← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إن دور القدوة مهم في حياة الأفراد والجماعات، وما أصيبت دعوة أو فكرة أو مذهب بافتقاد القدوة إلا فقدت تأثيرها، وما قدم صاحب دعوة الدليل العملي على صحة دعواه إلا بالسلوك والقدوة، وحينئذ يقتنع الناس وتصبح واقعا سلوكيا في حياة الناس. وما أصيبت مجتمعاتنا الإسلامية في صميمها إلا حين افتقدت القدوة. إن القدوة ترجمة عملية واقعية للمبادىء والأفكار تستطيع أن تجمع الناس حول المثل الأعلى، ولذا حين تفتقد المثل الأعلى، ويصبح الناس فرقا وجماعات ومذاهب، فيفقدون إرادة الفعل ويغرقون في التناطح، ويتترّسون خلف متاريس الفكر، كل يحاول الانتصار لفكرته بالكلام والتراشق بالاتهامات، والتعصب الأعمى القائم على التقليد الأعمى. إن مجتمعاتنا تشكو من فقر خلقي وعلمي وحضاري، وما ذلك إلا نتيجة لافتقادها للقدوة الصالحة ولو صحت عزائم الناس والعلماء منهم خاصة لأصبح كل واحد منهم قدوة حسنة في مجاله- فهو يملك مقوماتها- ولتحولت الأفكار والمبادىء إلى فعاليات سلوكية صحيحة، وهذا ما نحتاجه فعلا، ولكن- وللأسف- ما زلنا نعيش مرحلة اجترار المبادىء والأفكار بدون فعالية، فنحن في أمس الحاجة إلى القدوة الصالحة بكافة أشكالها وبشروطها السابقة، ويوم أن توجد تلك القدوة نستطيع أن نمتلك الفعالية، وننتج الحضارة، ويكون لنا مكاننا العالمي عطاء وإبداعا. إن القدوة السلوكية أمر لازم لتنمية القيم وصبغها بالفعالية لتكون موجها حقيقيا، وما امتازت التربية الإسلامية عبر عهودها التي عاشتها إلا بتلك القدوة، ويوم أن فقدت القدوة فقدت فعاليتها في حياة الناس، ولذا فإن واجب التربية الإسلامية توفير هذه القدوة حتى تعاود التأثير والإبداع، ولها في هدي رسول الله ﷺ زاد كبير ومدد تستمد منه في إعداد المربين القدوة، وكذا الآباء والأمهات وسائر المجتمع الإسلامي الذي هو في أمس الحاجة إلى القيم الإسلامية مجسدة في أفراده. والتربية العملية والتربية بالوقائع: لتنمية الأخلاق لدى المسلمين اتبع الرسول ﷺ أسلوب التربية العملية، تعليما وتدريبا، وربط التوجيه بالأحداث والوقائع الجارية في حياة الناس، والتربية الإسلامية في هذا المجال تظهر من خلال حديث الرسول ﷺ ، وقبله القرآن الكريم «تربية عملية، تتحول بها الكلمة إلى عمل بناء، أو إلى خلق فاضل، أو إلى تعديل في السلوك على النحو الذي يحقق وجود ذلك الإنسان كما تصوره الإسلام» «١» . وكان الرسول ﷺ يهمه أن يتحول ما يتلقاه المسلمون منه إلى مواقف عملية وسلوكيات، وكان كمرب «يثبت بالبراهين العملية والتجارب الفعلية أن ما

стр. 247

يدعو إليه هو أمر ممكن التنفيذ، وآية ذلك أنه مشخص في سلوكه» «١» . وهناك الكثير من مواقف حياة الرسول ﷺ تترجم هذا وتدل عليه. إن التربية الحقيقية هي التي تحاول أن تجعل من العلم سلوكا حقيقيّا، ومن الأفكار مواقف، والرسول ﷺ يصور هذا فيما يروى عنه، فالعلم قبل القول والعمل، ولكن العمل ضروري لا يكفي القول ولا العلم، حتى الإيمان يعتبر عملا، وقد جاء في صحيح البخاري باب بعنوان: «من قال إن الإيمان هو العمل» لقول الله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٢» . وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ «٣» . عن قول لا إله إلا الله، وقال: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ «٤» . ويروى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سئل «أي العمل أفضل؟ فقال: الإيمان بالله ورسوله، قيل: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» «٥» . ومن هذا القبيل الأمر بالتبليغ عن رسول ﷺ ، ومن هذا القبيل أيضا ما روي عن شعبة عن أبي جمرة، قال: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس، فقال: إن وفد بني عبد القيس أتوا النبي ﷺ ، فقال: «من القوم أو من الوفد؟» قالوا: ربيعة، فقال: «مرحبا بالقوم أو الوفد، غير خزايا ولا ندامى» قالوا: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة، فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله- وحده، قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله وحده» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم» . ونهاهم عن الدّبّاء والحنتم والمزفت، قال شعبة: ربما قال: «النقير» وربما قال «المقير» ، قال: «احفظوه وأخبروه من ورائكم» «٦» .

стр. 248

وكما نلاحظ فإن الرسول يحرص كل الحرص على ترجمة الإيمان إلى سلوك، وكلا الأمرين النهي والأمر لا بد أن يترجما إلى سلوك، وهو حرص الوفد نفسه على أن يدله الرسول ﷺ على عمل يدخلهم الجنة، ثم أمر آخر نلاحظه في الحديث، وهو قوله ﷺ : (احفظوه، وأخبروه من وراءكم) حفظ ووعي وفهم وتطبيق ثم تبليغ. إن الرسول ﷺ يحرص على أن يعلم الناس، وأن ينشر العلم، لأنه أساس التربية العملية، يقول في خطبة بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص لقتال رسول الله ﷺ فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب» «١» . وعن أبي موسى- ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» «٢» . هذه شواهد متعددة تبين أن العبرة في العلم التطبيق والعمل، لا مجرد المعرفة، ومن هنا كانت عنايته ﷺ بالتربية العملية، لأنها أكثر فعالية في تطبيق الأخلاق ورعايتها. وكان الرسول ﷺ يغتنم فرصة التصرفات العملية التي تقتضي توجيها تربويا أو عمليا ليأخذ منه المسلمون درسا إيجابيا، فكان يدعو إلى قيمة أو يصحح سلوكا، أو ينفي هذا السلوك الخاطيء وهي طريقة فعالة لأنها ترتبط بالوقائع المشاهدة وتتصل بما يعيشه الناس، ولذا ترسخ في الذهن، وتثبت في القلوب، وبهذا ترتبط القيم بواقع الحياة، وهذا يعني أن غرس القيم لا يقتصر على مجرد التعلم والحفظ والتسميع، وإنما يعتمد على واقع الحياة والخبرة المعيشية وبالتالي يكون تأثيرها قويا، لأنها «تثير الانتباه الذي يجمع الفاعلية النفسية حول ظاهرة ما، عن طريق الحس إن كانت هذه الظاهرة خارجية، وعن طريق التأمل إن كانت داخلية» «٣» . والحديث الشريف مليء بالأمثلة من ذلك النوع، من ذلك: - ما يروى عن أبي ذر- ﵁ قال: كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجمية، فنلت منها فذكرني إلى النبي ﷺ ، فقال: «أساببت فلانا» قلت: نعم، قال: «أفنلت من أمه؟» قلت: نعم، قال: «إنك امرؤ

стр. 249

فيك جاهلية» ، قلت على حين ساعتي: هذه من كبر السن؟ قال: «نعم، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه فليعنه عليه» «١» . - وذكر رجل عند النبي ﷺ فأثنى عليه رجل خيرا، فقال النبي ﷺ : «ويحك، قطعت عنق صاحبك- يقول مرارا- إن كان أحدكم ما دحا لا محالة فذلك أحسب كذا وكذا، إن كان يرى أنه كذلك، والله حسيبه ولا يزكي على الله أحدا» «٢» . - ويروى عن جابر بن عبد الله: أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة، فقرأ بهم البقرة، قال: فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة فبلغ ذلك معاذ، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذا صلّى بنا البارحة فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فقال النبي ﷺ : «يا معاذ، أفتان أنت- ثلاثا- اقرأ: وَالشَّمْسِ وَضُحاها وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ونحوها» «٣» . إن هذه الأمثلة وغيرها توضح أنه ما من واقعة تحدث، إلا وكان يبينها رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ لا ينطق عن الهوى فإذا وقعت بعد ذلك، عرف الناس كيف يتصرفون حيالها، وهناك عدة أمور توافرت لتضمن فعالية هذا الأسلوب، وهي: - وقوع الشخصية في موقف ما، اجتماعي أو إنساني أو غير ذلك من مواقف أو واقعات. - إثارة قوى الشخصية الانفعالية والعقلية بكافة الأساليب الممكنة: السؤال، الاعتراض، الاستنكار ... الخ، وإشعارها أنها تقف موقفا يحتاج إلى معيار يضبطه. - الإجابة عن السؤال أو الاعتراض. - تزويد الشخصية بالحل الأمثل بالقيمة المطلوبة في هذا الموقف. وتأتي بعد ذلك الاستجابة والاختيار في إطار هذا الخلق والالتزام به، وهكذا وبهذه الطريقة استطاع الرسول ﷺ أن يبني الأخلاق في نفوس المسلمين. ز- القصة: وهي من أكبر وأكثر الوسائل فعالية في تنمية الأخلاق، وقد استخدمها الرسول ﷺ ، وحرص على أن

стр. 250

يضمنها الكثير من الأخلاق الإسلامية، إما من أجل توضيحها أمام المسلمين من ناحية، وإما من أجل تعميقها في نفوسهم من ناحية ثانية، وذلك «من خلال جعلها موضوعات تدور حولها أو تتحدث عنها أحداث القصة ومواقفها، وهي قيم ذات جوانب متعددة» «١» . وتأتي فعالية القصة من كونها «مزيجا من الحوار والأحداث والترتيب الزمني مع وصف للأمكنة والأشخاص والحالات الاجتماعية والطبيعية التي تمر بشخصيات القصة» «٢» . وهي قادرة على تأكيد الاتجاهات المرغوبة وترسيخ القيم والأخلاق، وذلك عن طريق استثارة مشاركة الإنسان العاطفية لنماذج السلوك والقيم التي تقوم القصة بتقديمها وللمواقف التي تصورها. وقد كانت القصة القرآنية وسيلة من وسائل التربية وتنمية القيم الخلقية الإسلامية، وذلك باستخراج العبرة من التجربة السابقة، واستخراج المثل وشرح طرق الخير، والتحذير من الكفر والجحود، يقول تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ «٣» . ويقول تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ «٤» . تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها «٥» . فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «٦» . وهذا القصص باحتوائه على ألوان كثيرة وصور كثيرة عن الماضي من لدن آدم لبعث الرسول ﷺ ، وما كان من أخبار الرسل والأمم السابقة، وما يعرض من صور المكذبين لتخليهم عن تحكيم القيم والمعايير التي جاء بها الرسل، كل هذا يؤكد معلما بارزا حيا في استخدام هذا القصص كوسيلة من أهم وسائل التربية وتنمية القيم. تمد القصة القرآنية الفرد والجماعة بالقيم الأخلاقية الإسلامية الصادقة وتسهم- بإيجابية- في غرس هذه القيم في نفوسهم، وهي إحدى وسائل التربية، التي يميل إليها النشء. فإن «القصة تؤثر في النفس إذا وضعت في

стр. 251

قالب عاطفي مؤثر، وهي تجعل القاريء أو السامع يتأثر بما يقرأ أو يسمع، فيميل إلى الخير وينفذه، ويمتعض من الشر فيبتعد عنه» «١» . وكل القصص الذي تضمنه القرآن الكريم هو قصص واقعي، جاء به القرآن للتربية. «وهذا القصص يشتمل على كل أنواع التعبير الفني ومشخصاته، من حوار إلى سرد، إلى إحياء للشخص، إلى دقّة في رسم الملامح، إلى اختيار دقيق للخطة الحاسمة في القصة» «٢» . والقرآن الكريم يقرر ذلك كله- منذ مئات السنين- في لفظ قصير، وأسلوب جميل، وبيان معجز، ونستدل من ذلك على أن القصة تلعب دورا فعالا في غرس كثير من القيم الإسلامية السامية في نفوس الأفراد. والقصة لم تكن وسيلة من وسائل الدعوة الإسلامية إلى الله في القرآن «إلّا بعد أن قطعت الدعوة أشواطا من سيرها مع العقل الإنساني، والتعريف بالخالق العظيم الرزّاق، بالنظر في آيات الله، وما صورت من عجائب الخلق والإبداع» «٣» . والقصة القرآنية الهادفة «سلاح نفسي، في الدعوة الإسلامية إلى عقيدة التوحيد، وفي إقناع المخالفين عن طريق الجدال والحوار بسمو هذه العقيدة ونيل أهدافها» «٤» . وجاء القرآن الكريم بقصص تربوية، هي «غاية في الأهمية، في علاقات الإنسان الأخلاقية- ذلك مع جمال الأسلوب وبلاغة المعنى» «٥» . كما نص القرآن الكريم على أهمية القصة، ودورها في غرس القيم الأخلاقية، وذلك في مثل قوله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ «٦» . ونتيجة لما للقصص من دور خطير في التوجيه الفني الخفي، ألح علماء التربية على حسن اختيار ما يعرض أو يقدم للناشئة من قصص، حتى لا ينقلب عاملا سيء الأثر من تربيتهم، وتكوينهم الفكري والخلقي، وهم لم يبلغوا درجة من النضج تؤهلهم للتمييز، وتمكنهم من الحكم الصحيح على المواقف والتصرفات «٧» .

