← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

إلى عمر بن الخطّاب- ﵁ فقالت: أشكو إليك خير أهل الدّنيا إلّا رجل سبقه بعمل أو عمل مثل عمله، يقوم اللّيل حتّى يصبح، ويصوم النّهار حتّى يمسي، ثمّ أخذها الحياء، فقالت: أقلني يا أمير المؤمنين. فقال: جزاك الله خيرا فقد أحسنت الثّناء. قد أقلتك. فلمّا ولّت، قال كعب بن سور: يا أمير المؤمنين! لقد أبلغت إليك في الشّكوى، فقال: ما اشتكت؟. قال: زوجها، قال: عليّ بالمرأة وزوجها، فجيء بهما. فقال لكعب: اقض بينهما. قال: أأقضي وأنت شاهد؟ قال: إنّك قد فطنت ما لم أفطن إليه قال: فإنّ الله يقول: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ (النساء/ ٣) صم ثلاثة أيّام وأفطر عندها يوما، وقم ثلاث ليال وبت عندها ليلة. فقال عمر: لهذا أعجب إليّ من الأوّل، فرحله بدابّة وبعثه قاضيا» ) * «١» . ١١-* (سرق من رجل خمسمائة دينار، فحمل المتّهمون إلى الوالي، فقال الوالي: أنا ما أضرب أحدا منكم، بل عندي خيط ممدود في بيت مظلم، فادخلوا فليمرّ كلّ منكم يده عليه من أوّل الخيط إلى آخره، ويلفّ يده في كمّه ويخرج، فإنّ الخيط، يلفّ على يد الّذي سرق، وكان قد سوّد الخيط بسخام، فدخلوا فكلّهم جرّيده على الخيط في الظّلمة إلّا واحدا منهم، فلمّا خرجوا نظر إلي أيديهم مسودّة إلّا واحدا، فألزمه بالمال، فأقرّ به» ) * «٢» . من فوائد (الفطنة) (١) الفطنة هبة من الله- تستحقّ زيادة الشّكر. (٢) تعين العبد على التّفكير في آلاء الله ونعمه. (٣) كلّما ازداد تفكّرا في آلاء الله ازداد خشوعا لله وتعظيما. (٤) الفطن يحبّه مجتمعه ويحبّ التّقرّب إليه. (٥) والفطنة تخرج صاحبها من المواقف الحرجة سالما. (٦) الفطن يعيش سعيدا بين أفراد مجتمعه، ويموت حميدا.

стр. 3852

الفقه الفقه لغة: مصدر قولنا: فقه فلان: أي فهم، وهو مأخوذ من مادّة (ف ق هـ) الّتي تدلّ على إدراك الشّيء والعلم به، تقول: فقهت الحديث أفقهه، وكلّ علم بشيء فهو فقه ثمّ اختصّ بذلك علم الشّريعة «١» . وقال الرّاغب: الفقه هو التّوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد، ومن ثمّ فهو أخصّ من العلم. قال تعالى: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (النساء/ ٧٨) ، يقال: فقه الرّجل فقاهة إذا صار فقيها وفقه الرّجل فقها وفقها وفقهه أي فهمه، وتفقّه إذا طلب (علم) الفقه فتخصّص به، قال تعالى لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ (التوبة: ١٢٢) «٢» . وقال الجوهريّ: الفقه: الفهم، قال أعرابيّ لعيسى بن عمر: شهدت عليك بالفقه. أي بالفهم، ثمّ خصّ به علم الشّريعة. والعالم به فقيه، يقال: فاقهته إذا باحثته في العلم «٣» . وقال غيرهم: الفقه العلم بالشّيء والفهم له، وغلب على علم الدّين لشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، يقال: أوتي فلان فقها في الدّين أي فهما فيه، ودعا النّبيّ ﷺ لابن عبّاس فقال: «اللهمّ فقّهه في الدّين وعلّمه التّأويل» ، أي فهّمه تأويله ومعناه، ويقال فقه فقها أي علم علما، قال ابن سيده: ويقال فقه فقاهة وهو فقيه من قوم فقهاء، والأنثى فقيهة من نسوة فقائه وحكى اللّحيانيّ: نسوة فقهاء، وحكى بعضهم: فقه الرّجل فقها الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٨/ ٢١/ ٢٢ وفقها، وفقه الشّيء علمه، وأفقهه وفقّهه: علّمه. وفي التّهذيب: أفقهته علّمته الفقه، وفقه عنه بالكسر: فهم، ورجل فقه أي فقيه. وأمّا فقه (بضمّ القاف) فإنّما يستعمل في النّعوت، يقال فقه يفقه فقاهة أي صار فقيها، وقال ابن شميل: أعجبني فقاهته أي فقهه، ورجل فقيه أي عالم، وكلّ عالم بشيء فهو فقيه، وفقيه العرب عالم العرب، وتفقّه: تعاطى الفقه، ومن معاني الفقه أيضا الفطنة. وفي حديث سلمان، أنّه نزل على نبطيّة بالعراق فقال لها: هل هنا مكان نظيف أصلّي فيه؟ فقالت: طهّر قلبك وصلّ حيث شئت، فقال سلمان: فقهت أي فهمت وفطنت ولو قال فقهت كان المعنى صارت فقيهة، ويقال: فقه بالضّمّ إذا صار الفقه سجيّة له وفاقهه ففقهه أي باحثه في العلم فغلبه فيه «٤» . الفقه اصطلاحا: قال الرّاغب: هو العلم بأحكام الشّريعة. وقال الجرجانيّ: هو العلم بالأحكام الشّرعيّة العمليّة من أدلّتها التّفصيليّة، وقيل: هو الإصابة والوقوف على المعنى الخفيّ الّذي يتعلّق به الحكم، وهو علم مستنبط بالرّأي والاجتهاد ويحتاج فيه إلى النّظر والتّأمّل، ولهذا لا يجوز أن يسمّى الله تعالى فقيها لأنّه لا يخفى عليه شيء. وقال المناويّ: الفقه شرعا: هو العلم

стр. 3853

بالأحكام الشّرعيّة الّتي طريقها الاجتهاد «١» . وقال أبو الخطّاب: هو العلم بأحكام أفعال المكلّفين الشّرعيّة دون العقليّة، مثل الحرام والحلال والحظر والإباحة ... وما أشبه ذلك «٢» . مصادر الفقه الإسلامي: للفقه الإسلاميّ مصادر عديدة أجمع علماء الأصول على أربعة منها، هي: القرآن الكريم، والسّنّة المطهّرة، والإجماع، والقياس، واختلف في المصادر الأخرى، مثل الاستحسان والاستصلاح (المصالح المرسلة) ، والعرف، والاستصحاب «٣» . ويقوم المجتهدون باستنباط الأحكام الشّرعيّة من هذه المصادر، فما هو الاجتهاد؟ وهل له شروط معيّنة؟ الاجتهاد: عرّفه الغزاليّ بقوله: هو بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشّريعة. وعرّفه ابن الحاجب: بأنّه يعني استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعيّ. وقد لخّص بعض الباحثين جملة أقوال علماء الأصول في المعنى الاصطلاحيّ للاجتهاد، فقال: الاجتهاد يعني بذل أقصى الجهد العقليّ في استنباط الأحكام الشّرعيّة العمليّة من أدلّتها التّفصيليّة «٤» . أمّا من له حقّ الاجتهاد فهم أولئك الّذين توفّرت فيهم الشّروط الّتي نصّ عليها العلماء في هذا الشّأن، وقد كان الشّافعيّ- ﵀ من أسبق من تناول هذه الشّروط عندما قال: «لا يقيس إلّا من جمع الآلة الّتي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله، فرضه وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وعامّه وخاصّه وإرشاده، ويستدلّ على ما احتاج التّأويل منه بسنن رسول الله ﷺ ، فإذا لم يجد سنّة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس، ولا يكون أن يقيس حتّى يكون عالما بما مضى فيه من السّنّة وأقاويل السّلف، وإجماع النّاس واختلافهم ولسان العرب. وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه حتّى يعرف من أين قال ما قال، وترك ما ترك. فأمّا من تمّ عقله ولم يكن عالما بما وصفنا فلا يجوز أن يقول بقياس، ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة فليس له أيضا أن يقول بقياس، لأنّه قد يذهب عليه عقل المعاني «٥» ، وقد استنبط بعض الباحثين شروطا أخرى للمجتهد ليس هنا محلّ تفصيلها «٦» . ولينظرها من شاء في مظانّها من كتب الأصوليّين. [للاستزادة: انظر صفات: الحكمة- العلم- الفطنة. وفي ضد ذلك: انظر صفتي: البلادة والغباء- الجهل] .

