← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- وإما في خطأ واجب إزالته: وفي هذا المجال يميز الرسول ﷺ بين أخطاء تنتهك واجبا شخصيا، وما يطلق عليه: حق الله. وهو إما أن يكون خالصا أو مختلطا عن إنسان آخر. وبين أخطاء ترتكب في حق العباد، وهو ما يسمى: حق العباد. والأخطاء التي في حق الله تعالى يغفرها الله تعالى، إلا الشرك. أما ما يتعلق بحق العباد فمهما فعلنا من أفعال طيبة مناقضة، ومهما دعونا الله أن يغفر لنا فإنه يظل عاجزا عن أن يصل إلى التوبة الكاملة، إذ يجب أن نحصل على إبراء صريح ومحدد من الذين أساءوا إليه، والأحاديث الشريفة في هذا المجال وافرة رويت في الصحيحين وفي المسانيد. إلا أن الأمر لا يتوقف على مجرد الجزاء الإصلاحي. بل هناك جزاء ثوابي لممارسة القواعد الخلقية، فالفضيلة لها محاسنها، فالصلاة تجعلنا على اتصال بمنبع الكمالات، والزكاة تزكى، والصوم وسيلة إلى بلوغ التقوى، وبالجملة فإن ممارسة الفضائل تجعل الإنسان حكيما. شجاعا. كريما. وكذلك ممارسة الرذيلة لا يتوقف أمرها على أضرار اجتماعية وفردية، بل يمتد أثرها إلى الجوانب النفسية والروحية. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ودلالتها واضحة. وبالجملة كما يقول الدكتور دراز: «إن الجزاء الأخلاقي الثوابي يتمثل في الحسنة والسيئة أي في كسب القيمة أو خسارتها كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ «١» . كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ «٢» «٣» . ٢- الجزاء الشرعي: المراد بالجزاء الشرعي تلك العقوبات التي أقرتها الشريعة الإسلامية لأولئك الذين يتعدون حدود الله، فيظلمون بذلك أنفسهم أولا، وغيرهم ثانيا. إنه إذا كان الجزاء الأخلاقي يتصل بتركيب النفس من حيث الإصلاح وتزكية النفس فإن الجزاء الشرعي جزاء تأديبي أو عقابي لكل من تسول نفسه تجاوز قانون الحياة في المجتمع الإسلامي. إن الترغيب والترهيب وإن كان لهما أثر بالغ في الردع عن مخالفة القواعد الشرعية لما يحدثانه من خشية وخوف ورجاء وطمع، ويؤازرهما في ذلك ما يسمّى ب «الوازع الأخلاقي» المتمثل في محاسبة النفس ومجاهدتها وما ينجم عن ذلك من نهي النفس عن الهوى وابتعاد الإنسان عن ارتكاب الخطايا والآثام، إلا أن ذلك كله قد لا

стр. 212

يكفي- أحيانا- لكف بعض الأشقياء عن الظلم والاعتداء واقتراف الجرائم ومن ثم كان الوازع المتمثل في الحدود الشرعية، هاما وضروريا في هذا المجال، نظرا لما لهذا الوازع من خطورة اجتماعية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الجزاء الشرعي يرتبط بارتكاب الأمور المنهي عنها شرعا، تلك الأمور التي تعد في حد ذاتها من المفاسد الأخلاقية، ومن هنا ندرك أهمية الجزاءات الشرعية في دفع المفاسد الأخلاقية «١» . إن لهذه الجزاءات الشرعية أهدافا عديدة ترمي إلى تحقيقها منها: ١- الردع عن ارتكاب الجرائم أو تكرار ارتكابها، وبالتالي تربية هؤلاء وإصلاحهم. ٢- جعل من يرتكب هذه المفاسد أو الجرائم عبرة وعظة لغيرهم، وزجر هذا الغير عن التشبه بهم. ٣- تلافي الثأر، وإحلال الوئام والسلام في المجتمع والمحافظة على أمنه وسلامته «٢» . وبالنظر في نظام المجازاة في التشريع الإسلامي يمكن أن نميز فيه مرتبتين أساسيتين هما: ١- الحدود: وهي الجزاءات التي حددها الشرع بدقة وصرامة. وهي من حقوق الله تعالى، ولا تسقط بالعفو ولا بالصلح، وهذه تتعلق بالجرائم التالية: الزنا، السرقة، القذف، شرب الخمر، البغي، قطع الطريق، الردة. والصرامة في هذه العقوبات لا تتيح مجالا أمام أي تنازل أو حل وسط. وفي الأحاديث ما يوضح ذلك جيدا فلا شفاعة لأحد في حد من حدود الله ولا تنازل عن توقيع هذا الحد، يوضح هذا ما روي عن عائشة- ﵂ أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ومن يجتريء عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ، فكلم رسول الله ﷺ ، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟» ثم قام فخطب قال: «يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» «٣» . وهذه الأخطاء لا يجوز العفو فيها إلا إذا كان في المجال الخاص، فمتى وصلت السلطة الجريمة أصبح تطبيق الحد أمرا جازما لا رجعة فيه «٤» . إن هذه الحدود باعتبارها حق الله تعالى: إنما جعلت للحفاظ على حياة الإنسان، وبدنه وماله وعرضه،

стр. 213

بمعنى آخر الحفاظ على المقومات الأساسية لحياة الإنسان، ولأن الله خالقها وحده جل علاه، جعلها حرمات لا يجوز لأحد الاقتراب منها إلا بحقها فإذا ما تجاوز أحد ذلك كان الحد. وفي هذا المجال يشير دراز إلى حقيقة مهمة، وهي أن الجرائم التي تقع تحت طائلة القانون هي تلك الرذيلة التي تتفشى، وتعرض نفسها، وتتحدى، أما حالة الإنسان الذي يستتر، وترتعد فرائصه حين يخضع لأهوائه، وهو الواقع الذي لا ينكشف لنا، لا بذاته، ولا بواسطة صاحبه، فإنه سيكون من اختصاص محاكمة الله تعالى له. وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف حين يقول: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا..... فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» «١» . وفي نص آخر يشير إلى استهجان النبي ﷺ فعل بعض الناس. ممن يقعون في الحرام خفية ثم يثرثرون بما فعلوا: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين. وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه. فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» «٢» . ٢- التعزيرات: وهي عقوبات تأديبية يفرضها القاضي على جناية أو معصية لا حد فيها. ويتعلق بالتعزير حقان: حق الله وحق العباد، وما كان حق العباد فيه غالبا فيجوز قبول العفو فيه، وما كان حق الله فيه أغلب فبرغم عفو المتضرر فإن التعزير واجب. وهنا تتنوع العقوبة الموقعة على المجرم من تأنيب، إلى تعنيف أمام العامة إلى السجن، إلى الجلد، ومن حق القاضي أن يتغاضى عن بعض الأخطاء القليلة حين تقع من إنسان ذي خلق. وقد روي عن النبي ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» «٣» . ٣- الجزاء الإلهي: إذا كان النوعان السالفان من الجزاء ينتميان إلى مجال الواقع الدنيوي، فإن الجزاء الإلهي له طبيعته وامتداداته، ولعل هذا يرتبط أساسا بنظام التوجيه الإسلامي في القرآن والسنة، ولهذا بحثه الخاص، إلا أنه يمكن القول أن القرآن حدد الجزاء الإلهي في ناحيتين.

стр. 214

١- الجزاء الإلهي في العاجلة: أي في الدنيا . وهذا الجزاء الإلهي في الدنيا له عدة جوانب: الجانب المادي: ويعني أن من يقوم بفعل الأوامر يلتزم بقواعد السلوك الخلقي يحصل على نصيب من ثوابها في الدنيا، وكذا من يتجنب فعل الفضيلة ويأتي مضادها فإن الله يصب سخطه عليه في غضبه على هذا السلوك المنحرف. وفي القرآن أمثلة تؤكد ذلك: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ «١» . وفي سورة سبأ وبعد عرض قصتهم يقول الله : فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ «٢» . وهكذا في قصة صاحب الجنتين، وفي قصة أصحاب الجنة، وفي قصص الأمم الأوائل الذين كذبوا الرسل، كل ذلك يدلنا على أن غير الملتزمين، والمتمردين يدفعون ويجازون من حياتهم، أما حالات الإفساد العام أو انتشار الفساد الأخلاقي العام فإن الله سبحانه يقابلها بتدمير الشعب كله وإهلاكه، وينجي الله المتقين الصالحين المحسنين الطائعين. وهكذا: وباستقراء آيات القرآن نجد أنه يثير اهتمامنا وانتباهنا وانتباه البشر جميعا إلى أن الأمن والترف ما كان ليعصم الناس من الجزاء الإلهي إذا انتشر الفساد. وهناك حالات يحتوي الجزاء فيها على حالات مادية، أو عناصر مادية: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ «٣» ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ «٤» . وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ «٥» . - تأييد الله لجماعة المؤمنين: وهذا التأييد والنصر من الله سبحانه لجماعة المؤمنين الملتزمين بالقانون الخلقي، وهذا التأييد يشمل النصر والمساعدة والتثبيت، أما خصوم المؤمنين فهم مسوقون إلى الهزيمة والعذاب، وموعودون بالذل، ومشمولون بالخزي. وفي نص واحد يبين الحق ﵎ هذا الجزاء الدنيوي في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ

стр. 215

وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً «١» . أما إذا ركن الناس إلى الأخلاق المنحلة، والفوضى والعصيان فإن الجزاء عبر عنه القرآن بقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ «٢» . - الهداية والرشاد: إن الأمر لا يقتصر على ما سبق من جزاءات مادية، أو جزاءات جماعية، فالجزاء الإلهي في الدنيا يمتد إلى هداية المؤمنين، وهداية قلوبهم، ويبدد ظلماتهم، ويوصلهم إلى النور، ويرشدهم إلى الطريق المستقيمة، ويمنحهم القوة على تمييز الحق من الباطل والخير من الشر، ويصلح نواياهم، ويزيدهم نورا، ويهدي خطاهم على دروب مستقيمة، وينزل في قلوبهم الطمأنينة والسكينة. أما الظالمون فيحدث لهم عكس ما يحدث للمؤمنين المتمسكين بالفضيلة. وكذلك المؤمنون إذا ما غيروا مواقفهم فإن ذلك يؤدي إلى سحب النعم الممنوحة لهم ليصبحوا كالظالمين تماما. - رضا الله تعالى وحبه: وهذا نوع من الجزاء العظيم، وهذا هو الهدف الأسمى الصالح للحصول عليه، حيث يسعى المسلم من خلال سلوكه إلى التمثل بالصفات المستحسنة عند الله، فهو من المحسنين والمقسطين، والصابرين، والمتقين، والمتطهرين، والمتوكلين، ومحبيه، الذين يقاتلون في سبيله، إن المسلم كلما وقف موقفا يحترم فيه أوامر الله تعالى كلما اقترب من رضاه ورحمته، وفي نفس الوقت كلما وقف موقفا لا يحترم فيه أوامر الله تعالى اقترب من سخط الله وعدم حبه. ٢- الجزاء الإلهي في الآجلة: (الحياة الأخرى) : لا يقتصر الجزاء الإلهي على الجزاءات الدنيوية والتي سبق بيانها، بل إن الجزاء الإلهي يمتد إلى الآخرة فهناك عودة للعدالة الإلهية، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ «٣» . أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً «٤» . ومن ثم نجد تفرقة واضحة بين المؤمنين الصالحين، والظالمين، فلكل منهم جزاؤهم في الآخرة، مما يجعل العمل الدنيوي مرتبطا أيضا بالجزاء الأخروي: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ «٥» . أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ

