← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يحدثنا الصحابي الجليل كعب بن مالك الأنصاري عن تفاصيل بيعة العقبة الثانية فيقول: «خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ بالعقبة من أوسط أيام التشريق. فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ ، نتسلل تسلل القطا مستخفين. حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا. فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلّا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له: فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج- قال: وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج، خزرجها وأوسها-: إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلّا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده. قال: فقلنا له لقد سمعنا ما قلت،: فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. قال: فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن، ودعا إلى الله ورغب في الإسلام ثم قال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبيّا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر. قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله ﷺ ، أبو الهيثم بن التّيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها- يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدّم الدّم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» . قال كعب: وقد قال رسول الله ﷺ : «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا، ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس» «١» . وبعد هذه البيعة، قام العباس بن عبادة بن نضلة فقال لرسول الله ﷺ : والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا «٢» . فقال رسول الله ﷺ : «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» فرجعوا إلى رحالهم. وفي صباح اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي ﷺ ودعوتهم له بالهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا ذلك، والمسلمون ينظرون إلى بعضهم «٣» وبذلك مرت هذه الأزمة بسلام، وعاد الأنصار إلى يثرب وهم ينتظرون هجرة النبي ﷺ والمسلمين بلهف كبير.

стр. 352

الهجرة إلى يثرب: لم يكن اختيار يثرب دارا للهجرة مما اقتضته ظروف الدعوة فقط، وإنما كان ذلك بوحي من الله وقد وردت أحاديث صحيحة تؤكد ذلك، منها قوله ﷺ للمسلمين في مكة، كما ورد في حديث عائشة- ﵂: «إنّي أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين- وهما الحرّتان-» «١» . وقوله ﷺ : «رأيت في المنام أنّي أهاجر من مكّة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنّها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب» «٢» . ولا شك في أن الابتلاء والاضطهاد كانا من أسباب الهجرة «٣» ، كما أن توفير ملاذ آمن للدعوة يهيىء لها المناخ الملائم للعمل الإيجابي كان من أسبابها المهمة، ويتضح ذلك بشكل بارز من نصوص بيعة العقبة الثانية «٤» التي بيّنت أن تكذيب قريش للرسول كان وراء الانتقال عن مكة «٥» ، فقد «كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله مخافة أن يفتن ... » «٦» . وبعبارة أخرى فقد كانت قريش تضطهد من يتّبع الرسول ﷺ من أهل مكة «حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، وبين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم..» «٧» . وذكر ابن إسحاق بأنه قد أذن للمسلمين بعد الهجرة بقتال من بغى عليهم «٨» ، وقد أكّد ذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس- ﵄ فقال: «كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فيقول لهم: «اصبروا فإنى لم أومر بالقتال» حتى هاجر ﷺ فأنزل الله هذه الآية «٩» أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.. الآيات، وهي أول آية أنزلت في القتال «١٠» . أول المهاجرين: كان مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم أول من هاجر إلى المدينة وكانا يقرئان الناس القرآن كما صرح بذلك الإمام البخاري «١١» . في حين وردت روايات أخرى تفيد بأن أول من هاجر هو أبو سلمة بن عبد الأسد وذلك بعد أن آذته قريش على أثر رجوعه من هجرته إلى الحبشة فتوجه إلى يثرب قبل بيعة العقبة بسنة واحدة «١٢» ، على أنه يمكن الجمع بين الخبرين بحمل الأولوية في حالة مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم على أنها بعد

стр. 353

الإذن بالهجرة، وبنيّة الإقامة بها، وليعلّما من أسلم من أهلها، وذلك بأمر النبي ﷺ ، في حين كان خروج أبو سلمة من مكة فرارا بدينه وليس بقصد الهجرة إلى المدينة للاستقرار بها «١» . وقد ذكرت المصادر المعتمدة الكثير من المعلومات عن أساليب قريش في محاولتها عرقلة هجرة المسلمين إلى يثرب، وإثارتها للمشاكل في وجه المهاجرين من الإرهاب، وحجز الزوجات والأطفال، وسلب الأموال، أو الاحتيال لإعادة من هاجر منهم، غير أن ذلك لم يعرقل موكب الهجرة، فقد كان المهاجرون على استعداد تام للانخلاع عن الدنيا ومباهجها في سبيل الفرار بدينهم. والمصادر الموثقة تحكي قصص البطولة والفداء في هذا المجال، فقد ذكرت أم المؤمنين أم سلمة- ﵂ قصة هجرتها مع زوجها الأول، وكيف أن قريشا انتزعتها وطفلها من زوجها. وكيف أن رحلة العذاب قد استمرت قرابة السنة قبل أن يتاح لها أن تسترجع ابنها وأن تلحق بزوجها، وتعكس القصّة، إلى جانب الإيمان العميق والمعاناة في سبيل العقيدة، إحدى صور المروءة التي عرفها المجتمع العربي قبل الإسلام حين تطوع عثمان بن طلحة بمصاحبة أم سلمة وطفلها والإحسان في معاملتهما بشرف وكرامة وحياء إلى أن أوصلها مشارف يثرب واطمأن على سلامتهما قبل أن يعود إلى مكة «٢» . أما صهيب الرومي فقد منعه زعماء قريش من الهجرة بحجة أنه كان قد أتى إلى مكة فقيرا، فقالوا له: «كثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك أبدا» وحين عرض صهيب عليهم أن يجعل لهم المال في مقابل أن يخلّوا سبيله، فإنهم وافقوا على ذلك، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب» «٣» ، ثم تلا قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ «٤» . ويروي عمر بن الخطاب- ﵁ خبر هجرته حيث اتعد مع عياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص السهمي، على الالتقاء في سرف على أميال عن مكة، وكيف أن هشام بن العاص قد حبس عنهما، وفتن فافتتن، ثم تحدث عن خبر وصولهما إلى ظاهر المدينة، ونزولهما في بني عمرو بن عوف بقباء، وخروج أبي جهل بن هشام وأخيه الحارث إلى عياش بن أبي ربيعة وإقناعهما إياه بضرورة العودة معهما إلى مكة ليبر بقسم أمه التي نذرت ألا يمس رأسها مشط حتى تراه، وكيف حذره عمر منهما وقوله له «يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم:» ، وعدم استماعه إلى التحذير، أو إلى عرض عمر بمقاسمته ماله الكثير، وقد صدق حدس عمر في الأمر حيث عدوا عليه في بعض الطريق فأوثقاه وربطاه ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن «٥» . يقول عمر: «فكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة، قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم» ، فلما قدم

стр. 354

النبي ﷺ أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم «١» : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ* وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ «٢» . قال عمر: «فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص» . ويظهر أن هشاما قد وجد صعوبة في فهمها إلى أن ألقى الله في قلبه أنها نزلت في أمثاله فلحق برسول الله ﷺ في المدينة» «٣» . وقد ثبت أن الرسول ﷺ كان يدعو في قنوته أن ينجي الله الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة «٤» . نزل أغلب المهاجرين في بني عمرو بن عوف بقباء في موضع يدعى «العصبة» قبل مقدم المصطفى ﵊، وكانوا يجتمعون للصلاة في مسجد قباء، يؤمهم سالم بن معقل مولى أبي حذيفة- ﵄ لكونه أكثر المهاجرين قرآنا «٥» .. هجرة النبي ﷺ إلى يثرب: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ «٦» . تآمرت قريش على حياة الرسول ﷺ بعد أن علم المشركون بما تم بين الرسول ﷺ والأنصار في العقبة الثانية، ورأوا المسلمين يهاجرون إلى يثرب جماعات وأفرادا. وقد أرّخ الزهري لهجرة المصطفى ﷺ فقال: «مكث رسول الله ﷺ بعد الحج بقية ذي الحجة، والمحرم وصفر، ثم إن المشركين اجتمعوا» «٧» - يعني على قتله- وقد تواترت الأخبار بأن خروج النبي ﷺ من مكة كان يوم الاثنين «٨» ودخوله المدينة كان يوم الاثنين. عقد زعماء قريش إجتماعا خطيرا في دار الندوة حيث تشاوروا في أضمن الوسائل للتخلص من الرسول ﷺ «٩» ، وقد لخّص القرآن الكريم الآراء التي طرحوها في ذلك الاجتماع في قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ

стр. 355

كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» . بيّن حبر الأمة عبد الله بن عباس- ﵄ حصار المشركين لبيت النبي ﷺ ابتغاء قتله، ومبيت علي ابن أبي طالب- ﵁ في فراشه. كما أورد خبر انتقال النبي ﷺ إلى غار جبل ثور، وقيام المشركين بقص أثره إلى الغار، ورؤيتهم نسيج العنكبوت على مدخله وتركهم التحري فيه، ولكن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج بها وإن كانت هي «أجود ما روي في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار» «٢» . وقد ورد، إضافة إلى ذلك، حديث آخر ضعيف جدّا بشأن الشجرة التي نبتت في وجه الغار والحمامتين الوحشيتين اللتين وقعتا بفم الغار، وقد تسربت هذه الأخبار وأمثالها في العديد من كتب الحديث والسيرة «٣» . الإذن بالهجرة: وحين أمر الله تعالى رسوله الكريم ﷺ بالهجرة إلى يثرب، جاء ﷺ متقنعا إلى منزل أبي بكر الصديق- ﵁ في وقت لم يعتد أن يزوره فيه، في نحر الظهر، وهو أشد ما يكون في حرارة النهار، وقد روت أم المؤمنين عائشة- ﵂ وقائع ما جرى، فقالت: «فبينما نحن يوما جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ متقنعا، في ساعة لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر» . قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له، فدخل، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإنّي قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله، قال رسول الله ﷺ : نعم، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتيّ هاتين، قال رسول الله ﷺ بالثّمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحثّ الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شابّ ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحهما عليها حين تذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل وهو لبن منحتهما ورضيفهما «٤» - حتى ينعق بها عامر بن فهيره بغلس، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث. واستأجر رسول الله ﷺ وأبو بكر- ﵁ رجلا

стр. 356

من بني الدّيل وهو من بني عبد ابن عدي هاديا خرّيتا- والخرّيت الماهر بالهداية- قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهميّ، وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل فأخذ بهم طريق السواحل» «١» . وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس- ﵄ قال: كان النبي ﷺ بمكة ثم أمر بالهجرة فنزل عليه قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً «٢» . وأورد الإمام أحمد في مسنده رواية حسنة تشير إلى أن الرسول ﷺ قد انطلق إلى الغار من بيته حيث حاصره المشركون يريدون قتله، فلبس علي بن أبي طالب- ﵁ ثوبه ونام في مكانه، واخترق النبي ﷺ حصار المشركين دون أن يروه، بعد أن أوصى عليّا بأن يخبر أبا بكر أن يلحق به فجاء أبو بكر وعلي نائم، وأبو بكر يحسب أنه نبي الله فقال: يا نبي الله، فقال علي: إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه في الغار، قال: وجعل علي يرمى بالحجارة كما كان يرمى نبي الله وهو يتضوّر، قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه حتى أصبح «٣» . ثم كشف عن رأسه، فقالوا: إنك للئيم كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر، وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك «٤» . أمر أبو بكر الصديق- ﵁ عامر بن فهيرة أن يصحبهما في هجرتهما ليخدمهما ويعينهما على الطريق «٥» . وحمل أبو بكر. ﵁ ثروته ليضعها تحت تصرف الرسول ﷺ وقد ذكرت أسماء بنت أبي بكر أنها كانت خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم «٦» . ومكث النبي ﷺ والصديق- ﵁ في الغار ثلاث ليال، تمكن المشركون خلالها من اقتفاء آثارهم إلى الغار، وقد بكى الصديق خوفا على سلامة النبي ﷺ وهو يرى أقدامهم عند فم الغار وقال: «يا نبي الله: لو أن أحدهم طأطأ بصره رآنا» «٧» . فقال له الرسول ﷺ «أسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما» «٨» . وإلى هذا اليقين والتوكل الكامل تشير الآية الكريمة: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا «٩» .

