← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

الأحاديث الواردة في (التقوى) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «اتّقوا الظّلم؛ فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، واتّقوا الشّحّ «١» ؛ فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم» ) * «٢» . ٢-* (عن أبي أمامة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجّة الوداع فقال: «اتّقوا الله ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربّكم» ) * «٣» . ٣-* (عن عديّ بن حاتم- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة» ) * «٤» . ٤-* (عن عبد الله بن جعفر- ﵄ قال: أردفني رسول الله ﷺ ، ذات يوم فأسرّ إليّ حديثا لا أحدّث به أحدا من النّاس، وكان أحبّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا «٥» أو حائش نخل «٦» ، قال: فدخل حائطا «٧» لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلمّا رأى النّبيّ ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النّبيّ ﷺ فمسح ذفراه «٨» ، فقال: «من ربّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» . فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي، يا رسول الله. فقال: «أفلا تتّقي الله في هذه البهيمة الّتي ملّكك الله إيّاها فإنّه شكا إليّ أنّك تجيعه وتدئبه «٩» » ) * «١٠» . ٥-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّ رجلا جاءه فقال: أوصني فقال: سألت عمّا سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك فقال: «أوصيك بتقوى الله؛ فإنّه رأس كلّ شيء، وعليك بالجهاد فإنّه رهبانيّة الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن؛ فإنّه روحك في السّماء، وذكرك في الأرض» ) * «١١» . ٦-* (عن عمر بن أبي سلمة- ﵁ أنّه سأل رسول الله ﷺ : أيقبّل الصّائم؟. فقال له

стр. 1822

رسول الله ﷺ : «سل هذه» (لأمّ سلمة) فأخبرته أنّ رسول الله ﷺ يصنع ذلك. فقال: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فقال له رسول الله ﷺ : «أما والله إنّي لأتقاكم لله، وأخشاكم له» ) * «١» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رجلا قال: يا رسول الله إنّي أريد أن أسافر فأوصني. قال: «عليك بتقوى الله، والتّكبير على كلّ شرف «٢» ، فلمّا أن ولّى الرّجل، قال: «اللهمّ اطو له البعد وهوّن عليه السّفر» ) * «٣» . ٨-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ ، كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبّر ثلاثا، ثمّ قال: «سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون، اللهمّ إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى ومن العمل ما ترضى، اللهمّ هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنّا بعده، اللهم أنت الصّاحب في السّفر والخليفة في الأهل، اللهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السّفر وكابة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل» ) * «٤» . ٩-* (عن عديّ بن حاتم- ﵁ أنّ سائلا جاءه فسأله نفقة في ثمن خادم، أو في بعض ثمن خادم، فقال: «ليس عندي ما أعطيك، إلّا درعي ومغفري «٥» فأكتب إلى أهلي أن يعطوكها، فلم يرض، فغضب عديّ فقال، أما والله لا أعطيك شيئا، ثمّ إنّ الرّجل رضي، فقال: أما والله لولا أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من حلف على يمين ثمّ رأى أتّقى لله منها فليأت التّقوى» ما حنثت يميني «٦» ) * «٧» . ١٠-* (عن أنس- ﵁ قال: بلغ صفيّة أنّ حفصة قالت: بنت يهوديّ فبكت فدخل عليها النّبيّ ﷺ وهي تبكي، فقال: «ما يبكيك؟» فقالت: قالت لي حفصة: إنّي بنت يهوديّ، فقال النّبيّ ﷺ : «إنّك لابنة نبيّ، وإنّك لتحت نبيّ. ففيم تفخر عليك؟، ثمّ قال: اتّقي الله يا حفصة» ) * «٨» . ١١-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: تصدّق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت أمّي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتّى تشهد رسول الله ﷺ ، فانطلق أبي إلى النّبيّ ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : «أفعلت هذا بولدك كلّهم؟» قال: لا. قال: «اتّقوا الله واعدلوا في أولادكم» ، فرجع أبي

стр. 1823

فردّ تلك الصّدقة) * «١» . ١٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ ﷺ ، يسألون عن عبادة النّبيّ ﷺ ، فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها «٢» ، فقالوا وأين نحن من النّبيّ ﷺ ؟، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، قال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: «أنتم الّذين قلتم كذا وكذا؟، أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنّى أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» ) * «٣» . ١٣-* (عن أنس- ﵁ قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «اتّق الله وأمسك عليك زوجك» ) * «٤» . ١٤-* (عن أنس- ﵁ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله، إنّي أريد سفرا فزوّدني. قال: «زودّك الله التّقوى» قال: زدني. قال: «وغفر ذنبك» . قال: زدني بأبي أنت وأمّي. قال: «ويسّر لك الخير حيثما كنت» ) * «٥» . ١٥-* (عن سمرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «الحسب: المال، والكرم: التّقوى» ) * «٦» . ١٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل النّاس الجنّة قال: «تقوى الله وحسن الخلق» ) * «٧» . ١٧-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ في حديثه الطّويل في حجّة النّبيّ ﷺ ... الحديث وفيه: «فاتّقوا الله في النّساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف. وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله وأنتم تسألون عنّي. فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فقال بإصبعه السّبّابة يرفعها إلى السّماء وينكتها إلى النّاس: «اللهمّ اشهد. اللهم اشهد» (ثلاث مرّات) الحديث ... » ) * «٨» . ١٨-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «اتّق الله حيثما كنت وأتبع السّيّئة

стр. 1824

الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن» ) * «١» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «قد أذهب الله عنكم عبّيّة الجاهليّة «٢» وفخرها بالآباء، مؤمن تقيّ، وفاجر شقيّ، والنّاس بنو آدم، وآدم من تراب» ) *» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قيل للنّبيّ ﷺ : من أكرم النّاس؟ قال: «أكرمهم أتّقاهم» ، قالوا: يا نبيّ الله، ليس عن هذا نسألك. قال: «وأكرم النّاس يوسف نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن نبيّ الله ابن خليل الله» . قالوا: ليس عن هذا نسألك. قال: «أفعن معادن العرب تسألونني؟» . قالوا: نعم. قال: «فخياركم في الجاهليّة خياركم في الإسلام إذا فقهوا» ) * «٤» . ٢١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قيل يا رسول الله، أيّ النّاس أفضل؟. فقال رسول الله ﷺ : «مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله» . قالوا: ثمّ من؟. قال: «مؤمن في شعب «٥» من الشّعاب يتّقي الله ويدع النّاس من شرّه» ) * «٦» . ٢٢-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: كان آخر كلام رسول الله ﷺ : «الصّلاة الصّلاة، اتّقوا الله فيما ملكت أيمانكم» ) * «٧» . ٢٣-* (عن بريدة- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرا على جيش أو سريّة أوصاه في خاصّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثمّ قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلّوا «٨» ولا تغدروا ولا تمثلوا «٩» ولا تقتلوا وليدا «١٠» . وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) ، فأيّتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام «١١» ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى التّحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحوّلوا منها فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الّذي يجري على المؤمنين، ولا يكون

стр. 1825

لهم في الغنيمة والفيء شيء إلّا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمّة الله «١» وذمّة نبيّه، فلا تجعل لهم ذمّة الله ولا ذمّة نبيّه، ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أصحابك؛ فإنّكم إن تخفروا «٢» ذممكم وذمم أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمّة الله وذمّة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنّك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا» ) * «٣» . ٢٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التّقوى ههنا (ويشير إلى صدره ثلاث مرّات) بحسب امرئ من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» ) * «٤» . ٢٥-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «لا تصاحب إلّا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلّا تقيّ» ) * «٥» . ٢٦-* (عن عطيّة السّعديّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به البأس» ) * «٦» . ٢٧-* (عن سهل بن الحنظليّة- ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: «اتّقوا الله في هذه البهائم المعجمة «٧» ، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة» ) * «٨» . ٢٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول:» من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنّما الإمام جنّة يقاتل من ورائه ويتّقى به، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإنّ له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإنّ عليه منه» ) * «٩» .

стр. 1826

٢٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يأخذ عنّي هؤلاء الكلمات فيعمل بهنّ- أو يعلّم من يعمل بهنّ؟» فقال أبو هريرة: قلت: أنا يا رسول الله. فأخذ بيدي فعدّ خمسا، وقال: «اتّق المحارم تكن أعبد النّاس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى النّاس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحبّ للنّاس ما تحبّ لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضّحك؛ فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب» ) * «١» . ٣٠-* (عن العرباض بن سارية- ﵁ قال: «وعظنا رسول الله ﷺ يوما بعد صلاة الغداة موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إنّ هذه موعظة مودّع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟. قال: «أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطّاعة وإن عبد حبشيّ؛ فإنّه من يعش منكم يرى «٢» اختلافا كثيرا، وإيّاكم ومحدثات الأمور؛ فإنّها ضلالة فمن أدرك ذلك منكم فعليه بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين عضّوا عليها بالنّواجذ» ) * «٣» . ٣١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر يتمشّون أخذهم المطر. فأووا إلى غار في جبل. فانحطّت على فم غارهم صخرة من الجبل. فانطبقت عليهم. فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها لعلّ الله يفرجها عنكم. فقال أحدهم: اللهم إنّه كان لي والدان شيخان كبيران، وامرأتي، ولي صبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم «٤» ، حلبت، فبدأت بوالديّ فسقيتهما قبل بنيّ، وأنّه نأى بي ذات يوم الشّجر «٥» ، فلم آت حتّى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب، فقمت عند رءوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصّبية قبلهما، والصّبية يتضاغون «٦» عند قدميّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم «٧» حتّى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، نرى منها السّماء، ففرج الله منها فرجة، فرأوا منها السّماء. وقال الآخر: اللهّمّ إنّه كانت لي ابنة عمّ أحببتها كأشدّ ما يحبّ الرّجال النّساء، وطلبت إليها نفسها. فأبت حتّى آتيها بمائة دينار. فتعبت حتّى جمعت مائة دينار، فجئتها بها، فلمّا وقعت بين

стр. 1827

رجليها، قالت: يا عبد الله اتّق الله، ولا تفتح الخاتم إلّا بحقّه. فقمت عنها، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم. وقال الآخر: اللهمّ إنّي كنت استأجرت أجيرا بفرق أرزّ «١» ، فلمّا قضى عمله قال: أعطني حقّي، فعرضت عليه فرقه فرغب عنه. فلم أزل أزرعه حتّى جمعت منه بقرا ورعاءها، فجاءني فقال: اتّق الله ولا تظلمني حقّي. قلت اذهب إلى تلك البقر ورعائها، فخذها. فقال: اتّق الله ولا تستهزأ بي. فقلت: إنّي لا أستهزأ بك خذ ذلك البقر ورعاءها. فأخذه فذهب به، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا ما بقي. ففرج الله ما بقي» ) * «٢» . ٣٢-* (عن رفاعة- ﵁ أنّه خرج مع النّبيّ ﷺ فرأى النّاس يتبايعون، فقال: «يا معشر التّجّار» فاستجابوا لرسول الله ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه. فقال: «إنّ التّجار يبعثون يوم القيامة فجّارا إلّا من اتّقى الله وبرّ وصدق» ) * «٣» . ٣٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، أنّه كان يقول: «اللهمّ إنّي أسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى» ) * «٤» . ٣٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: أهللنا أصحاب محمّد ﷺ بالحجّ خالصا وحده، فقدم النّبيّ ﷺ صبح رابعة مضت من ذي الحجّة، فأمرنا أن نحلّ، قال عطاء: قال: «حلّوا وأصيبوا النّساء «٥» » . قال عطاء: ولم يعزم عليهم «٦» ، ولكن أحلّهنّ لهم، فقلنا: لمّا لم يكن بيننا وبين عرفة إلّا خمس: أمرنا أن نفضي إلى نسائنا «٧» فنأتي عرفة» تقطر مذاكيرنا المنيّ، قال: يقول جابر بيده (كأنّي أنظر إلى قوله بيده يحرّكها) قال: فقام النّبيّ ﷺ فينا، فقال: «قد علمتم أنّي أتقاكم لله وأصدقكم وأبرّكم ولولا هديي لحللت كما تحلّون، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، فقدم عليّ من سعايته «٩» فقال: «بم أهللت؟» . قال: بما أهلّ به النّبيّ ﷺ . فقال له رسول الله ﷺ : «فأهد وامكث حراما» قال: وأهدى له عليّ هديا فقال سراقة بن مالك بن جعشم: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد «١٠» ؟ فقال: «لأبد» ) * «١١» .

