← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

حياة النبي ﷺ قال: «فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ » وقد أنكر عمر عليه ذلك وعرضا الأمر على الرسول ﷺ فلما سمع قراءة هشام قال: «كذلك أنزلت» ، كما أقر عمر على قراءته وقال ﷺ : «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فأقرأوا ما تيسر منه» «١» . وكان القرآن يحفظ في صدور الرجال، ويكتب على العسب واللخاف «٢» . كتّاب الوحي: أما كتّاب النبي ﷺ فقد اشتهر زيد بن ثابت بينهم رغم أنه أسلم بعد الهجرة واقتصر في الكتابة لذلك على ما نزل في المدينة ولم يكتب من السور المكية شيئا عند الوحي، وحتى في المدينة فربما غاب زيد فيكتب الوحي غيره. وأول من كتب آيات التنزيل في مكة لرسول الله ﷺ من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح «٣» وممن كتب له في الجملة الخلفاء الأربعة، والزبير بن العوام، وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية، وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقب بن أبي فاطمة وعبد الله بن الأرقم الزهري، وشرحبيل بن حسنة وعبد الله بن رواحة في آخرين. وكان أبي بن كعب هو أول من كتب له بالمدينة «٤» . وروى الإمام أحمد، وأصحاب السنن الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عباس عن عثمان بن عفان قال: «كان الرسول ﷺ مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه من السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: «ضعوا هذه في السّورة الّتي يذكر فيها كذا» الحديث «٥» . وفي رواية الواقدي عن أشياخه: «إن أول من كتب لرسول الله ﷺ مقدمه المدينة أبيّ بن كعب الأنصاري، وهو آخر من كتب في آخر الكتاب وكتب فلان، فكان أبيّ إذا لم يحضر دعا رسول الله ﷺ زيد بن ثابت الأنصاري فكتب له، فكان أبيّ وزيد يكتبان الوحي بين يديه، وكتبه إلى من يكاتب من الناس وما يقطع وغير ذلك» «٦» . قال الواقدي: وأول من كتب له من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد ورجع إلى مكة وقال لقريش: أنا آتي بمثل ما يأتي به محمد، وكان يملّ عليه «الظالمين» فيكتب «الكافرين» يمل عليه «سميع عليم» فيكتب «غفور رحيم» وأشباه ذلك. فأنزل الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ «٧» .

стр. 317

فلما كان يوم الفتح أمر الرسول ﷺ بقتله فكلمه فيه عثمان بن عفان وقال: «أخي من الرضاعة وقد أسلم» فأمر رسول الله ﷺ بتركه «١» . وتذكر المصادر الموثقة أن معاوية بن أبي سفيان أسلم عام الفتح «٢» ، وأنه كتب للرسول ﷺ أيضا «٣» . وقال الواقدي وغيره: وكتب حنظلة بن الربيع بن رباح الأسيدي، من بني تميم، بين يدى رسول الله ﷺ مرة فسمي حنظلة الكاتب «٤» . ويبدو أن الكتابة كانت قليلة في المدينة كما هو الحال في مكة، فيذكر الواقدي أنه «كان الكتّاب بالعربية في الأوس والخزرج قليلا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب (كتابة) العربية، وكان يعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، وجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون وهم: سعد بن عبادة بن دليم، والمنذر بن عمرو، وأبّي بن كعب، وزيد بن ثابت- وكان يكتب بالعربية والعبرانية- ورافع بن مالك، وأسيد بن حضير، ومعن بن عديّ البلوي حليف الأنصار، وبشير بن سعد، وسعد بن الربيع، وأوس بن خولي، وعبد الله بن أبيّ «المنافق» «٥» . وعدد البلاذري من أسماهم «الكملة، وهم الذين جمعوا العوم والرمي إلى الكتابة، فذكر خمسة من كتاب المدينة، في الإسلام مميزا لهم عن اثنين «ممن جمع هذه الأشياء في الجاهلية من أهل يثرب» وهما سويد بن الصامت وحضير الكاتب «٦» كما ذكر كاتبا نصرانيّا من أهل الحيرة كان في المدينة، وهو جفينة العبادي، والذي استمر يسكن المدينة حتى نهاية عهد عمر ابن الخطاب «٧» . وأورد البلاذري رواية عن أبي الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت ذكر فيها أن الرسول ﷺ كان قد أمره أن يتعلم كتابة العبرانية، فتعلمها، فكان يكتب له إلى يهود، ويقرأ له ما يكتبون إليه به «٨» . الدعوة في مكة: نزلت معظم سور القرآن الكريم على النبيّ ﷺ في مكة. وكانت القضية الكبرى والمحورية التي ركّز عليها القرآن في معظم سوره وآياته المكية هي قضية أن «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له» وهو التوحيد المطلق والخالص لله وإفراده وحده بالعبادة وعدم صرف شيء منها لغير الله. فالوحدانية المطلقة هي القضية الأساسية التي قامت عليها دعوة الأنبياء ﵈ من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ . لقد كانت مهمة الأنبياء جميعا توضيح وبيان توحيد الله «٩» وإفراده وحده بالربوبية والألوهية وأن يوصف بما وصف به نفسه أو وصفه به أنبياؤه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل. وبعد أن يتضح

стр. 318

توحيد الله في العقول، ويسكن في القلوب، وتطمئن به النفوس، عند ذلك يبدأ العمل بتنفيذ أوامر الله واجتناب نواهيه وتأدية ما فرضه الله على العباد وفق ما جاء به وحيه، أو أمر به رسوله ﷺ ثم يبدأ التنافس بين العباد في الأعمال الصالحة. ولذلك نجد جوهر دعوة النبي محمد ﷺ واضحة جلية في كثير من الآيات والسور التي نزلت بمكة، ومنها على سبيل المثال قول الله تعالى: قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ* وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ* وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «١» . ويجمل شيخ الإسلام ابن تيمية دعوة النبي الكريم محمد ﷺ بقوله: «وعامة السور المكية كالأنعام والأعراف ... هي الأصول الكلية التي اتفقت عليها شرائع المرسلين كالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والصدق والعدل والإخلاص، وتحريم الظلم والفواحش والشرك بالله والقول على الله بلا علم» «٢» . شرع النبي الكريم محمد ﷺ يبين حقيقة أن «لا إله إلّا الله» التي تعني الوحدانية المطلقة لله وعدم صرف أي شيء من أنواع العبادة لغير الله، «فالإنسان ليس عبدا لكائن في الأرض أو عنصر في السماء، لأن كل شيء في السماء والأرض عبد لله، يعنو لجلاله ويذل في ساحته ويخضع لحكمه، وليس هناك شركاء ولا شفعاء ولا وسطاء، ومن حق كل امرىء أن يهرع إلى ربه رأسا غير مستصحب معه خلقا آخر، كبيرا أو حقيرا. واجب على كل امرىء أن ينكر من أقاموا أنفسهم أو أقامهم غيرهم للتقرب إلى الله زلفى، وأن ينزل بهم إلى مكانهم المحدود سواء كانوا بشرا أو حجارة أو ما سوى ذلك، ويجب أن تبنى جميع الصلات الفردية والجماعية على أساس تفرد الله في ملكوته بهذه الوحدانية التامة. ونتيجة هذه العقيدة أن الحجارة التي يعبدها العرب أصبحت لا تزيد عن الحجارة التي تبنى بها البيوت أو ترصف بها الطرق» «٣» . أبعاد تأثير الدعوة على مجتمع مكة: جاء الرسول محمد ﷺ بدعوة، قلبت حياة البشر رأسا على عقب، ولم تكن تلك الدعوة تتناول عقيدتهم وحدها، بل شملت حياتهم في جميع مظاهرها: في السياسة، وفي الاجتماع، وفي المال، وفي البيت. ولم يكن طبعيا ولا مألوفا أن ينكروا ما وجدوا عليه آباءهم وبلادهم طواعية، فكان لا بدّ لهم من التصدي لهذه الدعوة، ومقاومة صاحبها، ليرجع إلى الصف الذي خرج عنه، فيعظّم حرماتهم التي يعظّمون. ولهذا فقد قاومت قريش الدعوة التي نقضت عقيدتها الفاسدة والمنحرفة، والرسول ﷺ الذي كان يدعو

стр. 319

إلى التوحيد، وينذر بالبعث «١» ، فلا هي راضية بإله غير آلهتها، ولا هي واجدة في البعث والحساب الذي ينذرها به ما تعقله أو ترضاه. ولو أن محمدا ﷺ قصر دعوته على التوحيد، وتسفيه أحلام القوم، لكفى بذلك إعناتا، ولكنه زيادة على ذلك دعا إلى الإيمان بالبعث، فاستغربوا ذلك، واستبعدوه كل الاستبعاد، وقالوا: أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ* «٢» . لقد سخروا من هذه الفكرة، واستدلّوا بها على ضعف رأي صاحب الدعوة. مشى إليه يوما أبيّ بن خلف بعظم بال، فقال: يا محمّد، أنت تزعم أنّ الله يبعث هذا! ثمّ فتّه بيده، ثمّ نفخه في الرّيح نحو رسول الله ﷺ فردّ القرآن على ذلك بقوله: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «٣» . صدمت الدعوة إلى التوحيد والبعث دين قريش وعقلها فسخرت لذلك قريش من الداعي، ثم هبت إلى الإيذاء والعدوان. لم يكتف محمد ﷺ بدعوته هذه التي كانت غريبة في رأي القوم، بل زاد عليها أن دعا إلى تحريم الخمر، والزنا، والميسر، والربا. وقريش لا تستغني عن هذه الأربعة، ففيها متعهم، وفيها تفاخرهم، وفيها غناهم وثروتهم. فربا قريش كان في القبائل كلها، والرسول الكريم ﷺ يريد أن يحرم عليها ما تعدّه من طيبات الحياة، ومصادر الثروة، فأنّى لها أن تستطيع على ذلك صبرا؟. لم يكتف الرسول ﷺ بالتوحيد، والبعث، وتحريم بعض ما طاب لنفوس القوم، بل دعا كذلك إلى أمر غريب عليهم، مستنكر لديهم، ذلك هو حق المساواة، وهم الذين قضوا أعمارهم في التفاخر بالأحساب والأنساب. فما بال محمد ﷺ يخرج عليهم بالمساواة بين السادة والعبيد، ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط؟ إنها للكبيرة التي لن ترضى قريش أن تقرّه عليها، قريش التي أنفت أن تسوّى بالناس، فحرّفت لذلك دينها، وأنفت أن تقف على عرفة، وأن تفيض منها كما يقف الناس ويفيضون، وهي تعلم أن ذلك من مشاعر إبراهيم وفرائض الحج. قريش التي ألزمت العرب ألا يطوفوا بالبيت في أثواب جاءوا بها من البدو، فطافوا عراة ... قريش التي كانت تختص بأنواع الامتياز التي جعلتها لنفسها كما تشاء، كيف ترضى للرسول ﷺ أن يدعو للمساواة المطلقة، وأن يقول لعشيرته: «يا بني هاشم لا يجئني النّاس بأعمالهم وتجيئوني بأنسابكم ... » . بل من الغريب أن محمدا ﷺ ، وهو في بيت الرياسة من قريش، وفي طليعة الممتازين، رفض في الجاهلية ضروب هذا الامتياز، وسوّى نفسه ببقية الأمة قبل أن يكون رسولا يوحى إليه. إن دخول المستضعفين في دين الإسلام أزعج زعماء قريش وخافوا مغبته فأرسلوا لمحمد ﷺ يقولون: «اطرد هؤلاء عنك ونحن لا نرى بأسا من اعتناق دينك» فرفض الرسول ﷺ هذا العرض، فبعثوا إليه مرة أخرى