стр. 252

والقرآن الكريم استخدم القصة لجميع أنواع التربية والتوجيه التي يشملها: تربية الخلق، تربية الوجدان، تربية الجسم، والتربية بالموعظة. لقد كانت القصة- وما تزال- مدخلا طبيعيّا، يدخل منه أصحاب الرسالات والدعوات والهواة والقادة إلى الناس، وإلى عقولهم وقلوبهم، ليلقوا فيها ما يريدونهم عليه، من قيم وآراء ومعتقدات «١» . والقصة في عصرنا الحاضر من «أقوى أجهزة التأثير في قيادة الجماعات البشرية، فلا عجب أن تكون القصة في القرآن ركيزة قوية من ركائز الدعوة الإسلامية، القائمة على الاقتناع العقلي، والاطمئنان القلبي، لما تدعو إليه، من الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر «٢» . وبهذا تكون القصة القرآنية لها دور فعال في غرس القيم المرغوب فيها في نفوس النشء. والقصة القرآنية يمكن أن تكون عملا تربويّا هامّا في نشر الاتجاهات والقيم المرغوب فيها، والدعوة إلى الإصلاح، والتحلي بكريم الأخلاق، بما لها من أثر عميق وعظيم في نفوس المتعلمين، ولما لها من قدرة على التأثير والتغيير والتوجيه، وفي هذا الشأن يقول رب العزة في قصة يونس ﵇: فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ «٣» . ومن هذه الآية الكريمة، يمكن غرس قيمة وجدانية أساسية، وهي قيمة الإيمان بالله، وتشير الآية أيضا إلى أن الإيمان يجعل المؤمن مستجاب الدعوة، حيث ينجي الدعاء صاحبه حتى في أحرج الظروف. ويمكن الإشارة إلى أن بعض الآيات الكريمة، التي فيها دلالة صريحة على القيم الأخلاقية التي يعني بها القصص القرآني، ومن هذه الآيات يمكن الإشارة إلى أهم القيم الخلقية، التي تتشكّل في ضوئها أهداف التربية الخلقية للقصص القرآني منها على سبيل المثال لا الحصر:- أ- الرحمة، حيث يقول الله تعالى، على لسان أيوب- ﵇: وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ «٤» . ب- العدل، يقول- جلّ شأنه- على لسان شعيب ﵇: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ «٥» . ج- الصدق، يقول الله تعالى: ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ «٦» .

стр. 253

وجملة القول، أن القرآن الكريم يشتمل على كثير من القصص التربوية، التي تسهم إسهاما فعالا في تحقيق أهداف التربية الإسلامية، وذلك لأنها تضع المثل أمام المتعلمين، مما يساعد على غرس كثير من القيم التربوية السامية في نفوسهم، وتتميز القصة في القرآن بأنّها تمد القرّاء والجماعات بالقيم الإسلامية الصادقة النابعة منه. القصة في الحديث الشريف: لقد أدرك الرسول العربي ﷺ الميل الفطري إلى القصة، وأدرك ما لها من تأثير ساحر على القلوب، فاستغلها لتكون وسيلة من وسائل التربية والتقويم. والقصة الهادفة المربية «سلاح نفسي في الدعوة المحمدية إلى عقيدة التوحيد، وفي إقناع المخالفين عن طريق الجدل والحوار بسمو بهذه العقيدة ونبل أهدافها «١» . وفي الحديث الشريف، قصة موسى- ﵇ والخضر، التي وردت في القرآن الكريم، جاء بها الحديث مبينا دقائقها كما حدّث به الرسول ﷺ ، مستخدما هذه القصة- التي وقعت فعلا- في التربية العقلية للإنسان المسلم، ففي هذه القصة «جواز التمادي في العلم إذا كان كل واحد يطلب الحق ولم يكن تعنتا- الرجوع إلى قول أهل العلم عند التنازع، كما يجب على العالم الرغبة في التزود من العلم والحرص عليه، وألا يقنع بما عنده، كما لم يكتف موسى ﵊ بعلمه. ويجب التواضع، لأن الله تعالى عاتب موسى- ﵇ حين لم يرد العلم إليه وأراه من هو أعلم منه، والرحلة في طلب العلم» «٢» . وفي الحديث: «حدثنا أبي بن كعب عن النبي ﷺ ، أن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم: فقال: أنا، فعتب الله عليه، إذ لم يرد إليه العلم ... » «٣» . وقد تستخدم القصة في الحديث الشريف كوسيلة من وسائل تنمية الأخلاق الإسلامية، وعلى سبيل المثال هناك قصة أوردها الحديث الشريف عن «ثلاثة الأخوة الذين أووا للمبيت إلى الغار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار» «٤» . في هذه القصة تربية خلقية وآداب اجتماعية، ففيها احترام الأبوين والعفة والطهارة، وأداء الحق إلى أصحابه ومخافة الله ومهابته، إيمانا حقيقيّا خالصا به. وهناك أمثلة أخرى متعددة لا مجال هنا للحديث عنها «٥» . وهكذا استخدم الرسول ﷺ القصة، وترسم خطى القرآن في توظيف القصة من أجل نشر الوعي

стр. 254

الإسلامي وتعميق مبادىء الإسلام وقيمه في نفوس المسلمين، واستخدم هذه الوسيلة أيضا صحابة رسول الله- رضوان الله عليهم- وجاء استخدام القصة لأغراض شتى ومتنوعة وبأشكال شتى أيضا، كلها تؤدى إلى تعميق القيم أو تأسيسها، وتتمثل تلك الأغراض فيما يلي: ١- غرس القيم الخلقية: تعرضت القصة القرآنية والنبوية لقضايا ومعايير تنمية القيم الخلقية، كالثبات على العقيدة، والتمسك بها، وعدم التنازل عن مبادئها، وبطريقة التكرار لتؤكد على «تعميق هذه المواقف وترسيخها في نفوس المسلمين، لتستقر في وجداناتهم ومشاعرهم ولتكون معلما يضىء لهم الطريق وهم يواجهون ما يواجهون من ألوان الاضطهاد والتنكيل بسبب ما يعتقدونه من دين وما يؤمنون به من عقيدة» «١» . كما تتعرض القصة للصلاة وفضلها، والصدقة وفضلها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتوبة، والأمانة والصدق، وغير ذلك من قيم إسلامية صحيحة أكدتها القصة ودعت إلى التزامها، سواء فيما يتصل بالسلوك الفردي أو السلوك مع الجماعة وما يصون عليها وحدتها وأفعالها من قيم «٢» . إن القصة في المصادر الأصيلة تهدف إلى إيجاد عواطف متجاوبة مع تعاليم الإسلام وقيمه وأخلاقه، وذلك مما يدعو إلى الالتزام بهذه القيم، والأمثلة كثيرة ومتنوعة، فالقصص القرآني والنبوي زاخر وغني بالقيم الإسلامية، ونجد فيها توظيفا لإمكانيات القصة في سبيل تحقيق هذا الغرض وهو تنمية القيم الإسلامية، إلى جانب الأغراض الأخرى، فقد كانت «تسعى إلى هدفها بسلوك طرق مختلفة، لها أثرها الحيوي في تربية الإنسان وتوجيهه والأخذ بيده نحو الأفضل، وهو أثر نابع من الاستجابة الطبيعية التي يحس بها الإنسان، وهو يتعامل مع تلك الوسائل، لأنها وسائل تتجاوب مع إمكاناته النفسية، وما جبل عليه من طبائع واستعدادات وقوى، وتوقع على أوتارها ما تنشده من غايات تربوية» «٣» . ٢- تأكيد العقيدة وتعميقها في وجدان الناس: باعتبارها القيمة الأساسية التي تقوم عليها وتحيا في ظلها جميع فروع الدين وجزئياته ونظمه، وذلك كتأكيد قضية وحدانية الله وإفراده بالألوهية والعبادة. ولأهمية البناء العقيدي للمسلم فردا وجماعة، ولأهمية مبدأ التوحيد المحرر للإنسان وللجماعة تهتم القصة بعرض جزئيات قيم العقيدة، كصفات الله تعالى، والتأكيد على أنه هو المهيمن المتصرف في هذا الوجود، وأنه تعالى

стр. 255

صاحب الشأن في هذا الكون الفعال لما يريد، كما تؤكد أهمية الثقة في الله والكفاية به، والاعتماد الدائم عليه والاعتصام به، والإيمان بالملائكة، والرسل والكتب واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر، خيره وشره، وحلوه ومره، وأن الإنسان لم يسلب إرادته وحريته بهذا الإيمان، بل أعطى حريته وإرادته المختارة، وأعطى عقلا يميز به، وهو أساس التكليف والمسئولية، إلى غير ذلك من جزئيات القيم العقيدية التي تعتبر الأساس لكل القيم، وعرضته القصة عرضا جيدا «١» . ٣- عرض حياة الرسول ﷺ ، وما تضمنته من قيم خلقية: حيث إنه الرائد الذي لا يكذب أهله، وهو الهادي إلى الحياة الصحيحة، من تبعه فيما دعا إليه فاز ونجا، ومن كذبه خسر وبار، وأنه خاتم الرسل ولا نبي بعده، وتعرض دلائل النبوة وبراهين الرسالة، كما تعرض لصفات النبي ﷺ . وتعرض القصة حياة الرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- ودعوتهم إلى أقوامهم، ومواقف الأمم من الدعوة وانتصار الحق وغير ذلك من ملامح تاريخ الرسل، ومحاولتهم تخليص العقيدة من الأمراض التي تفتك بها، وإرساء القيم الصحيحة للاقتداء بهم، والتأسي بهم فيما كانوا عليه من الهدى. وجملة الأمر أن القصة كوسيلة من وسائل تنمية القيم الخلقية تتسع إمكاناتها، إذ إنها تستخدم كافة الإمكانات التى تفيد في هذا المجال، استخدام عناصر التشويق، والتقرير والحوار والسؤال وغير ذلك من إمكانات «٢» . كالنموذج والقدوة للاحتذاء بها، والتوجيه التقريري على لسان أحد شخصياتها، والمادة التاريخية الواردة بها، والوسائل التعليمية والتربوية، ومعنى هذا أن إمكانياتها واسعة جدا، يمكن الاستفادة منها في مجال تنمية القيم الخلقية الإسلامية. وقد أحس المسلمون قيمة القصة في تنمية القيم الخلقية، فبعد وفاة الرسول ﷺ ، كان الآباء والأمهات من الصحابة والصحابيات يستخدمون القصة من أجل تحقيق هذا الهدف، وبدأ القصّاص يجلسون في المساجد يقصون أخبار الرسول ﷺ وسيرته، وأخبار الأمم السابقة، والقارىء للفكر الإسلامي وفنونه يستدل على الكثير من الشواهد الدالة على شيوع استخدام القصص عند المسلمين. وإذا كانت القصة تحتل تلك الأهمية في تاريخ التربية الإسلامية، فإن أهميتها لا تزال مستمرة وتحقق أهدافا تربوية جيدة للأطفال والشباب والشيوخ، فلكلّ قصصه الذي يناسبه، ويمكن استخدامها بطريقة فعالة لغرض القيم الخلقية الإسلامية، ولذلك شروطه كما يلي: - أن تكون القصة منسجمة مع أهداف الإسلام ومبادئه وقيمه بحيث تقدم هذه القيم في إطار أهداف

стр. 256

الإسلام بعيدة عن التهويل والمبالغات، فضلا عن الأساطير والأكاذيب والبدع. - أن تكون القصة مناسبة للسن الذي تكتب له، فجمهور القصة ليس واحدا متجانسا في صفاته، وخصائصه ورغباته وقدراته، ومعنى هذا مراعاة خصائص النمو بكافة جوانبها النفسية واللغوية والحضارية والعلمية. - أن تختار الموضوعات المناسبة، بحيث يحوي جوهر الموضوع الاتجاهات والقيم والمعلومات المناسبة لما تعرضه. - أن تراعي العناصر الأساسية للقصة، من حيث البنية العامة، والنسيج القصصي، والأسلوب المناسب، والتشويق، ومراعاة الإطارين الزمني والمكاني، وطريقة العرض والشخصية الأساسية والشخصيات الثانوية، ثم نوع القيم ومصادرها، وطريقة عرضها، وغير ذلك من شروط تتصل بهذا الموضوع «١» . إن القصة تلعب دورا بالغ الأهمية في تنمية القيم الخلقية والاتجاهات الإسلامية، لو وجهت التوجيه الإسلامي في الهدف والنزعة والأسلوب، وقد تكون فائدة القصة أكثر في مرحلة الطفولة مما يستدعي اهتماما جيدا بهذا اللون من القصص وتضمينه القيم الإسلامية الصحيحة. ح- السؤال والحوار والمناقشة: قد تكون هذه الوسيلة من أساليب التدريس العامة، إلا أن استخدامها في مجال تنمية القيم الخلقية يعتبر فعالا، وهذا ما تدل عليه النصوص القرآنية والنبوية، فقد كان المسلمون يسألون الرسول ﷺ ويستفتونه فيما يواجههم من شئون الدين والدنيا، وكان القرآن يجيب على تلك الأسئلة، وكثيرة تلك الموضوعات التي أجاب القرآن فيها على أسئلة المسلمين «٢» . واستخدم الرسول ﷺ الطريقة نفسها، فكان يجيب المسلمين على ما يعن لهم من أسئلة تواجههم معطيا كل سؤال حقه من الإجابة، إيجازا وتفصيلا تبعا لمقتضيات الحال، «والإجابة دائما شافية، بحيث لا يترك النبي ﷺ السائل وفي نفسه أثارة من حرج أو أثارة من جهل، بأي جانب من جوانب الموضوع الذي يسأل عنه» «٣» . والأمثلة من السنة كثيرة وافرة، ونلاحظ أن السؤال تارة يأتي من المسلمين للنبي ﷺ ، وتارة يسأل الرسول

