← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

السيرة النبوية العطرة الأخلاق ودراسة السيرة: إن لدراسة السيرة العطرة- خاصة فيما يتعلق بالمجال الأخلاقي- أهدافا عديدة يمكن إبراز أهمها فيما يلي: ١- يجد المرء في سيرته ﷺ ما يعينه على فهم كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ . ٢- إن الدارس لسيرة الرسول ﷺ يقف على التطبيق العملي لأحكام الإسلام التي تضمنتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة في مجالات الحياة المختلفة. ٣- إن الاقتداء برسول الله ﷺ يقتضي معرفة شمائله وأحواله ﷺ في المجالات المختلفة ومن عرف شمائله وأحواله وأحبه واقتدى به فسيهتدي بإذن الله إلى الصراط المستقيم وسينال ما يدخره الله له على ذلك. قال تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب/ ٢١) . فقد كان ﷺ في هدايته الناس كما وصفه ربه: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ* صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (الشورى/ ٥٢- ٥٣) . ٤- إن الاقتداء برسول الله ﷺ واتباعه دليل على محبة العبد ربه، وسينال العبد محبة الله له، وفي هذا يقول الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ (آل عمران/ ٣١) . ٥- يقف الدارس لسيرته ﷺ على حقائق معجزاته- دلائل نبوته- مما يقوي ويزيد الإيمان من ناحية، والفهم الجيد لهذه المعجزات في ضوء معرفة هذه الوقائع من ناحية أخرى. ٦- إن معرفة ما حفلت به السيرة من مواقف إيمانية عقدية، وقفها الرسول ﷺ وأصحابه لإعلاء كلمة الله، تقوي من عزائم المؤمنين السائرين على درب الرسول ﷺ ، وتثبتهم للدفاع عن الدين والحق، وتبعث في قلوبهم الطمأنينة. ٧- في سيرته ﷺ دروس كثيرة لجميع الناس، ومواساة لهم في كافة أنواع الابتلاءات التي يتعرضون لها، لا سيما الدعاة. ٨- إن سيرة الرسول ﷺ هي المثل الأعلى للإنسان الكامل في جميع الجوانب. ٩- يحصل دارس السيرة على قدر كبير من المعارف الصحيحة في علوم الإسلام المختلفة، من عقيدة وشريعة وأخلاق وتفسير وحديث وسياسة وتربية واجتماع ... الخ. ١٠- يقف الدارس لسيرته ﷺ على تطور الدعوة الإسلامية، وما كابده الرسول ﷺ وأصحابه لإعلاء كلمة الله، وما واجهه هو وأصحابه من مشكلات، وكيفية التصرف في تذليل تلك العقبات، وحل تلك المشكلات. ١١- إن معرفة أسباب نزول الآيات القرآنية ومناسبات أقوال كثيرة للنبي ﷺ وأصحابه لا تعرف إلا بمعرفة السيرة النبوية، ولهذا أهمية قصوى في الفهم الصحيح للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. ١٢- إن علم الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم والسنة، لا يتأتى فهمه ومعرفته إلا في ضوء وقائع السيرة. ١٣- إن معرفة السيرة على وجهها الصحيح يمكن المسلم من تفنيد الترهات والأباطيل التي يحاول بعض المستشرقين أن يفسروها على غير وجهها الصحيح. ١٤- في السيرة العطرة ما يساعد المسلمين على الخروج من المحنة التي ابتلى بها كثير منهم في هذه الأيام حيث توضح مواقف السيرة كيف يتآخى المسلمون ويصبرون على الشدائد ويثقون بنصر الله تعالى.

стр. 282

تمهيد مصادر دراسة السيرة النبوية: القرآن الكريم هو المصدر الأول والأساسي من مصادر دراسة السيرة النبوية المطهرة، ذلك أنه يشتمل على بيان واضح للعقيدة والشريعة والأخلاق ويتضمن وصفا للعديد من الغزوات والأحداث الجليلة التي واجهت الرسول ﷺ ، كما أنه يتضمن تصويرا للصراع الفكري والمادي بين الرسول ﵇ وخصومه، وبين الإسلام ومعانديه. ولا شك في أن القرآن الكريم من المصادر التي لها خصوصية الصدق والدّقة والثبوت المطلق من ناحيتي العقيدة والتاريخ عند المسلمين، كما لا يشك أحد فيه من الناحية التاريخية، وإن حصل بعض الاختلاف بين عموم المسلمين من جهة وبين غيرهم من الجهة الأخرى حول مصدره. ويرد في الكتاب العزيز ذكر لبعض الأحداث التاريخية المهمة في عصر النبوة مثل معركة بدر، التي نجد تفصيلات عنها في سورة الأنفال، ومعركة أحد التي وردت في سورة آل عمران تفصيلات عنها، ومعركة الخندق في سورة الأحزاب، وحنين في سورة التوبة، ونجد آيات عن هذه الغزوات في سور أخرى. كما أن هناك آيات نزلت في مناسبات أخرى من عصر السيرة، كما نجد في بعض الآيات تصويرا دقيقا للصراع الفكري والمادي بين المسلمين واليهود في الحجاز كما يتضح ذلك في سور البقرة والحشر والأحزاب. وإضافة إلى ذلك فإن القرآن الكريم يتناول في بعض آياته مناقشات مع عرب الجاهلية تتضمن استعراض مجالات حياتهم العقدية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، كما يلمّح القرآن الكريم إلى الحضارات القديمة في الجزيرة وما جاورها، مما يعين على فهم أحوال المجتمعات الإنسانية قبل ظهور الإسلام، وعند ظهوره. غير أنه من غير الممكن تحقيق الاستفادة الكاملة من جميع ذلك إلّا بالرجوع إلى كتب التفسير وبشكل خاص التفسير بالمأثور مثل تفسير الطبري وابن كثير وابن الجوزي والحافظ السيوطي في تلخيصه الموسوم «بالدر المنثور في التفسير بالمأثور» ، كما ينبغي الإنتباه إلى ما صنّف في ناسخ القرآن ومنسوخه، وكتب أسباب النزول وغيرها مما له صلة وثيقة بالقرآن وعلومه «١» . والمصدر الثاني للسيرة المطهرة، كتب الحديث وهي متنوعة، منها الكتب المرتبة على المسانيد، ومنها الكتب المرتبة على الموضوعات الفقهية، وهذه الكتب تقدم مادة واسعة، فهي تعنى بالدرجة الأولى بجمع أقوال رسول الله ﷺ وأفعاله، وتقريراته، وفضائله، وسيرته، ومغازيه، وسراياه، وبعوثه، وتحتوي على تفاصيل أخرى كثيرة متصلة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وهي توضح جذور النظم الإسلامية وكيفية تطبيق التشريعات الأولى. وتمتاز المصادر الحديثية بأنها أوثق رواة وأدق متونا من كتب السيرة المتخصصة، وينطبق هذا الوصف بشكل دقيق

стр. 283

على الكتب الستة وفي مقدمتها صحيحا البخاري ومسلم. ولا بد من ملاحظة أن السيرة تستقي من كتب أسباب النزول والناسخ والمنسوخ في القرآن، وكتب التفسير وخصوصا تفسير الطبري وتفسير ابن أبي حاتم الرازي، ذلك أن التفسيرين يسوقان الروايات بالأسانيد مما يخدم توثيق النصوص عن طريق المتابعات والشواهد ومعرفة اختلاف المخارج بالنسبة للمراسيل «١» . وتبين كتب الدلائل صدق معجزات النبي ﷺ ، وأقدم من أفردها عن كتب الحديث محمد بن يوسف الفريابي (ت ٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م) «٢» في كتابه «دلائل النبوة» «٣» . أما كتب الشمائل فتتناول أخلاق وآداب وصفات النبي ﷺ ، وأقدم من أفردها أبو البختري وهب الأسدي (ت ٢٠٠ هـ/ ٨١٥ م) «٤» . وتأتي كتب السيرة النبوية والمغازي، ضمن المصادر المهمة، وقد ظهر عدد كبير من هذه الكتب خلال القرون الثلاثة الأولى من الهجرة، ونشير من بين رجال القرن الأول إلى عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيّب، وأبان بن عثمان بن عفان. ومن رجال القرن الثاني إلى ما كتبه موسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق بن يسار، ومعمر بن راشد، والزهري. أما في القرن الثالث الهجري فقد برز محمد بن عمر الواقدي، وعبد الرزاق بن همّام الصنعاني، وعمر بن شبّة بن عبيد. ولا يمكن أن نغفل المجلدين الأولين من كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد وهما في السيرة النبوية «٥» . وتمتاز كتب السيرة المتخصصة بسهولة العرض، وتتابع الأحداث التاريخية واتصالها، ومراعاة التتابع التاريخي في سردها، كما أنها تقدم وصفا مفصلا للأحداث بحكم تخصصها، ومع أن أغلب كتب المغازي والسير الأولى لا يزال مفقودا فإن ما أمكن رصده منها في المصادر المتأخرة يعكس مفردات الهيكل العام للمؤلّف، وأساليب المؤلفين ومستوى الدقة التي يتمتع بها كل منهم. ويعتبر كتاب السيرة النبوية الذي هذّبه ابن هشام عن سيرة ابن إسحاق من أوثق كتب السيرة المتخصصة، وعلى الرغم من موقف علماء مدرسة المدينة من ابن إسحاق، وما ذكره النقّاد المحدثون عنه من تساهل في الإسناد، وقبول مرويات الإخباريين ووجود المناكير والعجائب في رواياته، وما في أصل سيرته من الشّعر المنتحل، فإنه اعتمد عند الحافظ الذهبي حجة في المغازي. وقد قبل من أحاديثه في أمور العقيدة والشريعة ما صرّح فيها بالتحديث ولم يدلس، ما لم يخالف من هو أوثق منه، واعتبرها في مرتبة «الحسن» الذي يحتج به. وقد اطلعت على نسخة فريدة كاملة من السيرة الواسطية، فلم أجد فيها ما يزيد على ما ورد في تهذيب السيرة لابن هشام إلا ما اتصل بالمرويات الخاصة بالعصر الجاهلي، وثبت لدي أنهما يصدران عن مصدر واحد.

стр. 284

أما محمد بن عمر الواقدي، فلم يرد له في الصحيحين رواية واحدة، ورفض النقاد من المحدثين قبول مروياته. وقد ورد في ثنايا كتابه في المغازي الكثير من المرويات بأسانيد فيها رواة لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال، كما قبل وثائق مزورة، كان الوضع فيها بيّنا واضحا ولعل أبرزها كتاب النبي ﷺ إلى يهود مقنى والذي كان الكذب والوضع فيه ظاهرين للعيان. ومع ذلك فإنهم اهتموا بكتاب «المغازي» لغزارة ما فيه من المعلومات، ولتقديمه تفصيلات كثيرة ينفرد بها. وعند الانتقال إلى كتب التاريخ والأنساب فإن الطبري يقدم في كتابه «تاريخ الأمم والملوك» معلومات موسّعة عن السيرة يعتمد فيها بشكل كبير على ما قدمه ابن إسحاق، وإن كان يضيف روايات من مصادر أخرى. أما القسم الأول من كتاب «أنساب الأشراف» للبلاذري، فإنه من المصادر التي تقدم معلومات تمتاز بأهميتها وقدمها في مجال السيرة المطهرة. ويبقى بعد ذلك أن نشير إلى عدد من المؤلفات المتأخرة التي كتبت بعد منتصف القرن الخامس الهجري والتي قام مؤلفوها بجمع معلوماتهم فيها من كتب الحديث وكتب السير الأولى وهذبوها واختصروها. ويمكن الإشارة في هذا المجال إلى عدد كبير من المؤلفين أمثال ابن عبد البر القرطبي في «الدرر» ، وابن حزم في «جوامع السير» ، وابن سيد الناس في «عيون الأثر» والحافظ الذهبي في «السيرة النبوية» ، والواسطي في «السيرة» ، وابن كثير في قسم السيرة من «البداية والنهاية» ، والدمشقي الشامي في «سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد» . وتأتي المصادر التكميلية، بعد القرآن الكريم، وكتب الحديث، وكتب السيرة المختصة، والمغازي، وكتب الشمائل والدلائل، لكي تكمّل معالم الصورة وتسد بعض الثغرات التي يمكن أن تبقى بعد استيفاء المعلومات الأساسية من المصادر الأصلية. وتتمثل هذه المصادر التكميلية في كتب «معرفة الصحابة والتراجم» ، وكتب «الأدب في صدر الإسلام» ، وخصوصا الشّعر، ثم كتب «الجغرافية التاريخية» التي تعطي الباحث صورة دقيقة عن الإطار المكاني للأحداث. لقد حفظ الله سيرة النبي ﷺ من الضياع والتحريف والمبالغة والتهويل، بأن هيأ لها جهابذة المحدثين ليعنوا بها ويدونوا أصولها الأولى قبل أن تتناولها أقلام المؤرخين ومبالغات القصّاصين وهذه ميزة لمصادر السيرة لم تتوفر لغيرها، حيث إن المحدثين ثقاة مأمونون في الرواية، وهم في الوقت نفسه علماء لهم مناهج واضحة في نقد الروايات، ولهم أسلوبهم الجاد البعيد عن الحشو والمبالغات «١» .

