← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

ويستحيي أن يسأل النّاس إلحافا» ) * «١» . ٢١-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما كان الفحش في شيء قطّ إلّا شانه، ولا كان الحياء في شيء قطّ إلّا زانه» ) * «٢» . ٢٢-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء. فقال رسول الله ﷺ : «دعه فإنّ الحياء من الإيمان» ) * «٣» . ٢٣-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: لو استشفعنا إلى ربّنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو النّاس. خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كلّ شيء، فاشفع لنا عند ربّك حتّى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم- ويذكر ذنبه فيستحيي- ائتوا نوحا فإنّه أوّل رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتونه فيقول: لست هناكم- ويذكر سؤاله ربّه ما ليس له به علم، فيستحيي- فيقول ائتوا خليل الرّحمن. فيأتونه، فيقول: لست هناكم ائتوا موسى عبدا كلّمة الله وأعطاه التّوراة، فيأتونه فيقول: لست هناكم- ويذكر قتل النّفس بغير نفس فيستحيي من ربّه- فيقول ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه، فيقول لست هناكم، ائتوا محمّدا ﷺ عبدا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فيأتوني، فأنطلق حتّى أستأذن على ربّي فيؤذن، فإذا رأيت ربّي وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء، ثمّ يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفّع. فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلّمنيه، ثمّ أشفع، فيحدّ لي حدّا، فأدخلهم الجنّة. ثمّ أعود إليه. فإذا رأيت ربّي مثله ثمّ أشفع، فيحدّ لي حدّا، فأدخلهم الجنّة، ثمّ أعود الثّالثة. ثمّ أعود الرّابعة فأقول: ما بقي في النّار إلّا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود» ) * «٤» . ٢٤-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: «لمّا فرغ النّبيّ ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصّمّة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه. فقال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، قال: فرمي أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم بسهم، فأثبته في ركبته فانتهيت إليه، فقلت: يا عمّ: من رماك؟، فأشار أبو عامر إلى أبي موسى، فقال: إنّ ذاك قاتلي تراه ذلك الّذي رماني، قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته فلمّا رآني ولّى عنّي ذاهبا فاتّبعته وجعلت أقول له ألا تستحيي؟، ألست عربيّا؟، ألا تثبت؟ فكفّ، فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين فضربته بالسّيف فقتلته ... الحديث» ) * «٥» .

стр. 2522

الأحاديث الواردة في (الحياء) معنى ٢٥-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن الرّجل شيء لم يقل لم قلت كذا وكذا؟ ولكنّه يعمّ فيقول: ما بال أقوام..» ) * «١» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الحياء) ٢٦-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدّث، ثمّ استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدّث، ثمّ استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ وسوّى ثيابه، فلمّا خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتشّ «٢» له، ثمّ دخل عمر فلم تهتشّ له ولم تباله «٣» ، ثمّ دخل عثمان فجلست وسوّيت ثيابك. فقال: «ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة» ) * «٤» . ٢٧-* (عن صخر بن العيلة بن عبد الله الأحمسيّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ غزا ثقيفا، فلمّا أن سمع ذلك صخر ركب في خيل يمدّ رسول الله ﷺ فوجد نبيّ الله قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر يومها عهد الله وذمّته أن لا يفارق هذا القصر حتّى ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فلم يفارقهم حتّى نزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فكتب إليه صخر: أمّا بعد، فإنّ ثقيفا قد نزلت على حكمك يا رسول الله، وأنا مقبل إليهم وهم في خيل، فأمر رسول الله ﷺ بالصّلاة جامعة، فدعا لأحمس عشر دعوات: «اللهمّ بارك لأحمس في خيلها ورجالها» . وأتاه القوم فتكلّم المغيرة ابن شعبة، فقال: يا نبيّ الله، إنّ صخرا أخذ عمّتي ودخلت فيما دخل فيه المسلمون. فدعاهم، فقال: «يا صخر إنّ القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم فادفع إلى المغيرة عمّته» ، فدفعها إليه وسأل نبيّ الله ﷺ : «ما لبني سليم قد هربوا عن الإسلام، وتركوا ذلك الماء؟» فقال: يا نبيّ الله أنزلنيه أنا وقومي، قال: «نعم» فأنزله وأسلم- يعني السّلمييّن- فأتوا صخرا فسألوه أن يدفع إليهم الماء. فأبى، فأتوا النّبيّ ﷺ ، فقالوا: يا نبيّ الله أسلمنا وأتينا صخرا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا. فأتاه، فقال: «يا صخر إنّ القوم إذا أسلموا أحرزوا

стр. 2523

أموالهم ودماءهم، فادفع إلى القوم ماءهم» ، قال: نعم، يا نبيّ الله، فرأيت وجه رسول الله ﷺ يتغيّر عند ذلك حمرة حياء من أخذه الجارية وأخذه الماء) * «١» . ٢٨-* (عن عائشة- ﵂ قالت: إنّ امرأة من الأنصار قالت للنّبيّ ﷺ : كيف أغتسل من المحيض؟ قال: «خذي فرصة «٢» ممسّكة فتوضّئي ثلاثا» . ثمّ إنّ النّبيّ ﷺ استحيا فأعرض بوجهه، أو قال: «توضّئي بها» ، فأخذتها فجذبتها فأخبرتها بما يريد النّبيّ ﷺ * «٣» . ٢٩-* (عن أنس ﵁ قال: بني على النّبيّ ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلت على الطّعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثمّ يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتّى ما أجد أحدا أدعو، فقلت: يا نبيّ الله ما أجد أحدا أدعوه، فقال: «فارفعوا طعامكم» . وبقي ثلاثة رهط يتحدّثون في البيت، فخرج النّبيّ ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: «السّلام عليكم أهل البيت ورحمة الله» ، فقالت: وعليك السّلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك. فتقرّى «٤» حجر نسائه كلّهنّ، يقول لهنّ كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثمّ رجع النّبيّ ﷺ فإذا ثلاثة من رهط في البيت يتحدّثون وكان النّبيّ ﷺ شديد الحياء فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة، فما أدري آخبرته أو أخبر أنّ القوم خرجوا، فرجع حتّى إذا وضع رجله في أسكفّة «٥» الباب داخلة وأخرى خارجة أرخى السّتر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب) * «٦» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الحياء) ١-* (قال أبو بكر- ﵁ وهو يخطب النّاس: «يا معشر المسلمين: استحيوا من الله فو الّذي نفسي بيده إنّي لأظلّ حين أذهب الغائط في الفضاء متقنّعا بثوبي استحياء من ربّي » ) * «٧» . ٢-* (قال عمر- ﵁: «من قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه» ) «٨» . ٣-* (قال ابن جريج: أخبرني محمّد بن عبّاد ابن جعفر أنّه سمع ابن عبّاس- ﵄ يقرأ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ (هود/ ٥) قال سألته

стр. 2524

عنها فقال: «أناس كانوا يستحيون أن يتخلّوا «١» فيفضوا إلى السّماء أو يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السّماء. فنزل ذلك فيهم» ) * «٢» . ٤-* (قال ابن مسعود- ﵁: «من لا يستحيي من النّاس لا يستحيي من الله» ) * «٣» . ٥-* (قال عليّ: كنت رجلا مذّاء «٤» فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ فأمرت المقداد بن الأسود فسأله فقال «فيه الوضوء «٥» » ) * «٦» . ٦-* (عن الزّبير بن العوّام- ﵁ قال: لمّا كان يوم أحد، أقبلت امرأة تسعى، حتّى إذا كادت أن تشرف على القتلى، قال: فكره رسول الله ﷺ أن تراهم، فقال: «المرأة، المرأة» . قال الزّبير فتوسّمت أنّها أمّي صفيّة، قال فخرجت أسعى إليها فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، قال: فلدمتني «٧» في صدري وكانت امرأة جلدة «٨» ، قالت: إليك، لا أرض لك «٩» ، قال: فقلت: إنّ رسول الله ﷺ عزم عليك، قال: فوقفت وأخرجت ثوبين معها، فقالت: هذان ثوبان جئت بهما لأخي حمزة فقد بلغني مقتله، فكفّنوه فيهما، قال: فجئنا بالثّوبين لنكفّن فيهما حمزة، فإذا إلى جنبه رجل من الأنصار، قتيل قد فعل به كما فعل بحمزة، قال: فوجدنا غضاضة وحياء أن نكفّن حمزة في ثوبين والأنصاريّ لا كفن له، فقلنا: لحمزة ثوب، وللأنصاريّ ثوب. فقدرناهما فكان أحدهما أكبر من الآخر، فأقرعنا بينهما فكفّنّا كلّ واحد منهما في الثّوب الّذي صار له) * «١٠» . ٧-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: اختلف في الغسل، إذا قعد بين شعبها ولم ينزل، رهط من المهاجرين والأنصار. فقال الأنصاريّون: لا يجب الغسل إلّا من الدّفق أو من الماء. وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل. قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك. فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي فقلت لها: يا أمّاه (أو يا أمّ المؤمنين) إنّي أريد أن أسألك عن شيء، وإنّي أستحييك. فقالت: لا تستحي أن تسألني عمّا كنت سائلا عنه أمّك الّتي ولدتك. فإنّما أنا أمّك. قلت: ما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله ﷺ : «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل» ) * «١١» .

