← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

١٠-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «ما طلعت شمس قطّ إلّا وبجنبتيها ملكان، إنّهما يسمعان أهل الأرض إلّا الثّقلين: أيّها النّاس، هلمّوا إلى ربّكم، فإنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى، وما غربت شمس قطّ إلّا وبجنبتيها ملكان يناديان: اللهمّ عجّل لمنفق خلفا وعجّل لممسك تلفا» ) * «١» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (القناعة) ١١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو: «اللهمّ قنّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف على كلّ غائبة لي بخير» ) * «٢» . ١٢-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنّا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله ﷺ نار. فقلت: ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التّمر والماء، إلّا أنّه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار كان لهم منائح «٣» ، وكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم، فيسقيناه) * «٤» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ ارزق آل محمّد قوتا» ) * «٥» . ١٤-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم وحشوه ليف) * «٦» . ١٥-* (عن قتادة- ﵁ قال: كنّا نأتي أنس بن مالك وخبّازه قائم، وقال: كلوا، فما أعلم النّبيّ ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتّى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا «٧» بعينه قطّ) * «٨» . ١٦-* (عن عائشة. ﵂ قالت: لقد توفّي النّبيّ ﷺ وما في رفّي من شيء يأكله ذو كبد، إلّا شطر شعير في رفّ لي، فأكلت منه حتّى طال عليّ، فكلته ففني «٩» ) * «١٠» . ١٧-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: لقد مات رسول الله ﷺ ، وما شبع

стр. 3887

من خبز وزيت، في يوم واحد، مرّتين) * «١» . ١٨-* (عن أنس- ﵁ قال: «لم يأكل النّبيّ ﷺ على خوان «٢» حتّى مات، وما أكل خبزا مرقّقا حتّى مات» ) * «٣» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرّني أن لا يمرّ عليّ ثلاث وعندي منه شيء، إلّا شيء أرصده لدين» ) * «٤» . ٢٠-* (عن عروة؛ عن عائشة- ﵄ قالت: ما أكل آل محمّد ﷺ أكلتين في يوم إلّا إحداهما تمر» ) * «٥» . ٢١-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ من خبز شعير، يومين متتابعين، حتّى قبض رسول الله ﷺ » * «٦» . ٢٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما شبع آل محمّد منذ قدم المدينة من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قبض» ) * «٧» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (القناعة) ١-* (قال عمر- ﵁: «ألا أخبركم بما أستحلّ من مال الله تعالى: حلّتان لشتائي وقيظي «٨» ، وما يسعني من الظّهر «٩» لحجّي وعمرتي، وقوتي بعد ذلك كقوت رجل من قريش لست بأرفعهم ولا بأوضعهم، فو الله ما أدري أيحلّ ذلك أم لا؟» ) * «١٠» . ٢-* (وقال أيضا: «إنّ الطّمع فقر، وإنّ اليأس غنى، إنّه من ييأس عمّا في أيدي النّاس استغنى عنهم) * «١١» . ٣-* (عن أبي عمرو الشّيبانيّ قال: «سأل موسى- ﵇ ربّه- : أي ربّ، أيّ عبادك أحبّ إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكرا. قال: يا ربّ، فأيّ عبادك أغنى؟ قال: أقنعهم بما أعطيته. قال: يا ربّ، فأيّ عبادك أعدل؟ قال: من دان نفسه» ) * «١٢» . ٤-* (كتب بعض بني أميّة إلى أبي حازم

стр. 3888

يعزم عليه إلّا رفع إليه حوائجه. فكتب إليه: قد رفعت حوائجي إلى مولاي، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عنّي قنعت» ) * «١» . ٥-* (قال أبو ذؤيب الهذليّ: والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع ) * «٢» . ٦-* (قال ابن الأعرابيّ يخاطب نفسه: لا تحسبي دراهم ابني مدلج ... تأتيك حتّى تدلجي «٣» وتولجي «٤» فاقنعي بالعرفج «٥» المسحّج «٦» . ... وبالثّمام «٧» وعرام «٨» العوسج «٩» ) * «١٠» . ٧-* (قال ابن القيّم: «يكمل غنى القلب بغنى آخر، هو غنى النّفس. وآيته: سلامتها من الحظوظ وبراءتها من المراءاة» ) * «١١» . ٨-* (قال الإمام الغزاليّ: «كان محمّد بن واسع يبلّ الخبز اليابس بالماء ويأكل ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد» ) * «١٢» . ٩-* (قال بعض الحكماء: «وجدت أطول النّاس غمّا الحسود، وأهنأهم عيشا القنوع، وأصبرهم على الأذى الحريص إذا طمع، وأخفضهم عيشا أرفضهم للدّنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرّط) * «١٣» . ١٠-* (قال قلاخ لأبي جهل والحارث ابني هشام: فهل يخلدنّ ابني هشام غناهما ... وما يجمعان من مئين ومن ألف يقولان نستغني وو الله ما الغنى ... من المال إلّا ما يعفّ وما يكفي «١٤» . ١١-* (قال شاعر: اصبر على كسرة وملح ... فالصّبر مفتاح كلّ زين ولا تعرض لمدح قوم ... يدع إلى ذلّة وشين واقنع فإنّ القنوع عزّ ... والذّلّ في شهوة بدين ) * «١٥» . ١٢-* (وقال آخر: رضيت من الدّنيا بقوت يقيمني ... فلا أبتغي من بعده أبدا فضلا

стр. 3889

ولست أروم القوت إلّا لأنّه ... يعين على علم أردّ به جهلا فما هذه الدّنيا بطيب نعيمها ... لأيسر ما في العلم من نكتة عدلا) * «١» . ١٣-* (وقال آخر: وللرّزق أسباب تروح وتغتدي ... وإنّي منها بين غاد ورائح قنعت بثوب العدم من حلّة الغنى ... ومن بارد عذب زلال بمالح ١٤-* (وقال آخر: كن بما أوتيته مقتنعا ... تقتفي عيش القنوع المكتفي كسراج دهنه قوت له ... فإذا غرّقته فيه طفي ) * «٢» . ١٥-* (قال بعضهم: «ازهد بما عند النّاس يحبّك النّاس، وارغب فيما عند الله يحبّك الله» ) * «٣» . ١٦-* (قيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: «قلّة تمنّيك، ورضاك بما يكفيك» ) * «٤» . ١٧-* (وقيل لبعض الحكماء: ما مالك؟ فقال: «التّجمّل في الظّاهر، والقصد في الباطن، واليأس ممّا في أيدي النّاس» ) * «٥» . ١٨-* (وقيل في القناعة: اضرع إلى الله لا تضرع إلي النّاس ... واقنع بيأس فإنّ العزّ في الياس واستغن عن كلّ ذي قربى وذي رحم ... إنّ الغنيّ من استغنى عن النّاس ) * «٦» . ١٩-* (وقيل في هذا المعنى أيضا: يا جائعا قانعا والدّهر يرمقه ... مقدّرا أيّ باب منه يغلقه مفكّرا كيف تأتيه منيّته ... أغاديا أم بها يسري فتطرقه جمعت مالا فقل لي هل جمعت له ... يا جامع المال أيّاما تفرّقه المال عندك مخزون لوارثه ... ما المال مالك إلّا يوم تنفقه أرفه «٧» ببال فتى يغدو على ثقة ... أنّ الّذي قسّم الأرزاق يرزقه فالعرض منه مصون ما يدنّسه ... والوجه منه جديد ليس يخلقه إنّ القناعة من يحلل بساحتها ... لم يلق في ظلّها همّا يؤرّقه «٨» . ٢٠- يروى أنّ الخليل بن أحمد الفراهيديّ

стр. 3890

(المتوفّى سنة ١٧٠ هـ) رفض أن يكون مؤدّبا لابن سليمان بن عليّ والي الأهواز ثمّ أخرج لرسوله خبزا يابسا وقال له: ما دمت أجد هذا فلا حاجة إلى سليمان، ثمّ أنشد: أبلغ سليمان أنّي عنه في سعة وفي غنى غير أنّي لست ذا مال شحّا بنفسي أنّي لا أرى أحدا يموت هزلا ولا يبقى على حال والفقر في النّفس لا في المال نعرفه ومثل ذاك الغنى في النّفس لا المال) * «١» . ٢١-* (وقال الشّافعيّ- ﵀: رأيت القناعة رأس الغنى ... فصرت بأذيالها ممتسك فلا ذا يراني على بابه ... ولا ذا يراني به منهمك فصرت غنيّا بلا درهم ... أمرّ على النّاس شبه الملك ) * «٢» . من فوائد (القناعة) (١) القناعة من كمال الإيمان وحسن الإسلام. (٢) القانع تعزف نفسه عن حطام الدّنيا رغبة فيما عند الله. (٣) القنوع يحبّه الله ويحبّه النّاس. (٤) وهو سعيد النّفس بما قسم له من الدّنيا. (٥) لو قنع النّاس بالقليل لما بقي بينهم فقير ولا محروم. (٦) تشيع الألفة والمحبّة بين النّاس.

