← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ «١» . وقد وصف الصحابي الجليل علي بن أبي طالب- ﵁ حال المسلمين في معسكر النبي ﷺ ليلة السابع عشر من رمضان وهي ليلة معركة بدر الكبرى، فقال: «لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح ... ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر ... وبات النبي ﷺ يدعو ربه ويقول: «اللهمّ إن تهلك هذه الفئة لا تعبد» ، فلما طلع الفجر نادى للصلاة ... فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرّض على القتال» «٢» . وصل المسلمون إلى بدر واستطلعوا الموضع قبل وصول قوات قريش، وقد وردت رواية حسنة السند تذكر أن الحباب بن المنذر أشار على النبي ﷺ بأن: «نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله ونغوّر ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملأه ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون» «٣» ، وأن النبي ﷺ قد قبل مشورته وفعل بما أشار به الحباب بن المنذر «٤» . وفي صباح السابع عشر من شهر رمضان نظّم الرسول ﷺ جيشه على هيئة صفوف «٥» ، ثم بني للنبي ﷺ عريش- باقتراح من سعد بن معاذ- ليدير منه المعركة. وأكثر النبي ﷺ من الدعاء، واستغاث بالله تعالى «فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه ... فأنزل الله : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ «٦» ، فأمده الله بالملائكة» «٧» . وقد ثبت أنه ﷺ خرج من مقر قيادته- العريش- وهو يقرأ قول الله : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٨» . ويفهم من النصوص الكثيرة والصحيحة الواردة عن أحداث المعركة يوم بدر أن النبي ﵇ شارك شخصيّا في القتال وكان أقرب الناس إلى خطوط العدو كما كان أشد المؤمنين بأسا «٩» . وقد نقل الإمام أحمد بسنده عن علي بن أبي طالب- ﵁ قوله: «لما حضر البأس يوم بدر، اتقينا برسول الله ﷺ ، وكان من أشد الناس، ما كان أو لم يكن أحد أقرب من المشركين منه» «١٠» .

стр. 387

وأمر النبي ﷺ أصحابه صبيحة يوم المعركة أنه: «لا يتقدّمنّ أحد منكم إلى شيء حتّى أكون أنا دونه» «١» ، فدنا المشركون فقال رسول الله ﷺ : «قوموا إلى جنّة عرضها السّماوات والأرض» «٢» . تقابل الجيشان ودنا بعضهم من بعض، وأخذ أبو جهل يدعو على رسول الله ﷺ يقول: «اللهم أيّنا كان أقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة» فكان ذلك استفتاحه الذي أشارت إليه الآية الكريمة: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» . وبدأ القتال بمبارزات فردية، فقد خرج عتبة بن ربيعة وولداه الوليد وشيبة طالبين المبارزة، ورفضوا مبارزة بعض شباب الأنصار الذين انتدبوا لقتالهم، فأمر النبي ﷺ عمه حمزة بن عبد المطلب، وعلى بن أبي طالب، وعبيدة ابن الحارث فبارزوهم وقتلوهم. وفي هؤلاء الستة نزل قوله تعالى: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ* وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ* كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ* إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ* وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ «٤» . مما كان له آثاره على الطرفين المتحاربين. وبدأت قريش بالهجوم. وكانت توجيهات النبي ﷺ : «إذا أكثبوكم فارموهم واستبقوا نبلكم. ولا تسلّوا السّيوف حتّى يغشوكم» «٥» . وحرضهم ﷺ على القتال قائلا: «والّذي نفس محمّد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا غير مدبر إلّا أدخله الله الجنّة» «٦» . وقد ثبت أن النبي ﷺ قد رمى الحصا في وجوه المشركين وذلك صريح في مشاركته الشخصية في المعركة راجلا في مقدمة المسلمين. ويشير القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ «٧» . والتقى الجمعان، وكان المسلمون يقاتلونهم وهم يؤملون إحدى الحسنيين النصر أو الشهادة، وكان شعارهم التوحيد «أحد أحد» ، فشدوا على المشركين واستهدفوا زعماءهم، فقتلوا فرعون الأمة أبا جهل عمرو بن

стр. 388

هشام، وأمية ابن خلف وابنه علي بن أمية وغيرهم كثير «١» . وقد بلغ عدد صرعى المشركين سبعين قتيلا، ومثلهم كان عدد الأسرى «٢» . وفر باقي مقاتلة المشركين لا يلوون على شيء. وتركوا أثقالهم وأموالهم في ميدان المعركة، وأمر النبي ﷺ بأربعة وعشرين قتيلا من صناديد قريش فقذفوا في بعض آبار بدر «٣» . أما شهداء المسلمين فقد دفنوا في أرض المعركة، وكان عددهم أربعة عشر شهيدا «٤» ، ولم يرد ما يشير إلى الصلاة عليهم ولم يدفن أحد منهم خارج بدر «٥» . وقد ثبت من نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة، ومرويات عدد من الصحابة البدريين أن الله قد أمدّ الفئة المؤمنة بالنصر، وبأنه أمدهم بالملائكة الذين ثبّتوا الذين آمنوا فقاتلوا معهم، وأنه تعالى ألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، قال تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ «٦» . وقال تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ* إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ* بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ* وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ «٧» . وأورد البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل وغيرهم عددا من الأحاديث الصحيحة التي تشير إلى مشاركة الملائكة في معركة بدر، وقيامهم بضرب المشركين وقتلهم «٨» . وقد حصل خلاف بين المسلمين بعد المعركة بشأن الغنائم إذ لم يكن حكمها قد شرع حتى ذلك الوقت. فنزلت سورة الأنفال: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ

стр. 389

وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «١» . وقد قسمها رسول الله ﷺ على فواق بين المسلمين «٢» ، بعد أن أخرج منها الخمس، حيث نزل في ذلك قرآن: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ «٣» . وأسهم النبي ﷺ لتسعة من الصحابة لم يشهدوا بدرا بسبب تكليفهم من قبله بأعمال في المدينة، أو لأنهم لم يشاركوا لأعذار مباحة مثل إصابتهم وهم في طريقهم إلى بدر بجروح أو كسور مما حرمهم من فرصة المشاركة ومن هؤلاء الصحابي عثمان بن عفان الذي أمره النبي ﷺ بالبقاء في المدينة للعناية بزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ في مرض موتها «٤» . إن اتضاح الحكم الشرعي في شأن الغنائم بعد نزول آيات الأحكام الخاصة بها، وبكيفية توزيعها قد أدى إلى إلغاء الخلاف الذي كان قد حصل حولها، فقد ثاب الناس إلى طاعة الله ورسوله، وقد تم توزيع الغنائم في موضع الصفراء في طريق عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة. أما الأسرى، فقد استشار النبي ﷺ أصحابه في أمرهم، فأشار عليه عمر بن الخطاب بقتلهم ضمانا لقوة الدولة الإسلامية حيث إنهم يشكلون عامل تحدّ وخطورة، ولأنهم أئمة الكفر وصناديد مكة، وأشار أبو بكر الصديق بأخذ الفدية منهم إذ كان يرى أن في ذلك قوة للمسلمين على الكفار، وكان يأمل أن يهديهم الله تعالى للإسلام. وقد أخذ النبي ﷺ برأي أبي بكر، وقد تباين فداء الأسرى، فمن كان ذا مال أخذ فداؤه، وتتناقص الأموال المأخوذة منهم بعد ذلك تبعا لكفاءتهم المالية وقد حفظت لنا المصادر نماذج منها، فمن ذلك أنه استوفى من العباس بن عبد المطلب مائة أوقية من الذهب فداء عنه، ومن عقيل بن أبي طالب ثمانين أوقية، واستوفى من آخرين أربعين أوقية لكل منهم «٥» . ولقد نزل القرآن الكريم بعد ذلك موافقا لرأي عمر، وذلك في قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ثمّ قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٦» . أطلق النبي ﷺ سراح عمرو بن أبي سفيان مقابل إطلاق قريش سراح سعد بن النعمان بن أكال الذي

стр. 390

أسره أبو سفيان وهو يعتمر بالبيت العتيق «١» . وكان المسلمون يقبلون من بعض الأسرى ما عندهم إذا تعذر دفع ما فرض عليهم من الفداء «٢» . وأطلق النبي ﷺ أسر بعض الأسرى الذين لم يقدروا على دفع شيء «٣» . أما الأسرى الذين يعرفون القراءة والكتابة، ولم يكن لدى أهليهم أو لديهم مقدرة على الفداء، فقد جعل فداؤهم أن يعلموا أبناء الأنصار القراءة والكتابة، وقد وردت رواية صحيحة الإسناد عن ابن عباس- ﵄ قال: «كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة ... » «٤» . وفي طريق عودة الجيش الإسلامي إلى المدينة أمر النبي ﷺ بقتل اثنين من الأسرى وهما النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط اللذين كانا من أئمة الكفر، يؤذيان المسلمين بمكة ويشتدان في عداوتهما لله ولرسوله، وكان في قتلهما درسا بليغا للطغاة ونهاية حاسمة للجبروت «٥» . أما بقية الأسرى فقد استوصى الرسول ﷺ بهم خيرا «٦» . وقد أسلم عدد منهم على فترات قبل فتح مكة وبعد ذلك «٧» . أرسل النبي ﷺ زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة إلى المدينة ليزفا بشرى النصر، وقد تلقى المسلمون الخبر بسرور بالغ، وقد ذكر أسامة بن زيد أنه لم يصدق الخبر إلى أن رأى الأسرى مقرنين «٨» ، وكانت الدهشة تعلو الوجوه إذ لم يصدق الناس في بادىء الأمر أن قريشا قد هزمت، وأن زعماءها قد أصبحوا بين قتيل وأسير، وأن كبرياءها قد تحطمت، وظهرت حقيقة آلهتها الزائفة وعقائدها الباطلة. لقد كانت معركة بدر من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام وقد عرفت في القرآن الكريم بيوم الفرقان لأنها فرّقت بين الحق والباطل، وكان لها أثرها الكبير في إعلاء شأن الإسلام، وانتصار العقيدة السمحاء. ولقد أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة مبلغ فضل البدريين وعلو مقامهم. كما كانت أصداء انتصار المسلمين شديدة على أعداء الإسلام من يهود ومشركين، ولم تكد قريش تصدق ما حدث، وحين تأكدت لديها الأخبار، فإنها أقدمت على اتخاذ بعض الإجراءات التي تؤكد عجزها وإسقاط ما في يدها، فقد أمر زعماء مكة بالامتناع عن إقامة العزاء