стр. 2525

٨-* (عن عائشة- ﵂ قالت: «مرن أزواجكنّ أن يستطيبوا بالماء فإنّي أستحييهم منه، إنّ رسول الله ﷺ كان يفعله» ) * «١» . ٩-* (عن عائشة- ﵂ أنّها ضافت ضيفا، فأمرت بملحفة صفراء فنام فيها، فاحتلم، فاستحيا أن يرسل بها وبها أثر الاحتلام فغمسها في الماء، ثمّ أرسل بها، فقالت عائشة: «لم أفسد علينا ثوبنا؟ إنّما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه، وربّما فركته من ثوب رسول الله ﷺ بأصابعي» ) * «٢» . ١٠-* (قال إياس بن قرّة: كنت عند عمر بن عبد العزيز فذكر عنده الحياء، فقالوا: الحياء من الدّين. فقال عمر: «بل هو الدّين كلّه» ) * «٣» . ١١-* (قال وهب بن منبّه: «الإيمان عريان، ولباسه التّقوى، وزينته الحياء، وماله العفّة» ) * «٤» . ١٢-* (قال مجاهد: «لا يتعلّم العلم مستحي ولا مستكبر» ) * «٥» . ١٣-* (وقال أيضا: «لو أنّ المسلم لم يصب من أخيه، إلّا أنّ حياءه منه يمنعه من المعاصي» ) * «٦» . ١٤-* (قال الحسن البصريّ: «الحياء والتّكرّم خصلتان من خصال الخير، لم يكونا في عبد إلّا رفعه الله بهما» ) * «٧» . ١٥-* (عن شقيق بن سلمة (أبي وائل) - رحمه الله تعالى- قال: «خرجنا في ليلة مخوفة، فمررنا بأجمة فيها رجل نائم، وقيّد فرسه فهي ترعى عند رأسه فأيقظناه، فقلنا له: تنام في مثل هذا المكان؟ قال: فرفع رأسه، فقال إنّي أستحيي من ذي العرش أن يعلم أنّي أخاف شيئا دونه، ثمّ وضع رأسه فنام» ) * «٨» . ١٦-* (قال الفضيل بن عياض: «خمس من علامات الشّقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلّة الحياء، والرّغبة في الدّنيا، وطول الأمل» ) * «٩» . ١٧-* (قال أبو الفدا (إسماعيل الهرويّ) في منازل السّائرين: «الحياء من أوّل مدارج أهل الخصوص يتولّد من تعظيم منوط بودّ» ) * «١٠» . ١٨-* (قال الشّاعر: إذا لم تخش عاقبة اللّيالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقي اللّحاء «١١» ) * «١٢» .

стр. 2526

١٩-* (من كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يستحيى منه، وعمارة القلب بالهيبة والحياء، فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خير) * «١» . ٢٠-* (وقال ذو النّون المصريّ: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربّك، والحبّ ينطق، والحياء يسكت، والخوف يقلق) * «٢» . ٢١-* (قال السّريّ (الرّفّاء) : إنّ الحياء والأنس يطرقان القلب، فإن وجدا فيه الزّهد والورع (حلّا فيه) وإلّا رحلا) * «٣» . ٢٢-* (نقل ابن القيّم (ربّما عن كتب السابقين) الآثار الآتية في الحياء: أوحى الله إلى عيسى ﵇: «عظ نفسك، فإن اتّعظت، وإلّا فاستحي منّي أن تعظ النّاس» ) * «٤» . ٢٣-* (وفي أثر آخر: يقول الله تعالى: يابن آدم، إنّك ما استحييت منّي أنسيت النّاس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أمّ الكتاب زلّاتك، وإلّا ناقشتك الحساب يوم القيامة) * ٥. ٢٤-* (وفي أثر آخر يقول الرّبّ : «ما أنصفني عبدي، يدعوني عبدي فأستحيي أن أردّه، ويعصيني ولا يستحيي منّي» ) * ٦. ٢٥-* (قال يحيى بن معاذ: «من استحيا من الله مطيعا، استحيا الله منه وهو مذنب» ) * «٧» . ٢٦-* (قال ابن القيّم في شرح قول يحيى بن معاذ في الأثر السّابق: «من غلب عليه خلق الحياء من الله حتّى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يدي ربّه إطراق مستحي خجل، فإذا واقع ذنبا استحيا الله من أن ينظر إليه في تلك الحالة لكرامته عليه.. وفي واقع الحياة ما يشهد لذلك، فإنّ الرّجل إذا اطّلع على أخصّ النّاس به، وأحبّهم إليه وأقربهم منه، من ولد أو صاحب، أو ممّن يحبّ من غيرهم وهو يخونه- فإنّه يلحقه من ذلك الاطّلاع حياء عجيب، حتّى كأنّه هو الجاني، وذلك غاية الكرم. وقد قيل إنّ سبب هذا الحياء أنّه يمثّل نفسه «٨» ، في حال طاعته كأنّه يعصي الله فيستحيي منه في تلك الحال ولهذا شرع الاستغفار عقب الأعمال الصّالحة، والقرب الّتي يتقرّب بها إلى الله » . وقيل: إنّما يمثّل نفسه خائنا، فيلحقه الحياء كما إذا شاهد رجلا مضروبا وهو صديق له أو من قد أحصر على المنبر عن الكلام، فإنّه يخجل أيضا تمثيلا لنفسه بتلك الحال، وهذا قد يقع، ولكنّ حياء من اطّلع على محبوبه وهو يخونه ليس من هذا، فإنّه لو اطّلع على غير من يحبّ، لم يلحقه هذا الحياء ولا قريب منه، وإنّما يلحقه مقته وسقوطه من عينه، وإنّما سبب الحياء- والله أعلم- شدّة تعلّق قلبه ونفسه به فينزّل الوهم فعل حبيبه بمنزلة فعله هو، ولا سيّما إن قدّر حصول المكاشفة بينهما، هذا في حقّ الشّاهد «٩» .

стр. 2527

وأمّا حياء الرّبّ تعالى من عبده، فذلك نوع آخر، لا تدركه الأفهام، ولا تكيّفه العقول فإنّه حياء كرم وبرّ وجود وجلال فإنّه ﵎ حييّ كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردّهما صفرا، ويستحيي أن يعذّب ذا شيبة شابت في الإسلام) * «١» . ٢٧-* (ذكر ابن عبد البرّ عن سليمان- ﵇ «الحياء نظام الإيمان فإذا انحلّ النّظام ذهب ما فيه» ) * «٢» . ٢٨-* (عن معبد الجهنيّ قال: في قوله تعالى وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ (الأعراف/ ٢٦) ، قال: «لباس التّقوى الحياء» ) * «٣» . ٢٩-* (وقال الحسن: «أربع من كنّ فيه كان كاملا، ومن تعلّق بواحدة منهنّ كان من صالحي قومه: دين يرشده، وعقل يسدّده، وحسب يصونه وحياء يقوده» ) * «٤» . ٣٠-* (قال الأصمعيّ: «سمعت أعرابيّا يقول: من كساه الحياء ثوبه لم ير النّاس عيبه» ) * «٥» . ٣١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: «إنّ مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث، وصدق التّأسّي في طاعة الله، وإعطاء السّائل، ومكافأة الصّنيع، وصلة الرّحم، وأداء الأمانة، والتّذمّم للجار، والتّذمّم للصّاحب، وقرى الضّيف ورأسهنّ الحياء» ) * «٦» . ٣٢-* (قال أبو بكر بن أبي الدّنيا (مؤلّف مكارم الأخلاق) : بدأنا الحياء لقول أمّ المؤمنين ﵂: «رأس مكارم الأخلاق الحياء» ) * «٧» . ٣٣-* (عن الشّعبيّ قال: مرّ عمر بن الخطّاب- ﵁ في بعض طرق المدينة فسمع امرأة تقول: دعتني النّفس بعد خروج عمرو ... إلى اللّذّات فاطّلع التّلاعا «٨» . فقلت لها: عجلت فلن تطاعي ... ولو طالت إقامته رباعا أحاذر إن أطعتك سبّ نفسي ... ومخزاة تجلّلني قناعا فقال عمر- وأتي بالمرأة-: أيّ شيء منعك؟ قالت الحياء وإكرام عرضي. فقال- ﵁ إنّ الحياء ليدلّ على هنات ذات ألوان، من استحيا استخفى، ومن استخفى اتّقى، ومن اتّقى وقّي، وكتب إلى صاحب زوجها فأقفله إليها) * «٩» .

