← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

سرية مؤتة: أعد النبي ﷺ جيشا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل وبعثه إلى تخوم بلاد الشام في جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة بعد عودته بمن اعتمر معه من المسلمين عمرة القضاء بخمسة أشهر «١» ، وقد انفرد الواقدي، بالقول بأن شرحبيل بن عمرو الغسّاني قد اعتدى على مبعوث النبي ﷺ إلى ملك بصرى حين حمل له رسالته وهو الحارث بن عمير الأزدي وقتله صبرا رغم أن العرف الجاري هو أن الرسل لا تقتل «٢» . مما أغضب النبي ﷺ ودفعه إلى إرسال الجيش إلى مؤتة وقد اتخذ النبي ﷺ في هذه السرية إجراء احتياطيّا للمرة الأولى، حيث ولّى عددا من الأمراء بالترتيب، مما دلل على جواز تعليق الإمارة بشرط. فقد عين زيد بن حارثة أميرا على الجيش، فإن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن أبي رواحة «٣» . والراجح أن النبي ﷺ قد توقع أن تحف بالسرية الأخطار بسبب بعد المسافة، وجهلهم بالمنطقة التي وجهوا إليها، وعدم حصول تجربة سابقة في الاحتكاك بقوات الإمبراطورية البيزنطية وحلفائها من القبائل العربية في بلاد الشام» . ودّع المسلمون في المدينة إخوانهم المشاركين في الجيش، والأمراء الذين اختارهم النبي ﷺ لهذه المهمة، وسألوا الله أن يوفقهم ويدفع عنهم ويردهم صالحين «٥» ، وتحرك الجيش حتى وصل إلى معان من أرض الشام وأناخ فيها، وبلغ المسلمون أن هرقل قد نزل بأرض البلقاء في مائتي ألف مقاتل نصفهم من الروم ونصفهم من نصارى العرب من قبائل لخم وجذام وقضاعة «٦» . تشاور المسلمون وهم في معان طوال ليلتين، فاقترح بعضهم مكاتبة الرسول ﷺ وإعلامه بعدد جيش العدو وما توفر لديهم من معلومات عن قوته لكي يرسل إليهم مددا أو يأمرهم بأمره، ومال بعضهم إلى التريث وعدم الاندفاع في مناجزة العدو حتى يأتيهم من النبي ﷺ ما ينير لهم سبيلهم، غير أن عبد الله بن أبي رواحة

стр. 457

انبرى يخاطب الجيش مشجعا على قتال العدو قائلا: «يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ولا نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة» فقال الناس «قد والله صدق ابن أبي رواحة» وأحدثت عباراته الإيمانية الواثقة بقضاء الله وقدره أثرها في نفوس المسلمين «١» . أصدر زيد بن حارثة أمره لقواته بالتقدم نحو قوات العدو متخذا من قرية مؤتة مقرّا لقواته التي عبأها فجعل على ميمنته قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري، والتقى الجيشان غير المتكافئين في عددهم وعدتهم، وكانت ملحمة بطولية خالدة سجل فيها المجاهدون وقادتهم الثلاثة بطولات وجرأة وثباتا نادرا غير أنها انتهت باستشهاد القادة واحدا تلو الآخر «٢» ، واختار المسلمون- حسب توجيه النبي ﷺ قائدا بديلا، هو خالد بن الوليد الذي كان يدرك خطورة الوضع، فأعاد تنظيم الجيش، وأوهم العدو بوصول الإمدادات مما مكنه من اهتبال الفرصة للقيام بانسحاب منظم لم يخسر فيه إلا عددا محدودا من قواته، وبذلك أنقذ الجيش الإسلامي من خطر الإبادة الكاملة أمام جموع العدو الهائلة «٣» ، ويعتبر هذا الإنجاز فتحا كبيرا عند مقارنة خسارة المسلمين المحدودة بما يقابلها من خسائر الروم الذين أثخنت قواتهم بأعداد كبيرة من القتلى والجرحى. ولا شك في أن بسالة المقاتل المسلم وشجاعته النادرة وحرصه على الموت في سبيل الله، إلى جانب عبقرية خالد العسكرية ونظراته الثاقبة، وقدرته على المناورة، وذكائه، وفطنته قد مكنت المسلمين من التخلص من مأزقهم أمام الجيش البيزنطي. وقد ظهرت معجزة للرسول ﷺ في أمر هذه السرية فقد نعى للمسلمين في المدينة زيدا وجعفرا وابن أبي رواحة، قبل أن يصل إليه خبرهم، وحزن رسول الله ﷺ لما وقع للسرية وذرفت عيناه الدموع. ثم أخبرهم باستلام خالد للراية، وبشرهم بالفتح على يديه وأسماه سيف الله «٤» ، وبعد ذلك قدم من أخبرهم بأخبار السرية، ولم يزد عما أخبرهم به النبي ﷺ «٥» ، وكان لشهداء مؤتة مكانة عظيمة عند الله لذلك قال النبي ﷺ : «ما يسرّني أو قال ما يسرّهم أنّهم عندنا» «٦» .

стр. 458

سرية ذات السلاسل: بلغ النبي ﷺ بعد عودة سرية مؤتة إلى المدينة في جمادى الآخرة سنة ثمان للهجرة «١» ، أن قضاعة التي اشتركت في القتال إلى جانب الروم في مؤتة بدأت تتجمع مرة أخرى، وتريد الاقتراب من المدينة لتهديدها، فجهز النبي ﷺ سرية من ثلاثمائة من المهاجرين والأنصار عهد بأمرها إلى عمرو بن العاص بهدف أن يقضي على خطر قضاعة في مهده. وأمره أن يستعين ببعض فروع قضاعة وخاصة من أخواله من بلي، إلى جانب عذرة وبلقين ومحاولة استئلافهم. وقد تقدمت السرية حتى وصلت ماء السلسل بأرض جذام، فبلغ عمرو بن العاص ضخامة الجموع التي جمعتها قضاعة لمواجهتهم فسارع بإرسال رافع بن مكيث الجهني إلى النبي ﷺ يستمده، فأمده بمائتين من المهاجرين والأنصار بينهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب- ﵄ جعل عليهم أبا عبيدة بن الجراح. وطلب إلى عمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح أن يتطاوعا «٢» . توغلت السرية في بلاد قضاعة التي بلغها الخبر فهربت جموعها وتفرقت «٣» ، وقد مكنت حملة هذه السرية الناجحة المسلمين من استعادة هيبتهم في التخوم الشمالية للجزيرة بعد أن كانت قد تزعزعت في أعقاب سرية مؤتة «٤» . وفي أعقاب سرية ذات السلاسل، تحدثت المصادر التي تعنى بالسيرة والتاريخ عن سريتين أخريين قبل فتح مكة، أولهما سرية ابن حدرد إلى الغابة حيث كان رفاعة بن قيس قد جمّع الجموع فيها يريد أن يقاتل الرسول ﷺ والمسلمين، فدعا النبي ﷺ عبد الله بن حدرد الأسلمي ورجلين من المسلمين ليخرجوا إليه، وقد أمكنهم الله منه فهرب قومه عنه، واستاقت السريّة الكثير من السبي والغنائم التي عادوا بها إلى

стр. 459

المدينة «١» . أما السرية الثانية، فهي سرية أبي قتادة إلى بطن أضم «٢» وكانت في أول رمضان سنة ثمان من الهجرة «٣» وذكر الواقدي أن الرسول ﷺ لما أراد غزو مكة بعث أبا قتادة في ثمانية نفر إلى بطن أضم ليظن الظانّ أن رسول الله ﷺ متوجه إلى تلك الناحية، ولتذهب بذلك الأخبار «٤» . وقد شارك في السرية محلّم بن جثامة بن قيس، حتى إذا كانوا ببطن أضم مر بهم عامر بن الأخبط الأشجعي فحياهم بتحية الإسلام فأمسكوا عنه، ولكن محلّما سرعان ما حمل عليه فقتله لشيء كان بينهما وسلب بعيره ومتاعه «٥» ، وفي ذلك نزل قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً «٦» .

стр. 460

غزوة فتح مكة: التزمت قريش بشروط صلح الحديبية حوالي السنة ونصف السنة، ثم وقعت في خطأ كبير حين أعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة حلفاء الرسول ﷺ والمسلمين، حين وثبوا عليهم ليلا على ماء بأرض خزاعة يعرف بالوتير. وقد أعانت قريش بكرا بالخيل والسلاح والرجال «١» ؛ وقالوا: «ما يعلم بنا محمد، وهذا الليل وما يرانا أحد» ، فعلوا ذلك للضغن على رسول الله ﷺ «٢» . وقد استنجدت خزاعة بالمسلمين، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة يستنصر الرسول ﷺ وأنشد في ذلك أبياتا من الشعر أمامه، فقال له النبي ﷺ . «نصرت يا عمرو بن سالم» ، ثم مرت بهم سحابة، فقال النبي ﷺ : «إنّ هذه السّحابة لتستهلّ بنصر بني كعب» «٣» . وليس هناك من شك في أن انتصار قريش لحلفائها ودعمها لهم على حلفاء المسلمين، هو نقض صريح لبنود صلح الحديبية أدركت قريش أخطاره، وندمت على فعلها له، ولذلك فإنها بادرت إلى إرسال أبي سفيان إلى المدينة بهدف تجديد المعاهدة، وتشير بعض الروايات إلى أن النبي ﷺ أرسل إلى قريش «٤» يخيّرهم بين دفع دية قتلى خزاعة، أو البراءة من حلف بني بكر، أو القتال، فاختارت الحرب، ثم ندمت فبادرت إلى إرسال أبي سفيان كما أسلفنا، لكنه عاد خائبا «٥» ، فقد فشل في الحصول على أي وعد بتجديد المعاهدة التي تضمنت بنود صلح الحديبية «٦» . أمر النبي ﷺ أصحابه بالتجهز والاستعداد للغزو غير أنه لم يسمّ وجهته، وحرص على ضمان السرية التامة