стр. 1828

٣٥-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إذا أدّب الرّجل أمته فأحسن تأديبها وعلّمها فأحسن تعليمها ثمّ أعتقها فتزوّجها كان له أجران، وإذا آمن بعيسى ثمّ آمن بي فله أجران، والعبد إذا اتّقى ربّه وأطاع مواليه فله أجران» ) * «١» . ٣٦-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ رفعه، قال: «إذا أصبح ابن آدم فإنّ الأعضاء كلّها تكفّر اللّسان، فتقول: اتّق الله فينا فإنّما نحن بك فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا» ) * «٢» . ٣٧-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يحبّ العبد التّقيّ الغنيّ الخفيّ» ) * «٣» . ٣٨-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: أهدي إلى النّبيّ ﷺ فرّوج «٤» حرير، فلبسه فصلّى فيه ثمّ انصرف فنزعه نزعا شديدا كالكاره له وقال: «لا ينبغي هذا للمتّقين» ) * «٥» . ٣٩-* (عن أبي سعيد الخدري- ﵁ قال: بعث علىّ بن أبي طالب- ﵁ إلى رسول الله ﷺ من اليمن بذهيبة «٦» في أديم مقروظ «٧» لم تحصّل من ترابها «٨» قال: فقسمها بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرّابع: إمّا علقمة وإمّا عامر بن الطّفيل «٩» فقال رجل من أصحابه: كنّا نحن أحقّ بهذا من هؤلاء. قال: فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فقال: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السّماء، يأتيني خبر السّماء صباحا ومساء؟» . قال: فقام رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناشز الجبهة «١٠» كثّ اللّحية، محلوق الرّأس، مشمّر الإزار. فقال: يا رسول الله اتّق الله. قال: «ويلك أو لست أحقّ أهل الأرض أن يتّقي الله؟» قال: ثمّ ولّى الرّجل. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه. فقال رسول الله ﷺ : «إنّي لم أومر أن أنقّب عن قلوب النّاس «١١» . ولا أشّق بطونهم» . قال: ثمّ نظر إليه وهو مقفّ «١٢» . فقال: «إنّه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة» قال: أظنّه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل ثمود» ) * «١٣» .

стр. 1829

الأحاديث الواردة في (التقوى) معنى ٤٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ) * «١» . ٤١-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: الإمام العادل، وشابّ نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ) * «٢» . ٤٢-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستّين دينارا على أن يطأها، فلمّا قعد منها مقعد الرّجل من امرأته، أرعدت فبكت، فقال: ما يبكيك، أكرهتك؟ قالت: لا، ولكنّه عمل ما عملته قطّ، وما حملني عليه إلّا الحاجة. فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته؟ اذهبي فهي لك. وقال: لا والله لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه: إنّ الله قد غفر للكفل» ) * «٣» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (التقوى) ٤٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ أخا لكم لا يقول الرّفث» يعني بذلك ابن رواحة قال: فينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع) * «٤» . ٤٤-* (عن المغيرة بن شعبة- ﵁ قال: إن كان النّبيّ ﷺ ليقوم، أو ليصلّي حتّى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له، فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا» . وفي رواية عن عائشة- ﵂ أنّ نبيّ

стр. 1830

الله ﷺ كان يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» ) * «١» . ٤٥-* (عن عبد الله بن الشّخّير ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يلبّي وفي صدره أزيز كأزيز الرّحى من البكاء ﷺ » ) * «٢» . ٤٦-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ليلة فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء، قيل له: ما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النّبيّ ﷺ * «٣» . ٤٧-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال لي النّبيّ ﷺ : «اقرأ عليّ» قلت: اقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «فإنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» ، فقرأت عليه سورة النّساء حتّى بلغت: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً (النساء/ ٤١) قال: «أمسك» ، فإذا عيناه تذرفان) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (التقوى) ١-* (سأل رجل أبا هريرة- ﵁: ما التّقوى؟ قال: «هل أخذت طريقا ذا شوك؟» قال: نعم، قال: «فكيف صنعت؟» . قال: إذا رأيت الشّوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، قال: «ذاك التّقوى» ) * «٥» . ٢-* (عن مالك بن أنس- ﵁ قال: «بلغني أنّ رجلا من بعض الفقهاء كتب إلى ابن الزّبير- ﵄ يقول: ألا إنّ لأهل التّقوى علامات يعرفون بها، ويعرفونها من أنفسهم، من رضي بالقضاء، وصبر على البلاء، وشكر على النّعماء، وصدق في اللّسان، ووفّى بالوعد والعهد، وتلا لأحكام القرآن، وإنّما الإمام سوق من الأسواق، فإن كان من أهل الحقّ حمل إليه أهل الحقّ حقّهم، وإن كان من أهل الباطل حمل إليه أهل الباطل باطلهم» ) * «٦» . ٣-* (قال أبو الدّرداء- ﵁. «تمام التّقوى أن يتّقي الله العبد حتّى يتّقيه من مثقال ذرّة وحتّى يترك بعض ما يرى أنّه حلال خشية أن يكون حراما يكون حجابا بينه وبين الحرام» ) * «٧» . ٤-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁

стр. 1831

قال: «آخ الإخوان على قدر التّقوى، ولا تجعل حديثك بذلة إلّا عند من يشتهيه، ولا تضع حاجتك إلّا عند من يحبّ قضاءها» ) * «١» . ٥-* (قال لبيد بن ربيعة- ﵁: إنّ تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي «٢» والعجل أحمد الله فلا ندّ له ... بيديه الخير ما شاء فعل) * «٣» ٦-* (قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى-: «التّقيّ ملجم لا يفعل كلّ ما يريد» ) * «٤» . ٧-* (قال طلق بن حبيب- ﵀: «التّقوى العمل بطاعة الله على نور من الله، رجاء رحمة الله، والتّقوى ترك معاصي الله على نور من الله، مخافة عذاب الله» ) *» . ٨-* (قال الشّاعر: ابل الرّجال إذا أردت إخاءهم ... وتوسّمنّ أمورهم وتفقّد فإذا وجدت أخا الأمانة والتّقى ... فبه اليدين- قرير عين- فاشدد ودع التّذلّل والتخشّع تبتغي ... قرب امرئ إن تدن منه تبعّد) * «٦» . من فوائد (التقوى) (١) معيّة الله تعالى للمتّقين. (٢) البشرى بالتّكريم للمتّقين. (٣) تكفير الذّنوب وتعظيم الأجر. (٤) الوعد بالمغفرة وزوال الخوف من النّفوس. (٥) اليسر والسّهولة في الأمر. (٦) في التّقوى تكفير للذّنوب وتعظيم للأجر من الله- . (٧) العون والنّصرة من الله للمتّقين. (٨) الأمن من البليّة ونيل الوصال والقربة. (٩) عزّ الفوقيّة على سائر الخلق. (١٠) الخروج من الهمّ والمحنة والوعد بالرّزق الواسع. (١١) النّجاة من العذاب والعقوبة. (١٢) الفوز بالجنّة. (١٣) التّوفيق والشّهادة لهم بالصّدق. (١٤) محبّة الله للمتّقين.

стр. 1832

التكبير الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ٣١/ ١٣ التكبير لغة: مصدر «كبّر» وهو مأخوذ من مادّة (ك ب ر) الّتي تدلّ على خلاف الصّغر «١» ، وإذا كان الصّغر يدلّ على القلّة والحقارة؛ فإنّ الكبر يدلّ على الكثرة والعظمة، والوصف منهما صغير وكبير وهما كما يقول الرّاغب: من الأسماء المتضايفة الّتي تقال عند اعتبار بعضها ببعض، فالشّيء قد يكون صغيرا في جنب شيء، وكبيرا في جنب غيره «٢» ، ويستعملان في الكمّيّة المتّصلة (غير القابلة للتّجزيء) وذلك كالكثير والقليل في الكمّيّة المنفصلة كالعدد، وربّما يتعاقب الكثير والكبير في شيء واحد بنظرين مختلفين نحو قوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ (البقرة/ ٢١٩) وكثير، قرئ بهما، وأصل ذلك في الأعيان ثمّ استعير للمعاني نحو قوله لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها (الكهف/ ٤٩) والكبير من صفات المولى- وكذلك المتكبّر، قال ابن الأثير: «في أسماء الله تعالى المتكبّر والكبير» أي العظيم ذو الكبرياء، وقيل المتعالي عن صفات الخلق، وقيل المتكبّر على عتاة خلقه، والتّاء فيه للتّفرّد والتّخصّص لا تاء التّعاطي والتّكلّف «٣» ، والكبرياء هي العظمة والملك، وقيل هي عبارة عن كمال الذّات وكمال الوجود ولا يوصف بهما سوى الله تعالى، وهذان الوصفان (المتكبّر- ذو الكبرياء) مأخوذان من الكبر بالكسر وهو العظمة، يقال كبر يكبر أي عظم فهو كبير، أمّا وصفه بأنّه: «أكبر» كما في حديث الأذان «الله أكبر» فاختلف في معناه على وجهين: الأوّل: أنّ معناه «الله الكبير» فوضع أفعل موضع فعيل (أي أنّ التّفضيل على غير بابه) وذلك كما في قول الفرزدق: إنّ الّذي سمك السّماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول أي عزيزة طويلة. الآخر: أنّ المعنى «الله أكبر من كلّ شيء» أي أعظم فحذفت «من» من أسلوب التّفضيل