стр. 3891

القنوت الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١١/ ٢٣/ ٦ القنوت لغة: مصدر قنت يقنت قنوتا، وهو مأخوذ من مادّة (ق ن ت) الّتي تدلّ على طاعة وخير في دين، والأصل فيه الطّاعة، ثمّ سمّي كلّ طاعة في طريق الدّين قنوتا، وسمّي السّكوت في الصّلاة والإقبال عليها قنوتا، قال الله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (البقرة/ ٢٣٨) «١» . وقال ابن منظور: القنوت دوام الطّاعة، وقيل: الدّعاء في الصّلاة، والقنوت: الخشوع والإقرار بالعبوديّة، وقيل: القيام، وزعم ثعلب أنّه الأصل، وقيل: إطالة القيام. ويقال للمصلّي: قانت. وفي الحديث: «مثل المجاهد في سبيل الله، كمثل القانت الصّائم» أي المصلّي، ويرد القنوت بمعان متعدّدة، كالطّاعة، وقد تقدّم بعضها. فيصرف في كلّ واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه. وقال ابن الأنباريّ: القنوت على أربعة أقسام: الصّلاة، وطول القيام، وإقامة الطّاعة، والسّكوت. قال ابن سيده: القنوت الطّاعة، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ (الأحزاب/ ٣٥) ، ثمّ سمّي القيام في الصّلاة قنوتا، ومنه قنوت الوتر. والقانت: الذّاكر لله تعالى. كما قال- : أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً (الزمر/ ٩) . وقيل: القانت: العابد. والقانت: القائم بجميع أمر الله تعالى، وجمع القانت من ذلك كلّه: قنّت، وقنت له: ذلّ، وقنتت المرأة لبعلها: أقرّت «٢» . ونقل الفيروزاباديّ عن ابن الأعرابيّ قوله: أقنت: دعا على عدوّه، وأقنت: إذا أطال القيام في الصّلاة. وأقنت: إذا أدام الحجّ، وأقنت: إذا أطال الغزو، وأقنت إذا تواضع لله تعالى «٣» . القنوت اصطلاحا: قال الرّاغب: القنوت لزوم الطّاعة مع الخضوع، وفسّر في كلّ واحد منهما في قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ وقوله كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (البقرة/ ١١٦) . وقال المناويّ: القنوت: ثبات القائم بالأمر على قيامه تحقّقا بتمكّنه فيه.. ودعاء القنوت: هو دعاء الانتصاب في الصّلاة «٤» .

стр. 3892

أنواع القنوت: قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: القنوت الّذي يعمّ المخلوقات أنواع: أحدها: طاعة كلّ شيء لمشيئته وقدرته وخلقه، فإنّه لا يخرج شيء عن مشيئته وقدرته وملكه، بل هو مدبّر معبود. وعلى هذا الوجه، فالقانت قد لا يشعر بقنوته، فإنّ المراد بقنوته كونه مدبّرا مصرّفا تحت مشيئة الرّبّ من غير امتناع منه بوجه من الوجوه، وهذا شامل للجمادات والحيوانات وكلّ شيء. قال تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها (هود/ ٥٦) ، وقال تعالى: فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (يس/ ٨٣) . النّوع الثّاني من القنوت: هو ما يشعر به القانت، وهو اعترافهم كلّهم بأنّهم مخلوقون مربوبون وأنّه ربّهم، كما تقدّم. الثّالث: أنّهم يضطرّون إليه وقت حوائجهم فيسألونه ويخضعون له، وإن كانوا إذا أجابهم أعرضوا عنه. قال الله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ (يونس/ ١٢) ، وقال تعالى: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (الإسراء/ ٦٧) . وهو أخبر أنّهم له قانتون، فإذا قنتوا له فدعوه، وتضرّعوا إليه عند حاجتهم كانوا قانتين له، وإن كان إذا كشف الضّرّ عنهم نسوا ما كانوا يدعون إليه وجعلوا له أندادا. الرّابع: أنّهم كلّهم لا بدّ لهم من القنوت والطّاعة في كثير من أوامره وإن عصوه في البعض، وإن كانوا لا يقصدون بذلك طاعته، بل يسلّمون له ويسجدون طوعا وكرها. وذلك أنّه أرسل الرّسل وأنزل الكتب بالعدل، فلا صلاح لأهل الأرض في شيء من أمورهم إلّا به، ولا يستطيع أحد أن يعيش في العالم مع خروجه عن جميع أنواعه، بل لا بدّ من دخوله في شيء من أنواع العدل. الخامس: خضوعهم لجزائه لهم في الدّنيا والآخرة، كما ذكر من ذكر أنّهم قانتون يوم القيامة، وهو سبحانه قد يجزي النّاس في الدّنيا فيهلكهم وينتقم منهم، كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وفرعون، فكانوا خاضعين منقادين لجزائه وعقابه قانتين له كرها. والجزاء يكون في الدّنيا، وفي البرزخ وفي الآخرة، وهو سبحانه قائم على كلّ نفس بما كسبت، وهو قائم بالقسط، والجميع مستسلمون لحكمه، قانتون له في جزائهم على أعمالهم، والمصائب الّتي تصيبهم في الدّنيا جزاء لهم. قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (الشورى/ ٣٠) ، وقال تعالى: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (النساء/ ٧٩) . فهذه خمسة أنواع: قنوتهم لخلقه وحكمه وأمره قدرا، واعترافهم بربوبيّته، واضطرارهم إلى مسألته والرّغبة إليه، ودخولهم فيما يأمر به وإن كانوا كارهين،

стр. 3893

وجزاؤهم على أعمالهم «١» . وقال الفيروز اباديّ: القنوت ينقسم إلى أربعة أقسام: الصّلاة، وطول القيام، وإقامة الطّاعة، والسّكوت. روي عن زيد بن أرقم- ﵁ كنّا نتكلّم في الصّلاة، يكلّم أحدنا صاحبه في حاجته، حتّى نزلت: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (البقرة/ ٢٣٨) ، فأمرنا بالسّكوت، وسئل ابن عمر- ﵄ عن القنوت، فقال: ما أعرف القنوت إلّا طول القيام، ثمّ قرأ: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً ... (الزمر/ ٩) ، وقال الزّجّاج: المشهور في اللّغة أنّ القنوت الدّعاء، وأنّ القانت: الدّاعي «٢» . [للاستزادة: الخشوع- الرغبة- الصلاة- الضراعة- الطاعة- الإنابة- الرجاء- التوسل- الدعاء- الاستغاثة- الاستغفار- الإخبات- تذكر الموت- الخوف- العبادة وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- العصيان- اتباع الهوى- الإصرار على الذنب- التفريط والإفراط- الغفلة- طول الأمل- القنوط] .

стр. 3894

الآيات الواردة في «القنوت» القنوت بمعنى طاعة المخلوقات وخضوعها: ١- وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) «١» ٢- وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) «٢» القنوت بمعنى السكوت: ٣- حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) «٣» القنوت بمعنى طول القيام: ٤-* وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) «٤» الأمر بالقنوت: ٥- وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢) يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) «٥» القنوت من صفات أنبياء الله وأوليائه والمؤمنين (ومعناه إقامة الطاعة) : ٦- زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ

стр. 3895

الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) * قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) «١» ٧- الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً (٣٤) «٢» ٨- إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) «٣» ٩- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤)

стр. 3896

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٣٥) «١» ١٠- وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً (٥) «٢» ١١- وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢) «٣»

стр. 3897

الأحاديث الواردة في (القنوت) ١-* (عن عمرو بن عبسة- ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! من تبعك على هذا الأمر قال: «حرّ وعبد» . قلت: ما الإسلام؟ قال: «طيب الكلام، وإطعام الطّعام» قلت: ما الإيمان؟ قال: «الصّبر والسّماحة» قال: قلت: أيّ الإسلام أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» قال: قلت: أيّ الإيمان أفضل؟ قال: «خلق حسن» قال: قلت: أيّ الصّلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» . قال: قلت: أيّ الهجرة أفضل؟ قال: «أن تهجر ما هجر ربّك ... الحديث» ) * «١» . ٢-* (عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أفضل الصّلاة طول القنوت «٢» » ) * «٣» . ٣-* (عن البراء بن عازب- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ كان يقنت في الصّبح والمغرب» ) * «٤» . ٤-* (عن عاصم، قال: سألت أنس بن مالك- ﵁ عن القنوت فقال: قد كان القنوت. قلت: قبل الرّكوع أو بعده؟ قال: قبله. قال: فإنّ فلانا أخبرني عنك أنّك قلت: بعد الرّكوع. فقال: كذب، إنّما قنت رسول الله ﷺ بعد الرّكوع شهرا، أراه كان بعث قوما، يقال لهم القرّاء زهاء سبعين رجلا، إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد «٥» ، فقنت رسول الله ﷺ شهرا يدعو عليهم) * «٦» . ٥-* (عن الحسن بن عليّ- ﵄ قال: علّمني جدّي رسول الله ﷺ كلمات أقولهنّ في قنوت الوتر: «اللهمّ عافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن تولّيت، واهدني فيمن هديت، وقني شرّ ما قضيت، وبارك لي فيما أعطيت، إنّك تقضي ولا يقضى عليك، إنّه لا يذلّ من واليت، سبحانك ربّنا تباركت وتعاليت» ) * «٧» . ٦-* (عن أنس- ﵁ قال: قنت رسول الله ﷺ شهرا يدعو على رعل وذكوان) * «٨» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قيل للنّبيّ ﷺ : ما يعدل الجهاد في سبيل الله- عزّ

