← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الإسلامي، وبالتالي على الأخطار التي تهدد مصالحها «١» . غير أن زعماء قريش كانوا يدركون أن قوة المسلمين قد تنامت كثيرا، وأن قوتهم الذاتية لم تعد وحدها قادرة على تحقيق الهدف المنشود، ولذلك فإنهم سعوا إلى عقد محالفات عديدة من أجل تجميع القوى الحاقدة والقادرة على تحقيق ما يأملون. وقد واتتهم الفرصة حينما اتصل بهم زعماء يهود بني النضير الموتورين من مقر إقامتهم الجديد في خيبر، داعين قريشا إلى حرب المسلمين. وقد وفد منهم إلى مكة سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب من زعماء بني النضير، فتعاقدوا مع قريش على المشاركة في قتال المسلمين، بعد أن شهدوا أنّ الشرك خير من الإسلام وقد نزلت في حقهم الآية الكريمة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا «٢» ، ثم خرجوا من مكة إلى نجد فحالفوا غطفان على حرب المسلمين، بعد أن وعدوهم بنصف تمر خيبر «٣» . أما قريش فقد نجحت في تجميع حلفائها من بني سليم وكنانة وأهل تهامة والأحابيش «٤» . تحركت قوات «الأحزاب» نحو المدينة، فنزلت قريش وأحلافها «بمجمع الأسيال» ، بين الجرف وزغابة، ونزلت غطفان ومعها بنو أسد «بذنب نقمي» إلى جانب أحد «٥» . وقد بدأ الرسول ﷺ باستشارة أصحابه فيما ينبغي عمله لمواجهة الخطر الداهم، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق شمال المدينة بين حرتي «واقم والوبرة» ، والاعتماد في الجهات الأخرى من المدينة على حصانتها وعلى ما يحيط بها من الحرّات التي يصعب اختراقها «٦» . ولم يعترض أحد على الاقتراح الذي كان يهيء حاجزا يمنع الالتحام المباشر مع قوات الأحزاب، كما يمنعها من اقتحام المدينة «٧» ، وفي الوقت نفسه يوفر للمسلمين فرصة جيّدة للدفاع، ولتكبيد الغزاة الكثير من الخسائر البشرية، وذلك بالتصدي لهم عند محاولة اقتحام الخندق، وبرشقهم بالسهام من وراء التحصينات. تولى المسلمون مهمة حفر الخندق، ورغم طوله الذي بلغ خمسة آلاف ذراع، بعرض تسعة أذرع وعمق سبعة إلى عشرة أذرع، وبرودة الجو، وقلة التموين التي تسببت في مجاعة أصابت المدينة «٨» ، فقد تم إنجاز الحفر بسرعة مذهلة، لم تتجاوز ستة أيام، وكان لمشاركة الرسول ﷺ الفعلية في مراحل العمل المختلفة أثر كبير في الروح

стр. 422

الإيمانية العالية التي سيطرت على المسلمين في موقع العمل مما مكّنهم من إنجاز متطلبات خطة الدفاع، والاستعداد قبل وصول طلائع قوات الأحزاب «١» . وكان المسلمون يرددون الأهازيج والرجز ويردد معهم النبي القائد ﷺ مشاركة لهم وتواضعا، وروى البخاري قوله ﷺ معهم: «اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لا قينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا» وكان عليه الصلاة السلام يمد صوته الكريم بآخرها «٢» ، أما المسلمون فكانوا يرتجزون: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الإسلام ما بقينا أبدا «٣» وكان النبي ﷺ يجيبهم بقوله: «اللهمّ إنّه لا خير إلّا خير الآخره، ... فبارك في الأنصار والمهاجره» «٤» . وحصلت خلال مرحلة حفر الخندق ثلاث معجزات حسّية للنبي ﷺ وهي تكثير الطعام الذي أعدّه الصحابي جابر بن عبد الله للرسول ﷺ بعد أن باركه ﷺ ، فقد أكل منه ألف صحابي حتى شبعوا مع النبي ﷺ وتركوا الكثير «٥» . ومن معجزاته إخباره لعمار بن ياسر وهو يعمل معهم بأمر غيبي يتعلّق بقتله- ﵁ «٦» . وقيامه ﷺ بتفتيت صخرة عظيمة عجز الصحابة عن كسرها، فقد ضربها ثلاث ضربات وفتتها ومع كل ضربة كان ﷺ يعلن عن تسلّمه لمفاتيح أقاليم كل من الشام، وفارس، واليمن، وهي بشارة تنبىء عن اتساع الفتوحات الإسلامية والإخبار عنها في وقت كان المسلمون فيه محصورين في المدينة، يواجهون المشاق والخوف والجوع والبرد القارص «٧» . وكان جواب المؤمنين كما حكى القرآن الكريم قولهم: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَتَسْلِيماً «٨» .

стр. 423

أما المنافقون فإنهم سخروا من هذه البشارة، وهذا الموقف منهم يتسم بالجبن والإرجاف وتخذيل المؤمنين. وقد صوّر القرآن الكريم موقف المنافقين بشكل دقيق، قال تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً «١» . وقوله تعالى: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً «٢» . وقوله تعالى: يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا «٣» . وبالرغم من كل تخذيل المنافقين وإرجافهم، وظروف المجاعة، وشدّة البرد، فقد مضى المسلمون في تنفيذ مهامهم واستعداداتهم، وإكمال خطة الدفاع عن المدينة. وحين انتهى حفر الخندق، وضع الرسول ﷺ النساء والأطفال في حصن فارع، وهو لبني حارثة، وكان أقوى حصون المسلمين «٤» . ثم رتّب ﷺ المسلمين للدفاع، فأسند ظهر الجيش إلى جبل سلع داخل المدينة، ووجوههم إلى الخندق الفاصل بينهم وبين المشركين الذين نزلوا «رومه» بين الجرف والغابة ونقمى «٥» . وكان تفوق عدد قوات المشركين كبيرا، فقد بلغ عددهم عشرة آلاف مقاتل في مقابل ثلاثة آلاف من المسلمين «٦» . وإزاء ذلك رأى النبي ﷺ أن يصالح قبيلة غطفان في مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة لتلك السنة، غير أن زعيمي الأوس والخزرج سألا النبي ﷺ : أهو وحي من السماء فالتسليم لأمر الله، أو عن رأيك وهواك؟ فرأينا تبع لرأيك وهواك. فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا، فو الله لقد رأيتنا وإياهم على سواء ما ينالون منا ثمرة إلّا شراء أو قرى» فقطع رسول الله ﷺ المفاوضة مع زعماء قبيلة غطفان «٧» . واشتد تأزم الوضع على المسلمين حين بلغهم أن حلفاءهم يهود بني قريظة قد نقضوا العهد وغدروا بهم وكانوا يسكنون العوالي في جنوب شرق المدينة مما يمكنهم من طعن المسلمين من الخلف. وقد أرسل النبي ﷺ الزبير ابن العوام للاستطلاع في أول الأمر، ثم أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فوجداهما قد نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة، إلّا بني سعفة منهم، فإنهم خرجوا إلى المسلمين من حصونهم معلنين التزامهم ووفاءهم بالعهد «٨» . وبعد

стр. 424

أن أعلن نقض اليهود للعهد، وشاع الخبر بين المسلمين خافوا على ذراريهم من اليهود «١» . ووصف القرآن الكريم حالة المسلمين بقوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً «٢» . والآية تشير إلى قوات الأحزاب وبني قريظة، كما تعكس حال المنافقين الذين ظنوا بالله الظنون، أما المؤمنون فقد أصابهم البلاء وزلزوا زلزالا شديدا غير أن الإيمان العميق والتربية النبوية، جعلتهم يصمدون أمام سائر تلك الأخطار. فبادروا إلى تسيير دوريات لحراسة المدينة تطوف فيها على الدوام وتظهر التكبير لإشعار بني قريظة بوجودهم واستعدادهم ويقظتهم «٣» . أما الأحزاب فقد فوجئوا بالخندق واحتاروا في كيفية اجتيازه، وكانوا كلما همّوا باقتحامه واجهوا سيلا من سهام المسلمين، واشتد الحصار وتواصل طيلة أربع وعشرين ليلة «٤» ، وكانت هجمات المشركين متواصلة حتى إن الرسول ﷺ والمسلمين أخّروا صلاة العصر في أحد الأيام إلى ما بعد المغرب «٥» بسبب ذلك. ورغم طول وشدة الحصار فقد كانت خسائر الطرفين محدودة فقد استشهد ثمانية من المسلمين «٦» . وقتل أربعة من المشركين «٧» . وحيث إن أهداف المشاركين في قوات الأحزاب من المشركين لم تكن واحدة، فقد نجم عن طول فترة الحصار حصول ضعف حاد في معنويات المشاركين في الحرب. وقد وردت في كتب السير والمغازي مرويات لا تثبت من الناحية الحديثية عن دور نعيم بن مسعود الغطفاني في تخذيل الأحزاب وشق صفوفهم، وإلقاء الشكوك بينهم، وخداعه لهم وهي على كل حال، لا تتنافي- إن تأكد حصولها- مع قواعد السياسة الشرعية ذلك أن الحرب خدعة «٨» . وقد ثبت أن الله تعالى قد نصر المسلمين بالريح والملائكة «٩» ، وذلك ما نص عليه الكتاب العزيز في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ

стр. 425

بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً «١» . واشتدت الرياح الباردة العاصفة العاتية، فاقتلعت خيام المشركين، وأطفأت نيرانهم، وقلبت قدورهم، ودفنت رحالهم، وكان لذلك مع طول فترة الحصار وعدم جدوى الانتظار عوامل أسهمت في انهيار معنويات الأحزاب «٢» . وحين انتدب الرسول ﷺ حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبر الأحزاب، فإنه عاد وأخبره بتفرق الناس عن أبي سفيان، وأنه لم يبق معه إلّا عصبة قليلة «٣» . وكان النبي ﷺ يديم الدعاء خلال الحصار فيقول: «اللهمّ منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب، اللهمّ اهزمهم وزلزلهم» «٤» . واستجاب الله سبحانه لدعاء نبيه فأعزّ جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، وتنفس المسلمون الصعداء: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً «٥» . لقد بذلت قريش ومن حالفها أقصى طاقاتهم من أجل القضاء على الدعوة الإسلامية واستئصال شأفة المسلمين، ولكن الله تعالى ردهم خائبين. وقد ترتّب على ذلك الفشل آثار خطيرة تمثلت في تغير ميزان القوى لصالح المسلمين، وذلك ما عبّر عنه الرسول ﷺ بقوله: «الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم» «٦» . وذلك يعكس التغير الجذري في سياسة الدولة الإسلامية من اتباع سياسة الدفاع عن المدينة، إلى مرحلة الهجوم والتهديد، وذلك يشير بوضوح إلى أن مناطق الصراع قد انتقلت في أعقاب هذه الغزوة إلى مناطق أخرى مثل مكة وما حولها، وتبوك، وغيرهما بعيدا عن المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية. غزوة بني قريظة: كان نقض بني قريظة لوثيقة العهد التي أبرموها مع الرسول ﷺ عند حصار قوات الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق وإصرارهم على خيانة الله ورسوله ﷺ والمسلمين، وتعريضهم أمن وسلامة المسلمين ودولتهم للخطر، السبب في هذه الغزوة، فقد أمر الله نبيه ﷺ بقتالهم بعد انسحاب الأحزاب وانتهاء الحصار والخطر وعودته بالمسلمين من الخندق ووضعهم السلاح «٧» . وقد وقعت الغزوة في أول ذي الحجة سنة ٥ هـ «٨» . حيث أمر النبي ﷺ أصحابه بالتوجه إلى ديار بني قريظة ومحاصرتهم، وبأن الله قد أرسل جبريل- ﵇