стр. 3854

الآيات الواردة في «الفقه» الفقه بمعناه الخاص (فهم أحكام الشريعة) : ١-* وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) «١» الفقه بمعناه العام (الفهم والإدراك) : ٢- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) «٢» ٣- وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٢٦) «٣» ٤- قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (٦٥) «٤» ٥-* إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)

стр. 3855

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨) «١» ٦- وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) «٢» ٧- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) «٣» ٨- فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) «٤» ٩- وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) «٥» ١٠- وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) «٦» ١١- أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ

стр. 3856

صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤) وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) «١» ١٢- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) «٢» ١٣- ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) «٣» ١٤- وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) «٤»

стр. 3857

١٥- سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) «١» ١٦-* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) «٢» ١٧- إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) «٣» ١٨- وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) «٤»

стр. 3858

الأحاديث الواردة في (الفقه) ١-* (عن معاوية- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين، وإنّما أنا قاسم، والله يعطي، ولن تزال هذه الأمّة قائمة على أمر الله لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر الله» ) * «١» . ٢-* (عن درّة ابنة أبي لهب قالت: كنت عند عائشة فدخل النّبيّ ﷺ فقال: «ائتوني بوضوء» . قالت فابتدرت أنا وعائشة الكوز فبدرتها فأخذته أنا فتوضّأ فرفع إليّ عينه أو بصره. قال: «أنت منّي وأنا منك» . قالت: فأتي برجل فقال: ما أنا فعلته إنّما قيل لي. قالت: وكان يسأله على المنبر: من خير النّاس؟. فقال: «أفقههم في دين الله وأوصلهم لرحمه» . وذكر شريك شيئين آخرين فلم أحفظهما) * «٢» . ٣-* (عن أبي موسى- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ مثل ما بعثني الله- به من الهدى والعلم كمثل غيث «٣» أصاب أرضا. فكانت منها طائفة طيّبة. قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب «٤» الكثير وكان منها أجادب «٥» أمسكت الماء. فنفع الله بها النّاس. فشربوا منها وسقوا ورعوا. وأصاب طائفة منها أخرى. إنّما هي قيعان «٦» لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه «٧» في دين الله، ونفعه بما بعثني الله به، فعلم وعلّم. ومثل من لم يرفع بذلك رأسا. ولم يقبل هدى الله الّذي أرسلت به» ) * «٨» . ٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ دخل الخلاء فوضعت له وضوءا. قال: «من وضع هذا؟» . فأخبر، فقال: «اللهمّ فقّهه في الدّين» ) * «٩» . ٥-* (عن زيد بن ثابت- ﵁ أنّه خرج من عند مروان نصف النّهار قلنا (والقول هذا لا أبان بن عثمان) : ما بعث إليه في هذه السّاعة إلّا لشيء سأله عنه، فقمنا فسألناه؟ فقال: نعم، سألنا عن

стр. 3859

أشياء سمعناها من رسول الله ﷺ ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نضّر الله امرأ سمع منّا حديثا فحفظه حتّى يبلّغه غيره، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه» ) * «١» . ٦-* (عن عمران بن حصين- ﵄ قال: إنّي عند النّبيّ ﷺ إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: «اقبلوا البشرى يا بني تميم» ، قالوا: بشّرتنا فأعطنا، فدخل ناس من أهل اليمن فقال: «اقبلوا البشرى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم» ، قالوا: قبلنا، جئناك لنتفقّه في الدّين ولنسألك عن أوّل هذا الأمر ما كان، قال: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثمّ خلق السّموات والأرض، وكتب في الذّكر كلّ شيء» ثمّ أتاني رجل فقال: يا عمران! أدرك ناقتك فقد ذهبت، فانطلقت أطلبها فإذا السّراب ينقطع دونها، وأيم الله لوددت أنّها قد ذهبت ولم أقم) * «٢» . ٧-* (عن عوف بن مالك الأشجعيّ- ﵁ قال: انطلق النّبيّ ﷺ وأنا معه حتّى دخلنا كنيسة اليهود، فقال: «يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلا يشهدون أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، يحطّ الله عن كلّ يهوديّ تحت أديم السّماء الغضب الّذي غضب عليهم» قال: فأسكتوا ما أجابه منهم أحد، ثمّ ردّ عليهم فلم يجبه منهم أحد، فقال: أبيتم، فو الله لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا النّبيّ المصطفى، آمنتم أو كذّبتم، ثمّ انصرف وأنا معه حتّى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفنا يقول: كما أنت يا محمّد فقال ذلك الرّجل: أيّ رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنّه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك، ولا من أبيك قبلك، ولا من جدّك قبل أبيك، قال: فإنّي أشهد له بالله أنّه نبيّ الله الّذي تجدونه في التّوراة، فقالوا: كذبت ثمّ ردّوا عليه قوله وقالوا فيه شرّا، فقال رسول الله ﷺ «كذبتم لن يقبل قولكم، أمّا آنفا فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، وأمّا إذا آمن فكذّبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل قولكم. قال: فخرجنا ونحن ثلاثة: رسول الله ﷺ وأنا وعبد الله بن سلام وأنزل الله تعالى فيه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ (الأحقاف: الآية ١٠) * «٣» . ٨-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته بمكّة جالس، إذ مرّ به عثمان بن مظعون، فكشر «٤» إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : «ألا تجلس؟»

стр. 3860

قال: بلى، قال: فجلس رسول الله ﷺ مستقبله، فبينما هو يحدّثه إذ شخص رسول الله ﷺ ببصره إلى السّماء، فنظر ساعة إلى السّماء، فأخذ يضع بصره حتّى وضعه على يمينه في الأرض، فتحرّف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره، وأخذ ينغض «١» رأسه كأنّه يستفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر، فلمّا قضى حاجته واستفقه ما يقال له، شخص بصر رسول الله ﷺ إلى السّماء كما شخص أوّل مرّة، فأتبعه بصره حتّى توارى في السّماء، فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى، قال: يا محمّد، فيم كنت أجالسك وآتيك؟ ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة! قال: «وما رأيتني فعلت؟» . قال: رأيتك تشخص ببصرك إلى السّماء، ثمّ وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرّفت إليه، وتركتني!، فأخذت تنغض رأسك كأنّك تستفقه شيئا يقال لك، قال: «وفطنت لذاك؟» . قال عثمان: نعم، قال رسول الله ﷺ : «أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس» ، قال: رسول الله؟ قال: «نعم» ، قال: فما قال لك؟ قال: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل/ ٩٠) . قال عثمان: فذلك حين استقرّ الإيمان في قلبي وأحببت محمّدا*) * «٢» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «تجدون النّاس معادن «٣» فخيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا «٤» . وتجدون من خير النّاس في هذا الأمر «٥» ، أكرههم له. قبل أن يقع فيه. وتجدون من شرار النّاس «٦» ذا الوجهين. الّذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» ) * «٧» . ١٠-* (عن أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 3861