стр. 320

يقولون له: «إن لم يكن من بقائهم بدّ فليكونوا في مؤخرة الصفوف ونتولى نحن الصدارة» ففكر الرسول ﷺ في هذا العرض الجديد، إن الصدارة إنما يظفر بها أهل الكفاية وأصحاب السبق في الإيمان والعمل، أيمكن أن تكل المؤمنين إلى إيمانهم، وتتألف هؤلاء الأقوياء بإحلالهم في مكان الصدارة حتى إذا تشرّبت أفئدتهم الإيمان كاملا تركوا هذه العنجهية من تلقاء أنفسهم. وبينما رسول الله ﷺ في هذه المقابلة نزل الوحي بحسم القضية كلها وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ* وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ «١» . وهكذا ألقت السماء كلمتها إن المبادىء لا يضحّى بها ولو من ناحية الشكل ومن دخل في دين الله فيلخلع عن نفسه أردية الجاهلية كلها، ولا يشعر بأنه أرجح من غيره لامتيازات مبهمة مدّعاة «٢» . لم تستطع قريش صبرا على الدعوة إلى المساواة، فبطشت بالعبيد، وقست على المستضعفين الذين وجدوا في قول النبي ﷺ إنصافا. ولم يكتف النبي بأن عاب أوثانها، وأنذرها ببعث وحساب شديد، وقوّض جاهها وسلطانها، وحرمها شهواتها والاتجار بالربا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا «٣» وسوى بينها وبين العبيد المستضعفين، بل قام يطلب لهؤلاء العبيد والفقراء وأبناء السبيل حقّا في أموال الأغنياء: وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ* لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «٤» يؤخذ منهم قسرا، ويضرب عليهم ضريبة، وما كان أبغض إلى نفوس القوم من ضريبة يؤدونها مفروضة! فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى كانت تلك الضريبة أول ما عصوا عليه، وارتدوا من أجله. ذلك مجمل من القول يصوّر حالة المجتمع الذي قام فيه محمد ﷺ داعيا إلى الله، وإلى نظام سياسي واقتصادي واجتماعي بغيض إلى القوم. وقد صوّر ذلك القرآن في أبدع إيجاز بهذه الآية: وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا «٥» . ويجيب القرآن على قولهم هذا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ* وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ* وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ «٦» . كما أن النبي محمدا ﷺ ذكّر قومه قريشا بفضل الله عليهم وطالبهم بشجاعة وإصرار بترك آلهتهم

стр. 321

وأصنامهم وأن يعبدوا الله وحده ربّ حرمهم الآمن بلفظ واضح جامع: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ* إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ* فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «١» . ولقد نقل النبي ﷺ إلى قومه ما جاء به القرآن الكريم في وصف القيامة ومشاهدها ووصف الجنة وما فيها من نعيم للمؤمنين والنار وما فيها من عذاب مهين للكافرين، فنجد سورا كاملة تتحدث عن ذلك «٢» . ويعلق شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك بقوله: «وأما وصف القيامة الكبرى في الكتاب والسنة، فكثير جدّا، لأن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء وقد بعث بين يدي الساعة فلذلك وصف القيامة بما لم يصفها به غيره» «٣» . وقد واصل النبي ﷺ عرض دعوته على قومه، وأخذت الآيات البينات تتنزل عليه من ربه تبين لهم أن تلك الأصنام التي يعبدونها من دون الله لا تضر ولا تنفع، وتنذرهم بأن من يعبدها ويموت على ذلك فمصيره إلى النار وبئس القرار. ولم يكن النبي ﷺ يخاطبهم بلسانهم فحسب، بل كان يخاطبهم بتلاوة كلام الله عليهم، ذلك الكلام العربي المبين الذي يهزهم بفصاحته وبلاغته، وكانت كثير من سور القرآن تبتديء بحروف لها وقع غريب تلفت انتباههم وتشدهم ثم يتلوها كلمات لها معان لم يسمعوا بها قط. يتلوها عليهم، كما نزلت عليه من عند ربّه ليخبرهم برسالته ويعلمهم بحالهم وحاله حم* تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ* بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ* وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ* قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ «٤» . ثم يعود ليؤكد لهم بالأسلوب نفسه والطريقة ذاتها أنه رسول الله إليهم وإلى الناس أجمعين لينذرهم ويوضح لهم جوهر دعوته إلى ربه: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ* اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ* وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٥» . أصبحت قريش بعد كلّ هذا في حيرة من أمر ابنهم هذا الذي أعجزهم بلغتهم وهم سادة لسان العرب. وكان أبو طالب في هذه الفترة قد حدب على رسول الله ﷺ ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله مظهرا لأمره، لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله ﷺ لا يعتبهم (أي لا يرضيهم) من شيء وأنكروه عليه

стр. 322

ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه وقام دونه، فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشرافهم إلى أبي طالب «١» ، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلل آباءنا، ف إما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه، فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله ﷺ على ما هو عليه يظهر دين الله. فذهب الوفد مرة أخرى إلى أبي طالب، فقالوا له: يا أبا طالب: إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك عن ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين ... ثم انصرفوا عنه، فعظم على أبي طالب فراق قومه وعدوانهم، ولم يطب نفسا بتسليم رسول الله ﷺ لهم ولا خذلانه، فدعا أبو طالب رسول الله ﷺ وقال له: يابن أخي: إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق عليّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فقال ﵊: «يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته» «٢» ، ثم استعبر رسول الله ﷺ ، فبكى ثم قال، فلما ولى ناداه أبو طالب، فقال: أقبل يابن أخي، فأقبل عليه رسول الله ﷺ فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا «٣» . ولما فشل المشركون مع أبي طالب في أن يتخلى عن النبي ﷺ عمدوا إلى المستضعفين من المسلمين فأنزلوا بهم من الأذى والاضطهاد والتعذيب الشيء الكثير «٤» . ولما ازداد الأذى بالمسلمين أمرهم النبي ﷺ بالهجرة إلى الحبشة لأنها أرض صدق وبها ملك لا يظلم أحدا، فهاجر عدد من الرجال والنساء في السنة الخامسة ثم لحق بهم مهاجرون آخرون بعد بضعة شهور حتى وصلوا إلى ثلاثة وثمانين رجلا مع بعض النساء. وخافت قريش من انتشار الإسلام خارج مكة فأرسلت رجلين إلى النجاشي ملك الحبشة بهدايا قيمة بغية استعادة المهاجرين إلى مكة، فلما طلبا من النجاشي تسليمهم استدعاهم النجاشي وسألهم عن أمرهم فتحدث نيابة عنهم جعفر بن أبي طالب- ﵁ وعرض في إيجاز جوهر دعوة الرسول ﷺ حيث قال: «أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة

стр. 323

والزكاة والصيام- فعدد عليه أمور الإسلام- فصدّقناه وآمنا به، واتّبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك» ، فرفض النجاشي تسليم المهاجرين لمبعوثي قريش وتعهد بحمايتهم «١» . ثم لجأت قريش إلى ترويج الاتهامات الباطلة لصد الناس عن النبي ﷺ ومن ذلك أنهم اتهموه بالجنون. وفي ذلك نزل قول الله تعالى: وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ «٢» . وقد أجابهم الله في سورة القلم ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ «٣» ، وحكى ذلك عنهم في قوله وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ «٤» . واتهموه بالسحر وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ «٥» ، وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً «٦» . وقد تحير الوليد بن المغيرة فيما يصف به القرآن. فعندما أوشك دخول موسم الحج جمع فريقا من عتاة المعاندين، فقال لهم: «يا معشر قريش، إنه قد حضر هذا الموسم، وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا ... » وعلى الرغم من استبعادهم أنه كاهن أو شاعر أو ساحر إلّا أنهم اتفقوا على أن يقولوا للناس إنه ساحر، لأنه يفرق بين الأقارب، فأنزل الله في الوليد ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ... «٧» ثم أخذوا يتلقون الناس يحذرونهم من أمر محمد ﷺ وشاء الله أن تصدر العرب من ذلك الموسم وقد شاع بينهم أمر الدعوة وأخبار الرسول ﷺ ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها «٨» وكان مثل هذه المواقف سببا في إسلام الناس في المواسم. واتهموه بالكذب، وفي ذلك يقول الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ «٩» .

стр. 324

واتهموه بالإتيان بالأساطير. قال تعالى: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «١» . واتهموا المؤمنين بالضلالة.. وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ «٢» . أذى المشركين للرسول ﷺ : واجهت قريش الرسول ﷺ بالسخرية والاستهزاء والضحك والغمز واللمز والتعالي عليه ﷺ وعلى المؤمنين. يقول الله تعالى عن سخريتهم من الذين آمنوا: وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ «٣» وروى البخاري «٤» أن امرأة قالت للرسول ﷺ ساخرة مستهزئة: «إنّي لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا!» فأنزل الله تعالى: وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «٥» . وروى البخاري «٦» أن أبا جهل قال مستهزئا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ» . فنزلت: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ* وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ «٧» . وقال الله تعالى عن ضحكهم وغمزهم: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ* وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ* وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ «٨» . ومن منطلق الاستعلاء والسخرية، قال المشركون للنبي ﷺ : «لا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء- يعنون صهيبا وبلالا وخبّابا- فاطردهم عنك» . فهمّ النبي ﷺ بذلك طمعا في إسلامهم وإسلام قومهم، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ «٩» . ومر الرسول ﷺ يوما بجماعة من زعماء قريش فهمزوه واستهزؤوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله-

стр. 325

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* «١» . كما كان المشركون يتواصون بينهم بافتعال ضجة عالية وصياح منكر عند ما يقرأ القرآن، حتى لا يسمع فيفهم فيترك أثرا في عقل نقي وقلب طيب. وفي ذلك قال المولى- : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «٢» . لجوء المشركين إلى المطالبة بالمعجزات: وطالبت قريش أن يريهم الرسول ﷺ معجزات أو مزايا ليست عند البشر العاديين: من ذلك قولهم ... مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً* أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها «٣» فرد عليهم الله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ «٤» . وقولهم: وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً* أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً* أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا* أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ. ولذا قال لهم الرسول ﷺ كما جاء في الآية نفسها قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا «٥» . وسألوه أن يسيّر لهم جبال مكة، ويقطع لهم الأرض ليزرعوها، ويبعث لهم من مضى من الآباء الموتى أمثال قصي ليسألوه عن صدق محمد، ورد الله عليهم في قوله: وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً «٦» ، ولقد كان طلبهم على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدى والرشاد. قال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ «٧» وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ «٨» . وقال تعالى: وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ... «٩» .