стр. 2528

٣٤-* (قال عبد الله (بن مسعود) : الإيمان عريان، وزينته التّقوى ولباسه الحياء) * «١» . ٣٥-* (عن كعب الأحبار قال: لم يكن الحياء في رجل قطّ فتطعمه النّار أبدا) * «٢» . ٣٦-* (عن سليمان (لعلّه ابن عبد الملك) قال: إذا أراد الله بعبد هلاكا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلّا مقيتا ممقّتا) * «٣» . ٣٧-* (وقال صالح بن جناح: إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قلّ ماؤه) * «٤» . ٣٨-* (وقال آخر كأنّه الفرزدق: يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فلا يكلّم إلّا حين يبتسم) * «٥» . ٣٩-* (وقال ابن جرير الطّبريّ: حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مكالمتي رفيقي ولو أنّي سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغنى سهل الطّريق) * «٦» . ٤٠-* (عن ابن الأعرابيّ: قال بعض العرب: إنّي كأنّي أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط القوم عريانا) *. من فوائد (الحياء) (١) من خصال الإيمان وحسن الإسلام. (٢) هجر المعصية خجلا من الله . (٣) الإقبال على الطّاعة بوازع الحبّ لله . (٤) يبعد عن فضائح الدّنيا والآخرة. (٥) أصل كلّ شعب الإيمان. (٦) يكسو المرء الوقار فلا يفعل ما يخلّ بالمروءة والتّوقير ولا يؤذي من يستحقّ الإكرام. (٧) لا يمنع من مواجهة أهل الباطل ومرتكبي الجرائم. (٨) هو دليل على كرم السّجيّة وطيب المنبت. (٩) صفة من صفات الأنبياء والصّحابة والتّابعين. (١٠) يعدّ صاحبها من المحبوبين من الله ومن النّاس.

стр. 2529

الحيطة الحيطة لغة: يقال: حاط يحوط حوطا وحيطة وحيطة وحياطة ومعناه: حفظه وتعهّده. وأمّا قول الهذليّ: وأحفظ منزلي وأحوط عرضي ... وبعض القوم ليس بذي حياط فحياط هنا بمعنى: حياطة. وتقول احتاط الرّجل: أي إنّه أخذ أموره بالأحزم، وأيضا قولك: احتاط الرّجل لنفسه: أي أخذ بالأوثق. والحيطة أيضا: الصّيانة والكلاءة والرّعاية والحوطة والحيطة: الاحتياط، وحاطه الله حوطا وحياطة: صانه وكلأه ورعاه. وفي حديث العبّاس: «قلت: يا رسول الله، ما أغنيت عن عمّك- يعني أبا طالب- فإنّه كان يحوطك» . يقال حاطه الآيات الأحاديث الآثار ١ ١٣ ٦ يحوطه حوطا، إذا حفظه وصانه وذبّ عنه وتوفّر على مصالحه، ويقال حوّط كرمه تحويطا: بنى حوله حائطا فهو كرم محوط «١» . الحيطة اصطلاحا: إذا كانت الحيطة في اللّغة بمعنى الاحتياط؛ فإنّه يمكن تعريفها اصطلاحا بما يعرّف به الاحتياط ومن ثمّ تكون الحيطة: استعمال ما فيه الحياطة أي الحفظ وذلك بأخذ الامور بالأحزم والثّقة. [للاستزادة: انظر صفات: الحذر- الوقاية- اليقظة- الخوف- الخشية. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الحمق- الطيش العجلة- اتباع الهوى- الأمن من المكر- الغرور] .

стр. 2530

الآيات الواردة في «الحيطة» معنى ١- وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً (١٠١) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) «١»

стр. 2531

الأحاديث الواردة في (الحيطة) معنى ١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: قال النّبيّ ﷺ : «إذا استجنح اللّيل- أو كان جنح اللّيل- فكفّوا صبيانكم فإنّ الشّياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلّوهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفىء مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك «١» واذكر اسم الله، وخمّر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا» ) * «٢» . ٢-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مرّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل فليمسك على نصالها بكفّه أن يصيب أحدا من المسلمين منها بشيء» ) * «٣» . ٣-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄: أنّ رجلا مرّ بأسهم في المسجد قد أبدى نصولها، فأمر أن يأخذ بنصولها كي لا يخدش مسلما) * «٤» . ٤-* (عن سالم عن أبيه- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تتركوا النّار في بيوتكم حين تنامون» ) * «٥» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يشير «٦» أحدكم إلى أخيه بالسّلاح، فإنّه لا يدري أحدكم لعلّ الشّيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النّار» ) * «٧» . ٦-* (عن المسور بن مخرمة ومروان قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتّى إذا كانوا ببعض الطّريق قال النّبيّ ﷺ : «إنّ خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين» ، فو الله ما شعر بهم خالد حتّى إذا هم بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش ... إلى آخر الحديث) * «٨» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرّتين «٩» » ) * «١٠» .

стр. 2532

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الحيطة) ٨-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: كان النّبيّ ﷺ سهر فلمّا قدم المدينة قال: «ليت رجلا من أصحابي صالحا يحرسني اللّيلة» . إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: «من هذا؟» فقال: أنا سعد بن أبي وقّاص جئت لأحرسك. فنام النّبيّ ﷺ * «١» . ٩-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: لم أعقل أبويّ قطّ إلّا وهما يدينان الدّين، ولم يمرّ علينا يوم إلّا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النّهار: بكرة وعشيّة، ... الحديث وفيه: فقال النّبيّ ﷺ للمسلمين: «إنّي أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين، وهما الحرّتان» فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامّة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة وتجهّز أبو بكر قبل المدينة، فقال له رسول الله ﷺ : «على رسلك، فإنّي أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟. قال: «نعم» . فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السّمر ... قالت عائشة: فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظّهيرة. قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنّعا- في ساعة لم يكن يأتينا فيها- فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمّي، والله ما جاء به في هذه السّاعة إلّا أمر. قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال النّبيّ ﷺ لأبي بكر: «أخرج من عندك» ، فقال أبو بكر: إنّما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: «فإنّي قد أذن لي في الخروج» ، فقال أبو بكر: الصّحبة «٢» بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ «نعم» . قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين قال رسول الله ﷺ : «بالثّمن» قالت عائشة: فجهّزناهما أحثّ الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سمّيت ذات النّطاق. قالت: ثمّ لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال، يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شابّ ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكّة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلّا وعاه حتّى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل- وهو لبن منحتهما ورضيفهما- حتّى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس، يفعل ذلك كلّ ليلة من تلك اللّيالي الثّلاث واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر رجلا من بني الدّيل، وهو من بني عبد بن عديّ- هاديا خرّيتا- والخرّيت الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل

стр. 2533

السّهميّ، وهو على دين كفّار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدّليل، فأخذ بهم طريق السّواحل) * «١» . ١٠-* (عن البراء بن عازب- ﵄ أنّه قال: جعل النّبيّ ﷺ على الرّجّالة يوم أحد- وكانوا خمسين رجلا- عبد الله بن جبير فقال: «إن رأيتمونا تخطّفنا الطّير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتّى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتّى أرسل إليكم» . فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النّساء يشددن، قد بدت خلاخلهنّ وأسوقهنّ، رافعات ثيابهنّ. فقال أصحاب ابن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة «٢» ، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: والله لنأتينّ النّاس فلنصيبنّ من الغنيمة فلمّا أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرّسول في أخراهم، فلم يبق مع النّبيّ ﷺ غير اثني عشر رجلا، فأصابوا منّا سبعين، وكان النّبيّ ﷺ وأصحابه أصاب من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمّد؟ ثلاث مرّات. فنهاهم النّبيّ ﷺ أن يجيبوه. ثمّ قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرّات. ثمّ قال أفي القوم ابن الخطّاب؟ ثلاث مرّات. ثمّ رجع إلى أصحابه فقال: أمّا هؤلاء فقد قتلوا. فما ملك عمر نفسه فقال: كذبت والله يا عدوّ الله. إنّ الّذين عددت لأحياء كلّهم، وقد بقي لك ما يسوؤك. قال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال. إنّكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثمّ أخذ يرتجز: اعل هبل، أعل هبل. قال النّبيّ ﷺ : «ألا تجيبونه؟» . قالوا: يا رسول الله ما نقول؟. قال: «قولوا: الله أعلى وأجلّ» . قال: إنّ لنا العزّى ولا عزّى لكم. فقال النّبيّ ﷺ : «ألا تجيبونه» قال: قالوا يا رسول الله ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» ) * «٣» . ١١-* (عن عمرو بن ميمونة قال: إنّي لجالس إلى ابن عبّاس: إذ أتاه تسعة رهط، فقالوا: يا أبا عبّاس «٤» ، إمّا أن تقوم معنا وإمّا أن تخلونا هؤلاء، قال: فقال ابن عبّاس: بل أقوم معكم، قال: وهو يومئذ صحيح قبل أن يعمى، قال: فابتدأوا فتحدّثوا، فلا ندري ما قالوا، قال: فجاء ينفض ثوبه ويقول: أف وتف «٥» وقعوا في رجل له عشر، وقعوا في رجل قال له النّبيّ ﷺ : «لأبعثنّ رجلا لا يخزيه الله أبدا، يحبّ الله ورسوله» ، قال: فاستشرف لها من استشرف. قال: أين عليّ؟ قالوا: هو في الرّحل يطحن، قال: وما

