← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

ذرّ! جعلني الله فداءك. قال: «يا أبا ذرّ تعاله «١» » قال: فمشيت معه ساعة. فقال: «إنّ المكثرين هم المقلّون يوم القيامة. إلّا من أعطاه الله خيرا. فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرا» . قال فمشيت معه ساعة. فقال: «اجلس هاهنا. قال: فأجلسني في قاع حوله حجارة. فقال لي: «اجلس هاهنا حتّى أرجع إليك» . قال: فانطلق في الحرّة حتّى لا أراه. فلبث عنّي. فأطال اللّبث. ثمّ إنّي سمعته وهو مقبل وهو يقول: «وإن سرق وإن زنى» . قال: فلمّا جاء لم أصبر فقلت: يا نبيّ الله جعلني الله فداءك. من تكلّم في جانب الحرّة؟ ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا. قال: «ذاك جبريل. عرض لي في جانب الحرّة. فقال: بشّر أمّتك أنّه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة. فقلت: يا جبريل! وإن سرق وإن زنى؟. قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟. قال: نعم. قال: قلت: وإن سرق وإن زنى؟. قال: نعم، وإن شرب الخمر» ) * «٢» . ٢٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الدّنيا سجن المؤمن، وجنّة الكافر» ) * «٣» . ٢٥-* (عن خالد بن عمير العدويّ قال: خطبنا عتبة بن غزوان، فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أمّا بعد. فإنّ الدّنيا قد آذنت «٤» بصرم «٥» وولّت حذّاء «٦» ، لم يبق منها إلّا صبابة «٧» كصبابة الإناء، يتصابّها صاحبها، وإنّكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم؛ فإنّه قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفة جهنّم فيهوي فيها سبعين عاما، لا يدرك لها قعرا. ووالله لتملأنّ. أفعجبتم ولقد ذكر لنا أنّ ما بين مصراعين من مصاريع الجنّة مسيرة أربعين سنة وليأتينّ عليها يوم وهو كظيظ «٨» من الزّحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر، حتّى قرحت «٩» أشداقنا، فالتقطت بردة، فشققتها بيني وبين سعد بن مالك «١٠» فاتّزرت بنصفها، واتّزر سعد بنصفها، فما أصبح اليوم منّا أحد إلّا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإنّي أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما، وعند الله صغيرا، وإنّها لم تكن نبوّة قطّ إلّا تناسخت حتّى يكون آخر عاقبتها ملكا، فستخبرون وتجرّبون الأمراء

стр. 2942

بعدنا) * «١» . ٢٦-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كانت الدّنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» ) * «٢» . ٢٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكنّ الغنى غنى النّفس» ) * «٣» . ٢٨-* (عن أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ليس لابن آدم حقّ في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف «٤» الخبز والماء» ) * «٥» . ٢٩-* (عن المستورد بن شدّاد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما الدّنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه- وأشار يحيى بالسّبّابة- في اليم «٦» فلينظر بم يرجع؟» ) * «٧» . ٣٠-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: مرّ علينا رسول الله ﷺ ، ونحن نعالج خصّا» لنا، فقال: «ما هذا؟» . فقلنا: قد وهى فنحن نصلحه، قال: «ما أرى الأمر إلّا أعجل من ذلك» ) * «٩» . ٣١-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- ﵁ أنّه قال: مرّ رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» . فقال: رجل من أشراف النّاس، هذا والله حريّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفّع. قال: فسكت رسول الله ﷺ ، ثمّ مرّ رجل، فقال له رسول الله ﷺ : «ما رأيك في هذا؟» . فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفّع، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ : «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» ) * «١٠» . ٣٢-* (عن خبّاب بن الأرتّ ﵁ قال: هاجرنا مع النّبيّ ﷺ نريد وجه الله، فوقع

стр. 2943

أجرنا على الله- تعالى- فمنّا من مضى لم يأخذ من أجره شيئا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد وترك نمرة «١» ، فإذا غطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله ﷺ أن نغطّي رأسه ونجعل على رجليه من الإذخر «٢» ، ومنّا من أينعت له ثمرته فهو يهديها) * «٣» . ٣٣-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ قال: والله إنّي لأوّل رجل من العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنّا نغزو مع رسول الله ﷺ ، ما لنا طعام نأكله إلّا ورق الحبلة «٤» وهذا السّمر حتّى إنّ أحدنا ليضع كما تضع الشّاة، ثمّ أصبحت بنو أسد تعزّرني «٥» على الدّين لقد خبت إذا، وضلّ عملي) * «٦» . ٣٤-* (عن أنس- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «يتبع الميّت ثلاثة. فيرجع اثنان ويبقى معه واحد، يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله» ) * «٧» . ٣٥-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يؤتى بأنعم أهل الدّنيا من أهل النّار يوم القيامة فيصبغ في النّار صبغة «٨» ثمّ يقال: يا بن آدم، هل رأيت خيرا قطّ، هل مرّ بك نعيم قطّ؟ فيقول: لا والله يا ربّ، ويؤتى بأشدّ النّاس بؤسا في الدّنيا من أهل الجنّة فيصبغ صبغة في الجنّة، فيقال له: يا بن آدم، هل رأيت بؤسا قطّ؟ هل مرّ بك شدّة قطّ؟ فيقول: لا والله يا ربّ، ما مرّ بي بؤس قطّ، ولا رأيت شدّة قطّ» ) * «٩» . ٣٦-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ عن النّبيّ ﷺ «ما طلعت شمس قطّ إلّا بعث بجنبتيها ملكان إنّهما ليسمعان أهل الأرض إلّا الثّقلين، يأيّها النّاس، هلمّوا إلى ربّكم؛ فإنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى. وما غربت شمس قطّ إلّا وبجنبتيها ملكان يناديان: اللهمّ عجّل لمنفق خلفا وعجّل لممسك تلفا» ) * «١٠» . ٣٧-* (عن ربيعة بن كعب- ﵁ قال: «كنت أخدم رسول الله ﷺ وأقوم له في حوائجه نهاري أجمع حتّى يصلّي رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته أقول لعلّها أن تحدث لرسول الله ﷺ حاجة فما أزال أسمعه يقول ﷺ : «سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله وبحمده» . حتّى أملّ فأرجع أو تغلبني عيني فأرقد،

стр. 2944

قال: فقال لي يوما لما يرى من خفّتي له وخدمتي إيّاه: سلني يا ربيعة أعطك، قال: فقلت: أنظر في أمري يا رسول الله، ثمّ أعلمك ذلك. قال: ففكّرت في نفسي، فعرفت أنّ الدّنيا منقطعة زائلة وأنّ لي فيها رزقا سيكفيني ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي فإنّه من الله- بالمنزل الّذي هو به، قال: فجئت، فقال: ما فعلت يا ربيع؟ قال: فقلت: نعم يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي إلى ربّك فيعتقني من النّار، قال: فقال: من أمرك بهذا يا ربيعة؟ قال: فقلت: لا والله الذي بعثك بالحقّ، ما أمرني به أحد، ولكنّك لمّا قلت: سلني أعطك وكنت من الله بالمنزل الّذي أنت به. نظرت في أمري وعرفت أنّ الدّنيا منقطعة وزائلة، وأنّ لي فيها رزقا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول الله ﷺ لآخرتي، قال: فصمت رسول الله ﷺ طويلا ثمّ قال لي: «إنّي فاعل فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود» ) * «١» . () المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الزهد) ٣٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اجعل رزق آل محمّد قوتا «٢» » ، وفي رواية عمرو: «اللهمّ ارزق» ، وفي أخرى: «كفافا» ) * «٣» . ٣٩-* (عن عائشة- ﵂ قالت: إن كنّا آل محمّد ﷺ لنمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلّا التّمر والماء) * «٤» . ٤٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: توفّي رسول الله ﷺ وما في رفّي «٥» من شيء يأكله ذو كبد، إلّا شطر شعير «٦» في رفّ لي، فأكلت منه حتّى طال عليّ، فكلته ففني) * «٧» . ٤١-* (خطب النّعمان بن بشير- ﵄ قال: ذكر عمر ما أصاب النّاس من الدّنيا. فقال: لقد رأيت رسول الله ﷺ يظلّ اليوم يلتوي، ما يجد دقلا «٨» يملأ به بطنه) * «٩» . ٤٢-* (عن عائشة أمّ المؤمنين- ﵂ قالت: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم «١٠» وحشوه ليف) * «١١» .

стр. 2945

٤٣-* (عن عائشة زوج النّبيّ- ﵂ قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين) * «١» . ٤٤-* (عن عمرو بن الحارث- ﵁ قال: ما ترك رسول الله ﷺ ، عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا، إلّا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة) * «٢» . ٤٥-* (عن سهل بن سعد- ﵁ قال: ما رأى رسول الله ﷺ النّقى «٣» من حين ابتعثه الله حتّى قبضه الله تعالى، فقيل له هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟. قال: ما رأى رسول الله ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله. حتّى قبضه الله، فقيل له: كيف كنتم تأكلون الشّعير غير منخول؟ قال: كنّا نطحنه وننفخه فيطير ما طار، وما بقي ثرّيناه «٤» فأكلناه» ) * «٥» . ٤٦-* (عن عائشة أمّ المؤمنين- ﵂ قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيّام تباعا من خبز برّ حتّى مضى لسبيله) * «٦» . وفي رواية أخرى: قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ منذ قدم المدينة من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قبض «٧» . ٤٧-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير «٨» فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتّخذنا لك وطاء» فقال: «مالي وما للدّنيا، ما أنا في الدّنيا إلّا كراكب استظلّ تحت شجرة ثمّ راح وتركها» ) * «١٠» . ٤٨-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: كنت أمشي مع النّبيّ ﷺ في حرّة المدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: «يا أبا ذرّ» . قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: «ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي عليّ ثالثة وعندي منه دينار إلّا شيئا أرصده لدين، إلّا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- ثمّ مشى» ، ثمّ قال: «إنّ الأكثرين هم المقلّون يوم القيامة، إلّا من قال هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- وقليل ما هم» ... الحديث) * «١١» . ٤٩-* (عن أنس- ﵁ قال: لم