قال رسول الله ﷺ : «جاء أهل اليمن. هم أرقّ أفئدة. الإيمان يمان «١» والفقه «٢» يمان، والحكمة «٣» يمانيّة» ) * «٤» . ١١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: جاءت ملائكة إلى النّبيّ ﷺ وهو نائم فقال بعضهم: إنّه نائم، وقال بعضهم: إنّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إنّ لصاحبكم هذا مثلا، قال فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم: إنّه نائم، وقال بعضهم: إنّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الدّاعي دخل الدّار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الدّاعي لم يدخل الدّار ولم يأكل من المأدبة فقالوا: أوّلوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنّه نائم، وقال بعضهم: إنّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدّار الجنّة، والدّاعي محمّد ﷺ ، فمن أطاع محمّدا ﷺ فقد أطاع الله، ومن عصى محمّدا ﷺ فقد عصى الله، ومحمّد فرّق بين النّاس» تابعه قتيبة عن ليث عن خالد عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر خرج علينا النّبيّ ﷺ » ) * «٥» . ١٢-* (عن أبي وائل قال: خطبنا عمّار. فأوجز وأبلغ. فلمّا نزل قلنا: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت. فلو كنت تنفّست «٦» فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ طول صلاة الرّجل، وقصر خطبته مئنّة من فقهه. فأطيلوا الصّلاة وأقصروا الخطبة. وإنّ من البيان لسحرا» ) * «٧» . ١٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «فقيه واحد أشدّ على الشّيطان من ألف عابد» ) * «٨» . ١٤-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث» ) * «٩» . ١٥-* (حدّثنا عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: لمّا كان يوم الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل بن عمرو وأناس من رؤساء

стр. 3862

المشركين، فقالوا: يا رسول الله. خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقّائنا وليس لهم فقه في الدّين، وإنّما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا فارددهم إلينا. قال: «فإن لم يكن لهم فقه في الدّين سنفقّههم» ، فقال النّبيّ ﷺ : «يا معشر قريش لتنتهنّ أو ليبعثنّ الله عليكم من يضرب رقابكم بالسّيف على الدّين، قد امتحن الله قلبه على الإيمان» . قالوا: من هو يا رسول الله؟ فقال له أبو بكر: من هو يا رسول الله؟ وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: «هو خاصف النّعل» ، وكان أعطى عليّا نعله يخصفها. ثمّ التفت إلينا عليّ فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» ) * «١» . ١٦-* (عن حميد بن عبد الرّحمن قال: سمعت معاوية خطيبا، يقول: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدّين. وإنّما أنا قاسم، والله يعطي. ولن تزال هذه الأمّة قائمة على أمر الله لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر الله» ) * «٢» . ١٧-* (عن طلحة بن عبيد الله- ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد. ثائر الرّأس «٣» . نسمع دويّ صوته ولا نفقه ما يقول. حتّى دنا من رسول الله ﷺ . فإذا هو يسأل عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : «خمس صلوات في اليوم واللّيلة» . فقال: هل عليّ غيرهنّ؟. قال: «لا. إلّا أن تطّوّع» . وصيام شهر رمضان» . فقال: هل عليّ غيره؟ فقال: «لا. إلّا أن تطّوّع» . وذكر له رسول الله ﷺ الزّكاة. فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا. إلّا أن تطّوّع» . قال، فأدبر الرّجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق» ) * «٤» الأحاديث الواردة في (الفقه) معنى ١٨-* (عن أمّ سلمة- ﵂ قالت: جاءت أمّ سليم إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله!: إنّ الله لا يستحيي من الحقّ، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟. قال النّبيّ ﷺ : «إذا رأت الماء. فغطّت أمّ سلمة- تعني وجهها- وقالت: يا رسول الله، وتحتلم المرأة؟ قال: نعم،

стр. 3863

تربت يمينك «١» ، ففيم يشبهها ولدها؟» ) * «٢» . ١٩-* (عن عائشة- ﵂ قالت: سألت امرأة النّبيّ ﷺ : كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: فذكرت أنّه علّمها كيف تغتسل. ثمّ تأخذ فرصة من مسك «٣» فتطهّر بها. قالت: كيف أتطهّر بها؟. قال: «تطهّري بها. سبحان الله «٤» » . واستتر (وأشار لنا سفيان بن عيينة بيده على وجهه) قال: قالت عائشة: واجتذبتها إليّ. وعرفت ما أراد النّبيّ ﷺ . فقلت: تتبّعي بها أثر الدّم. وقال ابن أبي عمر في روايته: فقلت: تتبّعي بها آثار الدّم» «٥» ) * «٦» . ٢٠-* (عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدّث عن رسول الله ﷺ إلّا حديثا واحدا قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ ، فأتي بجمّار «٧» فقال: «إنّ من الشّجر شجرة مثلها كمثل المسلم» . فأردت أن أقول هي النّخلة، فإذا أنا أصغر القوم فسكتّ. قال النّبيّ ﷺ : «هي النّخلة» ) * «٨» . ٢١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء. فكان يعجبنا أن يجيء الرّجل من أهل البادية العاقل «٩» . فيسأله ونحن نسمع. فجاء رجل من أهل البادية. فقال: يا محمّد! أتانا رسولك. فزعم «١٠» لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك؟ قال: «صدق» . قال: فمن خلق السّماء «١١» قال: «الله» . قال: فمن خلق الأرض؟. قال: «الله» . قال: فمن نصب الجبال، وجعل فيها ما جعل؟. قال: «الله» . قال: فبالّذي خلق السّماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال. الله أرسلك؟. قال: «نعم. قال: وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلوات في يومنا

стр. 3864

وليلتنا. قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟. قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا زكاة في أموالنا. قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟. قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: «صدق» . قال: فبالّذي أرسلك. آلله أمرك بهذا؟. قال: «نعم» . قال: وزعم رسولك أنّ علينا حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: «صدق» . قال: ثمّ ولّى. قال: والّذي بعثك بالحقّ لا أزيد عليهنّ ولا أنقص منهنّ. فقال النّبيّ ﷺ : «لئن صدق ليدخلنّ الجنّة» ) * «١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الفقه) ١-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: تفقّهوا قبل أن تسودوا، قال أبو عبد الله يعني البخاريّ: وبعد أن تسودوا، وقد تعلّم أصحاب النّبيّ ﷺ في كبر سنّهم» ) * «٢» . ٢-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «إنّ الفقيه حقّ الفقيه من لم يقنّط النّاس من رحمة الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يؤمّنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره إنّه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبّر فيها» ) * «٣» . ٣-* (روى قثم بن العباس- ﵄ قال: «قيل لعليّ بن أبي طالب- ﵁: كم بين السماء والأرض؟ قال: دعوة مستجابة. قيل فكم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشّمس» ) * «٤» . ٤-* (عن مجاهد قال: بينما نحن وأصحاب ابن عبّاس حلق في المسجد، وسعيد بن جبير وعكرمة، وابن عبّاس قائم يصلّي، إذ وقف علينا رجل فقال: هل من مفت؟ فقلنا: سل، فقال: إنّي كلّما بلت تبعه الماء الدّافق، قال قلنا الّذي يكون منه الولد قال: نعم. قلنا عليك الغسل. قال: فولّى الرجل وهو يرجّع. قال وعجل ابن عبّاس في صلاته ثمّ قال لعكرمة: عليّ بالرّجل، وأقبل علينا فقال: أرأيتم ما أفتيتم به هذا الرّجل عن كتاب الله؟ قلنا: لا. قال: فعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: لا. قال: فعن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قلنا: لا. قال: فعمّه؟ قلنا: عن رأينا. قال فقال: فلذلك قال رسول الله ﷺ : «فقيه واحد أشدّ على الشّيطان من ألف عابد» قال: وجاء الرّجل فأقبل