стр. 391

على القتلى أو بكائهم والنياحة عليهم، في محاولة لإظهار التجلد حتى لا يشمت بهم المسلمون، كما تصرفت بعصبية ونزق، فقد تآمر صفوان بن أمية على حياة الرسول ﷺ بإرساله عمير بن وهب الجمحي بعد أن تحمل عنه ديونه وإعالة أهله، غير أن عالم الغيب أعلم نبيه ومصطفاه ﷺ بالأمر مما أفشل الخطة، بل وأدى ذلك إلى إسلام عمير بن وهب وعودته إلى مكة داعية للإسلام «١» ، كما منعت زينب بنت رسول الله ﷺ من اللحاق بأبيها في المدينة، وحاول بعض فرسان قريش الاعتداء عليها فأرعبوها برماحهم وأكرهوها على العودة إلى مكة «٢» . كما أقدموا على أسر أحد المعتمرين خلافا لما كان عليه العرف في احترام الحجاج والمعتمرين وعدم الاعتداء عليهم. وهم وإن كانوا قد نجحوا في مقايضته بعمرو بن أبي سفيان «٣» فإن ذلك قد كشف للقبائل العربية الأخرى مدى طغيانهم وعدوانهم وحقارتهم. وأخيرا فقد اشترت قريش اثنين من أسرى الرجيع وهما خبيب وابن الدّثنّة وأقدمت على قتلهما للتشفي من المسلمين «٤» . وأورد ابن هشام رواية عن ابن إسحاق قال: «فلما انقضى أمر بدر، أنزل الله فيه من القرآن سورة الأنفال بأسرها» . ومن العدد الكبير من القصائد التي قيلت في بدر والتي عبّرت عن وجهات نظر الطرفين، نذكر قول حسّان ابن ثابت- ﵁: لقد علمت قريش يوم بدر ... غداة الأسر والقتل الشديد بأنّا حين تشتجر العوالي ... حماة الحرب يوم أبي الوليد قتلنا ابني ربيعة يوم سارا ... إلينا في مضاعفة الحديد وفرّ بها حكيم يوم جالت ... بنو النجار تخطر كالأسود وولت عند ذاك جموع فهر ... وأسلمها الحويرث من بعيد لقد لاقيتم ذلّا وقتلا ... جهيزا نافذا تحت الوريد

стр. 392

وكل القوم قد ولّوا جميعا ... ولم يلووا على الحسب التليد وقال حسّان أيضا: ألا ليت شعري هل أتى أهل مكة ... إبارتنا الكفار في ساعة العسر قتلنا سراة القوم عند مجالنا ... فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر قتلنا أبا جهل وعتبة قبله ... وشيبة يكبو لليدين وللنحر قتلنا سويدا ثم عتبة بعده ... وطعمة أيضا عند ثائرة القتر فكم قد قتلنا من كريم مرزّء ... له حسب في قومه نابه الذكر تركناهم للعاويات ينبنهم ... ويصلون نارا بعد حامية القعر لعمرك ما حامت فوارس مالك ... وأشياعهم يوم التقينا على بدر النشاط العسكري الإسلامي بين بدر وأحد: ارتفعت معنويات المسلمين كثيرا بعد انتصارهم الكبير في معركة بدر الكبرى، وقد حرص المسلمون على تأديب المعاندين من المشركين في نطاق المدينة وما حولها، فقد أقدم عمير بن عدي الخطمي- ﵁ على قتل عصماء بنت مروان التي كانت تحرض على النبي ﷺ وتعيب الإسلام «١» ، وحين سأل النبي ﷺ بعد ذلك عما إذا كان عليه شيء؟ قال له النبي ﷺ : «نصرت الله ورسوله يا عمير» «٢» ، ثم قال: «لا ينتطح فيها عنزان» «٣» . وقد أسلم نتيجة ذلك عدد من بني خطمة وجهر بالإسلام منهم من كان يستخفي «٤» . وقد غزا النبي ﷺ بعد سبع ليال من عودته إلى المدينة من غزوة بدر، وبلغ ماء الكدر في ديار بني سليم

стр. 393

الذين قصدهم بغزوته هذه، غير أنه لم يلق حربا فأقام ثلاث ليال على الماء ثم رجع إلى المدينة «١» . وحين قتل رسول الله ﷺ الحارث بن سويد بن صامت، نجم نفاق الشاعر أبي عفك من بني عمرو بن عوف وقال شعرا هجا فيه رسول الله ﷺ فقال ﵇: «من لي بهذا الخبيث؟» ، فخرج إليه الصحابي سالم بن عمير فقتله «٢» . غزوة بني قينقاع: أورد الزهري أنها حصلت في السنة الثانية من الهجرة، وذكر الواقدي وابن سعد أنها وقعت يوم السبت للنصف من شوال من السنة الثانية «٣» ، واتفق معظم من كتب في مغازي رسول الله ﷺ وسيرته على أنها وقعت بعد معركة بدر، إذ لم يلتزم اليهود بالمعاهدة التي أبرمها الرسول ﷺ معهم، ولم يوفوا بالتزاماتهم التي حددتها، ووقفوا من الرسول ﷺ والمسلمين مواقف عدائية، فأظهروا الغضب والحسد عند ما انتصر المسلمون في بدر، وجاهروا بعداوتهم للمسلمين «٤» . وقد جمعهم النبي ﷺ في سوقهم بالمدينة ونصحهم، ودعاهم إلى الإسلام، وحذّرهم أن يصيبهم ما أصاب قريشا في بدر «٥» ، غير أنهم واجهوا النبي ﷺ بالتحدي والتهديد رغم ما يفترض أن يلتزموا به من الطاعة والمتابعة لبنود المعاهدة التي جعلتهم تحت رئاسته، فقد جابهوه بقولهم: «يا محمد! لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال. إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا» «٦» . وهكذا بدأت الأزمة تتفاعل إذ لم يكن في جوابهم ما يشير إلى الالتزام والاحترام، بل على العكس فإنهم قد أظهروا روحا عدائية، وتحديّا واستعلاء واستعدادا للقتال، فأنزل الله فيهم قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ* قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ «٧» . واستمر اليهود من بني قينقاع يظهرون الروح العدائية ضد المسلمين، فقد أقدم أحدهم على الاعتداء على كرامة إحدى النساء المسلمات، فقد عقد طرف ثوبها وهي جالسة دون أن تعلم، فلما قامت انكشفت فاستصرخت المسلمين فأغاثها أحدهم وقتل اليهودي، غير أن اليهود تواثبوا على ذلك المسلم وقتلوه، واستصرخ أهل المسلم إخوانهم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع «٨» .

стр. 394

وهكذا فإن سبب الأزمة كان يكمن في رفضهم التعايش مع المسلمين، وتحديهم الرسول ﷺ ، وتهديدهم أمن المدينة واعتدائهم المباشر على أفراد المجتمع الإسلامي، ورفضهم الانصياع لبنود المعاهدة التي أبرمها الرسول ﷺ معهم. وقد خشي الرسول ﷺ خيانتهم فنبذ إليهم على سواء تنفيذا لأمر الله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «١» . أما تفاصيل حصارهم وإجلائهم فإنها ثابتة في المصادر بروايات صحيحة «٢» ، ذلك أنهم أظهروا صريح البغضاء والعداء، فعقد النبي ﷺ لواء أبيض لحمزة بن عبد المطلب، واستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، وخرج بقواته وحاصرهم خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، وحين اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فيهم: على أن له أموالهم، وأن لهم النساء والذرّية. فأمر بهم فكتّفوا، ثم كلمه فيهم حليفهم عبد الله بن أبي بن سلول، وألحّ عليه قائلا: «أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع منعوني من الأحمر والأسود وتحصدهم في غداة واحدة» . فقال له رسول الله ﷺ : «هم لك» وأمر بهم أن يجلوا عن المدينة، وتولى أمر إجلائهم عبادة بن الصامت، فلحقوا بأذرعات، وتولى قبض أموالهم محمد بن مسلمة الأنصاري، فخمّست وقسم الباقي بين الصحابة «٣» . وأعلن عبادة بن الصامت براءته من حلفائه اليهود لمحاربتهم المسلمين، ومظاهرة لله ورسوله فقال: «يا رسول الله إن لي موالي من يهود كثير عددهم وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود، وأتولى الله ورسوله» . ولقد أنزل الله في موالاة عبد الله بن أبي بن سلول لليهود، وبراءة عبادة بن الصامت منهم قرآنا، فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ... «٤» . غزوة السويق: أراد أبو سفيان القيام بعمل انتقامي ضد المسلمين، فاصطحب معه مائتي فارس، وتقدم سرّا نحو المدينة، وتخفّى عند بني النضير، وفي أوائل الحجة من السنة الثانية من الهجرة هاجم أبو سفيان بقواته ناحية العريض فقتلوا رجلين من المسلمين وأحرقوا نخلا، وفروا مسرعين عائدين إلى مكة، وقد تخففوا من حمولتهم من الطعام في سبيل التعجيل بالفرار، وضمانا لعدم لحاق المسلمين بهم وطلبا للنجاة. وقد نفر الرسول ﷺ بالمسلمين في أثرهم حين بلغه الخبر حتى وصلوا قرقرة الكدر فلم يلحقوا بهم «٥» ، فعادوا بأزوادهم التي رموها وغالبها من السويق

стр. 395

فسميت بذلك «١» . وقد وقعت هذه الغزوة في شهر محرم سنة ثلاث للهجرة «٢» . غزوة قرقرة الكدر: جمعت قبيلتا غطفان وبنو سليم جموعا على ماء لبني سليم بقرقرة الكدر بهدف التحرك ضد المسلمين بسبب ما لحقهم من آثار سلبية اقتصاديّا من جرّاء جهود المسلمين في التصدي لقريش وإحكامهم الحصار الاقتصادي عليها. ويظهر أن هاتين القبيلتين كانتا تستفيدان من أنشطة الحركة التجارية المكية. وحين بلغت أنباء هذا التجمع رسول الله ﷺ قاد بنفسه جيشا من مائتي مقاتل وداهمهم على الماء. وقد فر المقاتلون من الجانب المعادي لمجرد سماعهم أنباء قدوم الرسول ﷺ «٣» تاركين خلفهم جمالهم التي بلغ تعدادها ٥٠٠ بعير، فكانت غنيمة للمسلمين، وأقام النبي ﷺ ثلاثة أيام في الموقع- كعادته في غزواته- قبل أن يعود إلى المدينة «٤» . سريّة مقتل كعب بن الأشرف: فصّل الإمام البخاري في خبر سريّة قتل ابن الأشرف وفي حادثة قتله «٥» ، وينتسب كعب بن الأشرف إلى بني نبهان من قبيلة طيء، كان أبوه قد أصاب دما في الجاهلية، فقدم إلى المدينة وحالف يهود بني النضير وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعبا «٦» . وكان كعب شاعرا، ناصب الإسلام العداء، وقد غاظه انتصار المسلمين على قريش في معركة بدر، فسافر إلى مكة يهجو النبي ﷺ ويحرّض قريشا على الثأر لقتلاهم الذين كان ينوح عليهم ويبكيهم في شعره، ويدعو إلى القضاء على الرسول والمسلمين «٧» . ولم يكتف كعب بذلك، بل إنه فضّل عقائد الجاهلية على الإسلام حين سأله أبو سفيان، وأكد أنها أحب إلى الله وأقرب إلى الحق، فأنزل الله بشأنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا «٨» . وعلى الرغم من كل ذلك، فإنه عاد بصلافة إلى المدينة، وبادر بالتشبيب بنساء المسلمين بكل وقاحة «٩» ، وقد أهدر الرسول ﷺ دمه وأمر بقتله «١٠» ، فأبدى محمد بن مسلمة الأنصاري استعداده لإنفاذ أمر النبي ﷺ فيه،