стр. 257

صلّى الله عليه وسلّم مستثيرا الرغبة في المعرفة لدى المستمعين. ونذكر هنا أمثلة حسب مقتضى الحال. يروى «أن سعد بن عبادة- ﵁ استفتى النبي ﷺ نذرا كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه بأن يقضيه عنها» «١» . ويروى عن عقبة بن عامر- ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة؟ فقال: «مرها فلتختمر ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام» «٢» . ويروى عن أبي موسى- ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، ما القتال في سبيل الله؟ فإن أحدنا يقاتل غضبا، ويقاتل حمية، فرفع إليه رأسه، قال: وما رفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما، فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله حتى يرجع» «٣» . والأمثلة على أسئلة المسلمين للنبي ﷺ كثيرة، متنوعة، تتعلق بمسائل كثيرة ومواقف عديدة من مواقف الحياة التي كان يعيشها الناس. أما سؤال النبي ﷺ للمسلمين فأمثلته كثيرة، تدل على حرص النبي ﷺ على تعليم المسلمين أمر دينهم وغرس القيم لديهم، من ذلك ما يروى عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟» فوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة، قال عبد الله: فاستحييت، فقالوا: يا رسول الله، أخبرنا بها، فقال رسول الله ﷺ : «هي النخلة» . قال عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إليّ من أن يكون لي كذا وكذا» «٤» . وسواء كان السؤال للاستفهام أو للاستفسار أو للتقرير أو للإنكار أو للتوبيخ، أو للتهكم، أو للأمر أو للتنبيه أو للتحقيق، وغير ذلك من أغراض السؤال، فإنه يعد وسيلة من أهم وسائل تقرير القيمة الخلقية وتنميتها، فضلا عن أنه أسلوب من أساليب التعليم والتعلم، بل إن صياغته تعتبر فنا له شروطه وطريقته يستخدمه المربون استخداما له أهدافه في مجالهم، وما تزال له فعالية وله شيوعه في أساليب التعليم منذ القدم وحتى اليوم «٥» .

стр. 258

هذه بعض وسائل تنمية القيم الخلقية الإسلامية، ولكنها ليست كل ما كان يستخدمه ﷺ أو استخدمه القرآن الكريم، فهناك طرق ووسائل أخرى كثيرة كاستخدام العقل «١» ، والترغيب والترهيب، وغير ذلك «٢» . وقد حققت نتائج تربوية بالغة الأهمية في غرس القيم الإسلامية، والتي بدت آثارها في تقدم وتفوق المجتمع الإسلامي، وهذه استخدمت بفعالية كطريقة في حد ذاتها، وكوسيلة تتخلل الوسائل السابقة الذكر وتتكامل معها، فكل هذه الوسائل مترابطة، لها أثرها في تنمية جانب أو أكثر من القيم الإسلامية. وهذه هي أهم وسائل تنمية القيم الخلقية الإسلامية في الشخصية المسلمة، فإن محاولتنا ربطها أو استنباطها من النصوص القرآنية الكريمة والسنة المطهرة الشريفة لا تعني أنها ثابتة غير مرنة، مغلقة جامدة غير متفتحة، أو عاجزة عن استيعاب الجديد من وسائل التعليم والتعلم، إذ هي من الأصول العامة التي يمكنها أن تستوعب الجديد من الوسائل، ما لم يتعارض مع نص صريح من النصوص الإسلامية، أو يعمل على الإخلال بأهداف ومبادىء الإسلام، وإلا فإن هذه الوسائل في حد ذاتها أكبر داعية للأخذ بأي وسيلة مستحدثة، ما دامت تفيد في تحقيق أهداف رسالة الإسلام. ولكن العبرة في كل هذا بالاستخدام لا باستهلاك الكلام، ومن ثم فإن فعالية الاستخدام تعود إلى المربي والمعلم الكفء الناجح والذي يستطيع بتمكنه العلمي والمهني أن يستخدم هذه الوسائل بفعالية مستفيدا من كل جديد في المجال، مستغلا كافة الطاقات والإمكانيات المتاحة في سبيل تنمية القيم الخلقية بطريقة صحيحة وجيدة. هذا فيما يتعلق بالوسائل التربوية بوجه عام، أما إذا تعلق بتربية التلاميذ فإنه يمكن أن يضاف إلى الوسائل السابقة مجموعة أخرى من الوسائل أهمها: ١- أسلوب الأحداث الجارية: إن استخدام الأحداث الجارية والمناسبات الدينية كمدخل لترغيب التلاميذ وتشويقهم لدراسة موضوعات التربية الإسلامية، طريقة لها أثرها الفعال في العملية التعليمية، وذلك لكونها تربط ما يتعلمه التلاميذ من الكتاب المدرسي بواقع حياتهم وخبراتهم ومشاهداتهم، الأمر الذي يزيد من فعالياتهم ونشاطهم ومشاركتهم الايجابية في دراسة موضوعات التربية الإسلامية. ليس ثمة من شك في أن كشف أسباب النزول تؤدي في هذا الصدد خدمة كبيرة في تربية النشء، ولكن لن

стр. 259

تتحقق هذه الخدمة إلا إذا عرف المعلم بصورة محددة ما يجب أن نستكشفه في ضوء هذه الأسباب، فليس في مقدور هذه الحوادث المروية وحدها أن تقود التلاميذ قيادة مثمرة للفهم، إلا إذا أحسن المعلم تدبرها واستطاع أن يساعد التلاميذ ليروا من ثناياها الأوضاع العامة التي أدت إلى نزول القرآن من لدن رب العالمين ليحق الحق ويبطل الباطل، وليمحوا العقائد الضالة والأوضاع الاجتماعية الفاسدة. ٢- أسلوب تفريغ الطاقة: تحرص التربية الإسلامية على النظر إلى الإنسان باعتباره جهازا معقدا من الطاقات، ومن ثم يجب توجيه هذه الطاقات وجهتها الصحيحة لكل ما يجلب المنفعة للفرد، ويحميه من الدوافع والميول التي قد تعرضه للانحراف أو السلوك غير السوي، ويتجلى هذا الأسلوب فيما يلي: أ- الاهتمام بحاجات وميول ورغبات التلاميذ وجعلها أساسا محددا في موضوعات التربية الإسلامية. ب- الاهتمام بأوجه النشاط المختلفة وحفز التلاميذ على الاشتراك فيها مما يؤدي إلى تفريغ الشحنات المتجمعة في داخلهم بصورة تهدف إلى تحقيق أغراض التربية «١» . ج- مساعدة التلاميذ على الاطلاع الخارجي، والقيام بالرحلات التي تؤدي إلى اكتساب المهارات المستخدمة في إفراغ طاقتهم بصورة سليمة. ٣- أسلوب العادة: يشغل أسلوب العادة مركزا مهما في ميدان التربية والتعليم لما له من قدرة في تربية النشء وتوجيهه التوجيه الأمثل المحقق لأهداف التربية الإسلامية. والعادة هي (كل سلوك متكرر يكتسب اجتماعيا ويتعلم اجتماعيا، ويمارس اجتماعيا، ويتوارث اجتماعيا «٢» . ٤- أسلوب الممارسة والعمل: إن تكوين أخلاق الإنسان وبناء علاقاته الاجتماعية لا تقوم بالوعظ وحده ولا بالحفظ وحده، بل تحتاج إلى أفعال يمارسها الإنسان لتتكون أخلاقه عمليّا ليبني علاقات مع بني الإنسان بالواقع «٣» . إذ مما تجدر الإشارة إليه أن «تعود المرء على النظام في الحياة، وعلى ضبط النفس وعلى الحياة الاجتماعية التعاونية، كلها تتطلب مرانا وممارسة يومية تلازم حياة الإنسان ليل نهار» «٤» .

стр. 260

الفصل الخامس وسائط تنمية الأخلاق إن وسائط تنمية القيم الخلقية كثيرة ومتعددة، ويتم عن طريقها تنشئة الأفراد المسلمين على القيم الإسلامية الصحيحة، وهذه الوسائط هي نفسها وسائط أو وكالات الثقافة المنوط بها تنشئة الأفراد على ثقافة المجتمع، ذلك أن الثقافة هي «الإطار الأساسي والوسط الذي تنمو فيه الشخصية وتترعرع، فهي التي تؤثر في أفكاره ومعتقداته ومعلوماته ومهاراته، وخبراته ودوافعه، وطرق تعبيره عن انفعالاته ورغباته، كما تحدد له القيم والمعايير التي يسترشد بها وتفرض عليه التقاليد التي يتمسك بها» «١» ، إلا أن الثقافة لا يمكنها أن تشكل الشخصية بهذا الشكل، وتقدم لها القيم اللازمة لاستمرار حياتها إلا عن طريق التربية والتعليم أو ما يسمى بالتنشئة الاجتماعية، والتي ينظمها المجتمع تنظيما دقيقا بها وكالاته أو مؤسساته أو وسائطه «٢» . فالثقافة- إذن- «بكل وسائطها، تعتبر الوعاء التربوي العام حيث تحدث عملية التنشئة الاجتماعية للأفراد بما تؤدي إليه من اكتسابهم أنماطا سلوكية تحدد علاقاتهم وتعبر عن نفسها فيما يقومون به من أدوار اجتماعية «٣» . ولذا يأتي البحث هنا عامّا بمعني أنه لن يقتصر على المدرسة وحدها كمؤسسة تعليمية وتربوية مقصودة، بل سنبحث عن الوسائط الثقافية كلها، لما لها من دور بالغ الأهمية في عملية تنمية القيم، ولأن حديثنا عن القيم الإسلامية موصول، فإن تناولنا لهذه الوسائط يأتي في هذا الإطار الإسلامي غير مغفلين أثر التطورات والتغيرات التي لحقت بالحياة المعاصرة وما صاحبها من تخصص وتداخل وتكامل أو حتى ضياع مراكز كانت تحتل الصدارة فأصبحت في المؤخرة، وتقدم أخرى حتى أصبحت في المقدمة. ويأتي الحديث عن هذه الوسائط في محاولة لتحديد دور كل واحد من هذه الوسائط وما يجب أن يقوم بأدائه من أدوار في إطار تنمية القيم الإسلامية في المجتمع الإسلامي المعاصر. أ- الأسرة: وهي الوعاء الاجتماعي الذي يتلقي الطفل معلوماته، ويتفاعل مع أفرادها، ويشعر بالانتماء إليه، وبذلك يكسب الطفل أول عضوية له في جماعة، ويتعلم منها كيف يتعامل مع الآخرين في سعيه لإشباع حاجاته وتحقيق مصالحه من خلال تفاعله مع أعضائها.

стр. 261

ويولد الطفل خلوا من أي شيء يحدد شكل تعامله مع المواقف والأشياء والأشخاص والأهداف التي تنتظم عليها حياته بعد ذلك، والأسرة هي التي تتولى رسم توجهاته في الحياة من خلال القيم التي تحتويها ثقافة المجتمع ويستجيب الطفل لها نظرا لما للأسرة من قدرة وإمكانات على إشباع حاجاته، ومعاونته على مواجهة المواقف التي تواجهه في حياته المبكرة «١» . وأهم مشكلة تواجه الفرد في حياته، تلك التي تتمثل في الكيفية التي يتعامل بها مع محيطه، بعبارة أخرى: كيف يتمكن من التعامل مع عالمه بطريقة منسقة؟ والجواب هنا يتمثل في الخبرات التي يستمدها الطفل من بيئته، وما تتضمنه من مسلمات تتعلق بدلالات الأشياء والأشخاص والأحداث، أي من خلال القيم التي يتشربها ويستدخلها في ذاته من خلال أسرته، وتظل معه طوال حياته في بنائه الشخصي والذات «٢» . وهنا تبرز أهمية التنشئة الاجتماعية عن طريق الأسرة، التي يكتسب الطفل عن طريقها الحكم على الأشياء والمواقف والخبرات، وتتأثر تلك العملية بالجو الأسري وما يسوده من تعاون واستقرار، أو تشاحن واضطراب، وكلما كانت العلاقة القائمة بين الوالدين تستند إلى المحبة والتفاهم والتعاون، تأتي التنشئة الاجتماعية صحيحة وسليمة، فيتشرب الطفل القيم بطريقة صحيحة سليمة. وكلما كانت الأسرة متمسكة بدينها، ومبادئه وقيمه، انعكس ذلك على تربية الأطفال، حيث تعمل على تنشئة أبنائها على القيم الصحيحة، فيحكمون الدين ومبادئه وأحكامه في كل تصرفات حياتهم، والعكس صحيح «٣» . وقد أراد الله للأسرة أن تقوم على الأسس الصحيحة السليمة، فأرسى الدعائم السليمة الصحيحة، والأسس القويمة لتكوينها تكوينا سليما كحاضن جيد للطفل، بحيث ينشأ نشأة سوية، متمسكا بالقيم الإسلامية، ولهذا وردت النصوص الوافرة موجهة إليه، عاكسة روح الإسلام وأهدافه في بناء الأسرة «٤» . إن الأسرة المسلمة تقوم على مبادىء معينة، هامة وجليلة الشأن من أجل توفير جو صحي سليم لتربية الأولاد تربية سليمة على القيم الإسلامية، فهي تقوم على المودة والرحمة: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ «٥» .