стр. 2534

كان أحدكم ليطحن! قال: فجاء وهو أرمد لا يكاد يبصر، قال: فنفث في عينيه ثمّ هزّ الرّاية ثلاثا فأعطاها إيّاه، فجاء بصفيّة بنت حييّ، قال: ثمّ بعث فلانا بسورة التّوبة، فبعث عليّا خلفه فأخذها منه، قال: «لا يذهب بها إلّا رجل منّي وأنا منه» ، قال: وقال لبني عمّه: «أيّكم يواليني في الدّنيا والآخرة؟» . قال: وعليّ معه جالس، فأبوا، فقال عليّ: أنا أواليك في الدّنيا والآخرة، قال: «أنت ولييّ في الدّنيا والآخرة» ، قال: فتركه، ثمّ أقبل على رجل منهم فقال: «أيّكم يواليني في الدّنيا والآخرة؟» . فأبوا، قال: فقال عليّ: أنا أواليك في الدّنيا والآخرة. فقال: «أنت وليّي في الدّنيا والآخرة» ، قال: وكان أوّل من أسلم من النّاس بعد خديجة، قال: وأخذ رسول الله ﷺ ثوبه فوضعه على عليّ وفاطمة وحسن وحسين فقال: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (الأحزاب/ ٣٣) قال: وشرى عليّ نفسه، لبس ثوب النّبيّ ﷺ ثمّ نام مكانه، قال: وكان المشركون يرمن رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر وعليّ نائم، قال: وأبو بكر يحسب أنّه نبيّ الله، قال: فقال: يا نبيّ الله، قال: فقال له عليّ: إنّ نبيّ الله ﷺ قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار، قال: وجعل عليّ يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبيّ الله وهو يتضوّر «١» ، قد لفّ رأسه في الثّوب لا يخرجه، حتّى أصبح، ثمّ كشف عن رأسه، فقالوا: إنّك للئيم! كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر، وقد استنكرنا ذلك! قال: وخرج بالنّاس في غزوة تبوك، قال: فقال له عليّ: أخرج معك؟ قال: فقال له نبيّ الله: «لا» . فبكى عليّ، فقال له: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؟ إلّا أنّك لست بنبيّ، إنّه لا ينبغي أن أذهب إلّا وأنت خليفتي» ، قال: وقال له رسول الله: «أنت وليّي في كلّ مؤمن بعدي» ، وقال: «سدّوا أبواب المسجد غير باب عليّ» . فقال: فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه، ليس له طريق غيره، قال: وقال: «من كنت مولاه فإنّ مولاه عليّ» ، قال: «وأخبرنا الله في القرآن أنّه قد رضي عنهم، عن أصحاب الشّجرة، فعلم ما في قلوبهم، هل حدّثنا أنّه سخط عليه بعد؟» . قال: وقال النّبيّ ﷺ لعمر حين قال ائذن لي فلأضرب عنقه، قال: «أو كنت فاعلا؟» وما يدريك لعلّ الله قد اطّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم» ) * «٢» . ١٢-* (عن أبي الزّبير عن جابر قال: «مكث رسول الله ﷺ بمكّة عشر سنين يتبع النّاس في منازلهم بعكاظ ومجنّة وفي المواسم بمنى يقول من يؤويني؟ من ينصرني حتّى أبلّغ رسالة ربّي وله الجنّة؟ حتّى إنّ الرّجل ليخرج من اليمن أو من مضر- كذا قال- فيأتيه قومه فيقولون احذر غلام قريش لا يفتنك. ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون إليه بالأصابع حتّى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدّقناه فيخرج الرّجل منّا فيؤمن به، ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتّى لم يبق دار من دور الأنصار

стр. 2535

إلّا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام ثمّ ائتمروا جميعا، فقلنا: حتّى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكّة ويخاف، فرحل إليه منّا سبعون رجلا حتّى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتّى توافينا فقلنا: يا رسول الله نبايعك. قال: «تبايعوني على السّمع والطّاعة في النّشاط والكسل، والنّفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنّة» ، قال: فقمنا إليه فبايعناه، وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم، فقال: رويدا يا أهل يثرب فإنّا لم نضرب أكباد الإبل إلّا ونحن نعلم أنّه رسول الله ﷺ وأنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافّة وقتل خياركم وأن تعضّكم السّيوف فإمّا أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله وإمّا أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينه فبيّنوا ذلك فهو عذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنّا «١» يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ولا نسلبها أبدا. قال: فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط يعطينا على ذلك الجنّة» ) * «٢» . ١٣-* (إنّ من أوضح أدلّة وجوب أخذ الحذر والحيطة ما عمله النّبيّ ﷺ حين أراد الهجرة فقد ذكر ابن هشام في السّيرة فقال: «أتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ فقال: لا تبت هذه اللّيلة على فراشك الّذي كنت تبيت عليه قال: فلمّا كانت عتمة من اللّيل «٣» اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام، فيثبون عليه، فلمّا رأى رسول الله ﷺ مكانهم، قال لعليّ بن أبي طالب: «نم على فراشي وتسجّ ببردي «٤» هذا الحضرميّ الأخضر، فنم فيه فإنّه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم» ، وكان رسول الله ﷺ ينام في برده ذلك إذا نام» ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الحيطة) ١-* (قال أبو بكر- ﵁ في خطبته: «أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الّذي شرع لكم وهداكم به» ... إلى أن قال: «وإيّاكم واتّباع الهوى فقد أفلح من حفظ من الهوى والطّمع والغضب، وإيّاكم والفخر وما فخر من خلق من تراب وإلى التّراب يعود ثمّ يأكله الدّود، ثمّ هو اليوم حيّ وغدا ميّت، فاعملوا يوما بيوم وساعة بساعة، وتوقّوا دعاء المظلوم، وعدّوا أنفسكم في الموتى،

стр. 2536

واصبروا فإنّ العمل كلّه بالصّبر، واحذروا فإنّ الحذر ينفع، واعملوا والعمل يقبل، واحذروا ما حذّركم الله من عذابه، وسارعوا فيما وعدكم الله من رحمته، وافهموا وتفهّموا، واتّقوا وتوقّوا، فإنّ الله قد بيّن لكم ما أهلك به من كان قبلكم، وما نجّى به من نجّى قبلكم، قد بيّن لكم في كتابه حلاله وحرامه، وما يحبّ من الأعمال وما يكره، فإنّي لا آلوكم ونفسي والله المستعان ولا حول ولا قوّة إلّا بالله. واعلموا أنّكم ما أخلصتم لله من أعمالكم فربّكم أطعتم وحظّكم حفظتم لله من أعمالكم فربّكم أطعتم وحظّكم حفظتم واغتبطتم وما تطوّعتم به لدينكم فاجعلوه نوافل بين أيديكم تستوفوا سلفكم وتعطوا جرايتكم حيث فقركم وحاجتكم إليها ثمّ تفكّروا عباد الله في إخوانكم وصحابتكم الّذين مضوا قد وردوا على ما قدموا، فأقاموا عليه وحلّوا في الشّقاء والسّعادة فيما بعد الموت، إنّ الله ليس له شريك وليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيرا ولا يصرف عنه سوءا إلّا بطاعته واتّباع أمره فإنّه لا خير في خير بعده النّار ولا شرّ في شرّ بعده الجنّة) » * «١» . ٢-* (قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى-: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلّوا ذهبوا في الشّعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقّاص في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في شعب من شعاب مكّة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين، وهم يصلّون، فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتّى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقّاص يومئذ رجل من المشركين بلحي «٢» بعير فشجّه فكان أوّل دم هريق في الإسلام) * «٣» . ٣-* (قال ابن عطيّة- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... : «احذروا واستعدّوا بأنواع الاستعداد من أخذ السّلاح وغيره» ) * «٤» . ٤-* (قال القرطبيّ- رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... : «أمر الله أهل الطّاعة ... أن لا يقتحموا على عدّوهم على جهالة حتّى يتحسّسوا ما عندهم ويعلموا كيف يردون فذلك أثبت لهم» ) * «٥» . ٥-* (وقال القرطبيّ- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ... : «هذه وصيّة بالحذر وأخذ السّلاح، لئلّا ينال العدوّ أمله ويدرك فرصته، إنّهم يودّون ويحبّون غفلتكم عن أخذ السّلاح ليصلوا إلى مقصودهم، فبيّن الله تعالى بهذا وجه الحكمة في الأمر بأخذ السّلاح» . ثمّ قال: «في هذه الآية دليل على تعاطي الأسباب واتّخاذ كلّ ما ينجّي ذوي الألباب ويوصّل إلى السّلامة

