← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

٧٥- يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) «١» ٧٦- إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) «٢» ٧٧- خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) «٣» ٧٨- وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) «٤» ٧٩- حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) «٥» ٨٠- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) «٦» ٨١- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) «٧»

стр. 2032

٨٢- أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥) «١» ٨٣- وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥) «٢» ٨٤- حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) «٣» ٨٥- وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) «٤» ٨٦- فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) «٥» ٨٧-مْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) «٦» ٨٨- هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ

стр. 2033

الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤) «١» ٨٩- وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣) «٢» ٩٠- وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا (١٠) «٣» ٩١- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) «٤»

стр. 2034

الأحاديث الواردة في «التوحيد» ١-* (عن عمرو بن عبسة السّلميّ قال: كنت وأنا في الجاهليّة، أظنّ أنّ النّاس على ضلالة، وأنّهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكّة يخبر أخبارا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله مستخفيا، جرآء عليه قومه «١» ؛ فتلطّفت حتّى دخلت عليه بمكّة، فقلت له: ما أنت؟ قال: «أنا نبيّ» ، فقلت: وما نبيّ؟ قال: «أرسلني الله» ، فقلت: وبأيّ شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحّد الله لا يشرك به شيء» ، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: «حرّ وعبد» (قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممّن آمن به) ، فقلت: إنّي متّبعك. قال: «إنّك لا تستطيع ذلك يومك هذا ألا ترى حالي وحال النّاس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» قال: فذهبت إلى أهلى وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي فجعلت أتخبّر الأخبار وأسأل النّاس حين قدم المدينة، حتّى قدم عليّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة. فقلت: ما فعل هذا الرّجل الّذي قدم المدينة؟ فقالوا: النّاس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه. فقلت: يا رسول الله ﷺ ، أتعرفني؟ قال: «نعم. أنت الّذي لقيتني بمكّة؟» . قال: فقلت: بلى. فقلت: يا نبيّ الله، أخبرني عمّا علّمك الله وأجهله. أخبرني عن الصّلاة. قال: «صلّ صلاة الصّبح، ثمّ أقصر عن الصّلاة حتّى تطلع الشّمس حتّى ترتفع، فإنّها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفّار. ثمّ صلّ، فإنّ الصّلاة مشهودة «٢» محضورة «٣» حتّى يستقلّ الظّلّ بالرّمح، ثمّ أقصر عن الصّلاة فإنّ حينئذ تسجر جهنّم «٤» ، فإذا أقبل الفيء فصلّ، فإنّ الصّلاة مشهودة محضورة حتّى تصلّي العصر، ثمّ أقصر عن الصّلاة حتّى تغرب الشّمس فإنّها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفّار» قال فقلت: يا نبيّ الله، فالوضوء؟ حدّثني عنه. قال: «ما منكم رجل يقرّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلّا خرّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه، ثمّ إذا غسل وجهه كما أمره الله إلّا خرّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثمّ يغسل يديه إلى المرفقين إلّا خرّت خطايا يديه مع أنامله مع الماء، ثمّ يمسح رأسه إلّا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثمّ يغسل قدميه إلى الكعبين إلّا خرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلّى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجّده بالّذي هو له

стр. 2035

أهل، وفرّغ قلبه لله، إلّا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمّه» ) *» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لمّا بعث النّبيّ ﷺ معاذا إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنّك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أوّل ما تدعوهم إلى أن يوحّدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أنّ الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلّوا فأخبرهم أنّ الله افترض عليهم زكاة أموالهم تؤخذ من غنيّهم فتردّ على فقيرهم، فإذا أقرّوا بذلك فخذ منهم وتوقّ كرائم أموال النّاس» ) * «٢» . ٣-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: «بني الإسلام على خمسة: على أن يوحّد الله، وإقام الصّلاة، وإيتاء الزّكاة، وصيام رمضان، والحجّ، فقال رجل: الحجّ وصيام رمضان؟ قال: لا: صيام رمضان، والحجّ، هكذا سمعته من رسول الله ﷺ » ) * «٣» . ٤-* (عن أمّ سلمة- ﵂ قالت: لمّا نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النّجاشيّ، أمنّا على ديننا، وعبدنا الله لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلمّا بلغ قريشا ائتمروا أن يبعثوا إلى النّجاشيّ فينا رجلين جلدين «٤» ، وأن يهدوا للنّجاشيّ هدايا ممّا يستطرف من متاع مكّة ... ثمّ إنّهما قرّبا هداياهم إلى النّجاشيّ، فقبلها منهما ثمّ كلّماه فقالا له: أيّها الملك إنّه قد صبا إلى بلدك منّا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه، قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النّجاشيّ كلامهم. فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيّها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم، قال: فغضب النّجاشيّ ثمّ قال: لاها الله، أيم الله، إذن لا أسلمهم إليهما ولا أكاد، قوما جاوروني نزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتّى أدعوهم فأسألهم ماذا يقول هذان في أمرهم؟ فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني، قالت: ثمّ أرسل إلى أصحاب رسول الله ﷺ فدعاهم، فلمّا جاءهم رسوله اجتمعوا، ثمّ قال بعضهم لبعض، ما تقولون للرّجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبيّنا ﷺ ، كائن في ذلك ما هو كائن، فلمّا جاءوه، وقد دعا النّجاشيّ أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدّين الّذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت: فكان الّذي كلّمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيّها الملك، كنّا قوما أهل جاهليّة، نعبد

стр. 2036

الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القويّ منّا الضّعيف. فكنّا على ذلك حتّى بعث الله إلينا رسولا منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله، لنوحّده ونعبده ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدّماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزّور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّيام، قال: فعدّد عليه أمور الإسلام- فصدّقناه وآمنّا، واتّبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعذّبونا وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحلّ ما كنّا نستحلّ من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقّوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيّها الملك، قالت: فقال له النّجاشيّ: هل معك ممّا جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال جعفر: نعم: فقال النّجاشيّ: فاقرأه عليّ، فقرأ صدرا من (كهيعص) ، قالت: فبكى والله النّجاشيّ حتّى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتّى أخضلو، امصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثمّ قال النّجاشيّ: إنّ هذا والله والّذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فو الله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد ... ) * «١» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحّي اشترى كبشين عظيمين، سمينين، أقرنين، أملحين، موجوءين «٢» ، فذبح أحدهما عن أمّته لمن شهد لله بالتّوحيد وشهد له بالبلاغ، وذبح الآخر عن محمّد وعن آل محمّد ﷺ ، زاد في رواية أحمد عن أبي رافع قال: فكأنّ رسول الله ﷺ قد كفانا) * «٣» . ٦-* (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه: أنّ العاص بن وائل نذر في الجاهليّة أن ينحر مائة بدنة، وأنّ هشام بن العاص نحر حصّته، خمسين بدنة، وأنّ عمرا سأل النّبيّ ﷺ عن ذلك فقال: «أمّا أبوك فلو كان أقرّ بالتّوحيد فصمت وتصدّقت عنه نفعه ذلك» ) * «٤» . ٧-* (عن ما عز التّميميّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ : «أنّه سئل أيّ الأعمال أفضل؟. قال: «إيمان بالله وحده، ثمّ حجّة برّة تفضل سائر

стр. 2037

الأعمال، كما بين مطلع الشّمس إلى مغربها» ) * «١» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «كان رجل ممّن كان قبلكم لم يعمل خيرا قطّ إلّا التّوحيد فلمّا احتضر قال لأهله: انظروا إذا أنا متّ أن يحرقوه حتّى يدعوه حمما، ثمّ اطحنوه، ثمّ أذروه في يوم ريح، فلمّا مات فعلوا ذلك به، فإذا هو في قبضة الله، فقال الله- يا ابن آدم، ما حملك على ما فعلت؟ قال: أي ربّ، من مخافتك، قال: فغفر له بها، ولم يعمل خيرا قطّ إلّا التّوحيد» ) * «٢» . ٩-* (عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من وحّد الله تعالى وكفر بما يعبد من دونه حرم ماله ودمه وحسابه على الله » ) * «٣» . ١٠-* (عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يعذّب ناس من أهل التّوحيد في النّار حتّى يكونوا فيها حمما «٤» . ثمّ تدركهم الرّحمة، فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنّة، قال: فترشّ عليهم أهل الجنّة الماء فينبتون كما ينبت الغثاء في حمالة السّيل «٥» . ثمّ يدخلون الجنّة» ) * «٦» . الأحاديث الواردة في (التوحيد) معنى ١١-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجتمع المؤمنون يوم القيامة كذلك فيقولون: لو استشفعنا إلى ربّنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو النّاس. خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كلّ شيء، فاشفع لنا عند ربّك حتّى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم ويذكر ذنبه، فيستحي- ائتوا نوحا، فإنّه أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربّه ما ليس له به علم، فيستحي فيقول: ائتوا خليل الرّحمن. فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ائتوا موسى عبدا كلّمه الله وأعطاه التّوراة، فيأتونه فيقول: لست هناكم ويذكر قتل النّفس بغير نفس، فيستحي من ربّه فيقول: ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمّدا ﷺ عبدا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. فيأتوني، فأنطلق حتّى أستأذن على ربّي فيؤذن، فإذا