стр. 262

كما تقوم على مبدأ العدل والمساواة: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ «١» . على اعتبار أن لكل من الرجل والمرأة وظيفة في الأسرة، كما أن الأسرة تقوم على مبدأ المعاشرة بالمعروف: وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ «٢» . وفي مثل هذا الجو الأليف الودود تقوم عملية التربية للأبناء وسط جو من ضمان حقوقهم، ووسط الشعور بالمسئولية التامة عن هذه التربية التي أكدها الشارع الحكيم، فالأسرة قائمة على قيم ومن أجل قيم، يقول الرسول ﷺ : «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» «٣» . ولا بد من التنويه بأمرين هامين في هذا المجال يؤثران تأثيرا واضحا في مسئولية الأسرة عن تنمية القيم الخلقية ، وهما: الأمر الأول: إن مسئولية الأسرة متكاملة تجاه الأطفال وتربيتهم ، ذلك أن تنمية القيم لا يأتي وحده، بل في إطار إشباع الحاجات التي يحتاجها الطفل، جسمية وعقلية وخلقية وجمالية ونفسية وعقدية واجتماعية، ومعلوم أن القيم تتخلل كافة هذه الحاجات، ومعنى العناية بهذه الحاجات وإشباعها الاهتمام الشامل بتنمية هذه الجوانب على أساس قيمي. وتشير السنة المطهرة إلى ذلك، فعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها» «٤» . فحاجات الطفل المتعددة وإشباعها هي الأساس في تنمية القيم لديه، فالحاجات الجسمية، توفرها الأسرة، من أكل وشرب وملبس ومسكن وعناية بالجوانب الصحية وغير ذلك، وعن طريقها يتعلم الطفل الضبط وغير ذلك، فهي المدخل الأساسي لتكوين نواة الالتزام، وكذا الحاجات العقلية والخلقية، ويحتاج الطفل إلى

стр. 263

مجموعة حاجات أخرى تؤهله لاكتساب القيم، كالحاجة إلى الأمن، والتقبل، والتقدير الاجتماعي، والحب، كما أنه يحتاج إلى إشباع حاجته إلى التحصيل والنجاح، وإلى تعلم المعايير السلوكية، وإلى السلطة الضابطة المرشدة، وغير ذلك من حاجات «١» . إن الإشباع وطريقته يعتبر الأساس في تنمية القيم الإسلامية، فالطفل يولد وهو مزود ببعض القابليات، إلا أنه يعيش في بيئة معينة يتفاعل معها وتتفاعل معه، والبيئة السلوكية التي يعيش فيها تضطره إلى تعديل إشباع بعض دوافعه الأولية، وتكوين بعض العادات الانفعالية. أي أن البيئة السلوكية لا تدعه يعبر عن دوافعه تعبيرا حيوانيا، ذلك لأن القيود الاجتماعية التي يمليها النظام الحضاري تملي عليه نوعا من تعديل هذه الميول الفطرية «٢» . إن أهمية الأسرة المسلمة في تنشئة الطفل المسلم على المعايير والقيم الإسلامية غاية في الأهمية، ومسئوليتها متكاملة تجاه تلك التنشئة بحيث يكتسب الطفل المسلم الشخصية الإسلامية الصحيحة، والمتكاملة المتوازنة. الأمر الثاني: أن الأسرة المسلمة أصابها من التغيير ما أصابها، وتواجه مشكلات جمة ، بل يمكن القول بأنها تعيش صراعا قيميا ليس هذا مجال تحليله وبيان أسبابه، فقد انسحب عليها ما انسحب على المجتمع الإسلامي، والمجتمع العالمي معا، وكان لهذا تأثيراته الواضحة عليها. ومع التغير الاجتماعي تغيرت أشياء في الأسرة منها الإيجابي، ومنها السلبي، وكان للتغيير الذي صاحب التصنيع والتقنية أثره الفعال على الأسرة في نواح متعددة «٣» . وهذا التغيير يجعل وظيفة الأسرة المسلمة أكثر أهمية وصعوبة، خاصة في مجال تنمية القيم الإسلامية، وفي إطار أهداف الرسالة الإسلامية الخالدة المتجددة، وفي إطار تلك المتغيرات التي أصابت الأسرة، فإن دورها في تنمية القيم الخلقية في إطار رعايتها للنمو المتكامل لشخصية الطفل يتحدد كما يلي: ١- مساعدة الطفل على تأكيد الإيمان بالله- ، بكافة الطرق المناسبة، بالكلمة الحانية، والسلوك القويم، بالقصة الهادفة الملتزمة، بالترغيب في العبادات وقراءة القرآن، وغير ذلك من أسباب ووسائل تحقق الأهداف الإسلامية وتغرس عقيدة التوحيد في نفس الناشىء. ٢- مساعدة الطفل على تمثل القيم والحقائق والمبادىء الإسلامية، وإمداده بالخبرات الاجتماعية المثيرة له

стр. 264

والتي تضيف إلى خبرته قيما وحقائق جديدة في إطار إسلامي، مع التبسيط المناسب المعبر عن حاجات الطفل ومشكلاته. ٣- مساعدة الطفل على توضيح وترجمة قيمه واتجاهاته ومشاعره وآرائه التي تمثلها، وكذا مشكلاته الخاصة، وتوجيهه لحلها في اطار إسلامي صحيح. ٤- تهيئة المناخ المناسب المساعد على اكتساب القيم، عن طريق صلاح الأسرة وصلاح الأبناء وتهيئة المجال للطفل للاقتراح والتخطيط المناسب، ومزاولة الأنشطة التي تبدو هامة بالنسبة له. ٥- توجيه الطفل إلى ما يجب أن يفعله في المواقف المختلفة، وبيان أنه يتعين عليه أن يفعله دون ضغط أو إكراه من أحد. ٦- وانطلاقا من احترام الإسلام لذاتية الطفل، فعلى الأسرة أن تحترم ذاتيته، وتقدر ما ينوي فعله، وقدرته على الأداء، واحترام أسئلته عن عالمه، والإجابة عنها بأسلوب مناسب، حتى يتمكن من فهم عالمه واستقاء المعاني منه، وتكوين القيم الإيجابية تجاه هذا العالم. ٧- العدل بين الأطفال والمساواة بينهم، على النحو الذي أشار إليه الإسلام مما يحفظ على الطفل كرامته واعتزازه بنفسه، ويساعده على التمثل الفعال للقيم الإسلامية. ٨- تعويد الطفل على الآداب الاجتماعية الإسلامية، والأخلاق الإسلامية بالممارسة العملية وليس عن طريق الكلام النظري وإلقاء الأوامر ليقتنع بها اقتناعا كاملا. ٩- تعويد الطفل على السيطرة على بيئته، والتعامل معها تعاملا رفيقا، من خلال المحاولة والخطأ وتعليمه أن الواقع المحيط به يحتاج إلى التفاعل الجاد معه. ١٠- تقبل الأفكار الجديدة من الطفل، واحترام حبه للاستطلاع دون التقليل من شأنه أو قهره أو احتقاره، لأن هذا يقلل من شعور الطفل بذاتيته مما يعتبر معوقا في نمو القيم لديه «١» . وقد يكون هذا الكلام جميلا مثاليّا، وكثير غيره كذلك، ويأتي السؤال الطبيعي جدا والواقعي: ما الطريق إلى تحقيق هذا؟ نقول: إن تربية الأطفال بهذه الصورة تحتاج إلى جهد ومشقة، ولن يتم هذا إلا في ظل أبوة حانية، وأمومة رحيمة لديها الوعي الكامل بأهمية وخطورة ما يقومان به. لذا فإن تربية الآباء يجب أن تأتي قبل تربية

стр. 265

الآبناء. إن هذا يستدعي- أولا- أن يتمثل الآباء والأمهات القيم الإسلامية، ويستعينوا بالحكمة والأناة والصبر، فالتربية لا تأتي بين يوم وليلة، وإنما بمجاهدة الأيام والليالي، وليس لسياسة الزجر والعنف، لأنها تدفع بالطفل إلى التطلع للممنوع، وإشباع حاجاته من هذا الممنوع، بالتمرد على توجيه الأبوين، أو بالظهور بمظهر الخضوع الكاذب ... وربما انتهى الأمر إلى ازدواج في شخصية الناشيء، مما يؤدي في النهاية إلى أن يصبح منافقا، وهو المرض الفردي الاجتماعي الذي نشكو منه مر الشكوى «١» . ولعلنا نعود هنا إلى ما سبق أن ذكرناه عن القدوة وما تتطلبه من الشفقة والرحمة. وقد أدرك ابن خلدون- وغيره- خطورة هذا، فقال: «ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين» «٢» . إن الأسرة المسلمة يجب عليها أن تتخلص من قيم الضعف وما يسودها من ضعف وقيم لا تنتمي لقيم الإسلام الصحيحة، وإذا كان لنا أن نبني مجتمعا مسلما على قيم الإسلام الصحيحة، فلا بد من تغيير قيم الأسرة وما يسودها من قيم ضعف وهوان تجاه القيم الإسلامية الصحيحة، في بنائها وفي تربية أبنائها، وهذا هو أساس التغيير الصحيح نحو القيم الإسلامية، إن عين الطفل وسمعه يجب ألا يقعا إلا على سلوك صحيح مترجم عن واقع صحيح وقيم سليمة، ولذا فإن المطلوب من الوالدين أن يكونا فعلا قدوة صالحة، ليتلقى الطفل منهما مباشرة وبدون مباشرة ما يؤكد ذاتيته واستقلاله في إطار التصور الإسلامي الصحيح. وينبغي أن تكون سياسة الأسرة قائمة على التفتح واختيار الجيد، والبعد عن سياسة الانغلاق والحرمان وإيصاد الأبواب، والاعتماد على تكوين الحس الإسلامي في نفوس الأطفال، وبالتدرج وإنضاج القدرة على الاختيار الجيد، والبعد عن السفاسف والرذائل.

стр. 266

ب- جماعة الأقران: بمرور الأيام، وتقدم عمر الطفل تتحول ميوله من الأسرة إلى الالتحاق بجماعات الرفاق على أساس من تقارب السن، فجماعة الأقران أو الرفاق، تكوين طبيعي ينشأ من اختلاط الأطفال ببعضهم في إطار العائلات أو الحي أو الشارع الذي يسكنون فيه، والناشىء بنزعته الاستقلالية يندمج مع هذه الجماعة، ويؤدي به الأمر إلى مجاراة ما يسود بينهم من قيم ومعايير. ويقضي النشء وقتا طويلا مع هذه الجماعة، خارج المدرسة وداخلها، الأمر «الذي يؤثر في سلوكهم واتجاهاتهم تأثيرا كبيرا، وكذلك في قدرتهم على التعلم» «١» . وجماعة الأقران أو الرفاق أكثر «من مجرد جماعة من الأصدقاء يهتمون بأمورهم الخاصة وعلاقاتهم المتبادلة فحسب، بل تعتبر كذلك، بمعنى خاص معين، جماعة يتدخل فيها الكبار ويحددون مركز كل طفل والغرض من المحافظة على بقاء هذه المراكز» «٢» . وتلعب هذه الجماعة دورا بالغ الأهمية في إكساب الناشىء القيم، نظرا لأنها تضم جماعة متناسقة من حيث العمر، ومن ثم يتمكن الناشىء من اكتساب خبرات وقيم معينة لا يمكن اكتسابها داخل الأسرة، وتنجح جماعة الأقران في نقل قيم متميزة للأفراد، كما يمكنها أن ترسخ قيما سائدة في المجتمع «٣» . وكذا يمكنها أن تحطم قيما سائدة في المجتمع أيضا «٤» . فجماعة الأقران ناتج اجتماعي يتكون على أساس فئات السن، لإشباع حاجات محددة، ومعنى هذا أنها تقوم بوظيفة شرعية في نمو الطفل وإكسابه القيم السائدة في المجتمع. ومن أهم ما تقوم به هذه الجماعة في هذا المجال: الاعتراف بحقوق الآخرين، وهنا تنمو صيغة الواجب، ومعايير التصرف السليم بتلقائية كما أنها تقوم بدورها كأداة من أدوات الضبط، ذلك أن هذه الجماعة تتكون من أشخاص متكافئين، تقوم بينهم علاقات ودية وثيقة، ويسود بينهم التآلف، ويتوحد فيها الأعضاء بعضهم ببعض فتكون النتيجة أن يصبح الأعضاء شديدي الحساسية لموافقة الآخرين أو اعتراضهم، وهذا يعني شدة الضغوط التي تفرضها الجماعة على الفرد «٥» ، وهكذا تساعد جماعة الرفاق في ضبط الاتجاهات وتكوين القيم، وتصحيح السلوك المتطرف أو