стр. 357

وبعد أن أخفقت قريش في العثور عليهما، أعلنت عن مكافأة لمن يقتلهما أو يأسرهما، وانقطع الطلب عنهما، جاءهما الدليل، عبد الله بن أريقط بعد ثلاث من بقائهما في الغار ومعه الراحلتان، وكان معهما عامر بن فهيرة فانطلق الأربعة متوجهين إلى المدينة. ويبدو أنهما كانا يحسان برصد المشركين لهما، يقول أبو بكر الصديق- ﵁: «أخذ علينا بالرصد فأخرجنا ليلا» «١» . وقد تحدث أبو بكر الصديق عن بداية رحلة الهجرة النبوية فقال: «أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد، حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل، لم تأت عليه الشمس بعد، فنزلنا عندها، فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكانا ينام فيه النبي ﷺ في ظلها ثم بسطت عليه فروة، ثم قلت: «نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك، فنام» . وهذا أول معجزة وقعت للنبي ﷺ في طريق الهجرة «٢» . وذكر أبو بكر خبر قدوم راع مقبل إلى الصخرة يريد منها مثل الذي أرادوا، وعرف أبو بكر منه أنه رجل من أهل مكة ورضي أن يحلب لهم من شاة له وطلب منه أبو بكر أن ينظف الضرع قبل الحلب، وكره أن يوقظ النبي ﷺ ليشرب، فانتظره حتى استيقظ فشرب ثم أمر بالرحيل «٣» . كان الرسول يردف أبا بكر معه على راحلته، وكان إذا سأل أحد أبا بكر عن الرسول يقول: هذا رجل يهديني السبيل فيحسبه السائل دليلا لطريقه، وإنما كان يكنّي عن سبيل الخير «٤» . وحصلت المعجزة الثانية حين عصم الله رسوله ﷺ وحماه من سراقة بن مالك، الذي طلبهم طمعا في جائزة قريش. فقد علم سراقة بخبرهم من رجل من بني مدلج رآهم عن بعد وهم مرتحلون مع الساحل «٥» . فاتّبعهم سراقة وهم في جلد من الأرض «٦» . وينقل البخاري حديث سراقة حيث يقول: «وقد كنت أرجو أن أردّه على قريش فآخذ المائة الناقة. قال فركبت فرسي على أثره، فبينما فرسي يشتد بي، عثر بي فسقطت عنه، قال فقلت ما هذا؟! قال ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره. قال فأبيت إلا أن أتبعه. قال فركبت في أثره، فبينما فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه، قال فقلت ما هذا!، فلما بدا لي القوم ورأيتهم عثر بي فرسي، وذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض وتبعهما دخان كالإعصار قال: فعرفت حين رأيت أنه قد منع مني، وأنه ظاهر قال: فناديت القوم، فقلت أنا سراقة بن مالك بن جعشم انظروني أكلمكم، فو الله لا أريبكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «قل له وما تبغي منا؟» فقال له ذلك أبو بكر قال: قلت: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك. قال:

стр. 358

«اكتب له يا أبا بكر» . فكتب لي كتابا في عظم أو في رقعة أو في خزفة، ثم ألقاه إلي فأخذته فجعلته في كنانتي ثم رجعت فسكتّ فلم أذكر شيئا مما كان، ثم حكى خبر لقائه برسول الله ﷺ بعد فتح مكة وإسلامه «١» . وقد ذكر سراقة في رواية صحيحة أنه اقترب من الاثنين حتى سمع قراءة رسول الله ﷺ ، وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الالتفات، كما ذكر أنه عرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئا، وأن وصيته كانت: أخف عنا «٢» . وقد اشتهر في كتب السيرة والحديث خبر نزول الرسول ﷺ وصحبه بخيمة أم معبد بقديد طالبين القرى، فاعتذرت لهم لعدم وجود طعام عندها، إلّا شاة هزيلة لا تدر لبنا فأخذ ﷺ الشاة فمسح ضرعها بيده، ودعا الله، وحلب في إناء حتى علت الرغوة، وشرب الجميع «٣» . أما الصحابي قيس بن النعمان السكوني فقد ذكر نزولهما في خيمة أبي معبد وقوله لهم: والله ما لنا شاة، وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن. فقال رسول الله ﷺ :- فما تلك الشاة؟ فأتى بها، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة عليها، ثم حلب عسا فسقاه، ثم شربوا. فقال أنت الذي تزعم قريش أنك صابيء؟ قال: إنهم يقولون، قال: أشهد أن ما جئت به حق. ثم قال: أتبعك، قال: لا حتى تسمع أنا قد ظهرنا. فاتّبعه بعد. ولا شك في أن هذا الخبر فيه معجزة حسيّة للرسول ﷺ شاهدها أبو معبد فأسلم «٤» . وصول النبي ﷺ إلى المدينة: كان المسلمون في المدينة قد سمعوا بخروج النبي ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه حتى إذا اشتد الحر عليهم عادوا إلى بيوتهم، فلما كان يوم الاثنين الثاني من ربيع الأول سنة أربع عشرة من المبعث «٥» . انتظروه حتى لم يبق لهم ظل يستظلون به، فعادوا وقدم الرسول ﷺ وقد دخلوا بيوتهم، فبصر به يهودي فناداهم، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرّة وهم يهللون ويكبرون، وسمعت الرجّة والتكبيرة في بني عمرو بن عوف، فكبر المسلمون فرحا بقدومه وخرجوا وتلقوه وحيّوه بتحية النبوّة «٦» . فنزل النبي ﷺ في قباء في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء «٧» . ولما عزم النبي ﷺ على أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم «٨» . وقدر

стр. 359

عدد الذين استقبلوه من المسلمين الأنصار خمسمائة حيث أحاطوا بركب النبي ﷺ وصاحبه «١» . ومضى الموكب داخل المدينة والجموع تهتف: «جاء نبي الله ... جاء نبي الله» «٢» . وقد صعد الرجال والنساء فوق البيوت وتفرق الغلمان في الطرق وهم ينادون: «يا محمد يا رسول الله يا محمد يا رسول الله» «٣» . وقال أحد شهود العيان وهو الصحابي البراء بن عازب- ﵄: «ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ » «٤» . وتطلع زعماء الأنصار إلى استضافة الرسول ﷺ «٥» ، وأقبل النبي ﷺ بناقته حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب الأنصاري، فتساءل: «أيّ بيوت أهلنا أقرب» فقال أبو أيوب: «أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي» فنزل ﷺ في داره «٦» . وكانت داره طابقين، قال أبو أيوب: «لما نزل عليّ رسول الله ﷺ في بيتي نزل في السّفل وأنا وأم أيوب في العلوّ، فقلت له ﷺ : يا نبي الله- بأبي أنت وأمي- إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك، وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلوّ وننزل نحن فنكون في السفل، فقال ﷺ : «يا أبا أيّوب: إنّ أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت» . قال أبو أيوب: «فلقد انكسر حبّ لنا فيه ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا مالنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر على رسول الله ﷺ منه شيء يؤذيه» «٧» . اقترعت الأنصار على سكنى إخوانهم المهاجرين وآثروهم على أنفسهم «٨» فأثنى الله تعالى عليهم ثناء عظيما خلّد ذكرهم وحسّن صنيعهم أبد الدهر، فقال تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَ

стр. 360

نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «١» . ولقد أثنى النبي ﷺ على الأنصار ثناء عظيما فقال ﷺ في مناسبة تالية: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار» «٢» ، وقال ﷺ : «ولو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم» «٣» . بناء المسجد النبوي: كان رسول الله ﷺ يصلي حيث أدركته الصلاة وكان رجال من المسلمين يقيمون الصلاة في مبرك ناقة النبي ﷺ عند بيت أبي أيوب الأنصاري، وكانت الأرض لسهل وسهيل، وهما غلامان يتيمان من بني النجار، وفيها نخل لهما «٤» . كما كانت فيها بعض قبور المشركين، وقد اشتراها النبي ﷺ ، وتولى المسلمون تسويتها وقطع نخيلها ونقل قبورها وحجارتها، فجعلوا صخورها وجذوع نخلها في قبلة المسجد «٥» . وقد ساهم النبي ﷺ مع المسلمين من المهاجرين والأنصار في المدينة في بناء المسجد، وكانوا في حالة من السعادة الغامرة والسرور العظيم، وهم يهزجون: «اللهمّ إنّه لا خير إلّا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره» «٦» . وكان النبي ﷺ يقدم في العمل من يجيده، وأورد البخاري قوله ﷺ : «قرّبوا اليمامي «٧» من الطّين، فإنّه أحسنكم له مسّا، وأشدّكم له سبكا» «٨» . وفي رواية صحيحة أخرى: «دعوا الحنفي والطين، فإنه أضبطكم» «٩» . وكان عمار بن ياسر من العاملين المجيدين في بناء مسجد النبي ﷺ ، ففي حين كان كل واحد من الصحابة يحمل لبنة واحدة في كل مرة، كان عمار يحمل لبنتين واحدة عنه وأخرى عن الرسول ﷺ ، فأكرمه النبي ﷺ بأن مسح على ظهره مبرّكا وقال له: «للناس أجر ولك أجران.. وتقتلك الفئة الباغية» «١٠» . وقد تم بناء المسجد أول الأمر بالجريد، واستغرق بناؤه إثنى عشر يوما «١١» .

стр. 361

وبعد الفراغ من بناء المسجد النبوي بنيت بيوت أزواج النبي ﷺ على شاكلة بناء المسجد «١» . وكانت إلى جنب المسجد قصيرة البناء متقاربة «٢» . ولم يكن في المسجد النبوي حين بني منبر يخطب الناس عليه، وكان النبي ﷺ يخطب وهو مستند إلى جذع عند مصلّاه، ثم اتخذ له كرسيا بدرجتين «٣» . وواجه المسلمون المهاجرون من مكة الكثير من المصاعب الصحية الناجمة عن اختلاف المناخ، ذلك أنهم لم يكونوا قد اعتادوا على البرودة القاسية، والرطوبة العالية وقد تفشت بينهم الحمى، وينقل البخاري مرويات عن بعض كبار الصحابة من المهاجرين الذين أصابهم المرض، وكان أبو بكر الصديق ممن أصيب بالحمى «٤» . ويذكر عنه أنه إذا أخذته الحمى كان يقول: كل امريء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بعض الصحابة يظهرون السأم من الإقامة في المدينة بسبب ذلك ويشتاقون إلى العودة إلى مكة، وذلك ما كان يشعر به بلال الحبشي- ﵁ فكان إذا ما انتهت دورة الحمى التي كانت تأخذه ينشد «٥» . ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل وحين علم النبي ﷺ بذلك من أم المؤمنين عائشة- ﵂ قال: «اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة أو أشدّ، وصحّحها، وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة» «٦» . وقال أيضا: «اللهمّ أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم» «٧» . لقد صارت الهجرة فرضا واجبا على كل مسلم في تلك المرحلة من أجل نصرة النبي ﷺ ودعوته ومواساته بالنفس، وتعزيز وتقوية معسكر الإيمان، والابتعاد عن الفتنة من الكافرين، ولقد استمر الحث على الهجرة وبيان فضل المهاجرين بنزول الآيات القرآنية، واستمر معها تدفق المهاجرين من كل مكان. وتتابعت الآيات بالأمر