стр. 285

بيئة الدعوة: يقع البيت العتيق وما يحيط به من مناطق سكنية وأسواق في واد تشرف عليه الجبال من أغلب النواحي، فمن الشرق يشرف عليه جبل «أبو قبيس» ، ومن الغرب جبل «قعيقعان» ، والجبلان يطوقان المنطقة على شكل هلالين متقابلين ويتركان من الناحية الشرقية منفذا إلى الأبطح وأعالي مكة مما يلي الحجون، أما من الجهة الثانية فالمسفلة حيث تنحدر الأرض مع مجرى السيل القديم، ويعرف الوادي الذي يقوم فيه البيت العتيق باسم البطحاء «١» ، وتحيط بالمسجد الحرام بيوت قريش «البطاح» التي امتازت بالتحضر والغنى والجاه. أما خارج أطراف الجبال فكانت تسكن «قريش الظواهر» وهم من العشائر الفقيرة ولكنها شديدة البأس. وتنتمي قريش إلى كنانة التي كانت تسكن قريبا من مكة، مما يعطي مكة عمقا معنويّا للحماية والدعم. وقد تعززت العلاقات النّسبيّة وصلة القربى والرحم بالمحالفات بين الطرفين، وكان الأحابيش الذين يعيشون عند مشارف مكة حلفاء لقبيلة قريش، تساندهم في حروبهم وتستخدمهم في حراسة قوافل التجارة المكية إلى اليمن والشام وأطراف الجزيرة في طريق العراق، وقد شملت محالفات قريش عددا كبيرا من القبائل العربية التي تقع مواطنها على امتداد طرق التجارة التي يباشرونها. ولما كان الاقتصاد التجاري يعتمد على استتباب الأمن، فقد اعتمدت قريش على مكانتها عند العرب، وتحالفاتها مع القبائل العربية، وما كان يظهره زعماؤها من الحصافة والحلم واللين وبعد النظر في سبيل الوصول إلى غاياتهم في تحقيق الأمن لطرق مواصلاتها التجارية. ومع أن قريشا قد دخلت قبل الإسلام في حروب الفجار الأربع التي كانت مناوشات محدودة، فإنها لم تستطع أن تحرز نصرا في تلك الحروب الصغيرة على الأعراب، وذلك يشير إلى عدم اعتمادها على القوة في تأمين مصالحها، بقدر ما تعتمد على مكانتها التي بوأها لها وجود البيت العتيق الذي يحج إليه العرب من شتّى المناطق والذي كانت تحيط به أصنامهم التي زاد عددها كثيرا حتى تجاوز ثلاثمائة وخمسين صنما، وذلك مما ساعدها على تحقيق الأمن، إضافة إلى ما كانوا يحققونه من مكاسب مادية. لقد قام قصيّ بتوحيد قريش وجمعها في مكة وما حولها، ومكّن لها ونظّم شئونها. وقام أبناؤه بأعمال جليلة أدت إلى ازدهار الحياة في مكة وأبرزت مكانتهم وفضلهم وشرفهم ومكّنت لسيادتهم، فقد تولوا السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وتمكّن هاشم بن عبد مناف بن قصي من عقد الإيلاف وتوسيع نطاق التجارة المكية بنقلها من النطاق الإقليمي إلى آفاق العالم القديم الرحبة، لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ «٢» . وقام هاشم كذلك بحفر عدد من الآبار وتوفير المياه لسكان مكة وحجاج البيت العتيق على حد سواء. وقد عرف «المطلب» بن عبد مناف بالدعوة إلى مكارم الأخلاق، والأمر بترك الظلم والبغي والعدوان، كما عرف بشدّة التزامه بالنسك. وقد حاز عبد المطلب بن هاشم على مكانة متميّزة في قلوب الناس لكرمه وجوده، واشتهر بحفره بئر زمزم التي وفرت المياه في مكة، فلم تعد هناك حاجة لنقل المياه إلى مكة من خارجها، ومع أن عبد المطلب

стр. 286

لم يكن أغنى رجال مكة ولا هو زعيمها الوحيد، غير أن صلته المباشرة بشئون البيت العتيق، وقيامه بخدمة حجاج البيت جعلته من أبرز زعماء مكة، فكان هو الذي فاوض أبرهة حين قدم بالأحباش غازيا لمكة بقصد هدم الكعبة: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ «١» . ومع ظهور الإسلام، وبدء نزول الوحي، وقبيل اشتداد مقاومة قريش للدعوة الإسلامية، تولى أبو طالب بن عبد المطلب الرفادة والسقاية بعد وفاة والده، ولم يكن موسرا لينفق من ماله، فاضطر إلى الاقتراض من أخيه العباس ابن عبد المطلب مبلغا كبيرا من المال أنفقه على الحجيج، ولما عجز عن إيفاء القرض تنازل عن السقاية والرفادة إلى أخيه العباس مقابل ذلك. نتبيّن مما تقدّم بأن عشيرة النبي محمد ﷺ كانت تتبوأ مكانة متميّزة في مكة عند ظهور الإسلام، رغم أنهم لم يكونوا من أهل الثراء الواسع، ولعلهم كانوا وسطا في ذلك، ودون أوساط تجار مكة الآخرين. في حين كان الثراء قبيل الإسلام في بني عبد شمس وبني نوفل وبني مخزوم، وقد نازعتهم العشائر القرشية الأخرى السيادة على مكة، وكان هذا النزاع قد بدأ بين أبناء قصي وأدى إلى انقسامهم إلى محورين هما: «المطيّبون» : وهم بنو عبد مناف ومن حالفهم من بني أسد بن عبد العزى وبني زهرة وبني تيم وبني الحارث بن فهر. أما المحور الثاني فهم «الأحلاف» وهو تجمّع يضم بني عبد الدار ومن حالفهم من بني سهم وجمح ومخزوم وعدي. وحصلت منافرات ومنازعات بين زعماء الأسر الكبيرة أحيانا، مثال ذلك ما حصل بين أميّة بن عبد شمس وعمه عبد المطلب بن هاشم. لقد بيّن الله في القرآن الكريم أن العرب المشركين في جاهليتهم كانوا يعبدون آلهة مزعومة لتقربهم من الله وتشفع لهم عنده، قال تعالى: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ «٢» . ولقد اتصلت فيهم هذه الوثنية مع شعائرها وعاداتها واعتقاداتها فترة طويلة، وهم يتشفعون بالأصنام والأوثان: أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى «٣» . ولقد ترسخت لديهم الوثنية بمرور الزمان لما كانوا عليه من إجلال أسلافهم وتعظيمهم: إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ «٤» . وهكذا فقد أعماهم التقليد عن نقد تراثهم العقدي وتحكيم العقل، واستتبع الانحراف في العقيدة انحرافا في العبادة والسلوك والشعائر والشرائع. وهكذا جرى تحريف الحنيفية الإبراهيمية، فدخلت الوثنية مناسك الحج، ووضعوا الأصنام حول الكعبة، وجرى الطواف بها مع التعري من الثياب أحيانا «الحمس» . وأصبحت قريش في

стр. 287

آخر المطاف لا تخرج إلى صعيد عرفات لتقف مع الناس للحج، بل تقف في مزدلفة، متميّزة عن غيرها من بقية القبائل «وكانوا لا يسلئون ولا يأقطون ولا يرتبطون عنزا ولا بقرة، ولا يغزلون صوفا ولا وبرا، ولا يدخلون بيتا من الشّعر والمدر، وإنما يكتنّون بالقباب الحمر في الأشهر الحرم، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وأن يتركوا ثياب الحل ويستبدلوها بثيات الحرم إما شراء وإما عارية وإما هبة، فإن وجدوا ذلك فبها، وإلّا طافوا بالبيت عرايا، وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك. وهكذا فقد شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله مع أنهم كانوا يزعمون بأنهم إنما يسيرون وفق شريعة إبراهيم ﵇. أما تصوراتهم عن الله فقد كان يعتورها القصور والنقص فهم ينحرفون عن الطريق القويم في جملة أمور أساسية في العقيدة، فقد اتخذوا أصناما لهم في كل بيت، يعبدونها ويتمسحون بها عند سفرهم وعند قدومهم ولذلك فإنهم عابوا التوحيد وقالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ «١» . وروى الشيخان أن عمرو بن عامر الخزاعي كان أول من سيّب السوائب «٢» ، وأورد ابن كثير عددا من الأحاديث الصحيحة التي تدل على أن عمرو بن لحيّ كان أول من غيّر دين إبراهيم ﵇، فنصب الأوثان، وبحّر البحيرة، وسيّب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي، فاتّبعته العرب فضلوا ضلالا بعيدا «٣» . وقد أنكر الله تعالى عليهم ذلك في أكثر من آية فقال : وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ «٤» . ذلك أنهم يشركون بالله فلا يوحدونه بل إنهم يلحدون في أسمائه سبحانه وصفاته «٥» ، فيسمونه بأسماء لا توقيف فيها، أو بما يوهم معنى فاسدا، وينكرون بعض صفاته سبحانه، وينسبون إليه النقائص كالحاجة والولد فزعموا أن الملائكة بناته «٦» ، والجن شركاؤه «٧» ، وجحدوا القدر، وقالوا- كما في القرآن الكريم على ألسنتهم-: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ «٨» . وأنكروا القيامة والبعث والنشور والدار الآخرة والحساب والجنة والنار، رغم إقرارهم بالربوبية وقسمهم

стр. 288

بالله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ «١» . وأما عبادتهم الناقصة لله تعالى، وحجهم إلى بيته العتيق، وتوسيطهم الأصنام والأوثان لتقربهم إلى الله زلفى وتقديم القرابين، ونذرهم النذور، فإنه لا يعكس إلّا الرغبة في الحياة السعيدة الرغيدة في الدنيا والحصول على الأموال والثراء، وتحقيق آمال دنيوية أخرى مثل جلب المنفعة، ودفع الشر والإضرار، فهم يعبدون الأصنام لتقربهم من الله تعالى الذي يطمعون منه أن يمنحهم ما يأملون في هذه الحياة التي تنتهي عادة بالهلاك الأبدي الدائم عندهم، الذي ينسبونه إلى الدهر: وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ «٢» . ويفضح القرآن الكريم إنكارهم للآخرة في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز «٣» : وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ «٤» . وفي قوله تعالى: وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ «٥» . وقد زادوا في شعائر الحج التي جاء بها إبراهيم- ﵇، ونقصوا فيها، وحرّفوها عن مقاصدها فقد كانت قريش كما أسلفنا لا تقف مع الناس في عرفات ولا تفيض معهم منها، وذلك ما وضحه حديث أم المؤمنين عائشة- ﵂ «٦» عنهم، وفي أسباب نزول قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٧» . وكانوا يحرّمون العمرة في أشهر الحج ويرون أن ذلك من أفجر الفجور في الأرض. ولم يبق من دين إبراهيم- ﵇ إلّا القليل، مثل تعظيم البيت العتيق والطواف به والحج والعمرة، مع ما فيهما من تحريف، والوقوف في عرفات والمزدلفة وإهداء البدن، مع أنهم أدخلوا في هذا ما ليس منه فقد كانت قريش وكنانة إذا أهلوا بالحج أو بالعمرة قالوا: «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلّا شريكا هو لك تملكه وما ملك» «٨» . فهم يوحدونه بالتلبية، في الوقت الذي يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده. ومما زادوه في عباداتهم المكاء والتصدية في المسجد الحرام وهو التصفيق والصفير. قال تعالى: وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً «٩» ، إضافة إلى ذبحهم على النصب تعظيما للأصنام. ويستسقون بالأنواء، ويقسمون باللّات والعزى. أما أخلاقهم وأعرافهم وعاداتهم، فكثير منها هدمه الإسلام، ومن ذلك ممارسة الكثير من الرذائل من

стр. 289

شرب للخمور، ولعب الميسر، والزواج بغير عدد، وقتل بعضهم للأولاد بسبب الفقر، ووأد البنات خوف العار والفقر، وإثارتهم الحروب لأتفه الأسباب وأخذ الثأر، وقد حكى عنهم الله تعالى كل تلك الرذائل في القرآن الكريم وعابهم عليها ومن ذلك قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ «١» . وقوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ «٢» . وقوله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ* يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ «٣» . وقوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ «٤» . وقوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٥» . سادت في بعض الأوساط أنواع من الأنكحة، التي لا تختلف عن الدعارة، فقد أورد البخاري وأبو داود بسندهما رواية عن أم المؤمنين عائشة- ﵂ ذكرت فيها أنواع الأنكحة الفاسدة في الجاهلية «٦» . حيث إنها ذكرت تفصيلات عن «نكاح الاستبضاع» ، و «نكاح الرهط» ، و «نكاح ذوات الرايات» ، ويظهر أنهم لم يكونوا يشعرون بالعار من هذه الممارسات «٧» . كما أنهم يجمعون بين الأختين، ويتزوجون بزوجات آبائهم إذا ما طلقن أو ماتوا عنهن. ومن خصال الجاهلية تعييرهم بعضهم لبعض بفعل الأمهات والآباء، وافتخارهم بولاية المسجد الحرام «٨» ، وازدراؤهم الفقراء والضعفاء «٩» ، وقد شاعت فيهم العيافة والطّرق والطيرة والكهانة «١٠» ، وكانوا يتعوذون بالجن خوفا منهم «١١» .