стр. 396

وأعانه أبو نائلة الأنصاري أخو كعب من الرضاعة، وأعانهما ثلاثة آخرون من الصحابة «١» ، وتم وضع خطة محكمة لتنفيذ العملية واستدرجوا كعبا خارج حصنه ليلا حيث أجهزوا عليه «٢» . وقد اشتكى اليهود عند رسول الله ﷺ من ذلك، فبيّن لهم- ﵇ ما بدر من كعب بن الأشرف من عداء وتحريض وهجاء، وفزع اليهود وبقية المشركين مما حدث وخافوا على أنفسهم أن يصيبهم ما أصاب كعبا فدعاهم النبي ﷺ إلى كتابة معاهدة بينهم فكتبت صحيفة عامة بين الطرفين، جاءت تأكيدا لما في المعاهدة التي كتبها النبي ﷺ بين المسلمين واليهود في المدينة بعد الهجرة والتي عرفت بالصحيفة «٣» . وقد ذهب الجمهور إلى أن قتل ابن الأشرف وقع في السنة الثالثة للهجرة في ليلة النصف من شهر ربيع الأول «٤» . غزوة ذي أمر: في صفر سنة ٣ هـ غزا النبي ﷺ قبيلة غطفان التي تجمعت في ذي أمر من أرض نجد بهدف محاربة المسلمين، غير أنهم سرعان ما تهاربوا حين علموا بتوجه الرسول ﷺ ناحيتهم «٥» . وكان عدد جيش المسلمين أربعمائة وخمسين رجلا، ولم يقع قتال، وأقام النبي ﷺ بقواته على ماء ذي أمر طيلة شهر صفر ثم قفل عائدا إلى المدينة «٦» . غزوة بحران: غزا النبي ﷺ بحران من ناحية الفرع بقوة بلغ تعدادها (٣٠٠) مقاتل مستهدفا بني سليم الذين كانوا يؤمّنون الطريق التجارية لقريش بين مكة المكرمة وبلاد الشام، وذلك في جمادى الأولى سنة ٣ هـ «٧» . ويبدو أنه لم يلق كيدا، ولم يقع قتال «٨» . وعاد ﵇ بقواته بعد عشرة أيام «٩» .

стр. 397

سريّة القردة: أرادت قريش حماية تجارتها من الأخطار التي تتعرض لها عند سلوكها أحد الطريقين- الساحلي والداخلي- بين مكة وبلاد الشام، وخصوصا بعد أن ازدادت العمليات العسكرية الإسلامية شدة وتأثيرا بعد معركة بدر الكبرى وما يتعرض له حلفاء قريش من غزوات مما جعل الطريق تحت رحمة المسلمين «١» . ولهذا فقد فكر تجار قريش في إرسال تجارتهم عبر الطريق المتجهة إلى نجد فالعراق من أجل التخلص من الحصار الاقتصادي الإسلامي، فخرج أبو سفيان على رأس قافلة شارك في تمويلها عدد كبير من تجار قريش، وهي تحمل كميات كبيرة من الفضة إضافة إلى البضائع الأخرى، وقد استأجروا دليلا من بني بكر بن وائل «٢» . وحين علم النبي ﷺ بخبر القافلة، أرسل زيد بن حارثة على رأس مائة من المسلمين في أثرهم، فلحقوا بهم على ماء بنجد يسمى القردة، فأصاب القافلة وحمولتها الثمينة، بعد أن فر الرجال. وقد تم ذلك بعد مرور ستة شهور من غزوة بدر الكبرى «٣» . وقد بلغت قيمة الغنائم مائة ألف درهم، مما عرض تجارة قريش لضربة عنيفة «٤» ، كما أن نجاح المسلمين في عرقلة طريق العراق أمام تجارة قريش أدى إلى إحكام الحصار التجاري عليها مما دعاها إلى التفكير الجاد في ضرورة القيام بعمل عسكري ضد المسلمين دفعا للأخطار التي تتعرض لها تجارتها، وتأمينا لطرقها، ومحاولة استعادة مكانتها وسمعتها التي تردت في أعقاب هزيمتها في معركة بدر الكبرى. غزوة أحد: تعود أسباب هذه المعركة إلى جملة من الأسباب المتداخلة، أبرزها رغبة قريش في الانتقام من المسلمين لقتلاها يوم بدر حيث كانت قد فقدت صناديد رجالها ولحق بها عار الهزيمة المنكرة إضافة إلى ما فقدته من أموالها التي غنمت، ومكانتها التي تهاوت وسمعتها التي مرغت في الوحل «٥» . يضاف إلى ذلك ما كان يشعر به زعماء قريش من أخطار تهددهم وتجارتهم التي كادت أن تتوقف مع بلاد الشام بعد أن تحكم المسلمون في كافة طرق التجارة الداخلية والساحلية، وخاصة بعد أن فقدوا أملهم الأخير في سلوك طريق العراق، وما جرى في سريّة القردة حين غنم المسلمون تجارتهم وعيرهم وقطعوا عليهم آخر طريق كانوا يؤملونه لاستمرار سير تجارتهم «٦» . هذا إلى جانب تعنت قريش وإصرارها على دين الآباء والأجداد ومقاومتها التوحيد، وحقدها التاريخي على الرسول ﷺ والمسلمين الذين أفلتوا من قبضتها، فأصبحوا لها ندّا يناصبونها العداء ويقطعون عليها سبل حياتها. كانت استعدادات قريش لحرب المسلمين قد بدأت مبكرة في أعقاب هزيمتها في بدر، فقد رصدوا أموال

стр. 398

تجارتهم التي تمكن أبو سفيان من الإفلات بها قبيل معركة بدر مع أرباحها لتجهيز جيش الثأر «١» ، وجمعت ثلاثة آلاف مقاتل من أبنائها وحلفائها من كنانة وأهل تهامة «٢» ، بينهم مائتا فارس وسبعمائة دارع «٣» ، وجعلت على قيادة الميمنة خالد بن الوليد، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل «٤» ، وصاحب الجيش عدد من نساء قريش لغرض إثارة الحماس ومنع المقاتلين من التفكير بالفرار خشية العار «٥» . بلغت أنباء تقدم قوات قريش إلى النبي ﷺ «٦» ، فشاور أصحابه في الموضع الذي يرونه لمواجهة جيش المشركين «٧» ، وحيث إن المدينة كانت قد شبكت بالبنيان فهي كالحصن «٨» . فقد كان النبي ﷺ يرى البقاء والتحصّن فيها، وقال: «إنّا في جنّة حصينة» «٩» ، وقد أبدى بعض أصحابه من الأنصار كراهة القتال في طرق المدينة وقالوا: «وقد كنا نمتنع من الغزو في الجاهلية، فبالإسلام أحق أن نمتنع منه، فابرز إلى القوم» «١٠» . انطلق رسول الله ﷺ فلبس لامته. وتلاوم القوم وقالوا: «عرض نبي الله ﷺ بأمر وعرّضتم بغيره، فاذهب يا حمزة فقل لنبي الله ﷺ : «أمرنا لأمرك تبع» . فأتى حمزة فقال له: «يا رسول الله إن القوم قد تلاوموا فقالوا: أمرنا لأمرك تبع» ، فقال رسول الله ﷺ : «إنّه ليس لنبيّ إذا لبس لامته أن يضعها حتّى يناجز» «١١» . لبس النبي ﷺ درعين، رغم علمه بأن الله تعالى يعصمه من القتل تعويدا للأمة على الأخذ بالأسباب المادية ثم التوكل على الله «١٢» . وعقد ﷺ راية سوداء وثلاثة ألوية أحدها للمهاجرين والثاني للأوس من الأنصار والثالث للخزرج منهم «١٣» . وانتظمت قوات المسلمين التي قدرت بألف مقاتل بما فيهم المنافقون المتظاهرون بالإسلام ومعهم فرسان فقط ومائة دارع تحت قيادة النبي ﷺ وتحركت تاركة المدينة من الجانب الغربي من الحرة

стр. 399

الشرقية «١» . وقد انسحب من جيش المسلمين المنافق عبد الله بن أبيّ بن سلول وثلاثمائة من أتباعه المنافقين، بدعوى أنه لن يقع قتال مع المشركين، ومعترضا على قرار الرسول ﷺ بالخروج من المدينة لملاقاة المشركين بقوله «أطاع الولدان ومن لا رأي له، أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا» «٢» . وقد انقسم الصحابة في مسألة قتال هؤلاء المنافقين «٣» ، فأنزل الله تعالى: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا «٤» . وقد حاول الصحابي عبد الله بن عمرو بن حرام تدارك الأمر فلحق بالمنافقين المنسحبين، وحاول إقناعهم بضرورة نصرة نبيهم وقومهم، غير أنهم أصروا على موقفهم، وقالوا له: «لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم» ، وبعد أن يئس عبد الله منهم سأل الله أن يبعدهم، وأن يغني الله نبيه عنهم «٥» ، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ* وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ «٦» . وكاد بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وهما طائفتان من المسلمين، أن يتخاذلا وينسحبا مع المنافقين، وفكروا جديّا في التراجع إلى المدينة، لولا أن الله تعالى أنقذهم وثبّت قلوبهم مع الرسول ﷺ ومع إخوانهم المؤمنين «٧» ، وفيهم قال تعالى: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ «٨» . عسكر الجيش الإسلامي في منطقة الشيخين حيث استعرض الرسول ﷺ المتطوعين من صغار السن فرد منهم أربعة عشر صبيّا «٩» ، ثم تقدم الجيش بعد ذلك إلى ميدان أحد حيث اتخذ مواقعه وفق الخطة المحكمة التي وضعها الرسول ﷺ ؛ فقد نظّم ﷺ صفوف جيشه بحيث أنه حمى ظهر المسلمين بالجبل وهم يستقبلون عدوهم «١٠» ، وجعل خمسين من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير فوق تل عينين المقابل لجبل أحد بقصد منع المشركين من تطويق

стр. 400

المسلمين، وأمر الرماة بالثبات في مواقعهم مهما حصل، وقال لهم: «إن رأيتمونا تخطّفنا الطّير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتّى أرسل لكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا مكانكم» «١» . وهكذا فقد سيطر المسلمون على المرتفعات تاركين الوادي لجيش المشركين الذي تقدم ليواجه المسلمين «٢» . وقاتل المسلمون عند لقاء العدو، تحت شعار: أمت، أمت، واستماتوا في قتال بطولي ملحمي سجل فيه صناديد الإسلام صورا رائعة في البطولة والبسالة «٣» ، وسجل التاريخ روائع بطولات حمزة بن عبد المطلب، ومصعب ابن عمير وأبي دجانة، وأبي طلحة الأنصاري، وسعد بن أبي وقاص، وأمثالهم كثير «٤» ، وحقق المسلمون الانتصار في الجولة الأولى من المعركة «٥» . وفي ذلك يقول الله في كتابه العزيز: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ... «٦» . الآية. ولما رأى الرماة الهزيمة التي حلت بقريش وأحلافها تنادوا: «الغنيمة الغنيمة ظهر أصحابكم فما تنتظرون» فقال لهم أميرهم عبد الله بن جبير: «أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟» قالوا: «والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة» ، وهرعوا إلى جمع الغنائم تاركين مواضعهم الحصينة الخطيرة، عاصين أمر رسول الله ﷺ ، باستثناء أميرهم عبد الله بن جبير «٧» . وكانت فرصة مواتية للمشركين الذين التف خيّالتهم حول المسلمين، واستفاد من ذلك مقاتلة المشركين فعادوا إلى ميدان القتال ثانية، حيث استطاعوا أن يشكّلوا طوقا حول قوات المسلمين «٨» . وفقد المسلمون مواقعهم الأولى، وبدأو يقاتلون دون تخطيط ولم يعودوا يميّز بعضهم بعضا «٩» . ولم ينفع بأس المسلمين وحرارة قتالهم ما داموا لا يقاتلون وفق خطة تستهدف أمرا واضحا، وتساقطوا في ميدان المعركة شهداء أبرارا، بعد أن انقطع اتصالهم بالرسول القائد ﷺ ، وشاع في ميدان المعركة أنه قد استشهد «١٠» . وفر