стр. 2946

يأكل النّبيّ ﷺ على خوان «١» حتّى مات، وما أكل خبزا مرقّقا حتّى مات) * «٢» . ٥٠-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت لعروة: ابن أختي «٣» إن كنّا لننظر إلى الهلال ثمّ الهلال، ثلاثة أهلّة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. قال: فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان التّمر والماء. إلّا أنّه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وأنّ لهم منائح «٤» وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم فيسقيناه) * «٥» . () من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الزهد) ١-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «ارتحلت الدّنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكلّ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدّنيا؛ فإنّ اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل» ) * «٦» . ٢-* (وعنه- ﵁ أنّه قال: «طوبى للزّاهدين في الدّنيا، والرّاغبين في الآخرة، أولئك قوم اتّخذوا أرض الله بساطا. وترابها فراشا. وماءها طيبا، والكتاب شعارا، والدّعاء دثارا، ورفضوا الدّنيا رفضا» ) * «٧» . ٣-* (عن عروة بن الزّبير- ﵄ قال: «ما كانت عائشة أمّ المؤمنين تستجدّ ثوبا حتّى ترقّع ثوبها وتنكّسه «٨» . قال: ولقد جاءها يوما من عند معاوية ثمانون ألفا، فما أمسى عندها درهم، قالت لها جاريتها: فهلّا اشتريت لنا منه لحما بدرهم؟. قالت: «لو ذكّرتني لفعلت» ) * «٩» . ٤-* (قال ابن مسعود- ﵁ الدّنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا علم له) * «١٠» . ٥-* (وعن عمرو بن العاص- ﵁ أنّه كان يخطب بمصر يقول: ما أبعد هديكم من هدي نبيّكم ﷺ أمّا هو فكان أزهد النّاس في الدّنيا

стр. 2947

وأمّا أنتم فأرغب النّاس فيها) * «١» . ٦-* (عن موسى بن عتبة قال: كتب أبو الدّرداء إلى بعض إخوانه، أمّا بعد، فإنّي أوصيك بتقوى الله، والزّهد في الدّنيا، والرّغبة فيما عند الله، فإنّك إذا فعلت ذلك أحبّك الله لرغبتك فيما عنده، وأحبّك النّاس لتركك لهم دنياهم والسّلام) * «٢» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: «رأيت سبعين من أهل الصّفّة ما منهم رجل عليه رداء، إمّا إزار وإمّا كساء، قد ربطوا في أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف السّاقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته» ) * «٣» . ٨-* (عن أبي واقد اللّيثيّ قال: تابعنا الأعمال أيّها أفضل فلم نجد شيئا أعون على طلب الآخرة من الزّهد في الدّنيا» ) * «٤» . ٩-* (وعن الحسن- ﵁: «ليس الزّهد في الدّنيا بتحريم الحلال وإضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أصبت بها، أرغب منك فيها لو لم تصبك» ) * «٥» . ١٠-* (سئل الزّهريّ- ﵀ عن الزّهد في الدّنيا. فقال: أن لا يغلب الحلال شكره ولا الحرام صبره، أي لا يقصّر في شكر الحلال إذا أصابه، ويصبر عن الحرام إذا اشتهاه ولا يواقعه) * «٦» . ١١-* (عن محمّد بن كعب القرظيّ: قال: إذا أراد الله بعبد خيرا أزهده في الدّنيا، وفقّهه في الدّين، وبصّره عيوبه، ومن أوتيهنّ فقد أوتي خيرا كثيرا في الدّنيا والآخرة) * «٧» . ١٢-* (عن طارق بن شهاب- ﵀ قال: لمّا قدم عمر- ﵁ الشّام، تلقّاه الجنود، وعليه إزار وخفّان وعمامة، وهو آخذ برأس راحلته يخوض الماء. فقالوا: يا أمير المؤمنين، يلقاك الجنود وبطارقة الشّام وأنت على حالتك هذه. فقال: إنّا أعزّنا الله بالإسلام، فلن يلتمس العزّ بغيره) * «٨» . ١٣-* (عن الرّبيع بن سليمان عن الشّافعيّ ﵀ قال: يا ربيع عليك بالزّهد، فللزّهد على الزّاهد أحسن من الحليّ على المرأة النّاهد) * «٩» . ١٤-* (وقال يحيى بن معاذ: «الزّهد يورث السّخاء بالملك» ) * «١٠» . ١٥-* (وقال الجنيد- ﵀: «الزّهد خلوّ القلب عمّا خلت منه اليد» ) * «١١» . ١٦-* (قال سفيان الثّوريّ- ﵀: «الزّهد في الدّنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ ولا

стр. 2948

بلبس العباءة» ) * «١» . ١٧-* (وقال الإمام الغزاليّ- ﵀: «الزّهد: عبارة عن الرّغبة عن حظوظ النّفس كلّها إلى ما هو خير منها، علما بأنّ المتروك حقير بالإضافة إلى المأخوذ» ) * «٢» . ١٨-* (قال الشّافعيّ- ﵀ في ذمّ الدّنيا والتّمسّك بها: وما هي إلّا جيفة مستحيلة ... عليها كلاب همّهنّ اجتذابها فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها ... وإن تجتذبها نازعتك كلابها) * «٣» . ١٩-* (قال ابن الجلاء: «الزّهد: هو النّظر إلى الدّنيا بعين الزّوال لتصغر في عينيك فيتسهّل عليك الإعراض عنها» ) * «٤» . ٢٠-* (وقال ابن خفيف- ﵀: «علامة الزّهد: وجود الرّاحة في الخروج من الملك» ) * «٥» . وقال أيضا: «هو سلوّ القلب عن الأسباب ونفض الأيدي عن الأملاك» وقيل: «هو عزوف القلب عن الدّنيا بلا تكلّف» ) * «٦» . ٢١-* (قيل: الزّهد من قوله سبحانه: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (الحديد/ ٢٣)) * «٧» . () من فوائد (الزهد) (١) فيه تمام التّوكّل على الله. (٢) يغرس في القلب القناعة. (٣) صرف المسلم عن التّعلّق بالملذّات الفانية إلى العمل من أجل النّعيم المقيم. (٤) فيه كبح جماح النّفس إلى الشّهوات. (٥) يؤصّل العفّة والنّزاهة في نفوس المؤمنين. (٦) يعلّم المسلم كيف يسدّد هدفه إلى الدّار الآخرة. (٧) الزّاهد يحبّه الله ويقرّبه إليه. (٨) راحة في الدّنيا وسعادة في الآخرة. (٩) حبّ النّاس له حيث أنّه لا يزاحمهم على دنياهم. (١٠) فيه التّأسّي برسول الله ﷺ وصحابته الكرام. (١١) الاطمئنان إلى جناب الله والرّضى بما قسم. (١٢) يؤصّل في النّفس حبّ الإنفاق في سبيل الله وعدم التّعلّق بالدّنيا. (١٣) يخرج نفسه من عبوديّة الشّيطان والدّنيا والنّفس.

стр. 2949

[حرف السين] الستر السّتر لغة: مصدر قولهم سترت الشّيء أستره وأستره إذا غطّيته، وهذا المصدر مأخوذ من مادّة (س ت ر) الّتي تدلّ على التّغطية أو الغطاء، قال ابن فارس: السّين والتّاء والرّاء كلمة تدلّ على غطاء. وقال الرّاغب: السّتر تغطية الشّيء، يقال: سترت الشّيء فاستتر أي غطّيته فتغطّى، كما يقال: تستّر أي تغطّى (في هذا المعنى) ويقال أيضا: ستر الشّيء سترا وسترا: أخفاه، أنشد ابن الأعرابيّ: ويسترون النّاس من غير ستر والسّتر والسّترة ما يستتر به، قال تعالى لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (الكهف/ ٩٠) ، وجمع السّتر أستار، وستور، وستر، ويقال امرأة ستيرة أي ذات ستارة، وجارية مستّرة أي مخدّرة، وقول الله- : حِجاباً مَسْتُوراً (الإسراء/ ٤٥) أي حجابا على حجاب، والأوّل مستور بالثّاني يراد بذلك كثافة الحجاب، ويقال إنّه مفعول بمعنى فاعل أي ساتر كما في قوله سبحانه إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (مريم/ ٦١) أي آتيا. وفي الحديث الشّريف: «إنّ الله الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣/ ٤٧/ ١٦ حييّ ستير يحبّ السّتر» فعيل هنا بمعنى فاعل أيضا، أي من شأنه وإرادته، حبّ السّتر والصّون. والسّترة: ما استترت به من شيء كائنا ما كان وهو أيضا السّتار والسّتارة والجمع السّتائر. والسّترة والمستر، والسّتارة، والإستار كالسّتر، وفي الحديث: «أيّما رجل أغلق بابه على امرأة، وأرخى دونها إستارة فقد تمّ صداقها» ، الإستارة من السّتر، قيل: لم تستعمل إلّا في هذا الحديث، أو لم تسمع إلّا فيه، والسّتر أيضا: الحياء، يقال: ما لفلان ستر ولا حجر، فالسّتر الحياء، والحجر العقل «١» . الستير من صفات المولى- -: ورد السّتير والسّتّير صفة للمولى- قال ابن الأثير في قوله ﷺ : «إنّ الله حييّ ستير يحبّ الحياء والسّتر» ستير: فعيل بمعنى فاعل، أي من شأنه وإرادته حبّ السّتر والصّون» وقد أورد النسائيّ صيغة أخرى في هذه الصّفة وهي ستّير بتشديد التّاء مكسورة وذلك في قوله ﷺ في الحديث الّذي رواه عطاء عن يعلى «إنّ الله- حليم حييّ ستّير ... الحديث» قال الإمام السّنديّ في

стр. 2950

الحاشية: معناه أنّه- تارك للقبائح، ساتر للعيوب والفضائح، يحبّ الحياء والسّتر من العبد؛ ليكون متخلّقا بأخلاقه تعالى «١» وقد روى أبو داود مثل ذلك ولم يذكر (حليم) «٢» . الستر اصطلاحا: قال المنذريّ: السّتر على المسلم تغطية عيوبه، وإخفاء هناته. وقال ابن حجر: معنى قوله «ستر مسلما» أي رآه على قبيح فلم يظهره للنّاس، وليس في هذا ما يقتضي ترك الإنكار عليه فيما بينه وبينه، ومن السّتر أيضا: أن يستتر الإنسان إذا وقع منه شيء. قال ابن حجر: والّذي يظهر أنّ السّتر محلّه في معصية قد انقضت، والإنكار في معصية قد حصل التّلبّس بها فيجب عليه الإنكار وإلّا رفعه إلى الحاكم «٣» . وقال الإمام النّوويّ: المراد بالسّتر السّتر على ذوي الهيئات ونحوهم ممّن ليس معروفا بالأذى والفساد، فأمّا المعروف بذلك، فيستحبّ ألّا يستر عليه إلى وليّ الأمر إن لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأنّ السّتر على هذا يطمعه في الإيذاء والفساد ... وأمّا جرح الرّواة والشّهود والأمناء على الصّدقات والأوقاف والأيتام ونحوهم، فلا يحلّ السّتر عليهم إذا رأى منهم ما يقدح في أهليّته، وليس هذا من الغيبة المحرّمة بل من النّصيحة الواجبة «٤» . الفرق بين الستر والغفران: قال الكفويّ في الكلّيّات: الغفران يقتضي إسقاط العقاب، وقيل الثّواب، ولا يستحقّه إلّا المؤمن، ولا يستعمل إلّا في الباري- ، أمّا السّتر فهو أخصّ من ذلك إذ يجوز أن يستر ولا يغفر والغفران لا يكون إلّا في الآخرة (أمّا السّتر فيكون في الدّنيا أيضا) «٥» . وقال أبو هلال: الغفران أخصّ. وهو يقتضي إيجاب الثّواب، والسّتر سترك الشّيء بستر، ثمّ استعمل في الإضراب عن ذكر الشّيء، فيقال: ستر فلان إذا لم يذكر ما اطّلع عليه من عثرات، وستر الله عليه خلاف فضحه، ولا يقال لمن يستر عليه في الدّنيا إنّه غفر له، لأنّ الغفران ينبأ عن استحقاق الثّواب على ما ذكرنا، ويجوز أن يستر في الدّنيا على الكافر والفاسق «٦» . [للاستزادة: انظر صفات: الاستغفار- النبل العفة- الحياء- المداراة- الوقاية. وفي ضد ذلك: انظر صفات الفضح- الإساءة- سوء الخلق- المجاهرة بالمعصية- الطيش] .