стр. 216

كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ «١» . ولذا نجد الجزاء الأخروي على نوعين: الجنة للصالحين، وفيها نعيم مقيم وخلود دائم. والنار للعصاة والمفسدين والفجار خالدين فيها أبدا. ثم هناك الرضوان على المؤمنين وعدم الرضوان على الكفار والفاسدين «٢» . والخلاصة: أن المؤمن مرتبط دائما بخالقه، وبالقرآن الكريم وبالرسول ﷺ ولو غفل في ساعة الضعف البشري عن العقوبة الآجلة أو الأخروية لارتكاب المنكر فإن تفهمه للعقوبة الدنيوية وقوة حجمها وشدة وطأتها يبعده عن الاقتراب من المنكر وينهاه عن أن تمتد قدمه أو يده إلى المحرم، ويرجعه إلى رشده وإلى ملكاته العقلية، فيتيقظ لديه الرادع الديني ويخمد نداء الشيطان وسرعان ما يستطيع أن يلجأ إلى الوسيلة التي تطرد عنه وسوسة الشيطان وما قد يزينه له من عمل يراه حسنا، هذه الوسيلة ميسرة ومعروفة لدى كل مسلم، ولا تكلفه سوى التصميم على عمل الخير والإرادة القوية لأن يتجنب طريق الغواية وسبيل الهوى والفساد، هذه الوسيلة هي قول الله ﵎: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (المؤمنون ٩٧/ ٩٨) . فالعقوبة الدنيوية طريق لتنبيه الغافلين وإيقاظ اللاهين وحاجز منيع يحول دون تجاوز طريق المباحات إلى المحرمات فكانت كإشارة المرور في الطريق لتبين معالم الخطر وحدود السبل التي يحق للسائق أن يسير بها في سيارته آمنا مطمئنا وحدود السبل التي لا يحق له أن يصل إليها ولا أن يمر بها ولا أن يدخل مداخلها، والرجوع عنها واجتنابها خير من إيقاع الذات بالخطر وخير من المهالك التي قد تقضي عليه وعلى غيره. والحدود الإسلامية التي هي العقوبات الدنيوية إنما شرعت للحفاظ على حياة الناس وأعراضهم ودمائهم وأعضائهم وقد يكون داعي القتل هو الغضب والعنف أو حب الجاه والمنصب والتعالي على الآخرين وقد عالج الإسلام ذلك بطريقة مثالية واقعية قبل أن يشتد الغضب وقبل أن يغلي حب الانتقام في النفس وقبل أن يسيطر العجب والكبر على الإنسان ويجعله كالريشة في مهب الهواء، فقد عالج الإسلام هذه الحالات النفسية كلها علاجا واقعيا مثاليا، بحيث يستطيع المسلم بعد المواظبة على ذلك العلاج فترة زمنية أن يتخلص من كافة أمراضه النفسية التي أوجدت لديه اختلالا في التوازن النفسي وجموحا نحو زاوية الانحراف والغواية، هذا العلاج يكمن في وسيلتين إحداهما مادية والأخرى معنوية. أما المادية: فهي الوضوء والغسل وتغير الحالة التي هو فيها، فإن غضب وهو واقف فليمش وإن غضب

стр. 217

وهو جالس فلينهض ثم ليأخذ ماء للوضوء والغسل، ومن توضأ فإنه يرى أن لله عليه ركعتين فيصليهما ويسأل الله ﵎ له الهداية ولمن أغضبه فيستحقق لديه النتائج المرضية للعلاج وهو ذهاب الغضب والصبر على ما لقيه من أخيه المسلم. أما المعنوية: فهي ذكر الله ﵎ وذكر الله سبحانه أكبر من الصلاة فيما ينتج عنه من نتائج تلازم الفرد بسبب ملازمته للذكر فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (المؤمنون/ ١١٦) . إذا توصل المسلم إلى هذه المرحلة وإلى هذا العلاج النفسي والوجداني فسوف يلمس في نفسه الإحساس بالارتياح والاستقرار والأمن والطمأنينة وسوف يتجنب كل شر قد خطر له أو عرض لذهنه لحظة من الدهر، وهكذا في كل الحالات النفسية التي فيها ضعف أو فيها مرض فإن الإسلام يضع الأسباب الوقائية التي تحول دون أن يصل المسلم إلى الحالة المرضية أو إلى الضغط النفسي الشديد الذي يعمي البصر أو يصم السمع أو يغلق القلب. فإن لم تجد معه الأسباب الوقائية ووقع في المرض النفسي فإن الإسلام يرشده إلى العلاج النفسي الذي يشفيه مما ابتلي به من أمراض قال الله ﵎: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (الإسراء/ ٨٢) وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (يونس/ ٥٧) وهكذا أرشدنا القرآن والسنة المطهرة إلى أن من وجد في صدره شيئا من الضيق أو القلق أو الاضطراب أو نزوعا للاعتداء على الآخرين فليفتح كتاب الله- ﵎ بعد الوضوء وبعد الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان وليقرأ ما تيسر له من الآيات الكريمة، أو ليستمع لغيره وهو يتلو كتاب الله تعالى فإن كافة تلك الأمراض الباطنية ستتقلص وتخف شدتها بالتدريج ثم تزول نهائيا. فإن كان المرض مسيطرا ومتغلبا لديه وقد أسفر اتجاهه نحو الانحراف ونحو ارتكاب الجريمة التي اتجه إليها فليقرأ عقوبة هذه الجريمة وليتصور نفسه أنه قد وقعت عليه هذه العقوبة وأقيم عليه الحد، فماذا يا ترى؟ هل يستمر لديه خاطر الشر أم أنه يخمد نهائيا، ويزول تماما؟ فمن قوي لديه الانحراف في طلب الرزق وفكر في السرقة فليتصور نفسه ويده مقطوعة، فبم يأكل وبم يحمل الأشياء وكيف يعمل؟ وما هو موقفه من أسرته، من أولاده وزوجته، وقد جعلوه قدوة لهم، وهم يصبرون على الجوع ولا يصبرون على المحرم ولا يريدون أن يروا رب أسرتهم مقطوع اليد حدا. إنها آثار سيئة ومشينة ومكروهة من جميع أفراد المجتمع المحيط بهذا الإنسان، ثم ماذا هل يكتب على نفسه أن يكون في عداد المجرمين العابثين بأمن الأفراد والمجتمع؟ «١» .

стр. 218

الفصل الثالث المنهج الإسلامي في تنمية القيم الخلقية اتضح لدينا في الفصل السابق، طبيعة الأخلاق الإسلامية، ومصادرها، وفي أثنائها تناولنا فطرة الإنسان وطبيعته وأبعادها باعتبار أن الإنسان مكلف ومتحمل مشاق التكليف، ولعلنا نتساءل: هل الأخلاق فطرية في الإنسان أو مكتسبة؟ بمعنى: على أي شيء تعتمد عليه تربية السلوك الخلقي؟ هل تعتمد على ما لدى الإنسان من فطرة وقوة واستعدادات؟ أم تعتمد على التنشئة والتوجيه؟ وعلى أي حال كان الموقف، فكيف يتم النمو الخلقي لدى الإنسان؟ وكيف يتم تنشئة السلوك الخلقي عند الإنسان؟ هذا هو حديثنا وتحليلنا في هذا الفصل، في محاولة لإيضاح هذا الأمر، وخاصة أن هناك نظريات كثيرة في هذا المجال، والباحثون فيه يعتمدون على نظريات صاغها علماء وباحثون غربيون يفسرون في ضوئها ويحللون. وليس لدينا مساحة للاستفادة مما كتبوا، إلا أن الأفضل أن نحاول الاستفادة مما تحت أيدينا من أفكار في هذا المجال، مما أنتجه علماؤنا وخبروه. أولا: هل تكتسب الأخلاق: لعله قد تقرر لدينا أن الإنسان مخلوق لديه استعدادات كامنة تظهر بالتنشئة والاكتساب، بحيث تنمو وتنضج، وتصبح طابعا مميزا للإنسان «١» . وتقرر أيضا- أن الإسلام منهج شامل لكافة جوانب حياة الإنسان، والأخلاق الإسلامية هداية من الله للإنسان، من التزم بها فقد حمد ربه، لأنها سعادة في الدنيا والآخرة. وإذا كان ثمة تفسيرات طرحت للسلوك الخلقي منها ما يرد تكوين السلوك إلى التكوين الحياتي للإنسان، ومنها ما يرده إلى مدى التفهم العقلي لدى الإنسان، ومنها ما يرده إلى التأثير الاجتماعي. ويرتبط مدخل التفسير الحياتي لتكوين الأخلاق بما يسمى بالمثير والاستجابة، بمعنى أن الخلق يتكون عن طريق الربط بين مثيرات معينة مثل الخسائر المادية والعقاب أو ما يشبه العقاب من مثيرات غير محببة، وهذا الارتباط وتعميمه يختلف نوعا عن الصراعات بين الرغبة في إشباع المشاعر الداخلية، أو الحاجات الفورية وبين المتاعب التي تنشأ من القلق، ومن ثم يتكون الضمير باعتباره نوعا من أنواع القلق الذي يصاحب القيم بالفعل الشائن أو حتى التفكير في القيام به، ومن ثم ينصرف عنه لما يسببه من ألم لدى الإنسان «٢» .

стр. 219

وبالرغم من التفصيلات الكثيرة في هذا المجال والتي يمكن مراجعتها في مصادرها الأصلية، إلا أنه يمكن القول بأن هذه النظرية بكاملها وتفريعاتها وتطبيقاتها تنتمى إلى التفسير المادي لسلوك الإنسان، وتحاول أن تلخص السلوك الخلقي فيما يصدر عن الإنسان من أفعال فيما يمكن قياسه فقط، ولذلك يفقدون ما يسمى بالنور الداخلي أو الضوء الداخلي الكاشف للقيم لدى الإنسان ويرفضون أثره في تكوين الأخلاق بحجة أننا لا نستطيع أن نخضعه للبحث، ولأنه لا يستطيع أن يفسر الفروق الفردية في اكتساب الخلق. ولا يخفى ما لهذه النظرة من آثار سلبية، حيث إنها تجعل المادة وتركيباتها واستجاباتها الأسباب الوحيدة المعتبرة لتفسير تصرفات الإنسان واستجاباته، وهي بذلك تجعل منه قطعة هامدة لا بد من تشغيلها بطاقة وبقوى خارجية «١» . وهذه النظرية تؤمن بضرورة التدريب والتكرار والتقليد وإعطاء النموذج وغير ذلك من أساليب التدريب حتى تتحول الأخلاق إلى عادات ثابتة يمارسها الإنسان آليا بعد فترة دون تفكير، والتركيز دائما على السلوك الظاهري الذي يمكن ملاحظته، فموضوع مثل تكون مفهوم العدل أو العدالة يمكن تفسيره كردود فعل للتعزيز السابق أو محاولة لاكتساب القول، أو محاولة لتجنب العقاب الذي يصاحب السلوك غير العادل، ومن ثم فإن مفاهيم العدل أو القيم الأخلاقية يمكن تغييرها عن طريق الإثابة أو العقاب، أو التقليد أو التكرار «٢» . أما من يرد تكوين السلوك الخلقي إلى التأثير الاجتماعي، فإنه يرى أن الجانب الخلقي في الإنسان يتكون من تعلم الطفل أن يكف أو يعبر عن أعمال معينة يتم تحديد نوعيتها من الخير أو الشر أو عن طريق ممثلي المجتمع الذين يقومون بعملية التنشئة الاجتماعية، ويتم تعزيزها أو عقابها عن طريقهم، فإذا كان السلوك مقبولا اجتماعيا، يتم تعزيزه، ويستمر أداؤه عبر الزمن، وفي مواقف مختلفة، وإذا ما كان السلوك غير مقبول اجتماعيا، فإنه سيتم العقاب عليه، بأي صورة من صور العقاب، ومن ثم فإنه يختفى، وباختصار فإن الوقت كله يدور حول الإرادة الخارجية للسلوك والرغبة الداخلية في الحصول على الثواب وتجنب العقاب «٣» . إن أصحاب هذا الموقف مع إيمانهم بنظرية المثير والاستجابة، والتعزيز والعقاب، يرون أن أثر التنشئة الاجتماعية المتمثلة في سلطة الوالدين، وضغوط جماعات الأقران وغيرها من القوى الاجتماعية، أمر مهم في تنظيم النشاط الإنساني، وأن اكتساب الاتجاهات الأخلاقية المتمثلة في مسايرة الأهداف الاجتماعية، إنما يتم عن طريق التعلم، وهم يركزون في الأساس على العلاقات الاجتماعية التي يمكن أن تقاس عن طريق المقاييس الاجتماعية