стр. 401

جمع من المسلمين من ميدان المعركة، وجلس بعضهم إلى جانب ميدان المعركة دون قتال «١» ، وآثر آخرون الشهادة بعد أن تصوروا أنهم قد فقدوا نبيّهم! ومن هؤلاء أنس بن النضر الذي كان يأسف لعدم شهوده بدرا والذي قال في ذلك: «والله لئن أراني الله مشهدا مع رسول الله ﷺ ليرين الله كيف أصنع» ، فلما رأى بعض المسلمين جلوسا تائهين محتارين في أحد صاح: «واها، لريح الجنة أجد دون أحد» وقاتل بشجاعة نادرة حتى استشهد. وقد وجد في جسده بضع وثمانون أثرا بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية نبل «٢» ، ونزل فيه وفي أمثاله قول الله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا «٣» . أما أولئك النفر الذين فرّوا لا يلوون على شيء رغم دعوة النبي ﷺ لهم بالصمود والثبات فقد نزل فيهم قوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ «٤» . ولقد حكى القرآن الكريم خبر فرار هذه المجموعة من الصحابة الذين ترخصوا في الفرار بعد سماعهم نبأ مقتل النبي ﷺ الذي شاع في ساحة المعركة، وكان أول من علم بنجاة الرسول ﷺ وأنه حي هو الصحابي كعب بن مالك الذي رفع صوته بالبشرى فأمره النبي ﷺ بالسكوت حتى لا يفطن المشركون إلى ذلك «٥» . وقد نص القرآن الكريم على أن الله تعالى قد عفا عن تلك الفئة التي فرت، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ «٦» . ويبدو أن بعض مقاتلة المشركين قد انتبهوا إلى وجود الرسول ﷺ مع تسعة من أصحابه، سبعة منهم من الأنصار فهاجموهم، واستبسل الأنصار واستشهدوا واحدا بعد الآخر «٧» ، ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله حتى أثخن وأصيب بسهم شلّت يمينه «٨» ، وقاتل سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول الله ﷺ وكان يناوله النبال ويقول له: «إرم يا سعد، فداك أبي وأمّي» «٩» ، كما قاتل بين يديه أبو طلحة الأنصاري الذي كان من أمهر الرماة، وهو الذي قال عنه النبي ﷺ : «لصوت أبي طلحة في الجيش أشدّ على المشركين من فئة» «١٠» .

стр. 402

وعلى الرغم من استبسال الصحابة في الدفاع عن الرسول ﷺ ، فقد أصيب إصابات عديدة فقد كسرت رباعيته، وشجّ في وجهه، فأخذ يمسح الدم عن وجهه الكريم وهو يقول: «كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم وهو يدعوهم إلى الإسلام؟» «١» . فأنزل الله تعالى في ذلك: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ «٢» . فقال رسول الله ﷺ لما طمع في إسلامهم: «ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون» «٣» . وبرزت مواقف بطولية شامخة لها دلالاتها الإيمانية تمثّلت في استشهاد عدد من المهاجرين والأنصار، وكان حمزة بن عبد المطلب عم الرسول ﷺ من الذين استشهدوا في ذلك اليوم، قتله وحشيّ غلام جبير بن مطعم «٤» . كما استشهد أيضا عبد الله بن جحش، وعمرو بن الجموح وحنظلة بن أبي عامر، وثابت بن وقش «٥» . وساهمت النساء المسلمات في جيش المسلمين، يسقين العطشى ويداوين الجرحى، ويحاربن عند الضرورة «٦» . وقد استمر القتال بين الطرفين حتى أجهدا، وانسحب النبي ﷺ بمن معه ومن لحق به من أصحابه إلى أحد شعاب جبل أحد «٧» ، وكان المسلمون في حالة من الألم والخوف والغم لما أصاب رسول الله ﷺ وما أصابهم رغم نجاحهم في رد المشركين «٨» . فأنزل الله عليهم النعاس فناموا يسيرا ثم أفاقوا آمنين مطمئنين «٩» ، قال تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ «١٠» . وقد أجمع المفسرون على أن الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم هم المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول وبعض من بقي منهم مع الجيش الإسلامي «١١» .

стр. 403

أما قريش فإنها يئست من تحقيق نصر حاسم، وأجهد رجالها من طول المعركة، ومن صمود المسلمين وجلدهم، وخاصة بعد أن اطمأنوا وأنزل الله عليهم الأمنة والصمود فالتفوا حول النبي ﷺ ولذلك فقد كفّوا عن مطاردة المسلمين وعن محاولة اختراق قوتهم «١» . ولم يملك أبو سفيان إلّا أن يأمر بالانسحاب باتجاه مكة بعد أن توعد المسلمين بحرب أخرى في السنة القادمة فوافق النبي ﷺ على ذلك «٢» . وقد ثبت أن أبا سفيان خاطب المسلمين من بعد فقال: أفي القوم محمد؟» ، فقال ﷺ : «لا تجيبوه» ، فقال: «أفي القوم ابن أبي قحافة؟» ، فقال ﷺ : «لا تجيبوه» ، فقال: «أفي القوم ابن الخطّاب؟» ، ثم قال: «إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا» . فلم يملك عمر نفسه فقال: «كذبت يا عدو الله أبقى الله عليك ما يخزيك» . قال أبو سفيان: «أعل هبل» . فقال النبي ﷺ : «أجيبوه» . قالوا: «ما نقول؟» . قال: «قولوا: الله أعلى وأجلّ» . قال أبو سفيان: «لنا العزّى ولا عزّى لكم» . فقال النبي ﷺ : «أجيبوه» . قالوا: «ما نقول؟» . قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم» . قال أبو سفيان: «يوم بيوم والحرب سجال. وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤني» . قال عمر: «لا سواء قتلانا إلى الجنة وقتلاكم إلى النار» «٣» . والواقع فأن السكوت عن استفسارات أبي سفيان وعدم إجابتها بأمر النبي ﷺ إنما كانت تصغيرا لشأنه واحتقارا لكفره، فلما انتشى وملأ الكبر قلبه، بادر المسلمون إلى إخباره بحقيقة الأمر وردوا عليه بكل إيمان وشجاعة. انسحبت قريش من أرض المعركة، وامتطت إبلها مكتفية بما حققت من نصر مكّنها من الانتقام، ودون أن تتطلع إلى نصر حاسم ضد المسلمين المعتصمين في شعاب أحد، بغية القضاء عليهم أو إلى غزو قاعدتهم المدينة «٤» . وبعد أن غادرت قريش، أمر الرسول بدفن شهداء المسلمين وكانوا سبعين شهيدا «٥» ، ولم يؤسر أحد من المسلمين، في حين بلغ عدد قتلى قريش اثنين وعشرين رجلا «٦» . جمع الرسول ﷺ بين الرجلين من الشهداء في ثوب واحد، وقدم عند الدفن أحفظهم لكتاب الله، وأمر أن يدفنوا في دمائهم فلم يغسلوا ولم يصلّ عليهم وقال: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» . ودفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد، وأمر أن يدفنوا حيث صرعوا «٧» . وقد جمع النبي ﷺ أصحابه بعد دفن الشهداء وجعلهم صفّا وأثنى على ربه ودعاه أن يمنحهم نعيم الدنيا وحسن ثواب الآخرة وأن يقتل الكفرة المكذبين «٨» .

стр. 404

ولقد نزلت في موضوع غزوة أحد ومعركتها ثمان وخمسون آية من سورة آل عمران تبدأ بذكر المراحل الأولى للمعركة في قوله تعالى: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ «١» . ونزلت آيات القرآن تمسح جراحات المسلمين وآلامهم وتعطيهم جرعات كبيرة من التربية الإيمانية، وهي تسجل مشاهد متعددة من هذه الغزوة والدرس، منها قوله تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٢» . ومنها: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ «٣» . ومنها قوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٤» . وقوله: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ «٥» . وقوله: وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ «٦» . وقوله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «٧» . وقوله: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا «٨» . وقوله تعالى: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ «٩» . وتقدم في النهاية تعليقا جامعا على نتائج المعركة والحكمة التي أرادها الله من جرّائها، في قوله تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ «١٠» . واجه المسلمون عند عودتهم إلى المدينة اليهود الشامتين، والمنافقين المرجفين، وكانوا يواجهون في أطرافها الأعراب المشركين الذين تطلعوا بشراهة إلى ثمار المدينة وخيراتها. لقد كان التحرك السريع والدقيق من أجل استعادة مواقع المسلمين ومكانتهم ضروريّا للردّ على كل الأخطار والاحتمالات السلبية. ومن هذا المنطلق كان أمر النبي ﷺ أصحابه أن يخرجوا- رغم كل ما أصابهم-

стр. 405

لمطاردة جيش قريش إلى حمراء الأسد في غزوة اقتصرت على من شهد أحدا دون غيرهم «١» . غزوة حمراء الأسد: استجاب المسلمون الذين شاركوا في غزوة أحد فخرجوا في اليوم التالي، وهو الثامن من شوال سنة ٣ هـ، مع الرسول ﷺ إلى حمراء الأسد على ما بهم من خوف وإرهاق وقروح، وقالوا سمعا وطاعة وأذن النبي لجابر بن عبد الله بالمسير معه مع أنه لم يشهد أحدا، إذ كان أبوه قد خلّفه على بناته «٢» ، وتقدم المسلمون حتى بلغوا حمراء الأسد، وكان عددهم حينذاك ستمائة وثلاثين مقاتلا «٣» . وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى النبي ﷺ فأسلم، فأمره النبي ﷺ أن يلحق بأبي سفيان ويخذّله، فلحقه بالروحاء- ولم يعلمه بإسلامه- فخذّله إذ أخبره بخروج النبي ﷺ والمسلمين خلفهم إلى حمراء الأسد، ونصحه وقريش بالعودة إلى مكة على عجل «٤» . ولقد أثنى الله تعالى على مبادرة أصحاب النبي بالخروج معه في هذه الغزوة فقال تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ «٥» . وأقدم أبو سفيان على محاولة تخذيل المسلمين عن ملاحقتهم فأرسل مع ركب من عبد القيس رسالة إلى النبي ﷺ ورد فيها: «إنّا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم» وحين سمع النبي ﷺ ذلك قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ «٦» . وأنزل الله تعالى في ذلك قوله: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ* إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٧» . أقام النبي ﷺ في حمراء الأسد ثلاثة أيام «٨» ، وقد أسروا في طريق عودتهم كلا من معاوية بن المغيرة وأبا عزّة