стр. 2038

رأيت ربّي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء، ثمّ يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفّع. فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلّمنيه، ثمّ أشفّع، فيحدّ لي حدّا، فأدخلهم الجنّة. ثمّ أعود إليه. فإذا رأيت ربّي مثله- ثمّ أشفّع فيحدّ لي حدّا، فأدخلهم الجنّة، ثمّ أعود الثّالثة. ثمّ أعود الرّابعة فأقول: ما بقي في النّار إلّا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود. فقال ﷺ : «يخرج من النّار من قال لا إله إلّا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثمّ يخرج من النّار من قال: لا إله إلّا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن برّة، ثمّ يخرج من النّار من قال لا إله إلّا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرّة» ) * «١» . ١٢-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ أنّه مات ابن له بقديد أو بعسفان، فقال: يا كريب، انظر ما اجتمع له من النّاس، قال: فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له، فأخبرته، فقال: تقول هم أربعون؟ قال: نعم. قال: أخرجوه فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلّا شفّعهم الله فيه» ) * «٢» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قيل يا رسول الله: من أسعد النّاس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد النّاس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلّا الله خالصا من قلبه، أو نفسه» ) * «٣» . ١٤-* (عن عوف بن مالك الأشجعيّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني آت من عند ربّي فخيّرني بين أن يدخل نصف أمّتي الجنّة وبين الشّفاعة، فاخترت الشّفاعة، وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا» ) * «٤» . ١٥-* (عن أبي مالك عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلّا الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه وحسابه على الله» ) * «٥» . ١٦-* (عن جابر- ﵁ أتى النّبيّ ﷺ رجل فقال: يا رسول الله: ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة، ومن مات يشرك بالله دخل النّار» «٦» . ١٧-* (عن أبي ذرّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: أتاني جبريل فبشّرني أنّه من مات لا

стр. 2039

يشرك بالله شيئا دخل الجنّة، قلت وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى» ) * «١» . ١٨-* (عن عبادة بن الصّامت، قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وأنّ عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأنّ الجنّة حقّ، وأنّ النّار حقّ أدخله الله من أيّ أبواب الجنّة الثّمانية شاء» ) * «٢» . ١٩-* (عن عثمان، قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات وهو يعلم أنّه لا إله إلّا الله دخل الجنّة» ) * «٣» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنّا قعودا حول رسول الله ﷺ ، معنا أبو بكر وعمر، في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا، فكنت أوّل من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتّى أتيت حائطا للأنصار لبني النّجّار، فدرت به هل أجد له بابا؟، فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجة (والرّبيع: الجدول) فاحتفزت كما يحتفز الثّعلب «٤» ، فدخلت على رسول الله ﷺ ، فقال: «أبو هريرة؟» ، فقلت: نعم يا رسول الله. قال: «ما شأنك» ؟ قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أوّل من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثّعلب، وهؤلاء النّاس ورائي، فقال: «يا أبا هريرة (وأعطاني نعليه) قال: اذهب بنعليّ هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقنا بها قلبه فبشّره بالجنّة» فكان أوّل من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النّعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله ﷺ ، بعثني بهما، من لقيت يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقنا بها قلبه، بشّرته بالجنّة. فضرب عمر بيده بين ثدييّ فخررت لاستي فقال: ارجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأجهشت بكاء وركبني عمر فإذا هو على أثري، فقال لي رسول الله ﷺ : «ما لك يا أبا هريرة؟» قلت: لقيت عمر فأخبرته بالّذي بعثتني به، فضربني بين ثدييّ ضربة خررت لاستي، قال: ارجع. فقال له رسول الله ﷺ : «يا عمر، ما حملك على ما فعلت» ؟ قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي أبعثت أبا هريرة بنعليك، من لقي «٥» يشهد أن لا إله إلّا الله مستيقنا بها قلبه، بشّره بالجنّة؟ قال: «نعم» قال: فلا تفعل، فإنّي أخشى أن يتّكل النّاس عليها، فخلّهم يعملون. قال رسول الله ﷺ : «فخلّهم» ) * «٦» . ٢١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: إنّ رسول الله ﷺ مكث تسع سنين لم يحجّ. ثمّ أذّن في النّاس في العاشرة أنّ رسول الله ﷺ حاجّ. فقدم المدينة بشر كثير، كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ، ويعمل مثل عمله. فخرجنا معه،

стр. 2040

حتّى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمّد ابن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، واستثفري «١» بثوب وأحرمي» . فصلّى رسول الله ﷺ في المسجد، ثمّ ركب القصواء «٢» ، حتّى إذا استوت به ناقته على البيداء، نظرت إلى مدّ بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فأهلّ بالتّوحيد «٣» : لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك. وأهلّ النّاس بهذا الّذي يهلّون به، فلم يردّ رسول الله ﷺ عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله ﷺ تلبيته، قال جابر- ﵁: لسنا ننوي إلّا الحجّ، لسنا نعرف العمرة، حتّى إذا أتينا البيت معه، استلم الرّكن فرمل ثلاثا «٤» ومشى أربعا، ثمّ نفذ إلى مقام إبراهيم ﵇ فقرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى (٢/ البقرة/ الآية ١٢٥) ، فجعل المقام بينه وبين البيت، فكان أبي يقول (ولا أعلمه ذكره إلّا عن النّبيّ ﷺ : كان يقرأ في الرّكعتين قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. ثمّ رجع إلى الرّكن فاستلمه، ثمّ خرج من الباب «٥» إلى الصّفا، فلمّا دنا من الصّفا قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ (البقرة/ ١٥٨) ، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصّفا، فرقي عليه، حتّى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره، وقال: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلّا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ثمّ دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرّات، ثمّ نزل إلى المروة، حتّى إذا انصبّت قدماه «٦» في بطن الوادي سعى، حتّى إذا صعدتا» مشى، حتّى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصّفا، حتّى إذا كان آخر طوافه على المروة، فقال: «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحلّ، وليجعلها عمرة» . فقام سراقة بن مالك ابن جعشم، فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟، فشبّك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: «دخلت العمرة في الحجّ (مرّتين) لا بل لأبد أبد» ، وقدم عليّ من اليمن ببدن «٨» النّبيّ ﷺ فوجد فاطمة- ﵂

стр. 2041

ممّن حلّ، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك عليها، فقالت: إنّ أبي أمرني بهذا. قال: فكان عليّ يقول بالعراق فذهبت إلى رسول الله محرّشا «١» على فاطمة للّذي صنعت مستفتيا لرسول الله ﷺ ، فيما ذكرت عنه فأخبرته أنّي أنكرت ذلك عليها. فقال: «صدقت، صدقت. ماذا قلت حين فرضت الحجّ؟» . قال: قلت: اللهمّ إنّي أهلّ بما أهلّ به رسولك. قال: «فإنّ معي الهدي فلا تحلّ» . قال: فكان جماعة الهدي الّذي قدم به عليّ من اليمن والّذي أتى به النّبيّ ﷺ مائة. قال: فحلّ النّاس كلّهم وقصّروا، إلّا النّبيّ ﷺ ومن كان معه هدي. فلمّا كان يوم التّروية توجّهوا إلى منى، فأهلّوا بالحجّ، وركب رسول الله ﷺ ، فصلّى بها الظّهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثمّ مكث قليلا حتّى طلعت الشّمس، وأمر بقبّة من شعر تضرب له بنمرة «٢» فسار رسول الله ﷺ ، ولا تشكّ قريش إلّا أنّه واقف عند المشعر الحرام «٣» كما كانت قريش تصنع في الجاهليّة، فأجاز رسول الله ﷺ حتّى أتى عرفة، فوجد القبّة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتّى إذا زاغت الشّمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادي «٤» فخطب النّاس وقال: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهليّة موضوعة، وإنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة ابن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهليّة موضوع، وأوّل ربا أضع ربانا، ربا عبّاس بن عبد المطّلب، فإنّه موضوع كلّه، فاتّقوا الله في النّساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان الله، واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه «٥» ، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده، إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون

стр. 2042

عنّي، فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السّبّابة يرفعها إلى السّماء وينكتها إلى النّاس: «اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد. ثلاث مرّات» . ثمّ أذّن، ثمّ أقام فصلّى الظّهر، ثمّ أقام فصلّى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئا، ثمّ ركب رسول الله ﷺ حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات «١» وجعل حبل المشاة بين يديه «٢» ، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتّى غربت الشّمس، وذهبت الصّفرة قليلا حتّى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق «٣» للقصواء الزّمام حتّى إنّ رأسها ليصيب مورك رحله ويقول بيده اليمنى: «أيّها النّاس السّكينة السّكينة» كلّما أتى حبلا من الحبال «٤» أرخى لها قليلا، حتّى تصعد. حتّى أتى المزدلفة «٥» فصلّى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبّح بينهما شيئا. ثمّ اضطجع رسول الله ﷺ حتّى طلع الفجر، وصلّى الفجر، حيّن تبيّن له الصّبح بأذان وإقامة، ثمّ ركب القصواء حتّى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزل واقفا حتّى أسفر جدّا فدفع قبل أن تطلع الشّمس، وأردف الفضل بن عبّاس وكان رجلا حسن الشّعر أبيض وسيما، فلمّا دفع رسول الله ﷺ مرّت به ظعن يجرين «٦» فطفق الفضل ينظر إليهنّ، فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل. فحوّل الفضل وجهه إلى الشّقّ الآخر ينظر. فحوّل رسول الله ﷺ يده من الشّقّ الآخر على وجه الفضل، يصرف وجهه من الشّقّ الآخر ينظر. حتّى أتى بطن محسّر «٧» فحرّك قليلا ثمّ سلك الطّريق الوسطى الّتي تخرج على الجمرة الكبرى، حتّى أتى الجمرة الّتي عند الشّجرة، فرماها بسبع حصيات يكبّر مع كلّ حصاة منها حصى الخذف «٨» ، رمى من بطن الوادي، ثمّ انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستّين بيده، ثمّ أعطى عليّا فنحر ما غبر «٩» . وأشركه في هديه. ثمّ أمر من كلّ بدنة ببضعة