стр. 2951

الآيات الواردة في «الستر» ١- وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) «١» الآيات الواردة في «الستر» ولها معنى آخر ٢- وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) «٢» ٣- حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) «٣»

стр. 2952

الأحاديث الواردة في (الستر) ١-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: اجتمعت غنيمة عند رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا ذرّ، أبد فيها» فبدوت إلى الرّبذة، فكانت تصيبني الجنابة فأمكث الخمس والسّتّ، فأتيت النّبيّ ﷺ فقال: «أبو ذرّ» فسكتّ، فقال: «ثكلتك أمّك أبا ذرّ، لأمّك الويل» فدعا لي بجارية سوداء، فجاءت بعسّ «١» فيه ماء، فسترتني بثوب، واستترت بالرّاحلة، واغتسلت، فكأنّي ألقيت عنّي جبلا، فقال: «الصّعيد الطّيّب وضوء المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسّه (جلدك) ؛ فإنّ ذلك خير» وقال مسدّد: غنيمة من الصّدقة) * «٢» . ٢-* (عن عبد الله بن جعفر- ﵄ قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه. فأسرّ إليّ حديثا لا أحدّث به أحدا من النّاس. وكان أحبّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته، هدف «٣» أو حائش نخل، قال ابن أسماء في حديثه: يعني حائط نخل) * «٤» . ٣-* (عن ابن شهاب، قال أخبرني أنس بن مالك؛ أنّ أبا بكر كان يصلّي لهم في وجع رسول الله ﷺ الذي توفّي فيه. حتّى إذا كان يوم الإثنين. وهم صفوف في الصّلاة. كشف رسول الله ﷺ ستر الحجرة. فنظر إلينا وهو قائم. كأنّ وجهه ورقة مصحف. ثمّ تبسّم رسول الله ﷺ ضاحكا. قال فبهتنا ونحن في الصّلاة. من فرح بخروج رسول الله ﷺ . ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصّفّ. وظنّ أنّ رسول الله ﷺ خارج للصّلاة. فأشار إليهم رسول الله ﷺ بيده أن أتمّوا صلاتكم. قال: ثمّ دخل رسول الله ﷺ فأرخى السّتر. قال: فتوفّي رسول الله ﷺ من يومه ذلك» ) * «٥» . ٤-* (عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله ﷺ أتى فاطمة- ﵂، فوجد على بابها سترا، فلم يدخل، قال: وقلّما كان يدخل إلّا بدأ بها، فجاء عليّ- ﵁ فرآها مهتمّة، فقال: مالك؟ قالت: جاء النّبيّ ﷺ إليّ فلم يدخل، فأتاه عليّ- ﵁، فقال: يا رسول الله، إنّ فاطمة اشتدّ عليها أنّك جئتها فلم تدخل عليها، قال: «وما أنا والدّنيا؟ وما أنا والرّقم؟ «٦» » فذهب إلى فاطمة فأخبرها بقول رسول الله ﷺ ، فقالت: قل لرسول الله ﷺ ما يأمرني به، قال: «قل لها فلترسل به إلى بني فلان» ) * «٧» .

стр. 2953

٥-* (عن يعلى- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلا يغتسل بالبراز «١» بلا إزار، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال ﷺ «إنّ الله- حليم حييّ ستّير يحبّ الحياء والسّتر فإذا اغتسل أحدكم فليستتر» ) * «٢» . ٦-* (عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزّبيديّ أنّه مرّ وصاحب له بأيمن وفئة من قريش قد حلّوا أزرهم فجعلوها مخاريق «٣» يجتلدون بها، وهم عراة قال عبد الله: فلمّا مررنا بهم، قالوا: إنّ هؤلاء قسّيسون فدعوهم، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ خرج عليهم فلمّا أبصروه تبدّدوا، فرجع رسول الله ﷺ مغضبا حتّى دخل، وكنت أنا وراء الحجرة فسمعته يقول: «سبحان الله! لا من الله استحيوا، ولا من رسوله استتروا» وأمّ أيمن عنده تقول: استغفر لهم يا رسول الله. قال عبد الله: فبلأي «٤» ما استغفر لهم» ) * «٥» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ موسى كان رجلا حييّا ستّيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فاذاه من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التّستّر إلّا من عيب بجلده: إمّا برص وإمّا أدرة «٦» ، وإمّا آفة. وإنّ الله أراد أن يبرّئه ممّا قالوا لموسى، فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثمّ اغتسل. فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر. حتّى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله، وأبرأه ممّا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فو الله إنّ بالحجر لندبا «٧» من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله (الأحزاب/ ٦٩) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً» ) * «٨» . ٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: إنّ ابن عمر- والله يغفر له- أوهم، إنّما كان هذا الحيّ من الأنصار- وهم أهل وثن- مع هذا الحيّ من يهود- وهم أهل كتاب- وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب أن لا يأتوا النّساء إلّا على حرف «٩» ، وذلك أستر ما تكون المرأة، فكان هذا الحيّ من

стр. 2954

الأنصار، قد أخذوا بذلك من فعلهم، وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النّساء شرحا منكرا «١» ، ويتلذّذون منهنّ مقبلات، ومدبرات ومستلقيات، فلمّا قدم المهاجرون المدينة تزوّج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه، وقالت: إنّما كنّا نؤتى على حرف فاصنع ذلك وإلّا فاجتنبي، حتّى شري أمرهما «٢» ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فأنزل الله- : نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ (البقرة/ ٢٢٣) أي: مقبلات ومدبرات ومستلقيات- يعني بذلك- موضع الولد) * «٣» . ٩-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ وكان شهد بدرا؛ وهو أحد النّقباء ليلة العقبة أنّ رسول الله ﷺ قال- وحوله عصابة من أصحابه-: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدّنيا، فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثمّ ستره الله فهو إلى الله: إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك) * «٤» . ١٠-* (عن صفوان بن محرز المازنيّ قال: بينما أنا أمشي مع ابن عمر- ﵄ آخذ بيده إذ عرض رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ في النّجوى؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّ الله يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، فيقول: نعم أي ربّ. حتّى إذا قرّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنّه هلك قال: سترتها عليك في الدّنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته. وأمّا الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (هود/ ١٨)) * «٥» . ١١-* (عن شيخ من طفاوة، قال تثوّيت «٦» أبا هريرة بالمدينة، فلم أر رجلا من أصحاب النّبيّ ﷺ أشدّ تشميرا» ولا أقوم على ضيف منه، فبينما أنا عنده يوما، وهو على سرير له، ومعه كيس فيه حصى، أو نوى، وأسفل منه جارية له سوداء، وهو يسبّح بها، حتّى إذا أنفد ما في الكيس ألقاه إليها، فجمعته فأعادته في الكيس، فدفعته إليه، فقال: ألا أحدّثك عنّي وعن رسول الله ﷺ ؟ قال: قلت: بلى، قال: بينا أنا أوعك «٨» في المسجد إذ جاء رسول الله ﷺ حتّى دخل المسجد فقال: «من أحسّ الفتى الدّوسيّ» ؟

стр. 2955

ثلاث مرّات، فقال رجل: يا رسول الله، هو ذا يوعك في جانب المسجد، فأقبل يمشي حتّى انتهى إليّ، فوضع يده علىّ، فقال لي معروفا، فنهضت، فانطلق يمشي حتّى أتى مقامه الّذي يصلّي فيه، فأقبل عليهم، ومعه صفّان من رجال وصفّ من نساء، أو صفّان من نساء وصفّ من رجال، فقال: «إن أنساني الشّيطان شيئا من صلاتي فليسبّح القوم وليصفّق النّساء» قال: فصلّى رسول الله ﷺ ولم ينس من صلاته شيئا، فقال: «مجالسكم» زاد موسى «ههنا» ثمّ حمد الله- تعالى- وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد» ثمّ اتّفقوا: ثمّ أقبل على الرّجال فقال: «هل منكم الرّجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه، وألقى عليه ستره واستتر بستر الله؟» قالوا: نعم، قال «ثمّ يجلس بعد ذلك، فيقول فعلت كذا، فعلت كذا» قال: فسكتوا، قال: فأقبل على النّساء. فقال: «هل منكنّ من تحدّث؟» فسكتن، فجثت فتاة (قال مؤمّل في حديثه: فتاة كعاب) على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله ﷺ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله، إنّهم ليتحدّثون، وإنّهنّ ليتحدّثن، فقال: «هل تدرون ما مثل ذلك؟» فقال: «إنّما ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانا في السّكّة، فقضى منها حاجته، والنّاس ينظرون إليه، ألا وإنّ طيب الرّجال ما ظهر ريحه، ولم يظهر لونه، ألا إنّ طيب النّساء ما ظهر لونه، ولم يظهر ريحه» ) *. قال أبو داود: من هاهنا حفظته عن مؤمّل وموسى «ألا لا يفضينّ رجل إلى رجل، ولا امرأة إلى امرأة إلّا إلى ولد أو والد» وذكر ثالثة فأنسيتها» ) * «١» . ١٢-* (عن يعلى بن أميّة- ﵁ قال: «جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ وهو بالجعرانة «٢» . عليه جبّة وعليها خلوق «٣» (أو قال أثر صفرة) فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النّبيّ ﷺ الوحي. فستر بثوب. وكان يعلى يقول: وددت أنّي أرى النّبيّ ﷺ وقد أنزل عليه الوحي. قال فقال «٤» : أيسرّك أن تنظر إلى النّبيّ ﷺ وقد أنزل عليه الوحي؟ قال فرفع عمر طرف الثّوب. فنظرت إليه له غطيط. (قال وأحسبه قال) كغطيط البكر «٥» . قال: فلمّا سرّي عنه قال: «أين السّائل عن العمرة؟ اغسل عنك أثر الصّفرة (أو قال أثر الخلوق) واخلع عنك جبّتك. واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجّك» ) * «٦» . ١٣-* (عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ قالت: جاءتني امرأة، ومعها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي شيئا غير تمرة واحدة. فأعطيتها إيّاها. فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها. ولم تأكل منها شيئا. ثمّ قامت فخرجت وابنتاها، فدخل عليّ النّبيّ ﷺ فحدّثته