стр. 3898

وجلّ؟ قال: «لا تستطيعوه» «١» قال: فأعادوا عليه مرّتين أو ثلاثا. كلّ ذلك يقول: «لا تستطيعونه» . وقال في الثّالثة: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصّائم القائم القانت «٢» بآيات الله. لا يفتر من صيام ولا صلاة. حتّى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى» ) * «٣» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كان النّبيّ ﷺ يدعو في القنوت: «اللهمّ أنج سلمة بن هشام، اللهمّ أنج الوليد بن الوليد، اللهمّ أنج عيّاش ابن أبي ربيعة، اللهمّ أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهمّ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ سنين كسني يوسف «٤» » ) * «٥» . الأحاديث الواردة في (القنوت) معنى ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصّيام بعد رمضان شهر الله المحرّم، وأفضل الصّلاة بعد الفريضة صلاة اللّيل» ) * «٦» . ١٠-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه كان يرمي الجمرة الدّنيا بسبع حصيات يكبّر على إثر كلّ حصاة، ثمّ يتقدّم حتّى يسهل «٧» فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه، ثمّ يرمي الوسطى ثمّ يأخذ ذات الشّمال «٨» فيستهلّ ويقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلا، ثمّ يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثمّ ينصرف فيقول: هكذا رأيت النّبيّ ﷺ يفعله) * «٩» . ١١-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ المسلم المسدّد ليدرك درجة الصّوّام القّوّام بآيات الله- لكرم ضريبته وحسن خلقه» ) * «١٠» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁

стр. 3899

قال: قال رسول الله ﷺ : «السّاعي «١» على الأرملة «٢» ، والمسكين كالمجاهد في سبيل الله- وأحسبه قال- (يشكّ القّعنبيّ) كالقائم لا يفتر وكالصّائم لا يفطر» ) * «٣» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل المجاهد في سبيل الله- والله أعلم بمن يجاهد في سبيله- كمثل الصّائم القائم الخاشع الرّاكع السّاجد» ) * «٤» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (القنوت) ١٤-* (عن حذيفة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ صلّى فكان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية عذاب استجار، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله سبّح» ) * «٥» . ١٥-* (سئل ابن عبّاس- ﵄ عن استسقاء «٦» رسول الله ﷺ ، فقال: إنّ رسول الله ﷺ خرج متبذّلا «٧» متواضعا متضرّعا حتّى أتى المصلّى فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدّعاء والتّضرّع والتّكبير، وصلّى ركعتين كما كان يصلّي في العيد» ) * «٨» . ١٦-* (عن المغيرة بن شعبة- ﵁ قال: إن كان النّبيّ ﷺ ليقوم أو ليصلّي حتّى ترم قدماه- أو ساقاه-. فيقال له، فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» وفي رواية عن عائشة- ﵂ أنّ نبيّ الله ﷺ كان يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه. فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا؟» ) * «٩» . ١٧-* (عن عائشة- ﵂ قالت: خسفت «١٠» الشّمس في عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ يصلّي فأطال القيام جدّا. ثمّ ركع فأطال الرّكوع جدّا. ثمّ رفع رأسه فأطال القيام جدّا. وهو دون القيام الأوّل ثمّ ركع فأطال الرّكوع

стр. 3900

جدّا. وهو دون الرّكوع الأوّل. ثمّ سجد، ثمّ قام فأطال القيام. وهو دون القيام الأوّل. ثمّ ركع فأطال الرّكوع، وهو دون الرّكوع الأوّل. ثمّ رفع رأسه فقام. فأطال القيام. وهو دون القيام الأوّل. ثمّ ركع فأطال الرّكوع. وهو دون الرّكوع الأوّل. ثمّ سجد ثمّ انصرف رسول الله ﷺ وقد تجلّت الشّمس. فخطب النّاس فحمد الله وأثنى عليه. ثمّ قال «إنّ الشّمس والقمر من آيات الله، وإنّهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتموهما فكبّروا، وادعوا الله وصلّوا وتصدّقوا. يا أمّة محمّد! إن من أحد أغير من الله «١» أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمّة محمّد! والله لو تعلمون ما أعلم «٢» لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا. ألا هل بلّغت؟» ) * «٣» . ١٨-* (عن عبد الله بن الشّخّير- ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وفي صدره أزيز كأزيز الرّحى من البكاء ﷺ * «٤» . ١٩-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ كان يقول في دعائه: «ربّ أعنّي ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ. ربّ اجعلني لك شكّارا، لك ذكّارا، لك رهّابا، لك مطيعا، إليك مخبتا «٥» ، إليك أوّاها «٦» منيبا. ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي «٧» وأجب دعوتي، واهد قلبي، وسدّد لساني، وثبّت حجّتى، واسلل «٨» سخيمة «٩» قلبي» ) * «١٠» . ٢٠-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ليلة فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء، قيل له: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النّبيّ ﷺ » ) * «١١» . ٢١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان النّبيّ ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره «١٢» وأحيا ليله «١٣» وأيقظ أهله) * «١٤» . ٢٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كان النّبيّ ﷺ إذا قام من اللّيل يتهجّد قال: «اللهمّ لك الحمد، أنت قيّم السّماوات والأرض

стр. 3901

ومن فيهنّ، ولك الحمد لك ملك السّموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد أنت نور السّماوات والأرض، ولك الحمد أنت ملك السّماوات والأرض، ولك الحمد أنت الحقّ ووعدك الحقّ، ولقاؤك حقّ، وقولك حقّ، والجنة حقّ، والنّار حقّ، والنّبيّون حقّ، ومحمّد ﷺ حقّ، اللهمّ لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكّلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدّم وأنت المؤخّر، لا إله إلّا أنت، أو لا إله غيرك» ) * «١» . ٢٣-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه كان إذا قام إلى الصّلاة قال «وجّهت وجهي للّذي فطر السّماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين. اللهمّ أنت الملك لا إله إلّا أنت. أنت ربّي وأنا عبدك. ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا. إنّه لا يغفر الذّنوب إلّا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق. لا يهدي لأحسنها إلّا أنت. واصرف عنّي سيّئها. لا يصرف عنّي سيّئها إلّا أنت. لبّيك وسعديك والخير كلّه في يديك. والشّر ليس إليك. أنا بك وإليك. تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك» . وإذا ركع قال: «اللهمّ لك ركعت. وبك آمنت. ولك أسلمت. خشع لك سمعي وبصري. ومخّي وعظمي وعصبي. وإذا رفع قال: «اللهمّ ربّنا لك الحمد ملء السّماوات وملء الأرض، وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد» . وإذا سجد قال «اللهمّ لك سجدت وبك آمنت. ولك أسلمت. سجد وجهي للّذي خلقه وصوّره، وشقّ سمعه وبصره. تبارك الله أحسن الخالقين» ثمّ يكون من آخر ما يقول بين التّشهّد والتّسليم: «اللهمّ اغفر لي ما قدّمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت. وما أسرفت. وما أنت أعلم به منّي. أنت المقدّم وأنت المؤخّر لا إله إلّا أنت» «٢» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (القنوت) ١-* (قال عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه-: «إنّ معاذ بن جبل- رضي الله تعالى عنه- كان أمّة قانتا لله حنيفا. فقيل: إنّ إبراهيم كان أمّة قانتا لله حنيفا. فقال: ما نسيت، هل تدري ما الأمّة وما القانت؟ فقلت: الله أعلم. فقال: الأمّة الّذي يعلّم الخير، والقانت المطيع لله وللرّسول، وكان معاذ يعلّم النّاس الخير ومطيعا لله ولرسوله» ) * «٣» . ٢-* (قال لبيد بن ربيعة- ﵁:

стр. 3902

الحمد لله الّذي استقلّت ... بأمره السّماء واطمأنّت وشدّها بالرّاسيات الثّبّت ... ربّ البلاد والعباد القنّت ) * «١» . ٣-* (قال مجاهد- ﵀ في قوله تعالى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ: قال: من القنوت: الرّكوع، والخشوع، وغضّ البصر، وخفض الجناح من رهبة الله» ) * «٢» . ٤-* (روي عن زيد بن أرقم- ﵁: «كنّا نتكلّم في الصّلاة يكلّم أحدنا صاحبه في حاجته، حتّى نزلت: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسّكوت» ) * «٣» . ٥-* (وسئل ابن عمر- ﵄ عن القنوت فقال: «ما أعرف القنوت إلّا طول القيام، ثمّ قرأ: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً» ) * «٤» . ٦-* (وقوله تعالى: كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ* قيل: خاضعون، وقيل: طائعون، وقيل: ساكتون يعني عن كلام الآدميّين، وكلّ ما ليس من الصّلاة في شيء) * «٥» . من فوائد (القنوت) (١) دليل على كمال الإيمان وسلامته من الغوائل. (٢) طريق موصّل إلى الجنّة. (٣) يورث الخشية من الله- . (٤) يثمر محبّة الله وطاعته. (٥) دليل صلاح العبد واستقامته. (٦) باب من أبواب اللّجوء إلى الله. (٧) اتّباع لطرق النّبيّين والصالحين.