стр. 426

ليزلزل حصونهم ويلقي في قلوبهم الرعب «١» ، وطلب إليهم: «ألّا يصلّينّ أحد العصر إلّا في بني قريظة» «٢» . كما خرج النبي ﷺ بنفسه إلى بني قريظة واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم «٣» ، وبعث عليّا على المقدمة برايته «٤» . وكان عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف رجل معهم ستة وثلاثون فرسا «٥» . واختلفت المصادر في تحديد مدة حصار بني قريظة، وأقوى الأدلة تبين أنه كان خمسا وعشرين ليلة «٦» . أراد بنو قريظة، بعد أن اشتد عليهم الحصار، أن يستسلموا وينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروا الصحابي أبا لبابة بن عبد المنذر، وكان حليفا لهم، فأشار عليهم بأن ذلك يعني ذبحهم «٧» . ونزل يهود بني قريظة على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس أملا في أن يرأف بهم بسبب الحلف القديم بينهم وبين الأوس. وقد قضى سعد فيهم أن «تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسّم أموالهم» ، فقال النبي ﷺ : «قضيت بحكم الله» «٨» . وقد نفذ رسول الله ﷺ حكم الله فيهم، وكانوا أربعمائة مقاتل «٩» . ولم يقتل من نسائهم إلّا امرأة واحدة كانت قد قتلت أحد الصحابة حين ألقت عليه رحى من أعلى الحصن، أما الغلمان الذين لم يبلغوا الحلم فقد أطلق سراحهم «١٠» . ثم شرع النبي ﷺ بعد ذلك في تقسيم أموالهم وذراريهم بين المسلمين «١١» . وإلى ذلك يشير القرآن الكريم في قوله تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً «١٢» . الغزوات والسرايا والبعوث بعد غزوة بني قريظة حتى الحديبية: بعد ما حقق المسلمون ما حققوه من نجاح في صد الأحزاب وإفشال خططهم، وردهم كيد يهود بني قريظة في نحورهم، فباشروا نشاطا واسع النطاق ضد خصومهم على كافة الجبهات، فقد ضيّقوا الخناق الاقتصادي على قريش من جديد كما نفذوا العديد من السرايا لمعاقبة المشاركين في الأحزاب من جهة أو للثأر من

стр. 427

القبائل التي كانت قد غدرت بالدعاة أو ناصبت الإسلام العداء وقد تمثّل النشاط العسكري الإسلامي خلال هذه الفترة في ما يلي: سريّة ابن عتيك لقتل ابن أبي الحقيق: وكان سلام بن أبي الحقيق ممن ألّب الأحزاب ضد المسلمين، وكان يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه «١» . وقد رغبت الخزرج في قتله مساواة للأوس في قتلهم لابن الأشرف، وحين استأذنوا الرسول ﷺ في ذلك أذن لهم ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة «٢» . وخرج إليه خمسة من الخزرج أمّر الرسول ﷺ عليهم عبد الله بن عتيك الذي تمكّن بمفرده من دخول الحصن، ومن قتله دون أن يؤذي أحدا من ولده أو نسائه، وحينما عادوا ورآهم النبي ﷺ قال: «أفلحت الوجوه» «٣» . وقد خرجت هذه السريّة في أعقاب غزوة بني قريظة «٤» . سريّة محمد بن مسلمة إلى بني القرطاء: أرسل النبي ﷺ سريّة من ثلاثين من أصحابه عليهم محمد بن مسلمة لشن الغارة على بني القرطاء من قبيلة بكر بن كلاب، وذلك في العاشر من محرم سنة ٦ هـ «٥» ، وقد داهموهم على حين غرّة فقتلوا منهم عشرة، وفر الباقون وغنم المسلمون إبلهم وماشيتهم «٦» . وفي طريق عودتهم أسروا ثمامة بن أثال الحنفي سيد بني حنيفة وهم لا يعرفونه فقدموا به المدينة، وربطوه بسارية من سواري المسجد. وقد اطّلع عليه النبي ﷺ وكلمه، ثم أمر بإطلاق سراحه في اليوم التالي. وقد تأثر بالجو العام السائد بين المسلمين وأخلاقهم الفاضلة، ومعاملتهم الكريمة، لذلك فإنه بادر إلى إعلان إسلامه، وذكر للرسول ﷺ : «أن وجهه أصبح أحب الوجوه إليه، وأن دينه أصبح أحب الدين كله إليه، وأن بلده أصبحت أحب البلاد كلها إليه» ، واستأذن في أداء العمرة، فأذن له الرسول ﷺ بعد أن بشّره. وفي مكة عيّره أحد معارفه من قريش بأنه صبأ، فكان جوابه: «لا ولكني أسلمت، وأقسم ألا يأتيهم من اليمامة حبة واحدة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ » «٧» . وورد في الصحيحين «٨» أنه قد أبر بقسمه مما دفع وجوه مكة إلى أن يكتبوا إلى رسول الله ﷺ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثمامة ليخلي لهم حمل الطعام «٩» .

стр. 428

غزوة بني لحيان: خرج النبي ﷺ في مائتين من الصحابة في ربيع الأول سنة ٦ هـ لينتقم لأصحاب الرجيع من بني لحيان، ولم يعلن وجهته، واتبع أسلوب التعمية، وقد سمعت به بنو لحيان فهربوا إلى رءوس الجبال فلم يقدر على أحد منهم «١» . فتقدم إلى عسفان القريبة من مكة، وبعث بعض فرسانه إلى «كراع الغميم» لتسمع به قريش، ويداخلهم الرعب، ويريهم من نفسه والمسلمين قوة «٢» . وفي عسفان واجههم جمع من المشركين، وحين صلّى النبي ﷺ بأصحابه الظهر، تلاوم المشركون لعدم هجومهم على المسلمين وهم يؤدون الصلاة، ثم انتظروا الصلاة التالية، فنزل جبريل- ﵇ بآية صلاة الخوف على النبي ﷺ ، فصلّى العصر بأصحابه وفق أحكامها، وكانت أول صلاة خوف صلّاها رسول الله ﷺ «٣» . سريّة عكاشة إلى الغمر: وفي ربيع الأول سنة ٦ هـ انتدب النبي ﷺ عكاشة بن محصن في أربعين رجلا من أصحابه إلى بني أسد في ماء الغمر، ورغم أنهم أسرعوا، فقد نذر بهم بنو أسد فهربوا، ونزلت السريّة على مياههم وأصابت الطلائع من دلّهم على بعض ماشيتهم، ووجدوا مائتي بعير فغنموها وساقوها إلى المدينة «٤» . سريّة محمد بن مسلمة إلى ذي القصّة «٥» : وفي ربيع الآخر سنة ٦ هـ بعث النبي ﷺ الصحابي محمد بن مسلمة في عشرة من الصحابة إلى بني ثعلبة وعوال، فكمن لهم القوم حتى ناموا، فقتلوهم كلهم وسقط محمد بن مسلمة بين أصحابه جريحا فظنوه ميّتا. وقد هيأ الله له بعد ذلك أحد المسلمين الذي أنقذه وأطعمه وسقاه وحمله إلى المدينة، فبعث النبي ﷺ أبا عبيدة عامر بن الجراح في أربعين رجلا إلى مصارع القوم فلم يجدوا أحدا، ووجدوا نعما وشاء فساقوها غنيمة ورجعوا إلى المدينة «٦» . سريّة زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم: وفي ربيع الآخر سنة ٦ هـ بعث النبي ﷺ سريّة عليها زيد بن حارثة، فورد الجموم، فأصابوا من دلّهم على محلة لبني سليم أصابوا بها نعما وشاء وأسرى عادوا بهم إلى المدينة «٧» .

стр. 429

سريّة زيد بن حارثة إلى العيص: وفي جمادى الأولى سنة ٦ هـ بعث النبي ﷺ زيدا في مائة وسبعين راكبا من الصحابة ليتعرضوا لقافلة تجارية قرشية قادمة من بلاد الشام، فتمكنوا من احتوائها وما فيها، وغنموا فيها فضة كثيرة كانت لصفوان بن أميّة، وأسروا عددا ممن كان مع القافلة، منهم أبو العاص بن الربيع الذي استجار بزوجته زينب بنت رسول الله ﷺ فأجارته، وقبل الرسول ﷺ إجارتها ورد عليه ما أخذ منه «١» . وعاد أبو العاص إلى مكة حيث رد ما كان معه من أموال القوم وأماناتهم، ثم أعلن إسلامه في مكة، وهاجر إلى المدينة فرد عليه النبي ﷺ زوجته زينب على نكاحها الأول «٢» . سريّة زيد بن حارثة إلى الطّرف «٣» : وفي جمادى الآخرة سنة ٦ هـ بعث النبي ﷺ زيدا في خمسة عشر رجلا إلى بني ثعلبة بالطرف، فهرب القوم وكان بلغهم أن رسول الله ﷺ قد سار إليهم، وأصابت السريّة نعما وشاء غنيمة، وعادوا إلى المدينة سالمين «٤» . سريّة عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل: وفي شعبان سنة ٦ هـ بعث النبي ﷺ الصحابي عبد الرحمن بن عوف على رأس سريّة إلى قبيلة كلب بدومة الجندل، وأمره أن يقاتل من كفر بالله، وبألّا يغل ولا يغدر ولا يقتل وليدا. ويذكر ابن سعد أنه قد جاءهم فمكث فيهم ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم رئيسهم الأصبغ بن عمرو الكلبي- وكان نصرانيّا- وأسلم معه خلق كثير من قومه، وأقام من أقام على إعطاء الجزية، وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ وقدم بها المدينة «٥» . سريّة علي بن أبي طالب إلى فدك: بعثها النبي ﷺ في شعبان سنة ٦ هـ وهي تتألف من مائة رجل، جعل عليهم علي بن أبي طالب- ﵁. وقد وجهها النبي ﷺ إلى بني عبد الله بن سعد بن بكر عندما بلغه أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا به يهود خيبر. وكانت السريّة تكمن في النهار وتسير في الليل، وأصاب علي في طريقه عينا أقر له أنه أرسل إلى خيبر ليعرض عليهم نصرهم مقابل تمر خيبر لعام، وقد أمنه علي فدلّهم على مكان اجتماعهم، فأغار المسلمون عليهم فغنموا منهم ألفي شاة وخمسمائة بعير، وهرب بنو عبد الله بن سعد بما معهم من ظعن «٦» . وإلى جانب هذه السرايا تذكر المصادر الخاصة بالمغازي والسير معلومات متضاربة عن «سرية زيد بن