стр. 461

في هذا المجال، وسأل ربه قائلا: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتها في بلادها» «١» . بدأت الاستعدادات لحشد القوة الإسلامية القصوى المستطاعة، وكان لا بد من أن يعلم النبي ﷺ أصحابه بأنه سائر إلى مكة، ثم استنفر القبائل التي تقطن قرب المدينة: سليما وأشجع ومزينة وأسلم وغفارا، فمنهم من التحق بالجيش الإسلامي في المدينة، ومنهم من التحق بالمسلمين في الطريق إلى مكة «٢» ، وقد ارتفعت معنويات المسلمين كثيرا، وكان حسان بن ثابت يلقي شعره الذي يذكر فيه بمصاب خزاعة، ونقض المشركين للعهد، ويحرض المسلمين على القتال «٣» ، وبلغ عدد جيش المسلمين عشرة آلاف مقاتل «٤» ، وأوعب مع رسول الله ﷺ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد» «٥» ، وهذا يدل على مدى تعاظم قوات المسلمين خلال فترة السنة ونصف التي أعقبت صلح الحديبية «٦» ، ورغم ذلك فقد التزم الجميع بالسرية التامة وحجبت الأخبار تماما عن قريش «٧» مما يعكس مدى الضبط والربط والالتزام الدقيق بأوامر القيادة، والتقويم السليم للمصلحة الإسلامية العليا. وكان الاستثناء الوحيد في هذا المجال المحاولة الفاشلة التي أقدم عليها الصحابي البدري حاطب ابن أبي بلتعة حين أرسل مع امرأة كتابا إلى قريش يخبرهم فيه بأمر الغزوة» . وهنا تظهر إحدى معجزات النبي ﷺ فقد أمر ثلاثة من الصحابة «٩» بأن يقتفوا أثر المرأة وقال لهم: «انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ، فإنّ بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها» «١٠» ، وقد نفذ الصحابة أمر النبي ﷺ فأمسكوا بالمرأة في الموضع المحدد وطالبوها بالكتاب فأنكرت أمره في باديء الأمر، ولكنهم هددوها بالقيام بتفتيشها، فسلمته لهم، وحينما رجعوا بالكتاب والمرأة أرسل النبي ﷺ في طلب حاطب وسأله عن أمر الكتاب فلم ينكر وقال للنبي ﷺ : «يا رسول

стр. 462

الله، لا تعجل عليّ، إني كنت: امرأ ملصقا في قريش حليفا، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام» فقال النبي ﷺ : «أما إنّه قد صدقكم» . فقال عمر بن الخطاب- ﵁: «يا رسول الله: دعني أضرب عنق هذا المنافق» ، فقال النبي ﷺ : «إنّه قد شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على من شهد بدرا وقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» «١» ، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ «٢» . فدمعت عينا عمر وقال: «الله ورسوله أعلم» «٣» . بدأت قوات الفتح مسيرتها المظفرة من المدينة في العاشر من رمضان سنة ثمان من الهجرة «٤» ، بعد أن استخلف النبي ﷺ على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري «٥» ، وكانوا صياما فواصلوا الصوم حتى بلغوا كديدا فأفطر النبي ﷺ وأفطر الجيش «٦» ، وقد وصل المسلمون إلى مرّ الظهران وعسكروا هناك دون أن تصل قريشا أية أخبار عن تحركهم مما يدل على نجاح المسلمين في تعمية الأخبار «٧» وفي الطريق إلى مكة، قدم بعض زعماء قريش إلى النبي ﷺ فأعلنوا إسلامهم، منهم ابن عم أبيه وأخوه من الرضاعة أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب «٨» ،

стр. 463

وكان قد لقيه بالأبواء فأسلم على يديه، وأسلم عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة «١» ، وكان قبل ذلك شديد العداوة للمسلمين أيضا، وكان إسلامه حين التقى النبي ﷺ بين السقيا والعرج. ولقى الرسول ﷺ في الجحفة عمه العباس ابن عبد المطلب مهاجرا بعياله يريد المدينة «٢» ، وكان العباس قد أسلم قبيل غزوة خيبر «٣» . خرج ثلاثة من زعماء قريش من مكة ليتحسسوا الأخبار عن رسول الله ﷺ والمسلمين وهم أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن جزام، وبديل بن ورقاء، ولم تكن الأخبار قد وصلت مسامع قريش عن خروج المسلمين وتقدمهم ووصولهم إلى مرّ الظهران، ولكنهم كانوا يتوقعون أمرا بسبب فشل سفارة أبي سفيان إلى المدينة ومسعاه عند الرسول ﷺ في تجديد معاهدة الصلح، وكان الزعماء القرشيون الثلاثة قد أبصروا جيشا كثيفا يعسكر في المنطقة ولا حظوا كثرة نيران معسكره، وكان أبو سفيان ورفيقاه يتناقشون في أمر هذا الجيش، فقد ظن بديل بن ورقاء أنها جموع خزاعة، وعارضه أبو سفيان في ذلك، فمر بهم العباس بن عبد المطلب وأخبرهم بأنه جيش المسلمين، وحين سألوه عن رأيه طلب من أبي سفيان أن يمضي معه وبجواره إلى معسكر المسلمين، رغبة من العباس فيما يبدو في أن يصون مكة ويمنع الدماء والقتال، فوافقه أبو سفيان، ولما دخل أبو سفيان معسكر المسلمين أراد عمر قتله واستأذن الرسول ﷺ في ذلك فصرفه عنه، وأدخل العباس أبا سفيان على الرسول ﷺ ، فدعاه إلى الإسلام، وأمضى معه في ذلك شطرا من الليل، فتلطف في الكلام غير أنه تردد في إعلان إسلامه، ولكنه بعد أن أمضى ما بقي من ليلته تلك مع العباس عاد في صباح اليوم التالي فحضر مجلس النبي ﷺ وأسلم «٤» . أراد النبي ﷺ أن يطلع أبا سفيان على قوة المسلمين وعددهم وعدتهم وتنظيمهم، فأمر عمه العباس أن يقف مع أبي سفيان عند مضيق الجبل بمر الظهران، ومر جيش المسلمين أمامه وأدرك بأنهم أصبحوا قوة غالبة

стр. 464

لا تستطيع قريش مواجهتهم، حتى إذا مرت به كتيبة المهاجرين والأنصار وفيهم رسول الله ﷺ ، قال أبو سفيان للعباس: «والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما» ، فقال له العباس: «ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوّة» ، قال: «فنعم إذا» «١» . وطلب العباس من النبي ﷺ أن يجعل لأبي سفيان شيئا يفخر به- وهو يعرف أنه يحب الفخر- فوافق على ذلك وقال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» «٢» . وحين مرت كتيبة الأنصار بأبي سفيان عند المضيق بمر الظهران، قال سعد بن عبادة حامل رايتهم: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة» «٣» فتأثر أبو سفيان من ذلك واشتكى إلى الرسول ﷺ من مقالة سعد، فقال ﷺ : «كذب «٤» سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة» «٥» ، وأخذ النبي ﷺ راية الأنصار من سعد بن عبادة ودفعها إلى ابنه قيس، ولكن سعدا كلم النبي ﷺ بعد ذلك ملتمسا أن يصرف ابنه عن الموضع الذي هو فيه، مخافة أن يقع في خطأ، فأخذها منه «٦» . ويقدم محمد بن عمر الواقدي تفصيلات دقيقة عن تشكيلات الجيش الإسلامي وأعداد المهاجرين والأنصار وكل من القبائل المشاركة، وأسماء المبعوثين الذين أرسلهم النبي ﷺ إلى القبائل لاستنفارها، وتوزيع الرايات والألوية على أمراء الكتائب «٧» . عاد أبو سفيان إلى مكة بعد أن رأى مبلغ قوة المسلمين وكثرتهم واستعدادهم وعدتهم وبسالتهم، وحين دخل مكة صرخ في قومه محذرا أنه لا قبل لهم بما جاء به النبي ﷺ من قوات ونهاهم عن المقاومة، ووجههم إلى

стр. 465

ما يحقق أمنهم مما قاله رسول الله ﷺ «١» . قرر النبي ﷺ وهو في مر الظهران الزحف على مكة فعبأ الجيش وقسمه إلى مجنبتين وقلب من الفرسان، وجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، والزبير بن العوام على المجنبة اليسرى، وأبا عبيدة عامر بن الجراح على الرجالة «٢» ، وكانت رايته سوداء ولواؤه أبيض «٣» . لم يرتدع المشركون المعاندون ورءوس الكفر من قريش عن غيهم حتى بعد أن أحدقت بهم قوات المسلمين، فقد عولوا على تجميع قوات من قبائل شتى من حلفائهم لكي يدفعوهم لحرب المسلمين بقصد منعهم من دخول مكة، وكانوا مهيّئين للالتحاق بتلك القوات إذا حققت ما يؤملون، أما في حالة الفشل فإنهم يعطون ما طلب أبو سفيان منهم من الصلح. وقاد جموع أحلاف قريش التي تجمعت في الخندمة «٤» صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو «٥» . أمر النبي ﷺ قواته بدخول مكة لفتحها وقتال المقاومين، فتقدم المسلمون حتى وصلوا إلى الصفا ما يعرض لهم أحد يقاومهم إلّا قتلوه «٦» . دخل النبي ﷺ مكة من أعلاها من جهة كداء «٧» ، في حين دخل خالد بن الوليد بقواته من أسفلها «٨» ، وكانت مقاومة المشركين يسيرة، وكانت أعنف المواجهات قد حصلت عند جبل الخندمة حين التحمت قوات خالد بالمشركين فاستشهد اثنان من فرسان المسلمين على أصح الروايات «٩» ، في حين قتل من المشركين اثنا عشر رجلا «١٠» ، وكان هذا القتال الذي جرى في مكة بسبب عدم احترام المقاومين للأمان الذي أعلنه النبي ﷺ لأهل مكة، وقد توجع أبو سفيان بسبب كثرة القتلى وخاطب النبي ﷺ قائلا: «يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد

стр. 466

اليوم» .» ولقد أهدر النبي ﷺ دماء أربعة رجال وامرأتين بسبب ما كانوا قد ألحقوه من أذى شديد وتنكيل بالمسلمين فكان في إهدار دمائهم عبرة للطغاة والمستهترين، ولكل من تسول له نفسه الظلم والطغيان «٢» . وأباح النبي ﷺ لخزاعة أن تثأر من بني بكر في اليوم الأول من فتح مكة حتى العصر وذلك لما كان منهم بالوتير «٣» ، وعند ما دخل العصر أمر بكف السلاح عن بني بكر، وبيّن حرمة مكة «٤» . أعلن النبي ﷺ العفو العام عن عامة أهل مكة حيث اجتمعوا إليه قرب الكعبة المشرفة ينتظرون حكمه فيهم فقال لهم: «ماذا تظنّون أنّي فاعل بكم؟» ،: فقالوا «خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم» فقال لهم: «لا تثريب عليكم يغفر الله لكم» ، وفي: رواية «اذهبوا فأنتم الطّلقاء» «٥» . وقد نزل قول الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ «٦» . لم يدخل النبي ﷺ مكة دخول الفاتحين، بل إنه دخل خاشعا لله تعالى وهو يقرأ سورة الفتح ويرجّع في قراءتها وهو على راحلته «٧» ، وقد دخل المسجد الحرام وطاف بالكعبة المشرفة فاستلم الركن بمحجنه كراهة أن يزاحم الطائفين ولكي يعلّم أبناء الأمة آداب الطواف، وأعلن ﷺ حرمة مكة وبأنها لا تغزى بعد الفتح «٨» ، ورفع من مكانة قريش وأمر بألّا يقتل قرشي صبرا بعد الفتح وإلى يوم القيامة «٩» . وقد أمر ﷺ بتحطيم الأصنام والأوثان، وشارك ﷺ بنفسه في ذلك وهو يقرأ قول الله تعالى: قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ «١٠» . وقوله تعالى: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً «١١» .