стр. 290

مبعث النبي محمد ﷺ : نسبه ﷺ : هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان «١» . وأمه آمنة بنت وهب من بني زهرة ويلتقي نسب أمه بنسب أبيه في كلاب بن مرّة «٢» . قال تعالى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «٣» . وأورد البخاري الحديث الصحيح، الذي قال فيه ﷺ : «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» «٤» . وقال ﷺ أيضا في حديث آخر: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتّى كنت من القرن الّذي كنت فيه» «٥» . صفته ﷺ : كان ﷺ متوسط القامة ليس بالنحيف ولا الجسيم، عريض الصدر، ضخم اليدين والقدمين، مبسوط الكفين ليّنهما، قليل لحم العقبين، يحمل في أعلى كتفه اليسرى خاتم النبّوة وهو شعر مجتمع كالزّرّ. وهو أحسن الناس وجها أبيض اللون بياضا مزهرا، مستدير الوجه مليحه، واسع الفم، طويل شقّ العينين، رجل الشعر، ولم يشب من شعره الأسود إلّا اليسير. وإضافة إلى حسن خلقته وسلامة حواسّه وأعضائه فقد اعتنى بمظهره من النظافة وحسن الهيئة والتطيب بالطيب «٦» . أما صفاته الخلقية فقد وصفه الله بقوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٧» . وأكدت أم المؤمنين عائشة- ﵂ على أنه: «كان خلقه القرآن» «٨» . إن دراسة سيرته ﷺ تعكس صور التواضع المقترن بالمهابة، والحياء المقترن بالشجاعة، والكرم الصادق البعيد عن حب الظهور، والأمانة المشهورة بين الناس، والصدق في القول والعمل، والزهد في الدنيا عند إقبالها، وعدم التطلع إليها عند إدبارها، والإخلاص لله في كل ما يصدر عنه، مع فصاحة اللسان وثبات الجنان، وقوة العقل وحسن الفهم، والرحمة للكبير والصغير ولين الجانب، ورقة المشاعر وحب الصفح والعفو عن المسيء، والبعد عن الغلظة والجفاء والقسوة، والصبر في مواطن الشدّة، والجرأة في قول الحق.

стр. 291

أسماؤه ﷺ : للنبي محمد ﷺ أسماء كثيرة استخرجها العلماء وشرحوا معانيها وما تدل عليه «١» . وقد ثبت في الصحيحين من حديث جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لي خمسة أسماء: أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدميّ، وأنا العاقب» «٢» . وقال أيضا: «أنا محمّد وأحمد والمقفّى والحاشر ونبيّ التّوبة، ونبيّ الرّحمة» «٣» . وأسماؤه ﷺ نوعان: أحدهما خاصّ به لا يشاركه فيه غيره من الرسل مثل الأسماء الخمسة التي وردت في الحديث الصحيح الآنف الذكر كمحمد وأحمد ... ، والنوع الثاني ما يشاركه في معناه غيره من الرسل ولكن له منه كما لهم، كرسول الله، والشاهد، والنذير، ونبي الرحمة. ومن أشهر أسمائه ﷺ محمد. وهو في الأصل اسم مفعول من الحمد. وهو يتضمن الثناء على المحمود ومحبته وإجلاله وتعظيمه. هذا هو حقيقة الحمد وبني على وزن «مفعّل» مثل معظم، ومحبب، ومسوّد، ومبجّل، ونظائرها، لأن هذا البناء موضوع للتكثير، فإن اشتق منه اسم فاعل فمعناه من كثر صدور الفعل منه مرة بعد مرة، كمعلم، ومفهم، ومبيّن، ومخلّص، ومفرّج ونحوها. وإن اشتق منه اسم مفعول فمعناه من كثر تكرر وقوع الفعل عليه مرة بعد أخرى، إما استحقاقا أو وقوعا. فمحمد هو الذي كثر حمد الحامدين له مرة بعد أخرى، أو الذي يستحق أن يحمد مرة بعد أخرى. ويقال: حمّد فهو محمد كما يقال: علّم فهو معلّم. وهذا «علم» وصفة، اجتمع الأمران في حقه ﷺ ، وإن كان علما مختصّا في حق كثير ممن تسمى به غيره» «٤» . زواج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة بنت وهب: الثابت تاريخيّا أن عبد الله بن عبد المطلب قد تزوج من آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، ولم ترد تفاصيل الزواج من طرق صحيحة، ولكن موضوع الزواج وعلاقات النسب من الموضوعات المستفيضة التي لا تحتاج إلى سند موثق «٥» . ولم ير الرسول ﷺ أباه، فقد مات في المدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، وقد ذكر الزهري أنه: «بعث عبد المطلب (ولده) عبد الله بن عبد المطلب يمتار له تمرا من يثرب فتوفي عبد الله بها، وولدت آمنة رسول الله ﷺ

стр. 292

فكان في حجر عبد المطلب «١» . وقد أشار القرآن الكريم إلى يتمه ﷺ فقال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى «٢» . وقد صحت الرواية واشتهرت بأنه قد ولد يتيم الأب «٣» . مولده ﷺ : تفيد أوثق الروايات التي ذكرت مولده ﷺ أنه ولد في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل. وقد صح أنّ ذلك التاريخ كان يوم الاثنين «٤» . إن القرائن التاريخية التي تتصل بالروايات التي تفيد أن مولده ﷺ عام الفيل قوية، وقد ذهب ابن القيم إلى القول بأنه: «لا خلاف أنه ولد ﷺ بجوف مكة، وأن مولده كان عام الفيل، وكان أمر الفيل تقدمة قدّمها الله لنبيّه وبيته، وإلا فأصحاب الفيل كانوا نصارى أهل كتاب، وكان دينهم خيرا من دين أهل مكة إذ ذاك، لأنهم كانوا عبّاد أوثان، فنصرهم الله على أهل الكتاب نصرا لا صنع للبشر فيه، إرهاصا وتقدمة للنبي ﷺ الذي خرج من مكة، وتعظيما للبيت الحرام» «٥» . وقد صح أن ثويبة مولاة أبي لهب أرضعته، كما ثبت أن عمه حمزة بن عبد المطلب كان أخاه من الرضاعة «٦» ، كما صح أن حليمة السعدية أرضعته، وعاش معها في البادية «٧» . وقد حدثت معجزة شق صدره ﷺ وغسل قلبه ولأمه مرتين، الأولى عند ما كان طفلا في الرابعة من عمره «٨» . وقد روى الإمام مسلم في صحيحه خبر معجزة الشق الأول هذا عن أنس بن مالك: «إنّ رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشقّ عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: «هذا حظّ الشّيطان منك» ، ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثمّ أعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه- يعني ظئره- فقالوا إنّ محمّدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللّون» . قال أنس: وقد

стр. 293

كنت أرى أثر المخيط في صدره «١» . ولا شك في أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوّة، وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله. فلا يحل في قلبه شيء إلّا التوحيد، وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك، فلم يرتكب إثما، ولم يسجد لصنم. أما معجزة شق الصدر الثانية فكانت ليلة الإسراء «٢» . وتوفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة وهو في السادسة من عمره «٣» . وقد ترك يتم النبي ﷺ في نفسه أعمق الأثر فكان قد ولد يتيم الأب، ثم فقد أمه في طفولته، وقد بيّن الزهري أن جده عبد المطلب كفله ورعاه «٤» ، غير أن جده ما لبث أن توفّي، بعد أن أوصى ولده أبا طالب برعايته «٥» . وكان ﷺ قد بلغ الثامنة، ولا شك في أن أثر ذلك كان كبيرا على أحاسيسه، لما كان يحبوه به جده من العطف والرعاية «٦» . وقد وردت روايات تفيد عطف أبي طالب عليه وتعلقه به، ومما يدل على شدة محبة أبي طالب إياه صحبته له في رحلته إلى الشام «٧» . ولعل ضيق حال عمه أبي طالب قد دفعه ﷺ إلى العمل لمساعدته فرعى له غنمه، كما رعى لأهل مكة على قراريط «٨» . حياة العمل والكدح: عمد محمد ﷺ منذ أن أضحى يعيش في كنف عمه أبي طالب إلى مساعدته، ولا سيّما أن أبا طالب كان في أشد الحاجة للمساعدة لفقره وكثرة عياله، فاشتغل برعي الأغنام في شعاب مكة وفجاجها. وقد ثبت في الحديث الصحيح قيامه بهذا العمل، حيث روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة- ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيّا إلّا رعى الغنم» . فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة» «٩» . وفي رعي الغنم ما فيه من تهيئة الله لنبيه لتلقي الرسالة والقيام بأمر الدعوة. ويورد الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث خلاصة أقوال العلماء في ذلك فيقول: «الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكفلونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصّل لهم الحلم والشفقة لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره، كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها، مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على

стр. 294

الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها، وتفاوت عقولها، فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام بذلك من أول وهلة لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرقها فهي أسرع انقيادا من غيرها» «١» . حلف الفضول: وشهد محمد ﷺ في شبابه حين بلغ العشرين من عمره حلف الفضول الذي تداعى زعماء قريش لعقده وتواثقوا بينهم ألّا يجدوا بمكة مظلوما إلّا نصروه، ولا صاحب حق مسلوب إلّا أعادوا إليه حقه، وسبب عقد هذا الحلف أن رجلا من زبيد باع سلعة للعاص بن وائل السهمي فمطله في الثمن، فشكا الزبيدي إلى قبائل قريش والأحلاف فلم يلتفتوا إليه، فوقف عند الكعبة وأنشد بأعلى صوته قائلا: يا آل فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكّة نائي الدّار والنّفر ومحرم أشعث لمّا يقض عمرته ... يا للرّجال، وبين الحجر والحجر إنّ الحرام لمن تمّت كرامته ... ولا حرام بثوب الفاجر الغدر فأثار هذا الشعر نخوة الزبير بن عبد المطلب (عم الرسول ﷺ ، فنادى زعماء قريش فاجتمع بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة بن كلاب وبنو تيم، في دار عبد الله بن جدعان، وتم عقد هذا الحلف الذي حضره محمد ﷺ قبل بعثته «٢» . وقد أشاد به بعد نبوته فقال ﷺ : «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم» «٣» . شهوده ﷺ حلف المطيّبين: لم يثبت أن النبي ﷺ قد شهد حرب الفجار التي حصلت بين قريش وكنانة من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى وهي من الحروب التي حصلت في إطار الأحلاف والأعراف الجاهلية «٤» . أما حلف المطيبين فقد ثبت أنه ﷺ قد أخبر عن شهوده وأثنى عليه بقوله ﷺ : «شهدت حلف المطيّبين مع عمومتي وأنا غلام فما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم وأنّي أنكثه» «٥» . وقد عقد الحلف في دار عبد الله بن جدعان

стр. 295

أيضا بمكة المكرمة، بين بني هاشم وبني أمية وبني زهرة وبني مخزوم «١» . وهو تحالف على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم، ورد الفضول على أهلها، وإنما سمي بحلف المطيبين لأنهم أحضروا جفنة فيها طيب فوضعوا أيديهم فيها وتحالفوا، فلما قاموا مسحوا أيديهم بأركان البيت وقد كانت القبائل التي عقدته هي نفس القبائل التي عقدت حلف المطيبين القديم بعد وفاة قصي بن كلاب وتنازع بني عبد مناف وبني عبد الدار على الرفادة والسقاية بمكة «٢» . ولا شك في أن العدل قيمة مطلقة وليست نسبية. وأن الرسول ﷺ يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين من الزمان. فالقيم الإيجابية تستحق الإشادة حتى لو صدرت من أهل الجاهلية. زواجه ﷺ بخديجة بنت خويلد- ﵂ -: ولما سرت أخلاق محمد ﷺ في أرجاء مكة، وعرف القاصي والداني أمانته وصدقه وحسن خلقه رغبت خديجة بنت خويلد في أن يدير لها تجارتها. وكانت خديجة امرأة ذات شرف ومال من خيرة نساء قريش نسبا وأعظمهن شرفا وحسبا، فاختارت محمدا ﷺ ليتاجر لها في أموالها. وقد سافر بتجارتها مرتين إلى بلاد الشام وإلى سوق حباشة بتهامة جنوب مكة، فربحت تجارتها ربحا وفيرا بفضل إدارته ﷺ وكان غلامها ميسرة قد صحبه في تلك الرحلات فلما عاد حدثها بما شاهده من أخلاقه وصدقه وأمانته، الأمر الذي رغبها في الزواج منه، فأرسلت إليه من أفصح له عن رغبتها، فأبدى رغبته في الزواج منها وعرض الأمر على أعمامه فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب ودخلا على خويلد بن أسد فخطبها إليه وتزوجها «٣» . قريش وبناء البيت العتيق: ذكر بعض المؤرخين أن البيت العتيق انهدم مرتين بعد بناء إبراهيم- ﵇ بفعل السيول فبنته العمالقة في المرة الأولى، وجرهم في المرة الثانية «٤» . أما الماوردي فيذكر أن «أول من جدد بناء الكعبة من قريش بعد إبراهيم- ﵇ قصي بن كلاب وهو جد من أجداد الرسول ﷺ ، وسقفها بخشب الروم وجريد النخل» «٥» . على أن المهم هنا هو بناء قريش للكعبة وهو البناء الثابت بنص الصحيحين حيث شارك فيه النبي ﷺ قبيل بعثته. ويعود سبب بناء قريش للكعبة إلى جملة عوامل منها: أنها كانت نحو القامة في الارتفاع أو فوقها بقليل، ولم يكن لها سقف، وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة. وكانت الكسوة تدلّى على جدر الكعبة من الخارج وتشد من أعلى الجدر في بطنها، وكانت البئر التي جعلها إبراهيم- ﵇ خزانة داخل الكعبة ليوضع فيها ما يهدى إليها من أموال وحلي، وقد امتدت أيدي اللصوص إلى خزانة الكعبة عدة مرات عبر القرون فسرقوا ما بها من مال وحلي، إضافة إلى أنّ امرأة من قريش ذهبت تجمّر الكعبة فطارت من مجمرتها شرارة فاشتعلت النار في كسوة الكعبة والتهمتها، وكانت