стр. 406

الجمحي الشاعر الذي كان النبي ﷺ قد منّ عليه فأطلقه من أسره ببدر دون فداء واشترط عليه بألّا يحارب المسلمين. وقد حاول الاعتذار غير أن النبي ﷺ حسم الموقف فأمر الزبير بضرب عنقه «١» . لقد حققت غزوة حمراء الأسد أهدافها المرجّوة فقد أظهرت قدرة المسلمين- وهم في أحلك الظروف- على التصدي لخصومهم. كما أنها بيّنت أنهم إذا كانوا قادرين على متابعة التحرك العسكري خارج المدينة بقسم من قواتهم فإنهم لا شك أقدر على مواجهة أعدائهم داخل المدينة من اليهود والمنافقين وبقايا المشركين. وحفلت كتب السيرة بالكثير من الشعر الصحيح والمنحول في تبيان وجهتي النظر المتصارعتين في معركة أحد ومن ذلك قول شاعر النبي ﷺ حسّان بن ثابت الأنصاري في التعريض بزعماء قريش في هذه المناسبة «٢» : سقتم كنانة جهلا من سفاهتكم ... إلى الرّسول فجند الله مخزيها أوردتموها حياض الموت ضاحية ... فالنار موعدها والقتل لاقيها جمّعتموها أحابيشا بلا حسب ... أئمّة الكفر غرّتكم طواعيها ألا اعتبرتم بخيل الله إذ قتلت ... أهل القليب ومن ألقينه فيها كم من أسير فككناه بلا ثمن ... وجزّ ناصية كنّا مواليها وقال حسان في قصيدة أخري يرد فيها على ابن الزبعري: «٣» أشاقك من أمّ الوليد ربوع ... بلاقع ما من أهلهنّ جميع عفاهنّ صيفيّ الريّاح وواكف ... من الدلو رجّاف السّحاب هموع فلم يبق إلّا موقد النّار حوله ... رواكد أمثال الحمام كنوع فدع ذكر دار بددت بين أهلها ... نوى لمتينات الحبال قطوع وقل إن يكن يوم بأحد يعدّه ... سفيه فإنّ الحقّ سوف يشيع فقد صابرت فيه بنو الأوس كلهم ... وكان لهم ذكر هناك رفيع

стр. 407

وحامى بنو النّجار فيه وصابروا ... وما كان منهم في اللّقاء جزوع أمام رسول الله لا يخذلونه ... لهم ناصر من ربّهم وشفيع وفوا إذ كفرتم باخسين بربّكم ... ولا يستوي عبد وفي ومضيع يكفّ رسول الله حيث تنصّبت ... على القوم مما قد يثرن نقوع أولئك قوم سادة من فروعكم ... وفي كلّ قوم سادة وفروع فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم ... قتيل ثوى لله وهو مطيع فإن جنان الخلد منزلة له ... وأمر الذي يقضي الأمور سريع وقتلاكم في النار أفضل رزقهم ... حميم معا في جوفها وضريع وقال عمرو بن العاص من قصيدة له طويلة «١» : ينزو شرّها بالرّضف نزوا ... وتناولت شهباء تلحو الناس بالضرّاء لحوا أيقنت أنّ الموت حقّ، والحياة تكون لغوا ... حمّلت أثوابي على عتد يبذّ الخيل رهوا سلس إذا نكّبن في البيداء يعلو الطرف علوا ... وإذا تنزّل ماؤه من عطفه يزداد زهوا شنح نساه صابط للخيل إرخاء وعدوا

стр. 408

ففدى لهم أمّي غداة الرّوع إذ يمشون قطوا سيرا إلى كبش الكتيبة إذ جلته الشمس جلوا قال ابن إسحاق: فأجابه كعب بن مالك «١» : أبلغ قريشا وخير القول أصدقه ... والصدق عند ذوي الألباب مقبول إن قد قتلنا بقتلانا سراتكم ... أهل اللّواء ففيما يكثر القيل ويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النّصر ميكال وجبريل إن تقتلونا فدين الحقّ فطرتنا ... والقتل في الحقّ عند الله تفضيل وإن تروا أمرنا في رأيكم سفها ... فرأي من خالف الإسلام تضليل إنّا بنو الحرب نمريها وننتجها ... وعندنا لذوي الأضغان تنكيل وقال حسّان يذكر عدّة أصحاب اللواء يوم أحد: منع النّوم بالعشاء الهموم ... وخيال إذا تغور النّجوم من حبيب أضاف قلبك منه ... سقم فهو داخل مكتوم يالقومي هل يقتل المرء مثلي ... واهن البطش والعظام سئوم لو يدبّ الحوليّ من ولد الذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم شأنها العطر والفراش ويعلو ... ها لجين ولؤلؤ منظوم لم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم

стр. 409

لا تسبّنّني فلست بسبّي ... إنّ سبّي من الرّجال الكريم ما أبالي أنبّ بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم ولي البأس منكم إذ رحلتم ... أسرة من بني قصي صميم تسعة تحمل اللواء وطارت ... في رعاع من القنا مخزوم وأقاموا حتّى أبيحوا جميعا ... في مقام وكلهم مذموم بدم عاتك وكان حفاظا ... أن يقيموا إن الكريم كريم وقريش تفرّ منا لواذا ... أن يقيموا وخفّ منها الحلوم لم تطق حمله العواتق منهم ... إنما يحمل اللواء النّجوم «١» وقال كعب بن مالك في يوم أحد: سائل قريشا غداة السّفح من أحد ... ماذا لقينا وما لاقوا من الهرب كنا الأسود وكانوا النّمر إذ زحفوا ... ما إن نراقب من آل ولا نسب فكم تركنا بها من سيّد بطل ... حامي الذمار كريم الجدّ والحسب فينا الرّسول شهاب ثم يتبعه ... نور مضيء له فضل على الشّهب الحق منطقه والعدل سيرته ... فمن يجبه إليه ينج من تبب نجد المقدّم، ماضي الهمّ معتزم ... حين القلوب علي رجف من الرّعب يمضي ويذمرنا من غير معصية ... كأنه البدر لم يطبع على الكذب بدا لنا فاتّبعناه نصدّقه ... وكذّبوه فكنّا أسعد العرب جالوا وجلنا فما فاءوا وما رجعوا ... ونحن نثفنهم لم نأل في الطّلب ليسا سواء وشتّى بين أمرهما ... حزب الإله وأهل الشّرك والنّصب

стр. 410

سريّة أبي سلمة لتأديب بني أسد: بلغت النبي ﷺ أخبار الاستعدادات التي قام بها بنو أسد بن خزيمة بقيادة طليحة الأسدي من أجل غزو المدينة طمعا في خيراتها وانتصارا لشركهم، ومظاهرة لقريش في عدوانها على المسلمين. وقد سارع النبي ﷺ إلى تشكيل سريّة من مائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار، وأمّر عليهم أبا سلمة بن عبد الأسد، أرسلهم إلى ديار بني أسد، فباغتوهم على ماء لهم في ديارهم، غير أنّ بني أسد سرعان ما تفرقوا تاركين ماشيتهم وإبلهم غنيمة للمسلمين من هول المباغتة «١» . سريّة عبد الله بن أنيس: كان خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي قد جمّع المقاتلة من هذيل وغيرها في عرفات، وكان يتهيأ لغزو المسلمين في المدينة مظاهرة لقريش، وتقربا إليها، ودفاعا عن عقائدهم الفاسدة، وطمعا في خيرات المدينة «٢» ، فأرسل رسول الله ﷺ الصحابي عبد الله بن أنيس الجهني إليه بعد أن كلّفه بمهمة قتله، فقتله في وادي عرنة وهو يرتاد بماشيته هناك وكان عبد الله قد غادر المدينة في الخامس من محرم. على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة، وعاد إليها بعد أن أنجز مهمته يوم السبت لسبع بقين من محرم. «٣» وقد هش في وجهه النبي ﷺ حين عاد وقال له: «أفلح الوجه ... » ثم أدخله بيته، وأعطاه عصا ليتكيء عليها- آية بينه وبين الرسول ﷺ يوم القيامة «٤» . سريّة الرجيع: اختلفت مرويات سريّة الرجيع فيما بينها كثيرا حول السبب الذي من أجله بعث بها النبي ﷺ ، وفي الوقت الذي يورد البخاري بأنه إنما بعث بالسريّة عينا لتجمع المعلومات عن العدو «٥» ، فإن مرويات أخرى بأسانيد صحيحة ورد فيها أنه قدم على رسول الله ﷺ رهط من قبيلتي عضل والقارة المضريتين إلى المدينة وقالوا: «إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام» «٦» .

стр. 411

والراجح أن قبيلة هذيل قد سعت للثأر من المسلمين لسفيان الهذلي فلجأت إلى الخديعة والغدر، وقد جزم الواقدي «١» بأن السبب هو أن بني لحيان وهم حي من هذيل، مشت إلى عضل والقارة وجعلت لهم جعلا ليخرجوا إلى رسول الله ﷺ ويطلبوا منه أن يخرج معهم من يدعوهم إلى الإسلام، ويفقههم في الدين، فيكمنوا لهم ويأسروهم ويصيبوا بهم ثمنا في مكة «٢» . وهكذا بعث الرسول ﷺ هذه السريّة التي تتألف من عشرة من الصحابة «٣» . وجعل عليهم عاصم بن ثابت ابن الأقلح أميرا، حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة أغار عليهم بنو لحيان- وهم قريب من مائتي مقاتل- فألجئوهم إلى تل مرتفع بعد أن أحاطوا بهم من كل جانب، ثم أعطوهم الأمان من القتل، ولكن قائد السريّة أعلن رفضه أن ينزل في ذمة كافر، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما في سبعة من أفراد السريّة بالنبال، ثم أعطى الأعراب الأمان من جديد للثلاثة الباقين، فقبلوا غير أنهم سرعان ما غدروا بهم بعد ما تمكّنوا منهم وقد قاومهم عبد الله بن طارق فقتلوه، واقتادوا الاثنين إلى مكة- وهما خبيب وزيد بن الدثنّة فباعوهما لقريش «٤» وكان ذلك في صفر سنة ٤ هـ «٥» . فأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل فقتلوه بالحارث الذي كان خبيب قتله في بدر. ولما أخرجوا خبيبا من الحرم ليقتلوه صلى ركعتين قبل أن يقتل فكان أول من سن ذلك ثم دعا ربه قائلا: «اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تبق منهم أحدا» ، ثم تمثّل بشعر قال فيه: ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شقّ كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع «٦» وأما ثانيهما- وهو زيد بن الدثنّة فقد اشتراه صفوان بن أميّة وقتله ثأرا لأبيه أميّة بن خلف الذي كان قد قتل ببدر. وقد سأله أبو سفيان قبل قتله: «أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنت في أهلك؟ فقال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي» «٧» .

