . ٣٨-* (عن المسور بن مخرمة ومروان- رضي

стр. 1750

الله عنهما- قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتّى إذا كانوا ببعض الطّريق قال النّبيّ ﷺ : إنّ خالد ابن الوليد بالغميم «١» في خيل لقريش طليعة «٢» ، فخذوا ذات اليمين. فو الله ما شعر بهم خالد حتّى إذا هم بقترة الجيش «٣» ، فانطلق يركض نذيرا لقريش وسار النّبيّ ﷺ ، حتّى إذا كان بالثّنيّة «٤» الّتي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال النّاس: حل حل «٥» . فألحّت «٦» . فقالوا خلأت «٧» القصواء. فقال النّبيّ ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق. ولكن حبسها حابس الفيل. ثمّ قال: والّذي نفسي بيده لا يسألونني خطّة» يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها. فقال النّبيّ ﷺ : قد سهل لكم من أمركم. فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا. فدعا النّبيّ ﷺ الكاتب، فقال النّبيّ ﷺ : «بسم الله الرّحمن الرّحيم فقال سهيل: أمّا الرّحمن فو الله ما أدري ما هي، ولكن اكتب باسمك اللهمّ كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا «بسم الله الرّحمن الرّحيم» . فقال النّبيّ ﷺ : «اكتب باسمك اللهمّ» . ثمّ قال: «هذا ما قاضى عليه محمّد رسول الله» فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب «محمّد بن عبد الله» ، فقال النّبيّ ﷺ : «والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني» ، اكتب «محمّد بن عبد الله» وذلك لقوله: «لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» . فقال له النّبيّ ﷺ : «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به» ... الحديث) * «٩» . ٣٩-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلّا اختار أيسرهما ما لم يأثم «١٠» ، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه. والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قطّ حتّى تنتهك حرمات الله فينتقم لله» ) * «١١» . ٤٠-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لمّا قدم النّبيّ ﷺ المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء فسئلوا عن ذلك فقالوا: هذا اليوم الّذي أظفر الله فيه موسى وبني اسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيما له، فقال رسول الله ﷺ : «نحن أولى بموسى منكم. فأمر بصومه» ) * «١٢» . ٤١-* (عن أسامة بن زيد- ﵄ قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة «١٣» من جهينة. فصبّحنا القوم فهزمناهم. ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم. فلمّا غشيناه. قال: لا إله إلّا الله. فكفّ عنه الأنصاريّ. فطعنته برمحي حتّى قتلته. قال:

стр. 1751

فلمّا قدمنا. بلغ ذلك النّبيّ ﷺ فقال لي: «يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلّا الله؟» قال: فقلت يا رسول الله، إنّما كان متعوّذا. قال: قال: «قتلته بعد ما قال لا إله إلّا الله؟» فمازال يكرّرها حتّى تمنّيت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) * «١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (تعظيم الحرمات) ١-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁ لمّا طعنه أبو لؤلؤة المجوسيّ: الحمد لله الّذي لم يجعل موتي برجل يدّعي الإسلام. ثمّ سكت كالمطرق فقالوا: ألا ننبّهه للصّلاة فقيل الصّلاة يا أمير المؤمنين فقال: نعم. ولا حظّ في الإسلام لمن ترك الصّلاة، ثمّ صلّى وجرحه يثغب «٢» دما) * «٣» . ٢-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «يا صاحب الذّنب لا تأمن سوء عاقبته، ولما يتبع الذّنب أعظم من الذّنب، إذا عملته: قلّة حيائك ممّن على اليمين وعلى الشّمال، وأنت على الذّنب أعظم من الذّنب، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذّنب، وفرحك بالذّنب إذا ظفرت به أعظم من الذّنب، وحزنك على الذّنب إذا فاتك أعظم من الذّنب، وخوفك من الرّيح إذا حرّكت ستر بابك وأنت على الذّنب ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذّنب إذا عملته» ) * «٤» . ٣-* (قال ابن مسعود- ﵁: «إنّ المؤمن يرى ذنوبه كأنّه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإنّ الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه» فقال به (وأشار بيده) هكذا) * «٥» . ٤-* (وقال- ﵁ في تفسير قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ (الحج/ ٢٥) : «لو أنّ رجلا أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بعدن أبين، لأذاقه الله من العذاب الأليم» ) * «٦» . ٥-* (قال عبد الله بن عمر- ﵄ يوما بعد ما نظر إلى الكعبة: «ما أعظمك وأعظم حرمتك والمؤمنون عند الله أعظم حرمة منك» ) * «٧» . ٦-* (وقال: «من ورطات الأمور الّتي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدّم الحرام بغير حلّه» ) * «٨» . ٧-* (قال أبو هريرة- ﵁: «لو رأيت الظّباء ترتع بالمدينة ما ذعرتها «٩» » ) * «١٠» .