стр. 2043

فجعلت في قدر، فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثمّ ركب رسول الله ﷺ ، فأفاض إلى البيت «١» ، فصلّى بمكّة الظّهر فأتى بني عبد المطّلب يسقون على زمزم، فقال: «انزعوا «٢» بني عبد المطّلب فلولا أن يغلبكم النّاس «٣» على سقايتكم لنزعت معكم» ، فناولوه دلوا فشرب منه) * «٤» . ٢٢-* (عن جعفر قال: حدّثني أبي قال: أتينا جابر بن عبد الله وهو في بني سلمة فسألناه عن حجّة النّبيّ ﷺ فحدّثنا أنّ رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحجّ. ثمّ أذّن في النّاس أنّ رسول الله ﷺ حاجّ هذا العام، قال: فنزل المدينة بشر كثير، كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول الله ﷺ ، يفعل مثل ما يفعل. فخرج رسول الله ﷺ لعشر بقين من ذي القعدة، وخرجنا معه، حتّى أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميس بمحمّد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، ثمّ استثفري بثوب، ثمّ أهلّي» . فخرج رسول الله ﷺ حتّى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتّوحيد، لبّيك اللهمّ لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنّعمة لك والملك لا شريك لك. ولبّى النّاس، والنّاس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام، والنّبيّ ﷺ يسمع فلم يقل لهم شيئا، فنظرت مدّ بصري وبين يدي رسول الله ﷺ من راكب وماش، ومن خلفه مثل ذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، قال جابر: ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، فخرجنا لا ننوي إلّا الحجّ حتّى أتينا الكعبة، فاستلم نبيّ الله ﷺ الحجر الأسود، ثمّ رمل ثلاثا، ومشى أربعة، حتّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلّى خلفه ركعتين، ثمّ قرأ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قال أبو عبد الله- يعني جعفرا- فقرأ فيهما بالتّوحيد، وقل يأيّها الكافرون، ثمّ استلم الحجر، وخرج إلى الصّفا، ثمّ قرأ إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، ثمّ قال: «نبدأ بما بدأ الله به» ، فرقي على الصّفا حتّى إذا نظر إلى البيت كبّر قال: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلّا الله، أنجز وعده، وصدق عبده، وغلب الأحزاب وحده. ثمّ دعا، ثمّ رجع إلى هذا الكلام، ثمّ نزل حتّى إذا انصبّت قدماه في الوادي رمل، حتّى إذا صعد مشى، حتّى أتى المروة فرقي عليها حتّى نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصّفا، فلمّا كان السّابع عند المروة قال: يأيّها النّاس، إنّي لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، ولجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدي

стр. 2044

فليحلل وليجعلها عمرة» فحلّ النّاس كلّهم، فقال سراقة بن مالك بن جعشم وهو في أسفل المروة: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟، فشبّك رسول الله ﷺ أصابعه فقال: «للأبد» ثلاث مرّات ... الحديث» ) * «١» . ٢٣-* (عن جابر أنّ رسول الله ﷺ ذهب إلى الصّفا فرقي عليها حتّى بدا له البيت ثمّ وحّد الله وكبّره وقال: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير، ثمّ مشى حتّى إذا انصبّت قدماه سعى، حتّى إذا صعدت قدماه مشى، حتّى أتى المروة ففعل عليها كما فعل على الصّفا حتّى قضى طوافه» ) * «٢» . ٢٤-* (عن يعقوب بن إبراهيم قال حدّثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدّثني عن افتراش رسول الله ﷺ فخذه اليسرى في وسط الصّلاة وفي آخرها، وقعوده على وركه اليسرى، ووضعه يده اليسرى على فخذه اليسرى، ونصبه قدمه اليمنى، ووضعه يده اليمنى على فخذه اليمنى، ونصبه إصبعه السّبّابة يوحّد بها ربّه- » ) * «٣» . ٢٥-* (عن أنس بن مالك قال: حدّثني محمود بن الرّبيع عن عتبان بن مالك، قال: قدمت المدينة فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك. قال: أصابني في بصري بعض الشّيء، فبعثت إلى رسول الله ﷺ أنّي أحبّ أن تأتيني فتصلّي فى منزلى، فأتّخذه مصلّى. قال: فأتى النّبيّ ﷺ ومن شاء الله من أصحابه، فدخل وهو يصلّي في منزلي، وأصحابه يتحدّثون بينهم، ثمّ أسندوا عظم ذلك وكبره «٤» إلى مالك بن دخشم. قالوا: ودّوا أنّه دعا عليه فهلك، وودّوا أنّه أصابه شرّ، فقضى رسول الله ﷺ الصّلاة، وقال: «أليس يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله؟» قالوا: إنّه يقول ذلك، وما هو في قلبه. قال: «لا يشهد أحد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله فيدخل النّار، أو تطعمه» . قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابني: أكتبه. فكتبه» ) * «٥» . ٢٦-* (عن الصّنابحيّ عن عبادة بن الصّامت، أنّه قال: دخلت عليه وهو في الموت، فبكيت، فقال: مهلا «٦» لم تبكي؟ فو الله لئن استشهدت لأشهدنّ لك، ولئن شفّعت لأشفعنّ لك، ولئن استطعت لأنفعنّك. ثمّ قال: والله ما من حديث سمعته من رسول الله ﷺ لكم فيه خير إلّا حدّثتكموه إلّا حديثا واحدا، وسوف أحدّثكموه

стр. 2045

اليوم، وقد أحيط بنفسي «١» . سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا رسول الله حرّم الله عليه النّار» ) * «٢» . ٢٧-* (عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد قال: لمّا كان غزوة تبوك أصاب النّاس مجاعة، قالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا «٣» ، فأكلنا وادّهنّا «٤» . فقال رسول الله ﷺ : «افعلوا» ، قال: فجاء عمر، فقال: يا رسول الله، إن فعلت قلّ الظّهر «٥» ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم، ثمّ ادع الله لهم عليها بالبركة، لعلّ الله أن يجعل في ذلك «٦» . فقال رسول الله ﷺ : «نعم» ، قال: فدعا بنطع فبسطه، ثمّ دعا بفضل أزوادهم. قال: فجعل الرّجل يجيء بكفّ ذرة. قال: ويجيء الآخر بكفّ تمر. قال: ويجيء الآخر بكسرة حتّى اجتمع على النّطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله ﷺ عليه بالبركة، ثمّ قال: «خذوا في أوعيتكم» ، قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتّى ما تركوا في العسكر وعاء إلّا ملئوه، قال: فأكلوا حتّى شبعوا وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : «أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد، غير شاك، فيحجب عن الجنّة» ) *» . ٢٨-* (بعث رسول الله ﷺ بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين، وإنّهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله. وإنّ رجلا من المسلمين قصد غفلته، قال: وكنّا نحدّث أنّه أسامة بن زيد، فلمّا رفع عليه السّيف قال: لا إله إلّا الله، فقتله. فجاء البشير إلى النّبيّ ﷺ فسأله فأخبره، حتّى أخبره خبر الرّجل كيف صنع، فدعاه فسأله، فقال: «لم قتلته؟» قال: يا رسول الله، أوجع «٨» في المسلمين، وقتل فلانا وفلانا، وسمّى له نفرا، وإنّي حملت عليه، فلمّا رأى السّيف قال: لا إله إلّا الله. قال رسول الله ﷺ : «أقتلته؟» قال: نعم. قال: «فكيف تصنع بلا إله إلّا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» قال: يا رسول الله، استغفر لي. قال: «وكيف تصنع بلا إله إلّا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» . قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: «كيف تصنع بلا إله إلّا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» ) * «٩» . ٢٩-* (عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سريّة فصبّحنا الحرقات «١٠» من جهينة، فأدركت رجلا، فقال: لا إله إلّا الله، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنّبيّ ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «أقال: لا إله إلّا الله وقتلته؟» قال: قلت: يا رسول الله، إنّما قالها خوفا من السّلاح، قال: «أفلا

стр. 2046

شققت عن قلبه «١» حتّى تعلم أقالها أم لا» ، فما زال يكرّرها عليّ حتّى تمنّيت أنّي أسلمت يومئذ. قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلما حتّى يقتله ذو البطين- يعني أسامة- قال: قال رجل: ألم يقل الله: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ؟. فقال سعد: قد قاتلنا حتّى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتّى تكون فتنة» ) * «٢» . ٣٠-* (عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ «يصاح برجل من أمّتي على رءوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلّا كلّ سجلّ منها مدّ البصر ثمّ يقال: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا ربّ، فيقال: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرّجل فيقول: لا، فيقال: بلى، إنّ لك عندنا حسنة وإنّه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله. فيقول: يا ربّ ما هذه البطاقة مع هذه السّجلّات؟ فيقال: إنّك لا تظلم، فتوضع السّجلّات في كفّة والبطاقة في كفّة، فطاشت السّجلّات وثقلت البطاقة» ) * «٣» . ٣١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قال موسى: يا ربّ، علّمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلّا الله. قال: يا ربّ، كلّ عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى، لو أنّ السّموات السّبع وعامرهنّ غيري، والأرضين السّبع في كفّة، ولا إله إلّا الله في كفّة مالت بهنّ لا إله إلّا الله» ) * «٤» . ٣٢-* (عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ كان يقول إذا تبوّأ مضجعه قال: «الحمد لله الّذي كفاني، وآواني، وأطعمني، وسقاني، والّذي منّ عليّ وأفضل، والّذي أعطاني فأجزل، الحمد لله على كلّ حال، اللهمّ ربّ كلّ شيء، وملك كلّ شيء، وإله كلّ شيء، ولك كلّ شيء، أعوذ بك من النّار) * «٥» . ٣٣-* (عن الحارث الأشعريّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله أوحى إلى يحيى ابن زكريّا بخمس كلمات أن يعمل بهنّ، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ فكأنّه أبطأ بهنّ، فأتاه عيسى فقال: إنّ الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهنّ، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فإمّا أن تخبرهم، وإمّا أن أخبرهم، فقال: يا أخي! لا تفعل فإنّي أخاف