стр. 220

(السوسيومترية) ، وهي مقاييس تقيس مدى تحقق العلاقات والصفات الاجتماعية، وما يتفق عليه المجتمع من خلال ممارسة التفاعلات الاجتماعية على أن ما يتصل بالأخلاق يكون أخلاقيا، وهذا ما جعل علماء الاجتماع يقولون أن الأخلاقيات تختلف من مجتمع لآخر، وأنها نسبية طبقا لدرجة التفاعل الحادث في المجتمع واتفاقه عليها «١» . على أن لكل فرد في الجماعة «دورا» يرمز إلى مكانته فيها، وترفض الجماعة أخلاقا معينة على مختلف الأدوار الاجتماعية، فالأخلاق المتوقعة من «الأب» غير الأخلاق المتوقعة من «الابن» أو «الابنة» ، والأخلاق المتوقعة من «القائد» غيرها عند «الجندي» وهكذا، والتزام هذه الأخلاق يطلق عليه مصطلح «الضمير» وأصلها أن الأفراد «يضمرون أو يبطنون» معيارا أخلاقيا واحدا يتوقع منهم أن يسلكوا سلوكا متشابها وأن يصبح كل فرد شاهدا على الآخر، وأن يحسب حساب الآخرين فيخجل منهم عند سوء الخلق، ويسر عند حسنه «٢» . أما من يرد تفسير السلوك الأخلاقي إلى مدى التفهم العقلي لدى الإنسان، وأصحابه يطلق عليهم «أصحاب نظرية النمو العقلي في السلوك الأخلاقي» فيتخذون موقفا يؤكد على أهمية المعرفة والفكر في تكوين المواقف والسلوك الخلقي وقد تبلورت هذه النظرية على يد المربي السويسري المعروف «بياجيه» الذي يرى أن الفرد لا يستجيب سلبيا لما يراه حوله أو ما يفرضه عليه الآخرون، وإنما هو كائن نشط يتفكر فيما يستقبله ويستنتج منه مبادىء عامة يسترشد بها في سلوكه وأحكامه، بمعنى أن السلوك الأخلاقي هو تفاعل الفرد مع بيئته أو هو عمل الفرد في البيئة وعمل البيئة في الفرد. ويميز بياجيه بين مستويين من السلوك الأخلاقي: المستوى الأول: هو المجرد أو التركيب العميق المحتوى على الأسس النظرية، ويتميز باعتبارات الواجب والانصياع للسلطة الخارجية، فالطفل يتقبل من الراشد من الأوامر يجب الانصياع لها مهما كانت الظروف، والصواب عنده ما يتفق مع هذه الأوامر، والخطأ هو ما يتعارض معها، وهذا هو ما أسماه بالتحكم أو القسر وهنا تقوم الأخلاقيات على واقعية الاحترام من جانب الطفل، وبهذا الاعتبار يتم تطبيعه اجتماعيا وأخلاقيا إلا أن الطفل حين ينمو متفاعلا مع بيئته ومجتمعه يتفاعل مع أقرانه على أساس التبادل والعطاء، ومن ثم يأتي التعاون أساسا لتنمية السلوك الأخلاقي، وتظهر أهمية الاحترام المتبادل. ولعله من المهم أن ندرك أن الأخلاقيات عند بياجيه أساسها الاتزان القائم على العدل، وليست حسب الإنسان أو الإحساس البديهي بالواجب، وقدسية الخير، وإنما الارتكاز إلى الأخذ والعطاء «٣» .

стр. 221

أما المستوى الثاني: فهو الحسي الذي تميزه استجابات محددة وموضوعات فعلية، ويبدو من دراسات بياجيه، أن هناك تخلفا لدى الأطفال في الأحكام الخلقية في المراحل العمرية الأولى عكس الأطفال الكبار، وبالتالي فالطفل الأكثر نضجا لديه القدرة على ممارسة وتطبيق مبدأ التعاون أو الأخذ والعطاء «١» . وإذا كان بياجيه قد قدم نظريات هامة في مجال النمو الإنساني طبقا لمراحل النمو، فإنه قدم أسسا للنمو الأخلاقي نوردها فيما يلي: ١- النمو الأخلاقي والنمو المعرفي: حيث يرى أن هناك علاقة بين مستوى الذكاء ومستوى النمو الأخلاقي بمعنى أن الخبرة والذكاء وليس العمر الزمني يعتبران من أحسن المؤشرات الدالة على التعرف على الأعمال المشينة وغير المشينة، ولكن ليس معنى كون الإنسان ذكيا يعني أنه أخلاقي، فكثير من الحالات تشير إلى أن الذكاء البشري قد يتوجه إلى الشر، إلا أنه من المهم التأكيد على أن النمو في المعرفة الخلقية يلزمه قدرة معرفية مناسبة في الفرد أيا كان ذلك النمو. ٢- الخبرة الاجتماعية القائمة على المساواة: ويرى أن التفاعل الاجتماعي بين الرفاق القائم على المساواة هو المصدر الرئيسي لإدراك أن أخلاقيات التعاون هي أساس العلاقات الاجتماعية المتناغمة وهي التي تحقق الانسجام بين أفراد المجتمع، وأشار بياجيه إلى أنه إذا أعطى الوالدان الطفل شعورا بالمساواة بتأكيد التزامات كل فرد ومظاهر عجزه، وأن يقوما بالوعظ عن طريق القدوة فإنهما يدفعان الطفل إلى الترقي على سلم النمو الخلقي، وهذا المنحى في تربية الأطفال يؤكد القيمة الكبرى للنمط غير التسلطي في التربية. ٣- الاستقلال عن سلطة الكبار القسرية: حيث يعتبر أن الاستقلال المتزايد على سلطة الكبار- التي تعتبر قسرية وإكراها- سبب ونتيجة لتزايد إقبال الطفل على أخلاقيات التعاون، وبالتالي يقهر التمركز حول الذات ويقبل أكثر على التعاون بين الأقران، ومعنى هذا أنه كلما زاد استقلال الطفل عن سيطرة الكبار كلما زاد انطلاقه وإخلاصه لمبدأ التعاون بين الأقران الذي يؤكد هذه الاستقلالية. ومعنى هذا أن الاتجاهات الوالدية القسرية والمتطرفة في القسر ترتبط ارتباطا سالبا بالنمو الخلقي السليم. وإذا كان ثمة اتفاق بين الباحثين على ما نادى به بياجيه في كثير من آرائه مثل: تأكيدهم أن الطفل- وهو لا يمكن أن ننظر إليه كبالغ- تنقصه جرعة من التلقين والإرشاد. وأن ما يبدو عدم نضج حين ننظر إلى الطفل قد

стр. 222

يعتبر نموا سويا ناضجا إذا ما نظرنا إليه في الإطار العام للنمو. وأن الأحكام الخلقية التي يصدرها الطفل لا توجد في مناخ اجتماعي أو ثقافي رغم ما يبدو من تلقائية نحوها، وإنما تخضع للمؤثرات الثقافية والاجتماعية في معدل نموها وهيئة تواجدها، والأبعاد التي تظهر فيها، إلا أن الفكر الخلقي لا ينمو ككل، وإنما كجهات متفرقة، وهذا ما لا يمكن أن نستخلصه من فكر بياجيه ولا من كتبه «١» . ولا نريد أن نعرض أسماء بعض أصحاب نظريات كثيرة في هذا المجال، ولكن نكتفي بسرد بعض أسماء بعض أصحاب النظريات التي اشتهرت في هذا المجال والتي منها: - نظرية كولبرج «٢» .- نظرية رست «٣» .- نظرية بل «٤» . - نظرية دامون.- نظرية ايزنبرج.- نظرية البيئة الاجتماعية «٥» . ونكتفي بهذا العرض الموجز للنظريات التي حاولت تفسير تكوين السلوك الخلقي والأخلاقيات لدى الأفراد والأطفال، وقد كان لها تطبيقات جيدة في مجال التربية الخلقية. نظرة نقدية: بالرغم من كثرة الآراء المتعلقة بالنمو الخلقي في الغرب، إلا أنّ الوضع يوحي بضعف شديد في التربية الخلقية، فتزعزعت القيم الجديدة، وهي مشتقة من عالم المال وأصحابه، وأصبحت الدراسة التقنية الفنية، وأرباب الإدارة والتنظيم، الذين لا يهمهم إلا تغليب قيم الكسب المادي، والربح، والاستثمار الأقصى للموارد المادية والبشرية. وقد خلت تلك القيم من القيم الإنسانية الرفيعة، وأصبح الإنسان صاغرا أمام سلطان الآلة وغدا العالم في ضياع خلقي وقيمي، حتى إن الإنسان- وعلى لسان علماء الغرب- يتساءل: هل هناك حاجة إلى قيم؟ أو ليس من الممكن أن يقوم عالم إنساني بلا أخلاق وبلا قيم؟ بل يذهب المنكرون للقيم والأخلاق إلى أن تمسك الإنسان بقيم خلقها المجتمع هو ضرب من الامتهان لقيمة الإنسان نفسه، وشكل من أشكال الطغيان على حريته، ولون من ألوان التسلط على الإنسان. إن الذي نريد إبرازه هنا هو أنه على الرغم من انتشار النظريات والمذاهب الأخلاقية، إلا أن هناك نظريات تنكر الأخلاق، وهي أوسع انتشارا وهذا دليل على تدني الأوضاع القيمية والضياع القيمي في العصر الذي نعيشه،

стр. 223

وهذا بالتأكيد تجن على فطرة الإنسان، وانحطاط به إلى مستوى الحياة العضوية والغريزية الحيوانية. والذي نعرفه ونؤمن به وما يؤمن به أصحاب التأمل في الواقع والتاريخ، وما تدل عليه الدراسات المنصفة: «أن الإنسان بالتعريف كائن ذو قصد وهدف، وأنه لا يستطيع الحياة بلا هدف يؤمن به، وأنه يزداد رقيا في معارج إنسانيته حين يجد الرسالة التي يؤمن بها والتي يكتسب وجوده الإنساني من خلالها معناه أنه كما يدل الواقع وكما تدل الأبحاث لا يستطيع أن يلصق بحمأة الأرض ويحيا حياته البيولوجية المحضة ما لم يتخلّ عن إنسانيته، إن صح أنه في وسعه أن يتخلى عنها، أي عن طبيعته التي جبل عليها بوصفه إنسانا، أي كائنا ما هو بالملاك ولا هو بالشيطان، بل هو عوان بينهما، تتوق طبيعته الإنسانية الملكية دوما إلى التغلب على طبيعته الحيوانية والشيطانية، وهذا هو الذي يفسر ما يتعرض له إنسان العصر الحديث من اضطرابات وأمراض في حياته النفسية حين يجرب التنكر لطبيعته الإنسانية عن طريق تنكره للقيم الإنسانية، ولا نغلو إن قلنا إن الطبيعة الإنسانية حين ينكرها إنسان العصر الحديث ظنا منه أن في وسعه أن يغيرها أو يتنكر لها، تنتقم لنفسها عن طريق وقوعها في الاضطراب والتفكك والحيرة، أي عن طريق احتمائها بالمرض «١» . حيث إن جميع الشواهد تدل على أن التدخل المنافي للطبيعة الإنسانية في نمو الشخص، أثناء الطفولة وبعدها، هو أصل الأصول في المرض العقلي والاجتماعي عامة والتدمير خاصة «٢» . ويشهد على فقدان القيم، وتدني المستوى الإنساني، أن أسلوب العيش المرتكز على التملك والأنانية، والسلوك الذي يتركز حول الملكية والربح يؤكد الأنانية المنوطة والفردية المفرطة، فهو لا بد وأن يخلق الرغبة، بل الحاجة إلى القوة، فمن أجل السيطرة على كائنات بشرية أخرى، يحتاج الإنسان إلى استخدام القوة لتحطيم مقاومتهم، ولإحكام القبضة على ما استولينا عليه من ممتلكات خاصة فهو بحاجة لاستخدام القوة لحمايتها من الذين يمكن أن يأخذوها، لأنهم- والحال من بعضه- لا يمكن أن يقنعوا بما عندهم والرغبة في الحصول على أعلى ملكية خاصة وأكبرها تولد الرغبة في استخدام العنف من أجل سرقة الآخرين بوسائل سافرة أو خفية مما يؤكد الأنانية والفردية المطلقة «٣» . ويتبع نزعة التمركز حول الذات والأنانية نزعة التميز عن شيء واحد ووحيد هو المتعة الفردية، والبحث الضيق عن المتعة الفردية المباشرة (اللذة الجنسية غالبا) وشيوع الأمراض النفسية الجنسية، والأمراض الجسدية الصحية، واضطرابات خطيرة في السلوك الجنسى، وانتشار المخدرات والعنف والإرهاب وما إلى ذلك من أمور