стр. 2537

ويبلّغ دار الكرامة» . ثمّ قال الله تعالى: وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ... : «أي كونوا متيقّظين وضعتم السّلاح أو لم تضعوه، وهذا يدلّ على تأكيد التّأهّب والحذر من العدوّ في كلّ الأحوال وترك الاستسلام. فإنّ الجيش ما جاءه مصاب قطّ إلّا من تفريط في حذر» ) * «١» . ٦-* (قال ابن كثير في معنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ... : «يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوّهم وهذا يستلزم التّأهّب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنّفير في سبيل الله» ) * «٢» . من فوائد (الحيطة) (١) البعد عن مواطن الزّلل وعثرات الطّرق. (٢) الوصول إلى برّ الأمان والسّلامة من الأخطار. (٣) دليل على نباهة العقل وثقابة الفكر. (٤) يجنّب الإنسان أخطارا كثيرة. (٥) لا ينافي التّوكّل على الله- إذ هو من الأسباب العاديّة الّتي في قدرة الإنسان. (٦) صفة تحلّى بها الأنبياء وتابعوهم ومن سار على دربهم. (٧) من الصّفات المحمودة الّتي أوصى الله بها رسوله ﷺ والمؤمنين معه.

стр. 2538

[حرف الخاء] الخشوع الخشوع لغة: مصدر خشع يخشع وهو مأخوذ من مادّة (خ ش ع) الّتي تدلّ كما يقول ابن فارس على معنى واحد هو التّطامن، يقال خشع فلان إذا تطامن وطأطأ رأسه وهو قريب المعنى من الخضوع، إلّا أنّ الخضوع في البدن وهو الإقرار بالاستخذاء، والخشوع في البدن والصّوت والبصر، قال تعالى: خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ (القلم/ ٤٣) ، قال ابن دريد: الخاشع: المستكين والرّاكع، وقال الرّاغب: الخشوع الضّراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضّراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ولذلك قيل فيما روي: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح. وذكرت كتب اللّغة أنّ الخشوع هو الخضوع، يقال خشع يخشع خشوعا، واختشع وتخشّع: رمى ببصره نحو الأرض، وغضّه وخفض صوته، وقوم خشّع: متخشّعون، وخشع بصره: انكسر، ولا يقال اختشع بصره، قال ذو الرّمّة: الآيات الأحاديث الآثار ١٦ ١٢ ٢٣ تجلّى السّرى عن كلّ خرق «١» كأنّه ... صفيحة سيف، طرفه غير خاشع واختشع إذا طأطأ صدره وتواضع، وقوله تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ (طه/ ١٠٨) : أي سكنت، وكلّ ساكن خاضع خاشع. والخاشع: الرّاكع، في بعض اللّغات، والتّخشّع: تكلّف الخشوع، والتّخشّع لله: الإخبات والتّذلّل. وقوله تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً (فصلت/ ٣٩) . قال الزّجّاج: الخاشعة المتغيّرة المتهشّمة، وأراد المتهشّمة النبات، وبلدة خاشعة: أي مغبرّة لا منزل بها، وإذا يبست الأرض ولم تمطر قيل: قد خشعت. قال تعالى: وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ (فصلت/ ٣٩) والعرب تقول: رأينا أرض بني فلان خاشعة هامدة ما فيها خضراء «٢» . واصطلاحا: قيام القلب بين يدي الرّبّ بالخضوع والذّلّ وقيل: هو الانقياد للحقّ.

стр. 2539

وقال الجنيد: الخشوع تذلّل القلوب لعلّام الغيوب. قال ابن القيّم- ﵀: والحقّ أنّ الخشوع معنى يلتئم من التّعظيم والمحبّة والذّلّ والانكسار «١» . وحكى ابن حجر عن الفخر الرّازيّ في تفسيره أنّ الخشوع تارة يكون من فعل القلب كالخشية، وتارة من فعل البدن كالسّكون، وقيل: لا بدّ من اعتبارهما، وقال غيره: هو معنى يقوم بالنّفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة. درجات الخشوع: قال ابن القيّم: قال صاحب المنازل: وهو أي الخشوع على ثلاث درجات: الأولى: التّذلّل للأمر، والاستسلام للحكم، والاتّضاع لنظر الحقّ. أمّا التّذلّل للأمر فهو تلقّيه بذلّة القبول والانقياد والامتثال مع مواطأة الظّاهر الباطن، وإظهار الضّعف، والافتقار للهداية. وأمّا الاستسلام للحكم فيشمل الحكم الشّرعيّ بعدم معارضته برأي أو شهوة، كما يشمل الحكم القدريّ بعدم تلقّيه بالتّسخّط والكراهة والاعتراض، وأمّا الاتّضاع لنظر الحقّ فهو اتّضاع القلب والجوارح، وانكسارها لنظر الرّبّ إليها واطّلاعه على تفاصيل ما فيها. الثّانية: ترقّب آفات النّفس والعمل، ورؤية فضل كلّ ذي فضل، ويتحقّق ذلك بانتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبها لك، وذلك يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما من الكبر والعجب، وضعف الصّدق، وقلّة اليقين، وتشتّت النّيّة، أمّا رؤية فضل كلّ ذي فضل فيتحقّق بمراعاة حقوق النّاس وأدائها، ولا ترى أنّ ما فعلوه من حقوقك عليهم؛ فلا تعاوضهم عليها، فإنّ هذا من رعونات النّفس وحماقاتها، ولا تطالبهم بحقوق نفسك، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيميّة يقول: العارف لا يرى له على أحد حقّا، ولا يشهد له على غيره فضلا، ولذلك لا يعاتب، ولا يطالب، ولا يضارب. الثّالثة: حفظ الحرمة عند المكاشفة، وتصفية القلب من مراءاة الخلق، ويعني ذلك ضبط النّفس بالذّلّ والانكسار عن البسط والإذلال الّذي تقتضيه المكاشفة لأنّها توجب بسطا يخاف منه شطح إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة. مع إخفاء أحواله عن الخلق جهده «٢» . من معاني كلمة الخشوع في القرآن: ذكر بعض المفسّرين أنّ الخشوع في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: الذّلّ. ومنه قوله تعالى في طه: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ (آية/ ١٠٨) .

стр. 2540

والثّاني: سكون الجوارح. ومنه قوله تعالى في المؤمنين: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (المؤمنون/ ٢) . والثّالث: الخوف. ومنه قوله تعالى في الأنبياء: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (آية/ ٩٠) . والرّابع: التّواضع. ومنه قوله تعالى في البقرة: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (آية/ ٤٥) «١» . ويمكن أن يضاف إلى ذلك وجه خامس وهو: اليبس والجمود، وذلك كما في قوله تعالى: وتَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً (فصلت/ ٣٩) . [للاستزادة: انظر صفات: الإخبات- التواضع الخوف- الخشية- السكينة- الورع- الرهبة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الغرور- الكبر والعجب- الإصرار على الذنب- الغفلة- الأمن من المكر] .