стр. 2047

إن تسبقني بهنّ أن يخسف بي، أو أعذّب. قال: فجمع بني إسرائيل ببيت المقدس حتّى امتلأ المسجد وقعدوا على الشّرفات، ثمّ خطبهم فقال: إنّ الله أوحى إليّ بخمس كلمات أن أعمل بهنّ، وآمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، أوّلهنّ: أن لا تشركوا بالله شيئا، فإنّ مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق، ثمّ أسكنه دارا. فقال: اعمل وارفع إليّ فجعل يعمل ويرفع إلى غير سيّده، فأيّكم يرضى أن يكون عبده كذلك، فإنّ الله خلقكم ورزقكم فلا تشركوا به شيئا، وإذا قمتم إلى الصّلاة فلا تلتفتوا، فإنّ الله يقبل بوجهه إلى وجه عبده ما لم يلتفت وآمركم بالصّيام، ومثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرّة مسك، كلّهم يحبّ أن يجد ريحها، وإنّ الصّيام أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصّدقة ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فأوثقوا يده إلى عنقه، وقرّبوه ليضربوا عنقه، فجعل يقول: هل لكم أن أفدي نفسي منكم، وجعل يعطي القليل والكثير حتّى فدى نفسه، وآمركم بذكر الله كثيرا، ومثل ذكر الله كمثل رجل طلبه العدوّ سراعا في أثره حتّى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، وكذلك العبد لا ينجو من الشّيطان إلّا بذكر الله ... الحديث» ) * «١» . ٣٤-* (روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النّبيّ ﷺ في تفسير هذه الآية رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ قالوا: إذا أخرج أهل التّوحيد من النّار وأدخلوا الجنّة ودّ الّذين كفروا لو كانوا مسلمين) * «٢» . ٣٥-* (عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لقيت ليلة أسري بي إبراهيم الخليل ﵇ فقال: يا محمّد! أقرأ أمّتك منّي السّلام وأخبرهم أنّ الجنّة طيّبة التّربة، عذبة الماء، وأنّها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر) * «٣» . ٣٦-* (عن سعيد بن المسيّب عن أبيه قال: لمّا حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النّبيّ ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة، فقال النّبيّ ﷺ : أي عمّ، قل: لا إله إلّا الله، أحاجّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطّلب؟ فقال النّبيّ ﷺ : «لأستغفرنّ لك ما لم أنه عنك» ، فنزلت (الآية الكريمة) ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (التوبة/ ١١٣) * «٤» .

стр. 2048

٣٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قدم وفد نجران فقالوا (للرّسول ﷺ : صف لنا ربّك. أزبرجد؟ أم ياقوت؟ أم ذهب؟ أم فضّة؟. فقال: «إنّ ربي ليس من شيء، وأنّه خلق الأشياء، فنزلت «قل هو الله أحد» فقالوا: هو واحد وأنت واحد، فقال «ليس كمثله شيء» ، قالوا: زدنا من الصّفة. قال: «الله الصّمد» . فقالوا: وما الصّمد؟ قال: «الّذي يصمد الخلق إليه في الحوائج» . فقالوا: زدنا. فقال: «لم يلد كما ولدت مريم، ولم يولد كما ولد عيسى، ولم يكن له كفوا أحد» يريد: نظيرا من خلقه» . ولشرف هذه السّورة سمّيت بأسماء كثيرة أشهرها الإخلاص. وقد يقال لها سورة التّفريد، أو التّوحيد، أو النّجاة، أو الولاية، لأنّ من قرأها صار من أولياء الله «١» ) * «٢» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (التوحيد) ١-* (قال ابن جريح في تفسير قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ... الآية (آل عمران/ ٦٤) . يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله) * «٣» . ٢-* (وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى ... أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ... لا وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرّسل، قال تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ «٤» . ٣-* (قال أبو العالية: في تفسير «السّواء» في قوله عزّ من قائل: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ.. كلمة السّواء «لا إله إلّا الله» ) * «٥» . ٤-* (قال مجاهد: كلمة التّقوى: لا إله إلّا الله) * «٦» . ٥-* (سئل الزّهريّ عن قول النّبيّ ﷺ «من قال لا إله إلّا الله دخل الجنّة» فقال: «إنّما كان هذا في أوّل الإسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنّهي» قال التّرمذيّ: ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم: أنّ أهل التّوحيد سيدخلون الجنّة، وإن عذّبوا بالنّار بذنوبهم فإنّهم لا يخلّدون في النّار) * «٧» . ٦-* (قال الإمام البخاريّ: قال: عدّة من

стр. 2049

أهل العلم في قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ عن قول لا إله إلّا الله «١» . قال ابن حجر: من هؤلاء أنس بن مالك، وعبد الله بن عمر ومجاهد) * «٢» . ٧-* (قال النّيسابوريّ في تفسير سورة الإخلاص: وردت الأخبار الكثيرة بفضل سورة الإخلاص وأنّها تعدل ثلث القرآن، فاستنبط العلماء لذلك وجها مناسبا: وهو أنّ القرآن مع غزارة فوائده اشتمل على ثلاثة معان فقط هي: معرفة ذات الله تعالى، ومعرفة أفعاله وسننه مع عباده. ولمّا تضمّنت سورة الإخلاص أحد هذه الأقسام الثّلاثة وهو التّقديس (أي التّوحيد) وازنها رسول الله ﷺ بثلث القرآن) * «٣» . ٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّ هذه الآية الّتي في القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً قال: في التّوراة: يا أيّها النّبيّ إنّا أرسلناك شاهدا ونذيرا وحرزا للأمّيّين أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا سخّاب بالأسواق، ولا يدفع السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتّى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلّا الله، فيفتح بها أعينا عميا، وآذانا صمّا، وقلوبا غلفا «٤» ، قال ابن حجر: فيفتح بها أي بكلمة التّوحيد) * «٥» . ٩-* (قال الطّبريّ في قوله تعالى: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (يوسف/ ١٠٨) يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّد ﷺ (قل) يا محمّد (هذه) الدّعوة الّتي أدعو إليها والطّريقة الّتي أنا عليها من الدّعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان، والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته (سبيلي) وطريقتي ودعوتي (أدعو إلى الله) وحده لا شريك له) * «٦» . ١٠-* (قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (آل عمران/ ٦٤) أي لا نتّبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلّا فيما حلّله الله تعالى، وهو نظير قوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (التوبة/ ٣١) معناه أنّهم أنزلوهم منزلة ربّهم في قبول تحليلهم وتحريمهم لما لم يحلّله الله تعالى ولم يحرّمه) * «٧» . ١١- وقال- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (التوبة/ ٣١) ، قال أهل المعاني: جعلوا أحبارهم ورهبانهم كالأرباب حيث أطاعوهم في كلّ شيء) * «٨» .

стр. 2050

١٢-* (سئل حذيفة عن قوله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ هل عبدوهم؟ فقال: لا، ولكن أحلّوا لهم الحرام فاستحلّوه، وحرّموا عليهم الحلال فحرّموه) * «١» . ١٣-* (قال ابن تيميّة- ﵀: «إنّ التّوحيد الّذي بعث الله به رسوله قوليّ وعمليّ، فالتّوحيد القوليّ مثل سورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، والتّوحيد العمليّ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ولذا كان النّبيّ ﷺ يقرأ بهاتين السّورتين في ركعتي الفجر وركعتي الطّواف قوله تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا (البقرة/ ١٣٦) ، وفي الرّكعة الثّانية بقوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (آل عمران/ ٦٤) فإنّ هاتين الآيتين فيهما دين الإسلام، وفيهما الإيمان القوليّ والعمليّ، فقوله تعالى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ إلى آخرها (البقرة/ ١٣٦) يتضمّن الإيمان القوليّ والإسلام. وقوله قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا ... الآية إلى آخرها (آل عمران/ ٦٤) يتضمّن الإسلام والإيمان العمليّ، فأعظم نعمة أنعمها الله على عباده الإسلام والإيمان وهما في هاتين الآيتين) * «٢» . ١٤-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى- «لا ريب أنّ أهل التّوحيد يتفاوتون في توحيدهم علما ومعرفة وحالا- تفاوتا لا يحصيه إلّا الله. فأكمل النّاس توحيدا الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، والمرسلون منهم أكمل في ذلك. وأولو العزم من الرّسل أكمل توحيدا ... وأكمل أولي العزم الخليلان: محمّد وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهما، إذ قاما من التّوحيد بما لم يقم به غيرهما علما ومعرفة وحالا، ودعوة للخلق وجهادا. ولمّا كان أكمل التّوحيد توحيد الأنبياء أمر الله نبيّه أن يقتدي بهم فيه كما قال سبحانه- بعد ذكر إبراهيم ومناظرته أباه وقومه في بطلان الشّرك وصحّة التّوحيد وذكر الأنبياء من ذريّته- أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ* أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ (الأنعام/ ٨٩- ٩٠) . فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله ﷺ أن يقتدي بهم) * «٣» . ١٥-* (وقال ابن القيّم أيضا في قوله تعالى: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أي: لا ينال عهدي بالإمامة مشرك، ولهذا أوصى نبيّه محمّدا ﷺ أن يتّبع ملّة