стр. 412

وقد عرفت هذه الحادثة المفجعة بالرجيع نسبة إلى ماء الرجيع الذي حصلت عنده. وقد أنزل الله سبحانه في أفراد هذه السريّة قوله تعالى «١» : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ «٢» . وكان المنافقون قد تظاهروا بالتوجع لقتلى سريّة الرجيع وقالوا ويحهم- لا هم أقاموا في أهلهم ولا هم أدّوا رسالة صاحبهم فأنزل الله تعالى فيهم قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ «٣» . سريّة بئر معونة: لم تتوقف وفود الصحابة عن الخروج من المدينة لدعوة الأعراب إلى الإسلام إذ لا بد من تبليغ الدعوة الإسلامية مهما غلت التضحيات؛ ففي الشهر نفسه الذي أرسل فيه الرسول ﷺ سرّية الرجيع، أرسل ﷺ سريّة أخرى إلى بئر معونة «٤» ، وذلك أن أبا براء عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنّة قدم إلى المدينة، ودعاه النبي ﷺ إلى الإسلام، فلم يسلم ولم يبعد ووعد بإجارة وفد من الدعاة يرسلهم النبي ﷺ لدعوة الأعراب من أهل نجد. وقد ثبت في الصحيح أن الرسول ﷺ أرسل إلى نجد سبعين من خيار الصحابة- ﵃ ممن عرفوا بالقرّاء «٥» ، وقد أمّر عليهم المنذر بن عمرو الخزرجي «٦» . فلما وصلوا بئر معونة وحرّة بني سليم من أرض عامر بن الطفيل، بعثوا حرام بن ملحان بكتاب النبي ﷺ إلى ابن الطفيل الذي غدر بهم فأمر بقتل رسولهم إليه الذي طعن في ظهره برمح فصاح: «الله أكبر فزت ورب الكعبة» وقد استنفر ابن الطفيل قومه من بني عامر إلى قتل السريّة فامتنعوا لأجل الجوار الذي سبق من أبي براء، فاستنفر عدو الله بني سليم فأجابته عشائر عصيّة ورعل وذكوان، وخاضوا مع المسلمين معركة ضارية استشهد فيها القرّاء جميعا عدا عمرو بن أميّة الضمري الذي كان قد تأخر عن إخوانه «٧» . وقد عاد عمرو بن أميّة بالخبر الأليم إلى رسول الله ﷺ بالمدينة وقد فتك وهو في طريقه إلى المدينة

стр. 413

برجلين من بني كلاب وهو يرى أنه قد أصاب ثأر أصحابه، ولكن تبين أن معهما عهدا من النبي ﷺ وهو لم يعلم به مما دفع الرسول ﷺ إلى الالتزام بدفع ديتهما. وقد تألّم الرسول ﷺ والمسلمون كثيرا لفاجعتي بئر معونة والرجيع، وأخذ ﵇ يقنت في صلاة الفجر ثلاثين يوما وهو يدعو على من قتل أصحابه «١» في هاتين السريّتين من رجال عشائر رعل وذكوان ولحيان وعصيّة «٢» . غزوة بني النضير: قدمت المصادر الحديثة والتاريخية معلومات متنوعة عن تاريخ هذه الغزوة وأسبابها ففي حين روى الزهري أنها وقعت في سنة ٢ هـ «٣» ، ووردت رواية ثانية مرسلة عن عروة بن الزبير أنها كانت على رأس ستة أشهر من معركة بدر الكبرى «٤» ، في حين وردت رواية أخرى عن عروة أنها كانت في محرم من السنة الثالثة للهجرة «٥» . وهذا موافق لما ورد عن طريق موسى بن عقبة «٦» ، في حين ذكر محمد بن إسحاق أنها كانت سنة ٤ هـ، وهذا يتفق مع ما أورده الواقدي وابن سعد «٧» ، ومع ما ذكره هشام كذلك «٨» . وقطع ابن القيم بوهم الزهري ولم يشك في أنها وقعت بعد معركة أحد كما ذهب أغلب من كتب في السيرة والمغازي «٩» . ورغم توثيق ابن حجر لمرويات الزهري، فإنه يرى بضرورة الأخذ بقول ابن إسحق في هذه المناسبة لأن بئر معونة كانت بعد معركة أحد بالاتفاق «١٠» . أما عن سبب الغزوة فتؤكد المصادر على المحاولتين اللتين قام بهما يهود بني النضير لقتل النبي ﷺ ، أولاهما بعد معركة بدر الكبرى بمواطأة ودعم من قريش لاستدراج النبي ﷺ وقتله غيلة بالخناجر من قبل ثلاثة من أحبارهم «١١» . أما الثانية ففي أعقاب مأساة سريّة الرجيع، وإقدام عمرو بن أميّة الضمري على قتل رجلين معاهدين خطأ، فقد استعان النبي ﷺ بيهود من أجل جمع الدية، وقد همّ اليهود بقتله غيلة بإلقاء حجر عليه وهو جالس إلى جدار لهم،

стр. 414

فأعلمه الوحي بذلك فانصرف عنهم بسرعة راجعا إلى المدينة حيث أمر بحصارهم «١» . وقد انفرد موسى ابن عقبة بالقول بأن بني النضير كانوا «قد دسّوا إلى قريش وحضّوهم على قتال رسول الله ﷺ ودلّوهم على العورة» وذلك عندما نزلوا بأحد لقتال الرسول ﷺ والمسلمين «٢» . وعند تدقيق الأخبار فإن بالإمكان التعرف على مدى حقد يهود بني النضير على الرسول ﷺ والمسلمين، فقد تواطئوا مع أبي سفيان وفرسانه حين كمنوا عندهم في غزوة السويق قبل الاعتداء على أطراف المدينة، وكان كعب بن الأشرف قد أعلن مجاهرته بعداوة المسلمين فهجاهم وحرّض قريشا عليهم وشبب بنسائهم، إلى جانب محاولتهم قتل النبي ﷺ غيلة في المناسبتين المذكورتين آنفا، وذلك ما يكمن وراء قرار النبي ﷺ الحكيم والحازم بضرورة طردهم من منطقة المدينة حيث إنه وضع بذاك حدّا لممارستهم الإجرامية المتكررة. إنذار بني النضير بالجلاء وحصارهم: سجلت معظم كتب السيرة النبوية خبر إنذار النبي ﷺ لبني النضير بالجلاء خلال عشرة أيام دون أسانيد «٣» ، كما سجلت موقف المنافقين وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول وتحريضهم لليهود على التمرد وعدم الجلاء ووعدهم بالنصر بروايات ضعيفة لا تصلح للاحتجاج بها «٤» ، ولكن يكفي لثبوته ما ورد في سورة الحشر «٥» التي ثبت أنها نزلت في بني النضير «٦» . أما عن الحصار فقد صح أن النبي ﷺ قد حاصرهم وطالبهم بأن يعاهدوه كشرط لتأمينهم فقال ﷺ لهم: «إنكم لا تأمنون عندي إلّا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدا، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم وغدا إلى بني النضير بالكتائب فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء وعلى أن لهم ما أقلّت الإبل إلّا الحلقة- السلاح- فجاءت بنو النضير واحتملوا ما أقلّت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها، فيحملون ما وافقهم من خشبها» «٧» . وفي ذلك يقول : هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ

стр. 415

يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ «١» . وقد ثبت بنص القرآن الكريم «٢» والحديث النبوي الشريف «٣» أن النبي ﷺ أمر بتحريق وقطع بعض نخل بني النضير خلال الحصار، قال تعالى: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ «٤» . وقد خرج يهود بني النضير إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام «٥» ، وقد أسلم منهم اثنان ولذلك فإنهما أحرزا أموالهما «٦» . أما باقي أموالهم وبساتينهم فكانت نفلا للرسول ﷺ «٧» ، كان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ويجعل الفاضل عدّة في سبيل الله «٨» . أما أرضهم فقد قسمها بين المهاجرين خاصّة، وأعطى اثنين من الأنصار لفقرهما «٩» . لم يتوقف حقد يهود بني النضير وكيدهم للإسلام بإجلائهم وتخليص المدينة وما حولها من شرورهم، فقد ثبت أنهم ساهموا في التحريض على تجميع الأحزاب في مواجهة الإسلام والكيد له فكانت غزوة الخندق «١٠» . غزوة بدر الموعد: تنفيذا للموعد الذي كان أبو سفيان قد اقترحه في أعقاب معركة أحد، والتزام الرسول ﷺ بذلك، فقد خرج النبي ﷺ من المدينة على رأس جيش من أصحابه قوامه ألف وخمسمائة مقاتل بينهم عشرة من الخيّالة وذلك في ذي القعدة سنة ٤ هـ، وحمل لواء الجيش علي بن أبي طالب- ﵁ فوصلوا بدرا فأقاموا فيها ثمانية أيام بانتظار وصول قوات المشركين من قريش بقيادة أبي سفيان بحسب الموعد بين الطرفين، غير أن أحدا من المشركين لم يصل إلى بدر، وكان أبو سفيان قد جمّع قوات قريش وحلفائها التي تألفت من ألفي مقاتل معهم خمسون فرسا، فلما وصلوا إلى مر الظهران، نزلوا على مياه مجنّة على بعد أربعين ميلا من مكة، ثم عاد بهم أبو سفيان إلى مكة بحجة أن

стр. 416

ذلك العام كان عام جدب. وكان لإخلاف قريش موعدهم مع الرسول والمسلمين صدى واسع بين القبائل العربية، وأثر كبير في الارتفاع بمكانة المسلمين واستعادتهم لهيبتهم التي كانت قد انتكست بعد معركة أحد «١» . سريّة أبي عبيدة إلى نجد: واصل الرسول ﷺ إرسال سراياه إلى أنحاء مختلفة من نجد والحجاز، ومن ذلك إرساله سريّة أبي عبيدة عامر ابن الجراح إلى قبيلتي طيء وبني أسد في نجد فنذروا به، فرجع أبو عبيدة ولم يلق كيدا «٢» . سرايا المسلمين الأخرى بعد بدر الموعد: بعث النبي ﷺ عمر بن الخطاب على رأس سريّة إلى قبيلة القارة، فتهاربوا واعتصموا بالجبال فعاد بأصحابه ولم يلق كيدا «٣» . وبعث بلال بن مالك المزني على رأس سريّة من المسلمين إلى بني مالك بن كنانة، فنذروا به فلم يصب من دارهم إلّا فرسا واحدا «٤» . وبعث بشير بن سويد الجهني إلى بني الحارث بن عبد مناف بن كنانة، فاعتصموا في غيضة، فأحرقهم، فلامه رسول الله ﷺ «٥» . غزوة النبي ﷺ إلى بني لحيان: كان النبي ﷺ قد وجه السرايا المذكورة آنفا، وهو غاز إلى بني لحيان، ثم أتى عسفان من وجهه ذلك، وبعث بعدد من السرايا تحت قيادة بعض كبار الصحابة فقد بعث عمر بن الخطاب إلى تربة وبعث محمد بن مسلمة إلى القرطاء من بني كلاب، بشير بن سعد الخزرجي إلى فدك، وغالب بن عبد الله الليثي إلى بني مرة في فدك؛ وغالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوّح بالكديد وفي السنة التالية وهي سنة ٦ هـ بعث بشير بن سعد إلى خيبر، وكعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح، وعبد الرحمن بن عوف إلى كلب، وعلى بن أبي طالب إلى فدك، وعثمان بن عفان إلى الهدى، وعبد الله بن رواحة إلى خيبر، دعما لعلي بن أبي طالب الذي فتح الله عليه فدك «٦» . غزوة دومة الجندل: لم ترد أخبار غزوة دومة الجندل في الصحيحين، بل في كتب المغازي والسير التي اتفقت على أنها كانت في