стр. 296

الكسوة توضع فوق بعضها البعض، فلما احترقت وهنت جدران الكعبة من كل جانب وتصدعت، ومما زاد الطين بلة أنه أعقب ذلك الحريق سيل جارف غمر الكعبة حتى دخل في جوفها، فجزعت قريش لذلك جزعا شديدا، وخافوا أن تنهدم، وخشوا إن قاموا بهدمها وبنائها أن ينزل عليهم العذاب، وأخذوا ينظرون ويتشاورون في أمر البيت العتيق «١» . خطة البناء والتنفيذ: واستقر رأيهم أخيرا على إعادة بناء الكعبة، وسمعوا أن سفينة رومية تحطمت قرب الشعيبة، ميناء مكة القديم، فركب الوليد بن المغيرة ومعه نفر من زعماء قريش واشتروا خشبها لاستخدامه في سقف الكعبة، واستعانوا بنجار رومي يسمى باقوم «وتعاونوا وترافدوا في النفقة، واختلفوا في بنيان مقدّم البيت، فقال أبو أمية بن المغيرة: يا معشر قريش لا تنافسوا ولا تباغضوا فيطمع فيكم غيركم، ولكن جزّئوا البيت أربعة أجزاء، ثم ربّعوا القبائل فلتكن أرباعا، ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة على جوانبها، فطار قدح بني عبد مناف وبني زهرة على الوجه الذي فيه الباب وهو الشرقي، وقدح بني عبد الدار، وبني أسد بن عبد العزى، وبني عديّ على الشق الذي يلي الحجر وهو الشق الشامي. وطار قدح بني سهم، وبني جمح، وبني عامر بن لؤي على ظهر الكعبة وهو الشق الغربي. وطار قدح بني تيم وبني مخزوم وقبائل من قريش ضمّوا معهم على الشق اليماني الذي يلي الصفا وأجياد. وأمروا بالحجارة أن تجمع بين أجياد والضواحي، فكانت قريش تنقل بأنفسها الحجارة تبرّرا وتبركا بالكعبة» «٢» وقد شارك محمد ﷺ قومه في نقل الحجارة، وكان عمره حينذاك خمسا وثلاثين سنة «٣» . ولما أجمعت قريش على هدم الكعبة، أخرجوا ما كان بها من مال وحلية، وجعلوه عند أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي، وأخرجوا كبير الأصنام هبل، ونصبوه عند المقام. ولما أرادوا الشروع في الهدم ظهرت لهم حية كانت داخل الكعبة وكشّت «٤» وفتحت فاها، فهابوها، فقال لهم الوليد بن المغيرة: «يا قوم ألستم تريدون بهدمها الإصلاح؟ قالوا: بلى. قال: فإن الله لا يهلك المصلحين، ولكن لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلّا من طيّب أموالكم، ولا تدخلوا فيه مالا من ربا، ولا من مال ميسر، ولا مهر بغيّ، ولا مظلمة أحد من الناس، وجنبوه الخبيث من أموالكم، فإن الله لا يقبل إلّا طيبا» ، ففعلوا، ثم وقفوا عند المقام ودعوا الله أن يذهب عنهم تلك الحية، فأقبل طائر كبير فاختطفها وألقى بها في أجياد، فاعتبروا ذلك دليلا على رضا الله عن عملهم «٥» . تقدم الوليد بن المغيرة بمعول في يده وبدأ في الهدم بمفرده دون أن يشاركه أحد من قريش خوفا من أن ينزل به العذاب إذا أمسى، ولما أصبح سليما اشتركوا معه في هدم البيت حتى بلغوا حجارة خضرا لا يطيق تحريك الحجر

стр. 297

الواحد منها عدة رجال، فاتخذوا من ذلك أساسا للبناء. ولما جمعوا ما أخرجوه من النفقة وجدوها أقل من أن تبلغ بهم عمارة البيت كله، فتشاوروا في ذلك، واستقر رأيهم على أن يقصروا عن القواعد ويحجّروا ما يقدرون عليه من بناء «١» البيت، ويتركوا بقيته في الحجر عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه، ففعلوا ذلك وبنوا في بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من جهة الحجر، وتركوا من ورائه من فناء البيت في الحجر ستة أذرع وشبرا، ثم شرعوا في بنائها، ورفعوا بابها عن الأرض حتى لا تدخلها السيول، ولا يرقى إليها إلا بسلّم ولا يدخلها إلّا من أرادوا، وبنوها بمدماك من حجارة ومدماك من خشب بين الحجارة «٢» . وبذلك يتضح أن هذا البنيان للكعبة قد قصر عما كان عليه منذ زمن الخليل- ﵇. وقد أشار النبي ﷺ بعد البعثة إلى هذا الأمر في الأحاديث الصحيحة التي رواها البخاري ومسلم، فقد قالت أم المؤمنين عائشة- ﵂: سألت النّبيّ ﷺ عن الحجر أمن البيت هو؟ قال: «نعم» . قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: «إنّ قومك قصّرت بهم النّفقة» ، قلت: فما شأن بابه مرتفعا؟ قال: «فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، ولولا أنّ قومك حديثو عهد بالجاهليّة فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت وأن ألصق بابه بالأرض» «٣» . الحكم الأمين: عندما انتهت قريش إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا في رفعه وأراد كل فريق أن يذهب بشرف وضعه في مكانه، وزعمت كل قبيلة أنها أحق بذلك الشرف حتى كاد ينشب بينهم القتال. وظلوا على تلك الحال بضع ليال، ثم تشاوروا فأشار عليهم أبو أمية حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر، وكان أسنّ قريش، بأن يحكّموا أول من يطلع عليهم من باب بني شيبة، فرضوا بذلك فطلع عليهم محمد ﷺ ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، قد رضينا بما قضى بيننا، فلما أخبروه الخبر أمر بثوب فوضع فيه الحجر الأسود وطلب أن يتقدم من كل ربع من أرباع قريش رجل وأن يأخذ كل رجل بزاوية من زوايا الثوب، ثم رفعوه فأخذه بيده ووضعه مكانه وشده، وبذلك حسم خلافا خطيرا كاد أن يمزق قريشا. ثم واصلوا البناء وزادوا في ارتفاعها تسعة أذرع وجعلوا لها سقفا مسطحا تحمله ست دعائم في صفين في كل صف ثلاث دعائم. وكان الخشب خمسة عشر مدماكا والحجارة ستة عشر مدماكا وبلغ ارتفاعها من خارج الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذراعا، وجعلوا ميزابها يسكب في الحجر، وأقاموا داخلها درجة من خشب يصعد بها إلى ظهرها، وزوّقوا سقفها وجدرانها الداخلية، ودعائمها، وصوروا فيها صور الأنبياء، ويبدو أن ذلك كان بتأثير باقوم، ذلك الروميّ البنّاء الذي استعانوا به، فكانت فيها صورة إبراهيم ﵇ يستقسم بالأزلام، وصور الملائكة، وصور مريم- ﵍ وفي حجرها ابنها عيسى- ﵇، وجعلوا لها بابا يفتح ويغلق، ثم ردوا المال والحلية في الجب وعلقوا فيه قرني الكبش ونصبوا هبل على الجب كما كان قبل ذلك، وكسوها حبرات يمانية وردموا الردم الأعلى وصرفوا السيل عن الكعبة» «٤» .

стр. 298

الصادق الأمين: ولا غرابة أن يشارك محمد ﷺ قومه ذلك العمل الجليل وأن يعرف بينهم بالصادق الأمين فقد نشأ والله يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية وأنجاسها لما يريده له من كرامته ورسالته، فما إن أصبح رجلا حتى أضحى أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأشهرهم أمانة، وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزها وتكرما، حتى لقبه قومه بالأمين، لما جمع الله فيه من الخصال الصالحة «١» . وظهرت أمانة محمد ﷺ أبين الظهور حين اشتغل بالتجارة، فقد روي أنه شارك السائب بن أبي السائب قبل بعثته فلما كان يوم الفتح جاءه السائب فقال له: «مرحبا بأخي وشريكي كان لا يداري ولا يماري» «٢» . وفي رواية أبي داود أن السائب قال للنبي ﷺ : «بأبي أنت وأمّي كنت شريكي. فنعم الشّريك كنت لا تداري ولا تماري» «٣» . هكذا عاش محمد ﷺ بين قومه قبل بعثته نزيه النفس فما حكيت عنه مغامرة لنيل جاه أو مداهنة لاصطياد ثروة بل على العكس بدأت سيرته تومض في أنحاء مكة بما امتاز به على سائر أقرانه، بل على أشراف قومه من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر صائب، ورأي راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين، حتى وصلت رجولته إلى القمة، وازدانت تلك الرجولة بمحامد الأدب، والاستقامة والقنوع، وسمو روحه، وصفاء نفسه، فقد صانه الله تعالى من حب العظمة ومن التظاهر والرياء، أو طلب الرياسة عن طريق المداهنة، فإذا أضفنا إلى هذا كرهه الشديد للأصنام التي عكف عليها قومه، وازدراءه للعقائد المحرفة التي تسود عالمه، وإدراكه أن الحق شيء آخر وراء هذه الخرافات والأوهام السائدة.. تبينا السر في استئناسه للجبال والفضاء، واستراحته إلى رعي الغنم في هذه الأنحاء القصية، مكتفيا بالقليل الذي يعود عليه من كسبها «٤» . إرهاصات البعثة: لقد عصم الله نبيه ﷺ من الكفر وجنّبه عبادة الأوثان التي عبدها قومه، فلم يعبدها، ولم يقدم لها القرابين، ولم يكن يأكل مما يذبح على النصب، وكان يستمسك بإرث إبراهيم وإسماعيل ﵉ في حجهم ومناكحهم وبيوعهم «٥» ، فكان يطوف بالكعبة المشرفة، وقد طاف معه مولاه زيد بن حارثة مرة، فلمس زيد بعض الأصنام