стр. 326

لجوء قريش إلى المفاوضات: حاولت قريش من خلال أسلوب المساومة الذي اكتسبته وأتقنته من خلال خبرتها الطويلة في التجارة، أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، وذلك بأن يترك المشركون بعض ماهم عليه، ويترك النبي ﷺ بعض ما هو عليه. قال تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ «١» . وعند ما قالوا له اعبد آلهتنا يوما ونعبد إلهك يوما، أنزل الله تعالى سورة الكافرون: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ* لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ* وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ* وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ* وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ «٢» وحسم بذلك هذه المساومة الهزلية. وكانوا قد ساوموا عمه فيه، حين اقترحوا عليه بأن يعطوه عمارة بن الوليد بن المغيرة بدلا عن محمد ﷺ فيأخذوه ويقتلوه «٣» . وعند ما اشتكى أبو طالب مرض موته، وبلغ قريشا ثقله، قال بعضهم لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها. فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا. وعند ما جاء وفدهم إلى أبي طالب، قال لمحمد ﷺ : «يابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك» . فقال رسول الله ﷺ : «نعم كلمة واحدة يعطونيها يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم» . وفي رواية: «تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية» . ففزعوا لكلمته ولقوله. فقال القوم: كلمة واحدة؟ قال: نعم. فقال أبو جهل: نعم وأبيك عشر كلمات. قال: «تقولون لا إله إلّا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه» . فصفقوا بأيديهم ثم قالوا: يا محمد تريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن أمرك لعجب. ثم قال بعضهم لبعض: ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دينكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. ثم تفرقوا، فأنزل الله فيهم أول سورة «ص» ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ* بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ* كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ* وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ* أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ* وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ* ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ* أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ* أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ* أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ «٤» .

стр. 327

لجوء قريش إلى سبّ القرآن ومنزله ومن جاء به: روى البخاري «١» ومسلم «٢» والترمذي «٣» وغيرهم في قوله تعالى: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها أن ابن عباس- ﵄ قال: «نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة. كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع المشركون قراءته سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فقال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ : وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن وَلا تُخافِتْ بِها عن أصحابك فلا تسمعهم وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٤» . وروى ابن إسحق «٥» أن رسول الله ﷺ كان إذا جهر بالقرآن وهو يصلي تفرقوا عنه وأبوا أن يسمعوا منه، وكان الرجل إذا أراد أن يستمع من رسول الله ﷺ بعض ما يتلو وهو يصلي يسترق السمع فرقا منهم، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ذهب خشية أذاهم ولم يستمع، وإن خفض رسول الله ﷺ صوته لم يسمعوا شيئا من قراءته، فأنزل الله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي فيتفرقوا عنك، وَلا تُخافِتْ بِها فلا يسمع من أراد أن يستمعها ممن يسترق ذلك دونهم لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع فيقتنع به وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا. وعند ما كان المسلمون يسبون أصنام الكفار، أخذ المشركون يسبون الله عدوا بغير علم، فأنزل الله: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ «٦» . التعاون مع اليهود للتصدي للدين الجديد: أوفدت قريش نفرا منهم إلى المدينة، على رأسهم: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ليأتوا من اليهود بأسئلة تعجيزية فيطرحونها على الرسول ﷺ . فقالت لهم يهود: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح. ولكن الله أبطل كيدهم عند ما أنزل الله قرآنا في شأن الإجابة عن أسئلتهم «٧» .

стр. 328

اتباع قريش أسلوب الترغيب للرسول ﷺ : أرادت قريش أن تجرب أسلوب الترغيب، فأرسلت عتبة بن ربيعة، الذي قال للرسول ﷺ : «يابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلك تقبل بعضها: إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا. وإن كنت تريد شرفا سوّدناك علينا فلا نقطع أمرا دونك. وإن كنت تريد ملكا ملّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ» . فلما فرغ من قوله تلا رسول الله ﷺ صدر سورة «فصلت» إلى قوله تعالى فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ «١» وعندها وضع عتبة يده على جنبه وقام كأن الصواعق ستلاحقه، وعاد إلى قريش مخبرا إياهم بأن ما سمع ليس بشعر ولا سحر ولا كهانة، واقترح على قريش أن تدع محمدا وشأنه «٢» . وفي رواية البيهقي وابن أبي شيبة وابن حميد من حديث جابر، زادوا: «وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي أبيات قريش شئت» . وفي رواية أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه، فقال: «يا عم إن قومك يرون أن يجمعوا لك مالا» . قال: «لم؟» قال: «ليعطوك، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله..» ثم قال عن القرآن الذي سمعه من محمد ﷺ : «ووالله إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته» «٣» . اتباع قريش لأسلوب الترهيب: كان أبو جهل، إذا سمع عن رجل قد أسلم وله شرف ومنعة، أنّبه وأخزاه، وقال له: «تركت دين أبيك وهو خير منك! لنسفهن حلمك ولنضعفن رأيك ولنضعن شرفك» ، وإن كان تاجرا قال له: «لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك» ، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به «٤» . أذى المشركين للرسول ﷺ : عند ما لم تثمر كل الأساليب السابقة في صد الرسول ﷺ وأصحابه عن دينهم، لجأت قريش إلى أسلوب الاعتداء والتصفية الجسدية. لقد استفحل إيذاؤهم للرسول ﷺ في الفترة العلنية لغضبهم منه حين أضحى يظهر شعائر دينه مثل الصلاة عند الكعبة. فقد روى مسلم «٥» عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال أبو جهل: «هل يعفر محمد

стр. 329

وجهه بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته- أو لأعفرن وجهه في التراب، قال فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي- زعم ليطأ على رقبته. قال: فما فجأهم منه إلّا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة» . فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا» ، قال: فأنزل الله- كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى * إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى * أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلَّى* أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى* أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى * ... إلى قوله: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ «١» . وروى البخاري بسنده إلى عروة بن الزبير، قال: سألت عبد الله بن عمر عن أشد ما صنع المشركون برسول الله ﷺ ، قال: رأيت عقبة بن أبي معيط، جاء إلى النبي ﷺ ، وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فجاء أبو بكر حتى دفعه عنه ﷺ ، فقال: «أتقتلون رجلا أن يقول ربّي الله، وقد جاءكم بالبيّنات من ربّكم؟» «٢» . وروى البخاري «٣» ومسلم «٤» من حديث ابن مسعود، قال: «بينما رسول الله ﷺ يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد. فانبعث أشقى القوم «٥» فأخذه. فلما سجد النبي ﷺ وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر. لو كان لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله ﷺ ، والنبي ﷺ ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت هي وجويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم. فلما قضى النبي ﷺ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم ... فو الذي بعث محمدا ﷺ بالحق لقد رأيت الذي سمى (أي ذكر أسماءهم بالدعاء عليهم) صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر» . قال ابن حجر «٦» وقد أخرج أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح عن أنس، قال: «لقد ضربوا رسول الله ﷺ مرة حتى غشي عليه، فقام أبو بكر فجعل ينادي: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ فتركوه وأقبلوا على أبي بكر ... » . وحاولت أم جميل- زوجة أبي لهب- أن تعتدي عليه بحجر فحماه الله منها فلم تره- كما روى البيهقي «٧» . وكانت تحمل الحطب لتضعه في طريقه ﷺ كما حكاه القرآن الكريم وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ* فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ «٨» .

стр. 330

وروى أحمد «١» أن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر فتعاقدوا باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ونائلة وإساف: «لو قد رأينا محمدا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد فلم نفارقه حتى نقتله» ... وأخبرته ابنته فاطمة بالذي قالوا، فجاءهم وحصبهم بقبضة من تراب، من أصابته منهم قتل يوم بدر كافرا. وروى الإمام أحمد «٢» من حديث أنس، أن جبريل- ﵇ جاء ذات يوم إلى النبي ﷺ وهو جالس حزينا قد خضب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، فقال له مالك؟ قال: «فعل بي هؤلاء وفعلوا» . فقال له جبريل: أتحبّ أن أريك آية؟ قال: «نعم» ، فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع بتلك الشّجرة، فدعاها، فجاءت حتى قامت بين يديه، فقال مرها فلترجع، فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله ﷺ : «حسبي» . ويرى ابن كثير «٣» ان غالب ما وقع للرسول ﷺ من أذى، كان بعد وفاة عمه أبي طالب. اضطهاد قريش للمسلمين: ونال أبا بكر- ﵁ نصيبه من الأذى، حتى فكر في الهجرة إلى الحبشة فرارا بدينه «٤» . وقام أبو بكر خطيبا في المسجد الحرام ذات يوم فضربه المشركون ضربا شديدا، وممن ضربه عتبة بن ربيعة حيث جعل يضربه على وجهه بنعلين مخصوفتين حتى ما يعرف وجهه من أنفه. وجاء بنو تميم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملوه في ثوب إلى منزله، ولا يشكون في موته، وأقسموا لئن مات أبو بكر ليقتلن عتبة بن ربيعة «٥» . وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل، ثم يدخنه من تحته «٦» . وروي أنه عند ما أسلم أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطا، وأقسم ألا يحله إلّا إذا ترك الإسلام، فأقسم عثمان على عدم تركه الإسلام، فلما رأى عمه صلابته في دينه تركه «٧» . ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته وأخرجته من بيتها، وكان من أنعم الناس عيشا، فتخشف جلده تخشف الحية، وحتى حمله أصحابه على قسيهم، لشدة ما به من الجهد «٨» . وعند ما سمع أبوذر الغفاري بخبر النبي ﷺ جاء ودخل مكة، وأخذ يسأل عن الرسول ﷺ ، ضربه أهل مكة حتى غشي عليه، وكاد أن يموت، فخلصه العباس- ﵁ منهم «٩» .