стр. 430

ثابت إلى بني فزارة» «١» ، وسريّة عبد الله بن رواحة إلى اليسير بن رزّام اليهودي «٢» ، وسريّة عمرو بن أمية الضّمري لقتل أبي سفيان «٣» . ولم يرد عن هذه السرايا مرويات في الصحيحين، والتناقض والتضارب كبير في مرويات كتب المغازي والسير بشأنها. سريّة كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين: قدم إلى النبي ﷺ جماعة من قبيلتي عكل والعرينة في شوال سنة ٦ هـ، وتكلموا بالإسلام، فقالوا يا نبي الله إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بذود وراع.. فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا الراعي واستاقوا الذود، فبلغ النبي ﷺ الخبر فبعث الطلب تحت إمرة كرز بن جابر الفهري في آثارهم فقبضوا عليهم، فأمر بهم فسمروا ... وقطعت أيديهم وأرجلهم وتركوا في ناحية الحرّة حتى ماتوا «٤» . وقال الجمهور نزل فيهم قوله تعالى: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ «٥» . سريّة الخبط (سيف البحر) : بعث النبي ﷺ أبا عبيدة عامر بن الجرّاح في ثلاثمائة راكب نحو ساحل البحر الأحمر ليرصدوا عيرا لقريش، فنفدت أزوادهم، وأصابهم الجوع حتى أكلوا الخبط، ثم نحروا من إبلهم فنهاهم أبو عبيدة لحاجتهم إليها إذا لقوا عدوهم، وألقى إليهم البحر بحوت عظيم أكلوا منه نصف شهر وحملوا بعضا منه إلى النبي ﷺ فأكل منه «٦» . ولم يلق المسلمون كيدا، وعادوا إلى المدينة سالمين. وقد وردت مرويات أخرى في المغازي وكتب السير تفيد بأن النبي ﷺ كان أرسلهم إلى حي من أحياء قبيلة جهينة «٧» . وقال ابن حجر بأن ذلك لا يغاير ظاهره ما في الصحيح لأنه

стр. 431

يمكن الجمع بين كونهم ذهبوا يتلقون عيرا لقريش ويقصدون حيّا لجهينة «١» ، ومما يقوي ذلك ما أورده الإمام مسلم في الصحيح أن البعث كان إلى أرض جهينة «٢» . غزوة الحديبية «٣» : وفي يوم الاثنين الأول من ذي القعدة سنة ٦ هـ «٤» ، خرج الرسول ﷺ من المدينة متوجها بأصحابه إلى مكة لأداء العمرة «٥» . وقد كشف بذلك عن حقيقة النظرة الإسلامية إلى البيت العتيق، والمشاعر الإسلامية نحوه وتعظيمهم لشعائر الله في حجه وعمرته. وكان ذلك في الوقت نفسه إظهارا لخطل دعاية قريش المعادية التي حاولت عبر فترة الصراع أن تبثها بين بطون القبائل والتي أرادت أن تظهر أنّ المسلمين لا يعترفون بمكانة البيت العتيق وحرمته. على أن هذا التوجه نحو أداء العمرة من قبل الرسول ﷺ والمسلمين، وخططهم في الوصول إلى مكة ودخولها لأداء النسك قد أحرج قريشا إلى درجة كبيرة وخصوصا أن ذلك يأتي في أعقاب فشل غزوة الأحزاب وانهيار التحالفات القرشية مع القبائل الأخرى ومع يهود. وهي تبرز بوضوح وجلاء قوة المسلمين واستعلائهم في نظر العرب، في نفس الوقت الذي تخطّل فيه جميع الدعايات القرشية المعادية للمسلمين وأوقعت قريشا في الحرج الشديد، فهي إما أن تسمح للمسلمين وعلى رأسهم النبي ﷺ بالعمرة، فيتحقق العرب من ضعفها وكذب دعاياتها، وإما أن تعارض ذلك، فتصد الرسول ﷺ والمسلمين عن دخول مكة وأداء العمرة، وبذلك ينكشف زيف ادعائها بالحرص على البيت العتيق وحرمته، ويتحدث العرب عن صد قريش لمن قصدوا تعظيمه وتكريمه والحج إليه، وكانت جميع هذه المعاني ماثلة أمام زعماء قريش حين واجهوا هذا الحدث الكبير. أما النبي ﷺ فقد كان قد أعد للأمر عدته، وأدخل في اعتباره أن تقدم قريش على صده وأصحابه عن الوصول إلى مكة وأداء العمرة، بل حتى مقاتلته ومن معه، ولذلك عزم على الخروج بأكبر عدد ممكن من المسلمين، ولذلك فإنه استنفر المسلمين من أهل البادية، غير أنهم أبطئوا عليه وتعلل بعضهم بأعذار شتى كشفها القرآن الكريم: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً* بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ

стр. 432

يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً «١» . وهكذا فقد خرج النبي ﷺ بأصحابه من المهاجرين والأنصار وبلغ عددهم ألفا وأربعمائة رجل «٢» ، حملوا معهم سلاحهم توقعا لشر قريش «٣» . وكانوا مستعدين للقتال «٤» . صلى النبي ﷺ والمسلمون بذي الحليفة، وأهلّوا معه محرمين بالعمرة «٥» ، وساقوا الهدي معهم سبعين بدنة «٦» ، وبعث النبي ﷺ بالصحابي بسر بن سفيان الخزاعي عينا إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش وردود فعلها «٧» . وأرسل النبي ﷺ بعد وصوله الروحاء سريّة جعل عليها أبا قتادة الأنصاري- ولم يكن محرما بالعمرة- في جمع من الصحابة إلى ساحل البحر الأحمر بعد أن علم بوجود تجمع للمشركين في «غيقة» ، وخشية أن يباغتوا المسلمين، فلم يلقوا كيدا ويظهر أنهم أخذوا طريق الساحل لتأمينه، إذ لم يلتحقوا بركب النبي ﷺ إلّا في «السقيا» «٨» . وحين وصل المسلمون عسفان «٩» جاءهم بسر بن سفيان الخزاعي بأخبار استعدادات قريش وتجميعها الجموع لصد المسلمين عن دخول مكة، وإرسالها طلائع من الفرسان إلى «كراع الغميم» «١٠» . وحين استشار الرسول ﷺ أصحابه في الأمر «١١» ، أشار عليه أبو بكر الصديق بالتوجه إلى مكة لأداء العمرة والطواف بالبيت وقال: «فمن صدنا عنه قاتلناه» «١٢» ، فقال النبي ﷺ : «امضوا على اسم الله» «١٣» . وقد صلّى النبي ﷺ بأصحابه في عسفان صلاة الخوف «١٤» ، ثم سلك بهم طريقا وعرة عبر ثنية المرار إلى الحديبية متجنبا الاصطدام بخيالة قريش

стр. 433

والقتال «١» . وقد عجل خالد بن الوليد- وكان يقود فرسان قريش- بالعودة إلى مكة حين علم بذلك، وخرجت قريش فعسكرت على طريق المسلمين «ببلدح» «٢» حيث سبقوا المسلمين إلى الماء «٣» . وتقدم النبي ﷺ بالمسلمين حتى إذا اقتربوا من الحديبية بركت ناقته فقالوا: «خلأت القصواء» فقال ﷺ : «ما خلأت القصواء وما ذلك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» . ثم قال: «والّذي نفسي بيده، لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» «٤» . عدل الرسول ﷺ عن الطريق المتجه إلى مكة، وسار بأصحابه حتى نزل بأقصى الحديبية على بئر قليل الماء، فلما اشتكى المسلمون العطش، انتزع ﷺ سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيها، فما زالت تجيش بالماء حتى صدروا عنه وكان ذلك من معجزاته ﷺ «٥» . عمل الرسول ﷺ على إبلاغ رسالة واضحة لزعماء قريش تضمنت أنه لم يأت لحربهم أو حرب غيرهم، وإنما جاء بقصد الاعتمار وتعظيم البيت العتيق وتكريمه وزيارته والطواف به «٦» . وقد بيّن الرسول هذه الوجهة لعدد من الرجال المحايدين أحيانا، وبواسطة رسل أرسلهم لهذا الغرض كذلك. وحين وفد عليه بديل بن ورقاء الخزاعي وبيّن له أن قريشا تعتزم صدّ المسلمين عن دخول مكة، أوضح له النبي ﷺ سبب قدومه وأصحابه، وأظهر التوجّع لما أصاب قريشا من عنادها وحربها، وقد نقل بديل الخزاعي ذلك لقريش فاتهموه وخاطبوه بما يكره، وقالوا: «إن كان إنما جاء لذلك فلا والله لا يدخلها عنوة أبدا، ولا تتحدث بذلك العرب» «٧» . ثم أرسل خراش بن أميّة الخزاعي- وهو يقصد بيان موقفه أمام الناس جميعا- فعقروا جمله وأرادوا قتله فمنعته الأحابيش «٨» . وأراد أن يرسل عمر بن الخطاب فبيّن عمر شديد عداوته لقريش وعلمها بذلك وبأن قومه من بني عدي يناصبونه العداء ولا يحمونه «٩» ، فعدل النبي ﷺ عنه إلى عثمان بن عفان الذي دخل مكة في جوار أبان بن سعيد بن العاص، وأبلغ قريشا رسالة النبي ﷺ «١٠» ، وحين سمح زعماء قريش لعثمان بالطواف بالبيت العتيق فإنه أبى أن يسبق النبي ﷺ بالطواف

стр. 434

بالبيت، وقد أخرت قريش عودته إلى النبي ﷺ ، فحسب المسلمون أنها قتلته «١» ، وبلغ رسول الله ﷺ أن عثمان قد قتل «٢» فدعا أصحابه إلى البيعة تحت شجرة سمرة، فبايعوه جميعا على الموت «٣» سوى الجد بن قيس وكان من المنافقين «٤» ، وكان أول من بايع من الصحابة أبو سنان عبد الله بن وهب الأسدي «٥» وتابعه الصحابة يبايعون النبي ﷺ على بيعته فأثنى عليهم النبي ﷺ وقال: «أنتم خير أهل الأرض» «٦» وقال ﷺ أيضا: «لا يدخل النّار إن شاء الله من أصحاب الشّجرة أحد الّذين بايعوا تحتها» «٧» . ولما كان عثمان بن عفان قد حبس في مكة، فقد أشار النبي ﷺ إلى يده اليمنى وقال: «هذه يد عثمان» ، فضرب بها على يده، وقال: «هذه لعثمان» «٨» وبذلك فقد عدّ عثمان بن عفان- ﵁ في المبايعين تحت الشجرة. وقبل أن تتطور الأمور وتتأزم، عاد عثمان إلى معسكر المسلمين بعد بيعة الرضوان هذه مباشرة. وقد عرفت البيعة بذلك لأن الله تعالى أخبر أنه رضي عن المبايعين فيها فقال ﷻ : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً* وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً «٩» . أرسلت قريش عددا من المبعوثين للتفاوض مع الرسول ﷺ بعد سفارة بديل بن ورقاء، فقد أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي، وقبل أن يباشر عروة ما عهدت به إليه قريش، ورغبة منه في منع تكرار ما حصل مع بديل قبله من تعنيف وسوء المقالة، وضح لهم موقفه منهم وأقروا له بأنه غير متهم لديهم، ثم أوضح لهم أن ما عرضه عليهم محمد ﷺ هو أمر رشد دعاهم إلى قبوله، فوافقوا على رأيه، وعندما وصل عروة إلى الرسول ﷺ ، قال له مثل ما قال لبديل فأجابه عروة: «أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله

стр. 435

قبلك؟ «١» .. ولاحظ عروة مبلغ تعظيم المسلمين للرسول ﷺ وحبهم له وتفانيهم في طاعته، فلما رجع إلى مكة، قال لقريش: «أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكا قط، يعظمه أصحابه مثل ما يعظم أصحاب محمد محمدا» «٢» . وبعثت قريش بعد ذلك سيد الأحابيش، الحليس بن علقمة الكناني، فلما اقترب من معسكر المسلمين ورآه النبي ﷺ قال: «إنّ هذا من قوم يتألّهون فابعثوا الهدي في وجهه حتّى يراه» «٣» ، كما أمر المسلمين أن يلبّوا، فلما رأى الحليس الهدي في قلائده، وسمع تلبية المسلمين عاد أدراجه قبل أن يصل إلى النبي ﷺ ، وذلك إعظاما لما رأى، وقال لقريش: «رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت» «٤» ، فكان جوابهم عليه أن طلبوا منه السكوت واتهموه بالجهل «٥» ، وقد أنكر الحليس عليهم موقفهم وقال: «يا معشر قريش، والله ما على هذا حالفناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاءه معظما له؟! والذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد» ، فقالوا له: «كف عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به» «٦» . أرسل زعماء قريش مكرز بن حفص الذي وصفه النبي ﷺ بأنه «رجل فاجر» ، ثم أعقبوه بسهيل بن عمرو، فتفاءل النبي ﷺ بقدومه قائلا لأصحابه: «لقد سهّل لكم أمركم» «٧» ، وقال ﷺ «قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل» «٨» ، وكانت قريش قد ألزمت سهيل بن عمرو أن «لا يكون في صلحه (محمدا) إلّا أن يرجع عنا عامه هذا، فو الله لا تحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبدا» ، فلما انتهى إلى الرسول ﷺ تكلم فأطال الكلام، وتراجعا، ثم جرى بينهما الصلح «٩» . بدأ الرسول ﷺ يملي شروط الصلح، وعلي بن أبي طالب- ﵁ هو كاتب الصحيفة «١٠» ، وأراد النبي ﷺ إعطاء عقد الصلح صبغة إسلامية فبدأه بالبسملة، فاعترض سهيل قائلا: «ما (الرحمن) فو الله ما أدري ما هو ولكن اكتب (باسمك اللهم) كما كنت تكتب» ، ورفض المسلمون ذلك، ولكن النبي ﷺ وافق على اعتراض سهيل، ثم اعترض سهيل على عبارة «محمد رسول الله» التي وردت في صدر الصحيفة قائلا: «والله لو كنا

стр. 436

نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب «محمد بن عبد الله» فقال النبي ﷺ : «والله إنّي لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمّد بن عبد الله» ، وحين أراد النبي ﷺ أن يثبت في صحيفة الصلح عبارة «على أن تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف به» إعترض سهيل قائلا: «والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة (قهرا) ، ولكن ذلك في العام المقبل، فنخرج عنها فتدخلها في أصحابك، فأقمت فيها ثلاثا معك سلاح الراكب لا تدخلها بغير السيوف في القرب» ، فوافق النبي ﷺ على ذلك «١» ، ثم قال سهيل: «وعلى أن لا يأتيك منا رجل- وإن كان على دينك- إلّا رددته إلينا» فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده، وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فقال النبي ﷺ : «إنّا لم نقض الكتاب بعد» ، فقال سهيل: «والله إذا لن أصالحك على شيء أبدا» ، وقد حاول النبي ﷺ استثناء أبا جندل من الشرط غير أن سهيلا أصر على موقفه رغم موافقة مكرز بن حفص على طلب النبي ﷺ ، فلم يجد النبي ﷺ إزاء إصرار سهيل بدّا من إعادته إليه «٢» . وقد تم الاتفاق في الصلح بعد ذلك «على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض. وعلى أنه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليه رده عليهم، ومن أتى قريشا ممن مع رسول الله ﷺ لم يردّوه عليه. وأن بيننا عيبة مكفوفة (صدور نقية) وأنه لا إسلال ولا إغلال (ولا سرقة ولا خيانة) . وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.. «٣» ، وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة. وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثة معك سلاح الراكب، لا تدخلها بغير السيوف في القرب» (أغمادها) . «٤» ولقد تذمر كثير من الصحابة من أغلب شروط هذا الصلح، وخصوصا من التعديلات التي أحدثها سهيل ابن عمرو فيها وأصر عليها، فقد امتنع علي بن أبي طالب عن محو عبارة «رسول الله» التي كانت قد وردت في ديباجة العقد في بادىء الأمر «٥» ، وغضب المسلمون لشرط رد المسلمين لإخوانهم الذين يفرون من مكة إلى

стр. 437

المعسكر الإسلامي بغير إذن أوليائهم، وسألوا النبي ﷺ : «يا رسول الله تكتب هذا؟ فقال ﷺ : «نعم.. إنّه من ذهب إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا» «١» . ولقد ظهر الغضب الشديد على عمر بن الخطاب بسبب ما تضمنته شروط الصلح التي تصور أنها مهينة وأنها لا تعكس موقفا صلبا في الدفاع عن الحق، ولنستمع من عمر- ﵁ إلى ردة فعله حينذاك، قال: «فأتيت نبي الله ﷺ فقلت: ألست نبي الله حقّا؟، قال: «بلى» . قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: «بلى» ، قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذا؟ قال: «إنّى رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري» ، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى. أفأخبرتك أنّك تأتيه العام؟» قلت: لا، قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به» «٢» . ولما أعاد عمر- ﵁ الكلام مع أبي بكر- ﵁ بمثل ما كلم النبي ﷺ ، قال له أبو بكر: «يا عمر: إنه لرسول الله ﷺ ولن يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه، فو الله إنه على الحق» «٣» . ولم يكن المسلمون يشكّون في أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت العتيق كما سبق وأعلمهم النبي ﷺ ، فلما جرى صلح الحديبية على الشروط التي تضمنها، فإنهم تألموا وساورت بعضهم الشكوك «حتى كادوا أن يهلكوا» وخصوصا حين أعيد أخوهم أبو جندل وهو يستنجد بهم قائلا: يا معشر المسلمين: أتردونني إلى أهل الشرك فيفتنوني عن ديني» والرسول ﷺ يقول: «يا أبا جندل اصبر واحتسب فإنّ الله- جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا» «٤» . وكان عمر يمشي بجانب أبي جندل يغريه بأبيه ويقرب إليه سيفه ولكن أبا جندل لم يفعل، فأعيد إلى المشركين «٥» . ولم تكف قريش عن التحرش بالمسلمين خلال مرحلة المفاوضات وكتابة وثيقة الصلح بل حتى بعد إنجاز

стр. 438

ذلك؛ وربما كان ذلك من أساليب الضغط على المسلمين خلال مرحلة المفاوضات، وقد تكون التحرشات المتأخرة بسبب طيش شبابها وتهورهم، غير أن الملاحظ هو أن المسلمين قد احتملوا تلك التحرشات بصبر وجلد، وانضباط دقيق، مع يقظة تامة واستعداد، وعند ما حاولت مجموعة كبيرة من رجال قريش قاربت ثمانين رجلّا الاستيلاء على معسكر المسلمين بشكل مباغت، سارع المسلمون بتطويقهم وأسرهم، ثم عفا الرسول ﷺ عنهم فأطلق سراحهم «١» ، ثم أسر المسلمون بعد ذلك ثلاثين شابّا من قريش اعتدوا على معسكرهم، وأطلق النبي ﷺ سراحهم «٢» . كما عفا ﷺ عن سبعين آخرين أسروا بعد إبرام الصلح، وعن أربعة آخرين كانوا يقعون بالرسول ﷺ بعد عقد الصلح واختلاط المسلمين بالمشركين «٣» ، وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ «٤» . وحينما تم الصلح وأبرم العقد، أمر النبي ﷺ من معه من المسلمين أن ينحروا الهدي ويحلقوا رءوسهم، وكرر ذلك ثلاث مرات فلم يقم أحد منهم بالاستجابة لأمر النبي ﷺ ، وذلك ما يعكس الحالة النفسية الانفعالية التي قاسى منها المسلمون حينذاك بسبب استفزازات قريش المتكررة إضافة إلى تصورهم الخاطيء في أن شروط الصلح قد تضمنت إجحافا بهم، وكأنهم كانوا يأملون الرجوع عن الصلح. قام النبي ﷺ بمشورة من أم المؤمنين أم سلمة- ﵂ بذبح الهدي وحلق رأسه، فتابعه المسلمون عند ذلك، «فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمّا» «٥» فدعا لهم النبي ﷺ «٦» وبذلك تحلل النبي ﷺ ومن معه من المسلمين من عمرتهم، وشرع التحلل للمحصر وأنه لا يلزمه القضاء «٧» . وبعد أن أقام المسلمون في الحديبية عشرين يوما «٨» عاد بهم النبي ﷺ إلى المدينة وكانت غيبتهم هذه عنها قد امتدت شهرا ونصف الشهر «٩» . وفي طريق عودة المسلمين من الحديبية تكررت معجزة النبي ﷺ في تكثير الطعام والماء «١٠» ، وأنزلت سورة