стр. 2541

الآيات الواردة في «الخشوع» الخشوع بمعنى الذل: ١- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (١٠٨) «١» ٢- لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) «٢» ٣- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) «٣» الخشوع بمعنى سكون الجوارح: ٤- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) «٤» ٥- وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨) «٥» ٦- يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) «٦» ٧- فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤) «٧»

стр. 2542

٨- وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) «١» الخشوع بمعنى الخوف: ٩- وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) «٢» ١٠- إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) «٣» ١١- أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) «٤» الخشوع بمعنى التواضع: ١٢- وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) «٥» ١٣- وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) «٦»

стр. 2543

١٤- قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩) «١» ١٥- إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥) «٢» الخشوع بمعنى اليبس والجمود: ١٦- وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) «٣»

стр. 2544

الأحاديث الواردة في (الخشوع) ١-* (عن عثمان- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها. إلّا كانت كفّارة لما قبلها من الذّنوب. ما لم يؤت كبيرة. وذلك الدّهر كلّه» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل المجاهد في سبيل الله- والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصّائم القائم الخاشع الرّاكع السّاجد» ) * «٢» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «هل ترون قبلتي هاهنا؟ والله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا خشوعكم وإنّي لأراكم من وراء ظهري» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في (الخشوع) معنى ٤-* (عن عمرو بن عبسة- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أقرب ما يكون الرّبّ من العبد في جوف اللّيل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممّن يذكر الله في تلك السّاعة فكن» ) * «٤» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» ) * «٥» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: إنّ نبيّ الله ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السّماء «٦» ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا «٧» لقوله كأنّه «٨» سلسلة على صفوان «٩» ، فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا للّذي قال: الحقّ وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترق السّمع- ومسترقوا السّمع هكذا بعضه فوق بعض «١٠» . فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته، حتّى يلقيها على لسان السّاحر أو الكاهن، فربّما أدرك الشّهاب قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم

стр. 2545

كذا وكذا كذا وكذا، فيصدّق بتلك الكلمة الّتي سمع من السّماء» ) * «١» . ٧-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: كانت علينا رعاية الإبل. فجاءت نوبتي فروّحتها بعشيّ. فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدّث النّاس، فأدركت من قوله: «ما من مسلم يتوضّأ فيحسن وضوءه. ثمّ يقوم فيصلّي ركعتين. مقبل عليهما بقلبه ووجهه. إلّا وجبت له الجنّة» . قال فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يديّ يقول: الّتي قبلها أجود. فنظرت فإذا عمر. قال: إنّي قد رأيتك جئت آنفا «٢» . قال: «ما منكم من أحد يتوضّأ فيبلغ «٣» (أو فيسبغ) الوضوء ثمّ يقول: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا عبد الله ورسوله، إلّا فتحت له أبواب الجنّة الثّمانية، يدخل من أيّها شاء» ) * «٤» . ٨-* (عن أبي أمامة- ﵁ قال قال عمرو بن عبسة السّلميّ- ﵁: كنت وأنا في الجاهليّة، أظنّ أنّ النّاس على ضلالة. وأنّهم ليسوا على شيء. وهم يعبدون الأوثان. فسمعت برجل بمكّة يخبر أخبارا. فقعدت على راحلتي. فقدمت عليه فإذا رسول الله ﷺ مستخفيا، جرآء «٥» عليه قومه. فتلطّفت حتّى دخلت عليه بمكّة. فقلت له: ما أنت؟. قال: «أنا نبيّ» . فقلت: وما نبيّ؟. قال: «أرسلني الله» . فقلت: وبأيّ شيء أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحّد الله لا يشرك به شيء» . قلت له: فمن معك على هذا؟. قال: «حرّ وعبد» . (قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممّن آمن به) . فقلت: إنّي متّبعك. قال: «إنّك لا تستطيع ذلك يومك هذا. ألا ترى حالي وحال النّاس؟ ولكن ارجع إلى أهلك. فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني» . قال: فذهبت إلى أهلي. وقدم رسول الله ﷺ المدينة. وكنت في أهلي. فجعلت أتخبّر الأخبار وأسأل النّاس حين قدم المدينة. حتّى قدم عليّ نفر من أهل يثرب من أهل المدينة. فقلت: ما فعل هذا الرّجل الّذي قدم المدينة؟. فقالوا: النّاس إليه سراع. وقد أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذلك. فقدمت المدينة. فدخلت عليه. فقلت: يا رسول الله أتعرفني؟ قال: «نعم. أنت الّذي لقيتني بمكّة» . قال فقلت: بلى. فقلت: يا نبيّ الله أخبرني عمّا علّمك الله وأجهله. أخبرني عن الصّلاة؟. قال: «صلّ صلاة الصّبح. ثمّ أقصر عن الصّلاة حتّى تطلع الشّمس حتّى ترتفع. فإنّها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان. وحينئذ يسجد لها الكفّار. ثمّ صلّ. فإنّ الصّلاة مشهودة «٦» محضورة «٧» . حتّى يستقلّ الظّلّ بالرّمح «٨» . ثمّ أقصر عن الصّلاة. فإنّ حينئذ

стр. 2546

تسجر جهنّم. فإذا أقبل الفيء فصلّ. فإنّ الصّلاة مشهودة محضورة. حتّى تصلّي العصر. ثمّ أقصر عن الصّلاة. حتّى تغرب الشّمس. فإنّها تغرب بين قرني شيطان. وحينئذ يسجد لها الكفّار» . قال فقلت: يا نبيّ الله فالوضوء؟ حدّثني عنه. قال: «ما منكم رجل يقرّب وضوءه فيتمضمض ويستنشق فينتثر إلّا خرّت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه. ثمّ إذا غسل وجهه كما أمره الله إلّا خرّت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء. ثمّ يغسل يديه إلى المرفقين إلّا خرّت خطايا يديه من أنامله مع الماء. ثمّ يمسح رأسه إلّا خرّت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء. ثمّ يغسل قدميه إلى الكعبين إلّا خرّت خطايا رجليه من أنامله مع الماء. فإن هو قام فصلّى فحمد الله وأثنى عليه ومجّده بالّذي هو له أهل، وفرّغ قلبه لله، إلّا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمّه) * «١» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الخشوع) ٩-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة قال: «وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهمّ أنت الملك لا إله إلّا أنت. أنت ربّي وأنا عبدك. ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا إنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق. لا يهدي لأحسنها إلّا أنت. اصرف عنّي سيّئها لا يصرف عنّي سيّئها إلّا أنت. لبّيك وسعديك «٢» والخير كلّه في يديك. والشّرّ ليس إليك، أنا بك وإليك «٣» . تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك» . وإذا ركع قال: «اللهمّ لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت. خشع لك سمعي وبصري ومخّي وعظمي وعصبي» وإذا رفع قال: «اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السّماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد» . وإذا سجد قال: «اللهمّ لك سجدت. وبك آمنت ولك أسلمت. سجد وجهي للّذي خلقه وصوّره، وشقّ سمعه وبصره. تبارك الله أحسن الخالقين» . ثمّ يكون من آخر ما يقول بين التّشهّد والتّسليم: «اللهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به منّي. أنت المقدّم وأنت المؤخّر. لا إله إلّا أنت» ) * «٤» . ١٠-* (سئل ابن عبّاس- ﵄ عن استسقاء رسول الله ﷺ فقال: إنّ رسول الله ﷺ

стр. 2547

خرج متبذّلا «١» متواضعا متضرّعا حتّى أتى المصلّى فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير، وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد) * «٢» . ١١-* (عن عبد الله بن الشّخّير- ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يصلّي وفي صدره أزير كأزير الرّحى من البكاء ﷺ » ) * «٣» . ١٢-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال لي النّبيّ ﷺ : «اقرأ عليّ» . قلت: آقرأ عليك وعليك أنزل؟. قال: «فإنّي أحبّ أن أسمعه من غيري» . فقرأت عليه سورة النّساء حتّى بلغت فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً قال: «أمسك» . فإذا عيناه تذرفان» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الخشوع) ١-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «من تواضع لله تخشّعا، رفعه الله يوم القيامة، ومن تطاول تعظّما، وضعه الله يوم القيامة» ) * «٥» . ٢-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّه رأى رجلا طأطأ رقبته في الصّلاة. فقال: «يا صاحب الرّقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرّقاب إنّما الخشوع في القلوب» ) * «٦» . ٣-* (عن عليّ- ﵁ قال: «الخشوع في القلب أن تلين كنفك للرّجل المسلم وأن (لا تلتفت) في الصّلاة» ) * «٧» . ٤-* (عن ابن عمر- ﵄ في قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (المؤمنون/ ٢) قال: «كانوا إذا قاموا في الصّلاة، أقبلوا على صلاتهم، وخفضوا أبصارهم إلى موضع سجودهم. وعلموا أنّ الله يقبل عليهم فلا يلتفتون يمينا ولا شمالا» ) * «٨» . ٥-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه كان إذا تلا هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ (الحديد/ ١٦) . قال: «بلى يا ربّ، بلى يا ربّ» ) * «٩» . ٦-* (قرأ ابن عمر- ﵄ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (المطففين/ ١- ٦) ، فلمّا بلغ (يوم