стр. 224

تؤكد النزعة الأنانية المفرطة. ومن مظاهر الاضطرابات الناجمة عن فقدان القيم الروحية والسند الروحي، انتشار اللجوء إلى السحر والشعوذة طلبا للشفاء من الأمراض الاجتماعية والنفسية بل مساعدة أصحاب الأعمال على تنظيم أعمالهم وغير ذلك من أمور «١» . وتتعدد أشكال فقدان القيم الخلقية في المجتمع الغربي المعاصر، مما يدفعنا إلى القول بأن هذه النظريات في تكوين السلوك الخلقي تكاد تكون قد فقدت فعاليتها في واقع الحياة، بالرغم من تحقق مكاسب واضحة في المجال المادي وإن كان لهذه المكاسب انعكاسات على روح الإنسان وعقله وفكره، ومظاهر إيجابية من القيم الجيدة التي يرتكز عليها. ثانيا: منهج الإسلام في تنمية القيم الخلقية: لعله قد ظهر لدينا الآن ضرورة ملحة لطرح منهج الإسلام في تنمية القيم الخلقية لدى الإنسان المسلم وهذا المنهج بأصالته وربانيته استطاع أن يساعد على اكتساب الأخلاق الإسلامية واستمرارها استمرارا مشهودا، وسيادتها في حركة الإنسان المسلم الصادق، وبداية لا بد أن نقرر مجموعة من المبادىء الأساسية التالية: ١- إن تنمية القيم الخلقية لدى المسلم تعتمد على فطرة الإنسان وما زود به من استعدادات فطرية للتعلم والتخلق، ثم يأتي بعد ذلك عملية اكتساب الأخلاق من المجتمع المحيط في إطار التنمية المتكاملة المتوازنة لكامل شخصية الإنسان من خلال الجوانب الروحية والوجدانية والعقلية للإنسان وحواسه، وعلى ذلك فإن على التعليم والتربية أن يقدما الزاد لتنمية الإنسان من كافة النواحي، على صعيدي الفرد والجماعة وأن يحفزا هذه الجوانب كافة إلى الخير وطلب الكمال «٢» . وهذا يعنى أن الجهد التوجيهي التربوي ينصب على كافة جوانب الشخصية الإنسانية وعلى التكامل بين المعرفة والسلوك، وينبغي للإنسان أن يعرف كيف يمزج بين المعرفة والعمل في إطار كلي، وبذلك تزداد خبرته وتجربته بالممارسة التي تعدل وتنسق الكثير من خبراته «٣» . ٢- إن وجود القيم الخلقية والمباديء العليا والأهداف السامية ضروري لتوجيه حياة الإنسان توجيها

стр. 225

صحيحا يضبط حركته سليمة صحيحة، فالإنسان لكي يجعل نفسه في صورة إنسانية مرضية ينبغي أن يكون له في حياته أسلوبه الخاص الذي يميزه عن غيره، ويتمثل ذلك في مجموعة من القواعد الخلقية، والمثل العليا التي يلزم نفسه بها ويسير على منهاجها طوعا وتزيد فرادته في قوة خلقه ومثابرته في التمسك بها، وعندما ينعدم وجود هذه المباديء والمثل تفقد الحياة دوافعها ومعانيها، بل تبدو راكدة غير منتجة، ويضمحل الإنسان وتهمد إرادته بافتقادها الهدف والمبدأ والخلق والقيمة. وهذا يعطينا مؤشرا هاما على أهمية القيم الخلقية في بناء الإنسان، وكذا أهميتها كمصدر من مصادر الأهداف التي ترتجى وتؤمل في نمو الشخصية المسلمة في المجتمع. ٣- إن هذه القيم والمباديء والأهداف تحتويها ثقافة المجتمع المسلم باعتبارها الإطار المرجعي لكافة سلوكيات الفرد والجماعة، وهي التي تمثل القيم والأخلاق والمهارات والأذواق وما إلى ذلك مما يكتسبه الإنسان وتشكل شخصيته القيمية والأخلاقية. وهذه الثقافة تقوم على مبدأ التوحيد حيث تشتق منه وتدور حوله كافة القيم الإسلامية باعتبارها معايير واقعية توجه جميع أفعال الفرد في مختلف المواقف الفردية والاجتماعية، وباعتبارها تصورا للمعاني الكلية المسئولة عن الأحكام التي يصدرها الفرد على أي موضوع أو موقف، ويرى الفرد فيها شيئين: الحق والخير، وهذه لا تتم إلا بالاتصال بين الأجيال. إن التوحيد، ومجموعة الأحكام المعيارية بما فيها الأخلاق لا يتحققان إلا في ثقافة هيئة اجتماعية وفي ذوات إنسانية، فالفرض يكتسب قيمه الخلقية من المصدرية الجماعية، ومن خلال التفاعل مع الجماعة يمتص الفرد القيم الخلقية وتنمو لديه الأحكام الخلقية، ويحرص المجتمع الحرص الشديد الأكيد على إكساب الفرد القيم الخلقية، حتى تصبح سمة من سمات شخصيته بل إنها في الحقيقة تعتبر الأساس الجوهري لبناء شخصيته. ٤- إن تنمية القيم الخلقية لدى الإنسان المسلم تعتمد على تكوين الوازع الداخلي في الفرد منذ الطفولة الأولى حيث يؤمن الفرد بالقيم، ويكتسبها ويتشربها ويضيفها إلى إطاره المرجعي للسلوك، ويتم ذلك من خلال التنشئة الاجتماعية، وعن طريق التفاعل الاجتماعي يتعلم الفرد أن مواقفه يجب أن تتسم بالخلقية وذلك حتى يشارك في حياة المجتمع بفاعلية. وبعد فإن منهج الإسلام في تكوين القيم الخلقية يتأتى كما يلي: باستطلاع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، تطالعنا طريقة فذة في معالجة القيم الخلقية من حيث تكوينها لدى الفرد المسلم والجماعة المسلمة. وقد أتى الإسلام لا ليصطدم مع الطبيعة البشرية بل ليضبطها، ويفجر أحسن ما فيها، وقد أقام السلوك على أساس خلقي ضابط بوعي واختيار واع وذلك كما يلي:

стр. 226

١- اهتم القرآن الكريم في مرحلته المكية ببناء الإيمان في نفوس الناس، والدعوة إليه بكافة الوسائل، وذلك بلفت النظر إلى خلق الله، والتأمل فيه، للاستدلال على الخالق- والإيمان به، والتصديق بما أنزله على رسوله. وقد عرضت الآيات الواردة في هذا المجال: سنة الله في الأسباب والمسببات، سنة الله في جزاء من اتبع هداه، سنة الله في حال الإعراض عنه، سنة الله في التدافع بين الحق والباطل، سنة الله في الابتلاء والفتنة، سنة الله في الظلم والظالمين، سنة الله في الترف والمترفين، سنة الله في الطغاة والطغيان، سنة الله في بطر النعمة وتغييرها، سنة الله في الذنوب والسيئات، سنة الله في الاستدراج. وغير ذلك من سنن عرضها القرآن في قصصه أو في آيات منفصلة، بهدف تعريف الناس بكيفية السلوك الصحيح في الحياة، حتى لا يقع الإنسان في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة. إنها الدعوة الكاملة إلى الإيمان الكامل الصحيح، وقد يصاحب بيان ذلك في الآيات ذكر الجنة والنار، والثواب والعقاب، ليحرك في النفس عاطفة الخوف والإحساس بالأمن، وهو في ذلك يريد أن يحرك في الإنسان الإحساس بالأمان النفسي والشعور بالحماية الإلهية في ظل الإيمان، وفي الوقت نفسه يعطيه الثقة بنفسه، وبأنه مكرم ومؤهل لحمل أمانة الوجود، وحمل أمانة التكليف. فهي تستثير في الإنسان أقصى طاقاته الإنسانية لتسمو بها وتضعها على الطريق السوي السليم المنشود من الإيمان «١» . وتحويل الإنسان من التبعية الذليلة في كل شيء من جنبات حياته للطواغيت الكفرة والفجرة، إلى آفاق العزة والكرامة وتحقيق الإنسانية الكريمة وذلك ببث روح القوة والتخلص من العجز والاتكالية وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٢» . ٢- وقد صحح القرآن علاقة الإنسان بما حوله بأن جعلها علاقة تعاطف وتعارف، فلا عبودية لها ولا تأليه، ولا استهانة ولا إنكار، وقد ربى القرآن الإنسان على حضور واع، واتخذ في هذا السبيل طرقا مختلفة لعملية التصحيح هذه، وهي لازمة لتكوين قيم صحيحة سليمة، وكان أول ما قام به هو تصحيح علاقة الإنسان بالله الخالق الراعي لخلقه المعتنى بهم، الرحيم، المبدع، التواب. وهو الواحد؛ غرس في نفس المسلم التوحيد، الذي دفع الإنسان إلى حب الخير وفعله، وتجنب الشر وكراهيته، وبالتالي كانت العلاقة بين الإنسان والله طريق الإنسان إلى الكمال، وكانت طريقا إلى امتلاء قلب الإنسان بالولاء والانتماء إلى الله وحده، ومنهجه الذي إذا تمسك به الإنسان أصبح إنسانا فاضلا يسارع إلى فعل الخيرات، ويبتعد عن فعل الشر، وبالتالي يتصف الإنسان بمكارم الأخلاق، ويتشبه بأخلاق الله تعالى من حيث الاتصاف بالكمالات والتنزه عن النقائص، ويصبح مجتمعه كله ذا أخلاق

стр. 227

دينية، تسوده مكارم الأخلاق. وكان ذلك منطلقا لتصحيح كافة العلاقات الأخرى بما حول الإنسان ومن حوله، وما دام الإنسان قد آمن موحدا وتولدت في نفسه حالة العبودية الكاملة لله وحده، فإن ذلك ينعكس على علاقاته بالأشياء حوله، وعلى كافة مكونات حياته؛ ذلك أن الإيمان الصحيح هو أكبر القيم الخلقية الدافعة للإنسان في مجرى الحياة الصحيح الموصل للسعادة. ومن هنا تنبع مجموعة من القيم الخلقية الفذة النابعة من توجيه التوحيد، كحالة نفسية، وضرورية للتعايش مع الكون والعالم ومصادقة قوى الطبيعة، ودراستها وفهمها، واكتشاف أسرارها لتضفي قيمة عليا على العلم والبحث العلمي بالمعنى الواسع للكلمة. ثم هو لا يذوب في الطبيعة المادية ولا يعاديها، لكنه لا بد أن ينفصل عنها إلى عالم التوحيد المطلق والمجرد، فالطبيعة ليست مقصودة لذاتها، وهي ليست ثابتة، بل هي متغيرة ومتقلبة، ومن حق المسلم أن يتجاوزها بعد أن يكتشف فيها لغة التسبيح لله. وفي هذا الذي أقره الإسلام ووجه إليه تحقيق سام لإنسانية الإنسان، لأن الإنسان بهذا يتحرر من عبودية أي شيء سوى الله تعالى، ويتخلص من قلقه المرضي؛ لأن المنهج الإسلامي يضع الإنسان حيث يجب أن يوضع، مخلوقا ذا رسالة سامية في هذه الحياة «١» . ٣- وصحح القرآن علاقة الإنسان مع نفسه ثم مع من حوله من الناس، وذلك بعد أن ضبط حركته بقيم خلفية معينة تجاه الخالق والأشياء، والآيات المدنية تأتي لبناء الإرادة الإنسانية وتكوين القيم السليمة لعلاقات الإنسان بنفسه، وبالإنسان في مجتمعه، وللجماعة كلها بعد أن قام البناء الإيماني في نفس المسلم. وكثيرة هي تلك القيم الفاسدة التي كانت موجودة عند العرب وفي العالم، واستطاع الإسلام بتوجيهاته أن يقضي عليها، ويحولها إلى قيم إيجابية صحيحة على أساس من الإيمان الصحيح الخالي من الشوائب. وقد اهتم القرآن كثيرا بتوضيح الانحرافات الخلقية التي يمكن أن توجد في المجتمع المسلم، فاهتم بإيضاح حقيقة النفاق وعدّها انحرافا نفسيا يسهل الوقوع فيه؛ لأن الإنسان المسلم- تحت الظروف المستبدة- قد يعيش حالة مزيفة، إنه يصبح ضد نفسه أحيانا، ويحبس حركتها الحرة في التنقل من حالة إلى حالة، ويوقف تيارها الداخلي وهذا مرض نفسي، يجمد حركة الإنسان، ويحرمه من الحركة الحية، ويصيبه بالخواء والزيف والخداع، وقد صور القرآن حالة المنافقين في آيات كثيرة منها:

стр. 228

- فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً «١» . - إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا «٢» . - وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ «٣» . - مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ* صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ* أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ* يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٤» . إن القرآن يعرض النفاق كطبيعة منحرفة وسلوك مريض، ويشخص هذا المرض ويحلله ويتحدث عنه باستفاضة وعن مضاعفاته ونتائجه، وقصده من ذلك التحذير منه، ومن النتائج الخطيرة التي تترتب عليه، فهي نتائج تصيب الإنسان في وجوده الذي يرتبط بالصدق والحرية والتجدد، فيتحول وجوده إلى زيف وجمود وهراء «٥» . ومن هذا المنطلق حارب البخل والجبن في نفس الإنسان، وحارب التواكل الذي يحيل الإنسان إلى طفل لا يستنفر ذاته، وإنما يعتمد على الآخرين في حل مشكلاته، وفي حربه تلك يجعل المسلم يجابه الواقع ويتحمل المسئولية، ويبتعد عن كل شيء يصادر تلك المسئولية «٦» . لقد علم الإسلام المسلم أن يؤمن بوجود قوة عليا، وأن يستفيد من إمكانياته واستعداده للإيمان بالغيبيات فضبطها، بحيث لا يصل إلى التصادم مع الأسباب والمسببات. وعلمه القرآن أن الحق يبطل السحر، وأنه ليس بإمكان أحد أن يضره إلا بإذن الله، وأن التلصص على السماء لسماع الغيب قد بطل منذ بعثة النبي ﷺ ، وأن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له الرحمن، وقد كان ذلك كله إيذانا بتصحيح علاقة الإنسان بنفسه، فلا يخور ولا يجبن ولا ينافق ولا يدع الأسباب «٧» . وكان أيضا إيذانا بتصحيح علاقة الإنسان مع الآخرين، وانطلق المسلم بالدعوة الإسلامية إلى مرحلة العالمية. ٤- وأتم رسول الله ﷺ بناء القيم الخلقية في النفوس المسلمة، وكانت طريقته في ذلك أبدع ما تكون الطريقة، وأساليبه أشهر ما تكون وأعظم، في ضربه المثل الأعلى والقدوة الصالحة من ذاته، في نفسه، وفي مجالسه،

стр. 229

وتوجيهاته، وأفعاله، وأقواله، وباستخدام كافة الطرق لاستثارة إمكانيات الإنسان من أجل تمثل القيم الخلقية، والأمثلة على ذلك كثيرة في مواقف الرسول ﷺ ، نذكر منها- على سبيل المثال- ما يتعلق بمجلسه ﷺ ، فقد كان- كما جاء في حديث هند بن أبي هالة: «مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبّن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخّاب في الأسواق، ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح ولا يقبل الثناء إلا من مكافيء» . ولا عجب أن نجد في أثناء حياته ﷺ وبعدها مجتمعا إسلاميا ملتزما، وفردا مسلما ملتزما توجهه قيم خلقية صحيحة في كافة نواحي سلوكه المختلفة. ونجد الأفراد في المجتمع الإسلامي أصحاء أزكياء مبدعين ملتزمين بالإسلام. ثالثا: كيفية تكوين القيم الخلقية: لتكوين القيم الخلقية عمليا- وبالوسائل السابقة، وعلى أساس القدوة الحسنة- نجد أن هناك عدة مراحل هامة، وقد استنبطنا بعضها من أسلوب عرض القرآن، واستعنا ببعض القراءات في هذا المجال، وهي كما يلي: ١- عرض المواقف الخلقية لجذب الانتباه إليها: لقد عرض القرآن مواقف خلقية كثيرة، وذلك لجذب انتباه الإنسان، وإيقاظ إحساسه بالقيمة الخلقية وهنا تستخدم كافة الإمكانيات في سبيل هذا العرض بقصد الاستحواذ على انتباه المسلم. ويعتبر هذا درجة أولى لتكوين الوعي بها، وإثارة الرغبة في الترقي لتتم عملية تركيز الانتباه، ويظهر الإنسان نوعا من الاهتمام تأتي بعده الاستجابة النشطة الطوعية النابعة من داخله. ومثال ذلك: قيمة الصلاة، حين نريد تكوينها في نفس الناشيء الصغير، فإنه لا بد من جذب انتباهه باستثارة حواسه، والسلوك الفعلي أمامه، بحيث نبين له أهمية الصلاة مرة بعد مرة، بحيث يبدأ تكون الوعي لديه بها، ويتطلب هذا إطلاع الناشيء على أهمية الصلاة وكيفية أدائها دون تمييز محدد أو إدراك للخصائص الموضوعية لها، بمعنى أنه لا بد من إتاحة وتهيئة جو يظهر اهتمام الناشيء بالقيمة فيصحبه إلى المسجد وبغير قصد وعن طواعية من الناشيء، وبالتالي يمكن- وبهذه الطريقة المبسطة التي تحترم إنسانية الناشيء وتجذبه في جو تعاوني تعاطفي- أن نغرس قيمة أداء الصلاة في نفسه. ٢- موقف التقبل الواضح وتعزيز هذا التقبل: فحيث يظهر الإنسان تجاوبا معينا مع القيمة والوعي بها فإنه لا بد من مصاحبة ذلك بقول لطيف مشجع يحرّض على ذكر هذه الاستجابة الطيبة التي تكاد تظهر إلى حيز الوجود الفعلي دون إشارة إلى ضعف ممكن،

стр. 230

وبهذه الخطوة يمكن القول إن القيمة أصبحت متمثّلة بدرجة كافية من العمق بحيث يمكن أن تصبح قوة مسيطرة باستمرار على السلوك، ومعنى هذا أن الإنسان تتكون لديه رغبة مستمرة في تطوير قدرته على الالتزام بالقيمة. وقد أشار القرآن إلى هذه الخطوة، حيث يثير الانتباه إلى حضور الله العليم المطلع على كل ما يأتيه الإنسان: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (البقرة/ ٢١٥) . الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (الشعراء/ ٢١٨) . إن دفع الإنسان نحو انطباع معين- وهو أن يجد في هذه الفكرة ما يحفزه حقا لدعم جهوده، وتغذية طاقاته، وترقية نفسه، ومضاعفة ما يقتضيه من ذاته وذلك من أجل المحافظة على جودة أعماله وطهارة نواياه، يقتضي أن يجد فيه ما يتقبله ليدفعه إلى أن يأتي دائما بالجديد وبالأفضل. إن أفضل شيء يعزز هذا التقبل للقيمة هو دفع الإنسان إلى التفكير في صلته بالله لحظة العمل، حيث إن لهذا تأثيره على إرادة الإنسان، ليضاعف ذلك من حماسه، ويكمل عمله وبالتالي يتحقق ثبات القيمة، وتحقيق التقدم المطرد في سبيل تعزيز القيمة، وليس هناك أعظم من الحب في تثبيت هذا التعزيز، وهذا الشعور بالحب يولد شعورا بالارتياح وبالقوة البناءة «١» . ونجد ذلك ملخصا في قول رسول الله ﷺ حين سئل: ما الإحسان؟ «الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» «٢» . ٣- موقف تفضيل القيمة الخلقية: ويظهر هذا الموقف من خلال التزام الفرد بالقيمة لدرجة تجعله يحرص على القيمة ويسعى وراءها ويريدها، وهنا تظهر استجابات معينة تعبر عن هذا التفضيل، حيث يسعى إلى تكوين أرضية واسعة عنها، ويمكن أن يتعدى ذلك إلى الكتابة عما يشعر به إزاءها. وهنا يتدخل المربي من أجل زيادة العمل التوجيهي، ولا يجوز أن يكون هذا العمل صريحا بل ضمنيا عمليا. ذا رزانة وبرفق وأناة مع إتاحة فرصة أوسع للناشيء لإظهار استجابات أوسع وبتفكيره الذاتي المستقل «٣» . ٤- موقف الالتزام بالقيمة: في هذه المرحلة- وبعد استخدام كافة إمكانياته- يصل الفرد إلى اليقين، بل إلى درجة عالية من اليقين فيصل إلى اقتناع عال وتأكد لا مجال للشك فيه، وإيمان راسخ بضرورة هذه القيمة، ومن ثم التقبل الوجداني

стр. 231

الكامل، فيعمل الفرد لتقرير القيمة وتأكيدها، وتتعمق مشاركته في هذا التقرير والتأكيد، كما يبحث عن أشباهه المؤمنين بهذه القيمة والملتزمين بها فيشاركهم أنشطتهم وتعبيراتهم، إلا أنه يجب أن نعي عدة أمور هامة، وهي: - أن الالتزام ليس مجرد قدرة عاطفية وقتية عابرة، أو مجرد حماس يوجد ويتلاشى لتحل محلها عاطفة مؤقتة أخرى. إن الالتزام يعني استمرارا عاطفيا لتأكيد الالتزام. إنه يأخذ شكل العاطفة الثابتة. - أن اعتناق الفرد لخلق معين فترة طويلة من الزمن لا يدل على الالتزام به، إذ لا يكون قد بذل فيه جهدا عاطفيا من طاقة الفرد العاطفية بحيث يتم الالتزام، وإنما لا بد من استغلال أكبر قدر ممكن من طاقة الفرد العاطفية وتشغيلها بطريقة فعالة حتى يتم الالتزام الحقيقي. - أن الأعمال المؤيدة للقيمة تعد أمرا مهما، وهذه الأعمال إما أن تهيّأ في البيئة المحيطة أو من إتاحة مناخ تظهر فيه هذه الأعمال من الفرد؛ لأنها تدل على وعي والتزام بحكم طبيعتها «١» . وفي هذه المرحلة- أيضا- يعبر الفرد عن اعتقاده بقيمة خلقية في سلوكه العلني البراني المترتب على القناعة الجوانية، بمعنى إلزام المرء نفسه، وتعهده بانتهاج خلق معين. ولزيادة درجة الالتزام في تنمية القيمة الخلقية يمكن استخدام واحد أو أكثر من العناصر التالية: - توضيح الفعل الخلقي- صالحا أو طالحا- بمعنى توضيحه وخلوه من الغموض. - إبراز أهمية الفعل الخلقي الصالح. - إبراز تعذر الرجوع في الفعل الخلقي الصالح أو الطالح. - تكرار مواقف السلوك الخلقي. - إتاحة فرصة الاختيار والحرية أمام الملتزم في إقدامه على الفعل الخلقي. وبهذا يمكن تأكيد الالتزام وزيادة درجته بحيث تقوى وتتأكد لدى الشخص، ونجد هذه الملامح الأساسية من خلال نصوص القرآن والسنة النبوية المطهرة. ٥- وضوح التنظيم القيمي الأخلاقي: ويعني هذا ترتيب القيم الخلقية في نظام ترتيبي معين أو في نسق معين، ويظهر ذلك في أنه حين يأخذ الفرد في تمثل القيم الخلقية بصورة متتابعة، يواجه العلاقة ذاتها بأكثر من قيمة واحدة، وهنا تنشأ الضرورة لأمور ثلاثة، وهي: - ضرورة تثبيت القيم في نظام تتابعي أو نسق واحد. - تحديد العلاقات المتبادلة بين هذه القيم الخلقية وبين المواقف الحياتية المختلفة.

стр. 232

- إبراز القيم المسيطرة ذات اليقين العالي عند الفرد. - وهنا يأتي التجريد للأحكام الخلقية المعلنة، ويكون التعبير عنها في صورة رمز أو عمل، ومن خلال عملية التجريد هذه يقوم الفرد بتحديد الأشياء العامة المعتمدة على التحليل والمفاضلة، حتى يصل إلى تنظيم معين لقيمه، مكونا أحكامه- بناءا على الخطوات السابقة- على الأشياء والعلاقات حوله. وهنا لا بد أن يتصف المرء بالمرونة الأخلاقية، التي تعني القدرة على صياغة قواعد أخلاقية مرنة. وحيث تفيده في التعرف على المبدأ الأخلاقي الكامن وراء التعليمات والقوانين وهذا من الأمور المهمة. ٦- التميز الخلقي والفعالية الأخلاقية: وهذه مرحلة أخيرة حيث يصبح الفرد متميزا، ويصل إلى التصرف السلوكي الذاتي طبقا للقيم التي تمثلها والتي أصبحت تسيطر على أفعاله وتصرفاته وتراقبها، فهي تقوم بدور المراقب على قدر كبير من سلوك وتصرفات الإنسان، إذ يمكن وصفه وتقديره عن طريق هذه القيم الأخلاقية. وهنا يكون طابعه تطبيق المباديء الخلقية التي آمن بها في مواقف وسلوكيات حياته بفعالية وإيجابية وإقبال، حيث يكون الفرد قد دمج قيمه وأفكاره ومواقفه واتجاهاته في رؤية متكاملة تشكل علاقته مع العالم المحيط به، واستجاباته الدائمة والثابته تجاه المواقف والأشياء بصورة مترابطة، أي تشكل توجها سلوكيا أساسيا يمكن الفرد من الاستجابة لمواقف العالم المحيط والعمل بثبات وفعالية في هذا العالم. ويرتبط بهذه النقطة ما يسمى بالإبداع الخلقي، حيث إن من يتصف بهذا الإبداع يتعامل مع كل موقف جديد بانفتاح كامل متوج بالحب والعقل، فهو يتعامل مع الناس بالحب، ويتعامل مع المشكلات بالعقل، وتنطلق لديه قدرات علمية وثقافية فائقة التصور. ومعنى هذا أنه لا يخضع خضوعا أعمى للأعراف والتقاليد، وإنما يتعامل معها بانفتاح ومرونة واستقلالية، ويبلور لنفسه ولمجتمعه قيما جديدة وأهدافا جديدة تتناسب مع طبيعة المجتمعات والتحديات التي تواجهها «١» . ٧- موقف دعوة الغير إلى الالتزام بالقيمة: طالما أن القيمة الخلقية قد ترسخت جذورها، وأصبحت ديدنا للإنسان لا يحيد عنه في مواقف الحياة المختلفة، فإنه- ومن منطلق إيماني- يدعو غيره إليها، ويحببه فيها بشتى الوسائل الممكنة، فالمؤمن لا يكتمل إيمانه إلا إذا أحب لأخيه ما يحبه لنفسه، يقول المصطفى ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» «٢»

стр. 233

وبهذا فقط تتحقق الخيرية المشار إليها في قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران/ ١١٠) . إن الالتزام الكامل الناتج عن اقتناع تام بهذه القيمة الأخلاقية أو تلك يشكل مطلبا أساسيا من متطلبات الدعوة إلى الله «١» ذلك أن المطلوب من الداعية أن تكون حياته وأخلاقه تطبيقا عمليا لعقيدته «٢» . «٣» .