стр. 362

بالهجرة وبيان عظيم أجرها حتى وعد الله تعالى المهاجرين بمنعهم وحمايتهم وتمكينهم من مراغمة أعدائهم والتوسعة عليهم في أرزاقهم قال تعالى: وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً «١» . وقال تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ «٢» . وقد شرع الله تعالى الهجرة على المسلمين القادرين عليها ومنعهم من الاستمرار في الإقامة مستضعفين مع المشركين، فقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً «٣» . وتغلب المهاجرون على المشكلات العديدة، واستقروا في دار الهجرة مغلبين متطلبات الدعوة ومصالح العقيدة. ولقد تأخر بعض المسلمين بمكة عن الهجرة تحت ضغوط أزواجهم وأولادهم، فلما هاجروا ووجدوا أن من سبقهم بالهجرة من إخوانهم قد تفقهوا في الدين، تألموا وهمّوا بمعاقبة ذويهم، وكان ذلك سببا في نزول قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٤» . ومما يمكن ملاحظته أن النبي ﷺ قد استبدل اسم يثرب فقد أورد مسلم حديثا عن جابر أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله تعالى سمّى المدينة: طابة» «٥» . وروى البخاري بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطّاعون ولا الدّجّال» «٦» . وروى أحمد في مسنده بسنده أن النبي ﷺ قال: «من سمّى المدينة يثرب فليستغفر الله- هي طابة، هي طابة» «٧» . وقد سماها الله تعالى في كتابه العزيز «المدينة» في مواضع متعددة «٨» . لم يعد سكان المدينة، كما كانوا عليه قبل الهجرة، يقتصرون على يهود وأوس وخزرج، فقد استوطنها المهاجرون من قريش وغيرهم من القبائل الأخرى «٩» . وحيث إن أساس المجتمع الجديد يستند إلى العقيدة التي

стр. 363

أصبحت أساس تقسيمات السكان الذين انقسموا بموجب ذلك إلى ثلاث مجموعات متميزة وهم: المؤمنون، والمنافقون، واليهود. تنظيم الأمة بعد الهجرة: أدى تدفق المهاجرين إلى المدينة المنورة إلى حصول العديد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والصحية، ذلك أن المهاجرين كانوا قد تركوا أهليهم ومعظم أموالهم في مكة، كما أنهم كانوا- في الغالب- خبراء متمرسين في أعمال التجارة، ولم تكن لهم مهارة في الزراعة والصناعة اليدوية الشائعة في المدينة، وشكّل حاجاتهم إلى رأس المال حاجزا دون ممارستهم للتجارة. ولقد أبدى الأنصار توجها واضحا نحو البذل والتعاون مع إخوانهم المهاجرين فقد أعطوهم الأرض والنخل ليعملوا بها بنصف ثمارها، ومنهم من أعطى مثل ذلك منيحة دون مقابل، وقد استغنوا عنها حين فتح الله عليهم خيبر «١» . ولا شك في أن عمل الأنصار هذا يعكس مدى اهتمامهم ورعايتهم وحبهم لإخوانهم المهاجرين، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ «٢» . وتحدثت الروايات الصحيحة عن صور رائعة من صور الإيثار الذي مارسه الأنصار تجاه إخوانهم المهاجرين «٣» . وإلى جانب ذلك فإن انتقال المهاجرين إلى مجتمع جديد زاد من مشاكلهم، وإحساسهم بالوحشة والحنين إلى مكة، كما أن البيئة المناخية الجديدة تختلف عما اعتادوه في ديارهم بمكة، كما تعرّضوا للإصابة ببعض الأمراض. وكانت الحمى من الأمراض الظاهرة التي شاعت بينهم وسببت لهم الكثير من المتاعب وزادت من إحساسهم بالضيق والغربة. وذلك ما أدركه النبي ﷺ حين سأل ربه قائلا: «اللهمّ امض لأصحابي هجرتهم ولا تردّهم على أعقابهم» «٤» . وذلك يعكس دون أدنى شك أن وضع المهاجرين كان يقتضي علاجا سريعا، وحلّا استثنائيّا عاجلا، وذلك ما يوضح السبب في تشريع نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في السنة الأولى من الهجرة «٥» . فلقد أراد الرسول ﷺ أن يشرع نظاما يعالج فيه أوضاع المهاجرين الاقتصادية ويشعرهم بأنهم ليسوا عالة على إخوانهم الأنصار.

стр. 364

نظام المؤاخاة: حصل جدل بين العلماء حول مدى صحة المعلومات التي أوردتها بعض المصادر «١» . عن مؤاخاة جرت في مكة بين بعض المهاجرين من أهل السابقة «٢» . ولكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قد فنّدا ذلك، وتابعهما الحافظ ابن كثير «٣» . ولم تشر كتب السيرة الأولى إلى وقوع المؤاخاة بمكة، كما لم يرد عنها رواية صحيحة. شرع الرسول ﷺ نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقد شمل ذلك خمسة وأربعين من المهاجرين ومثلهم من الأنصار «٤» ، وترتب على هذا النظام حقوق خاصة بين المتآخيين كالمواساة في مواجهة أعباء الحياة والتوارث بينهما دون ذوي الأرحام «٥» . وتصور بعض المرويات الصحيحة عمق التزام الأنصار بنظام المؤاخاة ومدى حرصهم على تنفيذه، كما تصور مدى أنفة وكرم أخلاق المهاجرين وامتناعهم عن استغلال إخوانهم «٦» . استمر العمل بنظام المؤاخاة إلى ما بعد غزوة بدر الكبرى حيث ألف المهاجرون جو المدينة، وعرفوا مسالك الرزق فيها، ووثقوا علاقتهم بإخوانهم المسلمين من الأنصار وغيرهم، وأصابوا من غنائم معركة بدر الكبرى ما كفاهم. ولذلك فقد ألغي التوارث في نظام المؤاخاة، وعاد إلى وضعه الطبيعي القائم على أساس صلة الرحم «٧» . وقد جاء ذلك الإبطال بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «٨» . غير أن ذلك لا يعني إبطال مؤاخاة المواساة والتعاون والتناصح فقد أورد البخاري في صحيحه خبرا عن المؤاخاة بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي «٩» ، كما تورد المصادر مرويات عن مناسبات جرت فيها حالات مؤاخاة أخرى تقتضي المؤازرة والرفقة دون حقوق التوارث، هذا إضافة إلى أن المؤاخاة التي شرعت بين المؤمنين والتي نص

стр. 365

عليها الكتاب العزيز: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ... «١» . باقية لم تنسخ، وأن ما نسخ هو التوارث المترتب عليها. مما حصر الموالاة والأخوّة بين المؤمنين دون غيرهم، وقطع الولاية بين المؤمنين والكافرين من المشركين واليهود والنصارى قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «٢» . وتعرّض الصحابة من المهاجرين والأنصار إلى امتحان شديد في عقيدتهم حين خيّرهم الله بين الالتزام بمصالحهم الدنيوية وعلاقاتهم النسبية من جهة وبين الالتزام بالعقيدة فقال تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ «٣» . وقد نجح صحابة النبي ﷺ في هذا الامتحان العسير، وغلّبوا حب الله ورسوله وآصرة العقيدة على كل ما سوى ذلك، فكان مجتمع المدينة الجديد مجتمعا عقديّا يرتبط بالإسلام ولا يعرف الموالاة إلّا لله ولرسوله وللمؤمنين، ومع ذلك فهو مجتمع مفتوح لمن أراد أن يلتحق به فيؤمن بعقيدته بعد أن يخلع نفسه عن عقيدة الجاهلية وصفاتها ودون أي اعتبار لجنسه أو لونه أو انتمائه السابق.

стр. 366

موادعة اليهود: وقد كتبت وثيقة هذه الموادعة في المدينة المنورة أول قدوم النبي ﷺ إليها وقبل معركة بدر الكبرى «١» ، وهي تستهدف تنظيم العلاقة بين الأمة الإسلامية وبين يهود المدينة، وهي تتألف من أربعة وعشرين بندا «٢» . ويدل أولها على التزام اليهود بالمساهمة في نفقات الحرب الدفاعية عن المدينة: «وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين» «٣» . وقد ركزت الوثيقة في عشرة بنود من صدرها على تنظيم العلاقة بالمتهودين من قبيلتي الأوس والخزرج، مع التركيز على نسبتهم إلى عشائرهم العربية حيث أقرت تحالفهم مع المؤمنين. «وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم نفسه وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته» «٤» . وهكذا تعرضت الوثيقة إلى ذكر اليهود من بني النجار، وبني الحارث، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني الأوس وبني ثعلبة، وجفنة، وبني الشطيبة، وموالي ثعلبة، فأفردت ليهود كل مجموعة قبلية «٥» بندا خاصّا بهم وأعطت لكل مجموعة منهم «مثل ما ليهود بني عوف» الذين ورد ذكرهم في الفقرة الأولى، والتي كفلت لهم حريتهم الدينية وحددت مسئولية الجرائم وحصرتها في مرتكبيها الذين ينبغي أن ينالوا عقوباتهم وإن كانوا من المتعاهدين. ولقد منعت الوثيقة يهود المدينة من الخروج منها إلّا بعد الحصول على إذن من الرسول ﷺ : «وأنه لا يخرج منهم أحد إلّا بإذن محمد» «٦» وذلك حرمهم من القيام بأي نشاط عسكري خارج المدينة قد يؤثر على أمن المدينة وعلاقاتها الاقتصادية. وفي الوقت الذي أكدت الوثيقة على المسئولية الشخصية للجرائم، فإنها ضمنت «النصر للمظلوم» «٧» . وأكدت على «أن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم» «٨» . غير أن ذلك لا يعني إعفاء اليهود من أعباء المساهمة في نفقات الدفاع عن المدينة. «وأن اليهود ينفقون مع

стр. 367

المؤمنين ما داموا محاربين» «١» . وقد اعتبرت الوثيقة منطقة المدينة حرما آمنا: «وأن يثرب حرام جوفها على أهل هذه الصحيفة» «٢» . وتعرض بعض بنود الوثيقة إلى حقوق الجار: «و أن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم» «٣» ، وأكدت على «أنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها» «٤» . اعترف اليهود بموجب بنود هذه الاتفاقية بوجود سلطة قضائية عليا متمثلة في الرسول ﷺ يرجع إليها سائر المواطنين في المدينة بما فيهم اليهود في حالات الأحداث، أو حصول الشجار والاختلاف بينهم وبين المسلمين: «وأن ما كان بين أهل الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده، فإن مردّه إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ ، وإن الله على أتقى ما في الصحيفة وأبره» «٥» . وقد منعت الوثيقة اليهود من إجارة قريش أو نصرها: «وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها» «٦» . وكان الهدف من ذلك هو ضمان حرية المسلمين في التعرض لتجارة قريش التي كانت تمر غربي المدينة في طريقها من الشام وإليها. ويمكن اعتبار هذا البند ضمانة لمنع احتمال حصول خلاف حول ذلك مع اليهود في المدينة. وقد امتدت المعاهدة لتشمل «حلفاء» الطرفين إذ اشترطت المعاهدة على كل من الطرفين مصالحة حلفاء الطرف الآخر، باستثناء من حارب في الدين، وذلك لأن المسلمين كانوا في حالة حرب دائمة معهم. ومن الواضح أن المقصود من ذلك هو التأكيد على استثناء قريش من المصالحة «٧» . وفي الختام تضمنت الوثيقة مبدأ عاما في تحمل المسئولية الكاملة عن الظلم والجريمة لمرتكبيها بغض النظر عن بنود هذه الاتفاقية، وإعلانا عامّا بالأمن والسلام لمن خرج من المدينة ولمن بقي فيها باستثناء المجرمين: «وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلّا من ظلم وأثم» ، «وأن الله جار لمن برّ واتّقى، ومحمد رسول الله» «٨» . إعلان دستور المدينة: «وثيقة التحالف بين المهاجرين والأنصار» : نظّمت وثيقة التحالف هذه العلاقات بين سكان المدينة، ووضّحت التزامات جميع الأطراف داخل المدينة، فقد شملت المعاهدة الخاصة بموادعة الرسول ﷺ لليهود، كما أوضحت التزامات كل من المهاجرين والأنصار في جانبي الحقوق والواجبات.