стр. 3903

القوة والشّدّة أولا: القوة [القوة] لغة: اسم مأخوذ من مادّة (ق وى) الّتي تدلّ كما يقول ابن فارس على معنيين: أحدهما على شدّة وخلاف ضعف، والآخر القواء وهو الأرض الخربة «١» ، والقوّة هنا مأخوذة من المعنى الأوّل، والوصف من ذلك: القويّ خلاف الضّعيف، وأصل ذلك من القوى الّتي هي جمع قوّة من قوى الحبل، والمقوي: الّذي أصحابه وإبله أقوياء، ورجل شديد القوى أي شديد أسر الخلق «٢» ، وقال الرّاغب: القوّة تستعمل تارة في معنى القدرة نحو قوله خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ* (البقرة/ ٦٣، ٩٣) ، وتارة للتّهيّؤ الموجود في الشّيء نحو أن يقال: النّوى بالقوّة نخل، أي متهيّء ومترشّح أن يكون منه ذلك، ويستعمل ذلك في البدن تارة وفي القلب أخرى، مثال الأوّل قوله تعالى: وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً (فصلت/ ١٥) فالقوّة هنا قوّة البدن ومثال الثاني قوله- يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ (فصلت/ ١٥) فالقوّة هنا قوّة البدن ومثال الثاني قوله- يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ (مريم/ ١٢) أي بقوّة قلب، وقد تستعمل القوّة ويراد بها المعاون من خارج كما في قوله تعالى: قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً (هود/ ٨٠) قيل معناه الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣٣/ ١٣/ ٨ من أتقوّى به من الجند أو من المال، وقد تستعمل في القدرة الإلهيّة نحو قوله- عزّ من قائل-: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحديد/ ٢٥) «٣» . وقال الجوهريّ: القوّة: خلاف الضّعف، والقوّة الطّاقة من الحبل وجمعها قوى (بالضّمّ) وقوى (بالكسر) ، يقال: قوي الضّعيف قوّة فهو قويّ، وتقوّى مثله، وقوّيته أنا تقوية «٤» ، وقال ابن منظور: يقال: أقوى الحبل والوتر جعل بعض قواه أغلظ من بعض، وفي حديث ابن الدّيلميّ: «ينقض الإسلام عروة عروة كما ينقض الحبل قوّة قوّة،» وقوله- لموسى حين كتب له الألواح: فَخُذْها بِقُوَّةٍ (الأعراف/ ١٤٥) قال الزّجّاج: أي خذها بقوّة في دينك وحجّتك. وقال ابن سيده: قوّى الله ضعفك أي: أبدلك مكان الضّعف قوّة «٥» . القوة اصطلاحا: قال الجرجانيّ: القوّة: هي تمكّن الحيوان (أي الكائن الحيّ) من الأفعال الشّاقّة، فإن كان الكائن نباتا سمّيت قوّته قوّة طبيعيّة، وإن كان حيوانا سمّيت قوّته قوّة نفسانيّة وإن كان إنسانا سمّيت قوّته قوّة

стр. 3904

عقليّة، والقوى العقليّة باعتبار إدراكها للكلّيّات تسمّى القوّة النّظريّة، وباعتبار استنباطها للصّناعات الفكريّة من أدلّتها بالرّأي تسمّى القوّة العمليّة «١» وقال الرّاغب: القوّة الّتي تستعمل للتّهيّؤ في البدن أو القلب يقال بها على وجهين: الأوّل: لما هو موجود ولكنّه لا يستعمل، والآخر لمن يمكن أن يحصل منه الفعل. مثال الأوّل: فلان كاتب بالقوّة لمن يعرف الكتابة، ولكنّه لا يكتب، ومثال الثّاني: فلان كاتب لمن يمكنه تعلّم الكتابة «٢» . ثانيا: الشدة: أصل الشّدّة: شدّة العقد، وتدلّ أيضا على القوّة في الشّيء، وفي البدن، وفي قوى النّفس «٣» ، وقال ابن منظور: الشّدّة الصّلابة وهي نقيض اللّين وتكون في الجواهر والأعراض، وكلّ شيء أحكم فقد شدّ، وفي الحديث الشّريف: «من يشادّ هذا الدّين يغلبه» أي يقاويه ويقاومه، ويكلّف نفسه من العبادة فوق طاقته والشّدّة أيضا: النّجدة وثبات القلب، وكلّ شجاع شديد «٤» . الشّدّة اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات الشّدّة ضمن مصطلحاتها ويمكن في ضوء ما أورده اللّغويّون والمفسّرون أن نعرّفها بأنّها: القوّة الزّائدة في ممارسة التّعامل مع النّفس أو مع الآخرين وهي حينئذ بمعنى التّشدّد الزّائد في أداء الأعمال، وضدّها الرّفق واللّين، وتقاربها الغلظة. حكم الشدة: الشّدّة تطلب في موضعين هما: ١- عند التّعامل مع الكفّار مصداقا لقوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ. ٢- عندما تنتهك حرمات الله تعالى أو تتعدّى حدوده. والشّدّة منهيّ عنها في موضعين أيضا: الأوّل: في ممارسة العبادة، الآخر: في التّعامل مع المسلمين. [للاستزادة: انظر صفات: الرجولة- العزم والعزيمة- العفة- قوة الإرادة- كظم الغيظ- جهاد الأعداء- الثبات- النشاط- الشهامة- النبل- علو الهمة- الشجاعة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الضعف- الوهن- التخاذل- صغر الهمة- التولي- الجبن- الكسل- التهاون- التفريط والإفراط] .

стр. 3905

أولا: الآيات الواردة في «القوة» قوة الإرادة في الطاعات: ١- وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) «١» ٢- وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣) «٢» ٣- وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (١٤٥) «٣» ٤-* وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١) «٤» ٥- يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) «٥» قوة الله فوق كل شيء: ٦- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥) «٦» ٧- كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٥٢) «٧» ٨- فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) «٨» ٩- وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (٣٩) «٩» ١٠- أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) «١٠»

стр. 3906

١١- يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) «١» ١٢- وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً (٢٥) «٢» ١٣- اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) «٣» ١٤- إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) «٤» ١٥- لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥) «٥» ١٦- كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١) «٦» القوة في الحروب والأعمال والعهود: ١٧- وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٦٠) «٧» ١٨- قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) «٨» ١٩- وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) «٩» الإيمان يكسب قوة الإرادة: ٢٠- وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) «١٠» ٢١- قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) «١١» ٢٢- قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) «١٢» ٢٣- وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) «١٣»

стр. 3907

٢٤- إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) «١» أطوار الإنسان قوة وضعف: ٢٥-* اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) «٢» في الافتخار بالقوة مهلكة: ٢٦- فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) «٣» ثانيا: الآيات الواردة في «الشّدّة» ٢٧- فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا (٥) «٤» ٢٨- اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) «٥» ٢٩- فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) «٦» ٣٠- وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) «٧» ومن الآيات الواردة في «الشّدّة» معنى ٣١- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) «٨» ٣٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) «٩» ٣٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) «١٠»

стр. 3908

الأحاديث الواردة في (القوة) ١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في أشهر الحجّ وليالي الحجّ، وحرم الحجّ، فنزلنا بسرف «١» . قالت: فخرج إلى أصحابه، فقال: «من لم يكن منكم معه هدي فأحبّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه الهدي فلا» . قالت: فالآخذ بها والتّارك لها من أصحابه. قالت: فأمّا رسول الله ﷺ ورجال من أصحابه فكانوا أهل قوّة وكان معهم الهدي فلم يقدروا على العمرة. قالت: فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي ... الحديث) * «٢» . ٢-* (عن عثمان بن أبي العاص- ﵁ أنّه قال: أتاني رسول الله ﷺ وبي وجع قد كاد يهلكني، فقال رسول الله ﷺ : «امسح بيمينك سبع مرّات وقل: أعوذ بعزّة الله وقوّته من شرّ ما أجد» . قال: ففعلت. فأذهب الله ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم» ) * «٣» . ٣-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «أيّ حين توتر؟» . قال: أوّل اللّيل، بعد العتمة. قال: «فأنت يا عمر؟» . فقال: آخر اللّيل. فقال النّبيّ ﷺ : «أمّا أنت يا أبا بكر، فأخذت بالوثقى. وأمّا أنت يا عمر، فأخذت بالقوّة» ) * «٤» . ٤-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قلّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتّى يدعو، بهؤلاء الدّعوات لأصحابه «اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدّنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا» ) * «٥» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل. فإنّ لو تفتح عمل الشّيطان» ) * «٦» . ٦-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، وهو على المنبر يقول: «وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة. ألا إنّ القوّة الرّمي. ألا إنّ القوّة الرّمي. ألا إنّ القوّة الرّمي» ) * «٧» . ٧-* (عن حمزة بن عمرو الأسلميّ- ﵁ أنّه قال: يا رسول الله، أجد بي قوّة على الصّيام في السّفر، فهل عليّ جناح؟ فقال رسول الله

стр. 3909

صلّى الله عليه وسلّم: «هي رخصة من الله. فمن أخذ بها فحسن. ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه» ) * «١» . ٨-* (عن أنس- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «يعطى المؤمن في الجنّة قوّة كذا وكذا من الجماع» . قيل: يا رسول الله، أو يطيق ذلك؟ قال: «يعطى قوّة مائة» ) * «٢» . ومن الأحاديث الواردة في (الشدة) ٩-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الله، ألم أخبر أنّك تصوم النّهار وتقوم اللّيل؟» فقلت: بلى يا رسول الله. قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإنّ لجسدك عليك حقّا، وإنّ لعينيك عليك حقّا، وإنّ لزوجك عليك حقّا، وإنّ لزورك «٣» . عليك حقّا، وإنّ بحسبك أن تصوم في كلّ شهر ثلاثة أيّام، فإنّ لك بكلّ حسنة عشرة أمثالها، فإذن ذلك صيام الدّهر كلّه» ، (قال عبد الله:) فشدّدت فشدّد عليّ، قلت: يا رسول الله إنّي أجد قوّة، قال: «فصم صيام نبيّ الله داود ﵇ ولا تزد عليه» ، قلت: وما كان صيام داود ﵇؟ قال: «نصف الدّهر» ، فكان عبد الله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النّبيّ ﷺ * «٤» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الدّين يسر، ولن يشادّ الدّين أحد إلّا غلبه، فسدّدوا «٥» ، وقاربوا «٦» ، وأبشروا «٧» ، واستعينوا بالغدوة والرّوحة، وشيء من الدّلجة «٨» » ) * «٩» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس الشّديد بالصّرعة «١٠» ، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب» ) * «١١» . ١٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: «دخل النّبيّ ﷺ فإذا حبل ممدود بين السّاريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا هذا حبل لزينب، فإذا فترت «١٢» تعلّقت «١٣» ، فقال النّبيّ ﷺ : «لا، حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» ) * «١٤» . ١٣-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: من هذه؟ قلت: فلانة، لا تنام اللّيل- تذكر من صلاتها- فقال ﷺ : «مه «١٥» عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإنّ الله- لا يملّ حتّى تملّوا» ) * «١٦» .