стр. 2956

حديثها. فقال النّبيّ ﷺ : «من ابتلي من البنات بشيء، فأحسن إليهنّ كنّ له سترا من النّار» ) * «١» . ١٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأمّا الّذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال في مرج أو روضة «٢» . فما أصابت في طيلها ذلك المرج والرّوضة كان له حسنات، ولو أنّها قطعت طيلها فاستنّت شرفا أو شرفين، كانت آثارها وأرواثها حسنات له، ولو أنّها مرّت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن تسقى به، كان ذلك حسنات له، وهي لذلك الرّجل أجر. ورجل ربطها تغنّيا وتعفّفا، ولم ينس حقّ الله في رقابها ولا ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء، فهي على ذلك وزر. وسئل رسول الله ﷺ عن الحمر قال: «ما أنزل الله عليّ فيها إلّا هذه الآية الفاذّة الجامعة فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/ ٧- ٨)) * «٣» . ١٥-* (عن عائشة- ﵂ قالت: دخل عليّ أفلح بن أبي القعيس فاستترت منه، قال: تستترين منّي وأنا عمّك؟ قالت: قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي، قالت: إنّما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرّجل، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فحدّثته فقال: «إنّه عمّك، فليلج عليك» ) * «٤» . ١٦-* (عن العبّاس- ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وعنده نساؤه، فاستترن «٥» منّي إلّا ميمونة، فقال: لا يبقى في البيت أحد شهد اللّدّ «٦» إلّا لدّ، إلّا أنّ يميني لم تصب العبّاس، ثمّ قال: مروا أبا بكر أن يصلّي بالنّاس، فقالت عائشة لحفصة: قولي له: إنّ أبا بكر رجل إذا قام مقامك بكى، قال: مروا أبا بكر ليصلّ بالنّاس، فقام فصلّى، فوجد النّبيّ ﷺ خفّة، فجاء، فنكص أبو بكر- ﵁ فأراد أن يتأخّر، فجلس إلى جنبه ثمّ اقترأ) * «٧» . ١٧-* (عن صالح السّمّان قال: رأيت أبا سعيد الخدريّ في يوم جمعة يصلّي إلى شيء يستره من النّاس، فأراد شابّ من بني أبي معيط أن يجتاز بين يديه، فدفع أبو سعيد في صدره، فنظر الشّابّ فلم يجد مساغا إلّا بين يديه، فعاد ليجتاز فدفعه أبو سعيد أشدّ من الأولى، فنال من أبي سعيد ثمّ دخل على مروان فشكا إليه ما لقي من أبي سعيد، ودخل أبو سعيد خلفه على مروان، فقال: ما لك ولابن أخيك يا أبا سعيد؟ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من النّاس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنّما هو

стр. 2957

شيطان» ) «١» . ١٨-* (عن عليّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ستر ما بين أعين الجنّ وعورات بني آدم، إذا دخل الكنيف، أن يقول: بسم الله» ) * «٢» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّ أمّتي معافى إلّا المجاهرين. وإنّ من الإجهار أن يعمل العبد باللّيل عملا، ثمّ يصبح قد ستره ربّه، فيقول: يا فلان! قد عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربّه. فيبيت يستره ربّه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» ) * «٣» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يستر عبد عبدا في الدّنيا، إلّا ستره الله يوم القيامة» ) * «٤» . ٢١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» ) * «٥» . ٢٢-* (عن عديّ بن حاتم- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «من استطاع منكم أن يستتر من النّار ولو بشقّ تمرة فليفعل» ) * «٦» . ٢٣-* (عن أبي كثير مولى عقبة بن عامر عن عقبة بن عامر- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رأى عورة فسترها كان كمن استحيا موءودة من قبرها» ) * «٧» . ٢٤-* (عن عبد الله- ﵁ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله إنّي عالجت امرأة «٨» في أقصى المدينة. وإنّي أصبت منها ما دون أن أمسّها «٩» . فأنا هذا. فاقض فيّ ما شئت. فقال له عمر: لقد سترك الله، لو سترت نفسك. قال: فلم يردّ النّبيّ ﷺ شيئا. فقام الرّجل فانطلق. فأتبعه النّبيّ ﷺ رجلا دعاه، وتلا عليه هذه الآية: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ «١٠» إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ* (هود/ ١١٤) . فقال رجل من القوم: يا نبيّ الله! هذا له خاصّة؟ قال: «بل للنّاس كافّة «١١» » ) * «١٢» .

стр. 2958

الأحاديث الواردة في (الستر) معنى ٢٥-* (عن أبي بكر- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ بعثه ببراءة لأهل مكّة: لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنّة إلّا نفس مسلمة، من كان بينه وبين رسول الله ﷺ مدّة فأجله إلى مدّته، والله بريء من المشركين ورسوله، قال فسار بها ثلاثا، ثمّ قال لعليّ- رضي الله- تعالى عنه-: الحقه فردّ عليّ أبا بكر وبلّغها أنت، قال: ففعل، قال: فلمّا قدم على النّبيّ ﷺ أبو بكر بكى، قال: يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال: «ما حدث فيك إلّا خير، ولكن أمرت أن لا يبلّغه إلّا أنا أو رجل منّي» ) * «١» . ٢٦-* (عن جرهد الأسلميّ عن أبيه- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ مرّ به وهو كاشف عن فخذه فقال النّبيّ ﷺ : «غطّ فخذك؛ فإنّها من العورة» ) * «٢» . ٢٧-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والتّعرّي؛ فإنّ معكم من لا يفارقكم إلّا عند الغائط، وحين يفضي الرّجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم» ) * «٣» . ٢٨-* (عن هزيل، قال: جاء رجل- قال عثمان: سعد- فوقف على باب النّبيّ ﷺ يستأذن، فقام على الباب (قال عثمان) مستقبل الباب، فقال له النّبيّ ﷺ : «هكذا- عنك- أو هكذا؛ فإنّما الاستئذان من النّظر» ) * «٤» . ٢٩-* (عن المسور بن مخرمة- ﵁ قال: حملت حجرا ثقيلا، فبينا أمشي فسقط عنّي ثوبي، فقال لي رسول الله ﷺ : «خذ عليك ثوبك ولا تمشوا عراة» ) * «٥» . ٣٠-* (عن أبي المليح، قال: دخل نسوة من أهل الشّام على عائشة ﵂ فقالت: ممّن أنتنّ؟ قلن: من أهل الشّام، قالت: لعلّكنّ من الكورة الّتي تدخل نساؤها الحمّامات؟ قلن: نعم، قالت: أما إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرأة تخلع ثيابها» في غير بيتها إلّا هتكت ما بينها وبين الله تعالى» ) * «٧» .

стр. 2959

٣١-* (عن حذيفة- ﵁ قال: رأيتني أنا والنّبيّ ﷺ نتماشى، فأتى سباطة قوم «١» خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذت منه «٢» ، فأشار إليّ فجئته، فقمت عند عقبه حتّى فرغ» ) * «٣» . ٣٢-* (عن عبد الرّحمن بن أبي سعيد الخدريّ عن أبيه- ﵄ قال: «لا ينظر الرّجل إلى عرية الرّجل، ولا المرأة إلى عرية المرأة، ولا يفضي الرّجل إلى الرّجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب» ) * «٤» . ٣٣-* (عن جابر- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل الحمّام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدخل حليلته الحمّام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها بالخمر» ) * «٥» . ٣٤-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن اشتمال الصّمّاء «٦» ، وأن يحتبي الرّجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء» ) * «٧» . ٣٥-* (عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال: قلت: يا رسول الله عوراتنا. ما نأتي منها وما نذر؟ قال: «احفظ عورتك. إلّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» قال قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت أن لا يرينّها أحد، فلا يرينّها» قال قلت: يا رسول الله إذا كان أحدنا خاليا؟ قال «الله أحقّ أن يستحيا منه من النّاس» ) * «٨» . ٣٦-* (عن أبي أمامة- ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد، ونحن قعود معه إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله! إنّي أصبت حدّا. فأقمه عليّ، فسكت عنه رسول الله ﷺ . ثمّ أعاد فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت حدّا. فأقمه عليّ. فسكت عنه. وأقيمت الصّلاة. فلمّا انصرف نبيّ الله ﷺ . قال أبو أمامة: فاتّبع الرّجل رسول الله ﷺ حين انصرف. واتّبعت رسول الله ﷺ . أنظر ما يردّ على الرّجل. فلحق الرّجل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت حدّا فأقمه عليّ. قال أبو أمامة: فقال له رسول الله ﷺ : «أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضّأت فأحسنت الوضوء؟» قال: بلى.

стр. 2960

يا رسول الله، قال: «ثمّ شهدت الصّلاة معنا؟» فقال: نعم. يا رسول الله. قال: فقال له رسول الله ﷺ : «فإنّ الله قد غفر لك حدّك، أو قال ذنبك» ) * «١» . ٣٧-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ «لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها «٢» لزوجها كأنّه ينظر إليها» ) * «٣» . ٣٨-* (عن أبي برزة الأسلميّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم؛ فإنّه من اتّبع عوراتهم، يتّبع الله عورته، ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته» ) * «٤» . () المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الستر) ٣٩-* (عن عائشة- ﵂ أنّ أبا بكر دخل عليها. وعندها جاريتان في أيّام منى «٥» تغنّيان وتضربان. ورسول الله ﷺ مسجّى بثوبه «٦» . فانتهرهما أبو بكر. فكشف رسول الله ﷺ عنه وقال: «دعهما يا أبا بكر! فإنّها أيّام عيد» وقالت: رأيت رسول الله ﷺ يسترني بردائه، وأنا أنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون. وأنا جارية. فاقدروا قدر الجارية العربة الحديثة السّنّ «٧» ) * «٨» . ٤٠-* (عن ابن عبد الله بن الحارث؛ أنّ أباه عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: سألت وحرصت على أن أجد أحدا من النّاس يخبرني أنّ رسول الله ﷺ سبّح سبحة الضّحى. فلم أجد أحدا يحدّثني ذلك. غير أنّ أمّ هانىء بنت أبي طالب، أخبرتني؛ أنّ رسول الله ﷺ أتى، بعد ما ارتفع النّهار، يوم الفتح، فأتي بثوب فستر عليه. فاغتسل. ثمّ قام فركع ثماني ركعات. لا أدري أقيامه فيها أطول أم ركوعه أم سجوده. كلّ

стр. 2961

ذلك منه متقارب. قالت: فلم أره سبّحها قبل ولا بعد) * «١» . ٤١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، صلّى العيد بالمصلّى مستترا بحربة) * «٢» ٤٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ صفيّة وقعت في سهم دحية الكلبيّ، فقيل يا رسول الله! قد وقعت في سهم دحية جارية جميلة فاشتراها رسول الله ﷺ بسبعة أرؤس فجعلها عند أمّ سليم، حتّى تهيّأ وتعتدّ فيما يعلم حمّاد، فقال النّاس: والله ما ندري أتزوّجها رسول الله ﷺ أو تسرّاها فلمّا حملها سترها وأردفها خلفه فعرف النّاس أنّه قد تزوّجها، فلمّا دنا من المدينة أوضع النّاس وأوضع رسول الله «٣» ﷺ ، وكذلك كانوا يصنعون، فعثرت النّاقة فخرّ رسول الله ﷺ وخرّت معه وأزواج النّبيّ ﷺ ينظرن، فقلن: أبعد الله اليهوديّة وفعل بها وفعل، فقام رسول الله ﷺ فسترها وأردفها خلفه) «٤» . ٤٣-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ : كان إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض) * «٥» . ٤٤-* (عن جابر- ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتّى نزلنا واديا أفيح «٦» . فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتّبعته بإداوة من ماء. فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به. فإذا شجرتان بشاطيء الوادي «٧» فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها فقال: «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «٨» الّذي يصانع قائده حتّى أتى الشّجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها. فقال «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كذلك. حتّى إذا كان بالمنصف «٩» ممّا بينهما، لأم «١٠» بينهما (يعني جمعهما) فقال: «التئما عليّ بإذن الله» . فالتأمتا. قال جابر: فخرجت أحضر «١١» مخافة أن يحسّ رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد (وقال محمّد ابن عبّاد: فيتبعّد) فجلست أحدّث نفسي.