стр. 1752

٨-* (عن السّائب بن يزيد ﵁ قال: كنت قائما في المسجد فحصبني «١» رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطّاب فقال: «اذهب فأتني بهذين» فجئته بهما. قال: «من أنتما أو من أين أنتما؟» قالا: من أهل الطّائف. قال: «لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما. ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ » ) * «٢» . ٩-* (قال أنس بن مالك- ﵁: «إنّكم لتعملون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشّعر، إن كنّا لنعدّها على عهد النّبيّ ﷺ الموبقات» ) * «٣» . ١٠-* (قال عروة بن مسعود الثّقفيّ وهو يرمق أصحاب النّبيّ ﷺ بعينيه. قال: «فو الله ما تنخّم رسول الله ﷺ نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم فدلّك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النّظر تعظيما له» ) * «٤» . ١١-* (وفد هلال بن سراج بن مجّاعة إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، بعد ما ولي الخلافة بكتاب كتبه رسول الله ﷺ ، إلى مجّاعة فأخذه عمر ووضعه على عينيه ومسح به وجهه رجاء أن يصيب وجهه موضع يد رسول الله ﷺ * «٥» . إنّما قصد- رحمه الله تعالى- التّبرّك بالآثار الحسّيّة لرسول الله ﷺ ولا يجوز فعل ذلك مع غيره ﵊. ١٢-* (قال بلال بن سعد- رحمه الله تعالى-: «لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت» ) * «٦» . ١٣-* (قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: «لا يكتب القرآن على شيء منصوب ولا ستر ولا غيره، ويكره توسّد المصحف «٧» » ) * «٨» . ١٤-* (وقال القاضي (أبو يعلى) : إنّما كره ذلك لأنّ فيه ابتذالا له ونقصانا من حرمته فإنّه يفعل به كما يفعل بالمتاع. واختار ابن حمدان التّحريم وقطع به. وكذا سائر كتب العلم إن كان فيها قرآن وإلّا كره فقط. ويقرب من ذلك مدّ الرّجلين إلى شيء من ذلك وقال الحنفيّة يكره لما فيه من أسماء الله تعالى وإساءة الأدب» ) * «٩» . ١٥-* (قال النّوويّ- رحمه الله تعالى-: «أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق وتنزيهه وصيانته» ) * «١٠» . ١٦-* (وقال القاضي عياض- رحمه الله تعالى-: من استخفّ بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه فهو كافر بإجماع المسلمين) * «١١» .

стр. 1753

١٧-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: «كان الإمام مالك- رحمه الله تعالى-: إذا أراد أن يحدّث تنظّف وتطيّب وسرّح لحيته ولبس أحسن ثيابه» ) * «١» . ١٨-* (قال الفضيل بن عياض- رحمه الله تعالى-: «بقدر ما يصغر الذّنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله» ) * «٢» . ١٩-* (قال أبو بكر بن منير- رحمه الله تعالى: «كان محمّد بن إسماعيل البخاريّ- رحمه الله تعالى- ذات يوم يصلّي فلسعه الزّنبور سبع عشرة مرّة فلمّا قضى صلاته قال: انظروا أيّ شيء هذا الّذي آذاني في صلاتي فنظروا فإذا الزّنبور قد ورّمه في سبعة عشر موضعا ولم يقطع صلاته. وقال مرّة: كنت في آية فأحببت أن أتمّها» ) * «٣» . ٢٠-* (قال محمّد بن منصور- رحمه الله تعالى-: «كنّا في مجلس أبي عبد الله البخاريّ فرفع إنسان من لحيته قذاة وطرحها إلى الأرض. فرأيت محمّد بن إسماعيل ينظر إليها وإلى النّاس فلمّا غفل النّاس رأيته مدّ يده فرفع القذاة من الأرض فأدخلها في كمّه فلمّا خرج من المسجد رأيته أخرجها وطرحها على الأرض فكأنّه صان المسجد عمّا تصان عنه لحيته» ) * «٤» . ٢١-* (قال زيد بن أسلم: الحرمات: المشعر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، هؤلاء الحرمات. قال النّيسابوريّ: وتعظيمها العلم بوجوبها (أى بوجوب حرمتها) والقيام بحقوقها) * «٥» . ٢٢-* (أورد أبو جعفر النّحّاس في معانيه: قال مجاهد: الحرمات: الحجّ والعمرة وقال عطاء: المعاصي. قال أبو جعفر: والقولان يرجعان إلى شيء واحد؛ لأنّ حرمات الله- (تشمل) ما فرضه وأمر به و (تشمل) ما نهى عنه فلا ينبغي أن يتجاوز كأنّه الّذي يحرم تركه (أي ترك أمر الله فيه) *» . ٢٣-* (قال الزّمخشريّ: الحرمة ما لا يحلّ هتكه وجميع ما كلّفه الله تعالى بهذه الصّفة من مناسك الحجّ وغيرها) * «٧» . ٢٤-* (قال ابن عاشور: الحرمات تشمل كلّ ما أوصى الله بتعظيم أمره فتشمل مناسك الحجّ كلّها وغيرها أيضا) * «٨» . ٢٥-* (قال ابن كثير: تعظيم الحرمات اجتناب المعاصي والمحارم، بحيث يكون ارتكابها عظيما في نفسه) * «٩» .