стр. 2051

إبراهيم، وكان يعلّم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: «أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبيّنا محمّد ﷺ وملّة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين، فملّة إبراهيم التّوحيد، ودين محمّد: ما جاء به من عند الله قولا وعملا واعتقادا. وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلّا الله، وفطرة الإسلام: هي ما فطر الله عليه عباده من محبّته وعبادته وحده لا شريك له والاستسلام له عبوديّة وذلّا، وانقيادا وإنابة) * «١» . ١٦-* (قال عبد الرّحمن بن حسن بن محمّد بن عبد الوهّاب: إنّ حقيقة معنى كلمة «لا إله إلّا الله» الإخلاص ونفي الشّرك. وكلاهما متلازمان، لا يوجد أحدهما بدون الآخر، فإنّ من لم يكن مخلصا فهو مشرك، ومن لم يكن صادقا فهو منافق، والمخلص أن يقولها مخلصا الإلهيّة لله ، وهذا التّوحيد هو أساس الإسلام الّذي قال الخليل ﵇: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ.. ولذا قيّدت في الحديث بقوله ﷺ «غير شاكّ» فلا تنفع إلّا من قالها بعلم ويقين لقوله صدقا من قلبه خالصا من قلبه..) *» . ١٧-* (وقال أيضا في قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ. «ترك الشّرك يتضمّن كمال التّوحيد ومعرفته على الحقيقة ومحبّته وقبوله والدّعوة إليه كما قال تعالى: قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ، وتضمّنت هذه الآية كمال التّوحيد وتحقيقه) * «٣» . ١٨-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى: حقّ الإله عبادة بالأمر لا ... بهوى النّفوس فذاك للشّيطان من غير إشراك به شيئا هما ... سبب النّجاة فحبّذا السّببان لم ينج من غضب الإله وناره ... إلّا الّذي قامت به الأصلان «٤» . والنّاس بعد فمشرك بإلهه ... أو ذو ابتداع أو له الوصفان «٥» . ١٩-* (وقال بعض الشّعراء: فيا عجبا كيف يعصى الإل ... هـ أم كيف يجحده الجاحد ؟! وفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه الواحد ) * «٦» . ٢٠-* (قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى قُلْ

стр. 2052

هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يعني: هو الواحد، الأحد، الّذي لا نظير له، ولا وزير، ولا نديد، ولا شبيه، ولا عديل. ولا يطلق هذا اللّفظ على أحد في الإثبات «١» . إلّا على الله ، لأنّه الكامل في جميع صفاته وأفعاله) * «٢» . من فوائد (التوحيد) (١) التّوحيد أعظم أسباب انشراح الصّدر لأنّه أعظم درجات التّأدّب مع الله . (٢) من حقّق التّوحيد دخل الجنّة بغير حساب ولا عذاب. (٣) يمنع الخلود في النّار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبّة من خردل، وأنّه إذا كمل في القلب يمنع دخول النّار بالكليّة. (٤) به تغفر الذّنوب وتكفّر السّيّئات. (٥) هو السّبب الأعظم لتفريج كربات الدّنيا والآخرة. (٦) يحترز به من الشّيطان. (٧) يدفع شرّ الحاسد. (٨) الموحّدون يشفع لهم الرّسول ﷺ . (٩) الموحّدون يشفعون بإذن الله لذويهم يوم القيامة ممّا يدلّ على عظيم مكانتهم عند الله. (١٠) يحصل لصاحبه الهدى والكمال والأمن التّامّ في الدّنيا والآخرة. (١١) السّبب الأساسيّ لنيل رضا الله وثوابه. (١٢) أنّ جميع الأعمال والأقوال الظّاهرة والباطنة متوقّفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثّواب عليها على التّوحيد. (١٣) أنّه يسهّل على العبد فعل الخير وترك المنكرات، ويسلّيه عن المصيبات. (١٤) بالتّوحيد يحرم مال الموحّد ودمه. (١٥) إذا كمل في القلب حبّب الله لصاحبه الإيمان وزيّنه في قلبه وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان. (١٦) أنّه يخفّف عن العبد المكاره، ويهوّن عليه الالام. (١٧) يحرّر العبد من رقّ المخلوقين والتّعلّق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم، وهذا هو العزّ الحقيقيّ والشّرف العالي. (١٨) إذا تحقّق تحقّقا كاملا تضاعف به الأعمال.

стр. 2053

(١٩) تكفّل الله لأهله بالفتح والنّصر في الدّنيا والعزّ والشّرف وحصول الهداية والتّيسير لليسر وإصلاح الأحوال. (٢٠) يدفع الله تعالى عن الموحّدين شرور الدّنيا والآخرة، ويمنّ عليهم بالحياة الطّيّبة والطّمأنينة بذكره. (٢١) التّوحيد الخالص يدفع الرّياء والغلّ وغيرهما من كبائر الباطن. (٢٢) الصّلاة والصّدقة من الأبناء لا تنفع سوى الموحّدين «١» .

стр. 2054

التودد الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩/ ١٠/ ٢٣ التودد لغة: مصدر تودّد إلى فلان، وهو مأخوذ من مادّة (ودد) الّتي تدلّ على المحبّة يقال وددته أحببته ووددت أنّ ذاك كان: إذا تمنّيته، والمصدر في باب المحبّة الودّ وفي باب التّمنّي الودادة، وقال الرّاغب: الودّ محبّة الشّيء وتمنّي كونه، ويستعمل في كلّ واحد من المعنيين أي المحبّة والتّمنّي، على أنّ التّمنّي يتضمّن معنى الودّ، لأنّ التّمنّي هو تشهّي حصول ما نودّه، وقوله- وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (الروم/ ٢١) وقوله- عزّ من قائل- سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (مريم/ ٩٦) فإشارة إلى ما أوقع بينهم من الألفة المذكورة في قوله: لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ (الأنفال/ ٦٣) ، وفي المودّة الّتي تقتضي المحبّة المجرّدة جاء قوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (الشورى/ ٢٣) . وقال ابن منظور: الودّ الحبّ يكون في جميع مداخل الخير. ودّ الشّيء ودّا وودّا وودّا وودادة وودادا وودادا وودّة وموددة: أحبّه. ووددت الشّيء أودّه، وهو من الأمنيّة قال الفرّاء: هذا أفضل الكلام، يقال: ودّك ووديدك. كما تقول حبّك وحبيبك، والودّ الوديد، والجمع أودّ مثل قدح وأقدح وذئب وأذؤب، وهما يتوادّان وهم أودّاء. ووددت الرّجل أودّه ودّا إذا أحببته، وتودّد إليه: تحبّب، وتودّده: اجتلب ودّه، عن ابن الأعرابيّ، أنشد: أقول: تودّدني إذا ما لقيتني ... برفق، ومعروف من القول ناصع «١» وقال ابن الأثير: الودود في أسماء الله تعالى، فعول بمعى مفعول، من الودّ والمحبّة. يقال: وددت الرّجل إذا أحببته، فالله تعالى ودود أي محبوب في قلوب أوليائه، قال: أو هو فعول بمعنى فاعل أي يحبّ عباده الصّالحين بمعنى يرضى عنهم «٢» . واصطلاحا: هو التّواصل الجالب للمحبّة، أو هو التّواصل على المحبّة «٣» ، وقال الجرجانيّ: التّودّد هو طلب مودّة الأكفاء بما يوجب ذلك.

стр. 2055

الوداد مرتبة من مراتب المحبة: قال ابن القيّم- ﵀: الخامسة- من مراتب المحبّة- الوداد: وهو صفو المحبّة وخالصها ولبّها «١» . الودود من أسماء الله تعالى: وفيه قولان: أحدهما: أنّه المودود. قال البخاريّ- ﵀ في صحيحه: الودود الحبيب. والثّاني: أنّه الوادّ لعباده، أي المحبّ لهم. وقرنه باسمه (الغفور) : إعلاما بأنّه يغفر الذّنب ويحبّ التّائب منه، فحظّ التّائب نيل المغفرة منه. وعلى القول الأوّل (الودود) يكون في معنى سرّ الاقتران، أي اقتران (الودود بالغفور) ، استدعاء مودّة العباد له، ومحبّتهم إيّاه باسم الغفور «٢» . بين التواد والتعاطف والتراحم: قال ابن أبي جمرة: الّذي يظهر أنّ التّراحم والتّوادد والتّعاطف وإن كانت متقاربة في المعنى لكن بينها فرق لطيف، فأمّا التّراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوّة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وأمّا التّوادد فالمراد به التّواصل الجالب للمحبّة كالتّزاور والتّهادي. وأمّا التّعاطف فالمراد به إعانة بعضهم بعضا كما يعطف الثّوب عليه ليقوّيه «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الإخاء- حسن الخلق- حسن العشرة- حسن المعاملة- الحنان- الرفق- العطف- الرأفة- الرحمة- المحبة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأذى- الإساءة- الإعراض- التحقير- سوء المعاملة- العنف- القسوة- الجهل] .