стр. 2962

فحانت منّي لفتة «١» ، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا. وإذا الشّجرتان قد افترقتا. فقامت كلّ واحدة منهما على ساق. فرأيت رسول الله ﷺ وقف وقفة. فقال برأسه هكذا (وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينا وشمالا) ثمّ أقبل. فلمّا انتهى إليّ قال: «يا جابر هل رأيت مقامي؟» قلت: نعم. يا رسول الله قال: «فانطلق إلى الشّجرتين فاقطع من كلّ واحدة منهما غصنا. فأقبل بهما. حتّى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» . قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته «٢» . فانذلق «٣» لي. فأتيت الشّجرتين فقطعت من كلّ واحدة منهما غصنا. ثمّ أقبلت أجرّهما حتّى قمت مقام رسول الله ﷺ . أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري. ثمّ لحقته فقلت: قد فعلت. يا رسول الله! فعمّ ذاك؟ قال: «إنّي مررت بقبرين يعذّبان. فأحببت، بشفاعتي، أن يرفّه عنهما» ، ما دام الغصنان رطبين» ) * «٥» . ٤٥-* (عن أبي السّمح- ﵁ قال: كنت أخدم النّبيّ ﷺ . فكان إذا أراد أن يغتسل قال «ولّني قفاك» فأولّيه قفاي، وأنشر الثّوب فأستره به» ) * «٦» . ٤٦-* (عن أنس- ﵁ قال: لمّا انقضت عدّة زينب «٧» قال رسول الله ﷺ لزيد «٨» : «فاذكرها عليّ «٩» » قال: «فانطلق زيد حتّى أتاها وهي تخمّر عجينها «١٠» قال: فلمّا رأيتها عظمت في صدري «١١» حتّى ما أستطيع أن أنظر إليها أنّ رسول الله ﷺ ذكرها. فولّيتها ظهري ونكصت على عقبي فقلت: يا زينب أرسل رسول الله ﷺ يذكرك. قالت:

стр. 2963

ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربّي. فقامت إلى مسجدها «١» ونزل القرآن «٢» . وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. قال: فقال: «ولقد رأيتنا «٣» أنّ رسول الله ﷺ أطعمنا الخبز واللّحم حين امتدّ النّهار «٤» . فخرج النّاس وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطّعام. فخرج رسول الله واتّبعته. فجعل يتتبّع حجر نسائه يسلّم عليهنّ. ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ قال: فما أدري أنا أخبرته أنّ القوم قد خرجوا أو أخبرني. قال: فانطلق حتّى دخل البيت. فذهبت أدخل معه فألقى السّتر بيني وبينه. ونزل الحجاب. قال: ووعظ القوم بما وعظوا به. زاد ابن رافع في حديثه: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ «٥» ؛ إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ (الأحزاب/ ٥٣)) * «٦» . ٤٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ عن ميمونة بنت الحارث- ﵂ قالت: وضعت لرسول الله غسلا وسترته فصبّ على يده فغسلها مرّة أو مرّتين قال سليمان: لا أدري أذكر الثّالثة أم لا ثمّ أفرغ بيمينه على شماله فغسل فرجه، ثمّ دلّك يده بالأرض أو بالحائط، ثمّ تمضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه وغسل رأسه، ثمّ صبّ على جسده، ثمّ تنحّى فغسل قدميه، فناولته خرقة فقال بيده هكذا، ولم يردها) * «٧» . () من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الستر) ١-* (عن أبي بكر الصّدّيق- ﵁ أنّه قال: «لو أخذت سارقا لأحببت أن يستره الله، ولو أخذت شاربا لأحببت أن يستره الله » ) * «٨» . ٢-* (عن أبي مسلمة بن عبد الرّحمن- ﵁ قال: «دخلت على عائشة، أنا وأخوها من الرّضاعة. فسألتها عن غسل النّبيّ من الجنابة؟ فدعت بإناء قدر الصّاع. فاغتسلت. وبيننا وبينها ستر. وأفرغت على رأسها ثلاثا. قال: وكان أزواج النّبيّ يأخذن من رؤوسهنّ حتّى تكون كالوفرة «٩» » ) * «١٠» .

стр. 2964

٣-* (عن عائشة- ﵂ قالت: لمّا أرادوا غسل النّبيّ قالوا: والله ما ندري أنجرّد رسول الله من ثيابه كما نجرّد موتانا أم نغسّله وعليه ثيابه؟ فلمّا اختلفوا ألقى الله عليهم النّوم حتّى ما منهم رجل إلّا وذقنه في صدره، ثمّ كلّمهم مكلّم من ناحية البيت لا يدرون من هو: أن اغسلوا النّبيّ وعليه ثيابه، فقاموا إلى رسول الله فغسّلوه وعليه قميصه يصبّون الماء فوق القميص ويدلّكونه بالقميص دون أيديهم، وكانت عائشة تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسّله إلّا نساؤه» ) * «١» . ٤-* (عن مريم بنت طارق: أنّ امرأة قالت لعائشة: يا أمّ المؤمنين إنّ كريّا «٢» أخذ بساقي وأنا محرمة فقالت حجرا حجرا حجرا «٣» وأعرضت بوجهها وقالت بكفّها «٤» وقالت: يا نساء المؤمنين إذا أذنبت إحداكنّ ذنبا فلا تخبرنّ به النّاس ولتستغفرنّ الله ولتتب إليه فإنّ العباد يعيّرون ولا يغيّرون والله تعالى يغيّر ولا يعيّر» ) * «٥» . ٥-* (عن الحارث بن معاوية الكنديّ: أنّه ركب إلى عمر بن الخطّاب يسأله عن ثلاث خلال، قال: فقدم المدينة فسأله عمر: ما أقدمك؟ قال: لأسألك عن ثلاث خلال، قال: وما هنّ؟ قال: ربّما كنت أنا والمرأة في بناء ضيّق فتحضر الصّلاة، فإن صلّيت أنا وهي كانت بحذائي، وإن صلّت خلفي خرجت من البناء، فقال عمر: تستر بينك وبينها، بثوب، ثمّ تصلّي بحذائك إن شئت، وعن الرّكعتين بعد العصر؟ فقال: نهاني عنهما رسول الله، قال: وعن القصص فإنّهم أرادوني على القصص؟ فقال: ما شئت، كأنّه كره أن يمنعه، قال: إنّما أردت أن أنتهي إلى قولك، قال: أخشى عليك أن تقصّ فترتفع عليهم في نفسك، ثمّ تقصّ فترتفع حتّى يخيّل إليك أنّك فوقهم بمنزلة الثّريّا، فيضعك الله تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك» ) * «٦» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: «من أطفأ على مؤمن سيّئة فكأنّما أحيا موءدة» ) * «٧» . ٧-* (عن العلاء بن بدر قال: «لا يعذّب الله قوما يسترون الذّنوب» ) * «٨» . ٨-* (عن الضّحّاك في قوله تعالى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً (لقمان/ ٢٠) قال: «أمّا الظّاهرة فالإسلام والقرآن. وأمّا الباطنة فما يستر من العيوب» ) * «٩» . ٩-* (عن الحسن البصريّ أنّه قال: «من كان بينه وبين أخيه ستر فلا يكشفه» ) * «١٠» . ١٠-* (قال ابن تيميّة: «فإنّ المرأة لو صلّت وحدها كانت مأمورة بالاختمار» ) * «١١» . ١١-* (وقال: وأمر النّساء خصوصا بالاستتار، وأن لا يبدين زينتهنّ إلّا لبعولتهنّ، ومن

стр. 2965

استثناه الله تعالى في الآية، فما ظهر من الزّينة هو الثّياب الظّاهرة. فهذا لا جناح عليها في إبدائها. إذا لم يكن في ذلك محذور آخر) * «١» . ١٢-* (عن عوف الأحمسيّ قال: كان يقال: «من سمع بفاحشة، فأفشاها، كان فيها كالّذي بدأها» ) * «٢» . ١٣-* (عن قبيصة بن عقبة قال: بلغ داود الطّائيّ أنّه ذكر عند بعض الأمراء فأثنى عليه، فقال: إنّما نتبلّغ بستره بين خلقه، ولو يعلم النّاس بعض ما نحن فيه ما ذلّ لنا لسان أن نذكر بخير أبدا» ) * «٣» . ١٤-* (عن أبي الشّعثاء قال: كان شرحبيل ابن السّمط على جيش، قال: فقال: إنّكم نزلتم أرضا فيها نساء وشراب، فمن أصاب منكم حدّا فليأتنا حتّى نطهّره، فبلغ ذلك عمر بن الخطّاب، فكتب إليه: «لا أمّ لك تأمر قوما ستر الله عليهم أن يهتكوا ستر الله عليهم» ) *» . ١٥-* (عن عثمان بن أبي سودة قال: لا ينبغي لأحد أن يهتك ستر الله تعالى، قيل: وكيف يهتك ستر الله؟ قال: «يعمل الرّجل الذّنب فيستره الله عليه فيذيعه في النّاس» ) * «٥» . ١٦-* (عن علّام بن مسقين، قال: سأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد: «رجل علم من رجل شيئا، أيفشي عليه؟، قال: يا سبحان الله! لا» ) * «٦» . () من فوائد (الستر) (١) السّتر صفة في الإنسان يحبّها الله- . (٢) إنّ من مقتضى أسمائه الحسنى السّتر فهو ستّير يحبّ أهل السّتر. (٣) العبد إذا فعل المعصية واسترجع ستره الله في الدّنيا وذكّره بها في الآخرة ثمّ عفا عنه. (٤) السّتر يطفأ نار الفساد المتأجّجة في المجتمع. (٥) السّاتر لعيوب النّاس يرى في نفسه سعادة وسرورا. (٦) السّاتر لعيوب نفسه يسلم من ألسنة النّاس وسخط الله- . (٧) السّتر علاج اجتماعي جميل يختفي تحته كثير من أمراض المجتمع ثمّ لا تنتشر. (٨) السّتر يثمر حسن الظّنّ بالله تعالى وبالنّاس. (٩) من ستر عيب غيره ستره الله في الدّنيا والآخرة. (١٠) قد يؤدّي ستر عيوب النّاس إلى المحبّة والتّعاطف بينهم. (١١) كتم الأسرار نوع من السّتر يحمد عليها صاحبها من النّاس ومن الله سبحانه.