стр. 368

وقد استعرضنا آنفا نصوص موادعة اليهود، والتي أعلنت بعض بنودها أن المدينة حرم آمن لا يجوز انتهاكه، وبذلك ضمنت استقرار الأمن، ومنعت الحروب الداخلية فيها، وأصبحت المدينة مركز انطلاق الدعوة، وعاصمة للدولة الإسلامية الناشئة. يتناول القسم الثاني من الوثيقة أو المعاهدة، بنود التحالف بين المهاجرين والأنصار، وبينت الوثيقة في صدرها أطراف التحالف فذكرت «المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم» «١» . وجعلت الوثيقة أطراف التعاقد «أمة واحدة من دون الناس» «٢» . وتعرضت تسع فقرات تالية «٣» إلى ذكر الكيانات العشائرية. والملاحظ أن المهاجرين اعتبروا كتلة واحدة متميزة في حين نسب الأنصار إلى عشائرهم، وقد اتضح أن القصد من ذلك إبراز فكرة التكافل الإجتماعي، دون التناصر في العصبية والظلم. وبهذا فقد حوّل الرسول ﷺ التوجهات القبلية إلى ما يحقق الأهداف السامية للدعوة الإسلامية. وبما أن التكافل يحتم على القبيلة أن تعين أفرادها، وهو أمر كان سائدا في الجاهلية، فقد أقرته الوثيقة لما فيه من روح تعاون وتضامن وتكافل. وهكذا فقد ورد في أعقاب ذكر المهاجرين والقبائل الأنصارية الأخرى قوله بأنهم: «على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين» «٤» . وأكدت الوثيقة على مسئولية المؤمنين الشاملة في التكافل مع كل فرد من أبناء الأمة: «لأن المؤمنين لا يتركون مفرحا بينهم أن يعطوه بالمعروف من فداء أو عقل» «٥» . وإلى جانب ذلك، أكدت الوثيقة على المسئولية الجماعية، فقد أصبحت مسئولية المؤمنين جميعا تحقيق الأمن والاستقرار والعدالة في المدينة: «وأن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم «٦» ، أو إثما، أو عدوانا أو فسادا بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم» «٧» . وتبرز في الوثيقة بجلاء روح الإسلام في استعلاء المؤمنين على الكافرين، وأن دم الكافر لا يكافيء دم المؤمن، والتأكيد على الترابط الوثيق بين المؤمنين وموالاتهم بعضهم لبعض: «ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وأن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس» «٨» .

стр. 369

والفقرة الأخيرة تشير إلى إقرار الوثيقة لمبدأ الجوار الذي كان معروفا قبل الإسلام، فقد أتاحت لكل مسلم أن يجير، وألزمت المجتمع الإسلامي بأن لا يخفر جواره، وحصرت الموالاة بين المؤمنين. غير أن الوثيقة استثنت من بقي على الشرك من قبائل الأوس والخزرج من إجارة قريش وتجارتها، أو الاعتراض على تصدي المسلمين لها، فذكرت بأنه: «لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن» «١» . وقد بينت المعاهدة أن إعلان حالة السلم والحرب هي من اختصاص النبي ﷺ ، وأنّ «سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلّا على سواء وعدل بينهم» «٢» . ثم بيّنت الوثيقة عقوبة القتل العمد حيث جاء فيها: «وأنه من اعتبط «٣» . مؤمنا قتلا عن بدنة فإنه قود به إلّا أن يرضى ولي المقتول، وأن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلّا قيام عليه» «٤» . وأخيرا فقد أصبح الرسول بموجب هذه الوثيقة هو المرجع الوحيد للفصل في كل خلاف قد يقع بين أطراف التعاقد (المسلمين وحلفائهم) في المدينة: «وأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد ﷺ » «٥» . الجهاد: انتشار الإسلام: ١- الجهاد: قامت دولة الإسلام في المدينة النبوية، وشرع الله الجهاد، وكانت البداية للدفاع عن النفس، قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ «٦» . وقال تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ «٧» . واخيرا شرع قتال العدو الكافر من أجل التمكين للعقيدة من الانتشار دون عقبات، ومن أجل صرف الفتنة عن الناس ليتمكنوا من اختيار الدين الحق بإرادة حرّة، فقال تعالى: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ «٨» . ولم تكن العقيدة تفرض بالقوة على سكان المناطق التي يفتحها المجاهدون، فقد كانوا يخيرون باديء ذي بدء بين أن يسلموا، أو يحافظوا على دينهم ويدفعوا الجزية، أو يأذنوا بالحرب. وسمح لمن رغب من أهل الكتاب بالمحافظة على دياناتهم بذلك وقد التزم المقاتلون المسلمون بضوابط الحق والعدل والرحمة، فسجل التاريخ لهم انضباطهم الدقيق، حيث لم ترد أية إشارة إلى قيامهم بالمجازر أو سلب الأموال. وكان رسول الله ﷺ يبيّن

стр. 370

للمسلمين ضرورة اقتران النيّة بالجهاد، وأن لا يكون الدافع إلى القتال الحصول على الغنائم، أو الرغبة في الشهرة والمجد الشخصي أو الوطني، فقد سئل رسول الله ﷺ عن رجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» «١» . بل لا بد من إخلاص النية لله، وأن لا يقترن القصد من الجهاد بأي غرض دنيوي لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغي به وجهه «٢» . وفي الحديث عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تضمّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلّا جهادا في سبيله، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة، أو أرجعه إلى مسكنه، الّذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والّذي نفس محمّد بيده! ما من كلم- أي جرح- يكلم في سبيل الله إلّا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك، والّذي نفس محمّد بيده، لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنّي، والّذي نفس محمّد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل، ثمّ أغزو فأقتل» «٣» . ومن الصعب تقديم النماذج الكثيرة التي توضح أثر هذه التوجيهات النبوية على نفسية المقاتل المسلم، ولكن يمكن اختيار نموذجين لمقاتلين من عامة الجند، فقد قال رسول الله ﷺ للمسلمين أثناء القتال في غزوة أحد: «قوموا إلى جنة عرضها السّماوات والأرض» ، فسمعه عمير بن الحمام الأنصاري فقال: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: «نعم» . قال: بخ بخ- كلمة تقال لتعظيم الأمر في الخير- فقال رسول الله ﷺ : «ما يحملك على قولك بخ بخ؟» ، قال: لا والله يا رسول الله إلّا رجاءة أن أكون من أهلها. قال: «فإنّك من أهلها» . فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل» «٤» . فهذا النموذج الأول، وأما الثاني: فقد صح أن أعرابيّا شهد فتح خيبر أراد النبي ﷺ أثناء المعركة أن يقسم له قسما وكان غائبا، فلما حضر أعطوه ما قسم له، فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى ههنا- أشار إلى حلقه- بسهم فأدخل الجنة. قال: «إن تصدق الله يصدقك» . قال: فلبثوا قليلا، ثم نهضوا في قتال العدو فأتى به يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فكفنه النبي ﷺ بجبته وصلى عليه ودعا له، فكان مما قال: «اللهمّ هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، وأنا عليه شهيد» «٥» . إن هذه الرواية شاهد قوي على ما يبلغه الإيمان من نفس أعرابي ألف حياة الغزو والسلب والنهب في الجاهلية فإذا به لا يقبل ثمنا لجهاده إلّا الجنة، فكيف يبلغ الإيمان إذا من نفوس الصفوة من أصحاب رسول الله ﷺ ؟.

стр. 371

٢- انتشار الإسلام: كان واضحا منذ المرحلة المكية أن الرسالة الإسلامية خطاب للعالمين وليس لقريش ولا للعرب وحدهم، فالآية: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» ، هي مما نزل من القرآن في مكة. وقد خطط النبي ﷺ لنشر الإسلام خارج مكة منذ وقت مبكر، فلما أسلم أبو ذر الغفاري- ﵁ طلب منه الإقامة في بني غفار ودعوتهم إلى الإسلام، ولما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي، طلب منه الإقامة في قبيلته دوس التي كانت تقيم بين الطائف واليمن لنشر الإسلام فيها، ولم تثمر جهود الطفيل إلّا عقب قيام الدولة في المدينة حيث قدم الدوسيون إلى النبي ﷺ مسلمين عند فتح خيبر. وقام النبي ﷺ بمحاولة نشر الإسلام في الطائف، ولكن قبيلة ثقيف صدت عن الدعوة بعنف وسخرية، ولم تستجب لدعوة الإسلام إلّا عام تسعة من الهجرة بعد حصارها. ومن المعروف أن جهود نشر الدعوة في مكة ذاتها لم تفلح في إقناع معظم القرشيين طيلة المرحلة المكية وما تلاها وحتى فتح مكة حيث دانت قريش بالإسلام بصورة جماعية ولم يشذ إلّا أفراد قلائل. وعلى الرغم من تأخر إسلام قبيلة قريش في مكة، وثقيف في الطائف وما جاورها، إلّا أن تلك الاستجابة المتأخرة اتسقت وتمثلت في تعاطف شديد وإيمان عميق راسخ وتحولت القبيلتان إلى أشد أنصار الإسلام حماسة وذودا عن حياضه كما ظهر من خلال أحداث الردة حيث التزمت كل منهما بالإسلام وكانتا أشد القبائل بأسا في مواجهة المرتدين، قبل أن تتحولا إلى مادة رئيسية من مواد الإسلام، حاملة لواءه متوغلة في كل صوب في أحداث الفتوحات ونشر دعوة الحق. وكان الإسلام قد انتشر في قبائل الحجاز التي تقطن على طريق (مكة- المدينة) مثل مزينة، وجهينة، وغفار، وبلي، وأشجع، وأسلم، وكعب، في وقت مبكر من قيام الدولة الإسلامية بالمدينة، وخاصة في قبائل خزاعة التي كانت متعاطفة مع المسلمين كما أظهرت أحداث عمرة الحديبية، وربما تكون عشيرة بني المصطلق الحجازية قد أفردت بموقف عدائي من المسلمين حتى خضعت بعد غزوة المريسيع عام ٤ هـ «٢» . أما بلاد اليمن فقد نجحت الدعوة الإسلامية فيها على نطاق واسع بعد قدوم علي بن أبي طالب- ﵁ إليها سنة تسعة من الهجرة، وخاصة إسلام قبيلة همدان الكثيرة العدد، ويبدو أن الانتشار السريع كان عام ثمانية من الهجرة قريبا من فتح مكة. وقد قدمت وفود القبائل اليمانية إلى المدينة للبيعة عام تسعة من الهجرة وهي كندة، والأشعريون، وهمدان، ودوس. وتوضح حركة الردة انتشار الإسلام في قبائل ذي مران، وذي الكلاع، وذي ظليم، وبجيلة، وزبيد، والنخع، وجعفي، والأبناء، والسكون، والسكاسك. وكان انتشار الإسلام في حضرموت التي تقطنها قبيلة كندة محدودا بالقياس إلى انتشاره في رجال كندة القاطنين في اليمن. وأما مناطق نجد فإن انتشار الإسلام فيها قوي بعد غزوة الخندق حيث تعرض الدعاة السابقون في الرجيع وبئر معونة للإبادة من قبل الأعراب. وقد امتد الإسلام بعد ذلك في قبائل بني سليم، وطيء، وهذيل،