стр. 331

تعذيب الموالي: بعد أن بذلت قريش كل ما في وسعها من قوة وحيلة في إطفاء أنوار الدعوة المحمدية، وباءت بخيبة مريرة حوّلت ذلك إلى نقمة على المستضعفين من المؤمنين كبلال وعمّار ووالده ياسر وأمه سمية، وصهيب الرومي، وخبّاب ابن الأرت وأبي فهيرة، وأبي فكيه، ومن النساء زنّيرة، والنهدية، وأم عبيس. أمّا بلال فكان مملوكا لأميّة بن خلف الجمحي، وكان يعذبه بإلقائه في الرمضاء على وجهه وظهره، ويضع الصخرة العظيمة على صدره، وذلك إذا حميت الشمس وقت الظهيرة، ويقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، وبلال صابر يردد كلمة: «أحد.. أحد» . وأخيرا استبدله أبو بكر الصديق بعبد مشرك عنده وأعتقه- ﵄. وأمّا عمّار وأمه ووالده ياسر فقد كانوا يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء يعذبونهم بحرّها، فمر بهم النبي ﷺ وهم يعذبون، فقال: «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنّة» . فمات ياسر تحت العذاب ﵀ رحمة واسعة. وأمّا سميّة فقد أغلظت القول لأبي جهل فطعنها بحربته في قبلها فماتت شهيدة، فكانت أول شهيد في الإسلام. وشدد أعداء الله العذاب على عمّار ونوّعوا العذاب عليه فمرة بالجرّ ومرة بوضع الصخرة على صدره، وأخرى بالغمس في الماء إلى حد الاختناق ويقولون له لا نتركك حتى تسب محمدا، وتقول في اللات والعزى خيرا، وفعل ما طلبوه منه فتركوه، فأتى النبي ﷺ يبكي فقال: «ما وراءك؟» . فقال: شر يا رسول الله، كان الأمر كذا وكذا. فقال له: «كيف تجد قلبك؟» . قال: أجده مطمئنا بالإيمان. فقال: «إن عادوا يا عمّار فعد» . وأنزل الله تعالى قوله من سورة النحل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً «١» . وأمّا خبّاب فقد أسلم سادس ستة فقد عذبه المشركون عذابا شديدا إذ كانوا يلصقون ظهره بالرمضاء ثم بالحجارة المحماة بالنار ويلوون رأسه. وأمّا عامر بن فهيرة فقد أسلم قديما قبل دخول الرسول ﷺ إلى دار الأرقم، وكان من المستضعفين فعذّب عذابا شديدا، ولم يرده ذلك عن دينه، وكان يرعى غنما لأبي بكر، وكان يروح بها الى النبي ﷺ وأبي بكر وهما في الغار طوال المدة التي كانا فيها في الغار، وأمّا أبو فكيهة واسمه أبو يسار فكان عبدا لصفوان بن أمية بن خلف الجمحي، أسلم مع بلال فأخذه أميّة بن خلف وربط في رجليه حبلا وأمر فجرّ ثم ألقاه في الرمضاء، ومر به جعل (حشرة معروفة) فقال له أمية: أليس هذا ربك؟. فقال: الله ربي وربك وربّ هذا. فخنقه خنقا شديدا، وكان معه أخوه أبي بن خلف فيقول: زده عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره ولم يزالوا يعذبونه كذلك حتى أغمي عليه فظنوه مات ثم أفاق فاشتراه أبو بكر الصديق وأعتقه. وأمّا النساء المؤمنات زنّيرة وأم عبيس ولبيبة والنهدية فقد عذّبن كذلك أشدّ العذاب من قبل مواليهنّ ولم يرجعن عن دينهنّ، فرضي الله عنهن وأرضاهن.

стр. 332

لقد نفس الكفار أغلب أحقادهم على الإسلام ومعتنقيه في أشخاص الموالي، لأنه لم تكن لهم منعة. فكان العذاب أقسى وأفظع. وقد عذر الله المعذّبين فيما يتلفظون به حينما يبلغ الجهد منهم مبلغه. قال سعيد بن جبير لابن عباس: «أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟» قال: «نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم ويجوعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم مما يبلغون من جهده» «١» . قال ابن كثير «٢» : «وفي مثل هذا أنزل الله تعالي: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» «٣» . وكان النبي ﷺ يحث أصحابه دائما على الصبر على الأذى ويخبرهم بأن الله تعالى سوف ينصر دينه. فقد جاء إليه خبّاب بن الأرت يشكو إليه ما يصيبهم من شدة من المشركين وقال له: «يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ فقعد وهو محمرّ وجهه فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشقّ باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمّنّ الله هذا الأمر حتّى يسير الرّاكب من صنعاء إلى حضر موت ما يخاف إلّا الله» «٤» . لقد عرضت قريش المال والجاه، الثروة والملك على الرسول الأعظم ﷺ فأجابهم: «ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشّرف فيكم، ولا الملك عليكم ولكنّ الله بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا فبلّغتكم رسالات ربّي ف إن تقبلوه فهو حظّكم في الدّنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بيني وبينكم» «٥» . ولما فشل المشركون في محاولاتهم في التصدي للدعوة الإسلامية، تعاهدوا على مقاطعة بني هاشم فلا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعون منهم ولا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم. وكتبوا بذلك صحيفة علقوها في جوف الكعبة، فاضطر أبو طالب وعشيرته إلى التحصن بالشعب ودام حصارهم زهاء ثلاث سنوات عانوا خلالها أشد المعاناة من الجوع والعوز. حتى تمكن بعض زعماء قريش بزعامة هشام بن عمرو من نقض ما جاء في الصحيفة الظالمة، وانتهت مقاطعة بني هاشم «٦» .

стр. 333

وقامت بين أبي بكر الصديق ومجموعة من مشركي قريش مجادلة حادة حول الحرب القائمة بين الامبراطوريتين الرومية والفارسية بعد نزول الآية الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ «١» . وكان المسلمون يحبون أن ينتصر الروم لأنهم نصاري وكانت عاطفة المشركين مع الفرس لأنهم أهل أوثان مجوس. وقد راهن أبو بكر على انتصار الروم خلال خمس سنوات، وذلك قبل تحريم الإسلام للمراهنات «٢» . ولا بد أن فرحة المؤمنين بانتصار الروم كانت كبيرة لما في ذلك من تأييد القرآن وخذلان المشركين فضلا عن انتصار أهل الكتاب على المجوس، وقد أسلم عدد من الناس على أثر ذلك «٣» . وينبغي أن نشير إلى أن الصراع بين الدولتين الكبيرتين فارس والروم كان له أثره في التجارة من جهة، ويستلزم استمرار المراقبة للأوضاع خارج الجزيرة وعلى أطرافها لما كان له من آثار على التعامل الخارجي التجاري في بلد يعتمد على التجارة مثل مكة «٤» . كما أن نزول الآيات الخاصة بذلك الصراع تشير إلى أهمية متابعة التطورات السياسية التي تجري على أطراف جزيرتهم، كما أن فيها ما يشير إلى وحدة مواقف المؤمنين بالله وتمايزهم أمام الإلحاد والوثنية. وكان الجدل حول هذه المسألة يوضح أحد جوانب الصراع العديدة بين الجانبين «٥» . ولقد تصاعد العنف مع مرور الأيام، وأصبح المسلمون يشكلون مجتمعا معزولا عن المجتمع المكي، تحيط بهم النظرات الغاضبة والألسن الشاتمة والأيدي التي تسومهم أصناف العذاب، ولذلك فقد أصبح استقرار المسلمين في مكة أمرا ينطوي على المخاطر الكبيرة، وذلك ما أدى إلى ضرورة التفكير بالهجرة إلى أماكن آمنة يهاجرون إليها فرارا بدينهم ونأيا بأنفسهم عن العذاب، وكانت الحبشة أول المناطق التي فكروا بجدوى الهجرة إليها. الهجرة الأولى إلى الحبشة: نزلت آيات الذكر الحكيم تلمح إلى الهجرة في قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ «٦» . ولما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء وما كان ينالهم من التعذيب والإهانة، وأنه لا يقدر أن يمنع عنهم ما يصيبهم، نصح المسلمين بالخروج إلى أرض الحبشة «٧» . وفي تلك الظروف الحرجة كانت هجرة المسلمين إلى الحبشة فرارا بدينهم من بلاد الفتنة إلى بلاد الأمان. ومن الثابت أن المسلمين هاجروا إلى الحبشة

стр. 334

مرتين «١» . وكانت الهجرة الأولي في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وهم أحد عشر رجلا وأربع نسوة خرجوا متسللين سرّا «٢» . حتى انتهوا إلى الشعيبة، منهم الراكب والماشي، ووفق الله تعالى للمسلمين ساعة جاءوا الساحل سفينتين للتجار حملوهم فيهما إلى أرض الحبشة بنصف دينار «٣» . وقد ثبت من طرق صحيحة «٤» ما ورد عن أم المؤمنين أم سلمة- ﵂ «٥» وكانت ضمن من هاجر إلى الحبشة في الهجرة الأولي، حيث قالت: «لما ضاقت علينا مكة، وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ ، وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله ﷺ في منعة من قومه وعمه لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه» «٦» . فخرجنا إليها أرسالا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار آمنّا على ديننا ولم نخش منه ظلما» «٧» . وكان عثمان بن عفان أول من خرج مهاجرا ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، وأورد الإمام البخاري حديثا بسند موصول إلى أنس قال: «أبطأ على رسول الله ﷺ خبرهما، فقدمت امرأة فقالت له: لقد رأيتهما وقد حمل عثمان امرأته على حمار، فقال ﷺ : «صحبهما الله إن عثمان لأول من هاجر بأهله بعد لوط» «٨» . وقد سرد ابن إسحاق وغيره أسماء مهاجرة الحبشة وهم عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وأبو حذيفة بن عتبة، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وسهيل بن بيضاء، وأبو سبرة بن أبي رهم العامري، وحاطب بن عمرو العامري. وأما النسوة فهن رقية بنت النبي ﷺ وسهلة بنت سهل امرأة أبي حذيفة، وأم سلمة بنت أبي أمية، امرأة أبي سلمة، وليلى بنت أبي حثمة امرأة عامر بن ربيعة «٩» . وقد عرفت هذه بالهجرة الأولى إلى الحبشة «١٠» .

стр. 335

أراد أبو بكر الصديق- ﵁ الالتحاق بالمهاجرين إلى الحبشة في هذه الهجرة الأولى بعد أن اشتد أذى قريش عليه، ويظهر أنه سلك طريقا آخر، إذ تشير الأخبار بأنه سار في طريق اليمن حتى إذا ما بلغ برك الغماد- وهو موضع على خمس ليال من مكة لقيه ابن الدّغنة- وهو سيد قبائل القارة حلفاء بني زهرة القرشية- فقال له أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. فقال له ابن الدّغنة: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فأجاره وأعاده معه إلى مكة حيث أعلن لقريش أنه في جواره، فوافقت قريش على ذلك واشترطت عليه أن تكون عبادته في داره وأن لا يستعلن «١» . وبعد مدة أخذ أبو بكر يجتهد بالقراءة في فناء داره «وكان رجلا بكّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن» فيجتمع إليه ابناء ونساء المشركين يعجبون وينظرون إليه ويستمعون القرآن مما أفزع قريشا ودفعها إلى مطالبة ابن الدّغنة بأن يكفّه عن ذلك، فخيّره ابن الدّغنة بين الإسرار بعبادته، أو أن يردّ عليه جواره، فرد أبو بكر عليه جواره وقال: «إني أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله» «٢» وهكذا بقى أبو بكر بمكة إلى جوار الرسول الكريم ﷺ ، مستجيرا بالله يحتمل أذى مشركي قريش، بعد أن كان الرسول قد أذن له بالهجرة إلى الحبشة «٣» . قصة الغرانيق الباطلة والهجرة الثانية إلى الحبشة: وبعد هجرة الحبشة الأولى بفترة قليلة، حدث أن صلّى النبي ﷺ في المسجد الحرام، فقرأ سورة النجم وسجد في موضع السجود فسجد معه كل من كان يسمعه من المسلمين والمشركين «٤» . وشاع أن قريشا قد أسلمت، وبلغ المسلمين وهم بأرض الحبشة «أن أهل مكة أسلموا فرجع ناس منهم عثمان بن مظعون إلى مكة فلم يجدوا ما أخبروا به صحيحا فرجعوا وسار معهم جماعة إلى الحبشة، وهي الهجرة الثانية، وقد ذكرت إحدى الروايات الصحيحة أنهم «كانوا اثنين وثمانين رجلا سوى نسائهم وأبنائهم ... وقيل إن عدة نسائهم كانت ثماني عشرة امرأة» «٥» . ولا شك في أن دوافع الهجرة الثانية قد شملت اشتداد البلاء وتعاظم الفتنة والتعذيب الدائم للمستضعفين من المسلمين، والعدوان المستمر على أصحاب الرسول ﷺ «٦» . وقد ذهبت روايات مرسلة صحيحة السند «٧» إلى أن الشيطان كان قد ألقى على لسان الرسول ﷺ في قراءته لسورة النجم في صلاته تلك في الحرم عبارة «تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهنّ لترتجى» ، وذهبت روايات مرسلة أخرى ضعيفة الأسانيد إلى أن هذه العبارة قد قالها الشيطان، وسمعها المشركون دون المسلمين، فسجد