стр. 3910

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (القوة والشدة) أولا: القوة: ١-* (قال مجاهد في قوله تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ (البقرة/ ٦٣) : بقوّة أي بعمل ما فيه) * «١» . ٢-* (وقال قتادة في الآية الكريمة نفسها: القوّة: قوّة الجدّ) * ٢. ٣-* (وقال أبو العالية والرّبيع بن أنس في هذه الآية: بقوّة أي بطاعة) * ٣. ٤- وقال ابن كثير في قوله تعالى: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ (مريم/ ١٢) : أي بجدّ وحرص واجتهاد) * «٤» . ثانيا: الشّدّة: ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ (الفتح/ ٢٩) ، قال: كان أهل الحديبية أشدّاء على الكفّار أي غلاظ عليهم كالأسد على فريسته) * «٥» . ٦-* (وقال ابن كثير في الآية السّابقة: هذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدا عنيفا على الكفّار، رحيما برّا بالأخيار عبوسا غضوبا في وجه الكافر، ضحوكا بشوشا في وجه أخيه المؤمن» ) * «٦» . ٧-* (وقال القرطبيّ في الآية الكريمة نفسها؛ وقيل المراد بالّذين آمنوا جميع المؤمنين، وكون الصّفات المذكورة (من الشّدّة والرّحمة في جملة أصحاب النّبيّ ﷺ أشبه أي أقرب إلى الصّواب) * «٧» . ٨-* (قال الإمام ابن حجر- ﵀ تعليقا على الباب الّذي عقده البخاريّ لما يجوز من الغضب والشّدّة لأمر الله تعالى: يشير بذلك إلى أنّ ما ورد من صبره من الأذى إنّما هو فيما كان من حقّ نفسه، وأمّا إذا كان لله تعالى فإنّه يمتثل فيه أمر الله من الشّدّة» ) * «٨» . من فوائد (القوة والشدة) (١) تثمر محبّة الله ورضاه. (٢) مظهر من مظاهر الرّجولة الحقّة. (٣) صمام أمن للمجتمع من الأخطار والأعداء. (٤) صيانة للعرض والنّفس والمال. (٥) الإعداد لها دليل وعي الأمّة ويقظتها. (٦) الشّدّة في التّعامل مع الكفّار خير رادع لهم. (٧) الشّدّة في التّعامل مع المنتهكين لحدود الله منها ردع لأمثالهم وتحقيق للسّلام والأمن بالمجتمع. (٨) النّهي عن التّشدّد في العبادة فيه رحمة بالنّفس ورفق بها وهي دليل على سماحة الإسلام وسموّه.

стр. 3911

قوة الإرادة القوة لغة واصطلاحا: (انظر: صفة القوة) . أمّا الإرادة: فأصل الكلمة: رود (بفتحتين) بمعنى المشيئة والطّلب والاختيار. والرّود: المهلة في الشيء. وقالوا: رويدا أي مهلا. والإرادة في الأصل: قوّة مركّبة من شهوة وحاجة وأمل، وجعل اسما لنزوع النّفس إلى الشّيء مع الحكم فيه بأنّه يفعل أو لا يفعل، وقد يستعمل مرّة في المبدإ، وهو نزوع النّفس إلى الشّيء، وتارة في المنتهى، وهو الحكم فيه بأنّه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل. وقد تكون بحسب القوّة التّسخيريّة والحسّيّة، وقد تكون بمعنى القوّة الاختياريّة، والإرادة قد تكون محبّة وغير محبّة «١» . الإرادة اصطلاحا: قال الجرجانيّ: الإرادة: صفة توجب للحيّ حالا يقع منه الفعل على وجه دون وجه، ولا تتعلّق إلا بمعدوم فإنّها صفة تخصّص أمرا بحصوله ووجوده. وقيل: الإرادة: ميل يعقب اعتقاد النّفع «٢» . قوة الإرادة اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات تعريفا محدّدا لهذا التّركيب الإضافيّ (قوّة الإرادة) ، بيد أنّه يمكن من خلال تعريف كلّ من عنصري التّركيب (القوّة الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ ٣/ ٦ والإرادة) أن نستنبط تعريفا يجمع طرفيه فنقول: تهيّؤ القلب والعقل بشدّة وعزم لإحداث الفعل أو عدم إحداثه. مستويات الإرادة: يقول الميدانيّ: للإرادة مستويات ثلاثة «٣» : ١- مستوى أدنى، وهو الّذي يراد من لفظ الإرادة عند الإطلاق. ٢- مستوى أوسط، وقد استعمل في الدّلالة عليه (أيضا) لفظ العقل. ٣- مستوى أعلى، ويمثّل الإرادة القويّة الحازمة الجازمة الّتي تواجه العقبات بالثّبات والصّمود، وهذا من شأنه أن ينهض بالإنسان إلى معالي الأمور ويوصّله إلى مراتب الصّابرين المحسنين الّمجاهدين وأن يجعله في تنفيذ ما يريد من أهل العزم «٤» . ولقوّة الإرادة أو العزم درجات أيضا إذ يتفاوت اولو العزم فيما بينهم، وقد يصل ذلك في درجاته العليا إلى تنفيذ المراد حتّى ولو اقترن به أشدّ الصّعوبات وأعظم الآلام «٥» . إنّ قوّة الإرادة تحتلّ المرتبة العليا في سلّم مستويات توجّه النّفس إلى الإعمال الإراديّة ويسبقها درجات خمس هي:

стр. 3912

١- توجّه النّفس نحو الشّيء المراد. ٢- الرّغبة في حصول هذا الشّيء. ٣- الهمّ بالتّنفيذ. ٤- الإرادة الجازمة. ٥- تعقّل الشّيء المراد. ٦- العزم أو الإرادة القويّة «١» . الإرادة القوية أو الإلزام الخلقيّ: تشكّل الإرادة القويّة عنصرا مهمّا من عناصر الإلزام الخلقيّ، ذلك أنّها تعبّر عن بواعث نفسيّة هي الحبّ أو البغض، وعلى أساس هذين الأمرين تكون خلقيّة السّلوك قولا كان أو فعلا، وتمتدّ جذور هذه الإرادة في أعماق النّفس، ومن هنا يكون «فعل المأمور به صادرا عن هذه القوّة الإراديّة» ، ولا يقف الأمر بالإرادة عند هذا الّذي تتّسم فيه بالعمق والقوّة والثّبات في مجالي الفعل والتّرك، وإنّما تتقدّم خطوة أخرى لتعبّر عن مزيد من العمق والصّلابة حينما تتّخذ لها مجالا يتمثّل في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وبذا يصبح الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر صادرا عن المحبّة والإرادة. وهذا يؤكّد حتميّة الصّدق النّفسيّ والقناعة التّامّة في مجال الإرادة حتّى تتأكّد خلقيّة الفعل «٢» . قوة الإرادة والتصدي لكيد الشيطان: لقد توعّد الشّيطان بني آدم بالإغواء وبأن يترصّدهم عن الإيمان والطّاعة، وقد أقسم بعزّة الله تعالى أن يغويهم جميعا إلّا المخلصين، وذلك قول الله تعالى: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (ص/ ٨٢- ٨٣) . وقد ردّ عليه المولى- فقال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (الحجر/ ٤٢) . ولكي يحقّق الشّيطان هذه الغاية وضع خطّة محكمة للإغواء كشفت عنها الآيات الكريمة قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (الأعراف/ ١٦- ١٧) . نحن إذن في صراع مع عدوّ لدود له أعوان من الإنس والجنّ، وإذا كانت له خطّة محكمة للإيقاع بنا فعلينا أن نعدّ له العدّة كي نكون من المخلصين الّذين ينتصرون عليه بقوّة إيمانهم، وأوّل خطوات هذه الخطّة أن نتسلّح بإرادة قويّة وعزم إيمانيّ لا يلين، ويصحب ذلك التزام صارم بأوامر الله- والابتعاد عن نواهيه حتّى نستحقّ أن نكون من عباد الله المخلصين، وأعمّ عناصر هذه العبوديّة بعد الإيمان، التّقوى واليقين ونهي النّفس عن الهوى، أمّا الغاية أو الهدف النّهائيّ من هذا الصّراع الأبديّ فهو الجنّة وما فيها من رضوان الله تعالى. كيف نقوّي إرادتنا ؟ يستطيع ضعيف الإرادة أن يقوّيها بوسائل عديدة أهمّها: ١- تقوية عناصر الإيمان بالله، وبصفاته العظيمة، وبقضائه وقدره، وبحكمته العالية، وتقوية ما يقتضيه الإيمان من الثّقة بالله، وصدق التّوكّل عليه، وحسن الظّنّ به، فتقوية هذه العناصر تعتبر من الوسائل الجذريّة لاكتساب فضيلة قوّة الإرادة، فضعف الإرادة من عدم الثّقة بالنّفس. والثّقة بالله مع صدق التّوكّل عليه وحسن الظّنّ به تمنح الإنسان ثقة بسداد ما بيّنه أمرا متوكّلا فيه على ربّه، وأملا بمعونة الله