стр. 372

وتميم، وخاصة بطونها عوف والأبناء والرباب ويهوى، ولكن لم تتح الفرصة لتعميق الإيمان والثقافة الإسلامية في فروع أخرى مهمة منها مثل بني حنظلة، ومقاعس، والبطون «١» . كما أن الإسلام امتد إلى الأقسام الشمالية من شبه الجزيرة العربية حيث أسلمت قبيلة شيبان، وقبيلة بني عذرة «٢» . وأما المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية، فإن أسرعها استجابة هي منطقة البحرين وخاصة جواثا التي تقطنها عبد القيس حيث أقيمت فيها أول جمعة بعد إقامتها في المسجد النبوي بالمدينة. ويمثل إرسال الرسل إلى الملوك والأمراء عام سبعة من الهجرة أول اتصال بين الدولة الإسلامية والقوى الكبرى في العالم- آنذاك- والمتمثلة بالامبراطورية الساسانية (الفرس) والامبراطورية البيزنطية (الروم) ، وكان رد فعل الملك الساساني عنيفا، في حين أظهر هرقل في الشام والمقوقس في مصر تعاطفا شخصيّا، وإن لم يدخلا في الإسلام. ومن الواضح أن الدعوة الإسلامية شقت طريقها في عصر الرسالة بمدى عميق مكنها من الصمود في وجه المرتدين والاستعداد لمواجهة القوى العالمية الخارجية «٣» . تأسيس الدولة الإسلامية- حكومة النبي ﷺ : يشير كتاب تنظيم المدينة، أو ما يعرف بالوثيقة التي نظمت علاقة المهاجرين والأنصار، وكذلك كتاب الموادعة الذي ضبط العلاقة بيهود المدينة وحدد التزاماتهم، ومسئولياتهم، وإذعانهم لسلطة النبي ﷺ ، وما سبق ذلك من هجرة المسلمين إلى المدينة وانتشار الإسلام فيها، ثم إعلانها حرما آمنا، وتشريع الجهاد والإذن بقتال المشركين إرهاصا بقيام الدولة الإسلامية التي تمثلت مقوماتها في أرض المدينة وما حولها، والامّة وهم المهاجرون والأنصار، ومن التحق بهم فأعلن الإسلام، وهم الغالبية العظمى من السكان، ومن تعاقد وأذعن لسلطة النبي ﷺ من اليهود والمشركين من القبائل العربية التي شملتها الوثيقة. ولم تكن هناك حاجة إلى إعلان قيام السلطة الحاكمة، لأن نبوة محمد ﷺ تقتضي طاعته. وكان المسلمون يتنافسون على تنفيذ أوامر النبي ﷺ وتوجيهاته، وطاعة الرسول ﷺ عبادة وفرض، وقد وعى ذلك المسلمون وسارعوا إلى تنفيذه. وكانت بيعتا العقبة الأولى والثانية على الطاعة، كما أن الوثيقة التي نظمت العلاقات بين السكان في المدينة في أعقاب الهجرة قد تضمنت: «بأنه مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد» «٤» . وبذلك أصبح الرسول ﷺ ، كما أسلفنا، المرجع الوحيد للفصل في كل ما يقع بين السكان من مشكلات. وهو تحديد واضح لمرجعية السلطة في المدينة بين الجميع مسلمين كانوا أو مشركين أو يهود ومن شملتهم الوثيقة. اعتمد الرسول ﷺ في تنظيم الدولة الإسلامية الناشئة وإدارتها على الصحابة، فاتخذ من كبارهم مستشارين وكان في مقدمتهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب- ﵄، كما اتخذ منهم ولاته وعماله على الصدقات.

стр. 373

وبعد أن توسعت الدولة الإسلامية عيّن الرسول ﷺ الولاة على مكة المكرمة والطائف والبحرين وعمان واليمامة كما عيّن عددا من الولاة على مقاطعات بلاد اليمن. وحيث إن مهمة الوالي تتمثل في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فقد كان ولاته ﷺ من فقهاء الصحابة الكبار، فكان من ولاته عتّاب بن أسيد على مكة المكرمة، وعلي بن أبي طالب على نجران، ومعاذ بن جبل على الجند، وأبو موسى الأشعري على زبيد وما والاها، وخالد بن سعيد بن العاص على صنعاء، وعثمان بن أبي العاص على الطائف، وعمرو بن سعيد بن العاص على خيبر، والمهاجر بن أبي أمية على كندة، والعلاء بن الحضرمي على البحرين، وسليط بن سليط على اليمامة، وعمرو بن العاص على عمان. أما عماله على الصدقات، فقد أرسل أبو هريرة لجمع صدقات البحرين، وأبا عبيدة عامر بن الجراح على صدقات هذيل وكنانة، وعبد الرحمن بن عوف على صدقات كلب، وعباد بن بشر الأشهلي على صدقات سليم ومزينة، والوليد بن عقبة على صدقات بني المصطلق. وكان جمع الصدقات يتم عند تجمع العشائر على المياه في أوائل الربيع، وإلى جانب هؤلاء العمال فقد تولى رؤساء العشائر جمع الصدقات، وكان ذلك يحقق أهدافا إدارية واجتماعية ونفسية، إذ لم يكن دفع الزكاة في البادية من الأمور المستساغة عند الأعراب. ولكن حين يتولى شيخ القبيلة مهام جمعها وتوزيعها فإن ذلك يخفف من الأثر النفسي عليهم، إضافة إلى أن الشيخ يعرف الأغنياء وأصحاب الثروات منهم وكذلك الفقراء. وقد يتولى بعض كبار الصحابة مسئولية جمع الصدقات وتوزيعها حين لا يتوفر في الشيخ القدرة على استيعاب أحكام الزكاة وفقهها. وقد أشارت المصادر الإسلامية إلى «النقباء» في سياق الحديث عن بيعة العقبة الثانية، حيث اختار النبي ﷺ اثني عشر نقيبا، كانوا كفلاء على قومهم، وهم يمثلونهم أمام النبي ﷺ ويبلّغون تعليماته وتوجيهاته إليهم، ويتولون تنفيذ أوامره بينهم. أما «العرفاء» فقد كان النبي ﷺ يختار لكل قبيلة عريفا، وكان كل من قدم المدينة من الأعراب ينزل على عريفه، أما إذا كان من قبيلة ليس لها عريف فإنه ينزل في الصّفة «١» بمسجد النبي ﷺ حيث يتم قراهم من قبله ﷺ . واحتاجت الدولة الإسلامية الناشئة إلى عدد كبير من الكتاب، وحيث إن مثل هذا العدد لم يكن متوفرا في باديء الأمر بعد الهجرة مباشرة، فقد سعت حكومة النبي ﷺ إلى إعداد الكتّاب عن طريق توسيع نطاق التعليم، وقد أثمرت تلك الجهود حيث بلغ عدد كتّاب النبي ﷺ وحدهم قرابة الخمسين، بينهم كتّاب الوحي أمثال: زيد ابن ثابت وأبي بن كعب، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وحنظلة بن الربيع، وأبان بن سعيد، وخالد بن سعيد، ومعاوية بن أبي سفيان. ومنهم كتّاب أموال الصدقات أمثال الزبير بن العوام، وجهيم بن الصلت. ومنهم كتاب العقود والعهود والمداينات مثل عبد الله بن الأرقم الزهري، والعلاء بن عقبة «٢» . وأسندت الولايات والأعمال وقيادة الجيوش إلى كبار الصحابة من ذوي الفقه والخبرة والقوة والأمانة مما عمل على شيوع الأمن والاستقرار وتثبيت الناس على الإسلام خاصة في المدن الرئيسية.

стр. 374

وتمكنت الحكومة الإسلامية من حماية المدينة من الهجمات من خارجها، ومن كيد اليهود والمنافقين من داخلها، ووسعت حدود سلطاتها تدريجيا حتى امتد في أواخر عصر النبوة إلى معظم أنحاء جزيرة العرب. وقد بذلت الكثير من الجهود لتنظيم عمليات الدفاع والهجوم، وزيادة أعداد المقاتلين حتى وصل في غزوة تبوك ما يزيد على ثلاثين ألف مقاتل. وكانت التجهيزات تعتمد على جهود الأفراد، وما يقدمه أغنياء المسلمين من أموال لغرض تجهيز الجيش. ونظمت حكومة النبي ﷺ المجتمع الإسلامي، فأقامته على أساس الحب والتكافل الاجتماعي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واحترام الإنسان، وتطمين حاجاته الروحية والمادية حسب إمكانات الدولة آنذاك. وكانت تقوم بجباية الزكاة عن طريق المصّدقين الذين يرسلون إلى القرى والبوادي، وعن طريق الولاة في المدن، وكانت الأموال المجموعة تنفق على الفقراء من مناطق الجباية، وما فضل منها يرسل إلى المدينة. واعتمدت الحكومة النبوية في مواردها المالية على أغنياء الصحابة الذين يبذلون الكثير من أموالهم في مواجهة حاجات الدولة، كالإنفاق على الجيوش، واستضافة الوافدين من خارج المدينة، وإعانة المحتاجين من المهاجرين، وبقية فقراء المسلمين من أهل الصفة. ولكن الدولة حازت على موارد دائمة عقب غزوة أحد، حيث أوصى الحبر اليهودي مخيريق بأمواله للنبي ﷺ ، وكانت سبع بساتين سخرت إيراداتها لسد نفقات المصالح العامة، فضلا عن نفقات النبي ﷺ وآل بيته. وقد ازدادت الأموال التي حازتها الدولة بعد فتح خيبر وأراضيها الزراعية الغنية. ولا شك في أن الغنائم التي حازها المسلمون في المعارك الكثيرة قد أسهمت في زيادة موارد الدولة، حيث كان النبي ﷺ يأخذ الخمس من الغنائم. غير أن الغنائم لم تكن تمثل ثروة كبيرة إلّا في غزوات معينة مثل غزوة هوازن. وقد ساعدت تعاليم الإسلام الماليّة على ازدهار الحياة الإقتصادية من تجارة وصناعة وزراعة، وخاصة ما يتعلق من تلك التعاليم بحقوق التملك، وحرية العمل، وسيادة الأمن، وقيم العدل والوعد بالأجر الأخروي للتجار والصناع والزراع إذا ما أخلصوا النية في أعمالهم، وأتقنوا أداءها ونصحوا فيها. وقد ظهر أثر التعاليم الإقتصادية الإسلامية بصورة أكثر جلاء في العصور التي تلت عصر السيرة، حيث إن السنوات العشر الأولى التي مضت على قيام الدولة الإسلامية، لم تكن كافية لتوضيح الآثار الإقتصادية للتعاليم الجديدة بصورة جليّة. ولم تكن القيود الجديدة على النشاط الاقتصادي لتؤثر سلبا على تكون رؤوس الأموال، فالربا الذي حرّم منع تكدس الأموال بأيد قليلة، لكن السماح بتكوين رءوس أموال مشتركة لتمويل العمليات التجارية- مما كانت قريش تعرفه قبل الإسلام- عوض النقص في رءوس الأموال، كما أن تفتيت الثروة يساعد على زيادة القوة الشرائية في المجتمع، مما ينشط الحركة الإقتصادية. وكانت نصوص تحريم الربا، وتحريم الاحتكار، ونظام الميراث، والزكاة والحث على الصدقات تساعد على تفتيت الثروة وتداولها كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ «١» .