стр. 439

الفتح، وكان النبي ﷺ واقفا براحلته «بكراع الغمام» ، فأسرع الناس إليه، فقرأ عليهم قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً «١» . فقال رجل: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: «نعم والّذي نفسي بيده إنّه لفتح» «٢» ، وأورد البخاري برواية صحيحة» أن أصحابه قالوا: هنيئا مريئا فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً «٤» ، فانقلبت كآبة المسلمين وحزنهم إلى فرح وحبور، وأدركوا أنهم لا يمكنهم أن يحيطوا بالأسباب والنتائج، وأن الخير كله هو في التسليم لأمر الله ورسوله. ولقد أتاحت الهدنة المبرمة بين الطرفين للمسلمين فرصة التفرغ لتصفية آخر معاقل يهود في خيبر والتي كانت بؤرة تحريض ومكر ضد الدعوة الإسلامية، كما أتاحت لهم فرصة التفرغ لنشر الإسلام في بطون القبائل، وذلك ما عمل على التعجيل بنشر عقيدة التوحيد على نطاق واسع وهذا ما عناه الزهري في قوله عن صلح الحديبية: «فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلّم أحد بالإسلام بعقل إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك» «٥» وقد ساق ابن هشام في السيرة الدليل على صحة قول الزهري ودقته فقال: «إن رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة، ثم خرج في عام الفتح بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف» «٦» . فترة ما بين الحديبية وفتح مكة: ما إن عاد الرسول ﷺ والمسلمون إلى المدينة، حتى جاءه أبو بصير مسلما فارّا من قريش. وقد أرسلت قريش اثنين من رجالها مطالبة النبي ﷺ بتنفيذ بنود صلح الحديبية بشأنه، فسلمه النبي ﷺ إليهما، غير أن أبا بصير سرعان ما تمكن من قتل أحد الرجلين وهم في طريق العودة إلى مكة، وفر ثانيهما إلى المدينة وخلفه أبو بصير، فلما انتهى إلى الرسول ﷺ قال أبو بصير: «قد والله أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم نجّاني الله منهم» . فقال النبي ﷺ : «ويل أمّه، مسعر حرب لو كان له أحد» !. فلما سمع أبو بصير مقالة النبي ﷺ عرف أنه سيرده ثانية إلى

стр. 440

قريش، فخرج من المدينة وحده حتى أتى سيف البحر «١» . فهم المسلمون المستضعفون بمكة من مقالة النبي ﷺ لأبي بصير أنه بحاجة إلى أن يدعمه إخوانه من مسلمي مكة، فأخذوا يتسللون من مكة فرارا إلى أبي بصير عند سيف البحر، وكان من بين من لحق به أبو جندل بن سهيل بن عمرو وآخرون، حتى اجتمعت معه عصبة كبيرة، تسببت في نكبة كبيرة لتجارة قريش إلى الشام، فقد تعرضوا لقوافل قريش التجارية، يقتلون رجالها وحراسها ويستولون على أموالها وعيرها، فاضطرت قريش إلى التنازل عن البند الخاص بإعادة المسلمين الفارّين من قريش إلى ذويهم، وكتبت تستنجد بالنبي ﷺ «تناشده الله والرحم لما أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم» وهم بناحية العيص، فاستجابوا وقدموا عليه ﷺ إلى المدينة «٢» . وبعد هذا الحدث وبعد أن تنازلت قريش عن شرط إعادة المسلمين من قريش إلى ذويهم جاء إسلام خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وهذا عزز معسكر المسلمين وقدراته، وخذّل قريشا وأحرجهم. ولقد اقتصر الرسول ﷺ في البداية على رد المسلمين الفارّين من الرجال بموجب بنود الصلح، أما النساء فلم يردّهن، ويرجع السبب في ذلك إما لعدم دخولهن في بنود العهد أصلا «٣» ، أو لأن القرآن قد نسخ ما ورد بحقهن في العقد في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٤» . استمرت هدنة الحديبية نحو السبعة عشر أو الثمانية عشر شهرا، قبل أن تنقض قريش الهدنة حيث أعانت حلفاءها بني بكر ضد خزاعة حلفاء المسلمين على ماء الوتير قرب مكة، مما كان سببا في إبطال المعاهدة ومهد لفتح مكة. رسائل النبي ﷺ إلى الملوك والأمراء: لقد كان صلح الحديبية فتحا كبيرا للإسلام، ذلك أنه أتاح الفرصة لتوسيع نطاق الدعوة إلى الله- داخل جزيرة العرب وخارجها، فقد وردت رواية صحيحة «٥» ، تضمنت نص كتاب النبي ﷺ الذي بعثه

стр. 441

مع دحية الكلبي إلى هرقل- عظيم الروم «١» وذلك في مدّة هدنة الحديبية، وهو كما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتّبع الهدى: أمّا بعد، فإنّى أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّما عليك إثم الأريسيّين قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ «٢» . «٣» . ولقد تسلم هرقل رسالة النبي ﷺ ودقق في الأمر كما في الحديث الطويل المشهور بين أبي سفيان وهرقل المروي في الصحيحين حين سأله عن جميع أحوال النبي، وقال بعد ذلك لأبي سفيان: «إن كان ما تقول حقّا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه» «٤» . وأرسل النبي ﷺ بكتاب إلى كسرى ملك الإمبراطورية الفارسية، مع عبد الله بن حذافة السهمي، «أمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين «٥» ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزّقوا كلّ ممزّق» «٦» .

стр. 442

أما نص الرسالة فقد ورد في التاريخ للطبري «١» والأموال لأبي عبيدة القاسم بن سلام «٢» ، كما أورده ابن طولون في إعلامه «٣» ونص الكتاب كما أورده الطبري كالتالي: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله، إلى النّاس كافة، لينذر من كان حيّا، أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس» «٤» . أما كتاب النبي ﷺ إلى النجاشي ملك الحبشة فقد ثبت أنه أرسله مع عمرو بن أمية الضمري، وأورد الإمام مسلم خبر إرسال الكتاب، وأوضح أن النجاشي المقصود ليس النجاشي الذي أسلم «٥» ، وأورد أبو داود في سننه قطعة من كتاب النبي ﷺ إلى النجاشي «٦» . ونقل الزيلعي وابن طولون وغيرهما نص كتاب النبي ﷺ إلى النجاشي برواية الواقدى «٧» ، وقد جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله، إلى النّجاشيّ ملك الحبشة، أسلم أنت، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلّا هو الملك القدّوس السّلام المؤمن المهيمن، وأشهد أنّ عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطّيّبة الحصينة فحملت به، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإنّي أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة عن طاعته، وأن تتّبعني وتؤمن بالّذي جاءني فإنّي رسول الله، وإنّي أدعوك وجنودك إلى الله- ، وقد بلّغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسّلام على من اتّبع الهدى» «٨» .

стр. 443

أما كتاب النبي ﷺ إلى المقوقس حاكم مصر «١» وكذلك رد المقوقس إليه «٢» فلم تثبت من طرق صحيحة، ولا يعني ذلك نفي إرسال الكتاب إليه، كما أن ذلك لا يعني الطعن بصحة النصوص من الناحية التاريخية فربما تكون صحيحة من حيث الشكل والمضمون غير أنها لا يمكن أن يحتج بها في السياسة الشرعية وذلك يسري على معظم وثائق العهد النبوي الأخرى إذ لا مجال لتصحيحها من الناحية الحديثية ولم تعن الكتب الستة بتخريجها مع بعض الاستثناءات، رغم أن الكثير منها يمكن أن يكون صحيحا من الناحية التاريخية «٣» ، فلقد أورد محمد بن سعد في طبقاته «٤» أن النبي ﷺ بعث إلى المقوقس، جريج بن مينا ملك الإسكندرية وعظيم القبط، كتابا مع حاطب بن أبي بلتعة اللخمي، وأنه قال خيرا وقارب الأمر، غير أنه لم يسلم وأهدى إلى النبي ﷺ عدة هدايا كان بينها ماريّة القبطية، وأنه لما ورد جواب المقوقس إلى النبي ﷺ قال: «ضنّ الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه» «٥» . وأورد الطبري رواية أسندها إلى ابن إسحاق جاء فيها أن رسول الله ﷺ بعث شجاع بن وهب، أخا بني أسد ابن خزيمة، برسالة إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق «٦» ، حين عودته والمسلمين من الحديبية، وقد تضمن نص الرسالة التي أسندها الطبري إلى محمد بن عمر الواقدي قوله: «سلام على من اتّبع الهدى، وآمن به، إنّي أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له يبقي لك ملكك» . «٧» وقد أظهر الحارث الغساني رفض الإسلام، والامتعاض من محتويات الرسالة، وحشد قواته لغزو المدينة، غير أن هرقل تدخل في الأمر ودعاه إلى إيلياء «٨» .

стр. 444

وكتب النبي ﷺ إلى هوذة بن علي الحنفي «١» كتابا أرسله مع سليط بن عمرو العامري، مقدمه من الحديبية، وقد اشترط هوذة الحنفي على الرسول ﷺ بعد قراءته رسالته إليه أن يجعل له بعض الأمر معه، فرفض النبي ﷺ أن يقبل ذلك» . وكتب النبي ﷺ كتابا إلى المنذر بن ساوى العبدي، أمير البحرين، مع أبي العلاء الحضرمي «٣» بعد انصرافه من الحديبية، ونقلت المصادر التاريخية أن المنذر قد استجاب لكتاب النبي ﷺ ، فأسلم، وأسلم معه جميع العرب بالبحرين، فأما أهل البلاد من اليهود والنصارى والمجوس فإنهم صالحوا العلاء والمنذر على الجزية من كل حالم دينار «٤» ، ونقل أبو عبيد القاسم بن سلام نص كتاب النبي ﷺ إلى المنذر بن ساوى برواية عروة بن الزبير، وجاء فيه: «سلام أنت، فإنّي أحمد إليك الله الّذي لا إله إلا هو، أمّا بعد: فإنّ من صلّى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الّذي له ذمّة الله وذمّة الرّسول، فمن أحبّ ذلك من المجوس فإنّه آمن ومن أبى فإنّ الجزية عليه» «٥» . وفي ذي القعدة سنة ثمان من الهجرة بعث النبي ﷺ عمرو بن العاص بكتابه إلى جيفر وعبد ابني الجلندى الأزديين بعمان «٦» . وقد جاء فيه: «من محمّد النّبيّ رسول الله لعباد الله الأسبذيّين ملوك عمان، وأسد عمان «٧» ، ومن كان منهم بالبحرين إنّهم إن آمنوا وأقاموا الصّلاة، وآتوا الزّكاة وأطاعوا الله ورسوله وأعطوا حقّ النّبيّ ﷺ ، ونسكوا نسك المؤمنين، فإنّهم آمنون وأنّ لهم ما أسلموا عليه، غير أنّ مال بيت النّار ثنيا لله ورسوله، وأنّ عشور التّمر صدقة، ونصف عشور الحبّ، وأنّ للمسلمين نصرهم ونصحهم، وأنّ لهم على المسلمين مثل ذلك، وأنّ لهم أرحاءهم يطحنون بها ما شاءوا» «٨» .