стр. 2056

الآيات الواردة في «التودد» ١- وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) «١» ٢-* لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) «٢» ٣- وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) «٣» ٤- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) «٤» ٥- وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) «٥» ٦- ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣) «٦» ٧- لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢) «٧» ٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢)

стр. 2057

لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) «١» ٩- إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) «٢»

стр. 2058

الأحاديث الواردة في (التودد) ١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رجلا من الأعراب لقيه بطريق مكّة، فسلّم عليه عبد الله. وحمله على حمار كان يركبه وأعطاه عمامة كانت على رأسه، فقيل له: أصلحك الله! إنّهم الأعراب وإنّهم يرضون باليسير. فقال عبد الله: إنّ أبا هذا كان ودّا لعمر بن الخطّاب، وإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أبرّ البرّ صلة الولد أهل ودّ أبيه» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه أتى المقبرة فسلّم على المقبرة، فقال: «السّلام عليكم، دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون. وددت أنّا قد رأينا إخواننا» . قالوا: يا رسول الله! أو لسنا إخوانك؟ قال: «أنتم أصحابي وإخواننا الّذين لم يأتوا بعد» ) * «٢» . ٣-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمّى) * «٣» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلّا جهادا «٤» في سبيلي، وإيمانا بي وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة. أو أرجعه إلى مسكنه الّذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة. والّذي نفس محمّد بيده ما من كلم يكلم «٥» في سبيل الله، إلّا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم وريحه مسك، والّذي نفس محمّد بيده! لولا أن يشقّ على المسلمين، ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي، والّذي نفس محمّد بيده! لوددت أنّي أغزو في سبيل الله فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل ثمّ أغزو فأقتل» ) * «٦» . ٥-* (عن معقل بن يسار- ﵁ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: إنّي أصبت امرأة ذات حسب وجمال، وإنّها لا تلد، أفأتزوّجها؟ قال: «لا» ، ثمّ أتاه الثّانية فنهاه، ثمّ أتاه الثّالثة، فقال: «تزوّجوا الودود الولود فإنّي مكاثر بكم الأمم) » * «٧» . ٦-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: خطب النّبيّ ﷺ فقال: «إنّ الله خيّر عبدا بين

стр. 2059

الدّنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله» فبكى أبو بكر ﵁ فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشّيخ، إن يكن الله خيّر عبدا بين الدّنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله؟ فكان رسول الله ﷺ هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا. قال: «يا أبا بكر لا تبك، إنّ أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متّخذا خليلا من أمّتي لاتّخذت أبا بكر، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته، لا يبقينّ في المسجد باب إلّا سدّ، إلّا باب أبي بكر) * «١» . ٧-* (عن أبيّ بن كعب- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «قام موسى خطيبا في بني إسرائيل، فقيل له: أيّ النّاس أعلم؟ قال: أنا» ... الحديث وفيه: فقال رسول الله ﷺ : «وددنا أنّ موسى صبر حتّى يقصّ علينا من أمرهما» ) * «٢» . ٨-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه ... الحديث، وفيه: فأمّا أسامة فأشار عليه بالّذي يعلم في نفسه من الودّ لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله ولا نعلم والله إلّا خيرا ... الحديث) *» . ٩-* (عن عتبان بن مالك- ﵁ وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ممّن شهد بدرا من الأنصار أنّه أتى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله قد أنكرت بصري وأنا أصلّي لقومي، فإذا كانت الأمطار سال الوادي الّذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم فأصليّ بهم، ووددت يا رسول الله أنّك تأتيني فتصلّي في بيتي فأتّخذه مصلّى. قال: فقال رسول الله ﷺ سأفعل إن شاء الله. قال عتبان: فغدا رسول الله ﷺ وأبو بكر- ﵁ حين ارتفع النّهار، فاستأذن رسول الله ﷺ فأذنت له فلم يجلس حتّى دخل البيت، ثمّ قال: أين تحبّ أن أصلّي من بيتك؟ قال: فأشرت له إلى ناحية من البيت. فقام رسول الله ﷺ فكبّر فقمنا، فصلّى ركعتين ثمّ سلّم. قال: وحبسناه على خزيرة «٤» صنعناها له، قال: فثاب في البيت رجال من أهل الدّار ذوو عدد فاجتمعوا، فقال قائل منهم: أين مالك بن الدّخيشن- أو ابن الدّخشن-؟ فقال بعضهم: ذاك منافق لا يحبّ الله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ : «لا تقل ذاك ألا تراه قال لا إله إلّا الله يريد بذلك وجه الله» قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنّا نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين. قال رسول الله ﷺ : «فإنّ الله قد حرّم على النّار من قال لا إله إلّا الله يبتغي بذلك وجه الله» ) * «٥» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ . قال: «من أشدّ أمّتي لي حبّا، ناس يكونون بعدي يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله) * «٦» .

стр. 2060

الأحاديث الواردة في (التودد) معنى انظر: صفة (المحبة) من الآثار الواردة في (التودد) ١-* (قال عمر- ﵁: «ثلاث يصفين لك ودّ أخيك: أن تسلّم عليه إذا لقيته أوّلا، وتوسّع له في المجلس، وتدعوه بأحبّ أسمائه إليه» ) * «١» . ٢-* (قال الأحنف بن قيس: «خير الإخوان إن استغنيت عنه لم يزدك في المودّة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها، وإن كوثرت عضّدك، وإن استرفدت رفدك، وأنشد: أخوك الّذي إن تدعه لملمّة ... يجبك وإن تغضب إلى السّيف يغضب) * «٢» . ٣-* (عن زهدم الجرميّ قال: «كان بين هذا الحيّ من جرم وبين الأشعريّين ودّ وإخاء فكنّا عند أبي موسى الأشعريّ. فقرّب إليه طعام فيه لحم دجاج. فدخل رجل من بني تيم الله ... الحديث) * «٣» . ٤-* (قال التّابيّ: «الإخوان ثلاثة أصناف: فرع بائن من أصله، وأصل متّصل بفرعه، وفرع ليس له أصل. فأمّا الفرع البائن من أصله فإخاء بني على مودّة، ثمّ انقطعت فحفظ على ذمام الصّحبة؛ وأمّا الأصل المتّصل بفرعه، فإخاء أصله الكرم وأغصانه التّقوى، وأمّا الفرع الّذي لا أصل له، فالمموّه الظّاهر الّذي ليس له باطن) * «٤» . ٥-* (قال شبيب بن شيبة: «إخوان الصّفاء خير مكاسب الدّنيا، هم زينة في الرّخاء، وعدّة في البلاء، ومعونة على الأعداء» ) * «٥» . ٦-* (قال الجاحظ: الودّ هو المحبّة المعتدلة من غير اتّباع الشّهوة، والودّ مستحسن من الإنسان إذا كان ودّه لأهل الفضل والنّبل، وذوي الوقار والأبّهة، والمتميّزين من النّاس، فأمّا التودّد إلى أراذل النّاس وأصاغرهم والأحداث والنّسوان وأهل الخلاعة فمكروه جدّا. وأحسن الودّ ما نسجته بين منوالين متناسبة الفضائل، وهو أوثق الودّ وأثبته، فأمّا ما كان ابتداؤه اجتماعا على هزل، أو لطلب لذّة فليس محمودا، وليس بباق ولا ثابت» ) * «٦» . ٧-* (كتب سعيد بن حميد إلى أحد أصحابه «إنّي أهديت مودّتي إليك رغبة، ورضيت بالقبول منك مثوبة، فصرت بقبولها قاضيا لحقّ ومالكا لرقّ

стр. 2061

وصرت بالتّسرّع إلى الهديّة، والتنظّر للمثوبة، مرتهن اللّسان بالجزاء واليدين بالوفاء» ) * «١» . ٨-* (قال الماوردي: «البرّ هو المعروف، ويتنوّع نوعين قولا وعملا، فأمّا القول فهو طيب الكلام وحسن البشر، والتّودّد بجميل القول، وهذا يبعث عليه حسن الخلق، ورقّة الطّبع، ويجب أن يكون محدودا كالسّخاء، فإنّه إن أسرف فيه كان ملقا مذموما، وإن توسّط واقتصد فيه كان معروفا وبرّا محمودا» ) * «٢» . ٩-* (كتب إبراهيم بن العبّاس إلى أحد إخوانه: المودّة يجمعنا حبلها، والصّناعة تؤلّفنا أسبابها، وما بين ذلك من تراخ في لقاء، أو تخلّف في مكاتبة، موضوع بيننا يجب العذر فيه) * «٣» . ١٠-* (عن الحسين بن عبد الرّحمن، قال: كان يقال: «إنّ المودّة قرابة مستفادة» ) * «٤» . ١١-* (وقالوا: «الصّديق من صدقك ودّه وبذل لك رفده» ) * «٥» . ١٢-* (قيل: «القرابة تحتاج إلى مودّة والمودّة لا تحتاج إلى قرابة» ) * «٦» . ١٣-* (قال جعفر الصّادق- ﵀: «مودّة يوم صلة، ومودّة شهر قرابة، ومودّة سنة رحم مائية من قطعها قطعه الله) * «٧» . من أقوال الشعراء: ١٤-* (كتب رجل إلى أبي العتاهية: يا أبا إسحاق إنّي ... واثق منك بودّك فأعنّي بأبي أن ... ت على عيبي برشدك فأجابه بقوله: أطع الله بجهدك ... راغبا أو دون جهدك أعط مولاك الّذي تط ... لب من طاعة عبدك) * «٨» ١٥-* (وقال آخر: إن كنت متّخذا خليلا ... فتنقّ وانتقد الخليلا من لم يكن لك منصفا ... في الودّ فابغ به بديلا ولقلّما تلقى اللّئيم عليك إلّا مستطيلا) * «٩» . ١٦-* (للعطويّ: صن الودّ إلّا عن الأكرمين ... ومن بمؤاخاته تشرف ولا تغترر من ذوي خلّة ... بما موّهوا لك أو زخرفوا) * «١٠» . ١٧-* (وقال شاعر: إذا ذهب العتاب فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب) * «١١» . ١٨-* (وقال آخر:

стр. 2062

تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني ... صديقك إنّ الرّأي عنك لعازب وليس أخي من ودّني رأي عينه ... ولكن أخي من ودّني وهو غائب) * «١» . ١٩-* (وللمبرّد: ما القرب إلّا لمن صحّت مودّته ... ولم يخنك وليس القرب للنّسب) * ٢. كم من قريب زويّ الصّدر مضطغن ... ومن بعيد سليم غير مقترب) * ٣. ٢٠-* (وأنشد ابن الأعرابيّ: لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكنّ إخوان الصّفا لذخائر) * ٤. ٢١-* (قال الشّاعر: يا صديقي الّذي بذلت له الو ... دّ وأنزلته على أحشائي إنّ عينا أقذيتها لتراعي ... ك على ما بها من الأقذاء ما بها حاجة إليك ولكن ... هي معقودة بحبل الوفاء) * ٥. ٢٢-* (وقال آخر: ارض من المرء في مودّته ... بما يؤدّي إليك ظاهره من يكشف النّاس لا يرى أحدا ... تصحّ منه له سرائره) * ٦. ٢٣-* (قال الشّاعر: لعمري لئن قرّت بقربك أعين ... لقد سخنت بالبين منك عيون فسر أو أقم، وقف عليك مودّتي ... مكانك من قلبي عليك مصون) * ٧. من فوائد (التودد) (١) يزيد الألفة ويقوّي التّضافر والتّناصر. (٢) يقرّب بين النّاس وينشر الرأفة والرّحمة بينهم. (٣) يترجم عن قوّة النّفس المسلمة بتمسّكها بحبل الله المتين. (٤) ما تواصلت حبال المودّة بين النّاس إلّا بسط الله عليهم رداء الرّحمة والغفران. (٥) يزيل ما بين النّفوس من الإحن والأحقاد. (٦) إنّه مدعاة إلى حسن الثّناء على الإنسان من الله والنّاس. (٧) يسدّ الخلل في المجتمع الإسلاميّ ويقوّي العلاقات الاجتماعيّة فيه.

стр. 2063

التوسط الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٢٩/ ١٩ التوسط لغة: مصدر توسّط الشّيء وهو مأخوذ من مادّة (وس ط) الّتي تدلّ على العدل والنّصف، وأعدل الشّيء أوسطه ووسطه، ويقال هو أوسطهم حسبا إذا كان في واسطة قومه وأرفعهم محلّا، ووسط الشّيء: ما بين طرفيه. ويكون ساكنا، فتقول: وسط القوم، وحينئذ فهو ظرف. ويكون متحرّكا فتقول: جلست في وسط الدّار، وذلك لأنّه اسم. والضّابط في ذلك أنّ كلّ موضع يصلح أن يكون فيه كلمة (بين) فهو ساكن، وإلّا فهو متحرّك. وقال ثعلب: إنّ كلّ ما كان مصمتا يكون متحرّكا بالفتح، وما كان أجزاء مخلخلة يكون ساكنا (وسط) . وقد يكون كلّ واحد مكان الآخر. وأوسط الشيء أفضله وخياره كوسط المرعى خير من طرفيه وكوسط الدّابّة للرّكوب خير من طرفيها لتمكّن الرّاكب، وفي التّنزيل: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً (البقرة/ ١٤٣) أي: عدلا أو خيارا. وتقول: توسّط وسط الشّيء: أي صار بأوسطه، ويقال: وسطت القوم أوسطهم وسطا وسطة أي توسّطتهم. وأمّا قولهم: فلان من أوسط قومه: أي من أشرفهم وأحسبهم. وكذلك الوسيط: الحسيب والحسن، ومنه سمّيت الصلاة الوسطى، لأنّها أفضل الصّلوات وأعظمها أجرا، ولذلك خصّت بالمحافظة عليها، وقيل لأنّها وسط بين صلاتي اللّيل وصلاتي النّهار. وقال الرّاغب: وسط الشّيء ماله طرفان متساويا القدر، ويقال ذلك في الكمّيّة المتّصلة كالجسم الواحد إذا قلت وسطه صلب وضربت وسط رأسه بفتح السّين، ويقال بسكون السّين في الكمّيّة المنفصلة، كشيء يفصل بين جسمين نحو وسط القوم، والوسط تارة يقال فيما له طرفان مذمومان، يقال هذا أوسطهم حسبا إذا كان في واسطة قومه وأرفعهم محلّا. وكالجود الّذي هو بين البخل والسّرف ... وتارة يقال فيما له طرف محمود وآخر مذموم كالخير والشّرّ أو الجودة والرّداءة، تقول من هذا المعنى: شيء وسط: أي بين الجيّد والرّديء، ويقال: فلان وسط في قومه، إذا كان أوسطهم نسبا وأرفعهم مجدا. وفي صفة نبيّنا ﷺ ، أنّه كان من أوسط قومه:

стр. 2064

أي خيارهم. فوسط الوادي: خير مكان فيه، وكذلك كان نبيّنا ﷺ من خير مكان في نسب العرب، وأمّته أيضا كذلك جعلت وسطا أي خيارا «١» . والتوسط اصطلاحا: أن يتحرّى المسلم الاعتدال ويبتعد عن التطرّف قولا وفعلا بحيث لا يقصّر ولا يغالي، وقال الرّاغب: التّوسّط: القصد المصون عن الإفراط والتّفريط «٢» . خير الأمور الوسط: قال ابن الأثير- رحمه الله تعالى- في بيان أفضليّة التّوسّط: كلّ خصلة محمودة لها طرفان مذمومان: فالسّخاء وسط بين البخل والتّبذير، والشّجاعة وسط بين الجبن والتّهوّر، والإنسان مأمور أن يتجنّب كلّ وصف مذموم، وتجنّبه يكون بالتّعرّي منه، والبعد عنه، فكلّما ازداد منه بعدا ازداد إلى الوسط تقرّبا؛ ولذلك فإنّ أبعد الجهات والمقادير والمعاني من كلّ طرفين وسطها، فإذا كان في الوسط، فقد بعد عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان «٣» . التوسط خصيصة لأهل الملة ولأهل السنة: قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: أهل السنّة والجماعة: «الفرقة الناجية» وسط في النّحل كما أنّ ملّة الإسلام وسط في الملل، فالمسلمون وسط في أنبياء الله ورسله وعباده الصّالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النّصارى، ولم يجفوا عنهم كما جفت اليهود. وهم وسط في شرائع دين الله، فلم يحرّموا على الله أن ينسخ ما شاء ويمحو ما شاء ويثبت ما شاء، كما قالته اليهود. ولا جوّزوا لأكابر علمائهم وعبّادهم أن يغيّروا دين الله فيأمروا بما شاءوا وينهوا عمّا شاءوا كما يفعله النّصارى. وهم كذلك وسط في باب صفات الله تعالى: فإنّ اليهود وصفوا الله تعالى بصفات المخلوق النّاقصة، والنّصارى وصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصّة به، هذا في باب يطول حصره. وأمّا أهل السّنّة والجماعة في الفرق فهم وسط كذلك، فهم في باب أسماء الله وصفاته وسط بين أهل التّعطيل الّذين يلحدون في أسماء الله وآياته ويعطّلون حقائق ما نعت الله به نفسه، حتّى يشبّهوه بالعدم والموات، وبين أهل (التمثيل والتّشبيه) الّذين يضربون له الأمثال ويشبّهونه بالمخلوقات. وأمّا هم: فيؤمنون بما وصف الله به نفسه وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وأمّا في باب الخلق والأمر، فهم وسط بين المكذّبين بقدرة الله الّذين لا يؤمنون بقدرته الكاملة ومشيئته الشّاملة وخلقه لكلّ شيء، وبين المفسدين لدين الله الّذين يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عمل فيعطّلون الأمر والنّهي والثّواب والعقاب،

стр. 2065

فيصيرون بمنزلة المشركين الّذين قالوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ (الأنعام/ ١٤٨) . وأمّا أهل السّنّة والجماعة فوسطيّتهم في إيمانهم بأنّ الله على كلّ شيء قدير، فيقدر أن يهدي العباد، ويقلّب قلوبهم، وأنّه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن إنفاذ أمره وأنّه خالق كلّ شيء من الأعيان والصّفات والحركات، كما يؤمنون في الوقت نفسه أنّ العبد له قدرة ومشيئة وعمل وأنّه مختار، ولا يسمّونه مجبورا (أي فيما كلّف به) إذ إنّ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله جعل العبد مختارا لما يفعله فهو مختار مريد، والله خالقه وخالق اختياره. وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الوعيديّة الّذين يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلّدين في النّار ويخرجونهم من الإيمان بالكلّيّة، ويكذّبون بشفاعة النّبيّ ﷺ وبين المرجئة الّذين يقولون: إيمان الفسّاق مثل إيمان الأنبياء، والأعمال الصّالحة ليست من الدّين والإيمان، ويكذّبون بالوعيد والعقاب بالكلّيّة، فيؤمن أهل السّنّة والجماعة بأنّ فسّاق المسلمين معهم بعض الإيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الّذي يستوجبون به الجنّة وأنّهم لا يخلّدون في النّار، بل يخرج منها من كان في قلبه مثقال حبّة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان. وهم في أصحاب رسول الله ﷺ وسط بين الغالية الّذين يغالون في عليّ- ﵁ وأهل البيت، فيفضّلون عليّا على أبي بكر وعمر، ويعتقدون أنّه الإمام المعصوم دونهما، وأنّ الصّحابة ظلموا وفسقوا، وكفّروا الأمّة بعدهم كذلك، وربّما جعلوه نبيّا وإلها، وبين الجافية الّذين يعتقدون كفره وكفر عثمان، ويستحلّون دماءهما ودماء من تولّاهما، ويستحبّون سبّ عليّ وعثمان ونحوهما، ويقدحون في خلافة عليّ ﵁ وإمامته. ووسطيّتهم في سائر أبواب السّنّة راجع لتمسّكهم بكتاب الله وسنّة رسوله ﷺ وما اتّفق عليه السّابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار والّذين اتّبعوهم بإحسان «١» . أمّا ابن القيّم- رحمه الله تعالى- فإنّه يحضّ على الأخذ بالوسط؛ لأنّ فيه النّجاة من الظّلم، فقال: الوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتّفريط هو العدل وهو الّذي عليه بناء مصالح الدّنيا والآخرة، بل حتّى مصلحة البدن لا تقوم إلّا به؛ لأنّه متى خرج بعض أخلاطه عن العدل وجاوزه أو نقص عنه ذهب من صحّته وقوّته بحسب ذلك، ومثل ذلك الأفعال الطّبيعيّة كالنّوم والسّهر والأكل والشّرب والحركة والرّياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك، إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا «٢» .