стр. 336

المشركون بسجود المسلمين «١» . وقد اعترض على هذه القصة عدد كبير من أفاضل العلماء والنقاد «٢» . والحق أن هذه القصة تصطدم بنصوص القرآن الكريم «٣» . وعصمة النبوة في قضية الوحي «٤» ، وتتعارض مع عقيدة التوحيد وهي الأصل في العقيدة الإسلامية. محاولة قريش استرداد المهاجرين المسلمين: بادرت قريش بعد الهجرة الثانية وفشلها في منع المسلمين من الهجرة، ونتيجة تخوفها من انتشار الدعوة الإسلامية، فأرسلت وفدا مؤلفا من عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، ومعهما الهدايا إلى النجاشي وبطارقته، بهدف إعادة من هاجر من المسلمين إلى مكة. وحاول الوفد إقناع البطارقة عن طريق الهدايا، وعن طريق تصوير المهاجرين المسلمين لهم بأنهم «غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وأنهم جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم..» «٥» ، وبيّتوا الأمر مع البطارقة على أن يشيروا على النجاشي بأن يسلمهم إليهم ولا يكلمهم، غير أن النجاشي رأى ضرورة أن يتحرى الأمر بنفسه فدعا المسلمين وطلب منهم توضيح حقيقة دينهم، فانبرى جعفر بن أبي طالب- ﵁. وتكلم نيابة عن إخوانه المهاجرين كما سبق وأسلفنا، قائلا: «أيها الملك: كنا قوما على الشرك، نعبد الأوثان ونأكل الميتة، ونسيء الجوار ونستحل المحارم بعضنا من بعض في سفك الدماء وغيرها، ولا نحل شيئا ولا نحرّمه. فبعث الله إلينا نبيّا من أنفسنا نعرف وفاءه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى أن نعبد الله وحده لا شريك له، ونصل الرحم ونحسن الجوار، ونصلّي ونصوم، ولا نعبد غيره» وحين طلب النجاشي من جعفر أن يقرأ عليه شيئا مما جاء به محمد ﷺ ، قرأ عليه صدر «سورة مريم» ، فبكى النجاشي ومن معه من أساقفته وقال: «إن هذا الكلام ليخرج من المشكاة التي جاء بها موسى، انطلقوا راشدين» . وأقسم بألّا يسلمهم لقريش أبدا «٦» . ورغم فشل المحاولة فقد أثار عمرو بن العاص في اليوم التالي موقف الإسلام من عيسى ابن مريم ونظرة المسلمين إليه بزعمه، وذكر للنجاشي بأنهم يقولون في عيسى قولا عظيما. فسألهم النجاشي فقال جعفر: نقول فيه «هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه ألقاها إلى مريم العذراء البتول» . فقال النجاشي: «ما عدا عيسى ابن مريم مما

стр. 337

قلت هذا العود» «١» واستقر رأي النجاشي على منح المسلمين الأمان، «فأقاموا في خير دار مع خير جار» «٢» . أما القسيسون والرهبان الذين سمعوا قول جعفر واستمعوا إليه وهو يرتل القرآن، فقد ذرفوا الدموع مما عرفوا من الحق فأنزل الله تعالى قوله الكريم: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ* وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ «٣» . وعلى الرغم من فشل مبادرة قريش في محاولتها استعادة المهاجرين المسلمين، فإن هذه المحاولة تدل على إدراكها لخطورة الموقف الناجم عن حصول المسلمين على ملجأ يأوون إليه آمنين، وخاصة أن الحبشة تدين بالنصرانية، وقد شاع عن ملكها العدل والإنصاف، كما أنها قريبة من مكة مما كان يشكل خطرا متوقعا على قريش ومصالحها في المستقبل. مكث المسلمون في الحبشة ما شاء الله لهم، ولقد توفي عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان فخطبها رسول الله ﷺ وتزوجها وهي بالحبشة، زوجه إيّاها النجاشي ومهرها أربعة الاف، ثم جهزها من عنده ولم يرسل إليها النبي ﷺ بشيء، وقد بعثها النجاشي مع شرحبيل بن حسنة «٤» . انضم إلى مهاجرة الحبشة أبو موسى الأشعري مع جمع من قومه بلغوا ثلاثة وخمسين رجلا وكانوا قد ركبوا سفينة يريدون الهجرة إلى المدينة حين بلغهم استقرار الوضع فيها لصالح المسلمين فألقتهم الرياح إلى الحبشة فالتحقوا بالمسلمين ومكثوا معهم إلى أن عادوا جميعا إلى المدينة حين افتتح المسلمون خيبر «٥» . فعاد بعضهم إلى المدينة بعد هجرة المسلمين إليها وقبل وقعة بدر الكبرى، وكانت عدتهم ثلاثة وثلاثين رجلا وثماني نسوة، وعاد الباقون وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب في العام السابع من الهجرة في أعقاب فتح خيبر «٦» . ولم تخل هجرتهم هذه من الصعوبات، ويستفاد من نقاش جرى بين أسماء بنت عميس- إحدى المهاجرات إلى الحبشة- وعمر بن الخطاب أن المهاجرين المسلمين إلى الحبشة رغم ما تحقق لهم من الاستقرار والتخلص من أذى قريش وعذابها فإنهم لاقوا العنت، وتحملوا الغربة والمشاق، وأنهم كانوا يتعرضون أحيانا للخوف والإرهاب. وقد أنصفهم الرسول ﷺ حين قال لهم: «ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان» «٧» . وذلك

стр. 338

أسعد مهاجرة الحبشة وأثلج صدورهم. وقد وردت العديد من الدلائل التي تفيد إسلام النجاشي فقد ورد في الأخبار أنه أسلم ولذلك خرج عليه قومه، ولكنه حرص قبل محاربتهم على أن يؤمن للمسلمين سفنا ليغادروا عليها إذا ما تعرض للهزيمة «١» . وأنه كتب كتابا يشهد فيه بإسلامه «٢» . وأورد الشيخان أن النبي ﷺ نعى النجاشي أصحمة في اليوم الذي مات فيه في العام التاسع من الهجرة النبوية، وأنه صلّى بالمسلمين صلاة الغائب عليه «٣» . إسلام حمزة بن عبد المطلب- ﵁ -: علم حمزة بن عبد المطلب بعد عودته إلى مكة من الصيد- وذلك في السنة السادسة من المبعث- أن أبا جهل قد شتم رسول الله ﷺ وأساء إليه إساءات بذيئة، فبادر إلى أبي جهل وهو في مجلسه بين قومه فضربه بالقوس على رأسه فشجه شجة منكرة، وقال له: «أتشتمه وأنا على دينه؟» وانشرح صدر حمزة للإسلام وعرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عزّ وامتنع، وأن حمزة سيمنع عنه الأذى، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه «٤» . إسلام عمر بن الخطاب- ﵁ -: كان عمر بن الخطاب رجلا قويا مهيبا، وكان يؤذى المسلمين ويشتد عليهم. وكان رسول الله ﷺ يدعو الله أن ينصر دينه به «٥» . قال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ابن عم عمر وزوج أخته: «والله لقد رأيتني، وأن عمر لموثقي وأخته على الإسلام قبل أن يسلم» «٦» . ولم تصح رواية في تعيين وقت إسلام عمر بن الخطاب- ﵁ وتحديده بشكل دقيق، فقد جعل ابن إسحاق ذلك بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة في هجرتهم الأولى «٧» ، ويجعل الواقدي إسلامه في ذي الحجة نهاية السنة السادسة من البعثة النبوية حيث يتراوح عدد المسلمين حينئذ بين أربعين وخمسين، أو ستّا وخمسين منهم عشر أو إحدى عشرة امرأة «٨» . وقد أخبرت أم عبد الله بنت أبي حثمة، وهي من مهاجرة الحبشة، أن عمر اطلع استعداداتها وزوجها للهجرة إلى الحبشة، وأنه قد رق لها ولزوجها رغم ما كانوا يلقون منه من البلاء والأذى

стр. 339

قبل ذلك، وبأنها قد رأت منه رقة لم تكن تراها من قبل، قالت: «ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى خروجنا» . ويستفاد من الرواية أنها طمعت في إسلامه في حين أظهر زوجها اليأس من ذلك لما كان يرى من غلظته وقسوته على المسلمين قبل ذلك. أما القصة التي توردها بعض المرويات عن أن إسلام أخته وزوجها كان سببا في إسلامه فلم ترد عنها رواية بإسناد صحيح، وهي تتناقض مع ما رواه زوج أخته آنفا بشأن موقف عمر من إسلامهما. وكذلك الحال مع قصة استماعه لرسول الله ﷺ وهو يتلو القرآن في صلاته عند الكعبة المشرفة وعمر مستخف بأستارها «١» . ومع ذلك فإن الحافظ ابن حجر أشار إلى أن الباعث على دخوله في الإسلام ما سمع في بيت أخته فاطمة من القرآن الكريم «٢» . ولا شك في أن ما يتجلى في الكتاب العزيز من البيان وروعة التصوير لمشاهد القيامة، ووصف الجنة والنار كان له أثر كبير في اجتذاب عمر إلى صفوف المسلمين، كما أن عدم ثبوت الروايات الحديثية هنا لا يعني حتمية عدم حصولها في التاريخ. استجاب الله تعالى لدعوة الرسول ﷺ ، فأسلم عمر، فأعز الله به الإسلام والمسلمين، وصلى المسلمون بالبيت العتيق دون أن يتعرض لهم المشركون، وهذا ما أشار إليه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود حين قال: «لقد رأيتنا ما نستطيع أن نصلّي بالبيت العتيق حتى أسلم عمر» و «ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر» ، «إن إسلامه كان نصرا» «٣» ، وهو ما عناه حبر الأمة عبد الله بن عباس- ﵄ حين خاطب عمر- ﵁ بعد حادثة طعنه، فقد قال له « ... فلما أسلمت كان إسلامك عزّا وأظهر الله بك الإسلام ورسول الله وأصحابه» «٤» . ولقد كانت ردّة فعل زعماء المشركين من قريش عنيفة عند سماعهم نبأ إسلام عمر- ﵁. وكان عمر- ﵁ قد تعمد إبلاغهم جميعا عن طريق أكثر الرجال نقلا للأخبار في قريش وهو جميل بن معمر الجمحي، فما أن أعلمه عمر بإسلامه حتى قام يجر رداءه، وعمر خلفه، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: «يا معشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إنّ عمر قد صبأ» ، وعمر خلفه يقول «كذب والله، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبده ورسوله» فثاروا حتى لقد سال بهم الوادي من كثرتهم يريدون قتله لولا أن أجاره العاص بن وائل السهمي «٥» . وقد روي أن النبي ﷺ سمّاه الفاروق أي الذي