стр. 3865

عليه ابن عبّاس فقال: أرأيت إذا كان ذلك منك أتجد شهوة في قلبك؟ قال: لا. قال فهل تجد خدرا في جسدك؟ قال: لا. قال: إنّما هذه إبرادة يجزيك منها الوضوء» ) * «١» . ٥-* (عن ابن أبي مليكة: قيل لابن عبّاس: «هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنّه ما أوتر إلّا بواحدة، قال: إنّه فقيه» ) * «٢» . ٦-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «كونوا ربّانيّين حكماء فقهاء» ) * «٣» . ٧-* (عن مسروق- ﵀ قال: جاء إلى عبد الله رجل فقال: «تركت في المسجد رجلا يفسّر القرآن برأيه. يفسّر هذه الآية: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ قال: يأتي النّاس يوم القيامة دخان فيأخذ بأنفاسهم. حتّى يأخذهم منه كهيئة الزّكام. فقال عبد الله: من علم علما فليقل به. ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم. فإنّ من فقه الرّجل أن يقول، لما لا علم له به: الله أعلم. إنّما كان هذا، أنّ قريشا لمّا استعصت على النّبيّ ﷺ ، دعا عليهم بسنين كسني يوسف. فأصابهم قحط وجهد «٤» . حتّى جعل الرّجل ينظر إلى السّماء فيرى بينه وبينها كهيئة الدّخان من الجهد. وحتّى أكلوا العظام. فأتى النّبيّ ﷺ رجل فقال: يا رسول الله استغفر الله لمضر «٥» فإنّهم قد هلكوا. فقال: «لمضر؟، إنّك لجريء «٦» » . قال فدعا الله لهم. فأنزل الله- : إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (الدخان/ ١٥) قال فمطروا فلمّا أصابتهم الرّفاهية، قال، عادوا إلى ما كانوا عليه. قال فأنزل الله- : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ* يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (الدخان/ ١٠- ١١) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (الدخان/ ١٦) قال: يعني يوم بدر» ) * «٧» . ٨-* (قالت عائشة- ﵂: «نعم النّساء نساء الأنصار، لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهنّ في الدّين» ) * «٨» . ٩-* (قال أبو هريرة- ﵁ «لأن

стр. 3866

أفقه ساعة أحبّ إليّ من أن أحيي ليلة أصلّيها حتّى أصبح، وفقيه أشّدّ على الشّيطان من ألف عابد، ولكلّ شيء دعامة ودعامة الدّين الفقه» ) * «١» . ١٠-* (قال أبو الدّرداء ﵁: من فقه المرء، إقباله على حاجته حتّى يقبل على صلاته، وقلبه فارغ» ) * «٢» . ١١-* (عن سلمان ﵁: «أنّه نزل على نبطيّة بالعراق، فقال لها: هل هاهنا مكان نظيف، أصلّي فيه؟ فقالت: طهّر قلبك، وصلّ حيث شئت، فقال: فقهت أي فهمت وفطنت للحقّ والمعنى الّذي أرادت» ) * «٣» . ١٢-* (قال الحسن البصريّ: «الفقيه الورع الزّاهد الّذي لا يسخر ممّن أسفل منه، ولا يهمز من فوقه، ولا يأخذ على علم علّمه الله، حطاما» ) * «٤» . ١٣- وقال أيضا: (إنّما الفقيه الزّاهد في الدّنيا الرّاغب في الآخرة، البصير في أمر دينه، المداوم على عبادة الله- » ) * «٥» . ١٤-* (وروي عنه قال: ما رأينا فقيها يماري» ) * «٦» . ١٥-* (وقال عبد الله بن عون البصريّ- من صغار التّابعين-: ثلاث أحبّهنّ لنفسي ولإخواني: هذه السّنّة. أن يتعلّموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهّموه ويسألوا النّاس عنه، ويدعوا النّاس إلّا من خير» ) * «٧» . ١٦-* (قال عمر بن عبد العزيز- ﵀: «خمس إذا أخطأ القاضي منهنّ خطّة كانت فيه وصمة: أن يكون فهما، حليما، عفيفا، صليبا، عالما، سئولا عن العلم» ) * «٨» . ١٧-* (قال الإمام الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-: «من تعلّم القرآن عظمت قيمته، ومن تعلّم الفقه نبل مقداره، ومن كتب الحديث قويت حجّته، ومن تعلّم الحساب جزل رأيه، ومن تعلّم اللّغة رقّ طبعه، ومن لم يصن نفسه، لم ينفعه علمه» ) * «٩» . ١٨-* (وأنشد الرّبيع عن الشّافعيّ- ﵀ ومنزلة السّفيه من الفقيه ... كمنزلة الفقيه من السّفيه فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه إذا غلب الشّقاء على سفيه ... تنطّع في مخالفة الفقيه ) * «١٠» .

стр. 3867

١٩-* (قال ابن الجوزيّ: (فإن اتّسع الزّمان للتّزيّد من العلم، فليكن من الفقه فإنّه الأنفع» ) * «١» . ٢٠-* (أنشد المبرّد عن أبي سليمان الغنويّ: فسل الفقيه تكن فقيها مثله ... لا خير في علم بغير تدبّر » ) * «٢» . ٢١-* (قال الإمام الغزاليّ- ﵀: «الفقيه هو العالم بقانون السّياسة وطريق التّوسّط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشّهوات، والملك والدّين توأمان، فالدّين أصل، والسّلطان حارس، ومالا أصل له فمهدوم، ومالا حارس له فضائع، ولا يتمّ الملك والضّبط إلّا بالسّلطان، وطريق الضّبط في فصل الحكومات بالفقه» ) * «٣» . ٢٢-* (قال أحد الحكماء: «آية العقل سرعة الفهم» ) * «٤» . من فوائد (الفقه) (١) إنّ مثل الفقه في دين الله كمثل الغيث ينزل في الأرض الطّيّبة فينبت الخير للنّاس. (٢) الفقه في الدّين يعلي منزلة صاحبه بين قومه ولو كان من أقلّهم شأنا. (٣) يصون صاحبه عن الزّلل والخطأ، فيحسن التّحدّث والصّمت والتّصرّف. (٤) أهل الفقه: مصابيح الأمّة، تنير لها طريق الهدى. (٥) العبادة من غير فقه على خطر عظيم. (٦) الرّحلة والاستنفار للتّفقّه في الدّين سنّة السّلف. (٧) تعلّم الفقه من أفضل العبادات. (٨) قراءة الفقيه للقرآن تكون بتبصّر وتأمّل وتمعّن. (٩) بعض الأسئلة المحرجة في الفقه لا بدّ لها من جرأة. (١٠) الفقه يهذّب الأخلاق، ويضع للطّيش حدودا.