стр. 234

الفصل الرابع وسائل تنمية الأخلاق الإسلامية مقدمة: لا يمكن لأي مذهب أو نظرية أو فكرة أن تترجم عن ذاتها، وتحقق أهدافها بدون وسيلة تمكنها من أن تتجسد في سلوك الناس. وإذا كانت التربية الإسلامية- في هذا المجال- تقوم بدور عظيم، وهو تغيير أنماط من السلوك وبعض من الأخلاق التي تكبل المسيرة الصحيحة نحو أهدافها، إلى الأخلاق الإسلامية الصحيحة، وتخفيف حدة الصراع القيمي السائد، ذلك التغيير اللازم من وسط ومعطيات القيم الإسلامية، وما توحي به معطيات العصر المعقدة المتشابكة، ومتغيراته الثقيلة الشديدة، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا- بالذات- وهو ما الوسيلة إلى ذلك؟ وما دور الوسائط التربوية المتعددة في هذا السبيل؟ والإجابة على هذا السؤال في ظل المعطيات السابقة تشكل تحديا حقيقيا، بل أمرا صعبا في ظل الوضعيات الاجتماعية السائدة، لأن الوسيلة لا يمكن أن تقدم، ولا يمكن تحديد دور الوسائط بعيدا عن تلك الوضعيات، لأنها البؤرة الحقيقية التي تنعكس عليها تلك الوضعيات. ورغم هذا نحاول الاجتهاد استمدادا من الممارسات السابقة للمجتمع العربي الإسلامي، وخاصة في أزهى فتراته، فترة النبوة، لعرض الوسائل، وتحديد أدوار الوسائط في إطار من مراعاة متغيرات العصر وذلك في إطار تربوي عام لا يقتصر أو لا يقف عند مجرد الممارسات التدريسية أو التعليمية، ومن أجل تحقيق هذا الغرض، سنتعرض هنا للنقاط التالية: - مفهوم الوسيلة التربوية. - شروط الوسيلة. - بعض وسائل تنمية القيم الإسلامية. أولا: مفهوم الوسيلة التربوية: الوسيلة: ما يتقرب به إلى الشيء، والجمع وسائل «١» ، ويقصد بها- تربويا- الإجراء المحدد لنقل المعلومات أو المعارف والمهارات أو الاتجاهات والقيم بهدف تحقيق هدف تربوي مرغوب فيه. فإذا كنا نهدف- مثلا- إلى تنمية شيء ما، كالقيم فلا بد من إجراء نتخذه من أجل تحقيق هذا الهدف، ومعنى ذلك أننا اتخذنا لذلك وسيلة، قد تكون أسلوبا تدريسيا أو تربويا عاما. فالوسيلة إجراء محدد يستخدم لتحقيق هدف تربوي، أما في التدريس فهي الأداة المستخدمة لنقل محتوى

стр. 235

الرسالة المرغوب نقلها للتلميذ، ووسيلة التعلم أداة يستخدمها المتعلم بهدف تسهيل عملية استيعابه لمحتوى الرسالة «١» . ثانيا: شروط الوسيلة: إن تكوين الأخلاق في الشخصية العربية الإسلامية بحيث لا تخرج عن خصائصها الأصيلة أمر بالغ الأهمية، وهناك ثوابت لابد أن تأخذ عناية كافية، بحيث تتكون الشخصية الحضارية المتميزة، وانطلاقا من هذا فإننا لا نستطيع أن نلغي القدرات البشرية الهائلة، والطاقات المبدعة فيها، والتي يمكنها أن تثري تلك الأخلاق فلا بد- إذن- من التكامل في بناء الشخصية الأصيلة المبدعة، لتكون الوحدة ثم التنوع، وحدة الهدف وتنوع الوسائل، بما يكون مصدرا من مصادر عن هذه الشخصية، وبابا من أبواب التفتح والانطلاق والنمو عن طريق الحوار والتبادل، والاختيار «٢» . ولا بد من التكامل بين الغايات والوسائل، وإذا كانت غاية الأخلاق الإسلامية تحقيق السعادة للبشر في الدنيا والآخرة من خلال تحقيق رضوان الله تعالى، فإن للوسائل التي تستغل في تنمية هذه القيم شروطها، المتمثلة فيما يلي: ١- أن تصطبغ بروح الإسلام، في إطار تعاليمه وأخلاقه. ٢- أن تكون مرنة، متفتحة، قابلة للتكيف حسب الظروف والأحوال. ٣- أن تربط بين الجوانب الفكرية النظرية والجوانب التطبيقية العملية. ٤- أن تحترم الإنسان ورأيه ودوره ونشاطه في كسب هذه القيم. ٥- أن تراعي الدوافع الإنسانية، والرغبات والأهداف التي تتوخاها العملية التربوية. ٦- أن تحترم مبدأ تكافؤ الفرص، وتراعي الفروق الفردية بين المتعلمين. ٧- أن تؤكد على مبدأ القدوة الصالحة. ٨- أن تحرص على جعل عملية تعليم أو تعلم الأخلاق عملية سارة ومحدثة للأثر المطلوب منها «٣» . ٩- أن تراعي واقع المجتمع الإسلامي إمكانياته وأوضاعه، وما يحيط به من ظروف. ١٠- أن تراعي ما استحدث في مجال التعليم والتعلم وغيرهما من أفكار ومستحدثات صالحة.

стр. 236

إن الوسيلة التي تنمي الأخلاق الإسلامية لا بد أن تكون نابعة من الإسلام ذاته، الذي حمل إلى العالم كله رسالة المدنية والتقدم، الذي لا يعارض التقدم العلمي والتكنولوجي بل يدفع إليه، ولذا سيظل هو وأخلاقه عامل تقدم ومعاصرة، لأنه مستقبلي، ولكي تحدث الوسيلة الأثر المطلوب فإنه من الضروري: - تنقية العقيدة الإسلامية مما علق بها وشابها من زيف وجهل وابتداع. - تنقية الثقافة الإسلامية- نظريا واجتماعيا- مما علق بها من أوهام ما زالت مسيطرة على أفكار الناس واعتقاداتهم، وتأكيد العقائد الصحيحة القائمة على الوحدانية، والعلم، والمعرفة، والعدالة والمساواة، والتفتح والقوة، وعمارة الأرض. - توفير المناخ الصحي للقدرة الإسلامية أن تنمو، وأن تدعم الشخصية المسلمة، بأسباب التفتح والعطاء، لأنه من المهم «إطلاق طاقات المجتمع وتحقيق إرادته، وتحصينه ضد الخوف بأشكاله المختلفة» «١» ، مع الاهتمام بالفرد، وتوعيته بالقضايا المصيرية إسلاميا وعربيا «وحشد قواه وتمكينه من المشاركة فيها، مما يجعله أكثر التزاما بالمعاصرة، وأكثر اهتماما بالمستقبل» «٢» . إن هذا يعني أن الإسلام لا يعارض إطلاق بعض النظريات التربوية والنفسية المعاصرة، طالما لا تتضمن ما يتعارض مع تعاليمه، وأيضا فإنه يعني توجيه العديد من الأساليب التي يمكن استخدامها لتحقيق أهداف الإسلام من تنمية الأخلاق الإسلامية. ثالثا: وسائل تنمية القيم الإسلامية: لتنمية القيم في المجتمع الإسلامي وسائل عديدة ومتنوعة منها: أ- العبادات: العبادات هي الأسلوب العملي والوسيلة الأولى في التربية (أي عبادة الله حق العبادة) إلا أن العبادات ليست من وسائل التربية الروحية فقط، ولكنها من وسائل تربية الإنسان المسلم ككل، ففي العبادات تربية جسمية وتربية اجتماعية وتربية خلقية وتربية جمالية وكذلك تربية عقلية (انظر صفة العبادة) . فالصلاة تربي الإنسان خلقيا وعقليا، فهي تربط الإنسان بالله، كما أنها تقوي إرادة الإنسان وتعوده على ضبط النفس والصبر والمثابرة» «٣» يقول الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ «٤» . (انظر صفة الصلاة) .

стр. 237

وكان من دعاء الرسول ﷺ في افتتاح الصلاة «اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت» «١» كما أن تأدية الصلاة في أوقاتها «تعلم النظام والدقة في حفظ المواعيد، حتى إذا شب الطفل على إقامة الصلاة مع المحافظة عليها تعود الإقبال على العمل في الوقت المناسب، والمبادرة إلى انتهاز الفرصة قبل ضياعها، وابتعد عن التثاقل، وامتنع عن التكاسل» «٢» . (انظر صفة الدعاء) . وفي الصوم، تربية خلقية، والأثر التربوي للصوم يتلخص في تربية الروح، وتربية الخلق حيث يتعود الإنسان على ضبط نفسه ومكافحة شهواته وبذلك تتقوى الإرادة، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «٣» . والصوم عبادة تتضمن التربية الخلقية، عن عائشة ﵂ قالت: «سمعت النبي ﷺ يقول: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» «٤» . (انظر صفة الصوم) . وفي الزكاة تربية روحية وخلقية، فعن طريقها يتعلم الإنسان إطاعة الأوامر الإلهية ومكافحة الأنانية والإفراط في النزعة المادية والفردية» «٥» . (انظر صفة الزكاة) . والقرآن ينظم هذه الفريضة، ويجعل لها هدفا هو في غاية السمو «٦» . ب- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق: القرآن الكريم يوصي ويفرض ضرورة التذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق والصبر، يقول : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ «٧» ، كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ «٨» . وإن التذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي من أساليب التربية الإسلامية التي بدت خلال أحاديث المربي الرسول ﷺ ، وفي طريقة التواصي دعوة كل مسلم إلى أن يكون مربيا يعلم أخاه المسلم، والتذكير

стр. 238

بالخير والحق، والدعوة إليهما، والتنبيه إلى الشر والضرر والنهي عنهما، هو من صميم الأساليب التربوية الإسلامية لتنمية القيم والأخلاق الإسلامية في نفس المسلم، وفي الحديث الشريف أن أبا ذر لما بلغه مبعث النبي ﷺ قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فاسمع من قوله، فرجع فقال: «رأيته يأمر بمكارم الأخلاق» «١» . ولما كانت هذه الوسيلة من أهم الوسائل التربوية التي حث عليها القرآن الكريم والتي يتحقق بها الهدف من التربية، لأنها تقوم بصيانة الحياة من الشر والفساد وفي هذه الطريقة يتحقق المبدأ الديمقراطي في التربية. ج- ضرب الأمثال: الأمثال «تبرز المعقول في صورة المحسوس الذي يلمسه الناس فيتقبله العقل، لأن المعاني المعقولة لا تستقر في الذهن، إلا إذا صيغت في صورة حية قريبة الفهم، وتكشف الأمثال عن الحقائق وتعرض الغائب في معرض الحاضر، وتجمع الأمثال المعنى الرائع في عبارة موجزة. والأمثال كثيرة في القرآن، وهي تلعب دورا هاما وبالغا، في التأثير في العواطف، وفي التأثير في السلوك الإنساني، وفي غرس القيم الاسلامية في نفس المسلم، فيما لو استعملت بحكمة، وفي الظروف المناسبة، ولذلك أبرزها القرآن، واهتم بضرب الأمثال وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ «٢» ، وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «٣» . كما تضرب الأمثال لتربية الإنسان تربية روحية وخلقية- ففي الحديث الشريف عن أبي موسى- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة، ريحها طيب وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر، ولا ريح لها» «٤» . وفي الحديث الشريف أيضا «إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» «٥» .