стр. 1833

لوضوح معناها و «أكبر» خبر والأخبار يجوز حذفها وحذف ما تعلّق بها، وقيل معناه الله أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته، وإنّما قدّر له ذلك؛ لأنّ أفعل التّفضيل (الّذي مؤنّثه فعلى) يلزمه الألف واللّام أو الإضافة كالأكبر وأكبر القوم، وراء أكبر في الآذان والصّلاة ساكنة للوقف، فإذا وصل بكلام ضمّ «١» . وقال الإمام الغزاليّ: المتكبّر هو الّذي يرى الكّلّ حقيرا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة والكبرياء إلّا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبيد، فإن كانت هذه الرّؤية صادقة كان التّكبّر حقّا وكان صاحبها متكبّرا حقّا، ولا يتصوّر ذلك على الإطلاق إلّا لله- وإن كان ذلك التّكبّر والاستعظام باطلا، ولم يكن ما يراه من التّفرّد بالعظمة كما يراه، كان التّكبّر باطلا ومذموما، وكلّ من رأى العظمة والكبرياء لنفسه على الخصوص دون غيره كانت رؤيته كاذبة ونظره باطلا، إلّا الله «٢» . وقال الجوهري: الكبر في السّنّ يقال فيه: كبر الرّجل يكبر كبرا أي أسنّ، وكبر بالضّمّ يكبر أي عظم فهو كبير وكبار فإذا أفرط قيل كبّار بالتّشديد، والكبر بالكسر العظمة وكذلك الكبرياء، والتّكبير التّعظيم والتّكبّر والاستكبار التّعظّم، وذكر ابن منظور أنّ كبّر الأمر تكون بمعنى جعله كبيرا وتكون بمعنى: قال: الله أكبر، أمّا أكبر في قوله سبحانه: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ (يوسف/ ٣١) فأكثر المفسّرين يقولون أعظمنه «٣» . وروي عن مجاهد أنّه قال: أكبرنه «حضن» وليس ذلك بالمعروف في اللّغة، وروى الأزهريّ عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه: أنّه رأى النّبيّ ﷺ يصلّي قال: فكبّر وقال: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرّات ... قال أبو منصور: نصب كبيرا؛ لأنّه أقامه مقام المصدر لأنّ معنى قوله: الله أكبر: أكبّر الله كبيرا بمعنى تكبيرا، يدلّ على ذلك ما روي عن الحسن: أنّ نبيّ الله ﷺ كان إذا قام إلى صلاته من اللّيل قال: لا إله إلّا الله، الله أكبر كبيرا، ثلاث مرّات، فقوله كبيرا بمعنى تكبيرا فأقام الاسم مقام المصدر الحقيقيّ، وقوله: الحمد لله كثيرا، أي أحمد الله حمدا كثيرا «٤» والتّكبير في قوله تعالى: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (الحج/ ٣٧) معناه تعظيم الله بالذّكر له وهو التّكبير يوم الفطر «٥» . وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (البقرة/ ١٨٥) ، جاء في تفسيرها أنّ المعنى: لتعظّموه

стр. 1834

على ما أرشدكم إليه من الشّرائع «١» ، وقوله سبحانه: وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (الإسراء/ ١١١) ، قال القرطبيّ: المعنى: عظّمه عظمة تامّة، يقال: أبلغ لفظ للعرب في معنى التّعظيم والإجلال: الله أكبر «٢» أي وصفه بأنّه أكبر من كلّ شيء. التكبير اصطلاحا: قال المناويّ: يقال: التّكبير لتعظيم الله بقولك: الله أكبر ولعبادته ولاستشعار تعظيمه «٣» . أنواع التكبير: قال الإمام النّيسابوريّ: التّكبير أنواع منها: ١- تكبيره في صفاته بأن يعتقدها كلّها من صفات الجلال والإكرام وفي غاية العظمة ونهاية الكمال، وأنّها منزّهة عن سمات التّغيّر والزّوال والحدوث والانتقال. ٢- تكبير الله في أحكامه، وهو أن يعتقد أنّ أحكامه كلّها جارية على سنن الصّواب، وقانون العدالة «٤» . التكبير في العيدين: قال ابن قدامة- رحمه الله تعالى-: يستحبّ للنّاسي إظهار التّكبير في ليلتي العيدين في مساجدهم ومنازلهم وطرقهم، مسافرين كانوا أو مقيمين. ومعنى إظهار التّكبير رفع الصّوت به، واستحبّ ذلك لما فيه من إظهار شعائر الإسلام، وتذكير الغير ... ثمّ قال: قال القاضي (يعني أبا يعلى) : التّكبير في الأضحى مطلق ومقيّد؛ فالمقيّد عقيب الصّلوات، والمطلق في كلّ حال في الأسواق، وفي كلّ زمان. وأمّا الفطر فمسنونه مطلق غير مقيّد «٥» . والتّكبير أن يقول: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلّا الله والله أكبر ولله الحمد» وهذا مرويّ عن عمر وعليّ، وابن عبّاس- ﵃. وروي عن عليّ- ﵁ أيضا، وعن عمر وابن مسعود ﵄: «أن يقول: الله أكبر الله أكبر، لا إله إلّا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد» «٦» . مواطن التكبير: التّكبير بمعنى تعظيم المولى مطلوب من المسلم في كلّ وقت أو- بعبارة أخرى- لا يتحرّى له وقت بعينه، أمّا التّكبير بمعنى قول «الله أكبر» فإن اقترن بالتّسبيح والتّحميد والتّهليل فإنّه نوع من الذّكر. أمّا إذا انفرد فإنّ له مواطن معيّنة وأوقاتا معلومة ومناسبات يطلب فيها، ويمكننا في ضوء ما جاءت به السّنّة المطهّرة أن نذكر أهمّ هذه المواطن فيما يلي: ١- التّكبير في الأذان والإقامة ممّن يقوم بذلك (انظر الحديث ١٦) . ٢- التّكبير ممّن يسمع الأذان أو الإقامة (الحديث ٧، ١٧) .

стр. 1835

٣- التّكبير عند الدّخول في الصّلاة (تكبيرة الإحرام) . ٤- التّكبير عند الرّكوع والسّجود، وعند رفع الرّأس من السّجود (الحديث ١٨) . ٥- التّكبير خلف الصّلوات (الحديث ٦، ٢٨) . ٦- التّكبير في خطبة صلاة الاستسقاء، وفي صلاة الاستسقاء ذاتها (الحديث ١٣) . ٧- التّكبير في صلاة الجنازة (أربع تكبيرات) (الحديث ٢١) . ٨- التّكبير في صلاة العيدين، في الأولى سبعا وفي الثّانيّة خمسا (الحديث ٢٩) . ٩- التّكبير في خطبتي العيدين، في الأولى تسعا وفي الثّانية سبعا «١» . ١٠- التّكبير في ليلة عيد الفطر من أوّل ليلة العيد إلى دخول الإمام للصّلاة، ويرفع المسلم صوته بالتّكبير في الطّرق والأسواق ونحوها (الأثر ٢، ٤) . ١١- التّكبير لرؤية هلال شوّال (الأثر ٣) . ١٢- التّكبير عقب الصّلوات من صبح يوم عرفة إلى عقب عصر آخر أيّام التّشريق «٢» . ١٣- التّكبير عند الخروج للحجّ قبل الإهلال (الحديث ٢٧) ، وعند الرّجوع منه أو من العمرة (الحديث ١٠) . ١٤- التّكبير عند رمي الجمرات مع إلقاء الحصيات (الحديث ١) . ١٥- التّكبير عند الصّعود من منى إلى عرفات (الحديث ٢٢) . ١٦- التّكبير عند الطّواف خاصّة عند إتيان الرّكن (الحديث ٢٦) . ١٧- التّكبير عند الجهاد (الحديث ٣٠) ، وعند القفول منه خاصّة على الشّرف (الحديث ١٠) ، وعند اعتلاء الثّنايا (المرتفعات) (الحديث ٢٤) . ١٨- التّكبير للمسافر عموما عند الشّرف «٣» من الأرض (الحديث ٢٥) ، وعند الخروج للسّفر (الحديث ١١) . ١٩- التّكبير عند الذّبح (الحديث ٢٣) ، قال ابن حجر: وفي هذا الحديث ما يدلّ على استحباب التّكبير مع التّسمية في الذّبح «٤» (عموما) ، أي في الأضحية وغيرها. ٢٠- التّكبير عند سماع خبر مفرح (الحديث ٩) . ٢١- التّكبير عند ختم القرآن، عند آخر كلّ سورة من الضّحى إلى آخر القرآن «٥» . ٢٢- التّكبير (ضمن الأذان) في أذن المولود

стр. 1836

اقتداء بما فعله المصطفى ﷺ مع الحسن بن عليّ (الحديث ٢٣) . ٢٣- التّكبير عند قيام اللّيل (الحديث ٤) . حكم التكبير: تناول الفقهاء بالتّفصيل أحكام التّكبير في كتب الفقه ونوجز ذلك فيما يلي: أوّلا: الوجوب، وذلك في تكبيرة الإحرام، إذ لا تنعقد الصّلاة بدونها لأنّها ركن منها «١» ، أمّا تكبير الخفض للرّكوع والسّجود والرّفع من السّجود فالمشهور من مذهب أحمد أنّه واجب، وعنه أيضا أنّه غير واجب وهو مذهب أكثر الفقهاء «٢» . ثانيا: التّكبير في الأذان والإقامة سنّة مؤكّدة، لأنّ الأذان والإقامة كذلك، وقال قوم هو فرض كفاية «٣» . ثالثا: التّكبير في أيّام التّشريق مستحبّ، والظّاهر أنّه لا يختصّ بوقت دون وقت، ولقد قصره بعضهم على أعقاب الصّلوات، ومنهم من خصّ ذلك بالمكتوبات دون النّوافل، ومنهم من خصّه بالرّجال دون النّساء، وبالجماعة دون المنفرد، وبالمؤدّاة دون المقضيّة، وبالمقيم دون المسافر «٤» . رابعا: التّكبير في صلاة العيدين يأخذ حكم الصّلاة ذاتها وهي فرض كفاية، أمّا إظهار التّكبير في ليلتي العيد فهو مستحبّ، وفي عيد الفطر أكثر، لقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (البقرة/ ١٨٥) ، وقيل: والتّكبيرات في العيدين سنّة وليس بواجب «٥» (على الكفاية) . خامسا: التّكبير في الجنازة ركن من أركانها (وهي لا تنعقد بدونه) . سادسا: التّكبير في الطّواف، وعند رمي الجمار من السّنن، ومن لم يكبّر فلا شيء عليه «٦» . سابعا: التّكبير في المواطن الأخرى الّتي ذكرناها قبلا من قبيل السّنن الّتي يثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها إلّا إذا صحب ذلك رفض للسّنّة ورغبة عنها. [للاستزادة: انظر صفات: التسبيح- التهليل الحمد- الحوقلة- الذكر- الكلم الطيب- الشكر الدعاء. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- الغفلة- اللهو واللعب- اللغو- الكبر والعجب- الشرك] .