стр. 3868

[حرف القاف] القسط الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٠/ ٦/ ١ القسط لغة: قسط وأقسط لغتان بمعنى عدل. وأمّا قسط الّذي مصدره القسط فهو بمعنى جار، فكأنّ الهمزة فيه للسّلب، كما يقال: شكا إليه فأشكاه. والقسط: الميزان، سمّي به من القسط العدل، ففي الحديث «إنّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه» أراد أنّ الله يخفض، ويرفع ميزان أعمال العباد المرتفعة إليه، وأرزاقهم النّازلة من عنده كما يرفع الوزّان يده ويخفضها عند الوزن، وقيل: أراد بالقسط: القسم من الرّزق الّذي هو نصيب كلّ مخلوق، وخفضه تقليله، ورفعه تكثيره. والقسط: الحصّة والنّصيب. وتقسّطوا الشّيء بينهم: تقسّموه على العدل والسّواء. وأمّا قوله تعالى: وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (الشعراء/ ١٨٢) فالمراد أقوم الموازين «١» . معنى اسم الله «المقسط» : في أسماء الله الحسنى «المقسط» بمعنى العادل، وقال الحليميّ: هو المعطي عباده القسط وهو العدل من نفسه، وقد يكون معناه: المعطي لكلّ منهم قسطا من خيره «٢» . القسط اصطلاحا: قال المناويّ: القسط (بالكسر) هو النّصيب بالعدل «٣» . وقال القرطبيّ: القسط هو العدل في المعاملات «٤» . الأمر بالقسط: قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: أخبر الله في كتابه أنّه أنزل الكتاب والحديد ليقوم النّاس بالقسط، فقال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحديد/ ٢٥ مدنية) . ولهذا أمر النّبيّ ﷺ أمّته بتولية ولاة الأمور عليهم وأمر ولاة الأمور أن يردّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين النّاس أن يحكموا بالعدل «٥» . [للاستزادة: انظر صفات: الإنصاف- الحكم بما أنزل الله- العدل والمساواة- الإيمان- الإسلام- التقوى- الإحسان- الأمانة- المروءة- المراقبة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: البغي- الظلم- الحكم بغير ما أنزل الله- التطفيف- الضلال- العتو] .

стр. 3869

الآيات الواردة في «القسط» الله قائم بالقسط: ١- شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) «١» القسط في المعاملات: ٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) «٢» ٣- وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) «٣»

стр. 3870

٤-* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) «١» ٥- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٨) «٢» ٦-* قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) «٣» ٧-* وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) «٤» ٨- وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) «٥» ٩- وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) «٦» ١٠- كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ

стр. 3871

شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) «١» ١١- ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٥) «٢» ١٢- الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) «٣» ١٣- لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) «٤» ١٤- لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) «٥» القسط في الحكومات: ١٥-* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ

стр. 3872

وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) «١» ١٦- إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) «٢» ١٧- إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) «٣» ١٨- وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) «٤» ١٩- وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) «٥» القسط في العبادات: ٢٠- يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) «٦»

стр. 3873

الأحاديث الواردة في (القسط) ١-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال في خطبته: «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني، يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا، حلال «١» . وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم «٢» . وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم. وحرّمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم «٣» ، عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب «٤» . وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك «٥» . وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء «٦» . تقرؤه نائما ويقظان. وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: ربّ إذا يثلغوا رأسي «٧» فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك «٨» . وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق. ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربى، ومسلم. وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له «٩» ، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون «١٠» أهلا ولا مالا. والخائن الّذي لا يخفى له طمع «١١» وإن دقّ، إلّا خانه. ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك، وذكر البخل أو الكذب» .

стр. 3874

«والشّنظير «١» الفحّاش» . ولم يذكر أبو غسّان في حديثه «وأنفق فسنفق عليك» ) * «٢» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن- وكلتا يديه يمين، الّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» ) * «٣» . ٣-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من إجلال الله إكرام ذي الشّيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السّلطان المقسط» ) * «٤» . ٤-* (عن أبي موسى- ﵁ أنّه قال: قام رسول الله ﷺ على باب بيت فيه نفر من قريش، فقام وأخذ بعضادة الباب، ثمّ قال: «هل في البيت إلّا قرشيّ؟» ، قال: فقيل: يا رسول الله، غير فلان ابن أختنا، فقال: «ابن أخت القوم منهم» ، قال: ثمّ قال: «إنّ هذا الأمر في قريش ما داموا، إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا قسموا أقسطوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» ) * «٥» . ٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لو لم يبق من الدّنيا إلّا يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي، يواطىء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا» ) * «٦» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «والّذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل فيكم ابن مريم ﷺ حكما مقسطا، فيكسر الصّليب ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتّى لا يقبله أحد» ) * «٧» .

стр. 3875

من الآثار الواردة في (القسط) ١-* (قالت عائشة- ﵂ لعروة ابن الزّبير في قوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى (النساء/ ٣) : يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليّها أن يتزوّجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهنّ إلّا أن يقسطوا لهنّ ويبلغوا لهنّ أعلى سنّتهنّ في الصّداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النّساء سواهنّ. وقالت عائشة: وإنّ النّاس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قالت عائشة: وقول الله تعالى وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ: (النساء/ ١٢٧) رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. قالت: فنهوا أن ينكحوا عمّن «١» رغبوا في ماله وجماله في يتامى النّساء إلّا بالقسط من أجل رغبتهم عنهنّ إذا كنّ قليلات المال والجمال) * «٢» . الأحاديث الواردة في (القسط) معنى انظر صفتي: العدل والحكم بما أنزل الله المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (القسط) انظر صفتي: العدل والحكم بما أنزل الله من فوائد (القسط) (١) فيه مرضاة للرّحمن واتّباع لسيّد الأنام. (٢) يضمن الحقوق ويحفظ الأمانات. (٣) القيام بالقسط سمة من سمات إخلاص الشّهادة لله. (٤) يكسو صاحبه نورا يوم القيامة. (٥) من قام بالقسط عظم ثوابه. (٦) فيه الحفاظ على سلامة المجتمع. (٧) يعيذ صاحبه من لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.

стр. 3876

القصاص الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ٩/ ٦ القصاص لغة: اسم بمعنى القود مأخوذ من مادّة (ق ص ص) الّتي تدلّ على تتبّع الشّيء، من ذلك قولهم: اقتصصت الأثر إذا تتبّعته قال ابن فارس: ومن ذلك اشتقاق القصاص في الجراح، وذلك أنّه يفعل به مثل فعله بالأوّل، فكأنّه اقتصّ أثره، وقال الجوهريّ: القصاص القود، وقد أقصّ الأمير فلانا من فلان إذا اقتصّ له منه فجرحه مثل جرحه، أو قتله قودا، واستقصّه سأله أن يقصّه منه، وقال الفرّاء: قصّه الموت وأقصّه بمعنى دنا منه، وأصل الكلمة قاصّه مقاصّة (مشدّد) ، مثل سارّه مسارّة وحاجّه محاجّة وما أشبه ذلك. والقصاص (بالكسر) ، والقصاصاء (بالكسر أيضا) والقصاصاء (بالضّمّ) لغات فيه: هو القود والقتل بالقتل، والجرح بالجرح. وتقاصّ القوم إذا قاصّ كلّ واحد منهم صاحبه في حساب أو غيره، والتّقاصّ: التّناصف في القصاص، قال قائل: فرمنا القصاص وكان التّقاصّ ... حكما وعدلا على المسلمينا. قال ابن سيده: وهذا الشّاذّ لاجتماع ساكنين، ولذلك رواه بعضهم، وكان القصاص. والاقتصاص: أخذ القصاص. والإقصاص أن يؤخذ لك القصاص «١» . واصطلاحا: قال الجرجانيّ: أن يفعل بالفاعل مثل ما فعل «٢» . وعرّفه الحافظ في الفتح بأنّه: تتبّع جناية الجاني ليؤخذ مثل جنايته «٣» . وقال المناويّ: القصاص: تتبّع الدّم بالقود «٤» . أثر القصاص في استقرار المجتمع: قال الشّيخ محمّد الأمين الشّنقيطيّ: ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم: القصاص، فإنّ الإنسان إذا غضب وهمّ بأن يقتل إنسانا آخر فتذكّر أنّه إن قتله قتل به، خاف العاقبة فترك القتل، فحيي ذلك الّذي يريد قتله، وحيي هو لأنّه لم يقتل فيقتل قصاصا، فقتل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلّا الله كثرة كما ذكرنا، قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة/ ١٧٩) ، ولا شكّ أنّ هذا من