стр. 3913

في تحقيق النّتائج الّتي يرجوها، فتقوى بذلك إرادته. ٢- التّدريب العمليّ على مقاومة أهواء النّفس ومخالفة شهواتها، كلّما ألحّت عليه بمطالبها. ٣- ممارسة أنواع العبادات الإسلاميّة تعتبر من الوسائل لتقوية الإرادة الإنسانيّة. فتأدية عبادة الصّلاة بالتزام وانتظام وسيلة تقوّي الإرادة الإنسانيّة على مخالفة كثير من أهواء النّفس. وتأدية عبادة الصّوم بالتزام تامّ وسيلة أخرى تقوّي الإرادة الإنسانيّة ضدّ طائفة من أهواء النّفس. وهكذا سائر العبادات. ٤- والتزام طاعة الله في كلّ ما أمر به ونهى عنه من الوسائل النّاجعة في تقوية الإرادة «١» . ٥- يستطيع المؤمن أن يقوّي إرادته بوسائل الذّكر والوجل والاستعانة والاستخارة وتلاوة القرآن والتّوكّل على الله- إذ يجعله ذلك في معيّة مولاه ويزيده أمانا ويقينا ويصير بذلك من المؤمنين حقّا. قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (الأنفال/ ٢- ٤) . ٦- وممّا يقوّي إرادة المؤمن في عمل الخير أن يضع دائما ابتغاء مرضاة الله- له هدفا وأن يعلم أنّ جائزته العظمى هي الجنّة وما أعدّ الله فيها للمتّقين، وأن يتذكّر دائما قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (النازعات/ ٤٠- ٤١) . ٧- وممّا يزيد قوّة الإرادة فيما يتعلّق بالابتعاد عن المعاصي ويردع عن التّهاون والتّكاسل في الطّاعات، يقين المؤمن بأنّ جزاء ذلك العصيان هو جهنّم وساءت مصيرا، وقد سجّل القرآن على لسان الرّسول- ولنا فيه الأسوة الحسنة-: قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (الأنعام/ ١٥) «٢» . مظاهر قوة الإرادة: لقوّة الإرادة مظاهر عديدة من أهمّها: ١- نهي النّفس عن الهوى والقدرة على السّيطرة على النّفس الأمّارة بالسّوء وكبح جماح النّفس الغضبيّة والشّهويّة. ٢- الجدّ في الأمور والأخذ فيها بالحزم والنّظام في الأعمال والبعد عن الفوضى. ٣- المبادرة بفعل الخير قبل وجود الموانع وينجم عن ذلك المسارعة إلى الخيرات. ٤- من ظواهر قوّة الإرادة التّفاؤل بالخير وصرف النّفس عن التّشاؤم. ٥- تلقّي الأحداث بالصّبر وعدم الحزن على ما فات وعدم التّطلّع إلى ما هو بعيد المنال مستحيل التّنفيذ. ٦- امتلاك النّفس عند الغضب «٣» وكبح جماحها عند اشتدادها في معاملة الغير «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: العزم والعزيمة- علو الهمة. القوة- كظم الغيظ- الرجولة- المروءة- الشهامة- مجاهدة النفس- الصبر والمصابرة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التخاذل- التهاون صغر الهمة- الطيش- الكسل- اليأس] .

стр. 3914

الأحاديث الواردة في (قوة الإرادة) ١-* (عن زيد بن ثابت- ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلّم له كتاب يهود قال: «إنّي والله ما آمن يهود على كتاب» ، قال: فما مرّ بي نصف شهر حتّى تعلّمته له. قال: فلمّا تعلّمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم) * «١» . ٢-* (عن خبّاب بن الأرتّ- ﵁ قال: كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لن أقضيك حتّى تكفر بمحمّد. قال: فقلت له: إنّي لن أكفر بمحمّد حتّى تموت ثمّ تبعث. قال: وإنّي لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال: فنزلت هذه الآية أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً إلى قوله: وَيَأْتِينا فَرْداً (مريم/ ٧٧- ٨٠)) * «٢» . ٣-* (عن سلمة بن الأكوع- ﵁ قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة ... الحديث، وفيه: ثمّ إنّ المشركين راسلونا الصّلح. حتّى مشى بعضنا فى بعض «٣» . واصطلحنا. قال: وكنت تبيعا «٤» لطلحة بن عبيد الله. أسقي فرسه، وأحسّه «٥» وأخدمه. وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي، مهاجرا إلى الله ورسوله ﷺ . قال: فلمّا اصطلحنا نحن وأهل مكّة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها «٦» فاضطجعت فى أصلها. قال: فأتانى أربعة من المشركين من أهل مكّة. فجعلوا يقعون فى رسول الله ﷺ . فأبغضتهم. فتحوّلت إلى شجرة أخرى. وعلّقوا سلاحهم. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين! قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي «٧» ثمّ شددت على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثا «٨» في يدي. قال: ثمّ قلت: والّذي كرّم وجه محمّد، لا يرفع أحد منكم رأسه إلّا ضربت الّذي فيه عيناه «٩» . قال: ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ . قال: وجاء عمّى عامر برجل من العبلات «١٠» يقال له مكرز. يقوده إلى رسول الله ﷺ . على فرس مجفّف «١١» في سبعين من المشركين. فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: «دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه «١٢» » . فعفا عنهم رسول الله ﷺ . وأنزل الله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (الفتح/ ٢٤) الآية كلّها. قال: ثمّ خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا. بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون. فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل اللّيلة. كأنّه طليعة للنّبيّ ﷺ وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك اللّيلة مرّتين أو ثلاثا. ثمّ قدمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ

стр. 3915

بظهره «١» مع رباح غلام رسول الله ﷺ وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة أندّيه «٢» مع الظّهر. فلمّا أصبحنا إذا عبد الرّحمن الفزاريّ قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. قال: فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله ﷺ أنّ المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثمّ قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثا: يا صباحاه! ثمّ خرجت في آثار القوم أرميهم بالنّبل. وأرتجز أقول: أنا ابن الأكوع واليوم يوم الرّضّع فألحق رجلا منهم. فأصكّ سهما في رحله «٣» . حتّى خلص نصل السّهم إلى كتفه. قال: قلت: خذها: وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرّضّع قال: فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم «٤» . فإذا رجع إليّ فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها. ثمّ رميته، فعقرت به. حتّى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه «٥» ، علوت الجبل. فجعلت أردّيهم بالحجارة. قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتّى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ إلّا خلّفته وراء ظهري. وخلّوا بيني وبينه. ثمّ اتّبعتهم أرميهم. حتّى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا. يستخفّون. ولا يطرحون شيئا إلّا جعلت عليه آراما «٦» من الحجارة. يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه. حتّى أتوا متضايقا «٧» من ثنيّة فإذا هم قد أتاهم فلان بن بدر الفزاريّ. فجلسوا يتضحّون (يعنى يتغدّون) . وجلست على رأس قرن «٨» . قال الفزارىّ: ما هذا الّذى أرى؟ قالوا: لقينا من هذا البرح «٩» . والله ما فارقنا منذ غلس. يرمينا حتّى انتزع كلّ شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال: فصعد إليّ منهم أربعة في الجبل. قال: فلمّا أمكنوني من الكلام، قال: قلت: هل تعرفونى؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال: قلت: أنا سلمة بن الأكوع، والّذى كرّم وجه محمّد ﷺ لا أطلب رجلا منكم إلّا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظنّ. قال: فرجعوا، فما برحت مكاني حتّى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخلّلون الشّجر. قال: فإذا أوّلهم الأخرم الأسديّ. على إثره أبو قتادة الأنصاريّ. وعلى إثره المقداد بن الأسود الكنديّ. قال: فأخذت بعنان الأخرم. قال: فولّوا مدبرين. قلت: يا أخرم! احذرهم. لا يقتطعوك حتّى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ، فلا تحل بيني وبين الشّهادة. قال: فخلّيته. فالتقى هو وعبد الرّحمن. قال: فعقر بعبد الرّحمن فرسه. وطعنه عبد الرّحمن فقتله. وتحوّل على فرسه، ولحق أبو قتادة- فارس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- بعبد الرّحمن. فطعنه فقتله. فو الّذي كرّم وجه محمّد ﷺ لتبعتهم أعدو على رجليّ.

стр. 3916

حتّى ما أرى ورائي، من أصحاب محمّد ﷺ ولا غبارهم، شيئا. حتّى يعدلوا قبل غروب الشّمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد «١» . ليشربوا منه وهم عطاش قال: فنظروا إليّ أعدو وراءهم. فحلّيتهم عنه «٢» (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدّون في ثنيّة. قال: فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكّه بسهم فى نغض «٣» كتفه. قال: قلت خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع قال: يا ثكلته أمّه، أكوعه بكرة «٤» ؟. قال: قلت: نعم. يا عدوّ نفسه! أكوعك بكرة. قال: وأردوا فرسين على ثنيّة. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ . قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن وسطيحة فيها ماء. فتوضّأت وشربت. ثمّ أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الّذي حلّأتهم عنه «٥» . فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل وكلّ شيء استنقذته من المشركين وكلّ رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الّذي استنقذت من القوم. وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال: قلت: يا رسول الله! خلّني فأنتخب من القوم مائة رجل. فأتبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلّا قتلته. قال: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه فى ضوء النّار. فقال: «يا سلمة، أتراك كنت فاعلا؟» . قلت: نعم. والّذى أكرمك، فقال: «إنّهم الآن ليقرون «٦» في أرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورا. فلمّا كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين. فلمّا أصبحنا، قال رسول الله ﷺ : «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجّالتنا سلمة» . قال: ثمّ أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الرّاجل. فجمعهما لي جميعا. ثمّ أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء «٧» . راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدّا. قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلمّا سمعت كلامه، قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا. إلّا أن يكون رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله، بأبي وأمّي، ذرني فلأ سابق الرّجل، قال: «إن شئت» ، قال: قلت: اذهب إليك. وثنيت رجليّ فطفرت «٨» فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي «٩» ثمّ عدوت في إثره. فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثمّ إنّي رفعت حتّى ألحقه «١٠» . قال: فأصكّه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبق والله! قال: أنا أظنّ «١١» . قال: فسبقته إلى المدينة ... الحديث) * «١٢» .