стр. 1837

الآيات الواردة في «التكبير» ١- شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) «١» ٢- وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١) «٢» ٣- وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) «٣» ٤- يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) «٤»

стр. 1838

الأحاديث الواردة في (التكبير) ١-* (عن ابن عمر- ﵄: أنّه كان يرمي الجمرة الدّنيا بسبع حصيات يكبّر على إثر كلّ حصاة، ثمّ يتقدّم حتّى يسهل «١» ، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو ويرفع يديه، ثمّ يرمي الوسطى، ثمّ يأخذ ذات الشّمال» ، فيستهلّ ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلا، ثمّ يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثمّ ينصرف فيقول: «هكذا رأيت النّبيّ ﷺ يفعله» ) * «٣» . ٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّه خلق كلّ إنسان من بني آدم على ستّين وثلاثمائة مفصل فمن كبّر الله وحمد الله وهلّل الله، وسبّح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق النّاس أو شوكة أو عظما عن طريق النّاس، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك السّتّين والثّلاثمائة السّلامى؛ فإنّه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النّار» ) * «٤» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لله ملائكة يطوفون في الطّرق يلتمسون أهل الذّكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا هلمّوا إلى حاجتكم، قال: فيحفّونهم بأجنحتهم إلى السّماء الدّنيا، قال فيسألهم ربّهم- وهو أعلم منهم: ما يقول عبادي؟ قال تقول: يسبّحونك ويكبّرونك ويحمدونك ويمجّدونك. قال فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك. قال فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشدّ لك عبادة، وأشدّ لك تمجيدا، وأكثر لك تسبيحا. قال يقول: فما يسألوني؟ قال: يسألونك الجنّة. قال يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربّ ما رأوها. قال: فيقول: فكيف لو أنّهم رأوها؟ قال يقولون: لو أنّهم رأوها كانوا أشدّ عليها حرصا، وأشدّ لها طلبا، وأعظم فيها رغبة. قال: فممّ يتعوّذون؟ قال: يقولون: من النّار. قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا والله يا ربّ ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشدّ منها فرارا وأشدّ لها مخافة، قال: فيقول: فأشهدكم أنّي قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنّما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى جليسهم) * «٥» . ٤-* (عن عاصم بن حميد قال: سألت

стр. 1839

عائشة- ﵂: بأيّ شيء كان يفتتح رسول الله ﷺ قيام اللّيل. فقالت: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، كان إذا قام كبّر عشرا، وحمد الله عشرا، وسبّح عشرا، وهلّل عشرا، واستغفر عشرا، وقال: «اللهمّ اغفر لي واهدني وارزقني وعافني» ويتعوّذ من ضيق المقام يوم القيامة) * «١» . ٥-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ قال: جاء أعرابيّ إلى رسول الله ﷺ ، فقال: علّمني كلاما أقوله. قال: «قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له. الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا. سبحان الله ربّ العالمين. لا حول ولا قوّة إلّا بالله العزيز الحكيم» . قال: فهؤلاء لربّي فما لي؟ قال قل: «اللهمّ اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني» ) * «٢» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: جاء الفقراء إلى النّبيّ ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدّثور من الأموال بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم، يصلّون كما نصلّي ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموالهم يحجّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدّقون. قال: «ألا أحدّثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم، ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه، إلّا من عمل مثله: تسبّحون الله وتحمدون وتكبّرون خلف كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين» ، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبّح ثلاثا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبّر أربعا وثلاثين، فرجعت إليه، فقال: «تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر حتّى يكون منهنّ كلّهنّ ثلاث وثلاثون» ) * «٣» . ٧-* (عن عتبان بن مالك- ﵁ وهو ممّن شهد بدرا، قال: كنت أصلّي لقومي ببني سالم، وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت الأمطار فيشقّ عليّ اجتيازه قبل مسجدهم، فجئت رسول الله ﷺ فقلت له: إنّي أنكرت بصري، وإنّ الوادي الّذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشقّ عليّ اجتيازه، فوددت أنّك تأتي فتصلّي من بيتي مكانا أتّخذه مصلّى. فقال رسول الله ﷺ : «سأفعل» ، فغدا عليّ رسول الله ﷺ وأبو بكر- ﵁ بعد ما اشتدّ النّهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له، فلم يجلس حتّى قال: «أين تحبّ أن أصلّي من بيتك» ؟، فأشرت له إلى المكان الّذي أحبّ أن أصلّي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبّر وصففنا وراءه فصلّى ركعتين ثمّ سلّم وسلّمنا حين سلّم. فحبسته على خريز «٤» يصنع له، فسمع أهل الدّار رسول الله ﷺ في بيتي، فثاب رجال منهم حتّى كثر الرّجال في البيت، فقال رجل: ما فعل مالك؟ لا أراه. فقال رجل منهم: ذلك منافق لا يحبّ الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : «لا تقل ذلك؛؛ ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» فقال: الله ورسوله أعلم، أمّا نحن

стр. 1840

فو الله ما نرى ودّه ولا حديثه إلّا إلى المنافقين. قال رسول الله ﷺ : «فإنّ الله قد حرّم على النّار من قال: لا إله إلّا الله يبتغي بذلك وجه الله» ) * «١» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشّمس» ) * «٢» . ٩-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله: يا آدم، فيقول: لبّيك وسعديك والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النّار، قال: وما بعث النّار؟، قال: من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فذاك حين يشيب الصّغير، وتضع كلّ ذات حمل حملها، وترى النّاس سكرى وما هم بسكرى، ولكنّ عذاب الله شديد» . فاشتدّ ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أيّنا ذلك الرّجل؟ قال: «أبشروا، فإنّ من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل» . ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده، إنّي لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنّة» ، قال: فحمدنا الله وكبّرنا، ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده، إنّي لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنّة، إنّ مثلكم في الأمم كمثل الشّعرة البيضاء في جلد الثّور الأسود، أو كالرّقمة في ذراع الحمار» ) * «٣» . ١٠-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا قفل من غزو أو حجّ أو عمرة يكبّر على كلّ شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثمّ يقول: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير، آيبون تائبون عابدون لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» ) * «٤» . ١١-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبّر ثلاثا، ثم قال: «سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين «٥» ، وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون، اللهمّ إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهمّ هوّن علينا سفرنا هذا واطو عنّا بعده، اللهمّ أنت الصّاحب في السّفر والخليفة في الأهل، اللهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء «٦» السّفر وكآبة «٧» المنظر وسوء المنقلب «٨» في المال والأهل» ، وإذا رجع قالهنّ: وزاد فيهنّ: «آيبون، تائبون، عابدون، لربّنا حامدون» ) * «٩» . ١٢-* (عن ابن جبير بن مطعم عن أبيه أنّه رأى رسول الله ﷺ يصلّي صلاة، فقال: «الله أكبر

стр. 1841

كبيرا، الله أكبر كبيرا، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا» ثلاثا «أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم من نفخه ونفثه وهمزه» قال: نفثه الشّعر، ونفخه الكبر، وهمزه الموتة) * «١» . ١٣-* (سئل ابن عبّاس- ﵄ عن استسقاء رسول الله ﷺ فقال: إنّ رسول الله ﷺ خرج متبذّلا متواضعا متضرّعا حتّى أتى المصلّى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير، وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد) * «٢» . ١٤-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقيت إبراهيم ليلة أسري بي فقال: يا محمّد أقرأ أمّتك منّي السّلام، وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة عذبة الماء، وأنّها قيعان، وأنّ غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر» ) * «٣» . ١٥-* (عن أبي محذورة- ﵁ أنّ نبيّ الله ﷺ علّمه هذا الأذان: الله أكبر، الله أكبر، أشهد ألّا إله إلّا الله، أشهد ألّا إله إلّا الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، أشهد أنّ محمّدا رسول الله، حيّ على الصّلاة (مرّتين) ، حيّ على الفلاح (مرّتين) . زاد إسحاق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلّا الله) * «٤» . ١٦-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ إذا قال المؤذّن: الله أكبر، الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثمّ قال: أشهد ألّا إله إلّا الله. قال (أحدكم) : أشهد ألّا إله إلّا الله. ثمّ قال (المؤذّن) أشهد أنّ محمّدا رسول الله. قال: أشهد أنّ محمّدا رسول الله. ثمّ قال (المؤذّن) : حيّ على الصّلاة. قال (أحدكم) : لا حول ولا قوّة إلّا بالله. ثمّ قال: حيّ على الفلاح. قال: لا حول ولا قوّة إلّا بالله. ثمّ قال: الله أكبر، الله أكبر. قال (أحدكم) : الله أكبر، الله أكبر. ثمّ قال: لا إله إلّا الله. قال (أحدكم) : لا إله إلّا الله، من قلبه دخل الجنّة) * «٥» . ١٧-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام للصّلاة، رفع يديه حتّى تكون حذو منكبيه، ثمّ كبّر فإذا أراد أن يركع فعل مثل ذلك، وإذا رفع من الرّكوع فعل مثل ذلك «٦» ، ولا يفعله حين يرفع رأسه من السّجود) * «٧» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصّلاة يكبّر حين يقوم، ثمّ يكبّر حين يركع ثمّ يقول: «سمع الله لمن حمده» حين

стр. 1842

يرفع صلبه من الرّكوع، ثمّ يقول وهو قائم: «ربّنا ولك الحمد» ، ثمّ يكبّر حين يهوي ساجدا، ثمّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمّ يفعل مثل ذلك في الصّلاة كلّها حتّى يقضيها، ويكبّر حين يقوم من المثنى «١» بعد الجلوس) * «٢» . ١٩-* (عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ قالت: خسفت الشّمس في حياة رسول الله ﷺ ، فخرج النّبيّ ﷺ إلى المسجد. فقام وكبّر وصفّ النّاس «٣» وراءه، فاقترأ رسول الله ﷺ قراءة طويلة، ثمّ كبّر فركع ركوعا طويلا، ثمّ رفع رأسه فقال: «سمع الله لمن حمده، ربّنا! ولك الحمد» ثمّ قام فاقترأ قراءة طويلة، هي أدنى من القراءة الأولى، ثمّ كبّر فركع ركوعا طويلا، هو أدنى من الرّكوع الأوّل، ثمّ قال: «سمع الله لمن حمده، ربّنا! ولك الحمد» ، ثمّ سجد (ولم يذكر أبو الطّاهر: ثمّ سجد) ثمّ فعل في الرّكعة الأخرى مثل ذلك. حتّى استكمل أربع ركعات، وأربع سجدات، وانجلت الشّمس، قبل أن ينصرف، ثمّ قام فخطب النّاس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال!: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموها فافزعوا إلى الصّلاة» ... الحديث) * «٤» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ نعى للنّاس النّجاشيّ في اليوم الّذي مات فيه، فخرج بهم إلى المصلّى، وكبّر أربع تكبيرات) * «٥» . ٢١-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: غدونا مع رسول الله ﷺ من منّى إلى عرفات، منّا الملبّي ومنّا المكبّر) * «٦» . ٢٢-* (عن أبي رافع- ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ أذّن في أذن الحسن بن عليّ حين ولدته فاطمة بالصّلاة) * «٧» . ٢٣-* (عن أنس- ﵁ قال: ضحّى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، قال: ورأيته يذبحهما بيده ورأيته واضعا يديه على صفاحهما، قال: ثمّ سمّى وكبّر «٨» . وفي رواية، ويقول: «بسم الله، الله أكبر» . ٢٤-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: كان النّبيّ ﷺ وجيوشه إذا علوا الثّنايا كبّروا وإذا هبطوا سبّحوا) *» . ٢٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ

стр. 1843

رجلا قال: يا رسول الله، إنّي أريد أن أسافر فأوصني. قال: «عليك بتقوى الله، والتّكبير على كلّ شرف «١» » ) * «٢» . ٢٦-* (عن عكرمة عن ابن عبّاس- ﵃ قال: طاف النّبيّ ﷺ بالبيت على بعير، كلّما أتى الرّكن أشار إليه بشيء كان عنده وكبّر) * «٣» . ٢٧-* (عن أنس- ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ ونحن معه بالمدينة- الظّهر أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثمّ بات بها حتّى أصبح، ثمّ ركب حتّى (إذا) استوت به على البيداء حمد الله وسبّح وكبّر، ثمّ أهلّ بحجّ أو عمرة، وأهلّ النّاس بهما، فلمّا قدمنا أمر النّاس فحلّوا، حتّى كان يوم التّروية أهلّوا بالحجّ، قال: ونحر النّبيّ ﷺ بدنات بيده قياما، وذبح رسول الله ﷺ بالمدينة كبشين أملحين) * «٤» . ٢٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كان يعلم انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتّكبير) * «٥» . ٢٩-* (عن عائشة- ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كان يكبّر في الفطر والأضحى، في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثّانية خمسا) * «٦» . ٣٠-* (عن أنس- ﵁ قال: صبّح النّبيّ ﷺ خيبر وقد خرجوا بالمساحي «٧» على أعناقهم، فلمّا رأوه قالوا: محمّد والخميس «٨» ، محمّد والخميس، فلجأوا إلى الحصن، فرفع النّبيّ ﷺ يديه وقال: «الله أكبر، خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، وأصبنا حمرا فطبخناها، فنادى منادي الرّسول ﷺ : إنّ الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر، فأكفئت القدور بما فيها) * «٩» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (التكبير) ٣١-* (عن عبد الله الهوزنيّ قال: لقيت بلالا مؤذّن رسول الله ﷺ بحلب، فقلت: يا بلال، حدّثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ ؟ ... الحديث. وفيه: «فبات رسول الله ﷺ في المسجد وقصّ الحديث، حتّى إذا صلّى العتمة- يعني من الغد- دعاني فقال: ما فعل الّذي قبلك» قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله، فكبّر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك ... الحديث) * «١٠» .