стр. 340

فرق بين الحق والباطل «١» . المقاطعة ودخول المسلمين شعب أبي طالب: ذكر البخاري في صحيحه أن النبي ﷺ قد حدد خيف بني كنانه للموضع الذي تقاسمت فيه قريش على الكفر، وتحالفت على مقاطعة بني هاشم «٢» غير أنه لم تثبت رواية في تفاصيل حادثة مقاطعة قريش للمسلمين، وفي تفاصيل دخول المسلمين شعب أبي طالب، على الرغم من أن أصل الحادث ثابت «٣» ، كما أن ذلك لا يعني عدم وقوع تفاصيل الحادث تاريخيّا «٤» ، ولقد وردت الأخبار عن المقاطعة ودخول المسلمين الشعب في مراسيل عروة بن الزبير وتلاميذه الزهري وأبي الأسود «٥» . أما عن تاريخ بداية الحصار، فإنه وقع بعد فشل قريش في استعادة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله ﷺ قد كثروا وعزّوا بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب- ﵄، وأن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة قد نزلوا بلدا أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع المسلمين وأمّنهم، وأن الإسلام بدأ يفشو في القبائل؛ أهاجها الأمر واشتد بلاؤهم على المسلمين في مكة، وعزمت قريش على قتل النبي ﷺ ، فأجمع بنو عبد المطلب أمرهم على أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم وأن يحموه، فدخلوا الشعب جميعا مسلمهم وكافرهم، ولم يشذ عن ذلك إلّا أبو لهب بن عبد المطلب فقد انحاز إلى كفار قريش وظاهرهم. أجمع مشركو قريش أمرهم، وائتمروا بينهم على أن لا يجالسوا بني هاشم وبني المطلب، ولا يخالطوهم ولا يبيعوهم ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في ذلك صحيفة «٦» علقوها في جوف الكعبة المشرفة في هلال المحرم سنة سبع من المبعث، وجزم موسى بن عقبة «٧» بأن المقاطعة استمرت ثلاث سنين، صمد خلالها المسلمون ومن شايعهم من بني هاشم والمطلب، واشتد عليهم البلاء والجهد والجوع، ولم يكن يأتيهم من الأقوات إلّا خفية «٨» . وكان ممن يصلهم حكيم بن حزام، وهشام بن عمرو العامري، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وزمعة بن الأسود، وأبو البحتري بن هشام بن الحارث، وكانت تربطهم ببني هاشم والمطلب صلات

стр. 341

الأرحام. فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من قريش على ما حدث، وأجمعوا على نقض الصحيفة، وقد أعلمهم الرسول ﷺ بأنه لم يبق فيها سوى كلمات الشرك والظلم «١» . وهكذا انتهت المقاطعة، وكان خروج المسلمين من الشعب السنة العاشرة من المبعث «٢» . وعلى الرغم من المقاطعة، وما أصاب المسلمين من جرّائها من معاناة فإن الرسول ﷺ لم يتوقف عن الدعوة، فقد كان يخرج في الموسم يتلقى من يقدم إلى مكة للحج ويعرض عليهم الإسلام، كما كان يعرض ذلك على كل من يتصل به من مشركي قريش «٣» . وفاة أبي طالب وخديجة- ﵂ -: كانت مصيبة الرسول ﷺ كبيرة بوفاة عمه أبي طالب بن عبد المطلب، وزوجته أم المؤمنين خديجة بنت خويلد- ﵂ في آخر السنة العاشرة من المبعث بعد أن غادر المسلمون شعب أبي طالب «٤» . وكان أبو طالب «يحوط النبي ﷺ ويغضب له» «٥» . كما كان «ينصره» «٦» . وكانت قريش تحترمه، وقد جاء زعماؤها حين حضرته الوفاة فحرضوه على التمسك بدينه، وعدم الدخول في الإسلام. وعرض عليه الرسول ﷺ الإسلام بإلحاح طالبا منه أن يتلفظ بالشهادتين ليشهد له بها يوم القيامة، وكان رد عمه عليه قوله: «لولا أن تعيّرني بها قريش يقولون إنما حمله عليها الجزع، لأقررت بها عينك» «٧» ، فأنزل الله تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ «٨» . أما ما نقله ابن إسحاق من أن العباس نظر إلى أبي طالب يحرك شفتيه، فقال لرسول الله ﷺ : يابن أخي، والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله ﷺ : «لم أسمع» ، فهو خبر لا يصح «٩» . لقد فقد رسول الله ﷺ بوفاة عمه سندا كبيرا، إذ لم يعد بنو هاشم مستعدين بعده لتقديم القدر نفسه من الحماية للرسول ﷺ لما يصيبهم من أضرار مادية ونفسية، كما تبين من حادثة المقاطعة «١٠» .

стр. 342

أما خديجة بنت خويلد- ﵂ فقد توفيت قبل الهجرة النبوية إلى المدينة بثلاث سنين في عام وفاة أبي طالب نفسه «١» . وكانت خديجة وزيرة صدق على الإسلام يسكن النبي ﷺ إليها عند الشدائد «٢» وقد وردت آثار كثيرة تدل على فضائلها ومكانتها عند الله ورسوله «٣» . ونظرا لتوالي مثل هذه الآلام في هذا العام فقد سمّاه بعض المؤرخين «عام الحزن» «٤» ، ولم يرو أن النبي ﷺ سمّاه بهذا الاسم «٥» . رحلة الرسول ﷺ إلى الطائف: اشتدت مقاومة قريش للدعوة الإسلامية، ونالت من رسول الله ﷺ من الأذى ما لم تكن تنال منه في حياة عمه أبي طالب. فخرج رسول الله ﷺ إلى الطائف وحده- من أجل إيجاد مركز جديد للدعوة- يلتمس النصرة من ثقيف والمنعة بهم من قومه. ورجاء أن يقبلوا منه ما جاءهم به من الله- . ولكن ثقيفا لم تستجب له، وأغرى زعماؤها وأشرافها صبيانهم وعبيدهم وسفهاءهم، يسبّونه ويصيحون به، واجتمع عليه الناس ورشقوه بالحجارة وألجئوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه «٦» . وذكرت كتب السيرة أنه ﷺ ، لما اطمأن، توجه إلى ربه بالشكوى: «اللهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي وهواني على النّاس، يا أرحم الرّاحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمني؟ أم إلى عدو ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الّذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدّنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتّى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلّا بك» «٧» . وفي طريق عودته من الطائف، وعند حائط ابني ربيعة، التقى بعداس النصراني فأسلم «٨» . وقد ورد في الصحيحين ما يكفى من الدلائل لإثبات رحلته ﷺ إلى الطائف، وأن ما لقيه كان شديدا عليه، وما عرضه عليه الله تعالى من عقوبتهم، ورحمته بهم ورغبته في استبقائهم في قوله ﷺ : «.. بل أرجو أن يخرج

стр. 343

الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا» «١» . إسلام نفر من الجن في وادي نخلة: وفي طريق عودته من الطائف، أقام الرسول ﷺ أياما في وادي نخلة القريب من مكة- وخلال فترة إقامته هذه بعث الله إليه نفرا من الجن استمعوا إلى القرآن الكريم، وأسلموا وعادوا إلى قومهم منذرين ومبشرين كما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ* قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ* يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ «٢» . ودخل النبي ﷺ مكة عند عودته من الطائف في جوار المطعم بن عدي، الذي تهيأ هو وبنوه لحماية الرسول ﷺ «٣» ، وذلك ما أشار إليه حسّان بن ثابت عند رثائه مطعم في قصيدته التي مطلعها: أجرت رسول منهم فأصبحوا ... عبيدك ما لبّى مهلّ وأحرما فلو سئلت عنه معدّ بأسرها ... وقحطان أو باقي بقيّة جرهما لقالوا هو الموفي بخفرة جاره ... وذمّته يوما إذا ما تذمما «٤» . الإسراء والمعراج: لقد كان لفقد الرسول ﷺ لعمه وزوجته، وما قاساه بعدهما من اشتداد أذى قريش وما أسفرت عنه محاولته إلى الطائف من مشاق ونتائج أليمة، ثم ما لقيه من قريش عند عودته إلى مكة من عنت وصلف بدت آثارها على النبي ﷺ وقد رأينا كيف أنه توجه إلى الله تعالى شاكيا همومه ومعاناته، ملتمسا النصر، مجددا العزم على المضي قدما في تحمل مسئوليته في نشر الدعوة، مستهينا بكل الصعاب مادام الله راضيا عنه. وقعت حادثة الإسراء والمعراج بعد هذه الغمرة من المآسي والأحزان والشدائد المتلاحقة، فكان ذلك تسرية عن نفس النبي ﷺ ومواساة له وتكريما وتثبيتا. وقد وقع ذلك في السنة العاشرة من المبعث، بعد وفاة عمه أبي طالب، وقبل هجرته إلى المدينة بأكثر قليلا من السنة «٥» .

стр. 344

إن الإسراء والمعراج حادثتان متلازمتان ومترادفتان وهما ثابتتان بنص القرآن الكريم «١» ، والسنة النبوية الصحيحة «٢» . فلقد نص الكتاب العزيز على أن معجزة الإسراء قد تمت ليلا حين تم انتقال الرسول ﷺ من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في القدس الشريف بأرض فلسطين: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٣» . أما المعراج، فهو الانتقال بالرسول ﷺ إلى السماوات، لتصل به إلى سدرة المنتهى وليطلّع بحواسه ودون شك على آيات الله الكبرى، قال الله تعالى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى * لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «٤» . ولقد صحت الروايات عن قيام الملك جبريل- ﵇ بشق صدر الرسول ﷺ ثانية في هذه المناسبة، وغسله لقلبه ﷺ بماء زمزم، وإفراغه الحكمة والإيمان في صدره «٥» . ففي الصحيحين عن أنس- ﵁ قال: كان أبو ذر تحدّث أن رسول الله ﷺ قال: «فرج سقف بيتي وأنا بمكّة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثمّ غسله بماء زمزم، ثمّ جاء بطست من ذهب ممتليء حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثمّ أطبقه، ثمّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السّماء الدّنيا ... » «٦» مما يؤكد أن هذه العملية قد تمت في ليلة الإسراء وأن ذلك كان إعدادا له لتحمل الرحلة، وهى تظهر في عدم تأثر جسمه ﷺ بشق الصدر وإخراج القلب وغسله، مما يشير إلى تأمينه من جميع المخاطر. إن هذه الأمور الخارقة لقوانين الحياة البشرية والعادة وما جرى التعارف عليه هى أمور وقعت، ويجب التسليم بها وعدم صرفها عن حقيقتها الثابتة، وهي إنفاذ لإرادة الله تعالى وقدرته التي لا يستحيل عليها شيء «٧» . وبعد الانتهاء من شق الصدر وغسله ولأمه أسري برسول الله ﷺ إلى بيت المقدس، وهو راكب ظهر البراق «٨» . فقد ذكر أنس قول النبي ﷺ : «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره

стр. 345

عند منتهى طرفه، فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس ... » «١» . وفي بيت المقدس صلّى الرسول ﷺ ببعض الأنبياء، ووصف هيئاتهم «٢» ، ثم عرج إلى السماء السابعة مارّا بما قبلها من السماوات حيث التقى بالأنبياء آدم، ويوسف وإدريس وعيسى ويحيى وهارون وموسى وإبراهيم- ﵈. وقد رأى خلال هذه الرحلة السماوية الفريدة الجنة ونعيمها ووصف أنهارها وخاصة الكوثر «٣» ، كما رأى النار ومن يعذب فيها «٤» وسمع صريف أقلام الملائكة الكاتبين «٥» ، ورأى البيت المعمور في السماء السابعة وما يدخله من الملائكة «٦» ، كما وصف سدرة المنتهى «٧» ، ووصف جبريل- ﵇ «٨» الذي قدم له خمرا ولبنا فاختار اللبن، فقال جبريل هي الفطرة «٩» . وفرضت عليه وعلى أمته خمسون صلاة في اليوم والليلة ثم خفضت إلى خمس صلوات «١٠» ، قبل أن ينزل ثانية إلى بيت المقدس ليعود منه إلى مكة «١١» . وفي حين كان البراق هو الوسيلة التي تمت بواسطتها رحلة الإسراء إلى المسجد الأقصى، فإن «المعراج» لم توضح الروايات الصحيحة ماهيته حيث استعملت صيغة (عرج بي) فلم توضح الوسيلة، في حين أوردت بعض الروايات «نصب المعراج» أو «أتي بالمعراج» «١٢» وفي بعضها «نصب لي المعراج» «١٣» . وينقل ابن إسحاق الحديث الذي أورده أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ والذي ورد فيه قوله: «لما فرغت مما كان في بيت المقدس، أتي بالمعراج، ولم أر شيئا قطّ أحسن منه، وهو الذي يمدّ إليه ميّتكم عينيه إذا حضر، فأصعدني صاحبي فيه حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء..» «١٤» ، وهكذا فلم يكن الصعود إلى السماء قد حصل على البراق كما توهم البعض. ولقد وردت قصة الإسراء والمعراج مفصلة طويلة في كتب المغازي والسيرة والتاريخ وفيها طرق ضعيفة في الأسانيد، متونها تشبه أخبار القصاصين والإخباريين «١٥» .

стр. 346

أعلن النبي ﷺ ما حصل له في تلك الليلة المباركة وكان مشفقا أن يكذّبه قومه، وقد صدّقه المؤمنون وكذّبه المشركون. يقول رسول الله ﷺ : «لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثلها قط. قال: «فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلّا نبّأتهم به» «١» . ولقد افتتن المشركون بأخبار الإسراء، فمن بين مصفق، وبين واضع يده على رأسه متعجبا، فقد استنكروا أن يذهب الرسول ﷺ إلى الشام ثم يعود في ليلة واحدة في الوقت الذي يقتضيهم ذلك فترة شهرين. ورغم ذلك فقد اضطروا للاعتراف بصحة وصفه لمسجد بيت المقدس «٢» . وقد صح أن بعض المسلمين قد ارتدّوا «٣» ، ذلك أنهم كانوا ضعفاء الإيمان فزلزل الحادث إيمانهم، فكفروا ولم يعودوا إلى حظيرة الإيمان حتى قتلوا «٤» . أما أبو بكر الصدّيق- ﵁ فعندما أخبره بخبر الإسراء والمعراج صدقه دون تردد، قائلا للمشركين: «لئن قال ذلك لقد صدق. فتعجّبوا وقالوا: أو تصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: وما يعجّبكم من ذلك! فو الله إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوه أو رواحه. ثم أقبل على النبي ﷺ يسأله عن وصفه، وكلما ذكر شيئا قال صدقت. أشهد أنك رسول الله. فقال النبي ﷺ : «وأنت يا أبا بكر «الصدّيق» «٥» ، فيومئذ سماه «الصديق» . لقد تأول بعض العلماء حادث الإسراء والمعراج فزعموا أنها رؤيا منامية، وذهب بعضهم إلى القول بأنها حصلت بالروح دون الجسد «٦» ، وقد ثبت عن طريق ابن عباس- ﵄ أنها كانت «رؤيا عين بالروح والجسد يقظة لا بالمنام» وهذا هو رأي جمهور العلماء «٧» . أسرى بك الله ليلا إذ ملائكه ... والرسل في المسجد الأقصى على قدم

стр. 347

لما خطرت به التفّوا بسيّدهم ... كالشّهب بالبدر أو كالجند بالعلم صلى وراءك منهم كلّ ذي خطر ... ومن يفز بحبيب الله يأتمم جبت السماوات أو ما فوقهن بهم ... على منوّرة درّية اللّجم ركوبة لك من عزّ ومن شرف ... لا في الجياد، ولا في الأينق الرسم مشيئة الخالق الباري، وصنعته ... وقدرة الله فوق الشك والتّهم حتى بلغت سماء لا يطار لها ... على جناح، ولا يسعى على قدم كفاية الله رسوله ﷺ أمر المستهزئين: أقام رسول الله ﷺ بعد الإسراء والمعراج على أمر الله تعالى صابرا محتسبا، مؤديا إلى قومه النصيحة على ما يلقى منهم من التعذيب والأذى والاستهزاء، «وكان عظماء المستهزئين خمسة نفر وكانوا ذوى شرف في قومهم» ، وأورد ابن إسحاق رواية عن يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير ذكر فيها أسماءهم وهم: الأسود بن المطلب بن أسد من بني أسد، والأسود بن عبد يغوث من بني زهرة، والوليد بن المغيرة من بني مخزوم، والعاص بن وائل بن هشام من بني سهم، والحارث بن الطلاطلة من بني خزاعة. «١» فلما تمادوا في الشر، وأكثروا برسول الله ﷺ الإستهزاء أنزل الله تعالى قوله فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ* الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ* وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ «٢» .

стр. 348

عرض الرسول ﷺ نفسه على القبائل: حرص الرسول ﷺ على الاجتماع بالناس وتبليغهم دعوة الإسلام، وكان يتحرى مواضع اجتماع القبائل وخاصة في موسم الحج وفترات عقد أسواق العرب، حيث كان يلتقي بذوي الشأن من رؤساء القبائل وغيرهم، وكان يطالب الرؤساء بحمايته دون أن يكره أحدا على قبول دعوته «١» . وقد نقل الإمام أحمد رواية ربيعة بن عباد الدؤلي، وكان من شهود العيان الذين رأوا رسول الله ﷺ في مواسم الأسواق وهو يباشر الدعوة قال: «رأيت رسول الله ﷺ بذى المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله- ، ووراءه رجل أحول تقد وجنتاه وهو يقول: لا يخرجنكم هذا من دينكم ودين آبائكم» «٢» . وكان ﵊ قد عرض نفسه على كندة «٣» وبني كلب «٤» وبني حنيفة، وكان ردهم قبيحا «٥» ، كما عرض نفسه على بني عامر بن صعصعة «٦» ، ومحارب، وفزارة، وغسان، ومرّة، وسليم، وعبس، وبني النضر، وبني البكاء، وعذرة، وربيعة، وبني شيبان، والحضارمة «٧» . وكان مما يقوله ﷺ في المواسم: «هل من رجل يحملني إلى قومه ف إنّ قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربّي » «٨» . وخاطب ﷺ الناس في سوق ذى المجاز بقوله: «أيّها النّاس قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا» وكان الناس يزدحمون عليه غير أنهم لم يتجاوبوا مع دعوته، ومع ذلك فقد كان ﷺ يواصل الدعوة فلا يسكت، بل يكرر مقولته «٩» . وحين يعرض ﷺ نفسه على القبائل كان يقول: «يا بني فلان، إنّي رسول الله إليكم، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن تؤمنوا بي وتصدّقوني وتمنعوني حتّى أبيّن عن الله ما بعثني به..» «١٠» .

стр. 349

اتّصال الرسول ﷺ برهط من الأوس والخزرج ودعوتهم: مكث رسول الله ﷺ يتبع الناس في منازلهم وأسواقهم بعكاظ ومجنّة، وفي مواسم الحج في منى، «حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مضر فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم وهم يشيرون عليه بالأصابع «١» . ولقد كان أهل يثرب من الأوس والخزرج أكثر الناس تجاوبا مع دعوة الرسول ﷺ عندما عرض عليهم الإسلام «٢» . وكانت الاتصالات الأولى بالأنصار قد تمّت في مواسم الحج والعمرة، وقد عرض الرسول ﷺ الإسلام على سويد بن الصامت، غير أنه لم يعلن إسلامه، كما أنه لم يبعد عنه، وقد استحسن ما سمع من القرآن، ثم انصرف عنه فقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتله الخزرج في حرب «بعاث» ، وكان رجال من قومه يقولون إنه مات مسلما «٣» . ويذكر جابر بن عبد الله الأنصاري مجيء أعداد من الأوس والخزرج إلى الحج، وعلاقتهم بالرسول ﷺ فيقول «فأويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام» «٤» . وكانت الأوس قد سعوا لمحالفة قريش على الخزرج الذين كانوا أكثر منهم عددا، فقدم أبو الحيسر أنس بن رافع في وفد من بني عبد الأشهل لهذا الغرض، فسمع بهم الرسول ﷺ فجاءهم ودعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال أحدهم، وهو إياس بن معاذ: «أي قوم! هذا والله خير مما جئتم له، فانتهره أبو الحيسر فصمت، وقام رسول الله ﷺ عنهم، ورجعوا إلى المدينة، وجرت الحرب بين الأوس والخزرج «يوم بعاث» ، ثم مات إياس بن معاذ، وكان قومه يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبّحه حتى مات، فما كانوا يشكّون أنه مات مسلما، فقد استشعر الإسلام في لقائه مع رسول الله ﷺ في ذلك المجلس «٥» . ومع أن هذين الرجلين من الأوس كانا قد استشعرا الإسلام، فإن المصادر لم تذكر قيامهما بالدعوة في وسط قومهما، فإن البداية المثمرة للاتصال بالأنصار كانت مع وفد الخزرج في موسم الحج عند عقبة منى، الذين التقاهم النبي ﷺ وجلس معهم وكلمهم ودعاهم إلى الله- ، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن. وقد ذكر ابن إسحاق إسلامهم وقيامهم بالدعوة في المدينة «٦» .