стр. 2966

السخاء السخاء لغة: مصدر قولهم: سخا يسخو ويسخى، وهو مأخوذ من مادّة (س خ ى/ و) الّتي تدلّ كما يقول ابن فارس على اتّساع في الشّيء وانفراج فيه، والأصل في ذلك قولهم: سخيت القدر وسخوتها إذا جعلت للنّار تحتها مذهبا، وقيل: السّخواء: الأرض السّهلة، والسّخاوي من الأرض: الواسعة البعيدة الأطراف، والسّخاويّ: ما بعد غوره. وقيل: السّخاوة والسّخاء: الجود، والسّخيّ: الجواد والجمع أسخياء وسخواء، ويقال: امرأة سخيّة من نسوة سخيّات وسخايا، يقال: سخيت نفسي عنه: تركته ولم تنازعني نفسي إليه، وسخو الرّجل يسخو سخاء وسخاوة أي صار سخيّا، وفلان يتسخّى على أصحابه أي يتكلّف السّخاء. وقيل: السّخاء هو الجود والكرم، ومن ثمّ يكون السّخيّ هو الجواد الكريم «١» . واصطلاحا: قال الماورديّ- رحمه الله تعالى-: حدّ السّخاء: بذل ما يحتاج إليه عند الحاجة، وأن يوصل الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ ١/ ٢٥ إلى مستحقّه بقدر الطّاقة «٢» . وقال ابن حجر- رحمه الله تعالى-: السّخاء: بمعنى الجود، وهو بذل ما يقتنى بغير عوض «٣» . وقال الجاحظ: السّخاء بذل المال من غير مسألة ولا استحقاق، وهذا الفعل مستحسن ما لم ينته إلى السّرف والتّبذير؛ فإنّ من بذل جميع ما يملكه لمن لا يستحقّه لم يسمّ سخيّا بل يسمّى مبذّرا مضيّعا «٤» . أنواع السخاء ودرجاته: قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: إذا كان السّخاء محمودا فمن وقف على حدّه سمّي كريما وكان للحمد مستوجبا، ومن قصّر عنه كان بخيلا وكان للذّمّ مستوجبا. والسّخاء نوعان: فأشرفهما سخاؤك عمّا بيد غيرك، والثّاني سخاؤك ببذل ما في يدك، فقد يكون الرّجل من أسخى النّاس، وهو لا يعطيهم شيئا لأنّه سخا عمّا في أيديهم، وهذا معنى قول بعضهم: السّخاء أن تكون بمالك متبرّعا، وعن مال غيرك متورّعا «٥» .

стр. 2967

وقال ابن قدامة المقدسيّ- رحمه الله تعالى-: اعلم أنّ السّخاء والبخل درجات: فأرفع درجات السّخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه. وأشدّ درجات البخل، أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة، فكم من بخيل يمسك المال، ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشّهوة فيمنعه منها البخل. فكم بين من يبخل على نفسه مع الحاجة، وبين من يؤثر على نفسه مع الحاجة. فالأخلاق عطايا يضعها الله- حيث يشاء. وليس بعد الإيثار درجة في السّخاء. وقد أثنى الله- تعالى- على أصحاب رسول الله ﷺ بالإيثار، فقال: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ (الحشر/ ٩) ، وكان سبب نزول هذه الآية قصّة أبي طلحة، لمّا آثر ذلك الرّجل الجود بقوته وقوت صبيانه «١» . الفرق بين السخاء والجود: قال أبو هلال العسكريّ: الفرق بين السّخاء والجود أنّ السّخاء هو أن يلين الإنسان عند السّؤال ويسهّل مهره (إعطاءه) للسّائل من قولهم سخوت النّار إذا ألنتها ... ولذلك لا يقال لله تعالى: سخيّ، والجود كثرة العطاء من غير سؤال، من قولك: جادت السّماء إذا جادت بمطر غزير، والله تعالى جواد لكثرة عطائه فيما تقتضيه الحكمة «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الإنفاق- الإيثار الجود- الكرم- الإغاثة- البر- بر الوالدين- الصدقة- صلة الرحم- المواساة- الإحسان- الزكاة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: البخل- الشح الكنز- قطيعة الرحم- التفريط والإفراط] .

стр. 2968

الأحاديث الواردة في (السخاء) ١-* (عن حكيم بن حزام- ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني. ثمّ قال: «يا حكيم، إنّ هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالّذي يأكل ولا يشبع. اليد العليا خير من اليد السّفلى» . قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! والّذي بعثك بالحقّ لا أرزأ «١» أحد بعدك شيئا حتّى أفارق الدّنيا. فكان أبو بكر- ﵁ يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه. ثمّ إنّ عمر- ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا، فقال عمر: إنّي أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أنّي أعرض عليه حقّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدا من النّاس بعد رسول الله ﷺ حتّى توفّي» ) * «٢» . الأحاديث الواردة في (السخاء) معنى انظر صفتي: الكرم والجود) () المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (السخاء) (انظر صفتي: الكرم والجود) () من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (السخاء) ١-* (قال عليّ بن أبي طالب- ﵁: «السّخاء: ما كان منه ابتداء، فأمّا ما كان عن مسألة فحياء وتكرّم» ) * «٣» . ٢-* (وقال أيضا: «البخل جلباب المسكنة وربّما دخل السّخيّ بسخائه الجنّة» ) * «٤» . ٣-* (وقال- ﵁: «إذا أقبلت عليك الدّنيا فأنفق منها فإنّها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق منها فإنّها لا تبقى وأنشد يقول:

стр. 2969

لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التّبذير والسّرف وإن تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف) * «١» . ٤-* (قال سلمان الفارسيّ- ﵁: «إذا مات السّخيّ، قالت الأرض والحفظة: ربّ تجاوز عن عبدك في الدّنيا بسخائه، وإذا مات البخيل قالت: اللهمّ احجب هذا العبد عن الجنّة كما حجب عبادك عمّا جعلت في يديه من الدّنيا» ) * «٢» . ٥-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «سادات النّاس في الدّنيا الأسخياء، وفي الآخرة الأتقياء» ) * «٣» . ٦-* (روى مالك- رحمه الله تعالى- عن مولاة لعائشة- ﵂: أنّ مسكينا سأل عائشة وهي صائمة، وليس في بيتها إلّا رغيف، فقالت لمولاة لها: أعطيه إيّاه، فقالت: ليس لك ما تفطرين عليه. فقالت أعطيه إيّاه. ففعلت، فلمّا أمسينا، أهدى لها أهل بيت أو إنسان- ما كان يهدي لها-: شاة وكفنها «٤» فدعتني عائشة، فقالت: كلي من هذا. هذا خير من قرصك) * «٥» . ٧-* (قال محمّد بن عبّاد بن عبّاد بن عبّاد ابن حبيب بن المهلّب- رحمه الله تعالى-: بعث مروان وهو على المدينة ابنه عبد الملك إلى معاوية فدخل عليه فقال: إنّ لنا مالا إلى جنب مالك بموضع كذا وكذا من الحجاز، لا يصلح مالنا إلّا بمالك، ومالك إلّا بمالنا، فإمّا تركت لنا مالك فأصلحنا به مالنا، وإمّا تركنا لك مالنا فأصلحت به مالك، فقال له: يا ابن مروان: إنّي لا أخدع عن القليل ولا يتعاظمني ترك الكثير، وقد تركنا لكم مالنا فأصلحوا به مالكم) * «٦» . ٨-* (قال عروة بن الزّبير- ﵄: «رأيت عائشة- ﵂ تقسّم سبعين ألفا وهي ترقّع ثوبها، وروى أنّها قسّمت في يوم ثمانين ومائة ألف بين النّاس، فلمّا أمست قالت: يا جارية عليّ فطوري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أمّ ذرّة «٧» : أما استطعت فيما قسّمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحما نفطر عليه؟ فقالت: لو ذكّرتني لفعلت» ) * «٨» . ٩-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: «السّخاء: أن تجود بمالك في الله- أي في سبيل الله» ) * «٩» . ١٠-* (قال محمّد بن المنكدر- رحمه الله تعالى-: «كان يقال: إذا أراد الله بقوم خيرا أمّر عليهم خيارهم، وجعل أرزاقهم بأيدي سمحائهم» ) * «١٠» . ١١-* (قال بكر بن محمّد- رحمه الله تعالى-: «ينبغي أن يكون المؤمن من السّخاء هكذا

стр. 2970

وحثا بيديه» ) * «١» . ١٢-* (قال عليّ بن الحسين- رحمه الله تعالى-: «من وصف ببذل ماله لطلّابه لم يكن سخيّا وإنّما السّخيّ من يبدأ بحقوق الله تعالى في أهل طاعته ولا تنازعه نفسه إلى حبّ الشّكر له إذا كان يقينه بثواب الله تعالى تامّا» ) * «٢» . ١٣-* (قال سفيان بن عيينة- رحمه الله تعالى- «السّخاء: البرّ بالإخوان والجود بالمال. وقال: ورث أبي خمسين ألف درهم فبعث بها صررا إلى إخوانه. وقال: قد كنت أسأل الله تعالى لإخواني الجنّة في صلاتي أفأبخل عليهم بالمال» ) * «٣» . ١٤-* (قال اللّيث بن سعد- رحمه الله تعالى-: «كان ابن شهاب من أسخى من رأيت قطّ، كان يعطي كلّ من جاءه وسأله، حتّى إذا لم يبق شيء تسلّف من أصحابه، فيعطونه، حتّى إذا لم يبق معهم شيء حلفوا أنّه لم يبق معهم شيء فيستلف من عبيده فيقول لأحدهم: يا فلان أسلفني كما تعرف وأضعّف لك كما تعلم، فيسلّفونه، ولا يرى بذلك بأسا، وربّما جاءه السّائل فلا يجد ما يعطيه فيتغيّر عند ذلك وجهه فيقول للسّائل: أبشر فسوف يأتي الله بخير، قال فيقيّض الله لابن شهاب على قدر صبره واحتماله» ) * «٤» . ١٥-* (قال إبراهيم بن المفلس اليشكريّ منشدا: يقول رجال قد جمعت دراهما ... وكيف ولم أخلق لجمع الدّراهم أبى الله إلّا أن تكون دراهمي ... بذا الدّهر نهبا في صديق وغارم وما النّاس إلّا جامع أو مضيّع ... وذو نصب يسعى لآخر نائم يلوم أناس في المكارم والعلا ... وما جاهل في أمره مثل عالم لقد أمنت منّي الدّراهم جمعها ... كما أمن الأضياف من بخل حاتم) * «٥» . ١٦-* (قال ابن قدامة- رحمه الله تعالى-: «خرج عبد الله بن جعفر إلى ضيعة له، فنزل على نخل لقوم فيها غلام أسود يعمل فيها، إذ أتى الغلام بقوته، فدخل الحائط كلب، فدنا من الغلام فرمى إليه قرصا فأكله، ثمّ رمى إليه قرصا آخر فأكله، ثمّ رمى إليه ثالثا فأكله، وعبد الله ينظر. فقال: يا غلام كم قوتك كلّ يوم؟ قال: ما رأيت. قال: فلم آثرت به هذا الكلب؟ قال: إنّ أرضنا ما هي بأرض كلاب، وأظنّ أنّ هذا الكلب قد جاء من مسافة بعيدة جائعا فكرهت ردّه، قال: فما أنت صانع؟ قال: أطوي يومي