стр. 267

المنحرف بين أعضائها. كما أنها أداة من أدوات توفير الأمن والاطمئنان الجسمي والنفسي، كما أنها تكون وحدة ثقافية خاصة ومتميزة، أي يكون لكل جماعة مجال محدد للنشاط والميول، ومجموعة معينة من القيم والاختيارات والتفضيلات تتضافر فيما بينها ويتكون منها النمط الاجتماعي للجماعة «١» . ومن المهم الإشارة إلى أن جماعة الرفاق تعتبر انعكاسا لثقافة المجتمع الذي يعيشون فيه، وتتبلور فيها قيم المجتمع التي يؤمن بها، فالناشىء ينقل إلى هذه الجماعة ثقافة أسرته وثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه، وبالجملة فإن جماعة الرفاق من أهم الجماعات التربوية المؤثرة في نقل القيم وغيرها من المكونات الثقافية للمجتمع، ولذا تعتبر وسطا مهمّا جدّا في هذا المجال. ولهذه الأهمية فقد حظيت باهتمام خاص من توجيهات الإسلام، ومفكريه ورجالات التربية الإسلامية، ففي صلاحها صلاح الفرد، وصلاح الفرد صلاح لها، ونجد توجيهات إسلامية واضحة تدعو الآباء والأمهات والمربين إلى العناية بتوجيه أبنائهم إلى اختيار رفقائهم من الأخيار الصالحين دينا وخلقا وسلوكا حتى يقتدوا بهم، ويكتسبوا منهم الصفات الحميدة والخلال الفاضلة، وأن يجنبوهم مخالطة الأشرار حتى لا يقلدوهم ويسلكوا طريقهم المعوج «٢» . وبتوجيه عام نقرأ في القرآن آيات عن أهمية الصحبة والرفقة، تؤكد ما ذهبنا إليه، يقول الله تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا «٣» . الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ «٤» . وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ* فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ* وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ «٥» . وعن أبي سعيد- ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي» «٦» . وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» «٧» . وقال رسول الله ﷺ : «مثل الجليس الصالح والسوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا

стр. 268

خبيثة» «١» . وطبقا لهذه التوجيهات العامة، فإن اختيار الرفاق، وتوجيه الأبناء نحو اختيارهم صالحين، أمر واجب، والأساس في ذلك كله هو تنشئة الأطفال في أحضان الأسرة تنشئه صحيحة وسليمة وقويمة، وإذا ما عمت تلك التنشئة أسر المسلمين كانت جماعة الرفاق على نفس الدرجة من الصلاح، فلا يكتسب الناشىء إلا قيما صالحة، ويدعم هذا الوسط الاجتماعي العام والذي بقدر ما يكون صالحا يكون الأفراد كذلك، ومن ثم يعم الصلاح جماعة الرفاق وغيرها. إن من الواجب مساعدة الناشىء على اختيار جماعته، لأنها تساعده على تحقيق استقلاليته على نحو تدريجي، كما تنمي لديه مفهومه عن ذاته، وتدعم القيم الصالحة «٢» . لأن ميل الأطفال إلى اختيار الأقران وتقبل قيم الآخرين واتجاهاتهم النفسية يعتبر متغيرا من متغيرات الشخصية كما دلت على ذلك دراسات علمية متنوعة «٣» . وقد أدرك المربون المسلمون قيمة هذه الصحبة، ولهم في ذلك اجتهادات وأقوال قيمة، يقول الجاحظ: «الصبي عن الصبي أفهم وبه أشكل» «٤» . إن حرص الإسلام والمفكرين المسلمين على سلامة البيئة الاجتماعية، وعلى إشباع حاجات الطفل إلى جماعة الرفاق والأتراب واضح، ومن خلال كل هذا نعود فنؤكد أهمية المحافظة على الوسط الاجتماعي حتى لا يتسرب الفساد أو الخلل للناشئة، لتنمو القيم الإسلامية نموا سليما وصحيحا وقويا. ج- المسجد: كان المسجد وما يزال شعار الحياة في المجتمع الإسلامي، ويدل على ذلك اهتمام الرسول ﷺ ببناء المسجد أول قدومه إلى المدينة، مما يدل دلالة صادقة على أهميته وضرورته، ولم يكن المسجد بناية لأداء الصلاة فقط، بل كانت له وظائف أخرى كثيرة تتعلق بسياسة الدولة، وفي هذا إشارة إلى أن المسجد إنما أقيم كمؤسسة محققة لأهداف الإسلام ورعاية مصالح الدنيا والآخرة، فقد كان مقرا للتعليم لاستقبال الوفود واقامة الاحتفالات

стр. 269

وغير ذلك، مما يدل على أهميته في حياة المسلمين. وتظهر أهمية المسجد في إطار تنمية القيم الخلقية الإسلامية في قيامه بالوظائف التالية: ١- نشر العلم وتعليم الأفراد والجماعة التعاليم الدينية وغيرها، مما ينمي لديهم معايير سلوكية إسلامية تحقق سعادة الفرد والمجتمع. ٢- إمداد الأفراد بالإطار السلوكي المعياري القائم على التعاليم الإسلامية، مما يمكن للعمل الصالح لديهم، حبا وسلوكا، ويكرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، لأن صلاتهم فيه تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وتأمرهم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، كما تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر. ٣- تنمية الوازع الداخلي لدى الأفراد والجماعة، ومن ثم دعوتهم إلى ترجمة المبادىء والتعاليم الإسلامية إلى سلوك عملي واقعي. ٤- دعم روح الأخوة والتعارف بين المؤمنين مما يؤدي إلى دعم القيم الخلقية الإسلامية وتوحيد السلوك الاجتماعي، ونبذ كل ما يضعف الروح الإيمانية والاجتماعية من قيم سالبة، كالظلم والحسد، واحتقار الغير، والسخرية بالآخرين، والغيبة والنميمة، وغير ذلك من أمراض اجتماعية تضعف البناء الاجتماعي الإسلامي، وتفرق جهده. ٥- محاولة تذويب الصراع القيمي بين الأجيال الجديدة والأجيال القديمة، لأن الأفراد الجدد يقتدون بالأفراد القدامى، فالقدوة الصالحة والنماذج السلوكية تبرز جيدا من خلال المسجد، ومن ثم تضعف اتجاهات الصراع القيمي، في ظل القدوة ومبدأ الشورى، والمناقشات الموضوعية في شتى شئون الحياة بين الصغار والكبار. ٦- الإرشاد والتوجيه المستمرين تحت رعاية أئمة المساجد الواعين، خاصة للالتزام بالقيم الخلقية الإسلامية، واستشارتهم فيما يجد من شئون الحياة «١» . ٧- إن للمسجد دوره الهام والخطير في عملية تنمية القيم الخلقية الإسلامية لدى الأفراد والجماعات، خاصة إذا توافرت له الإمكانيات من قوى بشرية وإمكانيات مادية، وإذا كان دوره في حاضرنا المعاصر قد تراجع- إلى حد ما- لوجود المدارس، ووسائل الإعلام، فإن ذلك لا يعني اختفاء دوره، فدوره قائم، ولذا تجب العناية به، وتطويره بناية وأهدافا، مما يعيقه من القيام بوظيفته وأهدافه، بما يجعله قادرا على خدمة الحياة الإسلامية المعاصرة في إطار أهداف الإسلام.

стр. 270

إن المسجد مؤسسة اجتماعية مثلها مثل باقي المؤسسات بل هو تنظيم من تنظيمات المجتمع الإسلامي، التي استخدمها لتنشئة الأجيال، ولذا فهو يتكامل أو يجب أن يتكامل مع المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية الأخرى، مع ضرورة التركيز على إعداد القائمين عليه إعدادا جيدا بما يهيؤهم للتعامل مع رواد المسجد صغارا وكبارا، وبالقدر نفسه من الأهمية، يجب العناية بالمؤسسات الأخرى في المجتمع، بحيث تتكامل مع وظيفة المسجد، فإذا كان المجتمع يغلب فيه انحراف ما فإن المسجد لن يستطيع أن يؤدي وظيفته كما ينبغي، لأن هذا الانحراف سيحول بين أفراد المجتمع والتأثر بالمسجد وما يقدمه. ولقد اعتبر المسجد منذ أن وجد مؤسسة للصغار والكبار، للرجال والنساء، لكل طوائف المجتمع، وكان مؤسسة تربوية للصغار، وكان رسول الله ﷺ لا يمنع الصغار عن المسجد، بل كانت له مواقف معينة تؤكد اهتمامه بهم، ومما يروى في هذا المجال: عن أبي قتادة الأنصاري- ﵁ أنه قال: «رأيت النبي ﷺ يؤم الناس وأمامه بنت أبي العاص على عاتقه، فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها (ويروى) رفعها» «١» . وكان ﷺ يراعي وجود الأطفال في المسجد، يقول: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه» «٢» . وعن أنس- ﵁ قال: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي ﷺ ، وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتن أمه من بكائه» «٣» . وعن جابر بن سمرة- ﵁ قال: «صليت مع النبي ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا، وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليده بردا أو ريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار» «٤» . إن هذا كله يدل على حضور الصغار المسجد. وهناك أدلة غير هذه كثيرة نكتفي هنا بما ذكرناه، فصلة الناشىء بالمسجد في عهد الرسول ﷺ كانت قوية ومقصودة، وإن تنشئته على ذلك تجعله يألفه ويرتبط به، ليكون من رواده فيه مصلحة عظيمة، ولذلك أثره في تنمية القيم الخلقية الإسلامية.

стр. 271

ولكي يؤدي المسجد وظيفته في تنشئة الأجيال المسلمة على القيم الإسلامية نقدم هنا بعض المقترحات، سواء فيما يتصل بالأهداف أو الوسائل، كما يلي: فيما يتصل بالإشراف على المسجد والقائمين عليه: ١- أن يقدم للمسلم كيفية أداء العبادات بطريقة صحيحة. ٢- أن يعرّف المسلم بأركان الإسلام وأسسه وأحكامه. ٣- أن يعتني بتحفيظ القرآن الكريم وتفسيره. ٤- أن يعني بتعليم الأحاديث الشريفة، حفظا وتفسيرا، وكذا العناية بالسيرة النبوية. ٥- أن يعتني بتنمية الآداب والأخلاق الإسلامية. ٦- أن يعني الإمام بالإجابة على استفسارات رواد المسجد. ٧- أن يعني بتزويد المسلمين بآداب المسجد والصلاة واحترام المصلين. ٨- أن يعني بتمرين المسلم على ممارسة السلوك الاجتماعي الإسلامي. ٩- أن يعني بوسائل جذب الناشئة إلى زيارة المسجد المنتظمة وحضور الصلوات فيه. ١٠- أن يمرن الناشىء على خدمة المسجد ورواده، مما يساعد على غرس قيم العمل في نفسه. وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف، فإن هناك مواصفات معينة يجب أن تراعى، وهي: ١- أن يكون المسجد مركز نشاط اجتماعي وثقافي وعلمي، يضم مكتبة جيدة ومتنوعة. ٢- أن يقدم المسجد دروسا متنوعة حول ما يتعلق بأمور حياة الناس، ويقدم المعارف المتنوعة. ٣- أن يضم مركزا للمعلومات يرجع الناس إليه ليجدوا ما يجيب عن تساؤلاتهم. ٤- أن يكون مقرا لتوجيه الشباب لما يتطلبه تكوين الأسرة المسلمة الصالحة، بل يتعاون أهل كل مسجد على تزويج الشباب كل بقدر استطاعته. ٥- أن يكون المسجد مركزا إعلاميا يسهم في تقديم ما تتطلبه ظروف الحياة المعاصرة وما يجد في الساحة الإسلامية من أخبار، وتحليلها بعقلية واعية ومتفتحة لكي تواكب الحياة وما يدور فيها. ٦- أن يكون المجتمع هو الذي يضرب القدوة الصحيحة في إجابة نداء المؤذن بسرعة واستمرار بحيث يشاهد الناشئة هذا فيتمثلونه. ٧- أن يذكر على أسماع الصغير وخاصة من أمه فضائل المساجد، والثناء على المصلين فيها وما أعد الله لهم من ثواب، كل ذلك بهدف غرس حب المسجد في قلبه.