стр. 467

وقد تم تحطيم الأصنام جميعا، وكان عددها ثلاثمائة وستين صنما «١» . وكانت قد علقت في جدران الكعبة الداخلية صورا لإبراهيم وإسماعيل وإسحق وهم يستقسمون بالأزلام فقال ﷺ : «قاتلهم الله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام» «٢» . ووردت رواية أخرى تذكر وجود صورة مريم معلقة داخل الكعبة «٣» فغطيت جميع الصور بالزعفران وتم إزالتها من جوف الكعبة قبل أن يدخل النبي ﷺ فيها «٤» ، ووجد فيها حمامة من عيدان فكسّرها ورمى بها خارج الكعبة «٥» ، وعند ما طهرت الكعبة دخلها النبي ﷺ وصلى بها «٦» . وحين خرج ﷺ من الكعبة دعا عثمان ابن طلحة فأعطاه مفتاح الكعبة فأبقى الحجابة في أيدي بني شيبة كما كانت في الجاهلية «٧» ، ثم استلم الحجر الأسود وطاف بالبيت من غير إحرام مهللا مكبرا شاكرا ذاكرا حامدا «٨» . أمر النبي ﷺ بلالا الحبشي أن يؤذن، فصعد إلى ظهر الكعبة وأذن عليها «٩» ، وبعد تطهير البيت العتيق من الأصنام عاد البيت كما أراه الله تعالى مركزا للتوحيد الخالص، وكان ذلك أكبر ضربة للوثنية في جزيرة العرب حيث كانت الكعبة من أعظم مراكزها، وإتماما لهذا الهدف الأساسي، فإنه ما أن تم فتح مكة وجرى تطهير الكعبة، حتى بادر النبي ﷺ إلى إرسال بعض أصحابه لهدم ما تبقى من مراكز الوثنية، فقد وجّه خالد بن الوليد إلى نخلة من ديار ثقيف لهدم «العزّى» التي كانت قبائل مضر وقريش وكنانة تعبدها وتعظمها، فهدمها، وكان ذلك في الخامس والعشرين من شهر رمضان «١٠» ، وأرسل سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا إلى «مناة»

стр. 468

بالمشلل من ناحية قديد، وكانت من الأصنام التي تعظمها قبائل العرب وخصوصا الأوس والخزرج قبل الإسلام فهدمها وذلك لست بقين من رمضان «١» . كما أرسل عمرو بن العاص إلى «سواع» صنم هذيل فهدمه، وأرسل الطفيل بن عمرو الدوسي لإحراق (ذي الكفّين) صنم عمرو بن حممة فأنجز الطفيل مهمته «٢» . مما أزال أكبر مراكز الوثنية التي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «٣» . اجتمع الناس لمبايعة النبي ﷺ على السمع والطاعة لله ورسوله «٤» ، فلما فرغ من بيعة الرجال، بايع النساء وأورد الطبري في تاريخه تفصيلات بيعة النساء، وهي لم ترد عن طريق صحيحه، وقد تضمنت «ألّا يشركن بالله تعالى ولا يسرقن ولا يزنين ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصين الرسول في معروف» «٥» . ولقد خشي بعض الأنصار أن يكون الأمان الذي منحه الرسول ﷺ لقريش وتسامحه معهم دليلا على رغبته في قريته ورغبته في المقام بين أبناء عشيرته، فأخبره الوحي بما قالوا فخاطبهم قائلا: «إنّي عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم والممات مماتكم» ، فاعتذروا إليه فقبل اعتذارهم «٦» . خطب النبي ﷺ بعد فتح مكة عدة خطب وردت بمرويات صحيحة ومتواترة، أولها كانت خطبته يوم الفتح على باب الكعبة بيّن فيها دية الخطأ شبه العمد في القتل، وألغى مآثر الجاهلية وثاراتها مستثنيا منها سقاية الحاج وسدانة البيت العتيق «٧» . وفي الخطبة الثانية أبطل أحلاف الجاهلية وبأنه «لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف الجاهلية فإن الإسلام لا يزيده إلا شدة، والمؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، يرد سراياهم على قعيدهم» ، كما بين ﷺ فيها أنه: «لا يقتل مؤمن بكافر، دية الكافر نصف دية المسلم» ، وأنه «لا جلب ولا

стр. 469

جنب ولا تؤخذ صدقاتهم إلّا في دورهم» «١» . أما في الخطبة الثالثة فقد أعلن ﷺ تحريم مكة وتحريم صيدها وخلالها ولقطتها والقتال فيها، وقال إن الله قد أحلها له ساعة من نهار وهو وقت الفتح، وبين أنه لا هجرة بعد الفتح ولكن يبقى الجهاد والنية «٢» . وأوضح ﷺ في خطبته الرابعة: أن وليّ المقتول بالخيار بين قبول الدية أو القصاص «٣» . وفي فتح مكة نزل قول الله تعالى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً «٤» . ولقد كان من أبرز نتائج فتح مكة مبادرة قبائل العرب إلى قبول الإسلام بعد أن تيقنوا من نتيجة الصراع بين المسلمين وقريش، وقد أورد الإمام البخاري رواية من حديث عمرو بن سلمة جاء فيها: أن العرب كانت «تلوّم بإسلامها الفتح، يقولون: انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق وهو نبي، فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم» » ، ويرى ابن إسحاق أن العرب كانت «تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر رسول الله ﷺ ، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوخها الإسلام، وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله، كما قال أفواجا يضربون إليه من كل وجه» «٦» . ومن نتائج فتح مكة المكرمة تحول مركز ثقل معسكر الشرك إلى الطائف حيث سارعت كل من قبيلتي هوازن وثقيف إلى التصدي للإسلام وقيادة معسكر الشرك المعادي له. وإضافة إلى ما تحقق في فتح مكة من اتساع رقعة ديار الإسلام، وتسارع وتيرة دخول العرب في الإسلام، وإنهاء مقاومة قريش وحلفائها، وتحولهم إلى قوة إيجابية دافعة لنشر العقيدة الإسلامية والتصدي لخصومها ودفع الخطر عنها، فقد اتضحت بعض الأحكام الشرعية المهمة من جراء فتح مكة وخلال أحداث غزوتها، من ذلك جواز الصيام والإفطار في نهار رمضان للمسافر في غير معصية «٧» .

стр. 470

كما اتضحت بعض الأحكام المتعلقة بإمامة الصلاة «١» وتحديد مدة قصر الصلاة للمسافر «٢» ، وتأكيد صلاة سنة الضحى وعدد ركعاتها «٣» ، وكان في إقرار الرسول ﷺ لجوار أم هاني «٤» إقرارا لأمان النساء «٥» ، وقد أبيحت المتعة يوم الفتح ثم حرمت بعد ذلك تحريما أبديا إلى يوم القيامة «٦» ، كما توضحت الأحكام الخاصة بنكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله «٧» ، وكذلك حكم «الولد للفراش» «٨» ، ومنها حق الزوجة في الإنفاق على نفسها وعيالها من مال زوجها بالمعروف دون علمه إذا امتنع عن النفقة «٩» ، ومنها تحريم بيع الخمر والميتة والأصنام والأوثان «١٠» ، ومن ذلك تحريم الشفاعة في حد من حدود الله «١١» ، ومنها منع صبغ الشيب بالسواد وبيان حكم خضابه بالحناء «١٢» ، والنهي عن قتل المرأة مادامت لا تقاتل «١٣» ، وعدم جواز الوصية بأكثر من ثلث المال «١٤» ، ومنها جواز دخول مكة بغير إحرام «١٥» .

стр. 471

سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة: وخلال إقامته في مكة المكرمة بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد على رأس سرية كبيرة من المهاجرين والأنصار وغيرهم من بني سليم بلغ عددهم ثلاثمائة وخمسين رجلا فيهم عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمر إلى بني جذيمة «١» ، وذلك في شوال سنة ثمان من الهجرة، داعيا لهم إلى الإسلام «٢» ، فلما وصلت السرية وعرض خالد عليهم الإسلام لم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فقتل منهم وأسر، ثم دفع بعد ذلك إلى كل رجل من السرية أسيرا، ثم أمرهم ذات يوم بقتل أسراهم فأبى ذلك جماعة من الصحابة منهم عبد الله بن عمر حيث قال: «والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره» ، وجرت ملاحاة بين عبد الرحمن بن عوف وخالد بن الوليد بسبب ذلك حتى كاد أن يقع بينهما شر «٣» فلما قدموا على النبي ﷺ وأخبروه بما جرى وما فعل خالد، رفع النبي ﷺ يديه إلى السماء وقال: «اللهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد» ، كررها مرتين «٤» كما أنكر ﷺ على خالد ما فعله من شتم عبد الرحمن بن عوف وقال: «لا تسبّوا أحدا من أصحابي، فإنّ أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» «٥» . وبعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب- ﵁ إلى بني جذيمة لإصلاح ما أحدثه خالد في تأوله الأمر واجتهاده الخاطيء فيها «٦» ، فودى لهم قتلاهم وزادهم فيها تطييبا لنفوسهم وبراءة من دمائهم «٧» .