стр. 2548

يقوم النّاس لربّ العالمين) بكى حتّى خرّ وامتنع عن قراءة ما بعده» ) * «١» . ٧-* (قال ابن القيّم- ﵀: «الخشوع هو الاستسلام للحكمين: الدّينيّ الشّرعيّ، بعدم معارضته برأي أو شهوة، والقدريّ بعدم تلقّيه بالتّسخّط والكراهية والاعتراض. والاتّضاع لنظر الحقّ، وهو اتّضاع القلب والجوارح وانكسارها لنظر الرّبّ إليها، واطّلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح، وخوف العبد الحاصل من هذا يوجب له خشوع القلب لا محالة. وكلّما كان أشدّ استحضارا له كان أشدّ خشوعا، وإنّما يفارق الخشوع القلب إذا غفل عن اطّلاع الله عليه ونظره إليه. وممّا يورث الخشوع: ترقّب آفات النّفس والعمل، ورؤية فضل كلّ ذي فضل عليك وهذا المعنى أي انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبها لك يجعل القلب خاشعا لا محالة، لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما: من الكبر، والعجب، والرّياء، وضعف الصّدق، وقلّة اليقين، وتشتّت النّيّة وعدم إيقاع العمل على وجه يرضاه الله تعالى وغير ذلك من عيوب النّفس. وأمّا رؤية كلّ ذي فضل عليك: فهو أن تراعي حقوق النّاس فتؤدّيها، ولا ترى أنّ ما فعلوه فيك من حقوقك عليهم، فلا تعارضهم عليها؛ فإنّ هذا من رعونات النّفس وحماقاتها، ولا تطالبهم بحقوق نفسك. وتعترف بفضل ذي الفضل منهم وتنسى فضل نفسك. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيميّة- ﵀: العارف لا يرى له على أحد حقّا ولا يشهد له على غيره فضلا؛ ولذلك لا يعاتب ولا يطالب، ولا يضارب» ) * «٢» . ٨-* (عن قرظة بن كعب قال: «بعثنا عمر ابن الخطّاب إلى الكوفة وشيّعنا. فمشى معنا إلى موضع يقال له صرار. فقال: «أتدرون لم مشيت معكم؟» . قال: قلنا: لحقّ صحبة رسول الله ﷺ ولحقّ الأنصار. قال: «لكنّي مشيت معكم لحديث أردت أن أحدّثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم. إنّكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المرجل. فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم وقالوا: أصحاب محمّد. فأقلّوا الرّواية عن رسول الله ﷺ ثمّ أنا شريككم» ) * «٣» . ٩-* (كان عليّ بن الحسين- ﵄: «إذا توضّأ اصفرّ وتغيّر، فيقال: مالك؟ فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟» ) * «٤» . ١٠- (عن الحسن البصريّ في قوله تعالى وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (الأنبياء/ ٩٠) . قال: «الخوف الدّائم في القلب» ) * «٥» .

стр. 2549

١١-* (عن الحسن البصريّ في قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (المؤمنون/ ٢) . قال: «كان خشوعهم في قلوبهم فغضّوا بذلك أبصارهم، وخفضوا لذلك الجناح» ) * «١» . ١٢-* (قال عبد الله بن المبارك- رحمه الله تعالى-: إذا ما اللّيل أظلم كابدوه ... فيسفر عنهم وهم ركوع أطار الخوف نومهم فقاموا ... وأهل الأمن في الدّنيا هجوع وقال أيضا: وما فرشهم إلّا أيامن أزرهم ... وما وسدهم إلّا ملاء وأذرع وما ليلهم فيهنّ إلّا تخوّف ... وما نومهم إلّا عشاش مروّع وألوانهم صفر كأنّ وجوههم ... عليها كساء وهو بالورس مشبع) * «٢» . ١٣-* (قال مجاهد- ﵀ في قوله تعالى سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ (الفتح/ ٢٩) . قال: هو الخشوع والتّواضع» ) * «٣» . ١٤-* (قال مجاهد- ﵀ في قوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (البقرة/ ٢٣٨) . قال: «من القنوت: الرّكوع، والخشوع- وطول الرّكوع يعني طول القيام- وغضّ البصر، وخفض، الجناح والرّهبة لله» ) * «٤» . ١٥-* (عن مجاهد في قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (المؤمنون/ ٢) . قال: «السّكون» ) * «٥» . ١٦-* (عن قتادة- ﵀ قال: «الخشوع في القلب هو الخوف وغضّ البصر في الصّلاة» ) * «٦» . ١٧-* (عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: «كان عبد الله بن مسعود- إذا هدأت العيون- قام فسمعت له دويّا كدويّ النّحل» ) * «٧» . ١٨-* (قال عبّاد بن زياد التّيميّ، يرثي إخوة له متعبّدين: فتية يعرف التّخشّع فيهم ... كلّهم أحكم القران غلاما قد برى جلده التّهجّد حتّى ... عاد جلدا مصفّرا وعظاما تتجافى عن الفراش من الخو ... ف إذا الجاهلون باتوا نياما بأنين وعبرة ونحيب ... ويظلّون بالنّهار صياما

стр. 2550

يقرؤون القرآن لا ريب فيه ... ويبيتون سجّدا وقياما) * «١» . ١٩-* (قال الفضيل بن عياض: «كان يكره أن يري الرّجل من الخشوع أكثر ممّا في قلبه» ) * «٢» . ٢٠-* (قال أبو يزيد المدنيّ: «إنّ أوّل ما يرفع عن هذه الأمّة الخشوع» ) * «٣» . ٢١-* (قال عبد الله بن المعمار: رقّة في الجنان فيها حياء ... فيهما هيبة وذاك خشوع ليس حال ولا مقام وإن فا ... ضت عليه من العيون دموع) * «٤» . ٢٢-* (قال سهل التّستريّ: «من خشع قلبه لم يقرب منه الشّيطان» ) * «٥» . ٢٣-* (قال الحافظ ابن كثير- ﵀: قد ذكر غير واحد أنّ عروة بن الزّبير لمّا خرج من المدينة متوجّها إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة، وكان مبدؤها هناك فظنّ أنّها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلّا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطبّاء العارفين بذلك، فاجتمعوا على أن يقطعها وإلّا أكلت رجله كلّها إلى وركه، وربّما ترقّت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها، وقالوا: ألا نسقيك مرقّدا حتّى يذهب عقلك منه فلا تحسّ بألم النّشر؟ فقال: لا والله ما كنت أظنّ أنّ أحدا يشرب شرابا أو يأكل شيئا يذهب عقله، ولكن إن كنتم لا بدّ فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصّلاة، فإنّي لا أحسّ بذلك، ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة من المكان الحيّ، احتياطا أنّه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلّي، فما تضوّر ولا اختلج، فلمّا انصرف من الصّلاة عزّاه الوليد في رجله، فقال: اللهمّ لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمّد، وكان أحبّهم إليه، فدخل دار الدّوابّ، فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزّوه فيه، فقال الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستّة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت. فلمّا قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة ... فبلغه أنّ بعض النّاس قال: إنّما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه، فأنشد عروة في ذلك، والأبيات لمعن بن أويس: لعمرك ما أهويت كفّي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلّني رأيي عليها ولا عقلي

стр. 2551

ولست بماش ما حييت لمنكر ... من الأمر لا يمشي إلى مثله مثلي ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة ... وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي وأعلم أنّي لم تصبني مصيبة ... من الدّهر إلّا قد أصابت فتى قبلي) * «١» . من فوائد (الخشوع) (١) يورث الخوف والرّهبة من الله- . (٢) مظهر من مظاهر الإيمان وحسن الإسلام. (٣) دليل على صلاح العبد واستقامته. (٤) إعلان العبوديّة لله ونبذ ما سواه. (٥) تكفير الذّنوب وتعظيم الأجر. (٦) النّجاة من العذاب والعقوبة. (٧) الفوز بالجنّة. (٨) الخشوع يرفع صاحبه يوم القيامة. (٩) الخشوع يؤدّي إلى غضّ البصر وخفض الجناح. (١٠) الخشوع يبعد القسوة من القلب. (١١) الخشوع في الصّلاة يؤدّي إلى الفلاح. (١٢) من خشع قلبه لا يقربه شيطان.