стр. 417

ربيع الأول على رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة النبوية «١» . ويرجع الواقدي سببها إلى أنه قد بلغ رسول الله ﷺ أن بدومة الجندل جمعا كثيرا من الناس وأنهم يظلمون من مرّ بهم من تجار الميرة والمتاع المتنقلين بين المدن- وكان بدومة الجندل سوق عظيم وتجارة رائجة، وأنه قد ضوى إليهم قوم من العرب كثير، وأنهم يريدون التوجه إلى المدينة طمعا في أموالها «٢» ، فندب رسول الله ﷺ الناس وخرج في ألف من المسلمين، ومعهم دليل من بني عذرة، وقبل وصولهم دومة الجندل هجموا علي ماشيتهم ورعائهم، فأصابوا قسما منها، وهرب من هرب، فبلغ الخبر دومة الجندل، فتهاربوا إذ لم يجد المسلمون أحدا فيها عند وصولهم، فأقام النبي ﷺ بالمسلمين فيها أياما، وبعث بالسرايا من هناك إلى مختلف الأنحاء وكانت ترجع بالإبل فقط، إلّا سريّة محمد بن مسلمة الذي أسر رجلا منهم وعرض عليه الإسلام فأسلم. وعاد الرسول ﷺ بالمسلمين إلى المدينة «٣» . غزوة المريسيع (بني المصطلق) : ساهم بنو المصطلق- وهم من خزاعة الأزدية اليمانية «٤» مع قوات المشركين التي قادتها قريش ضد المسلمين في معركة أحد «٥» . وقد تجرّأ بنو المصطلق فيمن تجرّأ من الأعراب على المسلمين، فأخذ زعيمهم الحارث بن أبي ضرار في جمع السلاح والرجال وتأليب القبائل المجاورة للقيام بهجوم على المدينة «٦» . وحين علم الرسول ﷺ بذلك، أرسل عينا جاءه بتأكيد نيّتهم في ذلك «٧» . وفي يوم الاثنين الثاني من شعبان سنة ٥ هـ خرج النبي ﷺ من المدينة «٨» ، في سبعمائة مقاتل وثلاثين فرسا، وتوجه نحو بني المصطلق «٩» . وحيث إنهم كانوا ممن بلغتهم دعوة الإسلام، وكانوا قد شاركوا في غزوة أحد ضمن جيش المشركين ضد المسلمين، كما أنهم كانوا يجمعون الجموع ويستعدون لحرب المسلمين، فإن النبي ﷺ قد أغار

стр. 418

عليهم وهم غارّون، وكانت أنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم وغنم أموالهم «١» . ولم تتفق الروايات في عدد القتلى ومقدار السبي والأموال سوى ما ذكره ابن إسحاق من عتق «مائة أهل بيت من بني المصطلق» «٢» ، في حين يذكر الواقدي بأنه قد قتل عشرة من بني المصطلق وأسر سائرهم «فما أفلت منهم إنسان» «٣» . وعاد النبي ﷺ من هذه الغزوة إلى المدينة هلال رمضان، بعد أن غاب عنها ثمانية وعشرين يوما «٤» . وفي هذه الغزوة كشف المنافقون عن مدى حقدهم على الإسلام والمسلمين، فقد ازدادوا غيظا بالنصر الذي تحقق على بني المصطلق، وسعوا في بادىء الأمر إلى إثارة العصبية القبلية بين المهاجرين والأنصار «٥» . فلما فشلت المحاولة، عمل عبد الله بن أبي بن سلول على عرقلة جهود الرسول ﷺ في الدعوة، وعلى منع الأموال من أن تدفع لأجل ذلك بغية أن ينفض الناس من حول رسول الله ﷺ ، وتوعد بإخراجه ذليلا من المدينة عند العودة إلى المدينة «٦» . وحين استدعى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه المنافقين حين علم بما قالوا، واستفسر منهم عن الأمر، فإنهم أنكروا ذلك وحلفوا بأنهم ما قالوا شيئا، ثم أنزل الله تعالى سورة المنافقين وفيها تكذيب لهم «٧» ، وفضح لأيمانهم الكاذبة «٨» وتأكيد وتصديق لما نقله الصحابي زيد بن أرقم، وذلك في قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ* يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ «٩» . ولقد ضعف مركز عبد الله بن أبي بن سلول في قومه بعد هذه الحادثة، فقد أصبحوا يعنفونه ويلومونه كلما أخطأ، واحتقره المسلمون، وفقد مكانته «١٠» ، حتى إن ابنه عبد الله استأذن النبي ﷺ في قتله، فنهاه الرسول ﷺ عن ذلك وأمره بأن يبره ويحسن صحبته «١١» . وقد أقدم مع شدة برّه بأبيه وهيبته له، على منعه من دخول المدينة

стр. 419

حتى يأذن له رسول الله ﷺ بدخولها «١» . استغل المنافقون بعد ذلك حادثة حصلت لأم المؤمنين عائشة- ﵂ في طريق العودة من غزوة بني المصطلق فقد نزلت من هودجها لبعض شأنها، فلما عادت افتقدت عقدا لها فرجعت تبحث عنه، وحمل الرجال الهودج ووضعوه على البعير وهم يحسبون أنها فيه، وحين عادت افتقدت الركب فمكثت مكانها تنتظر أن يعودوا إليها بعد أن يكتشفوا غيابها، وصادف أن مرّ بها أحد أفاضل أصحاب النبي ﷺ وهو صفوان بن المعطل السلمي، فحملها على بعيره وأوصلها إلى المدينة بعد وصول الرسول ﷺ ، فاستغل المنافقون هذا الحادث ونسجوا حوله الإشاعات الباطلة وتولى ذلك عبد الله بن أبي بن سلول، وأغرى بالكلام ثلاثة من المسلمين هم مسطح بن أثاثة، وحسّان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، فاتّهمت أم المؤمنين عائشة بالإفك. وقد أوذي النبي ﷺ بما كان يسمع من دعايات المنافقين، وصرّح بذلك للمسلمين في المسجد حيث أعلن ثقته التامة بزوجته وبالصحابي ابن المعطل السلمي، وحين أبدى سعد بن معاذ استعداده لقتل من تسبب في ذلك إن كان من الأوس، أظهر سعد بن عبادة معارضته بسبب كون عبد الله بن أبي بن سلول من قبيلة الخزرج، ولولا تدخل النبي ﷺ وتهدئته الصحابة من الفريقين لوقعت الفتنة بين الأوس والخزرج «٢» . ومرضت عائشة بتأثير تلك الإشاعات الكاذبة، فاستأذنت النبي ﷺ في الانتقال إلى بيت أبيها، وانقطع الوحي شهرا عانى الرسول ﷺ خلاله كثيرا، حيث طعنه المنافقون في عرضه وآذوه في زوجته، ثم نزل الوحي موضحا: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ «٣» . وتوالت الآيات بعد ذلك تكشف مواقف الناس من هذه الفرية، وتعلن بجلاء ووضوح براءة أم المؤمنين عائشة- ﵂ التي أكرمها الله سبحانه فمنحها الجائزة والتعويض المناسب لمحنتها وصبرها وحسن توكلها عليه سبحانه، إذ نزل في براءتها آيات من القرآن يتعبّد بها المسلمون أبد الدهر، كما علّم المؤمنين آداب التعامل مع هذه المسائل الحسّاسة، وآداب التعامل مع الرسول ﷺ قبل ذلك «٤» . لقد كادت حادثة الإفك أن تحقق للمنافقين ما كانوا يسعون إلى تحقيقه من هدم وحدة المسلمين وزعزعة عقيدتهم في النبي ﷺ ، وإشعال نار الفتنة بين المسلمين، ولكن الله سلّم فقد تمكّن الرسول القائد ﷺ من قيادة الأمة بكفاءة وهو في تلك الظروف الحالكة لتجتاز الامتحان الصعب، ويصل بها بأمان إلى شاطىء السلامة.

стр. 420

ومن نتائج هذه الغزوة، زواج النبي ﷺ من جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بعد أن كانت قد كاتبت في عتق نفسها ممن وقعت في سهمه، وقد ذكرت للنبي ﷺ مكانها في قومها فقضى عنها كتابها وتزوجها «١» . وقد أطلق الصحابة بسبب هذا الزواج سائر السبي وقالوا: «أصهار رسول الله ﷺ » ، فأعتق مائة أهل بيت «فما كانت امرأة أعظم بركة على قومها منها» «٢» . وقد أسلم أبوها وقومه «٣» . وكان لزواج النبي ﷺ من جويرية وإطلاق الأسرى أكبر الأثر في تجميع قلوبهم على الهدى ومشاركتهم الجادّة في الجهاد للذود عن الإسلام «٤» . غزوة الخندق (الأحزاب) : كانت تحركات المسلمين المتواصلة في مختلف أنحاء شبه الجزيرة العربية، وتحديهم المستمر لقريش، وتهديدهم لطرق تجارتها، وكذلك إجلاء الرسول ﷺ بني قينقاع وبني النضير عن المدينة، قد هيأت الظروف لتحالف المشركين مع يهود بني قريظة بهدف اجتثاث المسلمين من قاعدتهم المدينة. ولقد عمد بنو قريظة إلى التظاهر باحترام الحلف المبرم بينهم وبين المسلمين متسترين على مشاعرهم الحاقدة ورغبتهم العارمة في الانتقام. جرت غزوة الأحزاب للمدينة في شوال سنة خمس من الهجرة «٥» . وليس هناك ما يدعو للبحث عن أسبابها فهي حلقة من سلسلة صراع متواصلة، ويمكن ملاحظة أنها جاءت على أثر فشل قريش في محاولتها تأمين طرق تجارتها مع بلاد الشام إذ أنه على الرغم من خسائر المسلمين الكبيرة في معركة أحد، فإنها لم تكن حاسمة ولم تؤمّن الطريق التجاري بين مكة والشام «٦» . كما أن ازدياد وعنف النشاط الإسلامي في الغزوات والسرايا العديدة التي جرت بعد معركة أحد، عمل على إنهاء الأثر السلبي لهذه المعركة سواء في المدينة أو في البوادي «٧» . ولذلك فإن قريشا عادت من جديد إلى التفكير بإعداد حملة عسكرية ضخمة تأمل أن تحسم بها الأمور، وتقضي نهائيّا على الوجود