стр. 472

غزوة حنين: تحركت قوات هوازن وثقيف في أعقاب فتح مكة يريدون قتال المسلمين، فنزلوا حنينا، وقد أرادوها موقعة حاسمة فحشدوا كل ما لديهم من القوات «١» والأموال والنساء والأبناء حتى يستقتلوا فلا يفكر أحد منهم في الفرار ويترك أهله وماله. واستنفروا معهم غطفان وغيرها «٢» . وكان يقود الجموع مالك بن عوف النصري- الذي اجتمع إليه بنو نصر قومه، وبنو جشم، وبنو سعد بن بكر، وقليل من بني هلال، وعدد من بني عوف بن عامر، وعمرو بن عامر، وتخلف من هوازن كعب وكلاب، أما ثقيف فقد التحقت بهم كلها مع أحلافها بالإضافة إلى بني مالك «٣» وقد بلغ تعداد قوات المشركين هذه عشرين ألف مقاتل «٤» ، وقد رتب مالك بن عوف قواته في صفوف حسنة، جعل الخيالة في المقدمة ثم الرجالة، وخلفهم حشد النساء والأولاد والأنعام والأثقال «٥» . بلغت رسول الله ﷺ أخبار التحشدات التي جمعتها قوى الشرك لمواجهة الإسلام، وأراد جمع المعلومات الدقيقة عنهم، ولذلك فإنه بادر بإرسال عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي للتعرف على أمرهم، فارتحل إليهم ومكث فيهم يوما أو يومين قبل أن يعود بأخبارهم إلى النبي ﷺ «٦» ، وبعد جمع المعلومات العسكرية المطلوبة عن المشركين بدأ النبي ﷺ بالاستعدادات المطلوبة لمواجهتهم فاستعار مائة درع من صفوان بن أمية «٧» ، واستدان أربعين ألف درهم من حويطب بن عبد العزى» ، وقبل عون نوفل بن الحارث بن عبد المطلب له بثلاثة آلاف رمح «٩» . كان جيش الفتح في مكة مستعدا إذ لم يلق مقاومة تذكر في فتح مكة، كما أن إقامته في مكة بعد الفتح مدة خمسة عشر يوما قد منحته الكثير من الراحة واستعادة النشاط، إضافة إلى ما تحقق له من ارتفاع في الروح المعنوية بما منحه الله من نصر، ولذلك فإنه كان مهيأ لمواجهة عدوان المشركين، وقد تحرك جيش المسلمين بناء على أمر قائده النبي ﷺ في اليوم الخامس من شوال سنة ٨ هـ ميمما نحو تجمعات المشركين في حنين «١٠» ، وقد ثبت في الصحيحين مشاركة أبناء مكة في غزوة حنين في صفوف المسلمين «١١» ، فقد شارك ألفا مقاتل من أهل مكة، فبلغ عدد قوات

стр. 473

الجيش الإسلامي اثنى عشر ألف مقاتل، وهو أكبر جيش للمسلمين يخرج للقتال في حياة النبي ﷺ حتى هذه الغزوة «١» ، وكان النبي ﷺ حريصا على تأمين قواته لذلك فقد اهتم بحراسة الجيش ومراقبة تحركات العدو «٢» . ولقد كان لوجود «الطلقاء» من أبناء مكة الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام آثاره السلبية فقد رأى بعضهم أثناء تقدم الجيش الإسلامي نحو حنين شجرة تعرف بذات أنواط يعلق عليها المشركون أسلحتهم فطالبوا النبي ﷺ أن يجعل لهم مثلها، فانتهرهم النبي ﷺ قائلا: «سبحان الله، كما قال قوم موسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «٣» ، والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من قبلكم» «٤» . ومن تلك الآثار السلبية، ما أصاب بعض المسلمين من غرور وإعجاب بكثرتهم، فقال أحدهم: «لن نغلب من قلة» ، وقد أصاب هذا الشعور آخرين منهم مما استحقوا معاقبة الله لهم فأذاقهم مرارة الهزيمة في المواجهة الأولى في حنين، وعاقبهم وبيّن لهم أن النصر هو من عند الله، وبأن شعورهم بالزهو لكثرتهم كان سببا في ذلك الدرس القاسي، ولقد انتبه النبي ﷺ إلى ذلك الانحراف، فأكد لهم أن النصر من عند الله، وأنه يفتقر لربه ويدعوه وحده فقال ﷺ : «اللهمّ بك أحول، وبك أجول، وبك أقاتل» ، كما قص على أصحابه قصة النبي الذي أعجب بكثر أمته فابتلاهم الله بالموت، فكان إدبارهم في المواجهة الأولى والأهوال التي واجهوها قد أرجعتهم إلى التصور الصحيح وإفراد التوكل على الله سبحانه «٥» . ولعل من المناسب أن نشير إلى تصرفات بعض الأعراب والطلقاء الذين لم تكن تهمهم نتائج الصراع ومدلولاته بقدر ما كان يعنيهم الحصول على الغنائم «٦» ، وكذلك بعض زعماء قريش الذين كانوا يقفون في مؤخرة جيش المسلمين يراقبون تطور المعركة وينتظرون معرفة المنتصر فيها «٧» . كانت قوات المشركين قد سبقت المسلمين إلى وادي حنين، فاختاروا مواقعهم، ووزعوا قواتهم، وأحكموا خطتهم التي اعتمدت على الاستفادة من طبوغرافية الموقع وثناياه وأشجاره وانحدار طريق المسلمين إليهم، وعلى المفاجأة ومباغتة المقاتلة المسلمين بالنبال بهدف إبادتهم، وكانت معنوياتهم عالية بسبب كثرتهم وشجاعتهم

стр. 474

وخبراتهم القتالية «١» . وعلى الجانب الإسلامي، عبأ النبي ﷺ جيشه بالسّحر وعقد الألوية والرايات ورتب الجند على هيئة صفوف منتظمة، واستقبل بجيشه وادي حنين «٢» ، وانحدروا مع بزوغ الفجر تتقدمهم على المجنبات الخيالة بقيادة خالد بن الوليد «٣» ، وكان المقاتلة من بني سليم في طليعة القوات الإسلامية منذ خروجها من مكة «٤» . اندفع المسلمون نحو جموع هوازن، فانكشفوا، فانكب المسلمون على ما تركوه من الغنائم، وبينما هم منشغلون بذلك، نفذت هوازن الخطوة الثانية من خطتها إذ سرعان ما عادت قواتها لتستقبل المسلمين، في الوقت الذي ظهرت قواتها الكامنة فأمطرتهم بوابل عنيف من السهام من الجانبين «ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقا ما كانوا يخطئون» «٥» ، وفوجيء المسلمون وتساقط شهداؤهم «٦» وضاقت عليهم الأرض بما رحبت فولوا مدبرين لا يلوون على شيء، حيث انكشفت خيالة المسلمين في البداية ثم اتبعهم المشاة، ثم بقية الجيش، واستمر القتال في هذه الجولة من الفجر إلى الليل ثم استمرت طوال ذلك الليل، وتقدم المصادر الموثقة معلومات مفصلة عن الصعوبات التي واجهها المسلمون من الحر الشديد، والأرض الرملية، وارتفاع الغبار في وجوههم مما حد من قدرتهم على الرؤية «٧» . وكان ذلك درسا قاسيا عاقب الله تعالى به أولئك الذين أصابهم العجب والزهو ووصفهم القرآن الكريم بقوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ «٨» . أما النبي ﷺ فقد ثبت وصمدت معه فئة قليلة من الصحابة، وكان يركب بغلته «٩» ، وينظر إلى إدبار المسلمين ويدعوهم إلى الثبات، وهو يدفع بغلته نحو العدو وهو يردد: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» ، ومعه العباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يمسكان بعنان بغلته لئلا تسرع به بين جموع العدو، وقد تراجع قليل من المسلمين يسيرا في الوقت الذي ابتعد معظمهم مدبرين ولم يصمد معه سوى عشرة أو اثني عشر من الصحابة فيهم العباس وأبو سفيان بن الحارث وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي

стр. 475

طالب- ﵃ «١» . وطلب الرسول ﷺ من عمه العباس وكان جهوري الصوت أن ينادي الناس بالثبات وخص منهم أصحاب بيعة الرضوان فأسرعوا إليه عجلين، ثم نادى الأنصار ثم بني الحارث بن الخزرج فتلاحقوا نحوه حتى أصبحوا بين ثمانين ومائة مقاتل، عادوا إلى قتال هوازن وحلفائها، وكانت جولة جديدة أخلصوا فيها النية وحسن التوجه إلى الله وأظهروا فيها من الشجاعة وصدق العزيمة والثبات ما مكنهم من الصمود بوجه المشركين «٢» ، وكان النبي ﷺ يدعو ربه ويسأله النصر، وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب اللهمّ نزّل نصرك» «٣» . وحين غشيه الأعداء ترجل عن بغلته وقاتل، وكان الصحابة إذا اشتد البأس والتحم القتال يتقون به لشجاعته وثباته «٤» . وعند ما رأى من فر من المسلمين موقفه وثباته وسمعوا صوت العباس يناديهم عادوا إلى المعركة والتحقوا بقوات الرسول ﷺ وهم ينادون: لبّيك لبّيك! حتى إن بعضهم لم ينتظر حتى يتمكن من أن يلوي عنان بعيره ليعود به، فهو يتركه ويأخذ درعه وسيفه ورمحه ويعود راكضا حتى ينتهي إلى موقع رسول الله ﷺ فيجالد المشركين «٥» . واشتد القتال وتكاتفت قوى الإيمان والخير فقال النبي ﷺ : «هذا حين حمي الوطيس» «٦» . وأخذ النبي ﷺ قبضة من تراب وحصيات من الأرض فرمى بهما وجوه الكفار وهو يقول: «شاهت الوجوه» «٧» ؛ فما كان منهم أحد إلّا ملئت عينه ترابا من تلك القبضة فولوا مدبرين، والرسول ﷺ يقول: «انهزموا وربّ محمّد» كررها مرتين «٨» . وهكذا لم تصمد قوات المشركين طويلا في الجولة الثانية حين صدق المسلمون ما عاهدوا الله عليه، وأجرى الله تعالى على يد نبيه المعجزة الواضحة، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم من قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ* ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ

стр. 476

عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» . انهارت قوى الشرك، وفرت من ميدان المعركة بشكل غير منظم مخلفة وراءها أعدادا كثيرة من القتلى وكمية كبيرة من الغنائم، كما خلفت شراذم من قواتها تمكن المسلمون من القضاء عليهم بسهولة، وأمر النبي ﷺ بتعقب المشركين المهزومين وقتلهم حتى يمنع إمكانية تجمعهم ثانية واحتمال عودتهم إلى القتال فكانت خسائر المشركين في القتلى خلال هزيمتهم أعظم من خسارتهم خلال المعركة. وقد نهى النبي ﷺ عن قتل النساء والأجراء وكل من لا يحمل السلاح، كما نهى عن قتل الأولاد والذرارى حين بلغه أن بعضهم قد قتل خلال المعركة، وقال له أحد المسلمين: «إنما هم أولاد المشركين» ، فأجاب النبي ﷺ : «أو هل خياركم إلّا أولاد المشركين؟، والّذي نفس محمّد بيده ما من نسمة تولد إلّا على الفطرة حتّى يعرب عنها لسانها» «٢» . وكان سبي حنين كثيرا، فقد بلغ ستة آلاف من النساء والأبناء «٣» ، أما الغنائم فقد بلغت أربعة آلاف أوقية فضة «٤» ، أما الإبل فكانت أربعة وعشرين ألفا» ، أما الأغنام فكانت أكثر من أربعين ألف شاة «٦» ، وقد حبس الرسول ﷺ هذا السبي والغنائم بالجعرانة ليتصرف فيها بعد الفراغ من أمر الطائف «٧» . لم تكن خسائر المسلمين كبيرة خلافا للتوقعات من خلال المعلومات العامة عن إصابات المسلمين في الجولة الأولى وفرار الكثير منهم، بل إنها كانت طفيفة جدا إذا ما أدخلنا قوة المشركين واستعداداتهم وخططهم في الاعتبار وذلك من فضل الله وحفظه ورحمته بالمسلمين، فقد استشهد منهم أربعة شهداء «٨» ، وجرح عدد منهم، أشارت المصادر من بينهم إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن أبي أوفى وخالد بن الوليد «٩» ، ومما يؤكد صحة هذه الأرقام بالإضافة إلى ورودها في مرويات صحيحة، قيام المسلمين بعد الجولة الثانية بمطاردة المشركين إلى مسافات بعيدة، كما أنهم توجهوا إلى حصار الطائف بعد انتهاء معركة حنين مباشرة. تفرق من نجا من مقاتلة المشركين في الجبال والوديان بعد هزيمتهم في معركة حنين، ولجأت مجموعة كبيرة