стр. 2971

هذا، فقال عبد الله بن جعفر: ألام على السّخاء وهذا أسخى منّي. فاشترى الحائط وما فيه من الآلات واشترى الغلام وأعتقه ووهبه له» ) * «١» . ١٧-* (وقال ابن قدامة أيضا: «اجتمع جماعة من الفقراء في موضع لهم وبين أيديهم أرغفة معدودة لا تكفيهم فكسروا الرّغفان، وأطفأوا السّراج، وجلسوا للأكل، فلمّا رفع الطّعام إذا هو بحاله، لم يأكل أحد منهم شيئا إيثارا لأصحابه» ) * «٢» . ١٨-* (قال حميد بن هلال- رحمه الله تعالى- «تفاخر رجلان من قريش رجل من بني هاشم ورجل من بني أميّة فقال هذا: قومي أسخى من قومك، وقال هذا: قومي أسخى من قومك. قال: سل في قومك حتّى أسأل في قومي. فافترقا على ذلك فسأل الأمويّ عشرة من قومه فأعطوه مائة ألف. فجاء الهاشميّ إلى عبيد الله بن العبّاس فأعطاه مائة ألف، ثمّ أتى الحسن بن عليّ، فسأله هل أتيت أحدا من قومي؟ قال: نعم عبيد الله بن عبّاس فأعطاني مائة ألف، فأعطاه الحسن مائة ألف وثلاثين ألفا. ثمّ أتى الحسين بن عليّ فسأله: هل أتيت أحدا قبل أن تأتيني؟، قال: نعم أخاك الحسن فأعطاني مائة ألف وثلاثين ألفا، قال: لو أتيتني قبل أن تأتيه لأعطيتك أكثر من ذلك ولكن لم أكن لأزيد على سيّدي، فجاء الأمويّ والهاشميّ بما معهما، ففخر الهاشميّ الأمويّ، فرجع الأمويّ إلى قومه فأخبرهم الخبر وردّ عليهم المال فقبلوه ورجع الهاشميّ إلى قومه فأخبرهم الخبر، وردّ عليهم المال، فأبوا أن يقبلوه وقالوا: لم نكن لنأخذ شيئا قد أعطيناه) * «٣» . ١٩-* (وقال بعض الشّعراء: ويظهر عيب المرء في النّاس بخله ... ويستره عنهم جميعا سخاؤه تغطّ بأثواب السّخاء فإنّني ... أرى كلّ عيب بالسّخاء غطاؤه) *» . ٢٠-* (وقال زهير: ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله ... على قومه يستغن عنه ويذمم ومن يوف لا يذمم ومن يهد قلبه ... إلى مطمئنّ البرّ لا يتجمجم) * «٥» . ٢١-* (قال محمّد بن عبّاد المهبليّ: «دخل أبي على المأمون فوصله بمائة ألف درهم، فلمّا قام من عنده تصدّق بها، فأخبر بذلك المأمون، فلمّا عاد إليه يعاتبه في ذلك فقال: يا أمير المؤمنين، منع الموجود سوء ظنّ بالمعبود، فوصله بمائة ألف أخرى) * «٦» . ٢٢-* (وقال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: «اعلم أنّ المال إن كان مفقودا فينبغي أن يكون حال العبد القناعة، وقلّة الحرص، وإن كان موجودا فينبغي أن يكون حاله الإيثار، واصطناع المعروف، والتّباعد عن

стр. 2972

الشّحّ والبخل، فإنّ السّخاء من أخلاق الأنبياء- ﵈ وهو أصل من أصول النّجاة) * «١» . ٢٣-* (عن واقد بن محمّد الواقديّ قال: «حدّثني أبي أنّه رفع رقعة إلى الخليفة المأمون يذكر فيها كثرة الدّين، وقلّة صبره عليه، فوقّع المأمون على ظهر رقعته، إنّك رجل اجتمع فيك خصلتان السّخاء والحياء، فأمّا السّخاء فهو الّذي أطلق ما في يديك، وأمّا الحياء فهو الّذي يمنعك عن تبليغنا ما أنت عليه، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم، فإن كنت قد أصبت فازدد في بسط يدك، وإن لم أكن قد أصبت فجنايتك على نفسك) * «٢» . ٢٤-* (وقيل: «بعث هارون الرّشيد إلى مالك ابن أنس- ﵀ بخمسمائة دينار؛ فبلغ ذلك اللّيث بن سعد فأنفذ إليه ألف دينار، فغضب هارون، وقال: أعطيته خمسمائة، وتعطيه ألفا وأنت من رعيّتي؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ لي من غلّتي كلّ يوم ألف دينار؛ فاستحييت أن أعطي مثله أقلّ من دخل يوم. وحكي أنّه لم تجب عليه الزّكاة مع أنّ دخله كلّ يوم ألف دينار. وحكي أنّ امرأة سألت اللّيث بن سعد. ﵀ شيئا من عسل، فأمر لها بزقّ من عسل، فقيل له: إنّها كانت تقنع بدون هذا، فقال: إنّها سألت على قدر حاجتها، ونحن نعطيها على قدر النّعمة علينا. وكان اللّيث بن سعد لا يتكلّم كلّ يوم حتّى يتصدّق على ثلاثمائة وستّين مسكينا) * «٣» . ٢٥-* (وروي أنّ الشّافعيّ- ﵀ لمّا مرض مرض موته بمصر قال: مروا فلانا يغسّلني، فلمّا توفّي بلغه خبر وفاته فحضر وقال: ائتوني بتذكرته، فأتي بها، فنظر فيها، فإذا فيها «على الشّافعيّ سبعون ألف درهم دينا» ، فكتبها على نفسه وقضاها عنه، وقال: هذا غسلي إيّاه؛ أي أراد به هذا. وقال أبو سعيد الواعظ الحركوشيّ: لمّا قدمت مصر طلبت منزل ذلك الرّجل فدلّوني عليه، فرأيت جماعة من أحفاده وزرتهم، فرأيت فيهم سيم الخير وآثار الفضل؛ فقلت: بلغ أثره في الخير إليهم، وظهرت بركته فيهم مستدلّا بقوله تعالى: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً (الكهف/ ٨٢) وقال الشّافعيّ- ﵀: لا أزال احبّ حمّاد بن سليمان لشيء بلغني عنه، أنّه كان ذات يوم راكبا حماره، فحرّكه فانقطع زرّه، فمرّ على خيّاط، فأراد أن ينزل إليه ليسوّي زرّه، فقال الخيّاط: والله لا نزلت، فقام الخيّاط إليه فسوّى زرّه، فأخرج إليه صرّة فيها عشرة دنانير فسلّمها إلى الخيّاط واعتذر إليه من قلّتها، وأنشد الشّافعيّ- ﵀ لنفسه: يا لهف قلبي على مال أجود به ... على المقلّين من أهل المروءات إنّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي، لمن إحدى المصيبات) * «٤» .

стр. 2973

من فوائد (السخاء) ١- صاحبه محمود في الدّنيا والآخرة. ٢- دليل الزّهد في الدّنيا وحبّ الآخرة. ٣- تستغفر الأرض والحفظة لموت السّخيّ. ٤- يكسب السّيادة في الدّنيا والآخرة. ٥- طريق من طرق النّبيّين والسّلف الصّالح. وانظر فوائد صفتي: الكرم والجود

стр. 2974

السرور السرور لغة: جمع ابن فارس تفريعات مادّة (س ر ر) في ثلاثة أشياء: إخفاء الشّيء، وما كان من خالصه، ومستقرّه. يقول في هذا: «السّين والرّاء» يجمع فروعه إخفاء الشّيء، وما كان من خالصه، ومستقرّه. لا يخرج شيء منه عن هذا. فالسّرّ: خلاف الإعلان. يقال: أسررت الشّيء إسرارا، خلاف أعلنته. وأمّا الّذي ذكرناه من محض الشّيء وخالصه فالسّرّ: خالص الشّيء، ومنه السّرور؛ لأنّه أمر خال من الحزن ... وأمّا الّذي ذكرناه من الاستقرار فالسّرير، وجمعه سرر وأسرّة «١» . ويرى الرّاغب أنّ تفريعات المادّة يجمعها أصل واحد، «هو: خلاف الإعلان ... والسّرّ: هو الحديث المكتم في النّفس ... والسّرور: ما ينكتم من الفرح قال تعالى: وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (الإنسان/ ١١) ... والسّرير: الّذي يجلس عليه من السّرور، إذ كان ذلك لأولي النّعمة، وجمعه أسرّة وسرر، وسرير الميّت تشبيها به في الصّورة، وللتّفاؤل بالسّرور الّذي الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣/ ١٩/ ٣ يلحق الميّت برجوعه إلى جوار الله تعالى وخلاصه من سجنه المشار إليه بقوله: ﷺ «الدّنيا سجن المؤمن «٢» » فالسّرور عند ابن فارس بمعنى الفرح الّذي لا يخالطه حزن، وعند الرّاغب ما ينكتم من الفرح، وجعله الجوهريّ خلاف الحزن عند ما قال: «والسّرور خلاف الحزن. تقول: سرّني فلان مسرّة. وسرّ هو، على ما لم يسمّ فاعله «٣» . وجعله ابن منظور بمعنى الفرح فيقول: «والسّرّ والسّرّاء والسّرور والمسرّة، كلّه الفرح ... يقال: سررت برؤية فلان، وسرّني لقاؤه، وقد سررته أسرّه أي فرّحته «٤» . ونقل ابن القيّم عن صاحب المنازل أنّ معنى سرّه: أثّر في أسارير وجهه، فإنّه تبرق منه أسارير الوجه، يقول الشّاعر: وإذا نظرت إلى أسرّة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلّل «٥» واصطلاحا: هو لذّة في القلب عند حصول نفع أو توقّعه، أو اندفاع ضرر «٦» ، وقيل حقيقة السّرور التذاذ