стр. 272

٨- أن يصطحب الكبير الصغير إلى المسجد، حتى يألفه، ويألف المصلين ولا يستوحش منهم. ٩- أن يعامل العاملون بالمسجد والمصلون الصغير معاملة لطيفة، وألّا يغلظوا له القول، فإن الملاطفة والمداعبة تجعله يألف المصلين ويحب أن يتردد على المسجد. ١٠- تنويع الوسائل المتاحة، لجذب الناشىء إلى المسجد، كنظم الأناشيد وغير ذلك من وسائل «١» . د- المدرسة: وهي مؤسسة وتنظيم اجتماعي، أنشأها المجتمع خاصة لتربية وتعليم صغاره، وكالة عن الكبار المشغولين في مشاغل الحياة، ونيابة عن المجتمع في نقل تراثه الثقافي إلى الصغار، وللمدرسة وظائفها الهامة في المجتمع، إذ يوجد فيها المتخصصون في مجالات العلم والمعرفة لتقوم بتلك الوظائف، ومن ثم فهى تبلور اتجاهات المجتمع وتعكس إطار حياته. وتمتاز المدرسة عن بقية المؤسسات الاجتماعية والوسائط الثقافية بأنها: بيئة تربوية مبسطة للمواد العلمية والثقافية، وأنها بيئة تربوية منقية للثقافة مما قد يتخللها من فساد وانحرافات، وأنها بيئة تربوية موسعة تضم جميع أبناء المجتمع الواحد، وتوسع أفق الناشىء عن طريق تعليمه المباشر من خلال خبراته الشخصية وخبرات الآخرين، وأنها بيئة تربوية جاهزة وموحدة لميول ونزعات التلاميذ وصهرهم في بوتقة ثقافية واحدة مما ييسر التفاهم والتعاون بينهم بعد الخروج إلى معترك الحياة العملية. ثم هي تستكمل ما بدأ في الأسرة لتتمه وتهذبه، وتقوم من الاعوجاج الخلقي عند الناشىء، إذا ما كان قد تعرض لرفقاء السوء واتخذ طريقا خاطئا في سلوكه «٢» . وتمتاز المدرسة أيضا باتساق جهدها الذي تبذله مع المؤسسات الأخرى في سبيل تربية النشء ولذا فهي على اتصال دائم بتلك المؤسسات، وتتعاون معها في هذا السبيل. إن دور المدرسة واضح وجلي، ويتمثل في تثقيف الناشئة وتربيتهم، بما تقدمه لهم من خبرات منظمة ومتنوعة وأنشطة مختلفة، ومعلومات تغطي مختلف مجالات المعارف الإنسانية، كل ذلك في إطار فلسفة تربوية واضحة المعالم، تشتق من الإطار العام لحياة المجتمع وأهدافه، وحاجات التلميذ ومطالبه ومتطلبات العصر. وتستطيع المدرسة أن تسهم الإسهام الفعال في بناء شخصية الفرد بما تهيؤه له من مناخ صحي يساعد على

стр. 273

النمو المعرفي والانفعالي والجمالي والاجتماعي والعقدي، لا بما تقدمه من معلومات نظرية فقط، بل بالممارسة العملية وما يعينه هذا من تكامل بين المعرفة والممارسة، وهذا يعني أن دور المدرسة في تنمية القيم الإسلامية ليس نظريا وإنما هو نظري تطبيقي وذلك في ضوء الاعتبارات التالية: الاعتبار الأول: أن العملية التربوية تعتبر- في الأساس- عملية خلقية، وتنمي الأفراد عليها، وعلى هذا فإن العملية لا يجب أن تقوم على القيم الثابتة فقط، بل يجب أن تعتني بالقيم النسبية التفضيلية والتي هي اتجاهات تغيير حادثة في نوع الخبرات المقدمة، والمعبرة عن نفسها في سلوك الناشئة والمتعلمين. الاعتبار الثاني: أن هذه القيم يجب أن تتخلل جميع المناهج الدراسية، إذ لا بد أن تسيطر على كل ميادين الدراسة، إذ أن الهدف لتنمية القيم في نفوس الأفراد إنما يمكن في إعادة توجيه الحياة في إطار تكاملي شمولي إيجابي، بحيث يصبح الأفراد أكثر إيجابية في حياتهم. الاعتبار الثالث: أن المدرسة وحدها لا يمكن أن تتم هذا الجهد بدون مشاركة كافة أنظمة المجتمع وهيئاته ومؤسساته وأنظمته وأفراده، وهذه المشاركة التكاملية في تنمية القيم تمكن المدرسة من القيام بواجبها وتحقيق أهدافها كما ينبغي «١» . الاعتبار الرابع: أن المدرسة في قيامها بهذه العملية يجب أن تعتمد على فلسفة تربوية نابعة من المجتمع الإسلامي ذاته، معبرة عن أهدافه، عاكسة لصورة المجتمع وفهمه عن الإنسان، وأهدافه في الحياة. وإذا لم تفعل باءت محاولتها بالفشل، ووقعت في محذور الانعزالية عن الواقع الاجتماعي. إن وظيفة المدرسة في هذا الإطار تشمل كل مكوناتها وأركانها، من مربين، ومناهج وأنشطة، والمدرسة نفسها كأسلوب حياة وكمجتمع تعلم، والمادة التي تقدمها، والطريقة التي تقدم بها هذه المادة وبكلمة جامعة، فإن المدرسة لكي تقوم بتنمية القيم الإسلامية يجب أو ينبغي أن تتحقق بالشروط التالية: ١- توفير الخبرات المتنوعة لتنمية هذه القيم لدى الناشئة، وإتاحة الفرص أمامهم للتعرف عليها

стр. 274

والانفعال بها والوعي بها، إذ أن المسألة ليست مجرد تقديم للقيم الخلقية واستيعابها نظريا، وإنما كيفية بناء هذه القيم واستدخالها في نفوسهم، ثم إنه إذا لم يكن للفرد أهداف ينفعل بها ويتجه نحوها وينمو في إطارها من خلال المشاركة والممارسة فلا يمكن أن يكون هناك تأثير ما لما يعيشه. إن هذه الخبرات يجب أن تخضع للاختبار القائم على أساس القيمة، إذ أن القيمة أو القيم بعموم تحدد ما هو جيد، ومعنى هذا أن القائمين على أمر المدرسة وتخطيط مناهجها يجب أن يكونوا على وعي تام بأهداف القيم الخلقية الإسلامية وبنسق هذه القيم لأن هذا يساعدهم في اختيار محتوى المنهج وتوجيه السلوك، إذ أن هناك مجموعة من التساؤلات الملحة التي تواجه مخططي هذه الخبرات في المنهج والتي يجب على المدرسة أن تضمّنها في برنامجها التعليمي: - ما المعلومات المرتبطة بالقيمة الخلقية التي ينبغي نقلها للتلاميذ عن طريق المدرسة؟ - كيف يمكن تنظيم هذه المعلومات بطريقة فعالة لتكون جزءا من المنهج؟ - ما العمليات التي سوف تؤكدها المدرسة للتعامل مع المشكلات المتعلقة بالقيم الخلقية؟ - كيف يمكن ترتيب العبارات عن العمليات في المنهج لتساعد في تطوير استراتيجيات تعليمية فعالة؟ «١» . إن الإجابة عن هذه الأسئلة مهمة جدا من قبل المخططين وواضعي المناهج، حيث إنه يحدد نوع الخبرات اللازمة لتنمية القيم الخلقية الإسلامية كما ينبغي أن يكون. ٢- الاهتمام بتوفير مواقف ممارسة هذه القيم، وهي مواقف عملية لأنه لا يكفي ترديد المعلومات ولا الوعظ والتلقين، وإنما لا بد من النشاط الواقعي والمواقف الحية التي لا بد أن يعيشها الناشىء في المدرسة، ومعنى هذا أنه بعد تحديد القيم التي ستقدم لا بد من إتاحة الفرصة أمام الناشئة للمشاركة في تحمل المسئولية إزاء المهام والقيم المطلوب الالتزام بها. ٣- الاهتمام باتجاهات الناشئة ومشاعرهم، واستخدام القوة الانفعالية والتفكير معا في تنمية القيم الإسلامية، وإشعارهم بأهمية القيم بالنسبة لهم وبالنسبة للجماعة التي ينتمون إليها، وتدريبهم على الاستقلال في الاختيار، ومنحهم مساحة كافية من الحرية للتدريب على الاختيار والممارسة لهذه القيم. ٤- الاهتمام بتوفير القدوة الصالحة المتمثلة في المعلم الخيّر الكفء الذي يكون على درجة عالية من المهارة، وعلى وعي وتدريب كافيين لتنمية القيم، ليمكن الناشىء من التفاعل مع المواقف المتغيرة بشكل جيد، ومعنى هذا

стр. 275

أن هناك شروطا معينة لا بد من توافرها في المعلم: - أن يكون واعيا بوظيفته وأهميتها في مجال تنمية القيم الخلقية. - أن يكون على علم بتوجيهات الكتاب والسنة في هذا المجال. - أن يكون عالما بما يريد تعليمه وتنميته من قيم في الأفراد. - أن يكون ملتزما بتلك القيم، أي أن يكون قدوة متمثلة فيه الشروط التي سبق تناولها، اقتداء بالرسول ﷺ . - أن يكون عالما متمكنا بتخصصه العلمي، وبالأساليب التي يستطيع عن طريقها تنمية القيم الخلقية من خلال تدريس التخصص. ٥- الاهتمام بتنظيم العلاقة القائمة بين المدرسة والمجتمع ومؤسساته، وكذا العلاقة القائمة بين العاملين في المدرسة، إذ يجب أن يسودها جو قيمي موات لأن يتأثر به الناشئة إيجابيا. ٦- الاهتمام بالجو الاجتماعي المدرسي القائم على أساس الحب والألفة والتفاهم والتشجيع، إذ أن هذا يعطي المتعلم فرصا مناسبة ليكون على علاقة وطيدة توجيهية وإرشادية مع معلمين وإداريين وعاملين يعرفونه جيدا، وبالتالي يتشرب القيم الإسلامية عن طريق العلاقة الحميمة مع أساتذته ومعلميه. ٧- الاهتمام بالأنشطة المدرسية المتنوعة، والتي تعتبر بيئة مناسبة جدا لتنمية القيم الخلقية، إذ يمكن عن طريقها ممارسة تلك القيم، كالشورى والحوار وتبادل الرأي والخبرة، والتعاون، والصدق، والتخطيط وحسن اتخاذ القرار، وتقديم أفكار جديدة، والالتزام بالقرارات والاقتراحات، كما أنها تعمل على تنمية القيم السياسية والإدارية، وقيم التنظيم، والرقابة، وغير ذلك، وتؤدي دورا ملحوظا في تنمية المسئولية وقيمها «١» . ٨- الاهتمام بالمكتبة المدرسية، على أن تختار محتوياتها بعناية بالغة من حيث الشكل والمضمون ومراعاة نوعها، وتنظيمها، وكذا الاهتمام بأماكن الرياضة واللعب، وغير ذلك «٢» . إن دور المدرسة مهم في مجال تنمية القيم الخلقية الإسلامية ولا بد أن يعلم القائمون عليها هذا وأن يجعلوا منها بيئة تربوية مناسبة تعمل على تنمية هذه القيم، ولكن كما أشرنا، نؤكد أهمية التكامل بين المدرسة ومؤسسات المجتمع، والوسط الاجتماعي العام الذي تترجم عنه المدرسة وتعكس إطاره الثقافي وعلاقاته وقيمه.

стр. 276

هـ- وسائل الإعلام: تقوم وسائل الإعلام والاتصال بدور بالغ الخطورة والأهمية في حياة الناس بعامة، وفي حياة الناشيء بصفة خاصة، فقد احتلت مركزا بالغ الأهمية لديهم، حتى إنها أصبحت- في كثير من الأحيان- بديلا عن الكتاب من مؤسسات التربية والتعليم والتثقيف. ولأنها تقدم مواد متنوعة ومختلفة فإن تأثيرها في مجال تنمية المفاهيم والقيم والاتجاهات بالغ الأهمية، فهي تنقل إلى الناس معتقدات واتجاهات وقيما، في شكل قصة أو في شكل أنماط سلوكية قد تحظى بالقبول وقد ترفض، ومن خلال وسائل الإعلام هذه يتلقى الناشئة تلك المعتقدات والاتجاهات والقيم، والتي من المفروض أن تكون متوافقة مع ما يرتضيه المجتمع الذي تنتمي إليه وما ترتضيه ثقافته، وأن تعرض المثل الأعلى المنشود في هذا المجتمع أو ذاك، وبمعنى آخر: أن تعكس أهداف المجتمع من الإنسان والحياة. ولأن وسائل الإعلام متنوعة ومتعددة، فإنه يمكن أن ننظر إليها في ضوء وظائفها الأساسية والمتمثلة فيما يلي: ١- إضفاء المكانة: فوسائل الاتصال تلقي الضوء على بعض الحركات والقضايا العامة والأشخاص والمؤسسات، وتؤيدها أو ترفضها مما يضفي عليها مكانة أو يؤثر في مكانها سلبيا. ٢- تقويم ثقافة المجتمع ومعاييره: إذ أن لها من القوة في استثارة العمل الاجتماعي المنظم وفقا للمعايير الأخلاقية والمثالية في المجتمع، ولو حدث انحراف ما عن هذه المعايير تقوم تلك الوسائل بالتنبيه عليه، حيث تقوم بإعلام أفراد المجتمع به وبحقائقه وبأساليب مواجهته كي تتفق الأنماط السلوكية للناس مع المعايير الاجتماعية المقبولة. إن هذه الوسائل تفرض ضغطا كبيرا للوقاية من مظاهر الانحراف عن المعايير والقيم، لإعادة تثبيتها ودعمها وتطبيقها، وجعلها في بؤرة الوعي الاجتماعي ولب اهتماماته. ٣- تنمية الذوق العام: حيث تقوم بتنمية الإحساس بالجمال في الحياة، وكذا جمال النفس الذي يستطيع الإنسان به أن يرى الوجود جميلا، وكذا تنمية الذوق العام في السلوك العام في الأماكن العامة والالتزام بمعايير المجتمع وقيمه. ٤- خدمة المجتمع: وهي في هذا تساعد وتكمل عمل التربية، فهي تعمل على تشكيل الشخصية الإنسانية القادرة على تحقيق التقدم والتنمية، وذلك عن طريق بيان أهمية العمل وتغيير المفاهيم السائدة التي لا تصلح لمسيرة المجتمع، وتقديم المعلومات التي تفيد في هذا المجال، وهي تخدم قضية التغيير الثقافي والاجتماعي.