стр. 1844

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التكبير) ١-* (عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ النّبيّ ﷺ كان يعلّم أهله هذه الآية وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (الإسراء/ ١١١) الصّغير من أهله والكبير) * «١» . ٢-* (عن داود بن قيس قال: سمعت زيد ابن أسلم يقول: قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ (البقرة/ ١٨٥) قال: إذا رؤي الهلال فالتّكبير من حين يرى الهلال حتّى ينصرف الإمام في الطّريق وفي المسجد، إلّا أنّه إذا حضر الإمام فلا يكبّر إلّا بتكبيره) * «٢» . ٣-* (أخبر ابن المبارك قال: سمعت سفيان (الثّوريّ) يقول: قوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ قال: «بلغنا أنّه التّكبير يوم الفطر) * ٣. ٤-* (كان ابن عبّاس يقول: حقّ على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوّال أن يكبّروا الله حتّى يفرغوا من عيدهم؛ لأنّ الله تعالى ذكره يقول: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ) * ٤. ٥-* (قال ابن زيد: «ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلّى كبّروا فإذا جلسوا كبّروا فإذا جاء الإمام صمتوا فإذا كبّر الإمام كبّروا ولا يكبّرون إذا جاء الإمام إلّا بتكبيره حتّى إذا فرغ وانقضت الصّلاة فقد انقضى العيد) * ٥. ٦-* (قال عبد الرّحمن بن زيد: والجماعة عندنا على أن يغدوا بالتّكبير إلى المصلّى) * ٦. ٧-* (قال الإمام الطّبريّ: قوله تعالى ذكره: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ معناه ولتعظّموا الله بالذّكر له بما أنعم عليكم به من الهداية. والذّكر الّذي حضّهم الله على تعظيمه به هو التّكبير يوم الفطر) * ٧. ٨-* (وقال الإمام النّيسابوريّ: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي ولتعظّموه على ما هداكم إلى عالم الوصال بتجلّي صفات الجمال ولعلّكم تشكرون نعمة الوصال بتنزيه ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم والخيال) * «٨» . ٩-* (كان القرظيّ يقول في هذه الآية الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ... قال: إنّ اليهود والنّصارى قالوا اتّخذ الله ولدا، وقالت العرب لبّيك لا شريك لك إلّا شريكا هو لك، وقال الصّابئون والمجوس لولا أولياء الله لذلّ الله فأنزل الله وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً أي كبّره أنت يا محمّد على ما يقولون تكبيرا) * «٩» . ١٠-* (عن أبي قلابة- ﵁ أنّه

стр. 1845

رأى مالك بن الحويرث، إذا صلّى كبّر، ثمّ رفع يديه، وإذا أراد أن يركع رفع يديه، وإذا رفع رأسه من الرّكوع رفع يديه وحدّث أنّ رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك) * «١» . ١١-* (عن عبد الرّحمن بن يزيد- ﵁ قال: رمى عبد الله بن مسعود جمرة العقبة، من بطن الوادي، بسبع حصيات يكبّر مع كلّ حصاة) * «٢» . ١٢-* (عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن- ﵁ أنّ أبا هريرة- ﵁ كان يصلّي لهم فيكبّر كلّما خفض أو رفع، فلمّا انصرف قال: والله إنّي لأشبهكم برسول الله ﷺ * «٣» . ١٣-* (قال النّوويّ- رحمه الله تعالى- في باب ما يقرأ في صلاة الجنازة: يكبّر أربع تكبيرات، يتعوّذ «٤» بعد الأولى، ثمّ يقرأ بالفاتحة أمّ الكتاب، ثمّ يكبّر الثّانية، ثمّ يصلّي على النّبيّ ﷺ ، ثمّ يكبّر الثّالثة ويدعو للميّت، ثمّ يكبّر الرّابعة، ويدعو ... ) * «٥» . من فوائد (التكبير) إنّ للتّكبير بمعنييه أي- قول «الله أكبر» أو تعظيم المولى سبحانه بما يليق بجلاله وكماله- كلّ فوائد الذّكر (انظر فوائد صفة الذكر) ولا يمنع هذا أن يكون للتّكبير- بوصفه نوعا خاصّا من الذّكر- فوائد خاصّة به يمكن استنباطها من جملة الأحاديث الواردة فيه. فمن ذلك: (١) أنّ التّكبير في العيدين وعند القفول من الغزو أو الحجّ أو العمرة يظهر فرح المسلمين وفيه شكر للخالق- . (٢) أنّ التّكبير من دواعي إجابة الدّعاء وخاصّة في الاستسقاء. (٣) «الله أكبر» من غراس الجنّة فمن سرّه أن يرى ذلك في الآخرة فعليه بذلك في الدّنيا. (٤) التّكبير (مع التّسبيح والتّحميد والتّمجيد) مدعاة لأن تحفّ الملائكة بصاحبه ويباهي الله به هؤلاء الملائكة. (٥) التّكبير يزحزح صاحبه عن النّار. (٦) في التّكبير عند رمي الجمار اتّباع لسنّة المصطفى ﷺ . (٧) التّكبير عقب الصّلاة ثلاثا وثلاثين يجعل صاحبه ممّن يدرك من سبقه ولا يلحق به من بعده في الأجر إلّا من فعل مثله. (٨) التّكبير من أساليب التّعجّب، والإعجاب عند المسلمين.

стр. 1846

تكريم الإنسان الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩٦/ ٢٤/ ٢٣ التكريم لغة: مصدر قولهم: كرّمته أكرّمه، وهو مأخوذ من مادّة (ك ر م) الّتي تدلّ على معنيين: أحدهما: شرف الشّيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق، يقال: رجل كريم، ونبات كريم، وأكرم الرّجل: إذا أتى بأولاد كرام، واستكرم: اتّخذ عرقا كريما. والكرم في الخلق: يقال: هو الصّفح عن ذنب المذنب. والآخر: الكرم، وهو القلادة، وسمّي العنب كرما لأنّه مجتمع الشّعب، منظوم الحبّ «١» . ومن المعنى الأوّل أخذ تكريم الإنسان في معنى تشريفه وتعظيم شأنه. وذكر الرّاغب الفضل والفضيلة من معاني الكرم، وأنّ من ذلك قوله تعالى في سورة الإسراء: ... أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ وفيها أيضا: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ... «٢» . وقال الجوهريّ: التّكريم والإكرام بمعنى (واحد) ، والاسم منه الكرامة «٣» . وجاء في القاموس: يقال أكرمه وكرّمه: عظّمه ونزّهه. والكريم: الصّفوح، ورجل مكرام: مكرم للنّاس، وله عليّ كرامة أي عزازة. واستكرم الشّيء: طلبه كريما، أو وجده كريما، وتكرّم عنه وتكارم: تنزّه. والمكروم، والمكرمة، والأكرومة: فعل الكرم، وكرّم السّحاب تكريما كثر ماؤه، والكريمان: الحجّ والجهاد، ومنه قوله ﷺ «خير النّاس مؤمن بين كريمين» قيل معناه: بين فرسين يغزو عليهما، أو بعيرين يستقى عليهما «٤» ، وقال ابن الأثير معنى الحديث: بين أبوين مؤمنين، وقيل بين أب مؤمن هو أصله، وابن مؤمن هو فرعه، والكريم: هو الّذي كرّم نفسه عن التدنّس بشيء من مخالفة ربّه، والتّكرمة: الموضع الخاصّ لجلوس الرّجل من فراش أو سرير ممّا يعدّ لإكرامه، وهي (على وزن) تفعلة من الكرامة «٥» . والمكارمة: أن تهدي لإنسان شيئا ليكافئك عليه، وهي مفاعلة من الكرم «٦» . أمّا الكريم فهو الجامع لأنواع الخير والشّرف والفضائل، ويقال: تكرّم فلان عمّا يشينه: إذا تنزّه وأكرم نفسه عن الشّائنات، والمكرّم المتكرّم على كلّ أحد، والتّكرّم (أيضا) تكلّف الكرم، قال: المتلمّس: تكرّم لتعتاد الجميل، ولن ترى ... أخا كرم إلّا بأن يتكرّما وكريمة القوم، كريمهم وشريفهم، الهاء «٧» فيه للمبالغة، وفي الحديث: إذا أتاكم كريمة قوم فأكرموه» «٨» .

стр. 1847

الكريم من أسماء المولى وصفاته: قال الغزاليّ: الكريم: هو الّذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفّى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرّجاء، ولا يبالي كم أعطى، ولا من أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جفي عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذبه والتجأ، ويغنيه عن الوسائل والشّفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكلّف فهو الكريم المطلق وذلك هو الله تعالى، فقط «١» . تكريم الإنسان اصطلاحا: قال القرطبيّ ما خلاصته: تكريم الإنسان هو ما جعله الله له من الشّرف والفضل وهذا هو كرم نفي النقصان لا كرم المال «٢» . وقال الطّبريّ: تكريم الإنسان (بني آدم) هو تسليط الله إيّاهم على غيرهم من الخلق، وتسخيره سائر الخلق لهم «٣» . وقال ابن كثير: تكريم الله للإنسان يتجلّى في خلقه له على أحسن الهيئات وأكملها وفي أن جعل له سمعا وبصرا وفؤادا، يفقه بذلك كلّه وينتفع به ويفرّق بين الأشياء ويعرف منافعها وخواصّها ومضارّها في الأمور الدّينيّة والدّنيويّة «٤» . وقال أبو حيّان: تكريم بني آدم: جعلهم ذوي كرم بمعنى الشّرف والمحاسن الجمّة، كما تقول: ثوب كريم وفرس كريم أي جامع للمحاسن وليس من كرم المال (في شيء) . وقال- ﵀ وما جاء عن أهل التّفسير من تكريمهم وتفضيلهم بأشياء ذكروها هو على سبيل التّمثيل لا الحصر في ذلك «٥» . أنواع التكريم: للتّكريم أنواع عديدة يمكن تلخيصها في أمور ثلاثة هي: تكريم الله للإنسان، وتكريم الإنسان لنفسه، وتكريم الإنسان لأخيه الإنسان. أولا: تكريم الله للإنسان: لتكريم الله للإنسان صور عديدة لا يمكن إحصاؤها نذكر منها مايلي:- ١- اختصّ الله الإنسان بأن خلقه بيديه إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ* فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (ص/ ٧١- ٧٤) . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (السجدة/ ٩) . وهذا يدلّ على علوّ مكانة الرّوح الّتي حلّت في الإنسان وأنّ لها منزلة سامية، وكرّمه بذلك الاستقبال الفخم الّذي استقبله به الوجود، وبذلك الموكب الّذي تسجد فيه الملائكة ويعلن فيه الخالق جلّ شأنه تكريم هذا الإنسان، بقوله عزّ من قائل: ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (الأعراف/ ١١) . ٢- الصّورة الحسنة، مصداق ذلك قوله تعالى وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ* (التغابن/ ٣) . والقامة المعتدلة، كما قال لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي

стр. 1848

أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التين/ ٤) «١» . والأكل باليدين والعمل بهما، وذلك لا يستطيعه غالب الحيوان. وتكريم الله للإنسان بهدايته هداية عامّة بما جعل فيه بالفطرة، من المعرفة وأسباب العلم.. ففي كلّ أحد ما يقتضي معرفته بالحقّ ومحبّته له، وقد هداه ربّه إلى أنواع من العلم يمكنه أن يتوصّل بها إلى سعادة الدّنيا والآخرة، وجعل في فطرته محبّة لذلك مصداق ذلك قوله تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ (الرحمن/ ٣- ٤) ، وقوله تعالى وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (البلد/ ١٠) (والنّجدان هما الخير والشّرّ) «٢» . ٤- ومنحه العقل والنّطق والتّمييز (لأنّ الإنسان يمكنه أن يعرّف غيره كلّ ما عرفه) بخلاف سائر الحيوان، كما قال الرَّحْمنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ* عَلَّمَهُ الْبَيانَ (الرحمن/ ١- ٤) . وبهذا تمكّن الإنسان من معرفة الخطّ (الكتابة) إذ به يقدر الإنسان على إيداع العلوم الّتي استنبطها هو أو غيره الدّفاتر فتبقى على وجه الأرض مصونة من الاندراس، محفوظة عن الانطماس، مصداق ذلك قوله سبحانه اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (العلق/ ٣، ٤) . وبذلك كرّم الله الإنسان بهذه الفطرة الّتي تجمع بين الطّين والنّفخة. وكرّمه بالاستعدادات الّتي أودعها فطرته فاستأهل بها الخلافة في الأرض. تكريم الله للإنسان بتسخير ما في السماء والأرض: ٥- بعد أن خلق الله الإنسان أكرمه بالنّعم العظيمة الّتي لا تعدّ ولا تحصى لقوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها (إبراهيم/ ٣٤) ، ومن هذه النّعم تسخير ما في السّماء الأرض ليرزقه بها، وهو القائل: وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (الأنبياء/ ١٦) ، وقد سأل الله الإنسان عن ذلك بقوله تعالى: هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ (فاطر/ ٣) «٣» ، وقوله: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ (يونس/ ٣١) . ومن هذه النّعم إنزال الله الماء من السّماء وخلق منه كلّ شيء حيّ لقوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (الأنبياء/ ٣٠) ، وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ (الزمر/ ٢١) ، وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ (البقرة/ ٢٢) . لقد سخّر الله للإنسان- تكريما له- ملكوت السّموات بما تشتمل عليه من نجوم وشموس وأقمار وجعل في نظامها البديع ما ينفع الإنسان من تعاقب اللّيل والنّهار واختلاف في الفصول ودرجات الحرارة ونحو ذلك، قال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (النحل/ ١٢) ، وقال تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الجاثية/ ١٣) . والمراد بهذا التّسخير هو تمكين الله- الإنسان من أن يستخدم

стр. 1849

ما خلقه الله في تطبيقات عمليّة نافعة له في مجالات حياته المختلفة دون ثمن يدفعه مقابل ذلك، مثل استخدامه لضياء الشّمس ودفئها، ومعرفته السّنين والحساب بدوران هذه الأفلاك حول نفسها من ناحية وحول بعضها من ناحية أخري، قال تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (يس/ ٤٠) ، وقال تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ (يونس/ ٥) ، وبمنازل القمر قدّر الأيّام والشّهور الّتي يحسب بها عمر الإنسان على الأرض، فقال : وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (غافر/ ٦٧) ، وقدّر بها فصول السّنة الّتي تحكم محاصيله الزّراعّية وأمورا عديدة أخرى تعينه على حياته فقال عزّ من قائل: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (الإسراء/ ١٢) ، وخلق الله النّجوم والكواكب وأشار إلى عظمتها بقوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (الواقعة/ ٧٥- ٧٦) ، فكانت مواقع النّجوم هي وسيلة الإنسان الّتي يهتدي بها إلى الاتّجاهات المختلفة لقوله تعالى: وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (النحل/ ١٦) . وبها نحدّد جهة القبلة، وهذه كلّها نعم في السّماء خلقها الله وسخّرها للإنسان تكريما له. ٦- وكرّم الله الإنسان بتفضيله على كثير من خلقه فقال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (الإسراء/ ٧٠) وكرّم الله بني الإنسان بتسليطهم على ما في الأرض وتسخيره لهم بقوله : وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (الرحمن/ ١٠) . وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ (البقرة/ ٢٢) . وحملهم في البرّ والبحر ورزقهم من كلّ غذاء نباتيّ أو حيوانيّ ألطفه وألذّه، لقوله تعالى لهم: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً (البقرة/ ٢٩) . ٧- ومن التّكريم تحميل الإنسان الأمانة ونفي الجبر عنه وإعطاؤه الحرّيّة كاملة، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (الأحزاب/ ٧٢) ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (النجم/ ٣٩) ، كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (الطور/ ٢١) . وبهذا تحمّل الإنسان مسئوليّته عن نفسه كأمانة وهو مسئول عنها، ويكمن فيها عنصر التّكليف بحمايتها وصيانتها وتكريمها كفرد وأسرة ومجتمع. وبهذا التكريم يكون الإنسان قيّما على نفسه، محتملا تبعة اتّجاهه وعمله، وهذه هي الصّفة الأولى الّتي كان بها الإنسان إنسانا: حرّيّة الاتّجاه، وفرديّة التّبعة، وبهذه الحرّيّة استخلف في دار العمل، ومن العدل أن يلقى جزاء اتّجاهه وثمرة عمله في دار الحساب. تكريم الله للإنسان بمحبته له وهدايته إياه بإرسال الرسل- عليهم الصلاة والسلام -: ٨- من أجلّ مظاهر التّكريم من المولى للإنسان

стр. 1850

أن أرسل الرّسل لهداية الخلق ودعاهم لما يحييهم وضمن لهم الفوز في الدّنيا والآخرة، وجعل خاتمهم محمّدا ﷺ ، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (الأنفال/ ٢٤) ، فكان من أعظم النّعم الّتي أنعم الله بها على الإنسان تكريما له نعمة الإسلام ونعمة الإيمان ونعمة الإحسان، وأن هدانا الله إليها، فقال عزّ من قائل: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (طه/ ١٢٣) ، وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ (الأعراف/ ٤٣) . وأرسل لنا خاتم الأنبياء والمرسلين محمّدا ﷺ برسالته العالميّة لتكريم البشر جميعا، فقال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (الأعراف/ ١٥٨) ، وقال عزّ من قائل: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً (سبأ/ ٢٨) . وقال : قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (المائدة/ ١٥- ١٦) ، ومن مظاهر هذا التّكريم حصر مظاهر شرف الإنسان في العبوديّة لله وحده، وتحريره من عبادة الأصنام والأوثان والبشر، وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (النحل/ ٣٦) . ومن ذلك جعل التّقوى هي المعيار الأساسي الّذي يتفاضل به بنو البشر وليس الجنس أو اللّون أو المال ونحو ذلك، يقول الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (الحجرات/ ١٣) . حب الله للإنسان وذكره في الملأ الأعلى: ٩- ومن أروع مظاهر تكريم المولى سبحانه للإنسان، أن جعله أهلا لحبّه ورضاه، وأرشده في القرآن الكريم إلى ما يجعله خليقا بهذا الحبّ، وأوّل ذلك اتّباع رسول الله ﷺ فيما دعا النّاس إليه كي يحيوا حياة طيّبة في الدّنيا ويظفروا بالنّعيم المقيم في الآخرة، فقال عزّ من قائل قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وقد أشار المولى إلى ثمرة هذا الاتّباع وما أحلاها من ثمرة، ألا وهي التّمتّع بخيري الدّنيا والآخرة، مصداق ذلك قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (النحل/ ٩٧) ومن تلك المظاهر الّتي يحيا بها البشر، وينعم بها المجتمع الإنسانيّ، وتجلب رضا الله وحبّه ما نصّت عليه الآيات الكريمة الّتي أعلنت هذا الحبّ الإلهيّ بكلّ وضوح: (١) للمحسنين، وذلك قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة/ ١٩٥) . وقد ورد إعلان هذا الحبّ في أربعة مواضع أخرى من الذّكر الحكيم «١» . (٢) للمتّقين، وذلك قوله : فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (آل عمران/ ٧٦) ، وجاء مثل ذلك في موضعين آخرين من القرآن الكريم «٢» . (٣) للمقسطين، وذلك في قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (المائدة/ ٤٢) ، وجاء إعلان هذا الحبّ لأهل العدل والإنصاف في موضعين آخرين «٣» . (٤) للمتطهّرين وذلك كما في قوله سبحانه وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (البقرة/ ٢٢٢) ، وقوله عزّ من

стр. 1851

قائل وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (التوبة/ ١٠٨) . (٥) للصّابرين، وذلك قوله سبحانه وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (آل عمران/ ١٤٦) . (٦) للمتوكّلين، وقد جاء ذلك في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران/ ١٥٩) . (٧) للتّوابين، وقد جاء ذلك في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ (البقرة/ ٢٢٢) . (٨) للمجاهدين المتوحّدي الصّفوف، وذلك كما في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (الصف/ ٤) «١» . أمّا ذكره سبحانه للإنسان في الملأ الأعلى فقد جاء في القرآن الكريم في قوله عزّ من قائل فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (البقرة/ ١٥٢) ، كما جاء ذلك في الحديث القدسيّ الّذي رواه أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله : أنا عند ظنّ عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأهم خير منهم، وإن تقرّب منّي شبرا تقرّبت إليه ذراعا، وإن تقرّب إليّ ذراعا تقرّبت منه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة «٢» » «٣» . معية الله للإنسان: ١٠- ومن أجل مظاهر تكريمه للإنسان تقريبه منه ومعيّته له ويتجلّى هذا القرب في قوله تعالى: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ (البقرة/ ١٨٦) ، أمّا معّيته سبحانه فإنّها تتحقّق في مظاهر عديدة منها: أ- معيّة المراقبة، وذلك كما في قوله تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ (الحديد/ ٤) ، وقوله سبحانه (لبني إسرائيل) وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (المائدة/ ١٢) . ب- معيّة النّصرة والتّأييد والهداية وذلك كما جاء على لسان سيّدنا إبراهيم ﵇ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (الشعراء/ ٦٢) ، وكقوله سبحانه لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (طه/ ٤٦) ، وكما جاء على لسان الرّسول الخاتم محمّد ﷺ لأبي بكر، في قوله تعالى لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا (التوبة/ ٤٠) . وهذه المعيّة ليست قاصرة على الأنبياء وحدهم وإنّما تشمل المؤمنين الطّائعين أيضا، مصداق ذلك قوله تعالى للمؤمنين وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (محمد/ ٣٥) . ج- معيّة التّوفيق والمحبّة، وقد جعلها الله تعالى للمتّقين والصّابرين وأهل الإحسان فقال وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ* (البقرة/ ١٩٤) (ومثلها في التوبة/ ٣٦، ١٢٣) ، وقال عزّ من قائل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (البقرة/ ١٥٣) (ومثل ذلك في البقرة/ ٢٤٩، والأنفال/ ٣٦) ، أمّا معّية الله للمحسنين فقد أثبتها الذّكر الحكيم في موضعين: قوله