стр. 1754

من فوائد (تعظيم الحرمات) (١) دليل قوّة الإيمان وتمام الإذعان وكمال العبوديّة. (٢) يتّسع مدلوله حتّى يشمل ما لله- وأنبيائه وسائر الخلق حتّى الكافر المعاهد. (٣) أسباب التّعظيم منها ما يرجع للإنسان أو الزّمان أو المكان. (٤) ما يجتمع فيه أكثر من سبب من أسباب التّعظيم حرمته أعظم ممّا يجتمع فيه أقلّ. (٥) سبب لنيل أعلى الدّرجات. (٦) يباعد بين الإنسان وبين ارتكاب المعاصي بدافع الحبّ.

стр. 1755

التفاؤل / الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ /-/ ٧/ ٣/ الفأل لغة: ضدّ الطّيرة «١» والجمع فئول، وتفاءلت به «٢» والفأل: أن يكون الرّجل مريضا فيسمع آخر يقول يا سالم، أو يكون طالب ضالّة فيسمع آخر يقول يا واجد فيقول تفاءلت بكذا، ويتوّجه له في ظنّه كما سمع أنّه يبرأ من مرضه أو يجد ضالّته. والفأل يكون فيما يحسن وفيما يسوء. قال أبو منصور: من العرب من يجعل الفأل فيما يكره أيضا. وفي نوادر الأعراب يقال: لا فأل عليك بمعنى لا ضير عليك ولا طير عليك ولا شرّ عليك، وفي الحديث «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصّالح» ، والفأل الصّالح: الكلمة الحسنة. وقال: وهذا يدلّ على أنّ من الفأل ما يكون صالحا ومنه ما يكون غير صالح، وإنّما أحبّ النّبيّ ﷺ الفأل؛ لأنّ النّاس إذا أمّلوا فائدة الله ورجوا عائدته عند كلّ سبب ضعيف أو قويّ فهم على خير، ولو غلطوا في وجهة الرّجاء فإنّ الرّجاء لهم خير، ألا ترى أنّهم إذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشّرّ؟ وإنّما أخبر النّبيّ ﷺ عن الفطرة كيف هي وإلى أيّ شيء تنقلب «٣» . قال الماورديّ: فأمّا الفأل ففيه تقوية للعزم، وباعث على الجدّ، ومعونة على الظّفر؛ فقد تفاءل رسول الله ﷺ في غزواته وحروبه. وروى أبو هريرة «أنّ رسول الله ﷺ سمع كلمة فأعجبته، فقال: أخذنا فألك من فيك» . فينبغي لمن تفاءل أن يتأوّل بأحسن تأويلاته، ولا يجعل لسوء الظّنّ على نفسه سبيلا، فقد قال النّبيّ ﷺ : «إنّ البلاء موكّل بالمنطق» . وروي أنّ يوسف- ﵇ شكا إلى الله تعالى طول الحبس، فأوحى الله تعالى إليه: يا يوسف، أنت حبست نفسك حيث قلت: «ربّ السّجن أحبّ إليّ» ولو قلت: العافية أحبّ إليّ لعوفيت. وحكي أنّ المؤمّل بن أميل الشّاعر لمّا قال يوم الحيرة:
следующие страницы →