стр. 277

كما أن هذه الوسائل في عملية التطبيع الاجتماعي، عن طريق نقلها لأنماط السلوك المقبولة ومساندتها، وبالتالي يكتسبها الناس صغارا وكبارا ويحتضنونها من خلال تلك الوسائل، وبالتالي تؤثر في تكوين الشخصية، وتساعدها على التكيف للمواقف والخبرات الجديدة «١» . وتساعد عدة عوامل على إحداث التأثير الكبير في الشيء، من هذه العوامل: التكرار، والجاذبية والمشاركة، ولا نريد أن نستفيض في هذا المجال، لأن المقام لا يسمح، ولكن عوامل تأثر النشء بالمواد الإعلامية- وخاصة التليفزيون- يستحق منا التركيز. ويمكن ذكر تلك العوامل فيما يلي: ١- الاستيعاب: ومعناه: امتصاص المواد المبثوثة في وسائل الإعلام لما تنطوي عليه من مغريات فنية وأدبية وإخراجية، وكلما تكررت المادة بصورة أو أخرى زاد الاستيعاب. ٢- التقليد: وخاصة بين الصغار، فالصغير يقلد النماذج التي تعرض له، ويتوقف التقليد على بيئة الناشىء، وعلى ردود الفعل لدى أفراد هذه البيئة تجاه ما يقرأونه ويشاهدونه. ٣- التقمص: وهو حالة نفسية واجتماعية تتوحد خلالها شخصية المشاهد أو القارىء مع النماذج التي تقدم له من خلال وسائل الإعلام، ويستخدم المتلقي التقمص كوسيلة لإرضاء أو إشباع الحاجات الأساسية «٢» . إن أهمية وسائل الإعلام قد غدت واضحة في مجال التربية، والأمر كذلك، فإنها تقوم على قيم معينة، هي قيم المجتمع الذي نعيش فيه، وهي إما أن تساعد على تثبيت هذه القيم ودعمها، وإما أن تعمل ضدها، بحيث تغرس في نفوس الأفراد قيما أصيلة جيدة، أو تخلع منها قيما رديئة وتغرس محلها قيما أخرى جيدة، وهذا يعود بالتأكيد إلى القائمين على أمر هذه الوسائل ومدى فهمهم لثقافة المجتمع ومعاييره وقيمه. وقد تستخدم هذه الوسائل استخداما سيئا يعطل في الإنسان عقله ووجدانه، واهتمامه بالقيم مما يؤدي إلى حالة من الركود والخمول واللامبالاة، أو ما يسمى بعدم الاهتمام أو الاهتمام الظاهري الكاذب بمشكلات المجتمع، فكما أن لها استخداماتها الفعالة، فإن لها استخدامات ضارة أيضا، خاصة إذا ما وجهت توجيها ضد قيم المجتمع الأصيلة، فهي في هذه الحالة تهدم ولا تبني. ومن الملاحظ في حياتنا تسرب ظواهر معينة من خلال وسائل الإعلام، كإشاعة العنف، والهروب من الواقع، والاستغراق في الخيال، والسلبية، والتقليد الأعمى، وغير ذلك وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه، وتؤكده دراسات

стр. 278

متعددة عن الأثر السلبي لوسائل الإعلام «١» . فهذه الوسائل قد تصبح معوّقا كبيرا- في بعض مواقفها- لتنمية الإنسان وقيمه المنشودة، وفي هذه الحالة لا بد أن نعي أن الإعلام في هذا الوضع يشكل معوّقا وخطرا على القيم، ويكمن هذا في التناقض الأساسي بين القائمين على الإعلام، أو بعضهم وبين الأغلبية الساحقة في المجتمع صاحبة المصلحة الحقيقية في تنمية القيم الإسلامية الدافعة نحو التقدم والتغيير الهادف البناء تجاه أهداف الإسلام «٢» . وتزداد خطورة وأهمية وسائل الإعلام في مجال تنمية القيم، وذلك مع ما يمر به المجتمع العربي والإسلامي من ظروف التغير وسرعته ومن انفجار سكاني ومعرفي، وما يعانيه الإنسان من فراغ، واهتزاز في نظم العلاقات الاجتماعية الناتج عن اهتزاز القيم لدى الأفراد والمجتمعات، وما يتطلبه هذا المجتمع من جهود تنموية تدفعه نحو التقدم ليعبر هوة التخلف المادي التي يعاني منها، والتي تتطلب تنمية القيم اللازمة لمساندة هذه الجهود لتحقيق إنسانية الإنسان وتوفير جهده وحفظه وحفظ كرامته. ولكل هذا نقول إن خطورة وأهمية وسائل الإعلام في مجال تنمية القيم الإسلامية المعبرة عن حركة المجتمع الإسلامي واضحة، فهي تقوم بدور رائد وفعال في هذا المجال، ولكي تكون هذه الوسائل أكثر فعالية، فإنه من اللازم عليها: ١- أن تنبثق رسالتها من تصور إسلامي خالص، وبطريقة متكاملة مع بقية الوسائط الأخري، حتى تتضافر الجهود في سبيل تقديم القيم الخلقية الإسلامية الخالصة. ٢- أن تخضع لتنظيم وتخطيط متكامل شامل لإيصال القيم الخلقية الإسلامية الخالصة للناس كافة بأسلوب عصري يعتمد على العقل والمنطق، وبكافة الأساليب الممكنة، ولا بد أن يأتي هذا التخطيط على أساس دراسة الواقع وفهمه فهما جيدا ومن ثم تتحدد الأهداف التي تسعى إليها وسائل الإعلام في هذا المجال. ٣- أن تستخدم الحكمة في مخاطبة الناس، فتأتيهم من جانب اهتماماتهم وآلامهم اليومية مع انتقاء الكلمة الطيبة التي تفتح أقفال العقول والقلوب، التزاما بالتوجيه القرآني الكريم: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ «٣» . فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا

стр. 279

عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ «١» . ٤- أن تتصدى للقيم والاتجاهات الهابطة التي تقدم بقصد أو عن غير قصد في المادة الإعلامية، بهدف التشكيك في القيم الإسلامية، بل في الإسلام كله، وهنا لا بد من استخدام الحجة والبرهان مع الصراحة والوضوح، وحسن البيان مع الالتزام بالأدب في القول. ٥- أن تعمل على إيجاد كوادر إعلامية مسلمة، تقدم المادة الإعلامية، وتبدع من أجل إيصال القيم الإسلامية لكل فرد في المجتمع الإسلامي وبصورة مناسبة ومشوقة، وتستطيع توجيه الناس إلى الإسلام الصحيح للإفادة به على نطاق واسع ومفيد. ٦- أن تعمل على تكريس الطاقات المسلمة وتكثيفها، فكرا وثقافة وعلما واقتصادا، وأن تحشدها في سبيل تقديم ما يفيد المسلمين في دنياهم وأخراهم، مع تكييف الدعوة للقيم الإسلامية عن طريق الكلمة المسموعة أو المقروءة أو المرئية، والمعبرة تعبيرا صادقا عن القيم الإسلامية الصحيحة. ٧- أن تعمل على توفير القدوة الحسنة إعلاميا والملتزمة بالقيم الإسلامية والصادقة مع نفسها وربها، والموجهة جهودها نحو الخير، المجانبة للكلمة النابية والعبارة الخارجة، وذلك لأن هذه الوسائل تؤثر في الإنسان وخاصة ميله للتقليد والمحاكاة والتي لها تأثير فعال في ميدان الإعلام، وميدان التربية والتعليم على السواء، لذلك يعتمد عليها رجال هذه الميادين كلها بدون استثناء. فرجال الإعلام ينظرون إلى القدوة الحسنة على أنها من وسائل الإعلام، تغني في ذاتها عن بذل الجهود الإعلامية في سبيل دعوة ينشرونها أو فكرة يدعون إليها، أو عقيدة أو سياسة جديدة ينشرونها، ونحو ذلك لذا فإن «القدوة الحسنة هي من أنجح الأساليب والوسائل للاتصال بالناس» «٢» . ٨- أن تركز باهتمام بالغ على برامج الأطفال بوجه خاص، بحيث تقدم لهم القيم الإسلامية بصورة مبسطة تعتمد على المواقف الحياتية والإسلامية وخصائصها، متفتحة على العصر بأسلوب سهل ميسر، بحيث يساعد على تكوين وتنمية ذاتيتهم الإسلامية العربية فيعتزون بالقيم الإسلامية ويعملون على المحافظة عليها بالقول والسلوك. ٩- أن تركز باهتمام على برامج المرأة المسلمة، وتقدم لها كافة ما يهمها، وبصورة تتمكن معها المرأة المسلمة قارئة وغير قارئة من الاستفادة من هذه البرامج، ذلك لأن المرأة هي أخطر عامل مؤثر في تنمية القيم لدى الطفل المسلم.

стр. 280

هذه هي أهم الوسائط التي يناط بها تنمية القيم الإسلامية، وهذه هي الصورة التي ينبغي أن تكون عليها تلك الوسائط لتقوم بوظيفتها، أو تبدأ بأدائها، حاولت توضيحها حتى لا تفقد قيمتها، وحتى لا تقع في تناقضات تفقدها ثقة الناس بها، وحتى لا تصبح عبئا ثقيلا على المجتمع الإسلامي، بحيث تقع في جانب الاستهلاك المرذول بدلا من أن تكون في جانب الإنتاج المطلوب، وبحيث يتكامل بعضها مع بعض وبطريقة شاملة منسقة مع أهداف المجتمع الإسلامي المتشوق بدور حضاري جديد مبني على القيم الإسلامية الصحيحة الدافعة نحو التقدم والتحضر والرقي والتنمية الصحيحة. إلا أن الأمر ليس بهذه السهولة، بل هو أمر جد صعب وجاد، يحتاج إلى جهد وجهاد للعبور فوق التخلف، لبناء إسلامي صحيح، والدفاع عنه بكل ما يستطاع بطريقة مدروسة ومخططة تخطيطا جيدا. إن الأمر أوسع مما يتصور، وأخطر مما نقدر، ومن حجم هذه الكلمات، إن الجهد المبذول من أجل تقدم المجتمعات العربية الإسلامية لن يكون ذا جدوى إذا لم تواكبه حركة قوية في بناء وتنمية القيم الإسلامية التي بإمكانها أن تحفظ هذا الجهد فلا يضيع وتحفظ الإنسان الذي يبذل هذا الجهد من الضياع والعدم والاغتراب والاستلاب واللامبالاة، ولذا فإن القيمة الحقيقية لتلك الوسائط وهذه الوسائل هي في الالتزام بتلك القيم والمحافظة عليها ورعايتها في أعماق الإنسان الذي تحاول أن تبنيه، وهي في هذا تستجيب استجابة حقيقية لحاجات الإنسان في هذه المجتمعات، وتنسق مع إمكانياته، وقدراته وتفجرها تفجيرا من أجل خيره وخير الإنسانية.

стр. 281

السيرة النبوية العطرة الأخلاق ودراسة السيرة: إن لدراسة السيرة العطرة- خاصة فيما يتعلق بالمجال الأخلاقي- أهدافا عديدة يمكن إبراز أهمها فيما يلي: ١- يجد المرء في سيرته ﷺ ما يعينه على فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . ٢- إن الدارس لسيرة الرسول ﷺ يقف على التطبيق العملي لأحكام الإسلام التي تضمنتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في مجالات الحياة المختلفة. ٣- إن الاقتداء برسول الله ﷺ يقتضي معرفة شمائله وأحواله ﷺ في المجالات المختلفة ومن عرف شمائله وأحواله وأحبه واقتدى به فسيهتدي بإذن الله إلى الصراط المستقيم وسينال ما يدخره الله له على ذلك. قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب/ ٢١) . فقد كان ﷺ في هدايته الناس كما وصفه ربه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (الشورى/ ٥٢- ٥٣) . ٤- إن الاقتداء برسول الله ﷺ واتباعه دليل على محبة العبد ربه، وسينال العبد محبة الله له، وفي هذا يقول الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران/ ٣١) . ٥- يقف الدارس لسيرته ﷺ على حقائق معجزاته- دلائل نبوته- مما يقوي ويزيد الإيمان من ناحية، والفهم الجيد لهذه المعجزات في ضوء معرفة هذه الوقائع من ناحية أخرى. ٦- إن معرفة ما حفلت به السيرة من مواقف إيمانية عقدية، وقفها الرسول ﷺ وأصحابه لإعلاء كلمة الله، تقوي من عزائم المؤمنين السائرين على درب الرسول ﷺ ، وتثبتهم للدفاع عن الدين والحق، وتبعث في قلوبهم الطمأنينة. ٧- في سيرته ﷺ دروس كثيرة لجميع الناس، ومواساة لهم في كافة أنواع الابتلاءات التي يتعرضون لها، لا سيما الدعاة. ٨- إن سيرة الرسول ﷺ هي المثل الأعلى للإنسان الكامل في جميع الجوانب. ٩- يحصل دارس السيرة على قدر كبير من المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة، من عقيدة وشريعة وأخلاق وتفسير وحديث وسياسة وتربية واجتماع ... الخ. ١٠- يقف الدارس لسيرته ﷺ على تطور الدعوة الإسلامية، وما كابده الرسول ﷺ وأصحابه لإعلاء كلمة الله، وما واجهه هو وأصحابه من مشكلات، وكيفية التصرف في تذليل تلك العقبات، وحل تلك المشكلات. ١١- إن معرفة أسباب نزول الآيات القرآنية ومناسبات أقوال كثيرة للنبي ﷺ وأصحابه لا تعرف إلا بمعرفة السيرة النبوية، ولهذا أهمية قصوى في الفهم الصحيح للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. ١٢- إن علم الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم والسنة، لا يتأتى فهمه ومعرفته إلا في ضوء وقائع السيرة. ١٣- إن معرفة السيرة على وجهها الصحيح يمكن المسلم من تفنيد الترهات والأباطيل التي يحاول بعض المستشرقين أن يفسروها على غير وجهها الصحيح. ١٤- في السيرة العطرة ما يساعد المسلمين على الخروج من المحنة التي ابتلى بها كثير منهم في هذه الأيام حيث توضح مواقف السيرة كيف يتآخى المسلمون ويصبرون على الشدائد ويثقون بنصر الله تعالى.