стр. 1852

عزّ وجلّ (في النحل/ ١٢٨) : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (العنكبوت/ ٦٩) . حفظ الإنسان ورعايته: ١١- ومن مظاهر تكريم الإنسان أن يحظى برعاية الله وحفظه من السّوء، قال تعالى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (الانفطار/ ١) ، وسخّر له الملائكة لحفظه، قال تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (الطارق/ ٤) ، وحفظه من وساوس وإغواء الشّيطان بتمكينه من الاستعاذة بربّ العالمين ليحميه من كيد هذا الشّيطان الرّجيم، يقول الله تعالى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (فصلت/ ٣٦) ، وعلّمنا ربّنا كيف نستعيذ به من الشّيطان ومن كلّ شرّ في المعوّذتين: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «١» . ومن تكريم الله للإنسان المسلم أن جعل في القرآن شفاء لعلل النّفس والجسد وجعله بصائر للنّاس، فقال تعالى: هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ «٢» ، وتتضمّن هذه البصائر القرآنية حقوق الإنسان الشّرعيّة العامّة والخاصّة وتجعلهم يقفون على ما لهم ويعرفون ما عليهم، فيؤدّون الواجبات المتعلّقة بالنّفس وبالغير، وقبل ذلك وبعده ما يجب عليهم من عبادة الواحد القهّار فيحفظون بذلك دينهم وأنفسهم وعقولهم وأموالهم وأعراضهم، كما أرشد القرآن إلى مكارم الأخلاق وحثّ عليها، يقول الله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ (الإسراء/ ٩) . ١٢- تحريم دم الإنسان وماله وعرضه وتشديد النّكير وتغليظ العقوبة على من يفعل ذلك يقول الله : مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً (المائدة/ ٣٢) . وسنّ الله الشّرائع السّماويّة العادلة الرّادعة لحماية هذه النّفس الإنسانيّة لقوله : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة/ ١٧٩) . ١٣- ومن تكريم الإنسان في الإسلام إعطاء حقّ المساواة لكلّ فرد مع الاخرين، فلا يتفاضل أحد على أحد إلّا بالتّقوى والعمل الصّالح إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ (الحجرات/ ١٣) ، وبهذا الحقّ يتساوى النّاس جميعا في تطبيق أحكام الشّرع الحنيف، ويحصلون جميعا على فرص متكافئة في العمل والتّعليم والعلاج ونحو ذلك، لا فرق بين غنيّ وفقير وشريف ووضيع، وقويّ وضعيف، وعربيّ وعجميّ، وفي ظلّ مجتمع المساواة يسود الإنصاف وتعمّ العدالة وتنتشر الألفة، ويتلاشى الكبر، ولا أدلّ على ذلك من هذا التّطبيق العمليّ المتمثّل في فرائض الصّلاة والصّيام والحجّ حيث يقف المصلّون والصّائمون والحجّاج جميعا أمام الله سواء. ١٤- وأخيرا يأتي التّكريم الأعظم في الاخرة بما أعدّه الله للطّائعين من الكرامة في دار المقام حيث يدخلهم الجنّة يتمتّعون فيها بنضرة النّعيم ويحظون بالرّضوان والفضل العظيم، وقال تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ

стр. 1853

مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (التوبة/ ٧٢) . ثانيا: تكريم الإنسان لنفسه: أ- بالعلم والمعرفة: ١- إنّ الإنسان إذا علم أنّه مكرّم من الله ، وأنّ من تكريم الله له قربه منه ومعيّته له فإنّ أبسط مظاهر تكريمه لنفسه أن يعمل عقله وقلبه وجوارحه بأن يتفكّر ويتأمّل ويتدبّر في ملكوت الله ونعمه الّتي لا تعدّ ولا تحصى، فمتى ما تعلّم المرء كيف يقرأ باسم ربّه الكريم كرّم فكره وقلبه بمعرفة الله في كلّ شيء يراه، قال تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (الزمر/ ٩) . ومتى ما أقبل الإنسان بفكره وقلبه على الله بإخلاص ونيّة حسنة أقبل الله عليه وزاده نورا على نور وهداه إلى سبل الخير والتّقوى وفقّهه في الدّين، مصداقا لقوله ﷺ : «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» «١» . فالإنسان يكرّم نفسه بالعلم والمعرفة حتّى يكون أهلا لتكريم الله له، ومن يفعل ذلك وهو مؤمن بالله فيقدّم عملا فكريّا أو ثقافيّا، أو اكتشافا علميّا يثري به الحياة، يلق من النّاس التّكريم والثّناء العطر ومن الله عظيم الجزاء في الدّنيا والآخرة. ب- تكريم الإنسان نفسه بالعبادة والطاعة: من تكريم الإنسان نفسه أن يزكّيها بالعبادة ويطهّرها بالطّاعة، وذلك دون تطرّف أو غلوّ، ذلك أنّ التّيسير والرّفق بالنّفس من الأمور الّتي دعانا إليها القرآن وحثّنا على اتّباعها الرّسول الكريم ﷺ فقال تعالى: يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ... (النساء/ ١٧١) ، وقال ﷺ : «إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق» «٢» ، وإذا فعلنا ذلك كنّا أهلا لمعيّة الله ، ويكون ذلك بالتّقوى والإحسان والصّبر وغيرها من مظاهر الطّاعة، وهذه المعيّة تجعل الإنسان موقنا بأنّ الله رقيب عليه مطّلع على سرّه وعلانيته ومن ثمّ فعليه العمل بموجب ذلك أي بغاية الإخلاص والحياء والخوف والخشية وأن يعبد الله بأقواله وأفعاله كأنّه يراه، وإذا علم أنّ معيّة النّصر والتّأييد لا تكون إلّا للرّسل وأهل الإيمان، فلا شكّ أنّ من تكريمه لنفسه أن يجعلها من أهل هذا الإيمان، ولمّا كانت هذه المعيّة الإيمانيّة تتأكدّ من خلال التّوفيق والمحبّة وأنّ لها شروطها الّتي اقترنت بها، فإنّ الإنسان (المسلم) لابدّ أن يكرّم نفسه بأن يجعلها ممّن تنطبق عليه شروط هذه المعيّة من التّقوى والصّبر والإحسان. أمّا التّقوى وهي الصّفة الأولى الّتي اقترنت بها المعّيّة فالمراد بها العبادة مطلقا، يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة: «واسم التّقوى» إذا أفرد دخل فيه فعل كلّ مأمور به وترك كلّ محظور، ونقل عن ابن حبيب قوله: «التّقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عذاب الله» «٣» . فالتّقوى الّتي تقتضي المعيّة هنا تشمل الطّاعات بأسرها وأنواع العبادة بكاملها من صلاة وصوم وحجّ وغيرها، وقوله على نور من الله تقتضي التّبصّر والتّفكّر والتّدبّر، وهذا يؤدّي إلى العلم والحكمة والمعرفة، أمّا

стр. 1854

رجاء رحمة الله فإنّه يشمل الرّجاء والرّغبة فيما عند الله . وإذا انتقلنا إلى الصّفة الثّانية الّتي اقترنت بالمعيّة فهي الصّبر والصّبر يشمل: صبر على الطّاعة وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله «١» . وأمّا الصّفة الثّالثة الّتي نصّ القرآن على اقترانها بالمعيّة فهي الإحسان، وركنه هو أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك والإحسان بمعناه الشّامل الّذي يتضمّن إحسان العمل مثل الفضل، وكظم الغيظ والإنفاق في سبيل الله، والتّصدّق والزّكاة ونحوها، والإخلاص التّامّ في كلّ ذلك «٢» . من أعمال البرّ والتّقوى، فكلّها أعمال يقوم بها الإنسان ابتغاء الحسنات من الله- ومرضاته تعالى. أمّا أجلّ مظاهر تكريم الإنسان لنفسه فهو جعلها أهلا لحبّ الله ورسوله ﷺ ويكون ذلك بالإيمان بالله أوّلا، ثمّ باتّباع رسوله ﷺ ثانيا، ثمّ بالاستمرار في هذه الأمور الثّلاثة: التّقوى والإحسان والصّبر من ناحية، والعدل والقسط والتّطهّر والتّوكّل والتّوبة والجهاد «٣» من ناحية ثانية، أمّا الأمر الثّالث الّذي يكرّم الإنسان به نفسه ويجعلها أهلا للمعيّة والقرب من الله فهو الذّكر والدّعاء ونحوهما من الاستغفار والاستعانة والحمد والشّكر والثّناء، قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد/ ٢٨) ، ولا يوجد أعظم من هذه الطّمأنينة، وتلك السّكينة اللّتين تمثّلان غاية السّعادة الإنسانيّة، وقد كان المصطفى ﷺ خير من يقتدى به في هذا المجال حيث كان يصبح ذاكرا ويظلّ ذاكرا حتّى يمسي، وكان بذلك الذّكر في معيّة مولاه. ج- تكريم الإنسان نفسه بالحفظ والصيانة والتزكية: على الإنسان الّذي يكرّم نفسه أن يحفظ هذه النّفس الّتي حرّمها الله تعالى بالعفّة والتّطهّر، وأن يصونها عن كلّ ما يدنّسها أو يشينها من الموبقات المهلكة مثل الزّنا واللّواط والخمر والميسر، ونحو ذلك ممّا يذلّ النّفس وينتقص من كرامتها وعزّتها، ناهيك عمّا يؤذي الجسد والعقل من المخدّرات وما في حكمها، إنّ الإنسان بذلك يجعل نفسه في فريق السّعداء في الدّنيا والآخرة. قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ «٤» مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس/ ٩- ١٠) ، المعنى كما يقول ابن تيميّة- ﵀: «قد أفلح من كبّرها وأعلاها بالطّاعة، وخسر من أخفاها وحقّرها وصغّرها بمعصية الله- ، فالطّاعة والبرّ تكبر النّفس وتعزّها وتعليها حتّى تصير أشرف شيء وأكبره، وأزكاه وأعلاه، ويكون ذلك بالإيمان بآيات الله وسننه الكونيّة وآياته العلميّة، فبالتّفكّر والتّدبّر لهذه الآيات، وبالفهم والتّعقّل لآيات القرآن تزكو النّفس وتسمو وتعلو على مدارج هذه الكمالات حتّى تكون مع الأبرار «٥» ، وقد صدق الله العظيم إذ قال: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ* تَعْرِفُ فِي