стр. 421

الإسلامي، وبالتالي على الأخطار التي تهدد مصالحها «١» . غير أن زعماء قريش كانوا يدركون أن قوة المسلمين قد تنامت كثيرا، وأن قوتهم الذاتية لم تعد وحدها قادرة على تحقيق الهدف المنشود، ولذلك فإنهم سعوا إلى عقد محالفات عديدة من أجل تجميع القوى الحاقدة والقادرة على تحقيق ما يأملون. وقد واتتهم الفرصة حينما اتصل بهم زعماء يهود بني النضير الموتورين من مقر إقامتهم الجديد في خيبر، داعين قريشا إلى حرب المسلمين. وقد وفد منهم إلى مكة سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب من زعماء بني النضير، فتعاقدوا مع قريش على المشاركة في قتال المسلمين، بعد أن شهدوا أنّ الشرك خير من الإسلام وقد نزلت في حقهم الآية الكريمة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا «٢» ، ثم خرجوا من مكة إلى نجد فحالفوا غطفان على حرب المسلمين، بعد أن وعدوهم بنصف تمر خيبر «٣» . أما قريش فقد نجحت في تجميع حلفائها من بني سليم وكنانة وأهل تهامة والأحابيش «٤» . تحركت قوات «الأحزاب» نحو المدينة، فنزلت قريش وأحلافها «بمجمع الأسيال» ، بين الجرف وزغابة، ونزلت غطفان ومعها بنو أسد «بذنب نقمي» إلى جانب أحد «٥» . وقد بدأ الرسول ﷺ باستشارة أصحابه فيما ينبغي عمله لمواجهة الخطر الداهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق شمال المدينة بين حرتي «واقم والوبرة» ، والاعتماد في الجهات الأخرى من المدينة على حصانتها وعلى ما يحيط بها من الحرّات التي يصعب اختراقها «٦» . ولم يعترض أحد على الاقتراح الذي كان يهيء حاجزا يمنع الالتحام المباشر مع قوات الأحزاب، كما يمنعها من اقتحام المدينة «٧» ، وفي الوقت نفسه يوفر للمسلمين فرصة جيّدة للدفاع، ولتكبيد الغزاة الكثير من الخسائر البشرية، وذلك بالتصدي لهم عند محاولة اقتحام الخندق، وبرشقهم بالسهام من وراء التحصينات. تولى المسلمون مهمة حفر الخندق، ورغم طوله الذي بلغ خمسة آلاف ذراع، بعرض تسعة أذرع وعمق سبعة إلى عشرة أذرع، وبرودة الجو، وقلة التموين التي تسببت في مجاعة أصابت المدينة «٨» ، فقد تم إنجاز الحفر بسرعة مذهلة، لم تتجاوز ستة أيام، وكان لمشاركة الرسول ﷺ الفعلية في مراحل العمل المختلفة أثر كبير في الروح

стр. 422

الإيمانية العالية التي سيطرت على المسلمين في موقع العمل مما مكّنهم من إنجاز متطلبات خطة الدفاع، والاستعداد قبل وصول طلائع قوات الأحزاب «١» . وكان المسلمون يرددون الأهازيج والرجز ويردد معهم النبي القائد ﷺ مشاركة لهم وتواضعا، وروى البخاري قوله ﷺ معهم: «اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لا قينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا» وكان عليه الصلاة السلام يمد صوته الكريم بآخرها «٢» ، أما المسلمون فكانوا يرتجزون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا «٣» وكان النبي ﷺ يجيبهم بقوله: «اللهمّ إنّه لا خير إلّا خير الآخره، ... فبارك في الأنصار والمهاجره» «٤» . وحصلت خلال مرحلة حفر الخندق ثلاث معجزات حسّية للنبي ﷺ وهي تكثير الطعام الذي أعدّه الصحابي جابر بن عبد الله للرسول ﷺ بعد أن باركه ﷺ ، فقد أكل منه ألف صحابي حتى شبعوا مع النبي ﷺ وتركوا الكثير «٥» . ومن معجزاته إخباره لعمار بن ياسر وهو يعمل معهم بأمر غيبي يتعلّق بقتله- ﵁ «٦» . وقيامه ﷺ بتفتيت صخرة عظيمة عجز الصحابة عن كسرها، فقد ضربها ثلاث ضربات وفتتها ومع كل ضربة كان ﷺ يعلن عن تسلّمه لمفاتيح أقاليم كل من الشام، وفارس، واليمن، وهي بشارة تنبىء عن اتساع الفتوحات الإسلامية والإخبار عنها في وقت كان المسلمون فيه محصورين في المدينة، يواجهون المشاق والخوف والجوع والبرد القارص «٧» . وكان جواب المؤمنين كما حكى القرآن الكريم قولهم: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً «٨» .

стр. 423

أما المنافقون فإنهم سخروا من هذه البشارة، وهذا الموقف منهم يتسم بالجبن والإرجاف وتخذيل المؤمنين. وقد صوّر القرآن الكريم موقف المنافقين بشكل دقيق، قال تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً «١» . وقوله تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً «٢» . وقوله تعالى: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا «٣» . وبالرغم من كل تخذيل المنافقين وإرجافهم، وظروف المجاعة، وشدّة البرد، فقد مضى المسلمون في تنفيذ مهامهم واستعداداتهم، وإكمال خطة الدفاع عن المدينة. وحين انتهى حفر الخندق، وضع الرسول ﷺ النساء والأطفال في حصن فارع، وهو لبني حارثة، وكان أقوى حصون المسلمين «٤» . ثم رتّب ﷺ المسلمين للدفاع، فأسند ظهر الجيش إلى جبل سلع داخل المدينة، ووجوههم إلى الخندق الفاصل بينهم وبين المشركين الذين نزلوا «رومه» بين الجرف والغابة ونقمى «٥» . وكان تفوق عدد قوات المشركين كبيرا، فقد بلغ عددهم عشرة آلاف مقاتل في مقابل ثلاثة آلاف من المسلمين «٦» . وإزاء ذلك رأى النبي ﷺ أن يصالح قبيلة غطفان في مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة لتلك السنة، غير أن زعيمي الأوس والخزرج سألا النبي ﷺ : أهو وحي من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك وهواك؟ فرأينا تبع لرأيك وهواك. فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فو الله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا ثمرة إلّا شراء أو قرى» فقطع رسول الله ﷺ المفاوضة مع زعماء قبيلة غطفان «٧» . واشتد تأزم الوضع على المسلمين حين بلغهم أن حلفاءهم يهود بني قريظة قد نقضوا العهد وغدروا بهم وكانوا يسكنون العوالي في جنوب شرق المدينة مما يمكنهم من طعن المسلمين من الخلف. وقد أرسل النبي ﷺ الزبير ابن العوام للاستطلاع في أول الأمر، ثم أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فوجداهما قد نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة، إلّا بني سعفة منهم، فإنهم خرجوا إلى المسلمين من حصونهم معلنين التزامهم ووفاءهم بالعهد «٨» . وبعد

стр. 424

أن أعلن نقض اليهود للعهد، وشاع الخبر بين المسلمين خافوا على ذراريهم من اليهود «١» . ووصف القرآن الكريم حالة المسلمين بقوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً «٢» . والآية تشير إلى قوات الأحزاب وبني قريظة، كما تعكس حال المنافقين الذين ظنوا بالله الظنون، أما المؤمنون فقد أصابهم البلاء وزلزوا زلزالا شديدا غير أن الإيمان العميق والتربية النبوية، جعلتهم يصمدون أمام سائر تلك الأخطار. فبادروا إلى تسيير دوريات لحراسة المدينة تطوف فيها على الدوام وتظهر التكبير لإشعار بني قريظة بوجودهم واستعدادهم ويقظتهم «٣» . أما الأحزاب فقد فوجئوا بالخندق واحتاروا في كيفية اجتيازه، وكانوا كلما همّوا باقتحامه واجهوا سيلا من سهام المسلمين، واشتد الحصار وتواصل طيلة أربع وعشرين ليلة «٤» ، وكانت هجمات المشركين متواصلة حتى إن الرسول ﷺ والمسلمين أخّروا صلاة العصر في أحد الأيام إلى ما بعد المغرب «٥» بسبب ذلك. ورغم طول وشدة الحصار فقد كانت خسائر الطرفين محدودة فقد استشهد ثمانية من المسلمين «٦» . وقتل أربعة من المشركين «٧» . وحيث إن أهداف المشاركين في قوات الأحزاب من المشركين لم تكن واحدة، فقد نجم عن طول فترة الحصار حصول ضعف حاد في معنويات المشاركين في الحرب. وقد وردت في كتب السير والمغازي مرويات لا تثبت من الناحية الحديثية عن دور نعيم بن مسعود الغطفاني في تخذيل الأحزاب وشق صفوفهم، وإلقاء الشكوك بينهم، وخداعه لهم وهي على كل حال، لا تتنافي- إن تأكد حصولها- مع قواعد السياسة الشرعية ذلك أن الحرب خدعة «٨» . وقد ثبت أن الله تعالى قد نصر المسلمين بالريح والملائكة «٩» ، وذلك ما نص عليه الكتاب العزيز في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ

стр. 425

بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً «١» . واشتدت الرياح الباردة العاصفة العاتية، فاقتلعت خيام المشركين، وأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، ودفنت رحالهم، وكان لذلك مع طول فترة الحصار وعدم جدوى الانتظار عوامل أسهمت في انهيار معنويات الأحزاب «٢» . وحين انتدب الرسول ﷺ حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبر الأحزاب، فإنه عاد وأخبره بتفرق الناس عن أبي سفيان، وأنه لم يبق معه إلّا عصبة قليلة «٣» . وكان النبي ﷺ يديم الدعاء خلال الحصار فيقول: «اللهمّ منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزلزلهم» «٤» . واستجاب الله سبحانه لدعاء نبيه فأعزّ جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، وتنفس المسلمون الصعداء: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً «٥» . لقد بذلت قريش ومن حالفها أقصى طاقاتهم من أجل القضاء على الدعوة الإسلامية واستئصال شأفة المسلمين، ولكن الله تعالى ردهم خائبين. وقد ترتّب على ذلك الفشل آثار خطيرة تمثلت في تغير ميزان القوى لصالح المسلمين، وذلك ما عبّر عنه الرسول ﷺ بقوله: «الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم» «٦» . وذلك يعكس التغير الجذري في سياسة الدولة الإسلامية من اتباع سياسة الدفاع عن المدينة، إلى مرحلة الهجوم والتهديد، وذلك يشير بوضوح إلى أن مناطق الصراع قد انتقلت في أعقاب هذه الغزوة إلى مناطق أخرى مثل مكة وما حولها، وتبوك، وغيرهما بعيدا عن المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية. غزوة بني قريظة: كان نقض بني قريظة لوثيقة العهد التي أبرموها مع الرسول ﷺ عند حصار قوات الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق وإصرارهم على خيانة الله ورسوله ﷺ والمسلمين، وتعريضهم أمن وسلامة المسلمين ودولتهم للخطر، السبب في هذه الغزوة، فقد أمر الله نبيه ﷺ بقتالهم بعد انسحاب الأحزاب وانتهاء الحصار والخطر وعودته بالمسلمين من الخندق ووضعهم السلاح «٧» . وقد وقعت الغزوة في أول ذي الحجة سنة ٥ هـ «٨» . حيث أمر النبي ﷺ أصحابه بالتوجه إلى ديار بني قريظة ومحاصرتهم، وبأن الله قد أرسل جبريل- ﵇
следующие страницы →