стр. 299

فنهاه رسول الله ﷺ ، وقد حلف زيد أن رسول الله ﷺ ما مسّ منها صنما حتى أكرمه الله بالوحي «١» وكان التعري عند الطواف مألوفا، ولكن النبي ﷺ عصم من ذلك. وقد اشترك مع عمه العباس في نقل الحجارة لما جددت قريش بناء الكعبة، فاقترح عليه عمه العباس أن يرفع إزاره ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة ما دام بعيدا عن الناس، فلما فعل ذلك سقط على الأرض مغشيّا عليه، فلما أفاق طلب أن يشدّوا عليه إزاره «٢» . وعرف ﷺ بالصدق والأمانة، وصلة الأرحام ومساعدة الضعفاء والبذل في الخير، فكانت قريش تلقبه بالأمين، وصفته خديجة- ﵂ بقولها: «إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ» «٣» . وكان أقرب أصدقاء رسول الله ﷺ إلى نفسه ثلاثة هم أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله- ﵃ وثلاثتهم من تجار قريش، وقد اتسموا بالأخلاق العالية، والنظرة السليمة، والبعد عن الرذائل، والتثقف بثقافة حسنة من معرفة الأحساب والأنساب والشعر كما عرفوا بإكرام الضيف والإنفاق في الخير، وهذه الخصال الحميدة قربتهم إلى رسول ﷺ ، فكانوا أصدقاء قبل البعثة، وأتباعه الأولين بعدها، فقد هدتهم فطرتهم إلى الإسلام. بشارات الأنبياء بمحمد ﷺ : رغم التحريف الحاصل في نسخ التوراة والإنجيل المتداولة حاليّا، فلا زالت نسخة «توراة السامرة» ، «وإنجيل برنابا» الذي حرمت الكنيسة تداوله في آواخر القرن الخامس الميلادي، تحتوي على نصوص صريحة تبشر بظهوره ونبوته ﷺ . وقد نص إنجيل برنابا على التصريح برسالة محمد ﷺ مثال ذلك، ما ورد في الإصحاح الحادي والأربعين عن إخراج آدم وحواء من الجنة حيث ورد فيه: «فاحتجب الله، وطردهما الملاك ميخائيل من الفردوس، فلما التفت آدم رأى مكتوبا فوق الباب: لا إله إلّا الله محمد رسول الله» «٤» . وقد أيدت المخطوطات التي عثر عليها في منطقة البحر الميت حديثا ما ورد في نصوص إنجيل برنابا المذكورة. وحين تحدث المسيح- ﵇ إلى الحواريين عن الرسول محمد ﷺ وبشرهم أنه قادم إلى العالم سأله الحواريون: «يا معلم: من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي سيأتي إلى العالم؟» أجاب يسوع بابتهاج قلب: «إنه محمد رسول الله» «٥» . ومثل هذه البشارات تتكرر في إنجيل برنابا في مواضع كثيرة. وفي الإصحاح الثاني من إنجيل لوقا «٦» قوله: «الحمد لله في الأعالي وعلى الدنيا السلام، وللناس أحمد» وقد

стр. 300

تم تحريف الفقرة الأخيرة عند ترجمتها من النص السرياني إلى العربية «١» . وفي الإصحاح السادس عشر من إنجيل لوقا يرد قول المسيح: «إن لم أنطلق يأتكم الفارقليط» «٢» وأما بشارة عيسى ابن مريم- ﵉ قومه ببعثة النبي محمد ﷺ فقد كانت صريحة نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ «٣» . وكانت صفات النبي محمد ﷺ وعلاماته قد وردت في كل من التوراة والإنجيل بشكل صريح كما أخبر الله تعالى في الكتاب العزيز بقوله الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٤» . ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية بأن الأخبار متواترة بمعرفة أهل الكتاب بصفة النبي محمد ﷺ «٥» . وقد أخبر الله تعالي بذلك عن أهل الكتاب كما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «٦» . وعلى الرغم من ثبوت قيام اليهود والنصارى بتحريف التوراة والإنجيل وتعمدهم حذف اسم النبي ﷺ وحذف النصوص الواضحة الدالة على صفاته كما يتضح ذلك من النقول والاقتباسات التي أوردها العلماء المسلمون في مؤلفاتهم أمثال ابن قتيبة، والماوردي، والقرافي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية، وغيرهم مما يدل على أن التحريف قد استمر حتى العصور المتأخرة، ومع ذلك فقد بقيت بعض النصوص التي تشير بشكل صريح إلى ذلك فقد نصت التوراة المتداولة بين الأحبار على ظهور النبي محمد ﷺ في مكة في نص جاء فيه: «جاء الرب من سينا.. ... واشرق لنا من ساعير استعلن من جبل فاران ... ومعه الوف الأطهار في يمينه سنة نار» «٧» .

стр. 301

ومما لا شك فيه أن الدلائل على صدق النبوة المحمدية لا تتوقف على هذه البشارات، فدلالات القرآن الكريم من التشريع الباهر، والإعجاز البلاغي، ودلالات السنة النبوية المطهرة الصحيحة على وقوع المعجزات الحسيّة ومشاهدة الألوف من المسلمين لها، ودلالات السيرة النبوية المطهرة، في إيمان النبي محمد ﷺ ويقينه، وعبادته ومجاهدته، ودعوته وجهاده وعدله وصدقه وإيمان المقربين إليه العارفين به يقطع بصدق البعثة المحمدية «١» . وينقل ابن إسحاق عن رجال من الأنصار قولهم: «إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه، لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم» «٢» . ولا شك في أن يهود المدينة كانوا يعرفون أن زمان النبي محمد ﷺ قد اقترب، وكانوا يزعمون أنه منهم ويتوعدون به العرب وقد بين الله أنهم يعرفونه بصفاته وإنما أنكروا نبوّته وجحدوها لما تبين لهم أنه من العرب، قال تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ «٣» . وأورد البخاري في صحيحه «٤» ، ومسلم في كتاب الجهاد والسير «٥» ما صرح به هرقل ملك الروم حين استلم رسالة النبي ﷺ إليه في قوله: «وقد كنت أعلم أنّه خارج، ولم أكن أظنّ أنّه منكم» «٦» . إرهاصات نبوته ﷺ : كانت الرؤيا الصادقة هي أول ما بديء به من الوحي فكان ﷺ لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح «٧» . ومن ذلك تسليم الحجر عليه قبل النبوة كما أخبر «٨» وقد «حبّب إليه الخلاء، فكان يخلوا بغار حراء فيتحنّث فيه- وهو التعبد- اللّيالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك ... » «٩» . حتى نزل عليه الوحي فجأة وهو في الغار «١٠» .

стр. 302

نزول الوحي والبعثة النبوية: بدأ نزول الوحي على محمد ﷺ وعمره أربعون سنة «١» . وقصة بدء نزول الوحي على النبي ﷺ ثابتة بنص الصحيحين من حديث عروة بن الزبير، فعن عائشة أم المؤمنين- ﵂ أنها قالت: «كان أول ما بديء به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه- وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقاريء. قال فأخذني فغطّني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقاريء. فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقاريء فأخذني فغطّني الثالثة، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ «٢» . فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد- ﵂ فقال: زمّلوني زمّلوني. فزمّلوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: أي خديجة مالي لقد خشيت على نفسي، وأخبرها الخبر. فقالت خديجة: «كلّا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى- وهو ابن عم خديجة أخي أبيها- وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي ويكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب. وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجيّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا «٣» . ثم لم ينشب ورقة أن توفّي، وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أو فى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد: إنك رسول الله حقّا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي، غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك» «٤» . لقد كان بدء نزول الوحي على النبي ﷺ ونزول صدر سورة «اقرأ» نقطة تحول في تاريخ البشرية، نقلتها من طريق الاعوجاج والظلام إلى طريق الهدى والنور، طريق الله المستقيم المؤدي إلى النجاة في الدنيا والآخرة.

стр. 303

ويعلق أحد الباحثين على ذلك بقوله: «لقد تحول خط التاريخ كما لم يتحول من قبل قط، وكما لم يتحول من بعد أيضا. وكان هذا الحدث هو مفرق الطريق. وقامت المعالم في الأرض واضحة عالية لا يطمسها الزمان، ولا تطمسها الأحداث. وقام في الضمير الإنساني تصور للوجود وللحياة وللقيم لم يسبق أن اتضح بمثل هذه الصورة، ولم يجئ بعده تصور في مثل شموله ونصاعته وطلاقته من اعتبارات الأرض جميعا، مع واقعيته وملاءمته للحياة الإنسانية. ولقد استقرت قواعد هذا المنهج الإلهي في الأرض وتبينت خطوطه ومعالمه لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ «١» . لا غموض ولا إبهام. إنما هو الضلال عن علم، والانحراف عن عمد، والالتواء عن قصد. إنه الحادث الفذ في تلك اللحظة الفريدة. الحادث الكوني الذي ابتدأ به عهد في هذه الأرض وانتهى عهد. والذي كان فرقانا في تاريخ البشر لا في تاريخ أمة ولا جيل. والذي سجلته جنبات الوجود كله وهي تتجاوب به، وسجله الضمير الإنساني. وبقي أن يتلفت هذا الضمير اليوم على تلك الذكرى العظيمة ولا ينساها وأن يذكر دائما أنه ميلاد جديد للإنسانية لم يشهده إلا مرة واحدة في الزمان» «٢» . أيقن النبي ﷺ أنه رسول الله بعد أن نقشت تلك الآيات من سورة «اقرأ» في صدره، وبعد حديث ورقة بن نوفل له، وازداد يقينه بعد نزول الآيات الأولى من سورة المدثر، فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري وهو يحدث النبي ﷺ عن فترة الوحي- فقال في حديثه: «بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السّماء فرفعت بصري فإذا الملك الّذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السّماء والأرض، فرعبت منه فرجعت فقلت: زمّلوني. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ- إلى قوله- وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ «٣» فحمي الوحي وتتابع «٤» . وهذه الآيات الأولى من سورة المدثر فيها الأمر من الله لمحمد ﷺ بإنذار البشر «٥» ودعوتهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فهي تمثل في حياة محمد ﷺ حدّا فاصلا بين عهدين، عهد ما قبل البعثة الذي يمثل أكثر عمره ﷺ والذي لم يكن فيه مكلفا من الله تعالى بشيء. وعهد ما بعد البعثة الذي يمثل أخطر وأصعب مرحلة في حياته ﷺ لأنها مرحلة تغيير طريق البشرية وهي مرحلة خطيرة عندما نتصورها بكل أبعادها فها هي الأوامر الربانية تأمره ﷺ أن يترك عهد النوم وأن يشمر عن ساعد الجد، ليس لتغيير عقيدة قومه فحسب، بل لتغيير مسار البشرية بأكمله، ونقل تلك البشرية من طريق الهلاك والردى الذي كانت تتردى فيه، إلى طريق النجاة الذي يؤدي إلى سعادة الدنيا والنجاة العظمى في الأخرى. وهذه المهمة، وهذا التكليف الإلهي لم يكن يسيرا بل كانت دونه من الصعوبات والأخطار ما لا يستطيعه أحد سوى محمد ﷺ الذي اختاره الله تعالى لهذه المهمة الشاقة ونجح فيها- كما يشهد التاريخ- أيما نجاح، ووضع البشرية على الطريق الصحيح وأوضح لها السبيل الحق، وأنار لها الطريق ولم يعد لفرد أو جماعة أو فئة عذر في تنكب طريق الحق والزيغ عن الهدى والنور.

стр. 304

وقد ثبت أن الوحي قد نزل عليه أول ما نزل يوم الإثنين «١» . كما أن المشهور أن ذلك قد حصل في شهر رمضان. قال تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ «٢» . والوحي إلى محمد ﷺ نظير الوحي الإلهي إلى الأنبياء السابقين، قال تعالى: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً «٣» . وكان الرسول ﷺ يعالج من التنزيل شدّة «٤» ، وكان جبينه يتفصّد عرقا في اليوم الشديد البرد، وكان وجهه يتغير ويكرب «٥» ، وجسمه يثقل يقول زيد بن ثابت: «فأنزل على رسول الله ﷺ ، وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتّى خفت أن ترضّ فخذي» «٦» . وكان يركز ذهنه بشدّة لحفظ القرآن، فيحرك به لسانه وشفتيه، فنزلت الآية: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ* فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ «٧» . كان حرص النبي ﷺ على تبليغ القرآن الكريم يدفعه إلى التعجل في تلقيه والشوق إليه، وقد بيّنت ذلك الآية وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً «٨» . ولقد أوضح النبي ﷺ كيف يأتيه الوحي حين قال: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس- وهو أشدّه عليّ- فيفصم عنّي وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلّمني فأعي ما يقول» «٩» . وكان الوحي يأتيه في اليقظة كما تدل على ذلك الأحاديث الصحيحة «١٠» . استغرق نزول الوحي ثلاثا وعشرين سنة، منها ثلاثة عشر عاما بمكة المكرمة وهذا هو المشهور «١١» وعشر سنين في المدينة وهو المتفق عليه «١٢» . إن ظاهرة الوحي معجزة خارقة للسنن الطبيعية حيث تلقى النبي ﷺ كلام الله- القرآن الكريم- بواسطة الملك جبريل ﵇ ، وبالتالى فلا صلة لظاهرة الوحي بالإلهام أو التأمل الباطني، أو الاستشعار