стр. 3917

من الآثار الواردة في (قوة الإرادة) ١-* (قال حبيب الطائيّ: أعاذلتي ما أخشن اللّيل مركبا ... وأخشن منه في الملمّات راكبه ذريني وأهوال الزّمان أقاسها ... فأهواله العظمى تليها رغائبه «١» ٢- قال كعب بن زهير: وليس لمن لم يركب الهول بغية ... وليس لرحل حطّه الله حامل إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل ) * «٢» . ٣-* (قال عليّ بن عبد العزيز القاضي رحمه الله تعالى: يقولون لي فيك انقباض وإنّما ... رأوا رجلا عن موقف الذّلّ أحجما ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما وما كلّ برق لاح لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت أرضاه منعما ) * «٣» . ٤-* (قال الشّاعر: إذا همّ ألقى بين عينيه عزمه ... ونكّب عن ذكر العواقب جانبا ولم يستشر في أمره غير نفسه ... ولم يرض إلّا قائم السّيف صاحبا ) * «٤» . ٥-* (نظر معاوية إلى عسكر عليّ- ﵁ يوم صفّين، فقال: من طلب عظيما خاطر بعظيمته، وأشار إلى رأسه) * «٥» . ٦-* (من لم يركب الأهوال لم ينل الرّغائب، ومن ترك الأمر الّذي لعلّه أن ينال منه حاجته مخافة ما لعلّه يوقّاه فليس ببالغ جسيما، وإنّ الرّجل ذا المروءة ليكون خامل الذّكر خافض المنزلة، فتأبى مرؤته إلّا أن يستعلي ويرتفع، كالشّعلة من النّار الّتى يصونها صاحبها وتأبى إلّا ارتفاعا) * «٦» من فوائد (قوة الإرادة) ١- تيسّر الصّعاب وبها تتخطّى المشاقّ. ٢- دليل على قوّة النّفس وصدق العزيمة. ٣- تعين على أشرف العبادات وأشقّ الطّاعات. ٤- قوّة الإرادة تصنع العظائم. ٥- تثمر صلابة الدّين وسعادة الدّنيا والآخرة. ٦- قوّة الإرادة تساعد على النّجاح في سائر الأعمال. ٧- قويّ الإرادة يحسن استخدام طاقاته. ٨- قوّة الإرادة تبعد صاحبها عن الفوضى وتؤدّي إلى سرعة إنجاز الأعمال. ٩- في الأخذ بقوّة الإرادة تأسّ بالنّبيّ ﷺ إذ كانت حياته ﷺ مع أصحابه حياة جدّ وحزم ونظام. ١٠- تؤدّي الإرادة القويّة إلى المسارعة في الخيرات. ١١- تؤدّى قوّة الإرادة بصاحبها إلى القناعة وعدم الأسى على ما يفوته. ١٢- قويّ الإرادة يستطيع أن يكبح غضبه ويسيطر عليه. ١٣- تؤدّي قوّة الإرادة بصاحبها إلى التّحمّل والصّبر والمثابرة وجعله معدودا من أولى العزم. ١٤- يستطيع الإنسان بقوّة إرادته أن يعمر الكون فيصبح بذلك أهلا للاستخلاف في الأرض، شريطة أن يستخدم هذه القوّة الإراديّة في طاعة الله- ولا تنحو به في اتّجاه الفساد أو سفك الدّماء.

стр. 3918

[حرف الكاف] كتمان السر الكتمان لغة: مصدر قولهم: كتم يكتم، كتما وكتمانا، وهو مأخوذ من مادّة (ك ت م) الّتي تدلّ على الإخفاء، ومن ذلك قولك: كتمت الحديث كتما وكتمانا، ويقال: ناقة كتوم: لا ترغو إذا ركبت، قوّة وصبرا، وسحاب مكيتم: لا رعد فيه، وخرز كتيم: لا ينضح الماء، وقوس كتوم لا ترنّ «١» ، وقال الرّاغب: الكتمان: ستر الحديث، وكتمان الفضل هو كفران النّعمة، وقول الله تعالى: وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (النساء/ ٤٢) ، قال ابن عبّاس- ﵄ إنّ المشركين إذا رأوا أهل القيامة لا يدخل الجنّة إلّا من لم يكن مشركا، قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (الأنعام/ ٢٣) فتشهد عليهم جوارحهم، فحينئذ يودّون أن لم يكتموا الله حديثا. وقال الحسن: في الآخرة مواقف، في بعضها يكتمون وفي بعضها لا يكتمون، وعن بعضهم: لا يكتمون الله حديثا: هو أن تنطق جوارحهم «٢» . وقولهم: سرّ كاتم، أي مكتوم. ومكتّم (بالتّشديد) الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١١/ ٨/ ١٠ بولغ في كتمانه، واكتتمته مثل كتمته، أمّا استكتمته سرّي فمعناه: سألته أن يكتمه، وكاتمني سرّه: كتمه عنّي، ورجل كتمة: إذا كان يكتم سرّه «٣» ، ورجل كاتم للسّرّ وكتوم، والكتيم والكتوم القوس، وفي الحديث: أنّه كان اسم قوس سيّدنا رسول الله ﷺ الكتوم» سمّيت به لانخفاض صوتها إذا رمي عنها، يقال: كتمت (القوس) كتوما، وكتمت المزادة تكتم كتوما (أيضا) إذا ذهب سيلان الماء من مخارزها أوّل ما تسرّب «٤» ، وقال الفيروز اباديّ: يقال: كتم الشّيء كتما وكتمانا، وكتّمه تكتيما، واكتتمه: أخفاه، قال زهير: فلا تكتمنّ الله ما في نفوسكم ... ليخفى، ومهما يكتم الله يعلم يؤخّر فيوضع في كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم وكتمان الحقّ في قوله تعالى: وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (آل عمران/ ٧١) إنّما هو لليهود الّذين كانوا يعرفون نعوت النّبيّ ﷺ وصفاته الواردة في التّوراة ويخفونها «٥» .

стр. 3919

الكتمان اصطلاحا: قال المناويّ: الكتمان: هو ستر الحديث «١» . وقال الكفويّ: الكتمان: الصّبر في إمساك الضّمير «٢» . السّرّ لغة: السّرّ في اللّغة: اسم لما يسرّ به الإنسان أي يكتمه، وهو مأخوذ من مادّة (س ر ر) الّتي تدلّ على إخفاء الشّيء «٣» ، ومن ذلك السّرّ: خلاف الإعلان. يقال: أسررت الشّيء إسرارا: خلاف أعلنته. ومن الباب: السّرّ وهو النّكاح، وسمّي بذلك لأنّه أمر لا يعلن به، ويقال: السّرسور: العالم الفطن، وأصله من السّرّ، كأنّه اطّلع على أسرار الأمور «٤» . وقال الرّاغب: الإسرار خلاف الإعلان. قال تعالى: يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (البقرة/ ٧٧) . ويقال: سارّه إذا أوصاه بأن يسرّه، وأسررت إلى فلان حديثا: أفضيت إليه في خفية، وقول الله تعالى: تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ (الممتحنة/ ١) أي يطلعونهم على ما يسرّون من مودّتهم، وقد فسّر بأنّ معناه: يظهرون، وهذا صحيح لأنّ الإسرار إلى الغير يقتضي إظهار ذلك لمن يفضى إليه بالسّرّ، وإن كان يقتضي إخفاءه عن غيره، فإذا قولهم: أسررت إليه يقتضي من وجه الإظهار، ومن وجه الإخفاء، وعلى هذا قوله تعالى: وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً (نوح/ ٩) «٥» . السّرّ اصطلاحا: قال الرّاغب: السّرّ: هو الحديث المكتّم في النّفس «٦» . كتمان السّرّ اصطلاحا: قال الجاحظ: ومنها «٧» كتمان السّرّ وهذا الخلق مركّب من الوقار وأداء الأمانة، فإنّ إخراج السّرّ من فضول الكلام وليس بوقور من تكلّم بالفضول. وأيضا فكما أنّه من استودع مالا فأخرجه إلى غير مودعه فقد خفر الأمانة، كذلك من استودع سرّا فأخرجه إلى غير صاحبه فقد خفر الأمانة، وكتمان السّرّ محمود من جميع النّاس وخاصّة ممّن يصحب السّلطان فإنّ إخراجه أسراره مع أنّه قبيح في نفسه يؤدّي إلى ضرر عظيم يدخل عليه من سلطانه «٨» . السّرّ نوعان: قال الرّاغب: السّرّ ضربان: أحدهما ما يلقي الإنسان من حديث يستكتم، وذلك إمّا لفظا كقولك لغيرك: اكتم ما أقول لك، وإمّا حالا وهو أن يتحرّى القائل حال انفراده فيما يورده، أو يخفض صوته أو يخفيه عن مجالسيه. ولهذا قيل: إذا حدّثك الإنسان