стр. 375

واهتمت حكومة النبي ﷺ بالقضاء الذي يهدف إلى تحقيق العدل والإنصاف بين المتخاصمين. وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ «١» . وكان النبي ﷺ يقضي بنفسه بين الناس في المدينة فهو أول القضاة في الإسلام. وقد أمره الله تعالى بذلك فقال: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ «٢» . وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً «٣» . ولما انتشر الإسلام خارج المدينة عين الولاة على المدن من أهل الفقه ليقضوا بين الناس في خصوماتهم إلى جانب إدارة المدينة أو الإقليم. وقد قال علي بن أبي طالب- ﵁: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قاضيا» «٤» ، كما «أرسل معاذا إلى اليمن قاضيا وقال له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟» قال: أقضي بكتاب الله. قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: «فإن لم تجد في سنّة رسول الله ولا في كتاب الله؟» قال: أجتهد برأيي ولا آلوا. فضرب رسول الله ﷺ صدره وقال: «الحمد لله الّذي وفّق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» «٥» . ومن آداب مجلس القضاء في عصر السيرة جلوس الخصمين بين يدي القاضي «٦» . ومنها أن لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان «٧» . وأن يحتج القاضي بإقرار المتهم، وهو شهادة الإنسان على نفسه، فقد قبل النبي ﷺ إقرار ما عز والغامدية بالزنا «٨» . ويعمل بشهادة الشهود العدول، ولا يعذر الشاهد إذا امتنع عن الإدلاء بشهادته وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا «٩» ، وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «١٠» . وقد شدّد النبي ﷺ على شهادة الزور «١١» . وقضى: «البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر» الذي ورد في ثنايا حديث شريف «١٢» . ولم تكن في المدينة خلال عصر السيرة، قوى أمن أو شرطة تفرض النظام وتحقق الأمن، لذلك نصت الوثيقة على أن هذه المهمة يقوم بها جميع المؤمنين، فهم يسعون للضرب على أيدي الجناة، ولا يساعدونهم في الهرب من العدالة «ولو كان ولد أحدهم» . وقد نجحت هذه الخطة، وبعد أن كان الثأر هو القاعدة لتسوية الحسابات قبل الإسلام، فإنه صار حالة استثنائية نادرة، ولم يسجل التاريخ إلّا بضع حالات جرت في ظروف خاصة

стр. 376

مشتبهة. كما لم تسجل في المجتمع المدني سوى حالة اغتصاب واحدة لامرأة تعرضت لها في الغلس قبيل صلاة الفجر، وهي في طريقها إلى المسجد النبوي. وسجلت حادثة تشهير بامرأة مسلمة من قبل صائغ يهودي. وسجلت أربع حوادث زنا اعترف اثنان من مرتكبيها طواعية طلبا للتطهر من الذنب، وأقيم الحد عليهما وعلى الاثنين الآخرين. وسجلت حالة قتل لمسلم في منطقة سكن اليهود، وحادثة قتل أخرى لمسلمة قتلها يهودي برضخ رأسها بالحجارة. ويمكن إضافة حادثة ارتداد أدت إلى مقتل راعي سرح الرسول ﷺ ، وهذا هو كل الذي سجلته المصادر من الجرائم والجنايات خلال السنوات العشر التي حكم فيها النبي ﷺ الدولة الإسلامية الأولى. أما في مجال التعليم، فقد منح الإسلام العلم مكانة عالية مقدّسة حين جعل طلبه فريضة على كل مسلم، واعتبره عبادة «١» . وقد سعت الحكومة النبوية إلى نشر التعليم بين المسلمين، وكانت مشكلة الأمية الشائعة بحاجة إلى علاج سريع، لحاجة الدولة إلى كتّاب للوحي، وكتّاب للعقود، وكتّاب رسائل، لمراسلة الأمراء والملوك الحاكمين في الدول المجاورة، وكذلك كتاب إدارة يستعان بهم في مراسلة الولاة والعمال والقضاة الموظفين في الدولة. وقد صدرت البادرة الأولى عن الرسول ﷺ نفسه عند ما أمر بعض المتعلمين من المسلمين بتعليم الآخرين، وأمر بعض الأسرى ببدر بتعليم شباب الأنصار الكتابة مقابل مفاداتهم، وأرسل المعلمين- وسط الأخطار- في البوادي للدعوة ولتعليم الناس القرآن وتفقيههم بالدين. وكانت حلقات العلم في المسجد النبوي وبقية المساجد التي شيدت في عصر الرسالة تقوم بعملية التثقيف بصورة يومية، وهي تتسع مع الأيام لتشمل أعدادا كبيرة متزايدة. وكان التعليم يحقق القوة والاستقرار والتماسك في المجتمع الوليد، لأنه ارتبط منذ البدء بالقيم الدينية والأخلاقية. وقد تحددت عدة قيم تخص التعليم منها: استحضار النية الخالصة لله في طلب العلم «٢» . وعدم جواز كتم العلم لوجود حق عام للناس في علم العالم «٣» . والتعليم حق للجميع وهو مجاني «٤» . وقد لوحظ في التعليم اختلاف الاستعداد العقلي عند الناس «٥» . وروعيت الحالة النفسية للمتعلمين «٦» . وكانت طرق التلقي هي السماع والعرض والمذاكرة والسؤال، ولكن السماع كان أكثر انتشارا، لقلة المواد المكتوبة إلّا ما يتعلق بكتابة القرآن. ومن أشهر المعلمين في عصر السيرة بعد رسول الله ﷺ وهو المعلم الأول- مصعب بن عمير الذي قام بتفقيه أهل المدينة وتعليمهم القرآن قبل الهجرة النبوية «٧» ، وعبادة بن الصامت الذي كان يعلم أهل الصفة القراءة

стр. 377

والكتابة «١» ، والحكم بن سعيد بن العاص وكان يعلم الكتابة والحكمة «٢» ، وعبد الله بن سعيد بن العاص وكان يعلم الكتابة «٣» . ومن المعلمين الرواد في المسجد النبوي: سعد بن الربيع الخزرجي، وبشير بن سعد بن ثعلبة، وأبان بن سعيد بن العاص «٤» . ومن النساء: الشفاء بنت عبد الله العدوية القرشية وكانت تعلم النساء الكتابة «٥» . وكان من ثمار السياسة التعليمية التي اختطها الرسول ﷺ ازدياد عدد الكاتبين حتى بلغ عدد كتاب النبي ﷺ وحدهم خمسين كاتبا «٦» . وقد تعرضت الوفود التي أرسلها النبي ﷺ لتعليم أبناء القبائل في البوادي للأخطار فقد استشهد معظم المشاركين فيها «٧» . وتم إرسال معاذ بن جبل إلى مكة، ثم إلى الجند باليمن، لتعليم الناس القرآن وشرائع الإسلام «٨» ، كما تمّ إرسال أبي عبيدة عامر بن الجراح إلى أهل نجران، وأرسل بعده عمرو بن حزم لتفقيههم في الدين والقرآن والسنة «٩» . وكانت موضوعات التعليم هي القرآن وعلومه، والحديث، والفقه، واللغة العربية، والتاريخ والأنساب، والشعر، والقصص والحكم والأمثال. وكانت المدينة أهم مراكز العلم في عصر السيرة، ومنها انتشر إلى بقية المدن. خبر الأذان: أورد ابن هشام رواية ابن إسحاق التي جاء فيها: «لما اطمأن رسول الله ﷺ بالمدينة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين، واجتمع إليه أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة، وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام وتبوّءوا الإسلام بين أظهرهم، وكان هذا الحي من الأنصار هم الذين تبوّءوا الدار والإيمان، وقد كان رسول الله ﷺ حينما قدمها إنما يجتمع الناس إليه للصلاة لحين مواقيتها، بغير دعوة» «١٠» . وهذا صريح في أن الأذان لم يشرع إلى ما بعد تنظيم المدينة ونشأة الحكومة الإسلامية، وقد نقل ابن

стр. 378

هشام خبرا عن رؤيا عبد الله بن زيد الخزرجي الأنصاري النداء بالأذان، وأنه أعلم رسول الله ﷺ بذلك «١» ، فطلب إليه أن يعلمه بلال بن رباح، ففعل، وأذن بلال فسمع ذلك عمر بن الخطاب- ﵁ وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله ﷺ ، وهو يجر رداءه، وهو يقول: «يا نبي الله، والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذي رأى» «٢» . وأورد ابن إسحاق رواية أخرى عن عبيد بن عمير الليثي جاء فيها قوله: «ائتمر (تشاور) النبي ﷺ وأصحابه بالناقوس للاجتماع للصلاة، فبينما عمر بن الخطاب يريد أن يشتري خشبتين للناقوس، إذ رأى في المنام من يقول له: لا تجعلوا الناقوس، بل أذّنوا للصلاة، فذهب عمر إلى النبي ﷺ ليخبره بالذي رأى، وقد جاء النبي ﷺ الوحي بذلك، فما راع عمر إلّا بلال يؤذن، فقال الرسول ﷺ حين أخبره بذلك: «قد سبقك بذلك الوحي» «٣» .

стр. 379

طلائع حركة الجهاد: مرحلة ما بعد الهجرة حتى معركة بدر: وتتمثل هذه المرحلة في الغزوات والسرايا التي قام بها المسلمون وفق مخطط رسول الله ﷺ لتهديد اقتصاد مكة، وتأمين الوجود الإسلامي في المدينة عن طريق عقد المحالفات مع القبائل حول المدينة، وإبراز قوة المسلمين أما اليهود والمشركين داخل المدينة، والقبائل العربية خارجها، إضافة إلى تدريب قوات الجهاد على التحمل والطاعة وتنفيذ الأوامر والانضباط وحسن التصرف في حالة حصول مفاجئات إلى جانب التعرف الدقيق على الطرق والمواضع واكتساب الخبرات المتنوعة في فنون القتال. وتشير المصادر إلى أن الرسول ﷺ عقد عددا من العهود والمواثيق على النصح والسلم والمناصرة والتعاون في القتال مع عدد من الزعماء، ومن ذلك كتاب الأمان إلى بديل بن ورقاء وبسر بن عمرو الخزاعي وأخيه سروات بن عمرو «١» ، وكتابه إلى أسلم بن خزاعة وفيه الإقرار بالمناصرة «٢» ، وكتابه إلى بني غفار وفيه اتفاق على المناصرة المتبادلة ضد من يحاربهم ويحارب المسلمين «٣» ، وكتابه إلى نعيم بن مسعود الأشجعي على المحالفة والنصر والنصيحة «٤» . غزوة ودّان «الأبواء» : وهي أول غزواته ﷺ ، فقد خرج غازيا من المدينة في الثاني عشر من شهر صفر بعد مضي سنة كاملة على قدومه إلى المدينة (سنة ٢ هـ) ، حتى بلغ ودان «٥» ، وكان يستهدف قريشا وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناه بن كنانة. وقد وادعه مخشي بن عمرو الضّمري عن بني ضمرة «ألّا يكثروا عليه ولا يعينوا عليه أحدا» «٦» . وقد عاد ﵊ بقواته إلى المدينة ولم يلق كيدا، «فأقام بها بقية صفر، وصدرا من شهر ربيع الأول» «٧» . سريّة عبيدة بن الحارث: وكانت أول راية عقدها النبي ﷺ هي راية سريّة عبيدة بن الحارث الذي بعثه في ستين رجلا من المهاجرين بعد عودته من غزوة ودّان، فسار حتى بلغ ماء بالحجاز بأسفل ثنية المرّة، فلقي جمعا عظيما من قريش عليهم عكرمة ابن أبي جهل، فلم يكن بينهم قتال، إذ حصل تناوش وتراشق بالسهام، وكان سعد بن أبي وقاص أول من رمى بسهم في الإسلام في هذه السريّة، ثم انصرف القوم بعضهم عن بعض، وللمسلمين حامية، وفر من المشركين إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان بن جابر المازني حليف بني نوفل بن عبد مناف وكانا