стр. 305

الداخلي، بل إن الوحي يتم من خارج الذات المحمدية المتلقية له، ودون أن يكون لرسول الله ﷺ أي أثر في الصياغة والمعني، وتنحصر مهمته بتلقى الوحي وحفظ الموحى به وتبليغه «١» ، أما بيانه وتفسيره فيتم عن طريق النبي ﷺ بأسلوبه ولفظه كما تدل على ذلك أحاديثه المحفوظة. وهو أسلوب مغاير تماما لأسلوب القرآن الكريم. الدعوة الإسلامية ومنطلقاتها الفكرية: إن الخطاب الإسلامي موجه للناس كافة بشتى بقاعهم ومختلف أزمانهم وبكل أجناسهم وقومياتهم وألوانهم وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٢» . وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً «٣» ، وهذا العموم في الخطاب للبشرية اقتضى أن يقوم الرسول ﷺ وأتباعه بدعوة الآخرين إلى الدخول في الإسلام قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي «٤» . وقد حفلت العصور الإسلامية المتعاقبة بنشاط دعوي في أوضاع الحرب والسلام كان له أثره البالغ في تكثير أعداد المسلمين وتوسيع رقعة دار الإسلام. وكان الباعث الرئيسي على الدعوة هو طلب مرضاة الله والحصول على مثوبته ففي الحديث النبوي: «لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم» «٥» . إن موضوع الدعوة هو الإسلام بشموله للعقيدة والشريعة والأخلاق- أو بتعبير معاصر- لجوانب الحياة المتنوعة فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية، ولكن المحور الأساسي هو التوحيد الخالص لله تعالى، وأنه الرب الخالق والمنعم الرازق، وأنه خلق البشر لتحقيق العبودية له وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٦» ، ويتم اختبار طاعتهم في هذه الدنيا ويجازون على أعمالهم في اليوم الآخر، حيث يدخل المؤمنون الجنة والكافرون النار زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ «٧» سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ «٨» وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ «٩» . إن الدخول في الإسلام يبدأ ب «أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» ، وبها يعلن الإنسان إخلاصه في العبودية لله وحده، والتزامه باتباع أحكام الإسلام التي جاء بها محمد ﷺ «١٠» وهكذا يدخل الإنسان مرحلة الوعي الديني.. الوعي بالهدف النبيل من الوجود، والوعي بضرورة الارتقاء الروحي والمادي، والوعي بوسائل

стр. 306

الارتقاء من الاحساس بمعاني الإيمان «١» والتدبر «٢» والتفكر «٣» والذكر «٤» والشكر «٥» والعبادات المتنوعة من صلاة «٦» وصوم «٧» وحج «٨» لتوثيق الصلة بالخالق «الصلاة معراج المؤمن» ، ومن الانتصار للحق والعدل والخير والجمال، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر «٩» ، ومن تمثل القيم الإسلامية في واقع حياته ليكون مثال «الإنسان الصالح» «١٠» ، ومن العطاء السخي للآخرين «١١» عن طريق «العمل الصالح» «١٢» ، الذي يقربه إلى الله تعالى. إن دائرة العمل الصالح واسعة، وهو يهدف إلى الارتقاء بالحياة الروحية والمادية ومساندة قيم الحق والخير والجمال في الأرض. وهي معاني كبيرة لا يسهل تحقيقها نسبيّا، وإن تحققت في جيل فليس ثمة ما يضمن تحققها في جيل لاحق، فالصعود والهبوط يتعاقبان في تاريخ البشر، وتجديد الدين وإحياء السنن وتوثيق عرى الإيمان يرتبط بالدعوة الإسلامية «١٣» ، ومدى وعي الدعاة لمضامين الإسلام وشموليته، وقدرتهم على تمثل تعاليمه، وإقناع الآخرين بها. إن القرآن هو أول كتاب باللغة العربية حرّك وعي الإنسان قبل أربعة عشر قرنا، وفتح عقله على مكانه في الكون والحياة، وعرّف بالحقوق والواجبات التي تعمق وعيه الاجتماعي ونظرته الإنسانية، وقد كان النبي ﷺ يوضح ذلك كله بأقواله وسيرته الشخصية، ونظرا لتمثله القرآن بعمق ووعي خاصين، وتأثيره الكبير في جيله خاصة، فإن الرؤية القرآنية تحولت إلى واقع إنساني معاش، تفاعل مع الوحي الإلهي- قرآنا وسنة، وأثمر ارتقاء عظيما في الوعي الإنساني العام عندما انتشر الإسلام عبر الزمان والمكان. هدفت الدعوة الإسلامية إلى تخفيف معاناة الإنسان في الحياة، والتي يمكن أن تتضاءل بازدياد وعيه في ظل الوحي الإلهي، في حين قد يؤدي ازدياد الوعي إلى زيادة المعاناة عند غياب الإيمان، فقسوة الحياة تشتد عندما تفتقد المعنى، والدين هو الذي يعطيها المعنى، نعني بذلك التحلي بالصبر «١٤» . وقصدت الدعوة الإسلامية إلى تحرير الإنسان من الأوهام والأساطير والخرافات والشعوذة التي يقوم بها منتفعون يزعمون أنهم وسطاء بين الله والناس. وأحيانا اتخذ الإنسان وسطاء من الحجر والشجر والبشر يناجونهم ويسألونهم، فأعلنت الدعوة الإسلامية أن ذلك محض شرك وأنه لا واسطة بين الله والإنسان «١٥» ، وفي الحديث

стр. 307

«اتّق دعوة المظلوم فإنّه ليس بينه وبين الله حجاب» «١» مما يفتح بصيرة المؤمن على عاقبة ظلم الإنسان «٢» ، ويرسي أساسا للعدل السياسي والاجتماعي. وتحمل الدعوة الإسلامية ميزانا دقيقا للحقوق والواجبات حسب الشريعة، فلا يجوز التفريط فيها أو التخلي عنها، فهي منحة إلهية للبشرية، وقد اقتضى تطبيق تلك التعاليم جهادا وبذلا منذ نزول الوحي حتى استقرت دولة الإسلام، فلولا الجهاد «٣» لما قضي على الشرك وطابع الحياة الجاهلية، ولما استقرت معاني العقيدة وقيم الإسلام الاجتماعية ومضامينه الخلقية في نفوس الملايين. وحرصت الدعوة الإسلامية على بناء مجتمع العدل والقوة «٤» لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ «٥» مما يوضح الأسس اللازمة لبناء مجتمع قوي متحضر يقوم على العدل والقوة، فالكتاب والميزان لإقامة العدل، والحديد لايجاد القوة التي تحمي العدل وتكفل استمراره. والعدل الشامل يمتد إلى المسلم والذمي والكافر، والأغنياء والفقراء، والأقوياء والضعفاء، والرجال والنساء، حيث تتحدد حقوق الجميع وفق موازين العدل دون احتكار أو استغلال أو استئثار أو ظلم إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ «٦» . وتنطلق الدعوة الإسلامية من مبدأ المساواة «٧» بين البشر دون اعتبار للثروة والجاه، ولا اللون أو العرق «النّاس بنو آدم وآدم من تراب» «٨» . ويقتضي ذلك تحقيق تكافؤ الفرص أمام الناس والتزام العدل المطلق بينهم، وهدم النظم الطبقية، إذ لا مكان للعنجهية والصلف والكبرياء والاستعلاء على الناس «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمّتهم أدناهم» «٩» . وهذا يفسر تجاوب الأمم المختلفة مع الدعوة الإسلامية ودخولها في دين الله أفواجا. وربما من أجل ذلك كله قال الفيلسوف الألماني هيجل: «يعتبر المبدأ الإسلامي- أو روح التنوير في العالم الشرقي- أول مبدأ يقف في وجه البربرية» «١٠» . وتعلن الدعوة الإسلامية الشورى «١١» أساسا للنظام السياسي والاجتماعي انطلاقا من الآية الكريمة

стр. 308

وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ «١» والآية وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٢» وقد بيّن عمر- ﵁ أن الحكم يخص الأمة وأن من يسلبها هذا الأمر يكون غاصبا. «٣» . وتوازن الدعوة الإسلامية بين المطالب الروحية والدنيوية، وتنظر إلى عمران الأرض وزينة الحياة وطيباتها نظرة متفائلة، فلا تطالب البشر بالتبتل والحرمان والنأي عن استثمار الطاقات المتنوعة لمصالحهم قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ «٤» وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ «٥» . فالمطلوب أن يكون العمران والاستثمار في نطاق الإحساس دون الظلم والانحراف عن الفطرة وتسخير القوى نحو الشر والدمار والطغيان ... وهي في دعوتها إلى العمران تربي الأتباع على الإتقان، والإتقان يقابل بمصطلحات العصر (التكنولوجيا) ، والإحسان مرتبة عليا فوق الإسلام والإيمان، وفيها تتفجر الطاقات الإنسانية، وتنفتح على عالم الغيب بتركيز عال: من العبادة والرقابة واليقين «الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» «٦» . وقد أثمرت هذه الدعوة حضارة مادية رائعة في العصور الإسلامية الذهبية شملت الفكر والعلوم والزراعة والصناعة. وكان من مقاصد الدعوة الإسلامية حفظ النوع الإنساني واستمراره في الوجود، بتشريع الزواج، وتحصين الأسرة «٧» ، وتحريم إتلاف النفس البشرية بالقتل أو الانتحار مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً «٨» معتبرة تحقيق الأمان الفردي أساسا لتحقيق الأمن الجماعي. وتفتح الدعوة الإسلامية أبواب التوبة «٩» أمام العالمين مهما بلغت معاصيهم دون الحاجة إلى الاعتراف أمام وسيط أو كشف مستور للآخرين قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ «١٠» وبذلك تم التأكيد على قيم إيجابية تحارب اليأس «١١» والقنوط «١٢» والتردي والعبثية والإحساس بالضنك في الحياة، وتمحو الصور القاتمة المظلمة الموحية بالاكتئاب والقلق «١٣» مثل

стр. 309

الطّيرة «١» (التشاؤم) والخوف «٢» من المستقبل. سأل صحابي النبي ﷺ : منّا رجال يتطيّرون؟ فأجابه: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم» «٣» . وتكثر الصور المتفائلة، والمعالم المضيئة، والمعاني الإيجابية الملطفة للحياة والمجمّلة للاجتماع البشري بإشاعة السلام «٤» والمحبة بين الناس «٥» ، والاهتمام بحسن المنظر والمظهر والنظافة «٦» وطيب الرائحة. وأكدت الدعوة الإسلامية على التكافل والتعاون بين الناس ابتداء بصلة الأرحام «٧» وانتهاء بالمجتمع، بالحثّ على السخاء، والكرم، والإيثار، ومراعاة حقوق الجيران «٨» حيث ينخلع الناس عن أموالهم التي يحبونها استجابة لحديث النبي ﷺ «الصّدقة برهان» «٩» يعني أنها دليل قاطع على تذوق حلاوة الإيمان. وأعلنت الدعوة الإسلامية حماية الملكية الفردية، وحثّت على عدم دوام تداول الأموال بالاستثمار، ومنعت تبديدها حتى من قبل صاحبها فحجرت عليه إذا كان سفيها لا يدرك عواقب إتلاف الثروة، وحرّمت الربا «١٠» والاحتكار «١١» منعا لانحصار المال بأيد قليلة كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ «١٢» . وكانت عقيدة الايمان بالقضاء والقدر تحفز روح المغامرة الجهادية والعلمية والتجارية، وتدفع للبذل والتضحية لبناء الأمة وكيانها الحضاري. وقد اهتمت الدعوة الإسلامية بالعلم «١٣» ، فهو فريضة على كل مسلم، ووعدت بالأجر العظيم على طلبه، وقد وردت كلمة العلم في (٦٢٤) موضعا من القرآن الكريم، وأعلت مكانة العلماء حتى اعتبرتهم ورثة الأنبياء «١٤» وأرست قيما ثقافية تضمن استمرار التقدم العلمي. فالعلم حق للجميع، وليس حكرا لفئة معينة مما يؤدي للارتفاع بالمستوى الثقافي لجمهور الأمة. والعلم يجب أن يقترن بالعمل والسلوك، وهو دليل توفيق الله للإنسان «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين» «١٥» ، وفقه الدين يقتضي فهم الحياة، والنظر إلى أحداثها وقضاياها وفق مفاهيم الإسلام الذي انتظم جوانب الحياة المتنوعة، فلا عجب إذا ما تفتحت بصيرة المسلم على جوانب الاجتماع والاقتصاد والحس والذوق وقيم الجمال بصورة أرحب وأعمق وأشمل كلما ازداد بصيرة في دينه.