стр. 282

تمهيد مصادر دراسة السيرة النبوية: القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساسي من مصادر دراسة السيرة النبوية المطهرة، ذلك أنه يشتمل على بيان واضح للعقيدة والشريعة والأخلاق ويتضمن وصفا للعديد من الغزوات والأحداث الجليلة التي واجهت الرسول ﷺ ، كما أنه يتضمن تصويرا للصراع الفكري والمادي بين الرسول ﵇ وخصومه، وبين الإسلام ومعانديه. ولا شك في أن القرآن الكريم من المصادر التي لها خصوصية الصدق والدّقة والثبوت المطلق من ناحيتي العقيدة والتاريخ عند المسلمين، كما لا يشك أحد فيه من الناحية التاريخية، وإن حصل بعض الاختلاف بين عموم المسلمين من جهة وبين غيرهم من الجهة الأخرى حول مصدره. ويرد في الكتاب العزيز ذكر لبعض الأحداث التاريخية المهمة في عصر النبوة مثل معركة بدر، التي نجد تفصيلات عنها في سورة الأنفال، ومعركة أحد التي وردت في سورة آل عمران تفصيلات عنها، ومعركة الخندق في سورة الأحزاب، وحنين في سورة التوبة، ونجد آيات عن هذه الغزوات في سور أخرى. كما أن هناك آيات نزلت في مناسبات أخرى من عصر السيرة، كما نجد في بعض الآيات تصويرا دقيقا للصراع الفكري والمادي بين المسلمين واليهود في الحجاز كما يتضح ذلك في سور البقرة والحشر والأحزاب. وإضافة إلى ذلك فإن القرآن الكريم يتناول في بعض آياته مناقشات مع عرب الجاهلية تتضمن استعراض مجالات حياتهم العقدية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كما يلمّح القرآن الكريم إلى الحضارات القديمة في الجزيرة وما جاورها، مما يعين على فهم أحوال المجتمعات الإنسانية قبل ظهور الإسلام، وعند ظهوره. غير أنه من غير الممكن تحقيق الاستفادة الكاملة من جميع ذلك إلّا بالرجوع إلى كتب التفسير وبشكل خاص التفسير بالمأثور مثل تفسير الطبري وابن كثير وابن الجوزي والحافظ السيوطي في تلخيصه الموسوم «بالدر المنثور في التفسير بالمأثور» ، كما ينبغي الإنتباه إلى ما صنّف في ناسخ القرآن ومنسوخه، وكتب أسباب النزول وغيرها مما له صلة وثيقة بالقرآن وعلومه «١» . والمصدر الثاني للسيرة المطهرة، كتب الحديث وهي متنوعة، منها الكتب المرتبة على المسانيد، ومنها الكتب المرتبة على الموضوعات الفقهية، وهذه الكتب تقدم مادة واسعة، فهي تعنى بالدرجة الأولى بجمع أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله، وتقريراته، وفضائله، وسيرته، ومغازيه، وسراياه، وبعوثه، وتحتوي على تفاصيل أخرى كثيرة متصلة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وهي توضح جذور النظم الإسلامية وكيفية تطبيق التشريعات الأولى. وتمتاز المصادر الحديثية بأنها أوثق رواة وأدق متونا من كتب السيرة المتخصصة، وينطبق هذا الوصف بشكل دقيق

стр. 283

على الكتب الستة وفي مقدمتها صحيحا البخاري ومسلم. ولا بد من ملاحظة أن السيرة تستقي من كتب أسباب النزول والناسخ والمنسوخ في القرآن، وكتب التفسير وخصوصا تفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم الرازي، ذلك أن التفسيرين يسوقان الروايات بالأسانيد مما يخدم توثيق النصوص عن طريق المتابعات والشواهد ومعرفة اختلاف المخارج بالنسبة للمراسيل «١» . وتبين كتب الدلائل صدق معجزات النبي ﷺ ، وأقدم من أفردها عن كتب الحديث محمد بن يوسف الفريابي (ت ٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م) «٢» في كتابه «دلائل النبوة» «٣» . أما كتب الشمائل فتتناول أخلاق وآداب وصفات النبي ﷺ ، وأقدم من أفردها أبو البختري وهب الأسدي (ت ٢٠٠ هـ/ ٨١٥ م) «٤» . وتأتي كتب السيرة النبوية والمغازي، ضمن المصادر المهمة، وقد ظهر عدد كبير من هذه الكتب خلال القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، ونشير من بين رجال القرن الأول إلى عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيّب، وأبان بن عثمان بن عفان. ومن رجال القرن الثاني إلى ما كتبه موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومعمر بن راشد، والزهري. أما في القرن الثالث الهجري فقد برز محمد بن عمر الواقدي، وعبد الرزاق بن همّام الصنعاني، وعمر بن شبّة بن عبيد. ولا يمكن أن نغفل المجلدين الأولين من كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد وهما في السيرة النبوية «٥» . وتمتاز كتب السيرة المتخصصة بسهولة العرض، وتتابع الأحداث التاريخية واتصالها، ومراعاة التتابع التاريخي في سردها، كما أنها تقدم وصفا مفصلا للأحداث بحكم تخصصها، ومع أن أغلب كتب المغازي والسير الأولى لا يزال مفقودا فإن ما أمكن رصده منها في المصادر المتأخرة يعكس مفردات الهيكل العام للمؤلّف، وأساليب المؤلفين ومستوى الدقة التي يتمتع بها كل منهم. ويعتبر كتاب السيرة النبوية الذي هذّبه ابن هشام عن سيرة ابن إسحاق من أوثق كتب السيرة المتخصصة، وعلى الرغم من موقف علماء مدرسة المدينة من ابن إسحاق، وما ذكره النقّاد المحدثون عنه من تساهل في الإسناد، وقبول مرويات الإخباريين ووجود المناكير والعجائب في رواياته، وما في أصل سيرته من الشّعر المنتحل، فإنه اعتمد عند الحافظ الذهبي حجة في المغازي. وقد قبل من أحاديثه في أمور العقيدة والشريعة ما صرّح فيها بالتحديث ولم يدلس، ما لم يخالف من هو أوثق منه، واعتبرها في مرتبة «الحسن» الذي يحتج به. وقد اطلعت على نسخة فريدة كاملة من السيرة الواسطية، فلم أجد فيها ما يزيد على ما ورد في تهذيب السيرة لابن هشام إلا ما اتصل بالمرويات الخاصة بالعصر الجاهلي، وثبت لدي أنهما يصدران عن مصدر واحد.

стр. 284

أما محمد بن عمر الواقدي، فلم يرد له في الصحيحين رواية واحدة، ورفض النقاد من المحدثين قبول مروياته. وقد ورد في ثنايا كتابه في المغازي الكثير من المرويات بأسانيد فيها رواة لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال، كما قبل وثائق مزورة، كان الوضع فيها بيّنا واضحا ولعل أبرزها كتاب النبي ﷺ إلى يهود مقنى والذي كان الكذب والوضع فيه ظاهرين للعيان. ومع ذلك فإنهم اهتموا بكتاب «المغازي» لغزارة ما فيه من المعلومات، ولتقديمه تفصيلات كثيرة ينفرد بها. وعند الانتقال إلى كتب التاريخ والأنساب فإن الطبري يقدم في كتابه «تاريخ الأمم والملوك» معلومات موسّعة عن السيرة يعتمد فيها بشكل كبير على ما قدمه ابن إسحاق، وإن كان يضيف روايات من مصادر أخرى. أما القسم الأول من كتاب «أنساب الأشراف» للبلاذري، فإنه من المصادر التي تقدم معلومات تمتاز بأهميتها وقدمها في مجال السيرة المطهرة. ويبقى بعد ذلك أن نشير إلى عدد من المؤلفات المتأخرة التي كتبت بعد منتصف القرن الخامس الهجري والتي قام مؤلفوها بجمع معلوماتهم فيها من كتب الحديث وكتب السير الأولى وهذبوها واختصروها. ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى عدد كبير من المؤلفين أمثال ابن عبد البر القرطبي في «الدرر» ، وابن حزم في «جوامع السير» ، وابن سيد الناس في «عيون الأثر» والحافظ الذهبي في «السيرة النبوية» ، والواسطي في «السيرة» ، وابن كثير في قسم السيرة من «البداية والنهاية» ، والدمشقي الشامي في «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» . وتأتي المصادر التكميلية، بعد القرآن الكريم، وكتب الحديث، وكتب السيرة المختصة، والمغازي، وكتب الشمائل والدلائل، لكي تكمّل معالم الصورة وتسد بعض الثغرات التي يمكن أن تبقى بعد استيفاء المعلومات الأساسية من المصادر الأصلية. وتتمثل هذه المصادر التكميلية في كتب «معرفة الصحابة والتراجم» ، وكتب «الأدب في صدر الإسلام» ، وخصوصا الشّعر، ثم كتب «الجغرافية التاريخية» التي تعطي الباحث صورة دقيقة عن الإطار المكاني للأحداث. لقد حفظ الله سيرة النبي ﷺ من الضياع والتحريف والمبالغة والتهويل، بأن هيأ لها جهابذة المحدثين ليعنوا بها ويدونوا أصولها الأولى قبل أن تتناولها أقلام المؤرخين ومبالغات القصّاصين وهذه ميزة لمصادر السيرة لم تتوفر لغيرها، حيث إن المحدثين ثقاة مأمونون في الرواية، وهم في الوقت نفسه علماء لهم مناهج واضحة في نقد الروايات، ولهم أسلوبهم الجاد البعيد عن الحشو والمبالغات «١» .

стр. 285

بيئة الدعوة: يقع البيت العتيق وما يحيط به من مناطق سكنية وأسواق في واد تشرف عليه الجبال من أغلب النواحي، فمن الشرق يشرف عليه جبل «أبو قبيس» ، ومن الغرب جبل «قعيقعان» ، والجبلان يطوقان المنطقة على شكل هلالين متقابلين ويتركان من الناحية الشرقية منفذا إلى الأبطح وأعالي مكة مما يلي الحجون، أما من الجهة الثانية فالمسفلة حيث تنحدر الأرض مع مجرى السيل القديم، ويعرف الوادي الذي يقوم فيه البيت العتيق باسم البطحاء «١» ، وتحيط بالمسجد الحرام بيوت قريش «البطاح» التي امتازت بالتحضر والغنى والجاه. أما خارج أطراف الجبال فكانت تسكن «قريش الظواهر» وهم من العشائر الفقيرة ولكنها شديدة البأس. وتنتمي قريش إلى كنانة التي كانت تسكن قريبا من مكة، مما يعطي مكة عمقا معنويّا للحماية والدعم. وقد تعززت العلاقات النّسبيّة وصلة القربى والرحم بالمحالفات بين الطرفين، وكان الأحابيش الذين يعيشون عند مشارف مكة حلفاء لقبيلة قريش، تساندهم في حروبهم وتستخدمهم في حراسة قوافل التجارة المكية إلى اليمن والشام وأطراف الجزيرة في طريق العراق، وقد شملت محالفات قريش عددا كبيرا من القبائل العربية التي تقع مواطنها على امتداد طرق التجارة التي يباشرونها. ولما كان الاقتصاد التجاري يعتمد على استتباب الأمن، فقد اعتمدت قريش على مكانتها عند العرب، وتحالفاتها مع القبائل العربية، وما كان يظهره زعماؤها من الحصافة والحلم واللين وبعد النظر في سبيل الوصول إلى غاياتهم في تحقيق الأمن لطرق مواصلاتها التجارية. ومع أن قريشا قد دخلت قبل الإسلام في حروب الفجار الأربع التي كانت مناوشات محدودة، فإنها لم تستطع أن تحرز نصرا في تلك الحروب الصغيرة على الأعراب، وذلك يشير إلى عدم اعتمادها على القوة في تأمين مصالحها، بقدر ما تعتمد على مكانتها التي بوأها لها وجود البيت العتيق الذي يحج إليه العرب من شتّى المناطق والذي كانت تحيط به أصنامهم التي زاد عددها كثيرا حتى تجاوز ثلاثمائة وخمسين صنما، وذلك مما ساعدها على تحقيق الأمن، إضافة إلى ما كانوا يحققونه من مكاسب مادية. لقد قام قصيّ بتوحيد قريش وجمعها في مكة وما حولها، ومكّن لها ونظّم شئونها. وقام أبناؤه بأعمال جليلة أدت إلى ازدهار الحياة في مكة وأبرزت مكانتهم وفضلهم وشرفهم ومكّنت لسيادتهم، فقد تولوا السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وتمكّن هاشم بن عبد مناف بن قصي من عقد الإيلاف وتوسيع نطاق التجارة المكية بنقلها من النطاق الإقليمي إلى آفاق العالم القديم الرحبة، لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ «٢» . وقام هاشم كذلك بحفر عدد من الآبار وتوفير المياه لسكان مكة وحجاج البيت العتيق على حد سواء. وقد عرف «المطلب» بن عبد مناف بالدعوة إلى مكارم الأخلاق، والأمر بترك الظلم والبغي والعدوان، كما عرف بشدّة التزامه بالنسك. وقد حاز عبد المطلب بن هاشم على مكانة متميّزة في قلوب الناس لكرمه وجوده، واشتهر بحفره بئر زمزم التي وفرت المياه في مكة، فلم تعد هناك حاجة لنقل المياه إلى مكة من خارجها، ومع أن عبد المطلب
следующие страницы →