стр. 350

بيعة العقبة الأولى: وفي السنة التالية للقاء النبي ﷺ مع وفد الخزرج جرت بيعة العقبة الأولي، فقد حضر اثنا عشر رجلا عشرة منهم من الخزرج واثنان من الأوس، مما يشير إلى أن نشاط الرجال الذين أسلموا من الخزرج في السنة السابقة قد تركز ضمن قبيلتهم بشكل رئيسي، وإن كانوا قد تمكنوا من اجتذاب رجال من الأوس، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام. وكان الصحابي الجليل عبادة بن الصامت قد شارك في بيعة العقبة الأولي لذلك فإنه من مصادر المعلومات الأساسية والدقيقة عنها، وقد وردت روايته عن البيعة في الصحيحين، كما أوردها ابن إسحاق في السيرة بشكل أوضح وأكمل. قال عبادة بن الصامت: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثني عشر رجلا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض علينا الحرب: على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. فإن وفّيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا، فأمركم إلى الله ، إن شاء عذّب وإن شاء غفر» «١» . وبعد أن تمّت البيعة، وأراد المبايعون العودة إلى يثرب، بعث رسول الله ﷺ معهم الصحابي مصعب بن عمير ليقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين «٢» ، وقد أسلم خلق كثير من الأنصار على يده بعون من الصحابي أسعد بن زرارة «٣» ، وعندما بلغ عدد المسلمين الأربعين أمهم مصعب، ثم كتب إليه النبي ﷺ بأن يصلي الجمعة بهم «٤» . وقبل حلول موسم الحج للسنة الثالثة عشرة من المبعث، عاد مصعب بن عمير إلى مكة ليطلع النبي ﷺ على ما أصابه من نجاح وتوفيق من الله في مهمته. بيعة العقبة الثانية: وفي العام التالي قدم إلى النبي ﷺ من مسلمي الأوس والخزرج ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان، فبايعوه بيعة العقبة الثانية وهي أن يمنعوه- إذا قدم عليهم- مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم. وهذه البيعة هي نقطة التحول الكبرى في تاريخ الدعوة حيث أصبح للإسلام دار يمكن أن يتخذ منها قاعدة للانتشار وهو ما حصل بالفعل، فأذن النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة «٥» .

стр. 351

يحدثنا الصحابي الجليل كعب بن مالك الأنصاري عن تفاصيل بيعة العقبة الثانية فيقول: «خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أوسط أيام التشريق. فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل تسلل القطا مستخفين. حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلّا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له: فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج- قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها-: إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلّا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له لقد سمعنا ما قلت،: فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيّا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر. قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ ، أبو الهيثم بن التّيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدّم الدّم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» . قال كعب: وقد قال رسول الله ﷺ : «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس» «١» . وبعد هذه البيعة، قام العباس بن عبادة بن نضلة فقال لرسول الله ﷺ : والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا «٢» . فقال رسول الله ﷺ : «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» فرجعوا إلى رحالهم. وفي صباح اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي ﷺ ودعوتهم له بالهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا ذلك، والمسلمون ينظرون إلى بعضهم «٣» وبذلك مرت هذه الأزمة بسلام، وعاد الأنصار إلى يثرب وهم ينتظرون هجرة النبي ﷺ والمسلمين بلهف كبير.

стр. 352

الهجرة إلى يثرب: لم يكن اختيار يثرب دارا للهجرة مما اقتضته ظروف الدعوة فقط، وإنما كان ذلك بوحي من الله وقد وردت أحاديث صحيحة تؤكد ذلك، منها قوله ﷺ للمسلمين في مكة، كما ورد في حديث عائشة- ﵂: «إنّي أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين- وهما الحرّتان-» «١» . وقوله ﷺ : «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنّها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» «٢» . ولا شك في أن الابتلاء والاضطهاد كانا من أسباب الهجرة «٣» ، كما أن توفير ملاذ آمن للدعوة يهيىء لها المناخ الملائم للعمل الإيجابي كان من أسبابها المهمة، ويتضح ذلك بشكل بارز من نصوص بيعة العقبة الثانية «٤» التي بيّنت أن تكذيب قريش للرسول كان وراء الانتقال عن مكة «٥» ، فقد «كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله مخافة أن يفتن ... » «٦» . وبعبارة أخرى فقد كانت قريش تضطهد من يتّبع الرسول ﷺ من أهل مكة «حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، وبين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم..» «٧» . وذكر ابن إسحاق بأنه قد أذن للمسلمين بعد الهجرة بقتال من بغى عليهم «٨» ، وقد أكّد ذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس- ﵄ فقال: «كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فيقول لهم: «اصبروا فإنى لم أومر بالقتال» حتى هاجر ﷺ فأنزل الله هذه الآية «٩» أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.. الآيات، وهي أول آية أنزلت في القتال «١٠» . أول المهاجرين: كان مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم أول من هاجر إلى المدينة وكانا يقرئان الناس القرآن كما صرح بذلك الإمام البخاري «١١» . في حين وردت روايات أخرى تفيد بأن أول من هاجر هو أبو سلمة بن عبد الأسد وذلك بعد أن آذته قريش على أثر رجوعه من هجرته إلى الحبشة فتوجه إلى يثرب قبل بيعة العقبة بسنة واحدة «١٢» ، على أنه يمكن الجمع بين الخبرين بحمل الأولوية في حالة مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم على أنها بعد

стр. 353

الإذن بالهجرة، وبنيّة الإقامة بها، وليعلّما من أسلم من أهلها، وذلك بأمر النبي ﷺ ، في حين كان خروج أبو سلمة من مكة فرارا بدينه وليس بقصد الهجرة إلى المدينة للاستقرار بها «١» . وقد ذكرت المصادر المعتمدة الكثير من المعلومات عن أساليب قريش في محاولتها عرقلة هجرة المسلمين إلى يثرب، وإثارتها للمشاكل في وجه المهاجرين من الإرهاب، وحجز الزوجات والأطفال، وسلب الأموال، أو الاحتيال لإعادة من هاجر منهم، غير أن ذلك لم يعرقل موكب الهجرة، فقد كان المهاجرون على استعداد تام للانخلاع عن الدنيا ومباهجها في سبيل الفرار بدينهم. والمصادر الموثقة تحكي قصص البطولة والفداء في هذا المجال، فقد ذكرت أم المؤمنين أم سلمة- ﵂ قصة هجرتها مع زوجها الأول، وكيف أن قريشا انتزعتها وطفلها من زوجها. وكيف أن رحلة العذاب قد استمرت قرابة السنة قبل أن يتاح لها أن تسترجع ابنها وأن تلحق بزوجها، وتعكس القصّة، إلى جانب الإيمان العميق والمعاناة في سبيل العقيدة، إحدى صور المروءة التي عرفها المجتمع العربي قبل الإسلام حين تطوع عثمان بن طلحة بمصاحبة أم سلمة وطفلها والإحسان في معاملتهما بشرف وكرامة وحياء إلى أن أوصلها مشارف يثرب واطمأن على سلامتهما قبل أن يعود إلى مكة «٢» . أما صهيب الرومي فقد منعه زعماء قريش من الهجرة بحجة أنه كان قد أتى إلى مكة فقيرا، فقالوا له: «كثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك أبدا» وحين عرض صهيب عليهم أن يجعل لهم المال في مقابل أن يخلّوا سبيله، فإنهم وافقوا على ذلك، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب» «٣» ، ثم تلا قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ «٤» . ويروي عمر بن الخطاب- ﵁ خبر هجرته حيث اتعد مع عياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص السهمي، على الالتقاء في سرف على أميال عن مكة، وكيف أن هشام بن العاص قد حبس عنهما، وفتن فافتتن، ثم تحدث عن خبر وصولهما إلى ظاهر المدينة، ونزولهما في بني عمرو بن عوف بقباء، وخروج أبي جهل بن هشام وأخيه الحارث إلى عياش بن أبي ربيعة وإقناعهما إياه بضرورة العودة معهما إلى مكة ليبر بقسم أمه التي نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراه، وكيف حذره عمر منهما وقوله له «يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم:» ، وعدم استماعه إلى التحذير، أو إلى عرض عمر بمقاسمته ماله الكثير، وقد صدق حدس عمر في الأمر حيث عدوا عليه في بعض الطريق فأوثقاه وربطاه ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن «٥» . يقول عمر: «فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم» ، فلما قدم

стр. 354

النبي ﷺ أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم «١» : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ «٢» . قال عمر: «فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص» . ويظهر أن هشاما قد وجد صعوبة في فهمها إلى أن ألقى الله في قلبه أنها نزلت في أمثاله فلحق برسول الله ﷺ في المدينة» «٣» . وقد ثبت أن الرسول ﷺ كان يدعو في قنوته أن ينجي الله الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة «٤» . نزل أغلب المهاجرين في بني عمرو بن عوف بقباء في موضع يدعى «العصبة» قبل مقدم المصطفى ﵊، وكانوا يجتمعون للصلاة في مسجد قباء، يؤمهم سالم بن معقل مولى أبي حذيفة- ﵄ لكونه أكثر المهاجرين قرآنا «٥» .. هجرة النبي ﷺ إلى يثرب: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٦» . تآمرت قريش على حياة الرسول ﷺ بعد أن علم المشركون بما تم بين الرسول ﷺ والأنصار في العقبة الثانية، ورأوا المسلمين يهاجرون إلى يثرب جماعات وأفرادا. وقد أرّخ الزهري لهجرة المصطفى ﷺ فقال: «مكث رسول الله ﷺ بعد الحج بقية ذي الحجة، والمحرم وصفر، ثم إن المشركين اجتمعوا» «٧» - يعني على قتله- وقد تواترت الأخبار بأن خروج النبي ﷺ من مكة كان يوم الاثنين «٨» ودخوله المدينة كان يوم الاثنين. عقد زعماء قريش إجتماعا خطيرا في دار الندوة حيث تشاوروا في أضمن الوسائل للتخلص من الرسول ﷺ «٩» ، وقد لخّص القرآن الكريم الآراء التي طرحوها في ذلك الاجتماع في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ

стр. 355

كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» . بيّن حبر الأمة عبد الله بن عباس- ﵄ حصار المشركين لبيت النبي ﷺ ابتغاء قتله، ومبيت علي ابن أبي طالب- ﵁ في فراشه. كما أورد خبر انتقال النبي ﷺ إلى غار جبل ثور، وقيام المشركين بقص أثره إلى الغار، ورؤيتهم نسيج العنكبوت على مدخله وتركهم التحري فيه، ولكن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج بها وإن كانت هي «أجود ما روي في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار» «٢» . وقد ورد، إضافة إلى ذلك، حديث آخر ضعيف جدّا بشأن الشجرة التي نبتت في وجه الغار والحمامتين الوحشيتين اللتين وقعتا بفم الغار، وقد تسربت هذه الأخبار وأمثالها في العديد من كتب الحديث والسيرة «٣» . الإذن بالهجرة: وحين أمر الله تعالى رسوله الكريم ﷺ بالهجرة إلى يثرب، جاء ﷺ متقنعا إلى منزل أبي بكر الصديق- ﵁ في وقت لم يعتد أن يزوره فيه، في نحر الظهر، وهو أشد ما يكون في حرارة النهار، وقد روت أم المؤمنين عائشة- ﵂ وقائع ما جرى، فقالت: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر» . قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإنّي قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين، قال رسول الله ﷺ بالثّمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شابّ ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحهما عليها حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما «٤» - حتى ينعق بها عامر بن فهيره بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر- ﵁ رجلا
следующие страницы →