стр. 3920

بحديث فالتفت فهو أمانة «١» . والثّاني: أن يكون حديثا في نفسك بما تستقبح إشاعته أو شيئا تريد فعله. وإلى الأوّل من ذلك أشار النّبيّ ﷺ بقوله: «من أتى منكم من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله» وإلى الثّاني أشار من قال: «من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه» . وكتمان النّوع الأوّل من الوفاء ويختصّ بعامّة النّاس، والثّاني من الحزم والاحتياط وهو مختصّ بالملوك وأصحاب السّياسات. وإذاعة السّرّ من قلّة الصّبر وضيق الصّدر، وتوصف به ضعفة الرّجال والصّبيان والنّساء، والسّبب في أنّه يصعب كتمان السّرّ هو أنّ للإنسان قوّتين: آخذة، ومعطية. وكلتاهما تتشوّف إلى الفعل المختصّ بها، ولولا أنّ الله تعالى وكّل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوّده، فصارت هذه القوّة تتشوّف إلى فعلها الخاصّ بها. فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلى حيث ما يجب إطلاقها، ولا يخدعنّك عن سرّك قول من قال: وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق. وقول من ينشدك: ويكاتم الأسرار حتّى كأنّه ... ليصونها عن أن تمرّ بباله فذلك قول من يستنزلك عمّا في قلبك، فإذا استفرغ ما عندك لم يرع فيه حقّك، فقد قيل: الصّبر على القبض على الجمر أيسر من الصّبر على كتمان السّرّ. وما أصدق من أنبأ عن حقيقة حاله حيث قال له صديقه: أريد أن أفشي إليك سرّا تحفظه عليّ فقال: لا أريد أن أوذي قلبي بنجواك، وأجعل صدري خزانة شكواك، فيقلقني ما أقلقك، ويؤرّقني ما أرّقك فتبيت بإفشائه مستريحا ويبيت قلبي بحرّه جريحا. وقد قيل: أكثر ما يستنزل الإنسان عن سرّه في ثلاثة مواضع: عند الاضطجاع على فراشه، وعند خلوّه بعرسه، وفي حال سكره، ومن حقّ من يسارر غيره أن يتجنّب المحافل لأمرين: أحدهما: الحذر من أن يساء به الظّنّ: فهذا يقول قد اغتابني ... وذا يستريب، وذا يتّهم والثّاني: أنّه ربّما يتتبّع بالفحص فيطّلع على مراده. ولذلك قال النّبيّ ﷺ «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثّالث؛ فإنّ ذلك يحزنه» «٢» . والكتمان نوعان أيضا: الأوّل: الكتمان المحمود، وهو ضرب من الأمانة ونوع من الوفاء، وعلامة على الوقار، وهو كتمان سرّ الغير أو النّفس وهو مناط هذه الصّفة ومعقدها. الآخر: الكتمان المذموم وهو على ضربين أيضا: أ- كتمان الشّهادة: وقد ذمّه المولى في قوله وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (البقرة/ ٢٨٣) . وقال أيضا وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ (البقرة/ ١٤٠) . ب- كتمان ما أنزل الله: وقد أخذ المولى عزّ

стр. 3921

وجلّ العهد على الأنبياء والمرسلين بألّا يكتموا ممّا أوحي عليهم شيئا، وتوعّد من يفعل ذلك بذلّ الدّنيا وعذاب الآخرة فقال عزّ من قائل إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (البقرة/ ١٧٤) . وقد لعنهم المولى في آية أخرى فقال إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة/ ١٥٩) . قال العزّ بن عبد السّلام: وكتمان ذلك وسيلة إلى تضييع أحكام الله، وما يتعلّق بها من طاعة «١» . كتمان السّرّ في القرآن الكريم: ورد في الذّكر الحكيم كلّ من لفظي «السّرّ» و «الكتمان» على حدته، ولكنّهما لم يردا معا بهذه الصّيغة «كتمان السّرّ» بيد أنّ المعنى المقصود بكتمان السّرّ قد ورد في آيات عديدة لاندراج هذه الصّفة في كلّ من الأمانة والوفاء من جهة، والوقار من جهة أخرى، وذلك أنّ نقيض هذه الصّفة وهو إفشاء السّرّ (انظرها في الصّفات المنهيّ عنها) من قبيل اللّغو الّذي أمرنا بالإعراض عنه، ومن ثمّ يكون الكتمان وقارا والإفشاء لغوا، ومن الوضوح بمكان أنّ الّذي يؤتمن على سرّ فيحافظ عليه يكون مؤدّيا للأمانة، وقد جاء في الحديث عن النّبيّ ﷺ «إذا حدّث الرّجل بالحديث ثمّ التفت فهي أمانة» (انظر الحديث رقم ٢) . ومن الوفاء أيضا أن يحافظ المسلم على سرّ أخيه فيكتمه وإلّا كان غادرا، ومن حقّ المسلم على المسلم أن يكتم عنه ما يكون قد وصل إليه من سرّه، خاصّة إذا كان قد تعهّد له بحفظ هذا السّرّ وعدم إذاعته. ومن هنا كان كتمان السّرّ نوعا من الوفاء بالعهد، وقد قال تعالى وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (الإسراء/ ٣٤) . [للاستزادة: انظر صفات: الأمانة- الشرف- الصمت وحفظ اللسان- المروءة- النبل. وفي ضد ذلك: انظر صفات: إفشاء السر- الخيانة- الفضح- الإساءة- الأذى] .

стр. 3922

الآيات الواردة في «كتمان السر» معنى* ١-* لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) «١» ٢-* وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) «٢» ٣- بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) «٣» ٤-* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) «٤» ٥- وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) «٥» ٦- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧) وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨) «٦» ٧-* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) «٧»

стр. 3923

٨- وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) «١» ٩- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) «٢» ١٠- وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) «٣» ١١- وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) «٤»

стр. 3924

الأحاديث الواردة في (كتمان السر) ١-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان؛ فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» ) * «١» . ٢-* (عن جابر- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «إذا حدّث الرّجل بالحديث ثمّ التفت فهي أمانة» ) «٢» . ٣-* (عن أبي بكر بن محمّد بن بكر بن حزم قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّما يتجالس المتجالسان بالأمانة ولا يحلّ لأحدهما أن يفشي علي صاحبه ما يكره» ) «٣» . ٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «المجالس بالأمانة إلّا ثلاثة: مجالس سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حقّ» ) * «٤» . ٥-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إنّ من أشرّ النّاس عند الله منزلة يوم القيامة، الرّجل يفضي إلى امرأته «٥» ، وتفضي إليه، ثمّ ينشر سرّها» ) «٦» . ٦-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه سمع عمر بن الخطّاب يحدّث حين تأيّمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السّهميّ وكان من أصحاب رسول الله ﷺ فتوفّي

стр. 3925

بالمدينة- فقال عمر بن الخطّاب. أتيت عثمان بن عفّان فعرضت عليه حفصة فقال: سأنظر في أمري. فلبثت ليالي ثمّ لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوّج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصّدّيق فقلت: إن شئت زوّجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليّ شيئا، وكنت أوجد عليه منّي على عثمان، فلبثت ليالي، ثمّ خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إيّاه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلّك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئا؟ قال عمر. قلت: نعم. قال أبو بكر: لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلّا أنّي كنت علمت أنّ رسول الله ﷺ قد ذكرها فلم أكن لأفشي سرّ رسول الله ﷺ ، ولو تركها رسول الله ﷺ قبلتها» ) * «١» . ٧-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كنّ أزواج النّبيّ ﷺ عنده، لم يغادر منهنّ واحدة فأقبلت فاطمة تمشي. ما تخطىء مشيتها من مشية رسول الله ﷺ شيئا، فلمّا رآها رحّب بها. فقال: «مرحبا بابنتي» ثمّ أجلسها عن يمينه أو عن شماله. ثمّ سارّها فبكت بكاء شديدا. فلمّا رأى جزعها سارّها الثّانية فضحكت. فقلت لها. خصّك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسّرار، ثمّ أنت تبكين، فلمّا قام رسول ﷺ سألتها: ما قال لك رسول الله ﷺ قالت: ما كنت أفشي على رسول الله ﷺ سرّه. قالت: فلمّا توفّي رسول الله ﷺ قلت: عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ لما حدّثتني ما قال لك رسول الله ﷺ . فقالت: أمّا الآن فنعم. أمّا حين سارّني في المرّة الأولى فأخبرني: «أنّ جبريل كان يعارضه القرآن في كلّ سنة مرّة أو مرّتين، وأنّه عارضه الآن مرّتين (وقال) إنّي لا أرى «٢» الأجل إلّا قد اقترب، فاتّقي الله واصبري. فإنّه نعم السّلف أنا لك» قالت: فبكيت بكائي الّذي رأيت، فلمّا رأى جزعي سارّني الثّانية فقال: يا فاطمة: أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الأمّة؟» قالت: فضحكت ضحكي الّذي رأيت» ) * «٣» . ٨-* (عن ثابت عن أنس- ﵄ قال: أتى عليّ رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان- قال: فسلّم علينا، فبعثني إلى حاجة. فأبطأت على أمّي، فلمّا جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله ﷺ لحاجة. قالت: ما حاجته؟ قلت: إنّها سرّ. قالت: لا تحدّثنّ بسرّ رسول الله ﷺ أحدا. قال أنس: والله لو حدّثت به أحدا لحدّثتك يا ثابت) * «٤» .
следующие страницы →