стр. 380

مسلمين ولكنهما جعلا خروجهما مع الكفار وسيلة للوصول إلى المسلمين «١» . سريّة حمزة إلى سيف البحر: وأرسل الرسول ﷺ سريّة من ثلاثين رجلا جعل عليهم عمه حمزة بن عبد المطلب، إلى سيف البحر ليعترضوا قافلة تجارية لقريش قادمة من الشام فيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل، ولكنهم لم يشتبكوا مع قريش في قتال فقد حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان حليفا للطرفين «٢» . غزوة بواط: قاد الرسول ﷺ غزوة شارك فيها مائتين من الصحابة، استهدفت اعتراض قافلة تجارية لقريش يرأسها أمية ابن خلف ويرعاها مائة رجل من قريش، وفيها ألفان وخمسمائة بعير محملة بأنواع البضائع- وقد وصل النبي ﷺ بقواته إلى بواط، وهي من جبال جهينة من ناحية رضوى، ثم رجع حين لم يعثر على القافلة، ولم يلق حربا «٣» . وكان قد استعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون «٤» . غزوة العشيرة: وغزا رسول الله ﷺ قريشا لاعتراض قوافلها التجارية، وكان معه مائة وخمسون من أصحابه، فبلغ العشيرة بناحية ينبع، وفاتته العير، ووادع في هذه الغزوة بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة، ثم عاد إلى المدينة، ولم يلق حربا «٥» . سريّة سعد بن أبي وقاص إلى الخرّار: بلغ النبي ﷺ أن عيرا لقريش في طريقها إلى مكة، وأنها قد أخذت طريق الخرّار «٦» ، فانتدب سعد بن أبي وقاص لقيادة سريّة لاعتراضها، يقول سعد: «فخرجت في عشرين رجلا أو إحدى وعشرين «٧» على أقدامنا، نكمن بالنهار ونسير بالليل حتى صبحناها صبح خمس، فنجد العير قد مرّت بالأمس، وقد كان النبي ﷺ عهد إليّ ألّا أجاوز الخرّار، ولولا ذلك لرجوت أن أدركهم» «٨» . غزوة بدر الأولى (الصغرى) : أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة المنورة في أعقاب غزوة العشيرة، ونهب بعض الإبل والمواشي،

стр. 381

فخرج رسول الله ﷺ يطارده مع عدد من الصحابة، إلى أن وصلوا وادي سفوان من نواحي بدر، وتمكن كرز الفهري من الإفلات من حملة المطاردة، وقد تأكد من جرّاء هذا الحادث ضرورة توثيق المسلمين لعلاقاتهم مع القبائل المجاورة للمدينة «١» . وكان النبي ﷺ قد استعمل على المدينة زيد بن حارثة «٢» . سريّة عبد الله بن جحش إلى نخلة: أراد الرسول ﷺ أن يربك قريشا ويضيق عليها في تجارتها، ولذلك فإنه ﷺ لم يقتصر في تعرضه لتجارة قريش على الشام وإليها، وإنما وسّع ذلك ليشمل طرق تجارتها مع اليمن أيضا، ولذلك فقد بعث عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي عند عودته من غزوة بدر الصغرى، وأرسل معه ثمانية من المهاجرين، ليس فيهم أحد من الأنصار، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، «فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدا» . وقد نفذ عبد الله بن جحش توجيهات الرسول ﷺ ، وتبين له أنه قد أمره بالتوجه إلى نخلة- بين الطائف ومكة- ليرصد قريشا ويعلم أخبارهم وألّا يستكره أحدا ممن كانوا معه. غير أن أحدا منهم لم يتخلّف عن تنفيذ أمر رسول الله ﷺ ، ولكنهم تعرضوا لقافلة تجارية قرشية، فظفروا بها وقتلوا قائدها، وأسروا اثنين من رجالها وعادوا بها وبالأسرى إلى المدينة «٣» . وقد أبى النبي ﷺ تسلم الغنيمة وقال لعبد الله بن جحش وأصحابه: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» وظن القوم أنهم هلكوا. استغلت قريش حصول هذه الحادثة في الشهر الحرام، فأثارت ضجة إعلامية كبيرة أعلنت فيها أن المسلمين ينتهكون حرمة الأشهر الحرم، وكان لذلك أثره الخطير على نظرة القبائل العربية والحواضر إلى المسلمين، فالحادثة تمثل خروجا على المألوف، وهي خرق للأعراف التي التزم بها العرب في منع الاقتتال في الأشهر الحرم فترة طويلة قبل الإسلام. ولكن لما كثر الكلام في ذلك، أنزل الله تعالى حكمه في ذلك، قال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ* إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٤» . وعند ذلك تسلم الرسول ﷺ الغنائم، وفادى الأسيرين مع قريش «٥» .

стр. 382

تحويل القبلة إلى الكعبة: ورد عن عبد الله بن عباس رواية صحيحة الإسناد جاء فيها أن النبي ﷺ كان يتجه في صلاته بمكة قبل الهجرة إلى بيت المقدس تاركا الكعبة المشرفة بينه وبين بيت المقدس «١» . وكذلك كان يفعل المسلمون إذ يتوجهون إلى بيت المقدس، وبيّن سعيد بن المسيّب أن الأنصار كانوا يصلون إلى بيت المقدس قبل الهجرة بثلاث سنوات. وبعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة استمر في التوجّه بصلاته نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا «٢» . وفي منتصف رجب من السنة الثانية للهجرة أمر الله تعالى نبيه والمسلمين بالتحول في الصلاة نحو الكعبة المشرفة قبلة إبراهيم وإسماعيل.﵉ وقد حدد سعيد بن المسيب تاريخ هذا الحادث بشهرين قبل معركة بدر «٣» . كان النبي ﷺ يكثر من الدعاء والتضرع يسأل ربه أن يصرف قبلته والمسلمين إلى الكعبة المشرفة، فأنزل الله تعالى قوله: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ «٤» . وكانت أول صلاة صلاها النبي ﷺ مستقبلا الكعبة المشرفة والمسجد الحرام صلاة الظهر «٥» . أما أهل قباء من المسلمين فقد تأخر وصول الخبر إليهم إلى فجر اليوم التالي وهم يصلون الصبح، فتحولوا عند ذلك «٦» . وكان اليهود قبل تحويل القبلة يرون بأن شريعة الإسلام تابعتهم في قبلتهم، ويشيعون كذبا بأن محمدا ﷺ يأخذ عنهم في التقاليد والطقوس، حتى أنهم قالوا عنه ﷺ : «يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا» «٧» . ولذلك فقد كان وقع تغيير القبلة من بيت المقدس وتوجيهها إلى الكعبة المشرفة شديدا على اليهود، وقاموا عند ذلك بدعاية مضادّة واسعة النطاق تساءلوا فيها عن مبررات تحويل القبلة «الحق التي كانوا عليها» بزعمهم، فأنزل الله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «٨» . ولما يئس اليهود من محاولتهم الأولى، زعموا بأن البر هو التوجه بالصلاة إلى بيت المقدس، فأنزل الله في ذلك قرآنا: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ

стр. 383

الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ «١» . وبذلك أفشلت جميع محاولات اليهود الدعائية الواسعة للتشكيك في القبلة. غزوة بدر الكبرى: لم يكن المسلمون قد اشتبكوا مع قريش بشكل حاسم حتى تاريخ هذه الغزوة، وذلك ما أتاح لقريش مواصلة إرسال قوافلها التي كانت تمثل شريان الحياة لاقتصادها، ويلاحظ أن قريشا استشعرت الخطر فأخذت تهيىء لقوافلها حراسات شديدة وكثيفة، وتنوع الطرق التي تسلكها. وكان المسلمون يرصدون تحرك القوافل القرشية وتتجمع لديهم الأخبار عن محتواها وبضاعتها وحراساتها والطرق التي تسلكها. بلغ المسلمين تحرك قافلة تجارية كبيرة من الشام وهي تحمل أموالا عظيمة «٢» لقريش يقودها أبو سفيان ويقوم على حراستها بين ثلاثين وأربعين رجلا «٣» ، فأرسل الرسول ﷺ بسبس بن عمرو «٤» لاستطلاع أخبار القافلة، فلمّا عاد بسبس بخبرها ندب النبي ﷺ أصحابه للخروج متعجلا بمن كانوا على استعداد دون أن ينتظر تهيؤ الآخرين ممن أبدى رغبة في الخروج، حرصا منه على ألّا تفوتهم القافلة «٥» ، وكلّف عبد الله بن أم مكتوم بالصلاة بالناس في المدينة عند خروجه إلى بدر، ثم أعاد أبا لبابة من الروحاء إلى المدينة وعيّنه أميرا عليها «٦» . أرسل النبي ﷺ اثنين من أصحابه «٧» إلى بدر طليعة للتعرف على أخبار القافلة، فرجعا إليه بخبرها «٨» ، وقد حصل خلاف بين المصادر الصحيحة حول عدد الصحابة الذين رافقوا النبي ﷺ في غزوته هذه إلى بدر، ففي حين جعلهم البخاري «بضعة عشر وثلاثمائة» «٩» ، يذكر مسلم بأنهم ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا «١٠» ، في حين ذكرت المصادر أسماء ثلاثمائة وأربعين من الصحابة البدريين «١١» . غير أن علينا أن نتذكر بأن قوات المسلمين هذه التي صاحبت النبي ﷺ في غزوته إلى بدر لا تمثل الطاقة العسكرية القصوى للحكومة النبوية، ذلك أنهم إنما

стр. 384

خرجوا لاعتراض قافلة تجارية واحتوائها، يدل على ذلك قول النبي ﷺ للمسلمين: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفلكموها» «١» ، ولم يكونوا يعلمون أنهم سوف يواجهون قوات قريش وأحلافها مجتمعة للحرب والتي بلغ تعدادها ألفا «٢» ، معهم مائتا فرس يقودونها إلى جانب جمالهم، ومعهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء النبي ﷺ وأصحابه «٣» ، في حين لم يكن مع القوات الإسلامية من الخيل إلا فرسان، وكان معهم سبعون بعيرا يتعاقبون ركوبها «٤» . بلغ أبا سفيان خبر مسير النبي ﷺ بأصحابه من المدينة بقصد اعتراض قافلته واحتوائها، فبادر إلى تحويل مسارها إلى طريق الساحل، في نفس الوقت الذي أرسل فيه إلى قريش يستنفرها لإنقاذ قافلتها وأموالها. وكان وقع ذلك شديدا على قريش، التي اشتاط زعماؤها غضبا لما يرونه من امتهان للكرامة، وتعريض للمصالح الاقتصادية للأخطار إلى جانب ما ينجم عن ذلك من انحطاط لمكانة قريش بين القبائل العربية الأخرى ولذلك فقد سعوا إلى الخروج لمجابهة الأمر بأقصى طاقاتهم القتالية «٥» . وأرسل أبو سفيان بعد ذلك إلى زعماء قريش وهم بالجحفة برسالة أخبرهم فيها بنجاته والقافلة، وطلب منهم العودة إلى مكة، وذلك أدّى إلى حصول انقسام حاد في آراء زعماء قريش، فقد أصر أغلبهم على التقدم نحو بدر من أجل تأديب المسلمين وتأمين سلامة طريق التجارة القرشية «٦» وإشعار القبائل العربية الأخرى بمدى قوة قريش وسلطانها «٧» . وقد انشق بنو زهرة «٨» ، ومن كان مع قريش من بني هاشم «٩» . وعادوا إلى مكة، أما غالبية قوات قريش وأحلافهم فقد تقدمت حتى وصلت إلى منطقة بدر. بلغت أخبار تجمع قريش وتقدمهم تجاه منطقة بدر إلى الرسول ﷺ وهو في طريقه إلى بدر، فاستشار أصحابه في الأمر «١٠» ، وأبدى بعض الصحابة عدم ارتياحهم لمسألة المواجهة الحربية مع قريش حيث إنهم لم يتوقعوا المواجهة ولم يستعدوا لها، وحاولوا اقناع الرسول ﷺ بوجهة نظرهم، وقد صور القرآن الكريم موقفهم