стр. 3877

أعدل الطّرق وأقومها، ولذلك يشاهد في أنظار الدّنيا قديما وحديثا قلّة وقوع القتل في البلاد الّتي تحكم بكتاب الله، لأنّ القصاص ردع عن جريمة القتل، كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفا. وما يزعمه أعداء الإسلام من أنّ القصاص غير مطابق للحكمة، لأنّ فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأوّل، وأنّه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع، كلّه كلام ساقط، عار من الحكمة، لأنّ الحبس لا يردع النّاس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعة فإنّ السّفهاء يكثر منهم القتل فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل «١» . [للاستزادة؛ انظر صفات: الحكم بما أنزل الله- العدل والمساواة- العفو- القسط- الإنصاف- الطاعة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الحكم بغير ما أنزل الله- الظلم- الضلال- البغي- العدوان- العصيان] .

стр. 3878

الآيات الواردة في «القصاص» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩) «١» ٢- الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) «٢» ٣- إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (٤٤) وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥) «٣» ٤- وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) «٤»

стр. 3879

الأحاديث الواردة في (القصاص) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون من المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار» ) * «١» . ولفظه عند التّرمذيّ: «فيقع فيقتصّ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتصّ ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثمّ طرح في النّار» ) * «٢» . ٢-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: قال النّبيّ ﷺ : «أوّل ما يقضى بين النّاس في الدّماء» ) * «٣» . ٣-* (قال أسيد بن حضير- ﵁: بينما هو يحدّث القوم- وكان فيه مزاح- بينا يضحكهم فطعنه النّبيّ ﷺ في خاصرته بعود، فقال: أصبرني. فقال: «اصطبر «٤» » ، قال: إنّ عليك قميصا وليس عليّ قميص، فرفع النّبيّ ﷺ عن قميصه، فاحتضنه وجعل يقبّل كشحه «٥» ، قال: إنّما أردت هذا يا رسول الله) * «٦» . ٤-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: كسرت الرّبيّع- وهي عمّة أنس بن مالك- ثنيّة جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص، فأتوا النّبيّ ﷺ ، فأمر النّبيّ ﷺ بالقصاص. فقال أنس بن النّضر عمّ أنس بن مالك: لا والله لا تكسر سنّها يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : «يا أنس كتاب الله القصاص» ، فرضي القوم وقبلوا الأرش «٧» ، فقال رسول الله ﷺ : «إنّ من عباد الله من لو أقسم على الله لأبرّه» ) * «٨» . ٥-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «يخلص المؤمنون من النّار، فيحبسون على قنطرة بين الجنّة والنّار، فيقصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدّنيا، حتّى إذا هذّبوا ونقّوا، أذن لهم في دخول الجنّة، فو الّذي نفس محمّد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنّة منه بمنزله كان في الدّنيا» ) * «٩» .

стр. 3880

الأحاديث الواردة في (القصاص) معنى ٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: إنّ النّبيّ ﷺ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمّها، وجعل فيها الطّعام، وقال: «كلوا» وحبس الرّسول ﷺ القصعة حتّى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة» ) * «١» . ٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: إنّ يهوديّا قتل جارية على أوضاح لها «٢» فقتلها بحجر، قال: فجيء بها إلى النّبيّ ﷺ ، وبها رمق. فقال لها: «أقتلك فلان؟» ، فأشارت برأسها أن لا، ثمّ قال لها الثّانية. فأشارت برأسها أن لا. ثمّ سألها الثّالثة. فقالت: نعم، وأشارت برأسها. فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين) * «٣» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «رحم الله عبدا كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض، أو مال، فجاءه فاستحلّه قبل أن يؤخذ، وليس ثمّ دينار ولا درهم، فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته، وإن لم تكن له حسنات حمّلوه عليه من سيّئاتهم» ) * «٤» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لتؤدّنّ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتّى يقاد للشّاة الجلحاء من الشّاة القرناء» ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (القصاص) ١-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁ في خطبة له: «إنّي لم أبعث عمّالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم، فمن فعل به ذلك فليرفعه إليّ، أقصّه منه» . قال عمرو بن العاص- ﵁: «لو أنّ رجلا أدّب بعض رعيّته أتقصّه منه؟. قال: إي والّذي نفسي بيده أقصّه، وقد رأيت رسول الله ﷺ أقصّ من نفسه» ) * «٦» . ٢-* (قال أبو العالية- رحمه الله تعالى-: «جعل الله القصاص حياة. فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يقتل» ) * «٧» . ٣-* (قال الزّجّاج- رحمه الله تعالى-: «إذا علم الرّجل أنّه إن قتل قتل أمسك عن القتل، فكان في ذلك حياة للّذي همّ بقتله ولنفسه، لأنّه من أجل

стр. 3881

القصاص أمسك. وقال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى-: «أخذ هذا المعنى الشّاعر فقال: أبلغ أبا مالك عنّي مغلغلة «١» ... وفي العتاب حياة بين أقوام. يريد أنّهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب) * «٢» . ٤-* (قال ابن كثير- ﵀ عند تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى البقرة/ ١٧٨) : «يقول الله تعالى: كتب عليكم العدل في القصاص أيّها المؤمنون حرّكم بحرّكم، وعبدكم بعبدكم، وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزوا وتعتدوا كما اعتدى من قبلكم، وغيّروا حكم الله فيهم. فأمر الله بالعدل في القصاص، ولا يتبع سبيل المفسدين المحرّفين المخالفين لأحكام الله فيهم كفرا وبغيا) * «٣» . ٥-* (وقال- رحمه الله تعالى- عند قوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ... (البقرة/ ١٧٩) : يقول الله تعالى وفي شرع القصاص- وهو قتل القاتل- حكمة عظيمة، وهي بقاء المهج وصونها، لأنّه إذا علم القاتل أنّه يقتل انكفّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنّفوس، وفي الكتب المتقدّمة: القتل أنفى للقتل فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز) * «٤» . ٦-* (قال المعرّيّ: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار فردّ عليه ابن القيمّ: عزّ الأمانة أغلاها، وأرخصها ... ذلّ الخيانة فافهم حكمة الباري ونسبت للإمام الشّافعيّ فتوى في هذه المسألة، قبل أبي العلاء وهو قوله: هناك مظلومة غالت بقيمتها ... وها هنا ظلمت هانت على الباري والأولى: دية اليد الّتي تقطع ظلما قصدا، ففداؤها خمسمائة دينار ذهبا؛ لأنّها يد حرّ شريف. والثّانية يد السّارق الّتي تقطع في ربع دينار سرقته بالشّروط الّتي تتوافر لقطعها عند الفقهاء «٥» . من فوائد (القصاص) ١- القصاص يحقن الدّماء. ٢- القصاص يريح النّفوس المظلومة. ٣- القصاص زجر لمن تسوّل له نفسه القتل. ٤- القصاص حياة كما قالت العرب: القتل أنفى للقتل. ٥- الرّاضي بالقصاص هو المنتصر.