стр. 2066

وسطية الشريعة: قال الشّاطبيّ- رحمه الله تعالى-: الشّريعة جارية في التّكليف بمقتضاها على الطّريق الوسط الأعدل الأخذ من الطّرفين بقسط لا ميل فيه، الدّاخل تحت كسب العبد من غير مشقّة عليه ولا انحلال؛ بل هو تكليف جار على موازنة تقتضي في جميع المكلّفين غاية الاعتدال ... ، فإن كان التّشريع لأجل انحراف المكلّف، أو وجود مظنّة انحرافه عن الوسط إلى أحد الطّرفين، كان التّشريع رادّا إلى الوسط الأعدل، لكن على وجه يميل فيه إلى الجانب الآخر ليحصل الاعتدال فيه، وفعل الطّبيب الرّفيق يحمل المريض على ما فيه صلاحه بحسب حاله وعادته، وقوّة مرضه وضعفه، حتّى إذا استقلّت صحّته هيّأ له طريقا في التّدبير وسطا لائقا به في جميع أحواله، فهكذا تجد الشّريعة أبدا في مواردها ومصادرها جارية على هذا التّرتيب الوسط المعتدل، فإذا نظرت إلى كلّيّة من كلّيّات الشّريعة فتأمّلتها وجدتها حاملة على التّوسّط، فإن رأيت ميلا إلى جهة طرف من الأطراف فذلك لعلاج انحراف واقع أو متوقّع في أحد الجانبين، فطرف التّشديد- وعامّة ما يكون في التّخويف والتّرهيب والزّجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدّين، وطرف التّخفيف- وعامّة ما يكون في التّرجية والتّرغيب والتّرخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التّشديد، فإذا لم يكن انحراف إلى هذا أو ذاك رأيت التّوسّط لائحا، ومسلك الاعتدال واضحا، وهو الأصل الّذي يرجع إليه والمعقل الّذي يلجأ إليه «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الجود- الشجاعة- العدل والمساواة- القسط- الإنصاف. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الغلو- الإسراف- التفريط والإفراط- العدوان] .

стр. 2067

الآيات الواردة في «التوسط» ١-* سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) «١» ٢- حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) «٢» ٣- لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) «٣» ٤- إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠) فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥) فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) «٤» الآيات الواردة في «التوسط» معنى ٥- وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) » ٦- وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) «٦»

стр. 2068

الأحاديث الواردة في (التوسط) ١-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: إنّ رجلا أتاه، فقال: إنّ لي امرأة وإنّ أمّي تأمرني بطلاقها، قال: أبو الدّرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنّة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه» ) * «١» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: إنّ النّبيّ ﷺ أتي بجفنة أو قال قصعة من ثريد فقال: «كلوا من حافّاتها،- أو قال جوانبها- ولا تأكلوا من وسطها، فإنّ البركة تنزل في وسطها» ) * «٢» . ٣-* (عن البراء بن عازب- ﵄ أنّه قال: كنّا جلوسا عند النّبيّ ﷺ فقال: «أيّ عرى الإسلام أوسط؟» قالوا: الصّلاة، قال: «حسنة وما هي بها» . قالوا: الزّكاة، قال: «حسنة وما هي بها» . قالوا: صيام رمضان. قال: «حسن وما هو به» . قالوا: الحجّ. قال: «حسن وما هو به» . قالوا: الجهاد. قال: «حسن وما هو به» قال: «إنّ أوسط عرى الإيمان أن تحبّ في الله وتبغض في الله» ) * «٣» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من آمن بالله وبرسوله وأقام الصّلاة وصام رمضان كان حقّا على الله أن يدخله الجنّة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه الّتي ولد فيها» . فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشّر النّاس؟ قال: «إنّ في الجنّة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدّرجتين كما بين السّماء والأرض فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنّه أوسط الجنّة وأعلى الجنّة، وفوقه عرش الرّحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنّة» ) * «٤» . ٥-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «يجيء نوح وأمّته فيقول الله تعالى: هل بلّغت؟ فيقول: نعم، أي ربّ، فيقول لأمّته: هل بلّغكم؟ فيقولون: لا. ما جاءنا من نبيّ. فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد ﷺ وأمّته فنشهد أنّه قد بلّغ، وهو قوله جلّ ذكره: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «٥» لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ (البقرة/ ١٤٣)) * «٦» . ٦-* (عن أبي جحيفة- ﵁ قال: آخى النّبيّ ﷺ بين سلمان وأبي الدّرداء، فزار سلمان أبا الدّرداء، فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة فقال لها:

стр. 2069

ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدّرداء ليس له حاجة في الدّنيا. فجاء أبو الدّرداء فصنع له طعاما فقال له: كل. قال: فإنّي صائم. قال: ما أنا بآكل حتّى تأكل. قال: فأكل. فلمّا كان اللّيل ذهب أبو الدّرداء يقوم. قال: نم. فنام. ثمّ ذهب يقوم. فقال: نم. فلمّا كان من آخر اللّيل قال سلمان: قم الآن، فصلّيا. فقال له سلمان: إنّ لربّك عليك حقّا، ولنفسك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، فأعط كلّ ذي حقّ حقّه. فأتى النّبيّ ﷺ فذكر ذلك له فقال له النّبيّ ﷺ : «صدق سلمان» ) * «١» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قام أحدكم من اللّيل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول فليضطجع» ) * «٢» . ٨-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: قال رسول الله ﷺ : «إذا نعس أحدكم في الصّلاة فليرقد حتّى يذهب عنه النّوم، فإنّ أحدكم إذا صلّى وهو ناعس لعلّه يذهب يستغفر فيسبّ نفسه» ) * «٣» . ٩-* (عن المغيرة بن شعبة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله- حرّم عليكم عقوق الأمّهات ووأد البنات، ومنعا وهات، وكره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال» ) * «٤» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا. فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا، ويكره لكم قيل وقال وكثرة السّؤال وإضاعة المال» ) * «٥» . ١١-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: «إنّ النّبيّ ﷺ دخل عليها وعندها امرأة. قال: «من هذه؟» . قالت: فلانة تذكر من صلاتها. قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فو الله لا يملّ الله حتّى تملّوا، وكان أحبّ الدّين إليه ما داوم عليه صاحبه» ) * «٦» . ١٢-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الهدي الصّالح والسّمت الصّالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءا من النّبوّة» ) * «٧» . ١٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ ﷺ

стр. 2070

يسألون عن عبادة النّبيّ ﷺ ، فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النّبيّ ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ ، فقال: «أنتم الّذين قلتم كذا وكذا. أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» ) * «١» . ١٤-* (عن بريدة الأسلميّ- ﵁ أنّه قال: خرجت ذات يوم لحاجة فإذا أنا بالنّبيّ ﷺ يمشي بين يديّ فأخذ بيدي، فانطلقنا نمشي جميعا، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلّي، يكثر الرّكوع والسّجود فقال النّبيّ ﷺ : أتراه يرائي، فقلت: الله ورسوله أعلم، فترك يده من يدي ثمّ جمع بين يديه، فجعل يصوّبهما ويرفعهما ويقول: «عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، فإنّ من يشادّ هذا الدّين يغلبه» ) * «٢» . ١٥-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: دخل النّبيّ ﷺ ، فإذا حبل ممدود بين السّاريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا حبل لزينب، فإذا فترت تعلّقت به. فقال النّبيّ ﷺ : «حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» ) * «٣» . ١٦-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّه قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجال يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا. فقال «تلك ضراوة الإسلام وشرّته ولكلّ ضراوة شرّة، ولكلّ شرّة فترة. فمن كانت فترته إلى اقتصاد وسنّة فلا أمّ ما هو، ومن كانت فترته إلى المعاصي فذلك الهالك» ) * «٤» . ١٧-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: سئل النّبيّ ﷺ : أيّ الأعمال أحبّ إلى الله؟ قال: «أدومها وإن قلّ» . وقال: «اكلفوا من العمل ما تطيقون» ) * «٥» . ١٨-* (عن عمّار بن ياسر- ﵄ أنّه قال: صلّيت صلاة فأوجزت فيها، فقال له بعض القوم: لقد خفّفت أو أوجزت الصّلاة. فقال: أمّا على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهنّ من رسول
следующие страницы →