стр. 310

والعلم تترتب عليه مسئولية دينية، فالعالم يسأل عن موقفه العلمي يوم القيامة «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتّى يسأل عن أربع خصال: ... وعن علمه ماذا عمل فيه» «١» والعالم مسئول عن نشر العلم وعدم كتمانه «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» «٢» . والعلم بحر لا ساحل له، ولا يمكن للفرد الإحاطة به، لذلك لا بد من الاستمرار في طلبه دون انقطاع، وقد أثمرت هذه القيم الثقافية حركة فكرية زاهرة حيث صار «التعلم المستمر» و «تراكم المعرفة» و «تجميع العلم» ودراسته بصورة منظمة من أبرز خصائص الحركة الفكرية في عصور الإسلام الذهبية. وكانت الدعوة الإسلامية ترتكز على مفهوم أن العقل وحرية الفكر مناط التكليف، وطالبت أتباعها بالبحث الحر عن الدليل أو البرهان، وأنكرت تقليد الآخرين، فلم يظهر في الإسلام كهنوت يدّعي احتكار فهم الإسلام وحق تفسير نصوصه كما حدث في تاريخ الأديان الأخرى، بل بوسع كل مسلم أن يرجع إلى القرآن والسنة وأن يتضلع في علومهما ويأخذ بعد ذلك عنهما، ويناقش الآخرين في صحة الدليل وطريقة الاستدلال. وأخيرا.. فإن التأمل في المنطلقات الفكرية للدعوة الإسلامية يكشف عن مباديء أساسية تتمثل في تحقيق العبودية لله، والكرامة والحرية والعلم والعدل والمساواة والشورى «٣» للإنسان الذي يتجه إليه الخطاب الإسلامي في مطلق الزمان والمكان. مرحلة الدعوة السرية: بدأت الدعوة الإسلامية بمكة المكرمة بشكل سري وتتراوح مدة هذه المرحلة بين ثلاث وأربع سنوات «٤» . وكانت مكة تخضع لقريش بعشائرها الأربع عشرة التي كان لكل منها كيانها الخاص مع تحالفها ضمن الإطار العام لقبيلة قريش. وكان من المتوقع أن ينتشر الإسلام في عشيرة النبي ﷺ ثم في قريش التي ينتمي إليها أخيرا، غير أن انتشار الإسلام لم يرتبط بالعشائرية ولا بالعصبية القبلية. ورغم أن بني هاشم قد تعاطفوا مع الرسول ﷺ فإن ذلك لم يدفعهم إلى الدخول في الإسلام أكثر من غيرهم. وانتشر الإسلام في هذه المرحلة في سائر عشائر قريش بشكل متوازن وهو أمر يخالف طبيعة الحياة البدوية والنظرة القبلية. ولعل ذلك قد أعان على انتشار الإسلام بين مختلف العشائر دون تحفظات عصبية، ولو دققنا في انتماءات كل من أبي بكر الصديق التيمي، وعثمان بن عفان الأموي، والزبير بن العوام الأسدي، وعلي بن أبي طالب الهاشمي، ومصعب بن عمير الداري،

стр. 311

وعمر بن الخطاب العدوي، وعبد الرحمن بن عوف الزهري، وعثمان بن مظعون الجمحي، لتبين لنا ذلك. وإضافة إلى هؤلاء فقد خرج اعتناق الإسلام عن إطار رجالات قريش، فعبد الله بن مسعود من هذيل، وعتبة بن غزوان من مازن، وعمار بن ياسر من مذحج، وزيد بن حارثة من كلب، والطفيل بن عمرو من دوس، وعبد الله بن قيس من الأشعريين، وهكذا فلم يقتصر اعتناق الإسلام على أفراد ينتمون إلى قريش أو يقيمون في مكة. أول من أسلم: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ* أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ «١» : لقد كانت خديجة- ﵂ أول من آمن بمحمد ﷺ من البشر كما هو واضح من حديث بدء الوحي عند ما بشرته وصدقته فيما أخبرها به وخديجة «مثل طيب للمرأة التي تكمل حياة الرجل العظيم. إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبا شديدة الحساسية، ويلقون غبنا بالغا من الواقع الذي يريدون تغييره، ويقاسون جهادا كبيرا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه. وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والترفيه، بله الإدراك والمعونة! وكانت خديجة سبّاقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة محمد ﷺ أثر كريم» «٢» ، ولذلك نالت خديجة مكانة عليّة عند ربها فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة- ﵁ قال: «أتى جبريل النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي وبشّرها ببيت في الجنّة من قصب لا صخب فيه ولا نصب» «٣» . ولما كان علي بن أبي طالب يعيش حينذاك في كنف الرسول ﷺ فقد تأثر بالنبي، فكان أول من أسلم من الصغار أو من الشباب. وكان في العاشرة من عمره «٤» . كما كان من أوائل من أسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ «٥» . أما أول من أسلم من الرجال من خارج بيت النبي ﷺ باتفاق الجمهور فهو أبو بكر الصديق «٦» «وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه، محببا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه ... لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه، ممن يغشاه ويجلس إليه.. فأسلم على يديه.. عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله ﷺ حين استجابوا له فأسلموا» «٧» .

стр. 312

ويذكر أن عبد الله بن مسعود أسلم قبل دخول النبي ﷺ دار الأرقم، وأنه أسلم وهو غلام، وأنه أخذ من فم النبي ﷺ سبعين سورة من القرآن الكريم «١» . ولا شك في تقدم إسلام خباب بن الأرت «٢» . وكذلك تقدم إسلام بلال الحبشي وكان رقيقا اشتراه أبو بكر وأعتقه «٣» . وثبت أن عمّار بن ياسر أسلم مبكرا «٤» . إسلام الجن: ويستدل من القرآن الكريم والسنة الصحيحة أن نفرا من الجن رأوا النبي ﷺ في نخلة عامدا إلى عكاظ فاستمعوا إليه وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فآمنوا ورجعوا إلى قومهم، ولم يرهم الرسول في هذه المرة وإنما أوحي إليه خبرهم وأنزل الله تعالى عليه سورة الجن «٥» . مما يدل على أن بعثته ﷺ كانت لعالمي الجن والإنس. بدء الجهر بالدعوة: دامت دعوة النبي ﷺ السرّية زهاء ثلاث سنوات أو أربع سنوات «٦» . ولما «نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «٧» صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عديّ» - لبطون قريش- حتّى اجتمعوا، فجعل الرّجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أنّ خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟» قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إلّا صدقا. قال: «فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد» ، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ* ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ «٨» » «٩» . «ومن الطبيعي أن يبدأ الرسول ﷺ دعوته العلنية بإنذار عشيرته الأقربين إذ أن مكة بلد توغلت فيه الروح القبلية، فبدء الدعوة بالعشيرة قد يعين على نصرته وتأييده وحمايته. كما أن القيام بالدعوة في مكة لا بد أن يكون له أثر خاص لما لهذا البلد من مركز ديني خطير فجلبها إلى حظيرة الإسلام لا بد أن يكون له وقع كبير على بقية القبائل.. على أن هذا لا يعني أن رسالة الإسلام كانت في أدوارها الأولى محدودة بقريش، لأن الإسلام، كما يتجلى

стр. 313

من القرآن، اتخذ الدعوة في قريش خطوة أولى لتحقيق رسالته العالمية. والواقع أن كثيرا من الآيات المكيّة كانت تنص على أن القرآن إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ* «١» » «٢» . وقد أسلم أبوذر الغفاري في هذه المرحلة «٣» ، فقد قدم مكة وكان قد بلغته أخبار ظهور النبي ﷺ فقصد لقاءه، وقد استضافه علي بن أبي طالب، وهيأ له مقابلة الرسول ﷺ واستمع إلى قوله فأسلم، وأمره النبي ﷺ بالرجوع إلى قومه فيدعوهم حتى يأتيه أمره، غير أنه ذهب إلى المسجد الحرام ونادى بأعلى صوته بالشهادتين مما أثار زعماء قريش وضربوه حتى أضجعوه، وتمكن العباس بحكمته من إنقاذه منهم. وقد عاد أبو ذر إلى غفار فأسلم نصفهم وأسلم النصف الثاني بعد الهجرة «٤» . وفي هذه المرحلة أسلم ضماد، من أزد شنوءة، الذي حدثه الرسول ﷺ ودعاه إلى الإسلام فأسلم «٥» . وأسلم في هذه المرحلة أيضا الطفيل بن عمرو الدوسي «٦» . وعثمان بن مظعون «٧» ، كما أسلم حمزة بن عبد المطلب، وفي هذه الفترة اشتدت جرأة قريش على رسول الله ﷺ «٨» .

стр. 314

كتابة التنزيل: كانت الأمة أميّة عند نزول الوحي لم تنتشر بين أفرادها القراءة والكتابة، غير أن هذا لا يعني الانعدام التام للكتابة في جميع الأنحاء، فقد كانت مكة المكرمة منطقة تجارية ولها علاقاتها المستمرة مع اليمن والشام والعراق، ولا شك في أن علاقات التجار وصفقاتهم تقتضي كتابة الاتفاقات والعقود والحسابات وأن تجري المراسلات بينهم وبين نظرائهم الموردين والمستوردين، وعقود القروض والرهون وغير ذلك من المعاملات التجارية. ولقد كان من الثابت انتشار الخط الحميري في اليمن فقد كانت حمير تكتب الخط المسند وهي كتابة تختلف عن الكتابة العربية المعهودة، وقد نقل ابن النديم نموذجا لذلك الخط في خزانة الخليفة المأمون عبد الله بن هارون مما أمر به الخليفة «١» وكذلك الحال في العراق وبلاد الشام حيث انتشرت الكتابة النبطيّة، ثم وضعت الأبجدية العربية لأول مرة في الأنبار والحيرة. إن المشكلة التي تواجه الباحث في موضوع كتابة آيات التنزيل تحتم عليه الفصل بين أصل الخط العربي ونشأته، وبين ما كان يدونه كتاب النبي ﷺ وخاصة كتاب الوحي من خطوط. وذلك أن مسألة نشأة الخط العربي وأصوله مسألة خاصة لدينا حولها العديد من النظريات والنصوص، ولا يخرج الحديث عنها عن إطار الفرضيات رغم وفرة النصوص، حيث لا يستطيع أحد الجزم بدقتها خاصة في إطار التناقض في وجهات النظر المتعددة في هذا المجال. أما كتّاب الوحي فلا شك في أنهم باشروا بتدوين آيات الكتاب الحكيم بالخط العربي الذي كان سائدا في مكة المكرمة خلال فترة نزول الوحي، ثم في المدينة بعد الهجرة. وذلك ما يفسر قول ابن النديم «فأول الخطوط العربية، الخط المكي وبعده المدني «٢» » ولذلك فإنه عاد فأشار إلى النمطين المذكورين في النص نفسه فقال: «فأما المكي والمدني ففي ألفاته تعويج إلى يمنة اليد وأعلى الأصابع وفي شكله انضجاج (يسير) «٣» » «٤» وذلك صريح في أن المقصود بالأولية هو بداية الكتابة في رسم المصاحف أو في فترة الدعوة الإسلامية. ومما يدعم هذا الرأى أن ابن النديم قد نص بعد ذلك على رسم صورة البسملة فاتحة لعنوان «خطوط المصاحف» ثم أورد بعد ذلك العنوان مباشرة ذكرا لعدد كبير من الخطوط «٥» بدأها «بالمكى والمدني» «٦» مما يوحي بمتابعته لتطور خطوط المصاحف في المدينة، ولعل أولهما ما كتبت به صحف التنزيل الكريم، وثانيهما ما كتب به المصحف عند جمعه في عهد الراشدين «٧» . وقد روى البلاذري عن أبي بكر بن عبد الله العدوي قال: «دخل الإسلام (مكة)

стр. 315

وفي قريش سبعة عشر رجلا كلهم يكتب ... » «١» . لغة القرآن: لقد أكد القرآن الكريم في عدد كبير من المواضع أنه قد أنزل بلسان عربي مبين «٢» ؛ قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «٣» ، وقال سبحانه: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «٤» ، ووصفه بأنه: قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ «٥» ، وأنه قد فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا «٦» ، وكذلك إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ «٧» . وبهذا فقد أنزل حُكْماً عَرَبِيًّا «٨» ، وأكد الباري سبحانه لرسوله ﷺ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا «٩» ، وهذا التأكيد النصي القاطع يحسم المسألة بشكل ثابت ومستقر بأن القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب على عمومها، وذلك ما يسر قراءته على الأحرف السبعة التي نصت عليها كتب القراءات وما هو واضح في أبحاث العلماء المختصين في ذلك. على أن ذلك لا يمكن أن يتعارض مع القول بأنه قد نزل بلغة قريش فقد أخرج أبو داود من طريق كعب الأنصاري أن عمر كتب إلى ابن مسعود «أن القرآن نزل بلسان قريش، فأقريء الناس بلغة قريش لا بلغة هذيل» ، وأما عطف العرب عليه فمن عطف العام على الخاص، لأن قريشا من العرب «١٠» . وقد أخرج ابن أبي داود في «المصاحف» من طريق آخر عن عمر قال: «إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلسان مضر» . ومضر هو ابن نزار بن معد بن عدنان وإليه تنتهى أنساب قريش وقيس وهذيل وغيرهم «١١» . ثم أبيح أن يقرأ بلغة غيرهم ذلك «أنه نزل أولا بلسان قريش أحد الأحرف السبعة، ثم نزل بالأحرف السبعة المأذون في قراءتها تسهيلا وتيسيرا «١٢» . وأورد الإمام البخاري في باب نزول القرآن على سبعة أحرف حديثا برواية الزهري عن ابن عباس- رضي الله عتهما- «أن رسول الله ﷺ قال: «أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتّى انتهى إلى سبعة أحرف» «١٣» . ونقل الزهري رواية عن طريق عروة بن الزبير وسمعها عن طريق المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارّيّ حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب- ﵁ يذكر أنه صلّى خلف هشام بن حكيم فقرأ سورة الفرقان في

стр. 316

حياة النبي ﷺ قال: «فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ » وقد أنكر عمر عليه ذلك وعرضا الأمر على الرسول ﷺ فلما سمع قراءة هشام قال: «كذلك أنزلت» ، كما أقر عمر على قراءته وقال ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأقرأوا ما تيسر منه» «١» . وكان القرآن يحفظ في صدور الرجال، ويكتب على العسب واللخاف «٢» . كتّاب الوحي: أما كتّاب النبي ﷺ فقد اشتهر زيد بن ثابت بينهم رغم أنه أسلم بعد الهجرة واقتصر في الكتابة لذلك على ما نزل في المدينة ولم يكتب من السور المكية شيئا عند الوحي، وحتى في المدينة فربما غاب زيد فيكتب الوحي غيره. وأول من كتب آيات التنزيل في مكة لرسول الله ﷺ من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح «٣» وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقب بن أبي فاطمة وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة في آخرين. وكان أبي بن كعب هو أول من كتب له بالمدينة «٤» . وروى الإمام أحمد، وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال: «كان الرسول ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذه في السّورة الّتي يذكر فيها كذا» الحديث «٥» . وفي رواية الواقدي عن أشياخه: «إن أول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة أبيّ بن كعب الأنصاري، وهو آخر من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان، فكان أبيّ إذا لم يحضر دعا رسول الله ﷺ زيد بن ثابت الأنصاري فكتب له، فكان أبيّ وزيد يكتبان الوحي بين يديه، وكتبه إلى من يكاتب من الناس وما يقطع وغير ذلك» «٦» . قال الواقدي: وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد ورجع إلى مكة وقال لقريش: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد، وكان يملّ عليه «الظالمين» فيكتب «الكافرين» يمل عليه «سميع عليم» فيكتب «غفور رحيم» وأشباه ذلك. فأنزل الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «٧» .