стр. 477

منهم إلى أوطاس «١» ، وعسكرت مجموعة أخرى منهم في نخلة «٢» ، أما غالبية من انهزم من ثقيف فقد تبعوا قائدهم مالك بن عوف النصري إلى حصونهم بالطائف، وقد لا حق مقاتلة المسلمين الفارين حسب توجيهات النبي ﷺ ، حيث بعث أبا عامر عبيد بن سليم بن حضار الأسلمي على رأس قوة من المسلمين إلى أوطاس فقاتلهم وقتل دريد ابن الصمة «٣» ، وقد أصيب أبو عامر الأسلمي بسهم وهو يقاتلهم فاستخلف أبا موسى الأشعري في القيادة وطلب منه أن يبلغ سلامه للنبي ﷺ وأن يطلب منه الاستغفار له «٤» ، قبل أن يستشهد، وأكمل المسلمون بقيادة الأشعري المهمة وهزموا الأعداء بعد أن قتل في أوطاس من المشركين من بني مالك ثلاثمائة قتيل بينهم دريد بن الصمة «٥» ، كما قتل خلق كثير من بني نصر بن معاوية من قبيلة رئاب. «٦» وهكذا فإنه ليس بالإمكان إعطاء رقم دقيق لعدد قتلى المشركين الإجمالي في معركة حنين فقد كان عدد قتلى بني مالك من ثقيف في الجولة الثانية من حنين قد بلغ اثنين وسبعين قتيلا وقتل من الأحلاف قتيلان، وقتل بأوطاس كما أسلفنا ثلاثمائة من بني مالك، وتشير المصادر إلى أنه قتل خلق كثير من فروع هوازن الأخرى وخاصة من بني نصر بن معاوية وغيرهم ممن قتلوا أثناء فرارهم إلى نخلة من حنين. وتشير مرويات مرسلة إلى أن الشيماء أخت الرسول ﷺ من الرضاعة، ومرضعته حليمة السعدية قد التقتا الرسول ﷺ فأكرمهما. «٧» غزوة الطائف: تجمعت قوات المسلمين في أعقاب النصر المظفر الذي كتبه الله لهم في معركة حنين، وتوجهوا بقيادة النبي ﷺ إلى الطائف بهدف القضاء على قوات ثقيف التي فرت من حنين، وكانت فلول ثقيف بقيادة مالك بن عوف قد لجأت إلى حصونها المنيعة في الطائف وجمعت ما يكفيها من المؤن الغذائية لعام كامل، وأغلقت أبوابها واتخذت كافة الإجراءات والاستعدادات التي تمكنها من مواجهة حصار طويل وواصلت ترميم الحصون وتدعيمها إلى حين وصول طلائع المسلمين المتجهة نحوهم «٨» .

стр. 478

وصل الجيش الإسلامي إلى الطائف في حدود نهاية الأسبوع الثالث من شهر شوال، فباشروا إحكام الحصار حول حصون العدو مدة أسبوعين، وكان نزولهم أول الأمر قريبا من حصون العدو وعلى مرمى سهامهم مما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء وجرح عدد آخر منهم، ثم تحول المسلمون وعسكروا في الموضع الذي بنى فيه المسجد «١» ، وكان القتال تراشقا بالسهام في أول الأمر، ثم استخدم المسلمون «الدبابة» بهدف الوصول إلى الأسوار وثقبها آمنين من السهام، ولكن ثقيفا فطنت للأمر فألقت عليهم قطع حديد محمّاة أحرقت الدبابة وحين خرج المقاتلون المسلمون منها، ضربوهم بالسهام فقتلوا بعضهم.. واستخدم المسلمون المنجنيق لرمي التحصينات بالحجارة بهدف هدمها وإيقاع إصابات في قوات العدو في الوقت نفسه، غير أن قلة هذه الآلات وعدم وجود خبراء في استعمالها وإجادة التهديف بها جعل أثرها محدودا. «٢» ولذلك فقد وجد النبي ﷺ أن أفضل وسيلة للضغط على ثقيف هي في تهديد مواردها الاقتصادية الحيوية المتمثلة في بساتينها، فأمر ﷺ بتحريق بساتين الأعناب والنخيل في ضواحي الطائف، مما كان له أثره الكبير في كسر معنوياتهم، فناشدوا النبي ﷺ أن يدعها لله وللرحم، فاستجاب لهم النبي ﷺ بعد أن تحقق الهدف المنشود «٣» . ونادى منادي النبي ﷺ عبيد الطائف قائلا: أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر» ، فنزل إليهم ثلاثة وعشرون عبدا، منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، فأسلموا، فأعتقهم النبي ﷺ ، ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامهم «٤» . غير أن كل ذلك لم يؤثر كثيرا في عناد ثقيف التي صمدت بوجه الحصار، ورغم ما واجهته من وابل السهام التي أمطرها بها المسلمون لينالوا بها درجة من الجنة وعدهم بها رسول الله ﷺ ، وقد تمكنت ثقيف من إيقاع إصابات شديدة بالمسلمين فقد كثرت الجراحات بينهم واستشهد منهم اثنا عشر شهيدا، وكل ذلك مقابل ثلاثة قتلى في صفوف ثقيف التي كانت ممتنعة بالحصون والأسوار العالية «٥» . أورد الإمام البخاري رواية صحيحة تدل على أن النبي ﷺ لم يكن يستهدف من غزو الطائف وحصارها تحقيق فتحها، وإنما أراد أن يكسر شوكة ثقيف، ويجعل للمسلمين اليد العليا عليهم في وصولهم إليها ومحاصرتها في عقر دارها حيث عرفها أن بلادها- الطائف- هي في قبضة المسلمين وأنهم سيدخلونها متى شاءوا ذلك، «٦» ويظهر أن النبي ﷺ لم يرغب في أن يشق على المسلمين ويكثر من تقديم الشهداء منهم لفتح بلدة صغيرة حصينة تحيط بها ديار الإسلام من كل صوب، إذ لم يكن لثقيف رغم عنادها وصمودها إلا الإسلام أو الاستسلام،

стр. 479

وإضافة إلى ذلك فقد كان النبي ﷺ يدرك أن ثقيفا إذا تحولت إلى الإسلام فإنها ستكون مادة له وقوة ومنعة فهم أهل شجاعة وفطنة وذكاء وكان يطمع في إسلامهم ويدعو لهم بالهداية. اقترح النبي ﷺ على أصحابه فك الحصار، فلما رأى حرصهم على القتال سمح لهم بذلك حتى اقتنعوا بعدم جدوى ذلك، فلما أعاد عليهم فكرة فك الحصار ثانية أظهروا الرضا بقراره الحكيم ونفذوه وعادوا مرة أخرى إلى الجعرانة حيث خلفوا غنائم حنين قبل أن يتوجهوا إلى الطائف «١» ، وكان النبي قد أخر قسمتها، كما أنه لم يتعجل في قسمتها بعد عودته مع الجيش سوى شيء قليل من الفضة قسمه عند وصوله «٢» ، ثم انتظر بضع عشر ليلة مؤملا قدوم هوازن وإسلامها ولكنه، حين أبطأت عليه، بادر إلى تقسيم الغنائم «٣» ، حيث قسمها ﷺ بصورة خفيت حكمتها على بعض الصحابة آنذاك، حيث حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب تأليفا لقلوبهم لقرب عهدهم بالإسلام، فأعطى مائة من الإبل لأحد زعماء غطفان، ومثلها لأحد زعماء تميم ولستة آخرين من زعماء قريش. وقسم أيضا لاثنين وخمسين رجلا ذكرتهم المصادر من المؤلفة قلوبهم «٤» ، وقد استمالت هذه القسمة قلوب الزعماء وأتباعهم فاظهروا الرضا بها وزادهم ذلك رغبة في الإسلام، ثم حسن إسلامهم فأبلوا في الإسلام بلاء حسنا وبذلوا أموالهم وأنفسهم في سبيل الله «٥» . وذلك ما عناه أنس بن مالك- ﵁ بقوله: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلّا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها» «٦» . ولقد أوضح النبي ﷺ الحكمة من وراء تقسيمه الغنائم على تلك الصورة التي كان لها أثر سلبيّ على مشاعر بعض المسلمين الذين لم تشملهم القسمة فقال ﷺ : «والله إنّي لأعطي الرّجل وأدع الرّجل، والّذي أدع أحبّ إليّ من الّذي أعطي، ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير» . وقال: «إنّي لأعطي رجالا حدثاء عهد بكفر أتألّفهم» وحين بلغ النبي ﷺ أن الأنصار قد وجدوا في أنفسهم بسبب قسمة الغنائم هذه، وأن بعضهم قال: «يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم» ، وقالوا: «إذا كانت الشدة فنحن ندعى، وتعطى الغنائم غيرنا» «٧» ، وقد وردت روايات صحيحة تضمنت كيف أوضح لهم

стр. 480

النبي ﷺ الحكمة من التوزيع، وأنه إنما وكلهم إلى إيمانهم «١» ، وأورد ابن إسحاق رواية نص فيها على التحديث عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري، أن النبي ﷺ جمع الأنصار ثم أتاهم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة عليّ في أنفسكم، ألم آتكم ضلّالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله وأعداء فألّف الله بين قلوبكم! قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل..» ثم قال ﷺ : «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدّنيا تألّفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس بالشّاة والبعير وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الّذي نفس محمّد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك النّاس شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، اللهمّ ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» «٢» ، قال فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا رضينا برسول الله قسما وحظا، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا «٣» ، وهكذا فلم يكن يهمهم المال، ولذلك فإنهم ما إن عرفوا سبب منع الأعطيات عنهم ووضحت لهم الحكمة في توزيعه ﷺ للغنائم حتى أعلنوا رضاهم، وأسعدهم كثيرا اعتماد النبي ﷺ على إخلاصهم لعقيدتهم، وأنه وكلهم إلى إيمانهم فكانوا عند حسن الظن بهم. وتحدثت المصادر عن نماذج من جفاء وغلظة الأعراب وتصرفاتهم الصلفة وغير المنضبطة مع النبي ﷺ أثناء توزيعه الغنائم، كما تحدثت عن قوة تحمله ﷺ وصبره الكبير على جفاء الأعراب وطمعهم في الأموال وحرصهم على المكاسب، وإدراكه لأحوالهم وما جبلوا عليه من قساوة وفظاظة وأنانية، وقد طمأنهم على مصالحهم وعاملهم على قدر عقولهم وكان بهم رحيما ولهم مربيا ومصلحا «٤» . وبعد قسمة الغنائم قدم وفد من هوازن يعلن إسلامهم ويلتمس من رسول الله ﷺ رد أموالهم وذراريهم عليهم، فخيرهم بين الأموال والسبي فاختاروا السبي، فجمع النبي ﷺ المسلمين وخطب فيهم، وقال إنه يريد أن يرد السبي لهوازن «فمن أحبّ منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحبّ أن يكون على حظّه حتّى نعطيه إيّاه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل» ، ورغم أن المسلمين نادوا: «طيبنا يا رسول الله لهم» ، فإنه ﷺ قال لهم: «إنّا لا ندري من أذن منكم فيه ممّن لم يأذن، فارجعوا حتّى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» ، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى النبي ﷺ ، فأخبروه أنهم طيبوا وأذنوا» «٥» . ولقد كان إسلام هوازن نصرا آخر كتبه الله للمسلمين سرّ به النبي ﷺ فسألهم عن زعيمهم مالك بن