стр. 1855

وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (المطففين/ ٢٢- ٢٤) . د- الأخذ بالأسباب: على المرء إذا أراد أن يكرّم نفسه أن يصونها عن ذلّ سؤال الخلق، ولا يتأتّى له ذلك إلّا إذا سعى في طلب الرّزق موقنا أنّ الله هو الرّزّاق ذو القوّة المتين وأنّه المتكفّل بذلك مصداقا لقوله تعالى: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ* فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (الذاريات/ ٢٢- ٢٣) ، وإذا فعل ذلك فإنّ عليه أن يرضى بما قسم الله له من الرّزق الحلال، فإذا سعى وكدح ورزق ما قدّر الله له أن يرزقه ورضي بذلك انكسرت حواجز الشّك والقلق، وتخلّص من وساوس الشّيطان وحبّ التّكاثر من أجل استهلاك زائف في دنيا فانية، وأنّه لابدّ ملاق ربّه يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (الانشقاق/ ٦) ، بذلك فقط تصبح نفسه عزيزة بإيمانها، قويّة بعزّتها، لا تغرّها الدّنيا ولا يعميها الطّمع حيث آمنت بقوله تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ (الحديد/ ٢٠) «١» ، واعتقدت بأنّ النّجاح والرّزق بيد الله ، يقول سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ إلى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (الطلاق/ ٢- ٣) ، وقال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً* ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً (الطلاق/ ٤- ٥) . إنّ الارتباط بين التّقوى والتّوكّل وقضاء الله وقدره من ناحية وبين الرّزق من ناحية أخرى كفيل أن يحرّر الإنسان من الخوف من فقدان الرّزق، ذلك أنّ الرّزق قد تكفّل به المولى في قوله تعالى: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها (هود/ ٦) ، وليس على الإنسان إلّا أن يأخذ بالأسباب الّتي أجملتها الاية الكريمة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ويعتقد جازما أنّ الله وحده صاحب الفضل في توفير هذا الرّزق له وتأمينه من الخوف أيّا كان نوعه من مرض أو جوع أو عدوّ أو نحو ذلك، ولا مهرب من ذلك كلّه إلّا بالفرار إلى الله ، قال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (الذاريات/ ٥٠) . إنّ الإنسان الّذي يكرّم نفسه حقّا هو الّذي لا ينسى نصيبه من الدّنيا ولكنّه في الوقت نفسه لا ينسى نصيبه من الاخرة، فالاخرة كما قال تعالى: خَيْرٌ وَأَبْقى (الأعلى/ ١٦) ، وتحصيل نصيب الاخرة يكون بالإنفاق وإخراج الزّكاة والمواساة وإغاثة الملهوف ونحو ذلك، يقول الله ﵎: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا (القصص/ ٧٧) . والخلاصة أنّ الإنسان الّذي يكرّم نفسه هو الّذي يستحقّ التّكريم من الله ومن النّاس، وتكريم النّفس يكون بإعمال قواها العقليّة بالتّفكّر والتّدبّر والتأمّل، وقواها القلبيّة بالحبّ والتّذكّر والإيمان، وقواها البدنيّة بالسّعي للرّزق وبالعبادة والعمل الصّالح، إذ هما وسيلة العبد إلى التّقرّب منه سبحانه، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ

стр. 1856

وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (المائدة/ ٣٥) ، كلّ ذلك تزكية للنّفس وسموّ بها وقد قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس/ ٩- ١٠) . ثالثا: تكريم الإنسان لأخيه الإنسان: نصّ القرآن الكريم في مواضع عديدة على تكريم الإنسان للإنسان بوجه عامّ، وجاءت السّنّة المطّهرة مؤيّدة ومبيّنة هذا التّكريم الّذي يشمل الأناسيّ جميعا، والله القائل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب/ ٢١) واصفا إيّاه ﵊ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم/ ٤) . فشمل ذلك التّكريم الرّجل والمرأة، الصّغير والكبير، الغنيّ والفقير، المريض والسّليم، المسافر والمقيم، القريب والبعيد، الحيّ والميّت، وغير ذلك ممّا يشمله لفظ «إنسان» أو آدميّ، إلّا أنّ القرآن والسّنّة قد أكّدا في غير موضع على أنواع خاصّة من التكريم لأنواع خاصّة من النّاس، اهتماما بها وتذكيرا بما لها من حقوق على المجتمع الإنسانيّ. وعلى رأس قائمة الّذين ينبغي تكريمهم ورعايتهم الوالدين الّذين جعل الله الإحسان إليهما تاليا لعبادته ممّا يدلّ على عظيم شأن البرّ بهما وتكريمهما يقول الله تبارك: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً (الإسراء/ ٢٣) . ويتسّع نطاق هذا التّكريم ليشمل ذوي الأرحام الّذين قال الله فيهم: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ (الأحزاب/ ٦) ، وقال : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (النساء/ ٣٦) . ومن هذا المنطلق الرّحيم ينطلق الإنسان في تكريم أخيه الإنسان بالإحسان إليه، وحسن الظّنّ به، وحسن معاملته، والتّعامل معه بالرّقّة والشّفقة والتّسامح، والتّواصي بالحقّ وبالمرحمة مصداقا لقوله تعالى: ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (البلد/ ١٧) ، وفي دائرة التّواصي بالحقّ تدخل النّصيحة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وفي دائرة المرحمة يدخل الفضل والتّناصر والتّعاون على البرّ والتّقوى، وبهذه الأمور يتحقّق تكريم الإنسان لأخيه الإنسان في أروع صوره وأبهى حلله وما ذلك إلّا لأنّ مبنى حقوق الإنسان الّتي أمرنا أن نتواصى بها قائمة على أنّ الإنسان مكرّم لتكريم الله تعالى له، ومنحه إيّاه ذلك، وذلك التّكريم يرتبط بعبوديّة الإنسان لربّه وإيمانه به «١» . وبهذا الرّباط الإيمانيّ يعدّ المسلمون جميعا إخوة في الدّين، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات/ ١٠) ، وهذه الرّابطة الإيمانيّة تفرض على كلّ منهم الالتزام بعدل الإسلام وسماحته، والبرّ بالنّاس جميعا حتّى ولو خالفونا في الرّأي أو العقيدة ويقول الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (المائدة/ ٨) . إنّ حقوق الإنسان مرتبطة بأداء ما عليه من واجب، وبقدر ما يلتزم من مسئوليّة إزاء حقوق الاخرين، وقد جعل الإسلام للحرّيّة الشّخصيّة

стр. 1857

حدودا لا ينبغي تجاوزها تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها (البقرة/ ٢٢٩) ، وقال : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (الشورى/ ٤٢) ، وبهذا فإنّ الحرّيّة الإسلاميّة ليست اتّباعا للهوى أو جريا وراء الشّهوات وتحقيق المكاسب المادّيّة بالحقّ أو بالباطل، يقول الله ﵎: وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ (القصص/ ٥٠) ، وقال : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف/ ٢٨) ، بل على العكس من ذلك على الإنسان أن يتّبع شريعة الله الحاكمة، قال تعالى: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (الأعراف/ ٣) ، وكما نهى الإسلام الإنسان عن أن يتّبع هواه في الحكم على حقوق الاخرين فإنّه نهي أيضا عن اتّباع هوى الغير من الضّالّين المضلّين، قال تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ* أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (المائدة/ ٤٩- ٥٠) . تكريم المرأة: لقد اتّخذ تكريم المرأة في الإسلام صورا عديدة ومظاهر متنوّعة منها على سبيل المثال: ١- ضرورة المحافظة على حياتها، وقد جاء ذلك عندما نعى القرآن الكريم على عرب الجاهليّة ما كانوا يقدمون عليه من وأدهنّ «١» . يقول تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (التكوير/ ٨- ٩) ، وقد وسم القرآن الكريم هؤلاء الجاهلين بسوء حكمهم وخطأ تقديرهم عند ما كانوا يشعرون بالهوان ويتوارون من الخجل عندما يرزق أحدهم بالبنت فقال عزّ من قائل: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (النحل/ ٥٨- ٥٩) ، ويستنكر إليه مثل هذا التصرّف بقوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ (الأنعام/ ١٤٠) . ٢- إعطاؤها الحقّ كاملا في ممارسة العبادة والحصول على الأجر العظيم والمغفرة من الله إن هي فعلت ما أمر الله ﵎ به، مصداق ذلك قوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (الأحزاب/ ٣٥) . ٣- يسّر الإسلام السّبيل أمام المرأة لتتفرّغ لأجلّ مهمّة في الحياة وهي حفظ النّسل والقيام عليه بالرّعاية والتّعليم والتّربية والتّهذيب وهي كما قال الشّاعر: هي الأخلاق تنبت كالنّبات ... إذا سقيت بماء المكرمات

стр. 1858

تقوم إذا تعهّدها المربّي ... على ساق الفضيلة مثمرات ولم أر للخلائق من محلّ ... يهذّبها كحضن الأمّهات «١» وحتّى تستطيع الأمّ القيام بهذه المهمّة فلا بدّ من أن يتهيّأ لها من يكفل أمر القيام بمعاشها والسّعي على رزقها ورعاية مصالحها، ولذلك فقد ارتبطت قوامة الرّجال على أمور الأسرة بدرجة الرّجولة وبالإنفاق، قال تعالى: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ (النساء/ ٣٤) . ٤- حقّ المعاشرة بالمعروف أو المفارقة بالمعروف، يقول الله تعالى: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (النساء/ ١٩) ، وقال : فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ (الطلاق/ ٢) . ٥- جعل الإسلام للمرأة نصيبا مفروضا في تركة الرّجل سواء أكانت هذه المرأة أمّا أو ابنة أو زوجا أو أختا، وضمن لها بذلك الحقّ في الحياة الحرّة الكريمة في حياة أهلها أو بعد رحيلهم. تكريم الأقليات في المجتمع الإسلامي: لقد قضى الإسلام قضاء مبرما على كافّة أنواع التّمييز العنصريّ القائم على اختلاف اللّون أو الجنس، فالأبيض كالأسود والعربيّ كالعجميّ لا يتفاضلون ولا يتمايزون إلّا بالتّقوى والعمل الصّالح، فأكرم النّاس أتقاهم كما جاء في الآية الكريمة يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات/ ١٣) . أمّا غير المسلم فإنّه يعيش مكرّما لا يجوز لأحد أن ينتقصه أو ينتهك عرضه أو ماله أو دمه، أو يجبره على ما يكره، قال تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة/ ٢٥٦) ، وقال المصطفى ﷺ حاثّا على استقرار وتلاحم المجتمع بكافّة عناصره: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنّة وإنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما» «٢» ، وقال ﷺ : «ألا من ظلم معاهدا أو انتقص منه أو كلّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» «٣» . ومن مظاهر التّكريم نهي الإسلام عن التّعذيب سواء كان المعذّب مسلما أو ذمّيّا، روى عروة ابن الزّبير أنّ هشام بن حكيم وجد رجلا وهو (وال) على حمص يشمّس ناسا من القبط في أداء الجزية، فقال: ما هذا؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يعذّب الّذين يعذّبون النّاس في الدّنيا» «٤» . ولو لم يعرف هشام أنّ هذا الوعيد يشمل المعذّبين من أهل الذمّة كما يشمل المسلمين لمّا ذكّر به الوالي الّذي كان يقوم- عن جهل بقواعد الإسلام السّمحة- بتعذيب بعض القبط. [للاستزادة: انظر صفات: الإنصاف- الألفة- بر الوالدين- حسن العشرة- حسن الخلق- حسن المعاملة- صلة الرحم- عيادة المريض- كفالة اليتيم التعاون على البر والتقوى- المواساة- المروءة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأذى- الإساءة- الاستهزاء- السخرية- العدوان- عقوق الوالدين- قطيعة الرحم- نكران الجميل- القسوة- الجحود- سوء المعاملة] .

стр. 1859

الآيات الواردة في «تكريم الإنسان» تكريم الإنسان على كثير مما خلق الله تعالى: ١-* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) «١» ٢- فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) «٢» تكريم الإنسان في الآخرة: ٣- إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً (٣١) «٣» ٤- إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) «٤» تكريم الإنسان على إبليس: ٥- وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢) «٥» الآيات الواردة في «تكريم الإنسان» معنى أولا: تسخير ما في الكون له: ٦- يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) «٦» ٧- هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩) «٧» ٨-* إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥)

стр. 1860

فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) «١» ٩-* وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) «٢» ١٠- اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤) «٣» ١١- اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤) «٤» ١٢- خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤) وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨)
следующие страницы →