стр. 385

وأحوال الفئة المؤمنة عموما في قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ* يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ* وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ* لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ «١» . وقد أجمع قادة المهاجرين على تأييد فكرة التقدم لملاقاة العدو «٢» . وبعد ذلك عاد النبي ﷺ فقال: «أشيروا عليّ أيّها النّاس» وكان إنما يقصد الأنصار، لأنهم غالبية جنده، ولأن بيعة العقبة الثانية لم تكن في ظاهرها ملزمة لهم بحماية الرسول ﷺ خارج المدينة. وقد أدرك الصحابي سعد بن معاذ، وهو حامل لواء الأنصار، مقصد النبي ﷺ من ذلك فنهض قائلا: «والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟» قال ﷺ : «أجل» ، قال: «لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر على بركة الله» «٣» . سرّ النبي ﷺ من مقالة سعد بن معاذ، ونشّطه ذلك، فقال ﷺ : «سيروا وأبشروا، فإنّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطّائفتين. والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» «٤» . نظّم النبي ﷺ جنده، بعد أن رأى طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماعهم على القتال، وعقد اللواء الأبيض وسلمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سوداوين إلى سعد بن معاذ، وعلي بن أبي طالب، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة «٥» . وحصل الرسول ﷺ على معلومات كثيرة عن موقع الجيش المكي، ومن به من الأشراف، واستنتج عدد أفراده من معرفته لعدد ما ينحر لهم يوميّا من الجمال وتوجّه ﷺ لقومه قائلا: «هذه مكّة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» «٦» . وقد ظهر الخلاف بين زعماء قريش، فقد حاول عتبة بن ربيعة أن يثني قومه عن القتال محذرا من مغبته وخاصة أن بين الفريقين أرحام موصولة، غير أن أبا جهل خطّل رأيه واتهمه بالجبن «٧» . أنزل الله تعالى في ليلة بدر على المؤمنين نعاسا أمنهم وأراحهم، ومطرا طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان وربط على قلوبهم وثبّت به أقدامهم، قال تعالى: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ

стр. 386

ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ «١» . وقد وصف الصحابي الجليل علي بن أبي طالب- ﵁ حال المسلمين في معسكر النبي ﷺ ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة معركة بدر الكبرى، فقال: «لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح ... ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر ... وبات النبي ﷺ يدعو ربه ويقول: «اللهمّ إن تهلك هذه الفئة لا تعبد» ، فلما طلع الفجر نادى للصلاة ... فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرّض على القتال» «٢» . وصل المسلمون إلى بدر واستطلعوا الموضع قبل وصول قوات قريش، وقد وردت رواية حسنة السند تذكر أن الحباب بن المنذر أشار على النبي ﷺ بأن: «نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ونغوّر ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون» «٣» ، وأن النبي ﷺ قد قبل مشورته وفعل بما أشار به الحباب بن المنذر «٤» . وفي صباح السابع عشر من شهر رمضان نظّم الرسول ﷺ جيشه على هيئة صفوف «٥» ، ثم بني للنبي ﷺ عريش- باقتراح من سعد بن معاذ- ليدير منه المعركة. وأكثر النبي ﷺ من الدعاء، واستغاث بالله تعالى «فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه ... فأنزل الله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ «٦» ، فأمده الله بالملائكة» «٧» . وقد ثبت أنه ﷺ خرج من مقر قيادته- العريش- وهو يقرأ قول الله : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٨» . ويفهم من النصوص الكثيرة والصحيحة الواردة عن أحداث المعركة يوم بدر أن النبي ﵇ شارك شخصيّا في القتال وكان أقرب الناس إلى خطوط العدو كما كان أشد المؤمنين بأسا «٩» . وقد نقل الإمام أحمد بسنده عن علي بن أبي طالب- ﵁ قوله: «لما حضر البأس يوم بدر، اتقينا برسول الله ﷺ ، وكان من أشد الناس، ما كان أو لم يكن أحد أقرب من المشركين منه» «١٠» .

стр. 387

وأمر النبي ﷺ أصحابه صبيحة يوم المعركة أنه: «لا يتقدّمنّ أحد منكم إلى شيء حتّى أكون أنا دونه» «١» ، فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» «٢» . تقابل الجيشان ودنا بعضهم من بعض، وأخذ أبو جهل يدعو على رسول الله ﷺ يقول: «اللهم أيّنا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة» فكان ذلك استفتاحه الذي أشارت إليه الآية الكريمة: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» . وبدأ القتال بمبارزات فردية، فقد خرج عتبة بن ربيعة وولداه الوليد وشيبة طالبين المبارزة، ورفضوا مبارزة بعض شباب الأنصار الذين انتدبوا لقتالهم، فأمر النبي ﷺ عمه حمزة بن عبد المطلب، وعلى بن أبي طالب، وعبيدة ابن الحارث فبارزوهم وقتلوهم. وفي هؤلاء الستة نزل قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ* إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ* وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ «٤» . مما كان له آثاره على الطرفين المتحاربين. وبدأت قريش بالهجوم. وكانت توجيهات النبي ﷺ : «إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم. ولا تسلّوا السّيوف حتّى يغشوكم» «٥» . وحرضهم ﷺ على القتال قائلا: «والّذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا غير مدبر إلّا أدخله الله الجنّة» «٦» . وقد ثبت أن النبي ﷺ قد رمى الحصا في وجوه المشركين وذلك صريح في مشاركته الشخصية في المعركة راجلا في مقدمة المسلمين. ويشير القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «٧» . والتقى الجمعان، وكان المسلمون يقاتلونهم وهم يؤملون إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وكان شعارهم التوحيد «أحد أحد» ، فشدوا على المشركين واستهدفوا زعماءهم، فقتلوا فرعون الأمة أبا جهل عمرو بن

стр. 388

هشام، وأمية ابن خلف وابنه علي بن أمية وغيرهم كثير «١» . وقد بلغ عدد صرعى المشركين سبعين قتيلا، ومثلهم كان عدد الأسرى «٢» . وفر باقي مقاتلة المشركين لا يلوون على شيء. وتركوا أثقالهم وأموالهم في ميدان المعركة، وأمر النبي ﷺ بأربعة وعشرين قتيلا من صناديد قريش فقذفوا في بعض آبار بدر «٣» . أما شهداء المسلمين فقد دفنوا في أرض المعركة، وكان عددهم أربعة عشر شهيدا «٤» ، ولم يرد ما يشير إلى الصلاة عليهم ولم يدفن أحد منهم خارج بدر «٥» . وقد ثبت من نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة، ومرويات عدد من الصحابة البدريين أن الله قد أمدّ الفئة المؤمنة بالنصر، وبأنه أمدهم بالملائكة الذين ثبّتوا الذين آمنوا فقاتلوا معهم، وأنه تعالى ألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ «٦» . وقال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ* وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ «٧» . وأورد البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل وغيرهم عددا من الأحاديث الصحيحة التي تشير إلى مشاركة الملائكة في معركة بدر، وقيامهم بضرب المشركين وقتلهم «٨» . وقد حصل خلاف بين المسلمين بعد المعركة بشأن الغنائم إذ لم يكن حكمها قد شرع حتى ذلك الوقت. فنزلت سورة الأنفال: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ

стр. 389

وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «١» . وقد قسمها رسول الله ﷺ على فواق بين المسلمين «٢» ، بعد أن أخرج منها الخمس، حيث نزل في ذلك قرآن: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ «٣» . وأسهم النبي ﷺ لتسعة من الصحابة لم يشهدوا بدرا بسبب تكليفهم من قبله بأعمال في المدينة، أو لأنهم لم يشاركوا لأعذار مباحة مثل إصابتهم وهم في طريقهم إلى بدر بجروح أو كسور مما حرمهم من فرصة المشاركة ومن هؤلاء الصحابي عثمان بن عفان الذي أمره النبي ﷺ بالبقاء في المدينة للعناية بزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ في مرض موتها «٤» . إن اتضاح الحكم الشرعي في شأن الغنائم بعد نزول آيات الأحكام الخاصة بها، وبكيفية توزيعها قد أدى إلى إلغاء الخلاف الذي كان قد حصل حولها، فقد ثاب الناس إلى طاعة الله ورسوله، وقد تم توزيع الغنائم في موضع الصفراء في طريق عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة. أما الأسرى، فقد استشار النبي ﷺ أصحابه في أمرهم، فأشار عليه عمر بن الخطاب بقتلهم ضمانا لقوة الدولة الإسلامية حيث إنهم يشكلون عامل تحدّ وخطورة، ولأنهم أئمة الكفر وصناديد مكة، وأشار أبو بكر الصديق بأخذ الفدية منهم إذ كان يرى أن في ذلك قوة للمسلمين على الكفار، وكان يأمل أن يهديهم الله تعالى للإسلام. وقد أخذ النبي ﷺ برأي أبي بكر، وقد تباين فداء الأسرى، فمن كان ذا مال أخذ فداؤه، وتتناقص الأموال المأخوذة منهم بعد ذلك تبعا لكفاءتهم المالية وقد حفظت لنا المصادر نماذج منها، فمن ذلك أنه استوفى من العباس بن عبد المطلب مائة أوقية من الذهب فداء عنه، ومن عقيل بن أبي طالب ثمانين أوقية، واستوفى من آخرين أربعين أوقية لكل منهم «٥» . ولقد نزل القرآن الكريم بعد ذلك موافقا لرأي عمر، وذلك في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ثمّ قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٦» . أطلق النبي ﷺ سراح عمرو بن أبي سفيان مقابل إطلاق قريش سراح سعد بن النعمان بن أكال الذي

стр. 390

أسره أبو سفيان وهو يعتمر بالبيت العتيق «١» . وكان المسلمون يقبلون من بعض الأسرى ما عندهم إذا تعذر دفع ما فرض عليهم من الفداء «٢» . وأطلق النبي ﷺ أسر بعض الأسرى الذين لم يقدروا على دفع شيء «٣» . أما الأسرى الذين يعرفون القراءة والكتابة، ولم يكن لدى أهليهم أو لديهم مقدرة على الفداء، فقد جعل فداؤهم أن يعلموا أبناء الأنصار القراءة والكتابة، وقد وردت رواية صحيحة الإسناد عن ابن عباس- ﵄ قال: «كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة ... » «٤» . وفي طريق عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة أمر النبي ﷺ بقتل اثنين من الأسرى وهما النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط اللذين كانا من أئمة الكفر، يؤذيان المسلمين بمكة ويشتدان في عداوتهما لله ولرسوله، وكان في قتلهما درسا بليغا للطغاة ونهاية حاسمة للجبروت «٥» . أما بقية الأسرى فقد استوصى الرسول ﷺ بهم خيرا «٦» . وقد أسلم عدد منهم على فترات قبل فتح مكة وبعد ذلك «٧» . أرسل النبي ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة إلى المدينة ليزفا بشرى النصر، وقد تلقى المسلمون الخبر بسرور بالغ، وقد ذكر أسامة بن زيد أنه لم يصدق الخبر إلى أن رأى الأسرى مقرنين «٨» ، وكانت الدهشة تعلو الوجوه إذ لم يصدق الناس في بادىء الأمر أن قريشا قد هزمت، وأن زعماءها قد أصبحوا بين قتيل وأسير، وأن كبرياءها قد تحطمت، وظهرت حقيقة آلهتها الزائفة وعقائدها الباطلة. لقد كانت معركة بدر من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام وقد عرفت في القرآن الكريم بيوم الفرقان لأنها فرّقت بين الحق والباطل، وكان لها أثرها الكبير في إعلاء شأن الإسلام، وانتصار العقيدة السمحاء. ولقد أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة مبلغ فضل البدريين وعلو مقامهم. كما كانت أصداء انتصار المسلمين شديدة على أعداء الإسلام من يهود ومشركين، ولم تكد قريش تصدق ما حدث، وحين تأكدت لديها الأخبار، فإنها أقدمت على اتخاذ بعض الإجراءات التي تؤكد عجزها وإسقاط ما في يدها، فقد أمر زعماء مكة بالامتناع عن إقامة العزاء
следующие страницы →