стр. 3882

القناعة الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣/ ٢٢/ ٢١ القناعة لغة: مصدر قنع يقنع قناعة. إذا رضي، ويدلّ أصل المادّة علي معنيين: الأوّل: الإقبال بالوجه على الشّيء، والآخر: المستدير من الرّمل، ومن المعنى الأوّل أخذت القناعة بمعنى الرّضا، وسمّيت بذلك لأنّ القانع يقبل على الشّيء الّذي له راضيا. قال ابن فارس: والإقناع مدّ البعير رأسه إلى الماء للشّرب، قال ابن السّكّيت: قنعت الإبل والغنم للمرتع، إذا مالت له، وفلان شاهد مقنع، وهذا من المعنى الأوّل وهو الرّضا بالشّيء وجمعه مقانع، تقول: إنّه رضى يقنع به. وقال الرّاغب: يقال: قنع يقنع قناعة وقنعانا إذا رضي، وقنع يقنع قنوعا إذا سأل.. وقال بعضهم أصل هذه الكلمة من القناع وهو غطاء الرّأس، فقنع أي لبس القناع ساترا لفقره، وقنع إذا رفع قناعه كاشفا رأسه بالسّؤال. وقال ابن منظور: يقال: رجل قانع من قوم قنّع، وقنع من قنعين، وقنيع من قنيعين وقنعاء. وامرأة قنيع وقنيعة من نسوة قنائع. قال الأزهريّ: رجال مقانع وقنعان إذا كانوا مرضيّين. ورجل قنعان: يرضى باليسير. وفي التّنزيل وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (الحج/ ٣٦) . فالقانع الّذي يسأل، والمعترّ الّذي يتعرّض ولا يسأل، وقيل القانع: المتعفّف، وكلّ يصلح. وقال بعض أهل العلم: إنّ القنوع يكون بمعنى الرّضا والقانع بمعنى الرّاضي، قال وهو من الأضداد. وفي الحديث: «فأكل وأطعم القانع والمعترّ» . هو من القنوع: الرّضا باليسير من العطاء «١» . وقوله من الأضداد، قال الأصمعيّ: القانع الرّاضي بما قسم الله، ومصدره القناعة. والقانع السّائل ومصدره القنوع، ورأيت أعرابيّا يقول: اللهمّ إنّي أعوذ بك من القنوع والخنوع والخضوع وما يغضّ طرف المرء، ويغري به لئام النّاس. قال عديّ: وما خنت ذا عهد وأبت بعهده ... ولم أحرم المضطرّ إذ جاء قانعا أي سائلا «٢» . واصطلاحا: قال ابن السّنّيّ: القناعة: الرّضا بالقسم «٣» . وقال الرّاغب: القناعة: الاجتزاء باليسير

стр. 3883

من الأغراض المحتاج إليها «١» . وقال الجاحظ: القناعة هي: الاقتصار على ما سنح من العيش، والرّضا بما تسهّل من المعاش، وترك الحرص على اكتساب الأموال وطلب المراتب العالية مع الرّغبة في جميع ذلك وإيثاره والميل إليه وقهر النّفس على ذلك والتّقنّع باليسير منه «٢» . وقال المناويّ: القناعة عرفا: الاقتصار على الكفاف، وقيل: الاكتفاء بالبلغة، وقيل: سكون الجأش عند عدم المألوفات، وقيل: الوقوف عند الكفاية «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الرضا- الزهد- التواضع- الورع- النزاهة- العفة- المروءة- مجاهدة النفس- أكل الطيبات. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الطمع- طول الأمل- أكل الحرام- التطفيف- اتباع الهوى- التناجش- الاحتكار- السرقة- الغلول] . الآيات الواردة في «القناعة» ١- وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧) «٤» الآيات الواردة في «القناعة» معنى ٢- لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) «٥» ٣- وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) «٦»

стр. 3884

الأحاديث الواردة في (القناعة) ١-* (عن فضالة بن عبيد- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «طوبى لمن هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع» ) * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه» ) * «٢» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا هريرة، كن ورعا تكن أعبد النّاس، وكن قنعا تكن أشكر النّاس، وأحبّ للنّاس ما تحبّ لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وأقلّ الضّحك، فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في (القناعة) معنى ٤-* (عن عمرو بن تغلب- ﵁ قال: أعطى رسول الله ﷺ قوما ومنع آخرين، فكأنّهم عتبوا عليه فقال: «إنّي أعطي قوما أخاف ظلعهم وجزعهم «٤» ، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم عمرو بن تغلب» . فقال عمرو بن تغلب: ما أحبّ أنّ لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النّعم» . زاد أبو عاصم عن جرير قال: سمعت الحسن يقول: حدّثنا عمرو بن تغلب أنّ رسول الله ﷺ أتي بمال أو بسبي فقسمه ... بهذا) * «٥» . ٥-* (عن أبي أمامة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ «٦» ذو حظّ من الصّلاة، أحسن عبادة ربّه وأطاعه في السّرّ، وكان غامضا في النّاس، لا يشار إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافا، فصبر على ذلك، ثمّ نفض بيده، فقال: عجّلت منيّته، قلّت بواكيه، قلّ تراثه» . وبهذا الإسناد عن النّبيّ ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهبا، قلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما، وأجوع يوما وقال: ثلاثا أو نحو

стр. 3885

هذا- فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك» ) * «١» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم. فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله» ) * «٢» . ٧-* (عن حكيم بن حزام- ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني، ثمّ قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالّذي يأكل ولا يشبع. اليد العليا خير من اليد السفلى. قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والّذي بعثك بالحقّ لا أرزأ أحدا «٣» بعدك شيئا حتّى أفارق الدّنيا. فكان أبو بكر- ﵁ يدعو حكيما إلى العطاء فيأبى أن يقبله منه. ثمّ إنّ عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا. فقال عمر: إنّي أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم أنّي أعرض عليه حقّه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحدا من النّاس بعد رسول الله ﷺ حتّى توفّي» ) * «٤» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: «اشتكى سلمان، فعاده سعد، فرآه يبكي، فقال له سعد: ما يبكيك يا أخى؟ أليس قد صحبت رسول الله ﷺ ؟ أليس أليس؟ قال سلمان: ما أبكي واحدة من اثنتين، ما أبكي حنينا للدّنيا، ولا كراهية للآخرة، ولكن رسول الله ﷺ عهد إليّ عهدا، فما أراني إلّا قد تعدّيت. قال: وما عهد إليك؟. قال: عهد إليّ أنّه يكفي أحدكم مثل زاد الرّاكب، ولا أراني إلّا قد تعدّيت، وأمّا أنت يا سعد، فاتّق الله عند حكمك إذا حكمت، وعند قسمك إذا قسمت، وعند همّك إذا هممت، قال ثابت: فبلغني أنّه ما ترك إلّا بضعة وعشرين درهما من نفقة كانت عنده) * «٥» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الغنى عن كثرة العرض «٦» . ولكنّ الغنى غنى النّفس» ) * «٧» .