стр. 317

فلما كان يوم الفتح أمر الرسول ﷺ بقتله فكلمه فيه عثمان بن عفان وقال: «أخي من الرضاعة وقد أسلم» فأمر رسول الله ﷺ بتركه «١» . وتذكر المصادر الموثقة أن معاوية بن أبي سفيان أسلم عام الفتح «٢» ، وأنه كتب للرسول ﷺ أيضا «٣» . وقال الواقدي وغيره: وكتب حنظلة بن الربيع بن رباح الأسيدي، من بني تميم، بين يدى رسول الله ﷺ مرة فسمي حنظلة الكاتب «٤» . ويبدو أن الكتابة كانت قليلة في المدينة كما هو الحال في مكة، فيذكر الواقدي أنه «كان الكتّاب بالعربية في الأوس والخزرج قليلا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب (كتابة) العربية، وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، وجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون وهم: سعد بن عبادة بن دليم، والمنذر بن عمرو، وأبّي بن كعب، وزيد بن ثابت- وكان يكتب بالعربية والعبرانية- ورافع بن مالك، وأسيد بن حضير، ومعن بن عديّ البلوي حليف الأنصار، وبشير بن سعد، وسعد بن الربيع، وأوس بن خولي، وعبد الله بن أبيّ «المنافق» «٥» . وعدد البلاذري من أسماهم «الكملة، وهم الذين جمعوا العوم والرمي إلى الكتابة، فذكر خمسة من كتاب المدينة، في الإسلام مميزا لهم عن اثنين «ممن جمع هذه الأشياء في الجاهلية من أهل يثرب» وهما سويد بن الصامت وحضير الكاتب «٦» كما ذكر كاتبا نصرانيّا من أهل الحيرة كان في المدينة، وهو جفينة العبادي، والذي استمر يسكن المدينة حتى نهاية عهد عمر ابن الخطاب «٧» . وأورد البلاذري رواية عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت ذكر فيها أن الرسول ﷺ كان قد أمره أن يتعلم كتابة العبرانية، فتعلمها، فكان يكتب له إلى يهود، ويقرأ له ما يكتبون إليه به «٨» . الدعوة في مكة: نزلت معظم سور القرآن الكريم على النبيّ ﷺ في مكة. وكانت القضية الكبرى والمحورية التي ركّز عليها القرآن في معظم سوره وآياته المكية هي قضية أن «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له» وهو التوحيد المطلق والخالص لله وإفراده وحده بالعبادة وعدم صرف شيء منها لغير الله. فالوحدانية المطلقة هي القضية الأساسية التي قامت عليها دعوة الأنبياء ﵈ من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ . لقد كانت مهمة الأنبياء جميعا توضيح وبيان توحيد الله «٩» وإفراده وحده بالربوبية والألوهية وأن يوصف بما وصف به نفسه أو وصفه به أنبياؤه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. وبعد أن يتضح

стр. 318

توحيد الله في العقول، ويسكن في القلوب، وتطمئن به النفوس، عند ذلك يبدأ العمل بتنفيذ أوامر الله واجتناب نواهيه وتأدية ما فرضه الله على العباد وفق ما جاء به وحيه، أو أمر به رسوله ﷺ ثم يبدأ التنافس بين العباد في الأعمال الصالحة. ولذلك نجد جوهر دعوة النبي محمد ﷺ واضحة جلية في كثير من الآيات والسور التي نزلت بمكة، ومنها على سبيل المثال قول الله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «١» . ويجمل شيخ الإسلام ابن تيمية دعوة النبي الكريم محمد ﷺ بقوله: «وعامة السور المكية كالأنعام والأعراف ... هي الأصول الكلية التي اتفقت عليها شرائع المرسلين كالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والصدق والعدل والإخلاص، وتحريم الظلم والفواحش والشرك بالله والقول على الله بلا علم» «٢» . شرع النبي الكريم محمد ﷺ يبين حقيقة أن «لا إله إلّا الله» التي تعني الوحدانية المطلقة لله وعدم صرف أي شيء من أنواع العبادة لغير الله، «فالإنسان ليس عبدا لكائن في الأرض أو عنصر في السماء، لأن كل شيء في السماء والأرض عبد لله، يعنو لجلاله ويذل في ساحته ويخضع لحكمه، وليس هناك شركاء ولا شفعاء ولا وسطاء، ومن حق كل امرىء أن يهرع إلى ربه رأسا غير مستصحب معه خلقا آخر، كبيرا أو حقيرا. واجب على كل امرىء أن ينكر من أقاموا أنفسهم أو أقامهم غيرهم للتقرب إلى الله زلفى، وأن ينزل بهم إلى مكانهم المحدود سواء كانوا بشرا أو حجارة أو ما سوى ذلك، ويجب أن تبنى جميع الصلات الفردية والجماعية على أساس تفرد الله في ملكوته بهذه الوحدانية التامة. ونتيجة هذه العقيدة أن الحجارة التي يعبدها العرب أصبحت لا تزيد عن الحجارة التي تبنى بها البيوت أو ترصف بها الطرق» «٣» . أبعاد تأثير الدعوة على مجتمع مكة: جاء الرسول محمد ﷺ بدعوة، قلبت حياة البشر رأسا على عقب، ولم تكن تلك الدعوة تتناول عقيدتهم وحدها، بل شملت حياتهم في جميع مظاهرها: في السياسة، وفي الاجتماع، وفي المال، وفي البيت. ولم يكن طبعيا ولا مألوفا أن ينكروا ما وجدوا عليه آباءهم وبلادهم طواعية، فكان لا بدّ لهم من التصدي لهذه الدعوة، ومقاومة صاحبها، ليرجع إلى الصف الذي خرج عنه، فيعظّم حرماتهم التي يعظّمون. ولهذا فقد قاومت قريش الدعوة التي نقضت عقيدتها الفاسدة والمنحرفة، والرسول ﷺ الذي كان يدعو

стр. 319

إلى التوحيد، وينذر بالبعث «١» ، فلا هي راضية بإله غير آلهتها، ولا هي واجدة في البعث والحساب الذي ينذرها به ما تعقله أو ترضاه. ولو أن محمدا ﷺ قصر دعوته على التوحيد، وتسفيه أحلام القوم، لكفى بذلك إعناتا، ولكنه زيادة على ذلك دعا إلى الإيمان بالبعث، فاستغربوا ذلك، واستبعدوه كل الاستبعاد، وقالوا: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* «٢» . لقد سخروا من هذه الفكرة، واستدلّوا بها على ضعف رأي صاحب الدعوة. مشى إليه يوما أبيّ بن خلف بعظم بال، فقال: يا محمّد، أنت تزعم أنّ الله يبعث هذا! ثمّ فتّه بيده، ثمّ نفخه في الرّيح نحو رسول الله ﷺ فردّ القرآن على ذلك بقوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «٣» . صدمت الدعوة إلى التوحيد والبعث دين قريش وعقلها فسخرت لذلك قريش من الداعي، ثم هبت إلى الإيذاء والعدوان. لم يكتف محمد ﷺ بدعوته هذه التي كانت غريبة في رأي القوم، بل زاد عليها أن دعا إلى تحريم الخمر، والزنا، والميسر، والربا. وقريش لا تستغني عن هذه الأربعة، ففيها متعهم، وفيها تفاخرهم، وفيها غناهم وثروتهم. فربا قريش كان في القبائل كلها، والرسول الكريم ﷺ يريد أن يحرم عليها ما تعدّه من طيبات الحياة، ومصادر الثروة، فأنّى لها أن تستطيع على ذلك صبرا؟. لم يكتف الرسول ﷺ بالتوحيد، والبعث، وتحريم بعض ما طاب لنفوس القوم، بل دعا كذلك إلى أمر غريب عليهم، مستنكر لديهم، ذلك هو حق المساواة، وهم الذين قضوا أعمارهم في التفاخر بالأحساب والأنساب. فما بال محمد ﷺ يخرج عليهم بالمساواة بين السادة والعبيد، ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط؟ إنها للكبيرة التي لن ترضى قريش أن تقرّه عليها، قريش التي أنفت أن تسوّى بالناس، فحرّفت لذلك دينها، وأنفت أن تقف على عرفة، وأن تفيض منها كما يقف الناس ويفيضون، وهي تعلم أن ذلك من مشاعر إبراهيم وفرائض الحج. قريش التي ألزمت العرب ألا يطوفوا بالبيت في أثواب جاءوا بها من البدو، فطافوا عراة ... قريش التي كانت تختص بأنواع الامتياز التي جعلتها لنفسها كما تشاء، كيف ترضى للرسول ﷺ أن يدعو للمساواة المطلقة، وأن يقول لعشيرته: «يا بني هاشم لا يجئني النّاس بأعمالهم وتجيئوني بأنسابكم ... » . بل من الغريب أن محمدا ﷺ ، وهو في بيت الرياسة من قريش، وفي طليعة الممتازين، رفض في الجاهلية ضروب هذا الامتياز، وسوّى نفسه ببقية الأمة قبل أن يكون رسولا يوحى إليه. إن دخول المستضعفين في دين الإسلام أزعج زعماء قريش وخافوا مغبته فأرسلوا لمحمد ﷺ يقولون: «اطرد هؤلاء عنك ونحن لا نرى بأسا من اعتناق دينك» فرفض الرسول ﷺ هذا العرض، فبعثوا إليه مرة أخرى

стр. 320

يقولون له: «إن لم يكن من بقائهم بدّ فليكونوا في مؤخرة الصفوف ونتولى نحن الصدارة» ففكر الرسول ﷺ في هذا العرض الجديد، إن الصدارة إنما يظفر بها أهل الكفاية وأصحاب السبق في الإيمان والعمل، أيمكن أن تكل المؤمنين إلى إيمانهم، وتتألف هؤلاء الأقوياء بإحلالهم في مكان الصدارة حتى إذا تشرّبت أفئدتهم الإيمان كاملا تركوا هذه العنجهية من تلقاء أنفسهم. وبينما رسول الله ﷺ في هذه المقابلة نزل الوحي بحسم القضية كلها وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ* وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ «١» . وهكذا ألقت السماء كلمتها إن المبادىء لا يضحّى بها ولو من ناحية الشكل ومن دخل في دين الله فيلخلع عن نفسه أردية الجاهلية كلها، ولا يشعر بأنه أرجح من غيره لامتيازات مبهمة مدّعاة «٢» . لم تستطع قريش صبرا على الدعوة إلى المساواة، فبطشت بالعبيد، وقست على المستضعفين الذين وجدوا في قول النبي ﷺ إنصافا. ولم يكتف النبي بأن عاب أوثانها، وأنذرها ببعث وحساب شديد، وقوّض جاهها وسلطانها، وحرمها شهواتها والاتجار بالربا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا «٣» وسوى بينها وبين العبيد المستضعفين، بل قام يطلب لهؤلاء العبيد والفقراء وأبناء السبيل حقّا في أموال الأغنياء: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «٤» يؤخذ منهم قسرا، ويضرب عليهم ضريبة، وما كان أبغض إلى نفوس القوم من ضريبة يؤدونها مفروضة! فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى كانت تلك الضريبة أول ما عصوا عليه، وارتدوا من أجله. ذلك مجمل من القول يصوّر حالة المجتمع الذي قام فيه محمد ﷺ داعيا إلى الله، وإلى نظام سياسي واقتصادي واجتماعي بغيض إلى القوم. وقد صوّر ذلك القرآن في أبدع إيجاز بهذه الآية: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا «٥» . ويجيب القرآن على قولهم هذا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ* وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ* وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ «٦» . كما أن النبي محمدا ﷺ ذكّر قومه قريشا بفضل الله عليهم وطالبهم بشجاعة وإصرار بترك آلهتهم
следующие страницы →