стр. 481

عوف ووعدهم برد أهله وأمواله عليه وبإكرامه بمائة من الإبل إن قدم عليه مسلما، فأسلم وحسن إسلامه وقاتل المشركين في الطائف وضيق عليهم، وقد أسلم بعد ذلك بعض زعماء ثقيف أمثال عروة بن مسعود الثقفي الذي لحق بالنبي ﷺ في طريق المدينة فأسلم على يديه وعاد إلى الطائف يدعو إلى الإسلام، ويؤذن من على سطح منزله فرماه بعض المشركين فأصابه، ودفن بناء على وصيته مع شهداء المسلمين أثناء حصار الطائف «١» . أما غالبية قبيلة ثقيف فقد تأخر إسلامهم إلى ما بعد عودة النبي ﷺ من غزوة تبوك وسنعرض لذلك في حينه إن شاء الله. وقد استنبطت من غزوة حنين والطائف جملة أحكام منها ما يتعلق بأحكام المسبيات المتزوجات» ، والنهي عن قتل من لا يشترك في القتال من جبهة المشركين من النساء والأطفال والشيوخ والأجراء «٣» ، وإقامة الحد في دار الحرب «٤» ، وجواز إعطاء الغنائم للمؤلفة قلوبهم. وجواز قطع وتحريق أشجار وبساتين الكفار إذا كان في ذلك إضعاف لهم، كما شرعت العمرة من الجعرانة «٥» . تنظيم استيفاء الصدقات والجزية: شرع الرسول ﷺ بعد عودته إلى المدينة في أواخر ذي القعدة في تنظيم الإدارة والجباية، وكان ﷺ قد استخلف عتاب بن أسيد على مكة حين انتهى من أداء العمرة، وخلف معه معاذ بن جبل يفقّه الناس ويعلمهم القرآن، وكان رزق عتاب ثلاثين درهما في الشهر «٦» . وفي مطلع المحرم من العام التاسع وجّه الرسول ﷺ عماله على المناطق المختلفة. فبعث: بريدة بن الحصيب إلى أسلم وغفار وعباد بن بشر الأشهلي إلى سليم ومزينة، ورافع بن مكيث إلى جهينة، وعمرو بن العاص إلى فزارة، والضحاك بن سفيان الكلابي إلى بني كلاب، وبسر بن سفيان الكعبي إلى بني كعب، وابن اللّتبيّة الأزدى إلى بني ذبيان، ورجلا من بني سعد بن هذيم إلى بني هذيم «٧» ، والمهاجر بن أبي أمية إلى صنعاء، وزياد بن لبيد إلى حضرموت، وعدي بن حاتم الطائي إلى طيء وأسد، ومالك بن نويرة إلى بني حنظلة، والزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم إلى بني سعد «٨» ، والعلاء بن الحضرمي إلى البحرين، وعلي بن أبي طالب إلى نجران ليجمع صدقتهم، ويقدم عليه بجزيتهم «٩» .

стр. 482

السرايا والأحداث حتى غزوة تبوك: كان النبي ﷺ قد بعث الطفيل بن عمرو من مقرّه في حنين وقبل أن يسير إلى الطائف، وأمره بأن يهدم «ذي الكفّين» صنم عمرو بن حممة الدوسي، ثم يستمد قومه ويوافيه مع المدد إلى الطائف، وقد نفذ الطفيل بن عمرو أوامر النبي ﷺ فهدم «ذي الكفين» وحرقه وقاد أربعمائة من قومه ومعهم دبابة ومنجنيق مددا لرسول الله ﷺ فوصلوا إليه بعد مقدمه الطائف بأربعة أيام «١» . إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني الشاعر: كان الرسول ﷺ قد أهدر دم كعب بن زهير في أعقاب هجوه لأخيه بجير بقصيدة عرّض فيها بالرسول ﷺ وبأبي بكر ﵁ «٢» ، فكتب إليه أخوه محذرا وأغراه بالقدوم وقد سمع كعب نصيحة أخيه بجير التي ضمنها قصيدته التي جاء فيها قوله: إلى الله لا العزى ولا اللات وحده ... فتنجو إذا كان النجاء وتسلم فأسلم وقدم على النبي ﷺ فأمنه، فأنشده قصيدته المشهورة «بانت سعاد» التي ألقاها في المسجد على مسامع النبي ﷺ وأصحابه وهي قصيدة طويلة نقل منها ابن هشام أكثر من خمسين بيتا فيها اعتذار وإقرار بالخطأ ومديح ودفاع عن الرسول ﷺ ودينه ورد فيها قوله: نبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول مهلا هداك الذي أعطاك ... نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل وقد سر النبي ﷺ ذلك، وحين بلغ قوله: إن الرسول لنور يستضاء به ... مهنّد من سيوف الله مسلول في عصبة من قريش قال قائلهم ... ببطن مكة لما أسلموا زولوا أشار النبي ﷺ بكمه إلى الناس ليأتوا ويسمعوا منه، ورمى على كعب بردة كانت عليه «٣» ، ولا شك في أن إسلام شاعر فذ موهوب من الشعراء المخضرمين المرموقين، وتصديه لمدح النبي ﷺ وأصحابه والإسلام كان له أثره الكبير في المجتمع القبلي في الدعوة للإسلام، والدعاية له، والرد على مناوئيه وخصومه.

стр. 483

سرية عبد الله بن حذافة السهمي: وردت روايات صحيحة «١» تفيد أن النبي ﷺ استعمل رجلا من أصحابه، يرجح أن يكون عبد الله بن حذافة السهمي «٢» ، على سرية وأمرهم أن يطيعوه، فأغضبوه في شيء، فأمرهم فأوقدوا نارا، ثم ذكرهم بأمر النبي ﷺ لهم بالسمع والطاعة له، وأمرهم أن يدخلوا النار التي أوقدوها، فامتنعوا وقالوا: «إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار» وحين علم النبي ﷺ بالأمر قال «لو دخلوها ما خرجوا منها، إنّما الطّاعة في المعروف» . وقد روى الشيخان أن الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ «٣» قد نزلت فيه عندما أرسله النبي ﷺ في السرية «٤» . غزوة تبوك: «جيش العسرة» : «٥» أمر الله المسلمين بجهاد أهل الكتاب، كما أمرهم بجهاد المشركين، وخلافا لما حصل مع المشركين الذين لا يقبل منهم إلا الدخول في الإسلام أو أن يأذنوا بقتال، فإن أهل الكتاب لهم حق الاحتفاظ بدينهم إذا ما اعترفوا بالسيادة لدولة الإسلام وأدّوا الجزية عن يد وهم صاغرون. قال تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٦» . ولذلك فليس هناك ما يدعو إلى البحث عن الأسباب المباشرة لهذه الغزوة، كما حاول بعض المؤرخين المسلمين حين ذكروا أن هرقل قد جمع الجموع «٧» ، أو كما ذكر آخرون أنه قد قصد منها أخذ الثأر لقتلى المسلمين في مؤتة عامة وجعفر بن أبي طالب خاصة «٨» ، أو ادعاء العض أنها ناجمة عن مشورة يهود «٩» .

стр. 484

وهكذا فقد كانت غزوة تبوك استجابة إيمانية لفريضة الجهاد حيث كان الروم أقرب الناس إلى ديار الإسلام ولذلك فإنهم أولى الناس بالدعوة. «١» وقد قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ «٢» ، وهكذا، فبعد القضاء على الوثنية في جزيرة العرب، وإجلاء يهود من المدينة وغيرها، كان على المسلمين أن يقاتلوا أهل الكتاب من النصارى الذين كانوا يقطنون على المشارف الشمالية الغربية من جزيرة العرب، حيث كانت المنطقة التي توجه إليها الرسول في هذه الغزوة من ديار قضاعة وهي خاضعة لسلطان الإمبراطورية البيزنطية (الروم) . ولقد دعا النبي ﷺ الصحابة إلى الإنفاق على هذه الغزوة نظرا لكثرة المشاركين فيها، وبعد المسافة التي كان على الجيش أن يقطعها، ووعد المنفقين بعظيم الأجر من الله ، فسارع أغلب الصحابة إلى المشاركة في توفير الأموال المطلوبة كل حسب مقدرته، وكان عثمان بن عفان أكثر المنفقين على جيش العسرة استجابة لقول النبي ﷺ «من جهّز جيش العسرة فله الجنّة» ، وتواترت الأخبار الصحيحة بأن عثمان بن عفان قد تحمل نفقات جيش العسرة، فلقد سارع بتقديم ألف دينار في بداية الاستعدادات صبها في حجر النبي ﷺ «٣» كما قدم أموالا أخرى تتمثل في الجمال والعدد التي يحتاج إليها في نقل الجيش والحرب «٤» . وساهم عبد الرحمن بن عوف في تحمل قسط من نفقات الجيش حين قدم نصف أمواله حينذاك وبلغت مساهمته في حدود ألفي درهم «٥» . كما قدم عمر بن الخطاب مائة أوقية «٦» ، ولا شك في أن عددا آخر من الصحابة قد ساهموا في تغطية بقية النفقات كل على قدر طاقته، والدليل على ذلك أن فقراء المسلمين قدموا ما قدروا عليه من النفقة، رغم بساطته وقلته، على استحياء منهم فقد جاء أحدهم بصاع من تمر، وجاء آخر بنصف صاع منه، مما عرضهم لسخرية ولمز المنافقين، فأنزل الله تعالى قوله الكريم: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٧» . ولا شك في أن المنافقين كانوا يتهمون أغنياء المسلمين بالرياء، في نفس الوقت الذي يسخرون فيه من صدقة الفقراء، وكان علبة بن زيد، وهو من البكائين، واحدا من سبعة رجال من المسلمين الذين أرادوا المشاركة في الغزوة وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يجد لهم ما يحملهم عليه، فلم يجد فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا

стр. 485

ما ينفقون وقد أنزل الله فيهم وفي أمثالهم قوله: لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ «١» . أعلن النبي ﷺ النفير العام فأمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وقد انفرد الواقدي بذكر خبر إرسال النبي ﷺ إلى القبائل يستنفرها بالخروج مع الجيش الإسلامي من المدينة إلى تبوك وقد أشار القرآن الكريم إلى إعلان النفير فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ «٢» . وكان النفير المعلن أمرا واجبا على الجميع تنفيذه والالتزام به؛ فقد طالبهم القرآن الكريم أن ينفروا شبابا وشيوخا أغنياء وفقراء وأن يكون جهادهم جميعا بالأموال والأنفس، فقال تعالى: انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «٣» . وقد أورد ابن هشام مروية لابن إسحاق جمع فيها معلومات أخذها من عدة مصادر، جاء فيها: «أن الرسول ﷺ أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم وذلك في زمان من عسرة الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد، وحين طابت الثمار، والناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص على الحال من الزمان الذي هم عليه، وذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة: لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ «٤» ، وكان رسول الله ﷺ قلما يخرج في غزوة إلا كنّى عنها ويخبر أنه يريد غير الوجه الذي يصمد له، إلا ما كان من غزوة تبوك فإنه بيّنها للناس، لبعد الشقة، وشدة الزمان، وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، فأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم» «٥» . ولقد نجم النفاق في المدينة واستعلن بشأن هذه الغزوة، «وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكّا في الحق، وإرجافا برسول الله ﷺ » ، فأنزل الله تعالى فيهم: وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ* فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٧» .

стр. 486

وحين عرض النبي ﷺ على الجد بن قيس أحد بني سلمة المشاركة في جهاد الروم، اعتذر عن ذلك تحت ستار الخوف من الفتنة بسبب شدة ولعه بالنساء وقال: «وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر» ، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: قد أذنت لك» ، وفيه نزلت الآية: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ. «١» وكما اعتذر الجد بن قيس كذبا ونفاقا، فقد بادر عدد من المنافقين إلى تقديم أعذار كاذبة للنبي ﷺ لكي يأذن لهم بالتخلف عن الغزوة، ولذلك نزلت الآية. عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ. «٢» لم يقتصر النفاق على من نافق من أهل المدينة بل إنه امتد إلى البادية حولها، قال تعالى: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ «٣» . وحيث إن المنافقين من الأعراب، وهم أقسى قلوبا وأكثر جفوة وأقل علما بالأحكام والسنن، فإنهم أشد كفرا ونفاقا من منافقي أهل المدينة، كما وصفهم القرآن الكريم. الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ. «٤» لقد كانت غزوة تبوك منذ بداية الإعداد لها مناسبة للتمييز بين المؤمنين والمنافقين، وضحت فيها الحواجز بين الطرفين ولم يعد هناك أي مجال للتستّر على المنافقين أو مجاملتهم بل أصبحت مجابهتهم أمرا ملحا بعد أن عملوا كل ما في وسعهم لمجابهة الرسول والدعوة، وتثبيط المسلمين عن الاستجابة للنفير الذي أعلنه الله تعالى والرسول ﷺ والذي نزل به القرآن الكريم، بل أصبح الكشف عن نفاق المنافقين، وإيقافهم عند حدهم واجبا شرعيا. فحين بلغ النبي ﷺ أن أعدادا من المنافقين كانوا يجتمعون في بيت سويلهم اليهودي يثبطون الناس عن الغزوة، أرسل النبي ﷺ إليهم من أحرق عليهم بيت سويلم «٥» ، وحين ابتنى المنافقون مسجدا لهم ليجتمعوا فيه مكايدة للمسلمين وتفريقا لاجتماعهم ووحدتهم وطلبوا من النبي ﷺ أن يصلي فيه، نهاه الله تعالى عن ذلك وسماه (مسجدا ضرارا) فقال جل شأنه: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ

стр. 487

اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ* لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ «١» . وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا إليه، فلم يعذرهم الله تعالى «٢» . وهكذا فقد تخلف عن هذه الغزوة كثير من الأعراب والمنافقين، وعدد قليل من الصحابة من أهل الأعذار، وثلاثة من الصحابة تخلفوا دون أن يكون لهم عذر «٣» . سارع المؤمنون إلى الالتحاق بهذه الغزوة التي كشف النبي ﷺ عن وجهتها كما أسلفنا لكي يستعدوا لذلك، ولم يهابوا المشاق التي تنتظرهم بسبب بعد المسافة والحر الشديد وقلة المئونة، كما لم تفتنهم طيبات الحياة الدنيا ورغد العيش والأمن الذي يوفره لهم البقاء في المدينة. ولما خرج رسول الله ﷺ بجيشه من المدينة ضرب معسكره بالجرف عند ثنية الوداع لكي يتلاحق أفراد الجيش به «٤» ، واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري «٥» ، وخلف على أهله علي بن أبي طالب ﵁ حيث أمره بالإقامة فيهم. وقد أرجف به المنافقون وقالوا «ما خلفه إلا استثقالا له وتخففا منه» ، وأخذ عليّ سلاحه وخرج من المدينة حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف، فأخبره بما قاله المنافقون عنه «٦» ، وقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟، وقد كذّب النبي ﷺ مقولة المنافقين وقال لعلي: «ولكنّي خلّفتك لما تركت ورائي فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا إنّه لا نبيّ بعدي» «٧» ، فرجع علي إلى المدينة. وأورد ابن إسحاق خبرا مرسلا «٨» ذكر فيه أن عبد الله بن أبي بن سلول ضرب معسكرا خاصا به أفرده عن معسكر النبي ﷺ وجعله «على حدة، عسكره أسفل منه نحو ذباب» «٩» ، وكان فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين، فلما سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبي،

стр. 488

فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب» «١» . أما عن عدد جيش المسلمين في غزوة تبوك فالراجح أنه كان أكثر من ثلاثين ألف مقاتل «٢» ، وكان معهم عشرة آلاف فرس «٣» ، وقد سلك الجيش طريق الشام «٤» وفي الطريق إلى تبوك لحق بالجيش أبو خيثمة مالك بن قيس وكان من الأنصار بعد أن كان تخلف بالمدينة «٥» ، كما لحق به أبوذر ﵁ وهو لم يتخلف وإنما أبطأ به بعيره، مما دعاه إلى أن يأخذ متاعه فيحمله على ظهره، ويتبع أثر رسول الله ﷺ ماشيا «٦» . وأورد الواقدي وغيره من أهل السير والمغازي مرويات عن جملة معجزات حصلت خلال غزوة تبوك ولكنها كلها ضعيفة «٧» وأورد ابن إسحاق خبرا مرسلا عن تخذيل المنافقين للمسلمين أثناء الغزوة والجيش في طريقه إلى تبوك. وأورد الطبري في تفسيره «٨» آثارا متعددة في سبب نزول قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ* لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ «٩» . ومن ذلك أثر صحيح عن عبد الله بن عمر جاء فيه أن رجلا من المنافقين ذكر القراء بسوء فرد عليه رجل

стр. 489

وكذبه وأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فنزل القرآن في ذلك. قال ابن عمر: فأنا رأيته متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول يا رسول الله إنما كنّا نخوض ونلعب «١» . وصل المسلمون إلى تبوك، وأوردت المصادر نص خطبة النبي ﷺ في المسلمين عند ذلك «٢» ، ولم يقع قتال مع الروم ولا مع القبائل العربية المتنصرة التي كانت تحت سيادتهم، ومكث النبي ﷺ بجيشه عشرين ليلة في تبوك قبل أن يعود به إلى المدينة «٣» . وكان النبي ﷺ قد أعطى اللواء الأعظم لأبي بكر الصديق- ﵁، والراية العظمى للزبير بن العوام، وجعل أسيد بن حضير على راية الأوس، والحباب بن المنذر على راية الخزرج، كما أمر بطون الأنصار أن يتخذوا الألوية والرايات وكذلك الحال مع القبائل العربية الأخرى «٤» . ومن تبوك أرسل النبي ﷺ سرية من أربعمائة وعشرين مقاتلا شارك فيها عدد من الصحابة عهد بها إلى خالد ابن الوليد، وجهها إلى دومة الجندل، وتم أسر ملكها أكيدر بن عبد الملك الكندي وهو في البادية يتصيد، وصالحه النبي ﷺ على الجزية «٥» . وكانت غنائم هذه السرية ثمانمائة من السبي وألف بعير وأربعمائة درع ومثلها من الرماح «٦» ، وقد وردت عدد من المرويات الصحيحة عن هدية أكيدر إلى الرسول ﷺ وأنها شملت عددا من الحلل «٧» .

стр. 490

وفي تبوك وصلت النبي ﷺ هدية من ملك أيلة في أرض فلسطين وهي بغلة بيضاء، وكساء من البرد، وقد صالح على دفع الجزية للمسلمين» . وأورد الإمام أحمد «٢» مرويات تشير إلى حصول مراسلة بين النبي ﷺ وهو في تبوك- وبين هرقل ملك الروم، وأن الأخير أرسل رسولا من قبيلة تنوخ العربية ليتعرف له على بعض علامات النبوة عند النبي ﷺ «٣» . في طريق العودة إلى المدينة: مر المسلمون في طريق عودتهم من تبوك بالحجر وقد ثبت أن النبي ﷺ نهى المسلمين عن دخول مساكن ثمود خشية أن يصيبهم ما أصابهم، «إلّا أن تكونوا باكين» ، وأنه قنع رأسه وأسرع السير حتى جاوز الوادي «٤» ، كما وردت رواية حسنة، ورد فيها أنه نهى الجيش عن شرب ماء الحجر أو الوضوء منه أو أن يعلفوا إبلهم بما عجنوه بماء بئر الحجر «٥» . وحين اشتكى المسلمون ما أصاب إبلهم من التعب والجهد دعا الله قائلا: «اللهمّ احمل عليها في سبيلك إنّك تحمل على القويّ والضّعيف، وعلى الرطب واليابس، في البرّ والبحر» . وإن الله تعالى- جل شأنه- استجاب لدعاء النبي ﷺ فنشطت الإبل حتى وصلت بهم المدينة دون أن يشتكي أحد منها «٦» . وحاول جماعة من المنافقين المشاركين في الجيش وهم ملثمون حتى لا يعرفوا أن ينفروا دابة النبي ﷺ لتطرحه من رأس عقبة في الطريق مع عتمة الليل، فعلم بمؤامرتهم وفطن لهم وأمر بإبعادهم بعد أن عصمه الله