стр. 2552

الخشية الخشية لغة: الخشية مصدر خشي وهو مأخوذ من مادّة (خ ش ي) الّتي تدلّ على خوف وذعر، وقد تستعمل مجازا في معنى العلم، قال الشّاعر: ولقد خشيت بأنّ من تبع الهدى ... سكن الجنان مع النّبيّ محمّد وقال الرّاغب: الخشية هي خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (فاطر/ ٢٨) ، وقوله سبحانه: مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ (ق/ ٣٣) ، أي لمن خاف خوفا اقتضاه معرفته بذلك من نفسه. وقال ابن منظور: الخشية: الخوف. يقال خشي الرّجل يخشى خشية أي خاف. قال ابن برّيّ: ويقال في الخشية الخشاة، وقال الشّاعر: كأغلب من أسود كراء ورد، ... يردّ خشاية الرّجل الظّلوم ويقال: هذا المكان أخشى من ذلك أي أشدّ الآيات الأحاديث الآثار ٣٧ ٣٢ ٢٠ خوفا، وخاشى: فاعل من الخشية. وخاشيت فلانا: تاركته. وخشّاه بالأمر تخشية أي خوّفه. يقال: خشيه يخشاه خشيا وخشية وخشاة ومخشاة ومخشية وخشيانا وتخشّاه كلاهما خافه وهو خاش وخش وخشيان، والأنثى خشيا وجمعهما معا خشايا. وقوله : فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (الكهف: ٨٠) قال الفرّاء: معنى (فخشينا) أي فعلمنا، وقال الزّجّاج: فخشينا من كلام الخضر، ومعناه: كرهنا، ولا يجوز أن يكون فخشينا عن الله «١» . واصطلاحا: الخشية: خوف يشوبه تعظيم «٢» ، وقيل هي الخوف المقرون بإجلال. وقيل: هي تألّم القلب بسبب توقّع مكروه في المستقبل يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته «٣» . الفرق بين الخشية والخوف: قال الفيروز اباديّ: الخشية أخصّ من الخوف، فإنّ الخشية للعلماء بالله تعالى، فهي خوف مقرون بمعرفة، قال النّبيّ ﷺ : «إنّي أتقاكم الله وأشدّكم له

стр. 2553

خشية» . فالخوف حركة، والخشية انجماع وانقباض وسكون. فالخوف لعامّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبّين، والوجل للمقرّبين، وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الخشية. قال رسول الله ﷺ «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما تلذّذتم بالنّساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى الله تعالى» فصاحب الخوف يلتجأ إلى الهرب والإمساك، وصاحب الخشية يلتجأ إلى الاعتصام بالعلم، ومثلهما كمثل من لا علم له بالطّبّ ومثل الطّبيب الحاذق فالأوّل يلتجىء إلى الحمية والهرب، والطّبيب يلتجىء إلى معرفته بالأدوية والأدواء. وكلّ واحد إذا خفته هربت منه، إلّا الله، فإنّك إذا خفته هربت إليه فالخائف هارب من ربّه إلى ربّه «١» . وقال الكفويّ: الخشية أشدّ من الخوف لأنّها مأخوذة من قولهم شجرة خاشية أي يابسة وهو موات بالكلّيّة، والخوف النّقص مطلقا من قولهم ناقة خوفاء أي بها داء وليس بفوات، ولذلك خصّت الخشية بالله في قوله: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ (الرعد/ ٢١) والخشية تكون من عظم المخشيّ وإن كان الخاشي قويّا، والخوف يكون من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمرا يسيرا. وأيضا فإنّ أصل الخشية خوف مع تعظيم ولذلك خصّ بها العلماء في قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (فاطر: ٢٨) على قراءة نصب لفظ الجلالة «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الرجاء- التقوى- الخشوع- الخوف- الرهبة- الورع- الإخبات- الإنابة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: العصيان- الغرور- الفجور- الكبر والعجب- القسوة- الغفلة- الأمن من المكر] .

стр. 2554

الآيات الواردة في «الخشية» الأمر بخشية الله: ١- الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) «١» ٢- وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) «٢» ٣- طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) «٣» ٤- اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) «٤» ٥- وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) «٥» ٦- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) «٦» ٧- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) «٧» ٨- اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣)

стр. 2555

فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) «١» الخشية من عذاب الله: ٩- يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) «٢» ١٠- عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) «٣» ١١- فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) «٤» النهي عن خشية غير الله: ١٢- وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) «٥» ١٣- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) «٦» ١٤- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ

стр. 2556

مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣) «١» ١٥- إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) «٢» ١٦- وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) «٣» ١٧- وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) «٤» ١٨- وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٣٩) «٥» ثواب الذين يخشون ربهم: ١٩- إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨) «٦» ٢٠- إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) «٧»

стр. 2557

٢١- وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) «١» ٢٢- إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) «٢» ٢٣- إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) «٣» الخشية من الله أعلى صفات العلماء والمؤمنين: ٢٤- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) «٤» ٢٥- اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) «٥» ٢٦- وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥) «٦» المتعظ بالنذارة هو الذي يخشى الله: ٢٧- وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) «٧» ٢٨- وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) «٨»

стр. 2558

المتجرد من العقل يخشى الله: ٢٩- ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) «١» ٣٠- لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) «٢» الخشية من عذاب الدنيا بالمتاعب ٣١- وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (٩) «٣» ٣٢- وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) «٤» ٣٣- قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) «٥» ٣٤- وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) «٦» ٣٥- قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠) «٧» ٣٦- وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) «٨» ٣٧-الَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) «٩»

стр. 2559

الأحاديث الواردة في (الخشية) ١-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ أعطى رهطا «١» ، وسعد جالس فيهم. قال سعد: فترك رسول الله ﷺ منهم من لم يعطه. وهو أعجبهم إليّ «٢» فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا. فقال رسول الله ﷺ : «أو مسلما» . قال: فسكتّ قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه. فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا. فقال رسول الله ﷺ : «أو مسلما» . قال: فسكتّ قليلا. ثمّ غلبني ما علمت منه. فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا. فقال رسول الله ﷺ : «أو مسلما. إنّي لأعطي الرّجل وغيره أحبّ إليّ منه. خشية أن يكبّ في النّار على وجهه «٣» » ) * «٤» ٢-* (عن عائشة- ﵂ أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ ﷺ يستفتيه، وهي تسمع من وراء الباب. فقال: يا رسول الله تدركني الصّلاة وأنا جنب. أفأصوم؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأنا تدركني الصّلاة وأنا جنب، فأصوم» فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فقال: «والله إنّي لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتّقي» ) * «٥» ٣-* (عن عائشة أمّ المؤمنين- ﵂ أنّ رسول الله ﷺ صلّى ذات ليلة في المسجد فصلّى بصلاته ناس. ثمّ صلّى من القابلة فكثر النّاس، ثمّ اجتمعوا من اللّيلة الثّالثة أو الرّابعة فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ . فلمّا أصبح، قال: «قد رأيت الّذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلّا أنّي خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان» ) * «٦» ٤-* (عن حذيفة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ رجلا حضره الموت، فلمّا يئس من الحياة أوصى أهله: إذا أنا متّ فاجمعوا لي حطبا كثيرا وأوقدوا فيه نارا، حتّى إذا أكلت لحمي وخلصت إلى عظمي فامتحشت «٧» فخذوها فاطحنوها، ثمّ انظروا يوما راحا «٨» فاذروه في اليمّ، ففعلوا. فجمعه الله فقال له: لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك، فغفر الله له» ) * «٩»

стр. 2560

٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوني» . فهابوه أن يسألوه. فجاء رجل فجلس عند ركبتيه. فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: «لا تشرك بالله شيئا، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، وتصوم رمضان» . قال: صدقت. قال: يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كلّه» . قال: صدقت. قال: يا رسول الله ما الإحسان؟ قال: «أن تخشى الله كأنّك تراه. فإنّك إن لا تكن تراه فإنّه يراك» . قال: صدقت. قال: يا رسول الله: متى تقوم السّاعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السّائل، وسأحدّثك عن أشراطها. إذا رأيت المرأة تلد ربّها فذاك من أشراطها. وإذا رأيت الحفاة العراة الصّمّ البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها، وإذا رأيت رعاء البهم يتطاولون في البنيان فذاك من أشراطها. في خمس من الغيب لا يعلمهنّ إلّا الله. ثمّ قرأ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (سورة لقمان/ آية ٣٤) . قال: ثمّ قام الرّجل. فقال رسول الله ﷺ : «ردّوه عليّ» . فالتمس فلم يجدوه. فقال رسول الله ﷺ : «هذا جبريل أراد أن تعلّموا إذ لم تسألوا» ) * «١» ٦-* (عن السّائب قال: صلّى بنا عمّار بن ياسر صلاة فأوجز فيها فقال له بعض القوم لقد خفّفت أو أوجزت الصّلاة. فقال أمّا على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهنّ من رسول الله ﷺ ، فلمّا قام تبعه رجل من القوم هو أبيّ غير أنّه كنى عن نفسه فسأله عن الدّعاء ثمّ جاء فأخبر به القوم: «اللهمّ بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفّني إذا علمت الوفاة خيرا لي، اللهمّ وأسألك خشيتك في الغيب والشّهادة وأسألك كلمة الحقّ في الرّضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغني، وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرّة عين لا تنقطع، وأسألك الرّضاء بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذّة النّظر إلى وجهك، والشّوق إلى لقائك في غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مضلّة، اللهمّ زيّنّا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين» ) * «٢» ٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عينان لا تمسّهما النّار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» ) * «٣» ٨-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قلّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتّى يدعو
следующие страницы →