стр. 239

وقد تضرب الأمثال لتربية المسلم تربية عقلية ينمو فيها العقل ويزداد علم الإنسان يقول ﷺ : «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقيّة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكان فيها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ- فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» «١» . وخلاصة القول: أن ضرب الأمثال وسيلة تربوية هامة تلعب دورا هاما في التأثير على سلوك الإنسان، وفي غرس القيم الإسلامية لدى النشء والمسلم، فيما لو استعملت بحكمة وفي الظروف المناسبة. (د) الموعظة والنصح: التربية بالوعظ، لها دورها الهام في غرس القيم الإسلامية بميادينها المختلفة، وهي قد تكون في صورة مباشرة على شكل نصائح، فالإنسان «قد يصغى ويرغب في سماع النصح من محبيه وناصحيه- فالنصح والوعظ يصبح في هذه الحالة ذا تأثير بليغ في نفس المخاطب» «٢» . والقرآن الكريم زاخر بالمواعظ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ «٣» . إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ «٤» . وفي الحديث الشريف «عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل» «٥» ، وعن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ : خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق» «٦» . والموعظة المؤثرة تفتح طريقها إلى النفس مباشرة مما يؤثر في تغيير سلوك الفرد وإكسابه الصفات المرغوب فيها، وكمال الخلق: عن ابن عباس قال إن رسول الله ﷺ خرج ومعه بلال فظن أنه لم يسمع فوعظهن وأمرهن بالصدقة فجعلت المرأة تلقي القرطم والخاتم» «٧» . وفي المواعظ القرآنية نلحظ أسلوبا تربويا رائعا: يبغي كمال الإنسان، بحيث «يجب أن يتمثلها المعلم

стр. 240

والمتعلم، إذ هي صادرة عن حكمة، وليس عن هوى» «١» والمثال على ذلك نأخذ خلاصة من عظة لقمان لابنه، التي تهدف إلى: ١- أن يكون الله هو مصدر السلوك، بمعنى إيمان الإنسان به، واتباع شريعته، وذلك هو محدد سلوك الإنسان، وهو الهدف والغاية لسلوكه، بمعنى أن يكون مخلصا لله، وذلك عن طريق عدم الإشراك بالله، والشكر له. ٢- أن يكون السلوك كما حددته الموعظة، في قصد واعتدال في كل شيء، فلا مغالاة ولا تفريط، إنما توسط واعتدال، وهذا يعكس هدف التربية الإسلامية السلوكية: إنها تنشىء إنسانا معتدلا في سلوكه وفي عقيدته. وهكذا يبدو دور الوعظ كوسيلة في التربية الإسلامية، تصلح في ميدان التربية الخلقية، كما هي في ميدان التربية الاجتماعية والعقلية وباقي الميادين الإسلامية. هـ- القدوة: تعني القدوة هنا أن يكون المربّي أو الداعي مثالا يحتذى به في أفعاله وتصرفاته، وقد أشاد القرآن الكريم بهذه الوسيلة فقال عز من قائل: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ (الممتحنة/ ٤) ، وقد كان المصطفى ﷺ ولا يزال- قدوة للمسلمين جميعا، والقدوة الحسنة التي يحققها الداعي بسيرته الطيّبة هي في الحقيقة دعوة عملية للإسلام «٢» بكل ما يحمله من مبادىء وقيم تدعو إلى الخير وتحث على الفضيلة. ولأثر القدوة في عملية التربية، وخاصة في مجال الاتجاهات والقيم، كان الرسول ﷺ هو قدوة المسلمين طبقا لما نص عليه القرآن الكريم، وقد استطاع بفضل تلك القدوة أن يحمّل معاصريه قيم الإسلام وتعاليمه وأحكامه، لا بالأقوال فقط، وإنما بالسلوك الواقعي الحي، وقد حرصوا على تتبع صفاته وحركاته ورصدها والعمل بها، وما ذلك إلا حرصا منهم على تمثل أفعاله ﷺ ، لقد كان المثل الأعلى لهم. وقد تمثلت في الرسول ﷺ صفات جليلة جعلت منه قدوة بالفعل، ويمكننا أن نعرض لبعض تلك الصفات التي تفيد في توضيح القدوة وصفاتها الفعالة كأسلوب من أساليب تنمية القيم. ١- العقل: فهو الأصل، وعنصر الينابيع، ونقطة الدائرة، منه ينبعث العلم والمعرفة، ويتفرع عنه ثاقب الرأي وجودة الفطنة والإصابة، وصدق الظن، والنظر للعواقب ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة والتدبير، وانتقاء الفضائل وتجنب الرذائل، وقد بلغ الرسول ﷺ في العقل الغاية التي لم يبلغها بشر سواه، يقول القاضي عياض: «وإذ جلالة ذلك وما تنوع منه متحقق عند من تتبع مجاري أحواله، واطراد سيره، وطالع جوامع كلامه،

стр. 241

وحسن شمائله، وبدائع سيره، وحكم حديثه، وعلمه مما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة، وحكم الحكماء، وسير الأمم الخالية وأيامها وضرب الأمثال وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل الآداب النفسية، والشيم الحميدة إلى فنون العلوم، التي اتخذ أهلها كلامه ﵇ فيها قدوة، وإشاراته حجة، كالعبادة والطب والحساب والفرائض والنسب، وغير ذلك.. دون تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل نبي أمي لم يعرف بشيء من ذلك حتى شرح الله صدره، وأبان أمره وعلمه وأقرأه.. وبحسب عقله كانت معارفه ﷺ إلى سائر ما علمه الله تعالى، وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان من عجائب قدرته وعظيم ملكوته» «١» . ٢- الحلم والاحتمال والعفو عند القدرة، والصبر على المكروه: وهذا شرط آخر في القدوة، وقد كان ﷺ متمثلا هذا، فقد أمره ربه خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «٢» . وما يروى عنه ﷺ يدل على هذا دلالة واضحة «٣» ، والمقتدي به إن لم يكن متحليا بهذه الصفات أو الشمائل فقد كثيرا من مؤهلاته التي يتمكن عن طريقها من احتواء انفعالات الناس، وهذا شرط ضروري كي يؤثر في الناس، أو يتأثر به الناس. ٣- الجود والكرم والسخاء: كان ﷺ لا يبارى في هذه الصفات، وبهذا وصفه كل من عرفه، ويروى عنه أنه كان «أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس» «٤» . ٤- الشجاعة والنجدة: وقد كان ﷺ منهما «بالمكان الذي لا يجهل، وقد حضر المواقف الصعبة، وفر الكماة والأبطال عنه غيره مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة، وحفظت عنه جولة سواه» «٥» . وإذا كان القدوة يدعو إلى صفات مثل هذه، فلا بد وأن تكون فيه متمثلة، وهاتان الصفتان أساسيتان في القدوة، لأنها إذا ما توفرت فيه، كان قادرا على ترجمة القيم إلى سلوك، واعتراض ما يواجهه من صعاب في تأدية مهامه، إنهما أساسيتان لأي قدوة.

стр. 242

٥- الحياء والإغضاء: وقد كان ﷺ «أشد الناس حياء، وأكثرهم عن العورات إغضاء» وعن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه» «١» . وكان ﷺ : «لطيف البشرة، رقيق الظاهر، لا يشافه أحدا بما يكرهه حياء وكرم نفس» . وعن عائشة- ﵂: «كان النبي ﷺ إذا بلغه عن أحد ما يكرهه، لم يقل: ما بال فلان يقول كذا؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا؟ ينهى عنه ولا يسمى فاعله» «٢» . إن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب النقائص والقبائح والمنكرات، ويدفع المرء إلى التحلي بكل جميل محبوب، وإذا كان الحياء خلقا إسلاميا عاما يطلبه الإسلام في أتباعه، فإنّ تحلّي القدوة به أوجب، ولذا وردت الأحاديث النبوية الكثيرة تصف حياء الرسول القدوة وتدفع المسلمين إلى التزامه. ٦- حسن العشرة والأدب، وبسط الخلق مع أصناف الخلق: يقول علي- ﵁ في وصف النبي ﷺ : «كان أوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة» «٣» ، وكان يؤلف أصحابه، ولا ينفرهم، ويكرمهم «ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره، ولا خلقه، يتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره، حتّى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء» «٤» . وصف بأنه كان «دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا عياب، ولا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه (راجيه) ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمّ أحدا، ولا يعيّره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه» «٥» .

стр. 243

ويقول جرير بن عبد الله: ما حجبني رسول الله منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم، كان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويجلسهم في حجره، ويجيب دعوة الحر والأمة والمسكين، يعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر» «١» . وكان «يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ولم ير قط مادّا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبي ويكني أصحابه، ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوّز فيقطعه بنهي أو قيام» «٢» . ٧- الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق: وقد وصف القرآن محمدا ﷺ : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٣» . فهو رءوف ورحيم، وشفيق، ومن شفقته على الأمة «تخفيفه وتسهيله عليهم وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم كقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» «٤» . وكذا خبر صلاة الليل، ونهيه عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا يعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبّه ولعنه رحمة بهم، وأنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته «٥» . ٨- الوفاء بالعهد، وصلة الرحم: والشواهد على ذلك كثيرة، فقد كان ﷺ وفيا لعهده، حسن العهد، يقول: «إن حسن العهد من الإيمان» ، وكان يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم على من هم أفضل منهم «٦» . ٩- التواضع: والآثار المروية عنه ﷺ في هذا المجال كثيرة، لم يكن يحب أن يعظمه الناس، فقد خرج ذات يوم متكئا على عصا فقام له الناس، فقال: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا» «٧» . وعن أنس- ﵁ قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا خير البرية، فقال: رسول الله ﷺ : «ذاك

стр. 244

إبراهيم» «١» . وقال ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» «٢» . والآثار والأحاديث في هذا الباب وافرة. والأمر الذي نود التأكيد عليه، هو أنه مع نبوته كان متواضعا، ومع علو منصبه ورفعة رتبته، وغزارة علمه، كان أشد الناس تواضعا، فالتواضع من أهم شروط التأثير في الناس، ومع أن الله مدحه في القرآن، إلا أنه كان في أشد التواضع، لا يتطاول على الناس ولا على الخلق، وكان هذا أكبر داعية لاتخاذ الناس الرسول قدوة لهم. ١٠- العدل والأمانة والعفة، وصدق اللهجة: فقد كان ﷺ آمن الناس، وأعدلهم، وأعف الناس، وأصدقهم لهجة وقد كان مشهورا بهذه الأوصاف قبل الرسالة وبعدها، ولولا هذه الصفات، وخاصة الأمانة لما حصلت الثقة فيه بما يبلّغ به عن ربّه، ولما اصطفاه الله لحمل الرسالة إلى البشر «٣» . وهذه الصفات ضرورية لحمل مسئولية القدوة، ولا بد أن تتوفر فيه حتى يثق الناس فيمن هو قدوة لهم، وبالتالي يثقون فيما يصدر عنه ويصدقونه فيه. ١١- الوقار والتؤدة والمروءة والهدى والرفق: وقد جاء في ذلك الكثير من الآثار، فقد جاء في الروايات، أنه ﷺ كان «أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه» وأنه «كان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، وكان ضحكه تبسما، وكلامه فصلا، لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم، توقيرا له، واقتداء به، مجلسه مجلس حلم وحياء، وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا توبّن فيه الحرم، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير» «٤» . وقد كان حسن الهدى رفيقا بالناس والأشياء والحيوان، والآثار في ذلك كثيرة وافرة. ومن هذا مراعاته ﷺ التوسط والاعتدال في سلوكه وتعامله، في قوله وفعله، في طعامه وشرابه، ولباسه ومسكنه، ومات وهو على ذلك، ولأنه قدوة فقد تبعه في تلك الوسطية أصحابه، فقصوا أثره إلى حد بعيد خاصة الخلفاء الراشدين «٥» .