стр. 445

وأوردت المصادر بعد ذلك عددا كبيرا من المرويات عن رسائل أخرى لم تثبت من الناحية الحديثية منها كتاب النبي ﷺ ؟ إلى كل من أهل دما «١» ، ورعية السّحيمي «٢» ، ومسيلمة الكذاب «٣» ، وعظيم بصري «٤» ، وبكر بن وائل «٥» ، وبني عمرو بن حمير «٦» ، وجبلة بن الأيهم «٧» ، وذي الكلاع بن ناكور، وذي عمرو «٨» ، ومعد يكرب بن أبرهة «٩» ، وأسقف بني الحارث، وأساقفة نجران «١٠» ، وصاحب أيلة «١١» ، وابن ظبيان الأزدي الغامدي «١٢» ، وزعماء حمير «١٣» ، ونفاثة بن فروة الدئيلي ملك السماوة «١٤» . ومن الممكن أن تكون هذه الرسائل صحيحة من الناحية التاريخية، ولكنها تبقى دون الاحتجاج بها في موضوعات العقيدة والشريعة، وإلى جانب ذلك فإن هذه الرسائل في مجموعها تؤكد على عالمية الإسلام وأن النبي ﷺ قام بالتبليغ على أوسع نطاق. غزوة ذي قرد: وقعت هذه الغزوة قبل غزوة خيبر بثلاث ليال «١٥» ، فقد أغار عبد الرحمن بن عيينة بن حصن الفزاري على لقاح «١٦» لرسول الله ﷺ كانت ترعى بذي قرد، فأخذها بعد أن قتل راعيها، وحين علم سلمة بن الأكوع بما حدث فإنه أنذر إخوانه المسلمين وبادر بعد ذلك فلحق بعبد الرحمن الفزاري ورجاله، وأخذ يرميهم بنبله حتى استنقذ اللقاح من أيديهم وتهاربوا عنه حين وصله النبي ﷺ والمسلمون، وقد أردف النبي ﷺ سلمة بن الأكوع

стр. 446

خلفه على راحلته تكريما له حتى دخلوا المدينة. «١» سرية أبان بن سعيد بن العاص: لم تحدد المصادر الجهة التي وجه النبي ﷺ هذه السرية إليها في نجد، كما لم يرد ما يوضح عدد المشاركين فيها، أو نتائجها، وقد عادت السرية على النبي ﷺ وهو بخيبر بعد أن تم فتحها «٢» . غزوة خيبر: كان إجلاء بني النضير عن المدينة ونزول زعمائهم في خيبر حاسما في بلورة موقف معاد ليهود خيبر تجاه المسلمين، وهو أمر لم يكن ظاهرا قبل ذلك «٣» ، وحين نزل سلّام بن أبي الحقيق وابن أخيه كنانة بن الربيع، وحيي بن أخطب خيبر فقد دان لهم أهلها بالولاء والطاعة «٤» ، وكان لذلك أثره في تصدي يهود خيبر للصراع ضد الإسلام والمسلمين، حيث جرهم قادتهم الجدد إلى التصدي للإسلام بغية الانتقام وبدافع حقدهم الدفين على المسلمين، ورغبتهم العارمة في استعادة ديارهم ومواقعهم ومصالحهم في المدينة ولذلك فقد أجلوا منها. وهكذا فقد قام يهود خيبر وزعماؤهم الجدد بدور بارز في تجميع الأحزاب وحشدهم ضد المسلمين، بل إنهم أنفقوا أموالهم، واستغلوا علاقاتهم مع يهود بني قريظة من أجل نصرة الأحزاب. وطعن المسلمين في ظهورهم «٥» ، وهكذا أصبحت خيبر مصدر خطر كبير على المسلمين ودولتهم النامية. تفرغ المسلمون بعد صلح الحديبية لتصفية خطر يهود خيبر الذي أصبح يهدد أمن المسلمين، ولقد تضمنت سورة الفتح التي نزلت بعد الحديبية وعدا إلهيّا بفتح خيبر وحيازة أموالها غنيمة، قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً* وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً* وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً* وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً «٦» .

стр. 447

وقد كانت غزوة خيبر في المحرم من السنة السابعة للهجرة على أرجح الأقوال «١» رغم الخلاف بين مؤلفي كتب السيرة والمغازي حول ذلك «٢» . وقاد الرسول ﷺ جيش المسلمين وكان عدده ألفا وأربعمائة مقاتل فيهم مائتا فارس، ولم يغب عن المشاركة في غزوة خيبر أحد من أصحاب بيعة الرضوان في الحديبية سوى جابر بن عبد الله «٣» وكانت الروح المعنوية للمسلمين عالية، وكانوا يلهجون بالتهليل والتكبير لله تعالى بأصوات مرتفعة، مما يشعر بمدى إيمانهم وتوكلهم على الله، وثقتهم بالنصر منه سبحانه، وقد طلب منهم النبي ﷺ أن يرفقوا بأنفسهم فقال: «إنّكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم» » ، وقد سلك المسلمون طريق ثنية الوداع فزغابة، ونقمي، فالمستناخ، فعصر، فالصهباء، فالخرصة، وحين وصلوا منطقة خيبر سلكوا بين الشق والنطاة، ثم المنزلة، ثم الرجيع التي تقع شمال شرق خيبر حيث عسكروا فيها «٥» ، ويبدو أن النبي ﷺ قصد من ذلك أن يعزل خيبر عن المنطقة الشمالية، كما يعزلها عن حلفائها من غطفان. نزل المسلمون بساحة يهود خيبر قبل بزوغ الفجر، وصلوا الصبح مع النبي ﷺ ، ثم باشروا الهجوم مع شروق الشمس «٦» ، وقد فوجيء الفلاحون من يهود بالمسلمين حين كانوا في طريقهم إلى أشغالهم، فصاحوا: «محمد والخميس!» ، فقال الرسول ﷺ : «الله أكبر خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» «٧» . وقد تهارب اليهود إلى حصونهم وأغلقوها دونهم فحاصرهم المسلمون، وحاولت قبيلة غطفان نجدة حلفائها اليهود، ولكنهم لم يشتركوا في القتال خوفا من أن يهاجم المسلمون ديارهم «٨» .

стр. 448

بدأ المسلمون حصارهم لحصون خيبر، وحمل أبو بكر الصديق- ﵁ الراية خلال اليومين الأولين من حصار حصن ناعم، ولقي المسلمون مقاومة عنيفة وأصابتهم شدة وجهد، ولم يتمكنوا من فتح الحصن خلال تلك الفترة فقال النبي ﷺ : «إنّي دافع اللّواء غدا إلى رجل يحبّه الله ورسوله، ويحبّ الله ورسوله، ولا يرجع حتّى يفتح له» «١» ، فطابت نفوس المسلمين، فلما صلّى فجر اليوم الثالث دعا علي بن أبي طالب- ﵁ ودفع إليه اللواء فحمله فتم فتح الحصن على يديه «٢» ، وكان النبي ﷺ قد أوصى عليّا بأن يبدأ بدعوة يهود إلى الإسلام وبأن يقاتلهم إذا رفضوا ذلك «حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك منعوا منك دماءهم وأموالهم إلّا بحقّها وحسابهم على الله» «٣» ، وقد استشهد في حصار حصن ناعم محمود بن مسلمة الأنصاري الذي ألقى عليه مرحب اليهودي رحى من أعلى الحصن، وقد بارزه عليّ بعد ذلك فقتله، وكان لذلك أثره السلبي في هبوط معنويات اليهود، فقد كان مرحب من أبطالهم المعدودين «٤» . وواصل اليهود في حصن الناعم مقاومتهم الحصار الإسلامي الذي استمر لمدة عشرة أيام «٥» . توجه المسلمون بعد فتح حصن الناعم إلى حصار حصن الصعب بن معاذ في منطقة النطاة، وقد تحصن فيه خمسمائة مقاتل من اليهود ومعهم المؤن والطعام والمتاع، وقد أبلى المسلمون، وحامل رايتهم الحباب بن المنذر، بلاء حسنا وأحكموا الحصار، واستمرت مقاومة اليهود ثلاثة أيام قبل أن يفتح الله بالنصر للمسلمين، وقد غنموا منه الكثير من الطعام والمتاع «٦» . وكان حصن قلعة الزبير آخر حصون منطقة النطاة، وأكثرها حصانة، وقد تجمع فيه إضافة إلى من كان فيه أصلا، أولئك الذين فروا من حصني ناعم والصعب وبقية حصون اليهود القريبة، وحاصرهم المسلمون، وقطعوا عن الحصن مجرى الماء واضطروهم إلى الخروج من الحصن للقتال، وأصابوا منهم عشرة من مقاتليهم، قبل أن يتم فتح الحصن بعد ثلاثة أيام من الحصار «٧» .

стр. 449

انتقل المسلمون بعد ذلك من معسكرهم في الرجيع، وعسكروا في منطقة المنزلة بعد أن تخلصوا من أهل النطاة الذين كانوا أشد وأشرس اليهود، وقد ارتفعت معنويات المسلمين كثيرا بسبب انتصاراتهم المتكررة على عدوهم وحيازتهم طعامه ومتاعه، في الوقت الذي انحطت فيه معنويات يهود خيبر الآخرين، إضافة إلى ما أصابهم من رعب وقنوط وهم يشاهدون حصون منطقة النطاة وهي تتهاوى تحت ضربات المسلمين وحصارهم. وتوجه المسلمون لفتح منطقة الشق التي تحتوي على عدد من حصون اليهود أهمها حصن أبيّ، وحصن النزار، وبعد مبارزات فردية هجم المسلمون على حصن أبّي فاقتحموه وحازوا ما فيه من طعام ومتاع، وتمكن بعض مقاتلة اليهود من الانتقال إلى حصن نزار، فدعموا مقاومته بوجه الهجوم الإسلامي، وقاتلوا بالنبال والحجارة، غير أنهم سرعان ما تهاوت مقاومتهم، وكتب الله النصر للمسلمين، وفتح الحصن، وفر من تمكن من مقاتلته إلى منطقة الكتيبة حيث تحصنوا في حصن القموص المنيع، كما التحق بعضهم بمن كان في حصني الوطيح والسلالم. وقد حاصرهم المسلمون أربعة عشر يوما، حتى طلبوا الصلح دون أن يحصل قتال «١» ، وكان القتال عند حصن نزار في منطقة الشق هو آخر قتال ليهود خيبر، فقد انهارت بعد ذلك مقاومتهم، فاقتصروا على التحصن في قلاعهم وآطامهم وحصونهم وكانوا دائما ينزلون على الصلح «٢» والثابت أن يهود حصن القموص سألوا النبي ﷺ الصلح ثم نكثوا العهد فحاز أموالهم «٣» ، وتواترت الروايات الصحيحة على أن النبي ﷺ قد فتح خيبر عنوة فقد غلب على الأرض والنخل وألجأهم إلى حصونهم التي قاتلهم عليها أو صالحهم فنكثوا العهد «٤» . ولقد أيقن يهود حصني الوطيح والسلالم بعدم جدوى المقاومة بعد أن سقطت حصونهم الشمالية المنيعة: النطاة والشق والقموص، ولذلك فإنهم سألوا النبي ﷺ أن يسيّرهم وأن يحقن دماءهم، وقد وافق النبي ﷺ على ذلك «٥» . وبذلك فقد سقطت سائر منطقة خيبر أرضها وزروعها ومياهها وحصونها بيد المسلمين «٦» .