стр. 3886

١٠-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ما طلعت شمس قطّ إلّا وبجنبتيها ملكان، إنّهما يسمعان أهل الأرض إلّا الثّقلين: أيّها النّاس، هلمّوا إلى ربّكم، فإنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى، وما غربت شمس قطّ إلّا وبجنبتيها ملكان يناديان: اللهمّ عجّل لمنفق خلفا وعجّل لممسك تلفا» ) * «١» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (القناعة) ١١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو: «اللهمّ قنّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كلّ غائبة لي بخير» ) * «٢» . ١٢-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنّا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التّمر والماء، إلّا أنّه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كان لهم منائح «٣» ، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم، فيسقيناه) * «٤» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ ارزق آل محمّد قوتا» ) * «٥» . ١٤-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم وحشوه ليف) * «٦» . ١٥-* (عن قتادة- ﵁ قال: كنّا نأتي أنس بن مالك وخبّازه قائم، وقال: كلوا، فما أعلم النّبيّ ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتّى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا «٧» بعينه قطّ) * «٨» . ١٦-* (عن عائشة. ﵂ قالت: لقد توفّي النّبيّ ﷺ وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد، إلّا شطر شعير في رفّ لي، فأكلت منه حتّى طال عليّ، فكلته ففني «٩» ) * «١٠» . ١٧-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: لقد مات رسول الله ﷺ ، وما شبع

стр. 3887

من خبز وزيت، في يوم واحد، مرّتين) * «١» . ١٨-* (عن أنس- ﵁ قال: «لم يأكل النّبيّ ﷺ على خوان «٢» حتّى مات، وما أكل خبزا مرقّقا حتّى مات» ) * «٣» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرّني أن لا يمرّ عليّ ثلاث وعندي منه شيء، إلّا شيء أرصده لدين» ) * «٤» . ٢٠-* (عن عروة؛ عن عائشة- ﵄ قالت: ما أكل آل محمّد ﷺ أكلتين في يوم إلّا إحداهما تمر» ) * «٥» . ٢١-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ من خبز شعير، يومين متتابعين، حتّى قبض رسول الله ﷺ » * «٦» . ٢٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما شبع آل محمّد منذ قدم المدينة من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قبض» ) * «٧» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (القناعة) ١-* (قال عمر- ﵁: «ألا أخبركم بما أستحلّ من مال الله تعالى: حلّتان لشتائي وقيظي «٨» ، وما يسعني من الظّهر «٩» لحجّي وعمرتي، وقوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش لست بأرفعهم ولا بأوضعهم، فو الله ما أدري أيحلّ ذلك أم لا؟» ) * «١٠» . ٢-* (وقال أيضا: «إنّ الطّمع فقر، وإنّ اليأس غنى، إنّه من ييأس عمّا في أيدي النّاس استغنى عنهم) * «١١» . ٣-* (عن أبي عمرو الشّيبانيّ قال: «سأل موسى- ﵇ ربّه- : أي ربّ، أيّ عبادك أحبّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرا. قال: يا ربّ، فأيّ عبادك أغنى؟ قال: أقنعهم بما أعطيته. قال: يا ربّ، فأيّ عبادك أعدل؟ قال: من دان نفسه» ) * «١٢» . ٤-* (كتب بعض بني أميّة إلى أبي حازم

стр. 3888

يعزم عليه إلّا رفع إليه حوائجه. فكتب إليه: قد رفعت حوائجي إلى مولاي، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عنّي قنعت» ) * «١» . ٥-* (قال أبو ذؤيب الهذليّ: والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع ) * «٢» . ٦-* (قال ابن الأعرابيّ يخاطب نفسه: لا تحسبي دراهم ابني مدلج ... تأتيك حتّى تدلجي «٣» وتولجي «٤» فاقنعي بالعرفج «٥» المسحّج «٦» . ... وبالثّمام «٧» وعرام «٨» العوسج «٩» ) * «١٠» . ٧-* (قال ابن القيّم: «يكمل غنى القلب بغنى آخر، هو غنى النّفس. وآيته: سلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة» ) * «١١» . ٨-* (قال الإمام الغزاليّ: «كان محمّد بن واسع يبلّ الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد» ) * «١٢» . ٩-* (قال بعض الحكماء: «وجدت أطول النّاس غمّا الحسود، وأهنأهم عيشا القنوع، وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع، وأخفضهم عيشا أرفضهم للدّنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرّط) * «١٣» . ١٠-* (قال قلاخ لأبي جهل والحارث ابني هشام: فهل يخلدنّ ابني هشام غناهما ... وما يجمعان من مئين ومن ألف يقولان نستغني وو الله ما الغنى ... من المال إلّا ما يعفّ وما يكفي «١٤» . ١١-* (قال شاعر: اصبر على كسرة وملح ... فالصّبر مفتاح كلّ زين ولا تعرض لمدح قوم ... يدع إلى ذلّة وشين واقنع فإنّ القنوع عزّ ... والذّلّ في شهوة بدين ) * «١٥» . ١٢-* (وقال آخر: رضيت من الدّنيا بقوت يقيمني ... فلا أبتغي من بعده أبدا فضلا

стр. 3889

ولست أروم القوت إلّا لأنّه ... يعين على علم أردّ به جهلا فما هذه الدّنيا بطيب نعيمها ... لأيسر ما في العلم من نكتة عدلا) * «١» . ١٣-* (وقال آخر: وللرّزق أسباب تروح وتغتدي ... وإنّي منها بين غاد ورائح قنعت بثوب العدم من حلّة الغنى ... ومن بارد عذب زلال بمالح ١٤-* (وقال آخر: كن بما أوتيته مقتنعا ... تقتفي عيش القنوع المكتفي كسراج دهنه قوت له ... فإذا غرّقته فيه طفي ) * «٢» . ١٥-* (قال بعضهم: «ازهد بما عند النّاس يحبّك النّاس، وارغب فيما عند الله يحبّك الله» ) * «٣» . ١٦-* (قيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: «قلّة تمنّيك، ورضاك بما يكفيك» ) * «٤» . ١٧-* (وقيل لبعض الحكماء: ما مالك؟ فقال: «التّجمّل في الظّاهر، والقصد في الباطن، واليأس ممّا في أيدي النّاس» ) * «٥» . ١٨-* (وقيل في القناعة: اضرع إلى الله لا تضرع إلي النّاس ... واقنع بيأس فإنّ العزّ في الياس واستغن عن كلّ ذي قربى وذي رحم ... إنّ الغنيّ من استغنى عن النّاس ) * «٦» . ١٩-* (وقيل في هذا المعنى أيضا: يا جائعا قانعا والدّهر يرمقه ... مقدّرا أيّ باب منه يغلقه مفكّرا كيف تأتيه منيّته ... أغاديا أم بها يسري فتطرقه جمعت مالا فقل لي هل جمعت له ... يا جامع المال أيّاما تفرّقه المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلّا يوم تنفقه أرفه «٧» ببال فتى يغدو على ثقة ... أنّ الّذي قسّم الأرزاق يرزقه فالعرض منه مصون ما يدنّسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه إنّ القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في ظلّها همّا يؤرّقه «٨» . ٢٠- يروى أنّ الخليل بن أحمد الفراهيديّ

стр. 3890

(المتوفّى سنة ١٧٠ هـ) رفض أن يكون مؤدّبا لابن سليمان بن عليّ والي الأهواز ثمّ أخرج لرسوله خبزا يابسا وقال له: ما دمت أجد هذا فلا حاجة إلى سليمان، ثمّ أنشد: أبلغ سليمان أنّي عنه في سعة وفي غنى غير أنّي لست ذا مال شحّا بنفسي أنّي لا أرى أحدا يموت هزلا ولا يبقى على حال والفقر في النّفس لا في المال نعرفه ومثل ذاك الغنى في النّفس لا المال) * «١» . ٢١-* (وقال الشّافعيّ- ﵀: رأيت القناعة رأس الغنى ... فصرت بأذيالها ممتسك فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني به منهمك فصرت غنيّا بلا درهم ... أمرّ على النّاس شبه الملك ) * «٢» . من فوائد (القناعة) (١) القناعة من كمال الإيمان وحسن الإسلام. (٢) القانع تعزف نفسه عن حطام الدّنيا رغبة فيما عند الله. (٣) القنوع يحبّه الله ويحبّه النّاس. (٤) وهو سعيد النّفس بما قسم له من الدّنيا. (٥) لو قنع النّاس بالقليل لما بقي بينهم فقير ولا محروم. (٦) تشيع الألفة والمحبّة بين النّاس.
следующие страницы →