стр. 491

تعالى من أذاهم «١» . ولما اقترب الجيش الإسلامي من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع لاستقباله «٢» ، ومعهم النساء والولائد وهم يرددون «٣» : طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع كان أول ما فعله النبي ﷺ عند دخوله المدينة أن صلّى في مسجده الشريف ركعتين، ثم جلس للناس فجاءه المنافقون المتخلفون عن الغزوة فاعتذروا بشتى الأعذار فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى «٤» . وقد أصبح الموقف جديّا من المنافقين بعد الرجوع من غزوة تبوك، فقد امتنع النبي ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار الذي كانوا بنوه قبل الغزوة، وأمر بتحريقه «٥» ، كما امتنع عن الصلاة على أمواتهم فقد منعه الله من ذلك فنزل قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ «٦» . وقد نهى الله تعالى عن قبول أعذار المنافقين، فقال في محكم التنزيل: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٧» . وقد أمر الله تعالى بعدم تصديقهم وبالإعراض عنهم ووصفهم بأنهم رجس فقال تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ* يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «٨» . المتخلفون عن غزوة تبوك: كان عدد المتخلفين كبيرا، ولما كان عدد أفراد الجيش كبيرا فقد ظن المتخلفون أن أحدا لا يفطن إلى غيابهم

стр. 492

وكان الصحابة الأنصار الثلاثة: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي أبرز وأشهر المتخلفين وهم من المشهود لهم بالبلاء في الإسلام وبحسن إيمانهم «١» . وإلى جانب هؤلاء، فقد تخلف بضعة وثمانون رجلا آخرين «٢» ، ذكر الواقدي أنهم من منافقي الأنصار كما ذكر أن المعذّرين من الأعراب كانوا اثنين وثمانين آخرين، وهم من بني غفار وغيرهم، أما عبد الله بن أبي بن سلول ومن أطاعه من قومه فكانوا يشكلون مجموعة كبيرة أخرى وهم غير من مر ذكرهم «٣» . ولقد أقر الصحابة الثلاثة الذين تخلفوا بأنهم لا عذر لهم في تخلفهم عن الغزوة، ونهى النبي ﷺ المسلمين عن الكلام معهم، وأمروا باعتزال نسائهم «٤» ، فاجتنبهم الناس خمسين ليلة، وضاقت بهم الأرض بما رحبت «٥» واستمرت المقاطعة حتى نزل القرآن يعلن قبول توبتهم في قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٦» . حققت غزوة تبوك، رغم خلوها من المعارك، أهدافها في ترصين وترسيخ حكم الإسلام الذي امتد من خلالها ومن جراء ما ارتبط بها من اتفاقات ونتائج ليشمل الأطراف الشمالية من شبه جزيرة العرب وليضع المسلمين على أعتاب الفتوحات، ومهدت بذلك للفتوحات في كل من العراق وبلاد الشام على حد سواء، ومع أن جيش أسامة ابن زيد لم يقدر له أن يتحرك نحو الحدود الشمالية إلّا في أيام خلافة أبي بكر الصديق- ﵁، فإن قيام الرسول ﷺ بالأمر بتجهيزه وتحديد وجهته قبيل وفاته كان مؤشرا واضحا لوجهة نشر الدعوة وحركة الفتوحات الإسلامية. توحيد الجزيرة العربية تحت حكم الرسول ﷺ : تأثر موقف القبائل العربية من الرسول والدعوة الإسلامية بمؤثرات متداخلة، كان من أبرزها موقف قريش وأحلافها، ولعل بعضها كان يحسب لبني الأصفر- الروم- حسابا، وخاصة تلك القبائل التي سكنت في أطراف

стр. 493

الجزيرة الشمالية قريبا من تخوم الروم، فلما كان فتح مكة وما تبع ذلك من إسلام قريش وكسر شوكة هوازن في موقعة حنين، وإذلال ثقيف ومحاصرتها سقط الحاجز الأساسي الأول فبادر كل قوم بإسلامهم، ثم كانت غزوة تبوك وامتداد سلطان المسلمين إلى خطوط التماس مع الروم وعقد المحالفات مع أيلة وأذرح وغيرهما، وتسوية الأمور مع دومة الجندل بالصلح، ثم مصالحة نصارى نجران في الأطراف الجنوبية على أن يدفعوا الجزية، فلم يعد أمام القبائل العربية إلّا المبادرة الشاملة إلى اعتناق الإسلام والالتحاق بركب النبوة بالسمع والطاعة، ونظرا لكثرة وفود القبائل العربية التي قدمت إلى المدينة من أنحاء الجزيرة العربية بعد عودة النبي ﷺ من غزوة تبوك لتعلن إسلامها هي ومن وراءها، فقد سمّي العام التاسع للهجرة في المصادر الإسلامية ب عام الوفود ، ويعد كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد من أهم المصادر وأشملها في تقديم المعلومات المبوبة عن أخبار هذه الوفود كما أشار الحافظ ابن حجر «١» . عام الوفود: أشارت المصادر الحديثية والتاريخية إلى قدوم بعض الوفود إلى المدينة في تاريخ مبكر عن السنة التاسعة، ولعل ذلك ما أدى إلى الاختلاف في تحديد عدد الوفود بين ما يزيد على ستين وفدا عند البعض، وليرتفع فيبلغ أكثر من مائة وفد عند آخرين،؟ ولعل البعض قد اقتصر على ذكر المشهور منهم «٢» ، فقد أورد محمد بن إسحاق أنه «لما فتح رسول الله ﷺ مكة المكرمة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه» «٣» . كان أول الوفود قدوما إلى النبي ﷺ بعد رجوعه من تبوك هو وفد قبيلة ثقيف. وقد سبق أن أشرنا إلى إسلام عروة بن مسعود الثقفي على يدي رسول الله ﷺ قبيل وصوله المدينة، عند عودته من مكة بعد الفتح، وذكرنا أن النبي ﷺ أمره أن يرجع إلى قومه بالإسلام، وقد فعل ذلك فأظهر لهم دينه، ودعاهم إلى الإسلام، غير

стр. 494

أنهم اجتمعوا عليه فرموه بسهامهم وهو يؤذن في أعلى داره فقتلوه، ثم ائتمر زعماء ثقيف فيما بينهم فوجدوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من قبائل العرب وقد بايعت وأسلمت» فأجمعوا على أن يرسلوا إلى النبي ﷺ وفدا، ففعلوا وقد حاول الوفد بعد وصوله المدينة تأجيل هدم اللات «الطاغية» بعض الوقت غير أن النبي ﷺ رفض ذلك، وأصر على أن يبعث المغيرة ابن شعبة وأبا سفيان بن حرب لهدمها، كما أنه أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين «١» . وبالإضافة إلى أخبار وفد ثقيف الذي كان برئاسة عبد ياليل بن عمرو بن عمير، أورد ابن إسحاق معلومات مبوّبة عن ستة عشر وفدا تضمنت تفصيلات عن رؤساء وفود ورجالها وأخبار قدومهم وإقامتهم، وحوارهم، والأشعار التي قيلت، وما انتهى إليه أمرهم، والآيات التي نزلت في أمرهم إن كان ذلك قد حصل. وقد استقصى ابن سعد في جمع المعلومات عن الوفود، كما فصل كثيرا وقدم ترجمات وافية عن رجال الوفود، ومن كانت له صحبة منهم، وما ورد عن طريقهم من آثار. ولا تخلوا أسانيد ابن سعد أحيانا من المطاعن، كما أن فيها أسانيد من الثقاة أيضا، ولا شك في أن الأخبار التي أوردها المؤرخون ليست ثابتة بالنقل الصحيح المعتمد وفق أساليب المحدثين، رغم أن عددا كبيرا من المرويات عن تلك الوفود ثابتة وصحيحة، فمثلا: أشارت سورة الحجرات إلى ما صدر عن بعض رجال وفد تميم من أعمال تتسم بعدم العقلانية «٢» ، كما أورد الإمام البخاري معلومات عن وفد قبيلة تميم وقدومه إلى النبي ﷺ «٣» ، وتعززت أخبار هذا الوفد بمعلومات إضافية وردت في مصادر تاريخية إلى جانب ما ورد عنها في كتب السير والمغازي «٤» . وإضافة إلى معلوماته عن وفد تميم يقدم الإمام البخاري معلومات عن وفود أخرى مثل: عبد القيس «٥» ، وبني حنيفة «٦» ، ووفد نجران «٧» ، ووفد الأشعريين «٨» ، وأهل اليمن «٩» ، ووفد دوس ١» ، ووفد بني عامر «١١» .

стр. 495

وقد أورد الإمام مسلم أخبارا عن أغلب الوفود المذكورة آنفا «١» ، كما أوردت بقية الكتب الستة معلومات أوسع شملت عددا كبيرا من الوفود «٢» .. وذلك كله يقطع بقدوم الوفود في العام التاسع إلى المدينة لإعلان إسلام قبائلهم وانضمامهم إلى دولة الإسلام وخضوعهم لها، حتى توحدت جزيرة العرب عامة تحت حكم النبي ﷺ ، وتبقى مسألة الحاجة الماسة إلى نقد تاريخي لمتون الأخبار المفصلة التي وصلتنا عن الوفود، كما تحتاج القصائد المطولة التي ملئت بها الكتب التاريخية وكتب السيرة والمغازي إلى النقد الأدبي الدقيق، والتأكد من صحة نسبتها. إن من الثابت تاريخيا سيادة الإسلام على كافة أنحاء الجزيرة العربية في العام التاسع، حيث تمت الوحدة السياسية لجميع أصقاعها تحت رايته، فلقد تمكن النبي ﷺ من تحقيق الوحدة السياسية للجزيرة في أقل من عشر سنوات رغم جميع العراقيل والنزعات القبلية والجاهلية والمشكلات المتنوعة، وقوة الروح الفردية والأنانية الشخصية. وما حققه الرسول ﷺ لم يكن رسوما لوحدة صورية شكلية، بل مثّل امتزاجا فريدا لسلوك الإنسان وروحه وعقله مما هيأ الأساس المتين لامتداد وتطور الدولة الإسلامية التي استمرت في عطائها خلال القرون التالية. الأحداث والبعوث والسرايا حتى وفاة النبي ﷺ : حج أبي بكر بالناس: ذكرنا آنفا عمرة النبي ﷺ بعد الفراغ من حصار الطائف حيث أهلّ بالعمرة من الجعرانة، ثم عاد بالجيش إلى المدينة، وقد حج المسلمون والمشركون معا عام الفتح، ثم أمّر أبا بكر ﵁ على الحج في العام التاسع الهجري، فخرج في ذي الحجة إلى مكة ومعه عدد كبير من الصحابة «٣» ، وساقوا معهم الهدي «٤» . نزلت سورة براءة بعد ارتحال ركب الحج من المدينة، فبعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب- ﵁ ليعلنها على الناس في يوم النحر بمنى «٥» ، وقد التقى أمير الحج وعلي في الطريق، وبعد أن اطمأن الصدّيق إلى
следующие страницы →