стр. 450

ولما فرغ المسلمون من فتح خيبر، بلغت يهود فدك أخبارهم، فقذف الله في قلوبهم الرعب، فبعثوا إلى النبي ﷺ يطلبون الصلح على أن يحقن دماءهم ويسيرهم، ويتنازلوا في المقابل عن أموالهم له، وقد وافق النبي ﷺ على طلبهم «١» ، وبذلك كانت فدك خالصة للرسول ﷺ . «٢» حاصر المسلمون بعد ذلك وادي القرى فاستسلمت، وغنم المسلمون منها أموالا كثيرة وتركوا الأرض والنخل بيد يهود وعاملوهم عليها مثل خيبر «٣» ، وكذلك الحال مع تيماء التي صالحت وعومل أهلها في زراعة أرضهم على مثل معاملة خيبر ووادي القرى «٤» . استشهد من المسلمين خلال هذه المعارك عشرون رجلا «٥» ، في حين بلغ عدد قتلى يهود في معارك خيبر ثلاثة وتسعين رجلا «٦» ، وذلك من خذلان الله تعالى ليهود، حيث كانوا يقاتلون من خلف حصونهم وهم يدافعون عنها، في حين كان المسلمون في حالة هجوم وهم بدون حواجز أو سواتر سوى عصمة الله تعالى. أحدث فتح خيبر وفدك ووادى القرى وتيماء دويّا هائلا في الجزيرة العربية بين مختلف القبائل، وقد أصيبت قريش بالغيظ والكآبة إذ لم تكن تتوقع ذلك، وهي تعلم مدى حصانة قلاع يهود خيبر، وكثرة مقاتلتهم، ووفرة سلاحهم ومتاعهم ومئونتهم «٧» ، أما القبائل العربية الأخرى المناصرة لقريش فقد أدهشها خبر هزيمة يهود خيبر، وخذّلها انتصار المسلمين الساحق، ولذلك فإنها جنحت إلى مسالمة المسلمين وموادعتهم بعد أن أدركت عدم جدوى استمرارها في عدائهم، مما فتح الباب واسعا لنشر الإسلام في أرجاء الجزيرة العربية، بعد أن تعززت مكانة المسلمين في أعين أعدائهم إلى جانب ما تحقق لهم من خير وتعزيز لوضعهم الاقتصادي. وقد نزلت آية من الذكر الحكيم، أوضحت بأن غنائم خيبر هي خاصة بمن شهد الحديبية من المسلمين

стр. 451

لا يشاركهم فيها أحد، قال تعالى: سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا «١» . غزوة ذات الرقاع: جزم الإمام البخاري بأنها حصلت بعد غزوة خيبر «٢» وكانت وجهة الغزوة بلاد غطفان القريبة من خيبر شمال المدينة، ولم يقع في هذه الغزوة قتال بين المسلمين وغطفان، ولكن أخاف بعضهم بعضا، فصلى المسلمون صلاة الخوف بمنطقة نخل التي تبعد يومين عن المدينة «٣» ، وقد حصلت في هذه الغزوة بعض الأحداث التي كانت لها دلالاتها الكبيرة، منها قصة الأعرابي الذي تسلل إلى معسكر المسلمين وهم في طريق عودتهم إلى المدينة، في وقت القيلولة وقد نزل النبي ﷺ تحت شجرة علق عليها سيفه، فاخترطه الأعرابي والنبي نائم فاستيقظ، فقال له الأعرابي من يمنعك مني؟ فقال له الرسول ﷺ : «الله» «٤» ، فسقط السيف من يده ولم يعاقبه النبي، ونزلت الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ «٥» . السرايا بين غزوة خيبر وعمرة القضاء: كان أول تلك السرايا، هي سرية عمر بن الخطاب- ﵁ الذي بعثه النبي ﷺ في ثلاثين راكبا إلى تربة القريبة من الطائف، وحينما علمت بطون هوازن الساكنة في تربة بذلك هربوا، فرجع عمر بأصحابه إلى المدينة، وكان ذلك في شعبان السنة السابعة من الهجرة. «٦» وفي الوقت نفسه كان أبو بكر الصديق- ﵁ قد تولى أمر سرية بعثها النبي ﷺ إلى بني فزارة

стр. 452

من أرض نجد، فشن عليهم الغارة فقتل منهم وسبى «١» . وبعث النبي ﷺ بشير بن سعد على رأس سرية من ثلاثين رجلا إلى بني مرّة بفدك، فاستاق أنعامهم بينما كانوا في بواديهم، وقد لحقوا بالسرية فقتلوا من لم يتجنبهم، وقاتل بشير بن سعد ببسالة حتى سقط فحسبوه ميتا ورجعوا بأنعامهم، فانحاز بشير بعد ذلك إلى فدك وأقام بها أياما حتى ضمدت جراحه ورجع إلى المدينة، ونقل خبر مصابهم علبة بن زيد الحارثي» . وبعث النبي ﷺ غالب بن عبد الله في مائة وثلاثين راكبا بينهم أسامة بن زيد، إلى الحرقة من جهينة، فصبحوا القوم، وهزموهم قال أسامة: «ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه، قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلّا الله؟» قلت: يا رسول الله، إنما كان متعوذا، قال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلّا الله؟» فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم» «٣» . وبعث النبي ﷺ بشير بن سعد على رأس سرية من ثلاثمائة رجل وعقد له اللواء في شوال سنة ٧ هـ بعد أن بلغه أن عيينة بن حصن قد واعد جمعا من غطفان بالجناب قرب خيبر ليكونوا معا في الزحف على المدينة، وقد هاجمت السرية ديارهم وأصابت غنائم كثيرة من الأنعام، غير أنهم تهاربوا ولم يأسروا منهم إلّا رجلين قدم بهما بشير إلى المدينة فأسلما فأطلق النبي ﷺ أسرهما «٤» . عمرة القضاء: خرج النبي ﷺ ومعه ألفان من المسلمين سوى النساء والصبيان، منهم الذين شهدوا الحديبية، في ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة «٥» ، ميمّمين نحو مكة المكرمة لأداء العمرة، حسب شروط معاهدة الحديبية «٦» ، حيث كانوا تعاقدوا على أن يدخل هو ومن معه من المسلمين مكة المكرمة لأداء العمرة وأن تترك لهم قريش مكة ثلاثة أيام وألا يدخلوا معهم سلاحا إلّا السيوف في الغمد «٧» . وقد أشارت رواية عن موسى بن عقبة أن المسلمين

стр. 453

صحبوا معهم أسلحتهم وذلك خشية من غدر قريش «١» ، وأنهم أبقوها خارج حدود الحرم في ياجج «٢» ، وتركوا عليها مجموعة من المسلمين لحراستها «٣» ، ودخلوا مكة بسلاح الراكب والسيوف في غمدها وفقا لشروط الصلح. دخل الرسول ﷺ والمسلمون مكة في موكب مهيب وهم يلهجون بالتكبير والتلبية، وأورد الترمذي رواية حسنة غريبة جاء فيها أن عبد الله بن رواحة كان يمشي بين يدي رسول الله ﷺ وهو ينشد: خلّوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله «٤» . طاف المسلمون مع النبي ﷺ بالبيت العتيق وأظهروا القوة والجلد في طوافهم وسعيهم كما أمرهم النبي ﷺ «٥» ، ردّا على إشاعة قريش عنهم بأنهم ضعفاء «قد وهنتهم حمّى يثرب» فقد أرملوا وسارعوا بالعدو في الأشواط الثلاثة الأولى من الطواف، كما هرولوا في السعي ليظهروا للمشركين مدى قوتهم وجلدهم. «٦» وكانت قريش قد خرجت من مكة وتجمعت على جبل قعيقعان المواجه للركنين الأسود واليماني من البيت العتيق ينظرون إلى المسلمين في طوافهم وسعيهم ويتعجبون من قوتهم ويلومون بعضهم بعضا بشأن الزعم بأن حمى المدينة قد أوهنتهم «٧» . وبعد أن أدى النبي ﷺ مناسك العمرة هو ومن معه، وجه جماعة من أصحابه إلى موضع سلاحهم في ياجج ليتيحوا الفرصة لإخوانهم الذين كانوا يحرسون السلاح لأداء نسكهم وقضاء عمرتهم، ففعلوا «٨» ، ثم دخل النبي ﷺ الكعبة المشرفة ومكث فيها إلى الظهر، وأورد ابن سعد رواية غير صحيحة جاء فيها أن النبي ﷺ أمر بلالا فأذن على ظهر الكعبة «٩» . ولما انقضت الأيام الثلاثة على إقامة النبي ﷺ والمسلمين في مكة، جاء المشركون من قريش إلى علي بن أبي طالب وقالوا له: «قل لصاحبك: اخرج عنا فقد مضى الأجل» ، فخرج النبي ﷺ من مكة في اليوم الرابع ونزل

стр. 454

بسرف فأقام بها إلى أن تتامّ الناس، ثم انصرف بهم إلى المدينة «١» ، وقد نزل في عمرة القضاء هذه قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً «٢» . وقد اتضحت في عمرة القضاء هذه جملة أحكام منها حكم من نوى العمرة وأهل بها وصد عن الوصول إلى البيت العتيق، ومنها ما يتعلق بأحكام الرضاعة كما في قصة عمارة بن حمزة بن عبد المطلب، ومنها تقديم الخالة في الحضانة على سائر الأقارب بعد الوالدين «٣» . السرايا والأحداث بين عمرة القضاء وغزوة فتح مكة: بعث النبي ﷺ بعد عودته من عمرة القضاء سرية من خمسين فارسا إلى بني سليم جعل عليها ابن أبي العرجاء السلمي، فلما فصلوا من المدينة، خرج عين لبني سليم كان معهم إلى قومه فحذرهم، فجمّعوا واستعدوا للقتال؛ وحين وصلت السرية، ودعوا إلى الإسلام رفضوا واستكبروا وأحدقوا بالسرية فقتلوا عامة من فيها وأصيب ابن أبي العرجاء وسقط بين القتلى ثم تحامل ومن عاد إليه من بقايا سريته حتى بلغوا المدينة في شهر صفر سنة ٨ هـ «٤» . وفي الأول من شهر صفر من السنة الثامنة للهجرة خرج عمرو بن العاص عامدا إلى الرسول ﷺ ليسلم، فلقيه خالد بن الوليد وهو في الطريق إلى المدينة، يريد ما يريد عمرو، فقدما سويا على الرسول ﷺ وبايعاه على الإسلام «٥» . وفي صفر من السنة الثامنة للهجرة، بعث النبي ﷺ سرية من بضعة عشر رجلا جعل عليهم غالب بن عبد الله، وجههم إلى بني الملوّح وهم بالكديد «٦» ، وقد كمنت السرية بعد وصولها الموضع وفي السحر شنّوا الغارة

стр. 455

على الأعداء واستاقوا الأنعام وعادوا بها، وقد عصمهم الله من عدوهم الذي حاول اللحاق بهم «١» . وفي صفر من السنة الثامنة للهجرة- أيضا، هيأ النبي ﷺ سرية من مائتي رجل ليرسلهم إلى فدك للانتقام من قتلة أصحاب بشير بن سعد، وكانت تحت إمرة غالب بن عبد الله الليثي «٢» ، وقد أصابوا منهم غنائم وقتلوا منهم قتلى «٣» . وفي ربيع الأول من العام الثامن للهجرة عهد النبي ﷺ إلى كعب بن عمير بأن يقود سرية تتألف من خمسة عشر رجلا إلى ذات أطلاح من أرض الشام شمال وادي القرى. وقد أنذر القوم بالسريّة فجاءوهم على الخيول وأحدقوا بهم وقتلوهم إلّا رجلا واحدا من المسلمين أفلت منهم وعاد إلى المدينة، وأعلم النبي ﷺ بما حدث «٤» . وفي ربيع الأول من العام الثامن للهجرة بعث النبي ﷺ سرية من أربعة وعشرين رجلا بإمرة شجاع بن وهب إلى جمع من هوازن «بالسيّ» من أرض بني عامر ناحية «ركبة» فأغاروا عليهم، فأصابوا نعما كثيرا وشاء وسبيا وعادوا بعد خمس عشرة ليلة، وجاء في أثرهم وفد القوم إلى المدينة وأعلنوا إسلامهم فرد المسلمون السبي «٥» . ولم تذكر المصادر تاريخا معينا لسريّة زيد بن حارثة التي بعثها النبي ﷺ إلى مدين «٦» وقد أصابوا سبيا من أهل ميناء على ساحل البحر الأحمر، ولما عادت السرية وبيع السبي جرى التفريق بين الأمهات والأولاد «٧» ، فلما علم النبي ﷺ بذلك قال: «لا تبيعوهم إلّا جميعا» «٨» .