стр. 245

١٢- الزهد في الدنيا والتقلل منها: ولم يكن هذا الزهد عن ضعف، فقد سيقت له الدنيا بحذافيرها، وترادفت عليه فتوحها، إلا أنه ﷺ رغب عنها وكان يقول: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» «١» . والآثار في ذلك وافرة. ومن ذلك ما يرويه ابن مسعود أن النبي ﷺ نام على حصير، فقام وقد أثر في جسده، فقال ابن مسعود: يا رسول الله لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل، فقال «مالي وللدنيا، وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها» «٢» . وعن أنس: «أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة، ولقد رهن النبي ﷺ درعا بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرا لأهله، ولقد سمعته يقول: ما أمسي عند آل محمد صاع برّ ولا صاع حبّ، وأن عنده لتسع نسوة» «٣» . وهذا الزهد لم يكن زهد الحرمان والقهر وترك الأسباب، وإنما هو القدرة والقدرة واليسر والأخذ بالأسباب، وهو عدم تعلق همة القلب بمتع الحياة الدنيا وزخارفها وزينتها، وهذا الزهد النبوي، لم يكن يعني أن النبي ﷺ يزهد بأن يدخل عليه المال الوفير، وإنما كان يعني زهده في ادخاره لنفسه وحرصه عليه، فهو الذي يقول: «لو كان لي مثل أحد ذهبا لسرني أن لا يمر على ثلاث ليال وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لدين» «٤» . ١٣- الخوف من الله وطاعته وعبادته: وقد كان ﷺ أخوف الناس من الله، وكان يصلي ويداوم العبادة، ويصوم، ويقرأ القرآن، ويستغفر ربه، ويدعوه، والآثار في ذلك وافرة. هذه هي صفات القدوة كما تمثلت في النبي ﷺ ، وبهذه الصفات الجامعة استطاع ﷺ أن يغرس القيم الإسلامية في نفوس أصحابه، ويرعاها نامية قوية وقد أدرك ﷺ أنه ليس هناك أخطر على القيم ونموها مثل الانفصال بين الداعي والمدعوين، بين المعلم والمتعلمين، بين الدعوة والتنفيذ، بين القول والعمل، خاصة أن هذا ما نعاه الله على بني إسرائيل في القرآن: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ «٥» .

стр. 246

إن دور القدوة مهم في حياة الأفراد والجماعات، وما أصيبت دعوة أو فكرة أو مذهب بافتقاد القدوة إلا فقدت تأثيرها، وما قدم صاحب دعوة الدليل العملي على صحة دعواه إلا بالسلوك والقدوة، وحينئذ يقتنع الناس وتصبح واقعا سلوكيا في حياة الناس. وما أصيبت مجتمعاتنا الإسلامية في صميمها إلا حين افتقدت القدوة. إن القدوة ترجمة عملية واقعية للمبادىء والأفكار تستطيع أن تجمع الناس حول المثل الأعلى، ولذا حين تفتقد المثل الأعلى، ويصبح الناس فرقا وجماعات ومذاهب، فيفقدون إرادة الفعل ويغرقون في التناطح، ويتترّسون خلف متاريس الفكر، كل يحاول الانتصار لفكرته بالكلام والتراشق بالاتهامات، والتعصب الأعمى القائم على التقليد الأعمى. إن مجتمعاتنا تشكو من فقر خلقي وعلمي وحضاري، وما ذلك إلا نتيجة لافتقادها للقدوة الصالحة ولو صحت عزائم الناس والعلماء منهم خاصة لأصبح كل واحد منهم قدوة حسنة في مجاله- فهو يملك مقوماتها- ولتحولت الأفكار والمبادىء إلى فعاليات سلوكية صحيحة، وهذا ما نحتاجه فعلا، ولكن- وللأسف- ما زلنا نعيش مرحلة اجترار المبادىء والأفكار بدون فعالية، فنحن في أمس الحاجة إلى القدوة الصالحة بكافة أشكالها وبشروطها السابقة، ويوم أن توجد تلك القدوة نستطيع أن نمتلك الفعالية، وننتج الحضارة، ويكون لنا مكاننا العالمي عطاء وإبداعا. إن القدوة السلوكية أمر لازم لتنمية القيم وصبغها بالفعالية لتكون موجها حقيقيا، وما امتازت التربية الإسلامية عبر عهودها التي عاشتها إلا بتلك القدوة، ويوم أن فقدت القدوة فقدت فعاليتها في حياة الناس، ولذا فإن واجب التربية الإسلامية توفير هذه القدوة حتى تعاود التأثير والإبداع، ولها في هدي رسول الله ﷺ زاد كبير ومدد تستمد منه في إعداد المربين القدوة، وكذا الآباء والأمهات وسائر المجتمع الإسلامي الذي هو في أمس الحاجة إلى القيم الإسلامية مجسدة في أفراده. والتربية العملية والتربية بالوقائع: لتنمية الأخلاق لدى المسلمين اتبع الرسول ﷺ أسلوب التربية العملية، تعليما وتدريبا، وربط التوجيه بالأحداث والوقائع الجارية في حياة الناس، والتربية الإسلامية في هذا المجال تظهر من خلال حديث الرسول ﷺ ، وقبله القرآن الكريم «تربية عملية، تتحول بها الكلمة إلى عمل بناء، أو إلى خلق فاضل، أو إلى تعديل في السلوك على النحو الذي يحقق وجود ذلك الإنسان كما تصوره الإسلام» «١» . وكان الرسول ﷺ يهمه أن يتحول ما يتلقاه المسلمون منه إلى مواقف عملية وسلوكيات، وكان كمرب «يثبت بالبراهين العملية والتجارب الفعلية أن ما

стр. 247

يدعو إليه هو أمر ممكن التنفيذ، وآية ذلك أنه مشخص في سلوكه» «١» . وهناك الكثير من مواقف حياة الرسول ﷺ تترجم هذا وتدل عليه. إن التربية الحقيقية هي التي تحاول أن تجعل من العلم سلوكا حقيقيّا، ومن الأفكار مواقف، والرسول ﷺ يصور هذا فيما يروى عنه، فالعلم قبل القول والعمل، ولكن العمل ضروري لا يكفي القول ولا العلم، حتى الإيمان يعتبر عملا، وقد جاء في صحيح البخاري باب بعنوان: «من قال إن الإيمان هو العمل» لقول الله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٢» . وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ «٣» . عن قول لا إله إلا الله، وقال: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ «٤» . ويروى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل «أي العمل أفضل؟ فقال: الإيمان بالله ورسوله، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» «٥» . ومن هذا القبيل الأمر بالتبليغ عن رسول ﷺ ، ومن هذا القبيل أيضا ما روي عن شعبة عن أبي جمرة، قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فقال: إن وفد بني عبد القيس أتوا النبي ﷺ ، فقال: «من القوم أو من الوفد؟» قالوا: ربيعة، فقال: «مرحبا بالقوم أو الوفد، غير خزايا ولا ندامى» قالوا: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله- وحده، قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله وحده» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم» . ونهاهم عن الدّبّاء والحنتم والمزفت، قال شعبة: ربما قال: «النقير» وربما قال «المقير» ، قال: «احفظوه وأخبروه من ورائكم» «٦» .

стр. 248

وكما نلاحظ فإن الرسول يحرص كل الحرص على ترجمة الإيمان إلى سلوك، وكلا الأمرين النهي والأمر لا بد أن يترجما إلى سلوك، وهو حرص الوفد نفسه على أن يدله الرسول ﷺ على عمل يدخلهم الجنة، ثم أمر آخر نلاحظه في الحديث، وهو قوله ﷺ : (احفظوه، وأخبروه من وراءكم) حفظ ووعي وفهم وتطبيق ثم تبليغ. إن الرسول ﷺ يحرص على أن يعلم الناس، وأن ينشر العلم، لأنه أساس التربية العملية، يقول في خطبة بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» «١» . وعن أبي موسى- ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» «٢» . هذه شواهد متعددة تبين أن العبرة في العلم التطبيق والعمل، لا مجرد المعرفة، ومن هنا كانت عنايته ﷺ بالتربية العملية، لأنها أكثر فعالية في تطبيق الأخلاق ورعايتها. وكان الرسول ﷺ يغتنم فرصة التصرفات العملية التي تقتضي توجيها تربويا أو عمليا ليأخذ منه المسلمون درسا إيجابيا، فكان يدعو إلى قيمة أو يصحح سلوكا، أو ينفي هذا السلوك الخاطيء وهي طريقة فعالة لأنها ترتبط بالوقائع المشاهدة وتتصل بما يعيشه الناس، ولذا ترسخ في الذهن، وتثبت في القلوب، وبهذا ترتبط القيم بواقع الحياة، وهذا يعني أن غرس القيم لا يقتصر على مجرد التعلم والحفظ والتسميع، وإنما يعتمد على واقع الحياة والخبرة المعيشية وبالتالي يكون تأثيرها قويا، لأنها «تثير الانتباه الذي يجمع الفاعلية النفسية حول ظاهرة ما، عن طريق الحس إن كانت هذه الظاهرة خارجية، وعن طريق التأمل إن كانت داخلية» «٣» . والحديث الشريف مليء بالأمثلة من ذلك النوع، من ذلك: - ما يروى عن أبي ذر- ﵁ قال: كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها فذكرني إلى النبي ﷺ ، فقال: «أساببت فلانا» قلت: نعم، قال: «أفنلت من أمه؟» قلت: نعم، قال: «إنك امرؤ

стр. 249

فيك جاهلية» ، قلت على حين ساعتي: هذه من كبر السن؟ قال: «نعم، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه فليعنه عليه» «١» . - وذكر رجل عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي ﷺ : «ويحك، قطعت عنق صاحبك- يقول مرارا- إن كان أحدكم ما دحا لا محالة فذلك أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، والله حسيبه ولا يزكي على الله أحدا» «٢» . - ويروى عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة فبلغ ذلك معاذ، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلّى بنا البارحة فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ : «يا معاذ، أفتان أنت- ثلاثا- اقرأ: وَالشَّمْسِ وَضُحاها وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ونحوها» «٣» . إن هذه الأمثلة وغيرها توضح أنه ما من واقعة تحدث، إلا وكان يبينها رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ لا ينطق عن الهوى فإذا وقعت بعد ذلك، عرف الناس كيف يتصرفون حيالها، وهناك عدة أمور توافرت لتضمن فعالية هذا الأسلوب، وهي: - وقوع الشخصية في موقف ما، اجتماعي أو إنساني أو غير ذلك من مواقف أو واقعات. - إثارة قوى الشخصية الانفعالية والعقلية بكافة الأساليب الممكنة: السؤال، الاعتراض، الاستنكار ... الخ، وإشعارها أنها تقف موقفا يحتاج إلى معيار يضبطه. - الإجابة عن السؤال أو الاعتراض. - تزويد الشخصية بالحل الأمثل بالقيمة المطلوبة في هذا الموقف. وتأتي بعد ذلك الاستجابة والاختيار في إطار هذا الخلق والالتزام به، وهكذا وبهذه الطريقة استطاع الرسول ﷺ أن يبني الأخلاق في نفوس المسلمين. ز- القصة: وهي من أكبر وأكثر الوسائل فعالية في تنمية الأخلاق، وقد استخدمها الرسول ﷺ ، وحرص على أن

стр. 250

يضمنها الكثير من الأخلاق الإسلامية، إما من أجل توضيحها أمام المسلمين من ناحية، وإما من أجل تعميقها في نفوسهم من ناحية ثانية، وذلك «من خلال جعلها موضوعات تدور حولها أو تتحدث عنها أحداث القصة ومواقفها، وهي قيم ذات جوانب متعددة» «١» . وتأتي فعالية القصة من كونها «مزيجا من الحوار والأحداث والترتيب الزمني مع وصف للأمكنة والأشخاص والحالات الاجتماعية والطبيعية التي تمر بشخصيات القصة» «٢» . وهي قادرة على تأكيد الاتجاهات المرغوبة وترسيخ القيم والأخلاق، وذلك عن طريق استثارة مشاركة الإنسان العاطفية لنماذج السلوك والقيم التي تقوم القصة بتقديمها وللمواقف التي تصورها. وقد كانت القصة القرآنية وسيلة من وسائل التربية وتنمية القيم الخلقية الإسلامية، وذلك باستخراج العبرة من التجربة السابقة، واستخراج المثل وشرح طرق الخير، والتحذير من الكفر والجحود، يقول تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ «٣» . ويقول تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ «٤» . تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها «٥» . فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «٦» . وهذا القصص باحتوائه على ألوان كثيرة وصور كثيرة عن الماضي من لدن آدم لبعث الرسول ﷺ ، وما كان من أخبار الرسل والأمم السابقة، وما يعرض من صور المكذبين لتخليهم عن تحكيم القيم والمعايير التي جاء بها الرسل، كل هذا يؤكد معلما بارزا حيا في استخدام هذا القصص كوسيلة من أهم وسائل التربية وتنمية القيم. تمد القصة القرآنية الفرد والجماعة بالقيم الأخلاقية الإسلامية الصادقة وتسهم- بإيجابية- في غرس هذه القيم في نفوسهم، وهي إحدى وسائل التربية، التي يميل إليها النشء. فإن «القصة تؤثر في النفس إذا وضعت في
следующие страницы →