стр. 2975

وانشراح يحصل في القلب فقط، من غير حصول أثره في الظّاهر «١» . وقيل: هو حالة نفسانيّة تعرض عند حصول شيء لذيذ «٢» . الفرق بين السرور والحبور والفرح والاستبشار: السّرور: اسم لاستبشار جامع وهو الخالص المنكتم، والحبور: ما يرى أثره في الظّاهر أي ما يرى حبره في ظاهر البشرة، وهما مستعملان في الأمر المحمود، والفرح: ما يورث أشرا وبطرا، ولذلك كثيرا ما يذمّ كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (القصص/ ٧٦) فالأوّلان ما يكونان عن القوّة الفكريّة، والفرح: ما يكون عن القوّة الشّهويّة. أمّا الاستبشار: فهو استفعال من البشرى ويعني السّرور بالبشارة. والبشارة: هي أوّل خبر صادق وسمّيت بذلك لأنّها تؤثّر في بشرة الوجه، وهي نوعان: سارّة، ومحزنة فإذا أطلقت فهي للسّرور. وقال أبو هلال العسكريّ: الفرق بين السّرور والفرح أنّ السّرور لا يكون إلّا بما هو نفع أو لذّة على الحقيقة، وقد يكون الفرح بما ليس بنفع ولا لذّة كفرح الصّبيّ بالرّقص والعدو والسّباحة وغير ذلك ممّا يتعبه ويؤذيه ولا يسمّى ذلك سرورا، ونقيض السّرور الحزن، ونقيض الفرح الغمّ «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الفرح- البشارة- البشاشة- طلاقة الوجه- التفاؤل- الكلم الطيب- الرضا. وضد ذلك: انظر صفات: الحزن- العبوس- القسوة- الكرب- التنفير] .

стр. 2976

الآيات الواردة في «السرور» ١- قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) «١» ٢- وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (١٠) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (١١) «٢» ٣- فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) «٣»

стр. 2977

الأحاديث الواردة في (السرور) ١-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اشهد أنّي قد نحلت النّعمان كذا وكذا من مالي. فقال: «أكلّ بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النّعمان؟» . قال: لا. قال: «فأشهد على هذا غيري» . ثمّ قال: «أيسرّك أن يكونوا إليك في البرّ سواء؟» . قال: بلى. قال: «فلا، إذا» ) * «١» . ٢-* (عن معاوية بن قرّة عن أبيه أنّ رجلا كان يأتي النّبيّ ﷺ ومعه ابن له، فقال له النّبيّ ﷺ : «أتحبّه؟» . فقال: يا رسول الله، أحبّك الله كما أحبّه، ففقده النّبيّ ﷺ فقال لي: «ما فعل ابن فلان؟» . قالوا يا رسول الله، مات، فقال النّبيّ ﷺ لأبيه: «أما تحبّ أن لا تأتي بابا من أبواب الجنّة إلّا وجدته ينتظرك» فقال الرّجل، يا رسول الله أله خاصّة أم لكلّنا؟. فقال: «بل لكلّكم» ) * «٢» . ٣-* (عن عمرو بن عوف- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجرّاح إلى البحرين يأتي بجزيتها ... الحديث، وفيه «فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم ... » . الحديث) * «٣» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ ناسا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، هل نرى ربّنا يوم القيامة ... » . الحديث، وفيه: «فرأى ما فيها من الخير والسّرور فيسكت ما شاء الله أن يسكت ... » الحديث) * «٤» . ٥-* (عن أبي طلحة- ﵁ أنّ نبيّ الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فقذفوا في طويّ من أطواء «٥» بدر خبيث مخبث. وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة «٦» ثلاث ليال، فلمّا كان ببدر اليوم الثّالث أمر براحلته فشدّ عليها رحلها، ثمّ مشى واتّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلّا لبعض حاجته، حتّى قام على شفة الرّكيّ «٧» ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا؟. قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله ﷺ : والّذي نفس محمّد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) * «٨» .

стр. 2978

٦- عن ابن عمر- ﵄ قال: خطبنا عمر بالجابية، فقال: يا أيّها النّاس، إنّي قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يفشو الكذب، حتّى يحلف الرّجل ولا يستحلف، ويشهد الشّاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلّا كان ثالثهما الشّيطان، عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة؛ فإنّ الشّيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنّة «١» فليلزم الجماعة. من سرّته حسنته، وساءته سيّئته فذلك المؤمن» ) * «٢» . ٧-* (عن صهيب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عجبا لأمر المؤمن! إنّ أمره كلّه خير، وليس ذاك لأحد إلّا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له) » * «٣» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما من عبد يموت، له عند الله خير يسرّه أن يرجع إلى الدّنيا وأنّ له الدّنيا وما فيها، إلّا الشّهيد لما يرى من فضل الشّهادة، فإنّه يسرّه أن يرجع إلى الدّنيا فيقتل مرّة أخرى» ) * «٤» . ٩-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن يبسط عليه رزقه، أو ينسأ «٥» في أثره» ، فليصل رحمه» ) * «٧» . ١٠-* (عن المقداد بن الأسود- ﵁ قال: أيم الله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ السّعيد لمن جنّب الفتن، إنّ السّعيد لمن جنّب الفتن، إنّ السّعيد لمن جنّب الفتن، ولمن ابتلي فصبر، فواها» ) * «٨» . () الأحاديث الواردة في (السرور) معنى ١١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: «قال عمر: يا رسول الله، أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع- أو مبتدأ- أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: «فيما قد فرغ منه يا ابن الخطّاب، وكلّ ميسّر. أمّا من كان من أهل السّعادة؛ فإنّه يعمل للسّعادة، وأمّا من كان من أهل الشّقاء، فإنّه يعمل للشّقاء» ) «٩» ١٢-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ (مريم/ ٣٩) قال: «يؤتى بالموت كأنّه كبش أملح، حتّى يوقف على السّور بين الجنّة والنّار،

стр. 2979

فيقال: يا أهل الجنّة، فيشرئبّون «١» ، ويقال: يا أهل النّار، فيشرئبّون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضجع فيذبح، فلولا أنّ الله قضى لأهل الجنّة الحياة فيها والبقاء، لماتوا فرحا، ولولا أنّ الله قضى لأهل النّار الحياة فيها والبقاء لماتوا ترحا» ) * «٢» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قلت: يا رسول الله، من أسعد النّاس بشفاعتك يوم القيامة؟. قال: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك، لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد النّاس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلّا الله خالصا من قبل نفسه» ) * «٣» . ١٤-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» . قالت عائشة- أو بعض أزواجه-: إنّا لنكره الموت. قال: «ليس ذلك، ولكنّ المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله، وكرامته، فليس شيء أحبّ إليه ممّا أمامه، فأحبّ لقاء الله وأحبّ الله لقاءه. وإنّ الكافر إذا حضر بشّر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه ممّا أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه» ) * «٤» . ١٥-* (عن فاطمة بنت قيس- ﵂ أنّ أبا عمرو بن حفص طلّقها البتّة ... الحديث وفيه: فلمّا حللت ذكرت له، أنّ معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني. فقال رسول الله ﷺ : «أمّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه «٥» . وأمّا معاوية فصعلوك. لا مال له. «انكحي أسامة بن زيد» فكرهته. ثمّ قال: «انكحي أسامة» فنكحته. فجعل الله فيه خيرا واغتبطت) * «٦» . () المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (السرور) ١٦-* (عن زيد بن أرقم- ﵁ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ ، وكان معنا أناس من الأعراب، فكنّا نبتدر الماء «٧» » . الحديث، وفيه قال: فبينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر قد خفقت برأسي من الهمّ، إذ أتاني رسول الله ﷺ فعرك أذني «٨» وضحك في وجهي، فما كان يسرّني أنّ لي بها الخلد في الدّنيا» ... الحديث) * «٩» . ١٧-* (عن كعب بن مالك- ﵁ قال: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قطّ ... الحديث، وفيه: «فلمّا سلّمت على رسول الله ﷺ قال: «وهو يبرق وجهه من السّرور» ، ويقول: «أبشر

стр. 2980

بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» . قال: فقلت أمن عندك يا رسول الله؟ أم من عند الله؟. فقال: «لا. بل من عند الله» . وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استتار وجهه كأنّ وجهه قطعة قمر. قال: وكنّا نعرف ذلك) * «١» . ١٨-* (عن عائشة- ﵂ قالت: إنّ رسول الله ﷺ دخل عليّ مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: «ألم تري أنّ مجزّزا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد» ، فقال: «إنّ هذه الأقدام بعضها من بعض» ) * «٢» . ١٩-* (عن أبي بكرة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أتاه أمر يسرّه أو يسرّ به، خرّ ساجدا شكرا لله- ﵎) * «٣» . () من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (السرور) ١-* (سئل أبو سهل محمّد بن سليمان الصّعلوكيّ عن الشّكر والصّبر أيّهما أفضل؟. فقال: هما في محلّ الاستواء، فالشّكر وظيفة السّرّاء. والصّبر فريضة الضّرّاء» ) * «٤» . ٢-* (قال ابن القيّم- ﵀: «ثمرة الرّضى: الفرح والسّرور بالرّبّ- ﵎» ) * «٥» . ٣-* (وقال- ﵀: «ولا شيء أحقّ أن يفرح العبد به من فضل الله ورحمته، الّتي تتضمّن الموعظة، وشفاء الصّدور من أدوائها بالهدى والرّحمة. فأخبر- سبحانه-: أنّ ما آتى عباده من الموعظة، الّتي هي الأمر والنّهي، المقرون بالتّرغيب والتّرهيب، وشفاء الصّدور، المتضمّن لعافيتها من داء الجهل، والظّلمة، والغيّ، والسّفه، وهو أشدّ ألما لها من أدواء البدن، ولكنّها لمّا ألفت هذه الأدواء لم تحسّ بألمها. وإنّما يقوى إحساسها بها عند المفارقة للدّنيا. فهناك يحضرها كلّ مؤلم محزن. وما آتاها من ربّها الهدى الّذي يتضمّن ثلج الصّدور باليقين، وطمأنينة القلب به، وسكون النّفس إليه، وحياة الرّوح به. والرّحمة الّتي تجلب لها كلّ خير ولذّة، وتدفع عنها كلّ شرّ ومؤلم) * «٦» . () من فوائد (السرور) ١- باب من أبواب تحصيل الثّواب ورضا ربّ الأرباب. ٢- يبعث على التّآلف والحبّ ويقوّي روابط المجتمع الإسلاميّ. ٣- فيه تأسّ بسيّد المرسلين وخاتم النّبيّين ﷺ .
следующие страницы →