стр. 456

سرية مؤتة: أعد النبي ﷺ جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل وبعثه إلى تخوم بلاد الشام في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة بعد عودته بمن اعتمر معه من المسلمين عمرة القضاء بخمسة أشهر «١» ، وقد انفرد الواقدي، بالقول بأن شرحبيل بن عمرو الغسّاني قد اعتدى على مبعوث النبي ﷺ إلى ملك بصرى حين حمل له رسالته وهو الحارث بن عمير الأزدي وقتله صبرا رغم أن العرف الجاري هو أن الرسل لا تقتل «٢» . مما أغضب النبي ﷺ ودفعه إلى إرسال الجيش إلى مؤتة وقد اتخذ النبي ﷺ في هذه السرية إجراء احتياطيّا للمرة الأولى، حيث ولّى عددا من الأمراء بالترتيب، مما دلل على جواز تعليق الإمارة بشرط. فقد عين زيد بن حارثة أميرا على الجيش، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن أبي رواحة «٣» . والراجح أن النبي ﷺ قد توقع أن تحف بالسرية الأخطار بسبب بعد المسافة، وجهلهم بالمنطقة التي وجهوا إليها، وعدم حصول تجربة سابقة في الاحتكاك بقوات الإمبراطورية البيزنطية وحلفائها من القبائل العربية في بلاد الشام» . ودّع المسلمون في المدينة إخوانهم المشاركين في الجيش، والأمراء الذين اختارهم النبي ﷺ لهذه المهمة، وسألوا الله أن يوفقهم ويدفع عنهم ويردهم صالحين «٥» ، وتحرك الجيش حتى وصل إلى معان من أرض الشام وأناخ فيها، وبلغ المسلمون أن هرقل قد نزل بأرض البلقاء في مائتي ألف مقاتل نصفهم من الروم ونصفهم من نصارى العرب من قبائل لخم وجذام وقضاعة «٦» . تشاور المسلمون وهم في معان طوال ليلتين، فاقترح بعضهم مكاتبة الرسول ﷺ وإعلامه بعدد جيش العدو وما توفر لديهم من معلومات عن قوته لكي يرسل إليهم مددا أو يأمرهم بأمره، ومال بعضهم إلى التريث وعدم الاندفاع في مناجزة العدو حتى يأتيهم من النبي ﷺ ما ينير لهم سبيلهم، غير أن عبد الله بن أبي رواحة

стр. 457

انبرى يخاطب الجيش مشجعا على قتال العدو قائلا: «يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ولا نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة» فقال الناس «قد والله صدق ابن أبي رواحة» وأحدثت عباراته الإيمانية الواثقة بقضاء الله وقدره أثرها في نفوس المسلمين «١» . أصدر زيد بن حارثة أمره لقواته بالتقدم نحو قوات العدو متخذا من قرية مؤتة مقرّا لقواته التي عبأها فجعل على ميمنته قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري، والتقى الجيشان غير المتكافئين في عددهم وعدتهم، وكانت ملحمة بطولية خالدة سجل فيها المجاهدون وقادتهم الثلاثة بطولات وجرأة وثباتا نادرا غير أنها انتهت باستشهاد القادة واحدا تلو الآخر «٢» ، واختار المسلمون- حسب توجيه النبي ﷺ قائدا بديلا، هو خالد بن الوليد الذي كان يدرك خطورة الوضع، فأعاد تنظيم الجيش، وأوهم العدو بوصول الإمدادات مما مكنه من اهتبال الفرصة للقيام بانسحاب منظم لم يخسر فيه إلا عددا محدودا من قواته، وبذلك أنقذ الجيش الإسلامي من خطر الإبادة الكاملة أمام جموع العدو الهائلة «٣» ، ويعتبر هذا الإنجاز فتحا كبيرا عند مقارنة خسارة المسلمين المحدودة بما يقابلها من خسائر الروم الذين أثخنت قواتهم بأعداد كبيرة من القتلى والجرحى. ولا شك في أن بسالة المقاتل المسلم وشجاعته النادرة وحرصه على الموت في سبيل الله، إلى جانب عبقرية خالد العسكرية ونظراته الثاقبة، وقدرته على المناورة، وذكائه، وفطنته قد مكنت المسلمين من التخلص من مأزقهم أمام الجيش البيزنطي. وقد ظهرت معجزة للرسول ﷺ في أمر هذه السرية فقد نعى للمسلمين في المدينة زيدا وجعفرا وابن أبي رواحة، قبل أن يصل إليه خبرهم، وحزن رسول الله ﷺ لما وقع للسرية وذرفت عيناه الدموع. ثم أخبرهم باستلام خالد للراية، وبشرهم بالفتح على يديه وأسماه سيف الله «٤» ، وبعد ذلك قدم من أخبرهم بأخبار السرية، ولم يزد عما أخبرهم به النبي ﷺ «٥» ، وكان لشهداء مؤتة مكانة عظيمة عند الله لذلك قال النبي ﷺ : «ما يسرّني أو قال ما يسرّهم أنّهم عندنا» «٦» .

стр. 458

سرية ذات السلاسل: بلغ النبي ﷺ بعد عودة سرية مؤتة إلى المدينة في جمادى الآخرة سنة ثمان للهجرة «١» ، أن قضاعة التي اشتركت في القتال إلى جانب الروم في مؤتة بدأت تتجمع مرة أخرى، وتريد الاقتراب من المدينة لتهديدها، فجهز النبي ﷺ سرية من ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار عهد بأمرها إلى عمرو بن العاص بهدف أن يقضي على خطر قضاعة في مهده. وأمره أن يستعين ببعض فروع قضاعة وخاصة من أخواله من بلي، إلى جانب عذرة وبلقين ومحاولة استئلافهم. وقد تقدمت السرية حتى وصلت ماء السلسل بأرض جذام، فبلغ عمرو بن العاص ضخامة الجموع التي جمعتها قضاعة لمواجهتهم فسارع بإرسال رافع بن مكيث الجهني إلى النبي ﷺ يستمده، فأمده بمائتين من المهاجرين والأنصار بينهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب- ﵄ جعل عليهم أبا عبيدة بن الجراح. وطلب إلى عمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح أن يتطاوعا «٢» . توغلت السرية في بلاد قضاعة التي بلغها الخبر فهربت جموعها وتفرقت «٣» ، وقد مكنت حملة هذه السرية الناجحة المسلمين من استعادة هيبتهم في التخوم الشمالية للجزيرة بعد أن كانت قد تزعزعت في أعقاب سرية مؤتة «٤» . وفي أعقاب سرية ذات السلاسل، تحدثت المصادر التي تعنى بالسيرة والتاريخ عن سريتين أخريين قبل فتح مكة، أولهما سرية ابن حدرد إلى الغابة حيث كان رفاعة بن قيس قد جمّع الجموع فيها يريد أن يقاتل الرسول ﷺ والمسلمين، فدعا النبي ﷺ عبد الله بن حدرد الأسلمي ورجلين من المسلمين ليخرجوا إليه، وقد أمكنهم الله منه فهرب قومه عنه، واستاقت السريّة الكثير من السبي والغنائم التي عادوا بها إلى

стр. 459

المدينة «١» . أما السرية الثانية، فهي سرية أبي قتادة إلى بطن أضم «٢» وكانت في أول رمضان سنة ثمان من الهجرة «٣» وذكر الواقدي أن الرسول ﷺ لما أراد غزو مكة بعث أبا قتادة في ثمانية نفر إلى بطن أضم ليظن الظانّ أن رسول الله ﷺ متوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار «٤» . وقد شارك في السرية محلّم بن جثامة بن قيس، حتى إذا كانوا ببطن أضم مر بهم عامر بن الأخبط الأشجعي فحياهم بتحية الإسلام فأمسكوا عنه، ولكن محلّما سرعان ما حمل عليه فقتله لشيء كان بينهما وسلب بعيره ومتاعه «٥» ، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً «٦» .

стр. 460

غزوة فتح مكة: التزمت قريش بشروط صلح الحديبية حوالي السنة ونصف السنة، ثم وقعت في خطأ كبير حين أعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة حلفاء الرسول ﷺ والمسلمين، حين وثبوا عليهم ليلا على ماء بأرض خزاعة يعرف بالوتير. وقد أعانت قريش بكرا بالخيل والسلاح والرجال «١» ؛ وقالوا: «ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد» ، فعلوا ذلك للضغن على رسول الله ﷺ «٢» . وقد استنجدت خزاعة بالمسلمين، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة يستنصر الرسول ﷺ وأنشد في ذلك أبياتا من الشعر أمامه، فقال له النبي ﷺ . «نصرت يا عمرو بن سالم» ، ثم مرت بهم سحابة، فقال النبي ﷺ : «إنّ هذه السّحابة لتستهلّ بنصر بني كعب» «٣» . وليس هناك من شك في أن انتصار قريش لحلفائها ودعمها لهم على حلفاء المسلمين، هو نقض صريح لبنود صلح الحديبية أدركت قريش أخطاره، وندمت على فعلها له، ولذلك فإنها بادرت إلى إرسال أبي سفيان إلى المدينة بهدف تجديد المعاهدة، وتشير بعض الروايات إلى أن النبي ﷺ أرسل إلى قريش «٤» يخيّرهم بين دفع دية قتلى خزاعة، أو البراءة من حلف بني بكر، أو القتال، فاختارت الحرب، ثم ندمت فبادرت إلى إرسال أبي سفيان كما أسلفنا، لكنه عاد خائبا «٥» ، فقد فشل في الحصول على أي وعد بتجديد المعاهدة التي تضمنت بنود صلح الحديبية «٦» . أمر النبي ﷺ أصحابه بالتجهز والاستعداد للغزو غير أنه لم يسمّ وجهته، وحرص على ضمان السرية التامة
следующие страницы →