← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

تعالى من أذاهم «١» . ولما اقترب الجيش الإسلامي من المدينة خرج الصبيان إلى ثنية الوداع لاستقباله «٢» ، ومعهم النساء والولائد وهم يرددون «٣» : طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع كان أول ما فعله النبي ﷺ عند دخوله المدينة أن صلّى في مسجده الشريف ركعتين، ثم جلس للناس فجاءه المنافقون المتخلفون عن الغزوة فاعتذروا بشتى الأعذار فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى «٤» . وقد أصبح الموقف جديّا من المنافقين بعد الرجوع من غزوة تبوك، فقد امتنع النبي ﷺ عن الصلاة في مسجد الضرار الذي كانوا بنوه قبل الغزوة، وأمر بتحريقه «٥» ، كما امتنع عن الصلاة على أمواتهم فقد منعه الله من ذلك فنزل قوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ «٦» . وقد نهى الله تعالى عن قبول أعذار المنافقين، فقال في محكم التنزيل: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٧» . وقد أمر الله تعالى بعدم تصديقهم وبالإعراض عنهم ووصفهم بأنهم رجس فقال تعالى: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ* يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ «٨» . المتخلفون عن غزوة تبوك: كان عدد المتخلفين كبيرا، ولما كان عدد أفراد الجيش كبيرا فقد ظن المتخلفون أن أحدا لا يفطن إلى غيابهم

стр. 492

وكان الصحابة الأنصار الثلاثة: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي أبرز وأشهر المتخلفين وهم من المشهود لهم بالبلاء في الإسلام وبحسن إيمانهم «١» . وإلى جانب هؤلاء، فقد تخلف بضعة وثمانون رجلا آخرين «٢» ، ذكر الواقدي أنهم من منافقي الأنصار كما ذكر أن المعذّرين من الأعراب كانوا اثنين وثمانين آخرين، وهم من بني غفار وغيرهم، أما عبد الله بن أبي بن سلول ومن أطاعه من قومه فكانوا يشكلون مجموعة كبيرة أخرى وهم غير من مر ذكرهم «٣» . ولقد أقر الصحابة الثلاثة الذين تخلفوا بأنهم لا عذر لهم في تخلفهم عن الغزوة، ونهى النبي ﷺ المسلمين عن الكلام معهم، وأمروا باعتزال نسائهم «٤» ، فاجتنبهم الناس خمسين ليلة، وضاقت بهم الأرض بما رحبت «٥» واستمرت المقاطعة حتى نزل القرآن يعلن قبول توبتهم في قوله تعالى: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٦» . حققت غزوة تبوك، رغم خلوها من المعارك، أهدافها في ترصين وترسيخ حكم الإسلام الذي امتد من خلالها ومن جراء ما ارتبط بها من اتفاقات ونتائج ليشمل الأطراف الشمالية من شبه جزيرة العرب وليضع المسلمين على أعتاب الفتوحات، ومهدت بذلك للفتوحات في كل من العراق وبلاد الشام على حد سواء، ومع أن جيش أسامة ابن زيد لم يقدر له أن يتحرك نحو الحدود الشمالية إلّا في أيام خلافة أبي بكر الصديق- ﵁، فإن قيام الرسول ﷺ بالأمر بتجهيزه وتحديد وجهته قبيل وفاته كان مؤشرا واضحا لوجهة نشر الدعوة وحركة الفتوحات الإسلامية. توحيد الجزيرة العربية تحت حكم الرسول ﷺ : تأثر موقف القبائل العربية من الرسول والدعوة الإسلامية بمؤثرات متداخلة، كان من أبرزها موقف قريش وأحلافها، ولعل بعضها كان يحسب لبني الأصفر- الروم- حسابا، وخاصة تلك القبائل التي سكنت في أطراف

стр. 493

الجزيرة الشمالية قريبا من تخوم الروم، فلما كان فتح مكة وما تبع ذلك من إسلام قريش وكسر شوكة هوازن في موقعة حنين، وإذلال ثقيف ومحاصرتها سقط الحاجز الأساسي الأول فبادر كل قوم بإسلامهم، ثم كانت غزوة تبوك وامتداد سلطان المسلمين إلى خطوط التماس مع الروم وعقد المحالفات مع أيلة وأذرح وغيرهما، وتسوية الأمور مع دومة الجندل بالصلح، ثم مصالحة نصارى نجران في الأطراف الجنوبية على أن يدفعوا الجزية، فلم يعد أمام القبائل العربية إلّا المبادرة الشاملة إلى اعتناق الإسلام والالتحاق بركب النبوة بالسمع والطاعة، ونظرا لكثرة وفود القبائل العربية التي قدمت إلى المدينة من أنحاء الجزيرة العربية بعد عودة النبي ﷺ من غزوة تبوك لتعلن إسلامها هي ومن وراءها، فقد سمّي العام التاسع للهجرة في المصادر الإسلامية ب عام الوفود ، ويعد كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد من أهم المصادر وأشملها في تقديم المعلومات المبوبة عن أخبار هذه الوفود كما أشار الحافظ ابن حجر «١» . عام الوفود: أشارت المصادر الحديثية والتاريخية إلى قدوم بعض الوفود إلى المدينة في تاريخ مبكر عن السنة التاسعة، ولعل ذلك ما أدى إلى الاختلاف في تحديد عدد الوفود بين ما يزيد على ستين وفدا عند البعض، وليرتفع فيبلغ أكثر من مائة وفد عند آخرين،؟ ولعل البعض قد اقتصر على ذكر المشهور منهم «٢» ، فقد أورد محمد بن إسحاق أنه «لما فتح رسول الله ﷺ مكة المكرمة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه» «٣» . كان أول الوفود قدوما إلى النبي ﷺ بعد رجوعه من تبوك هو وفد قبيلة ثقيف. وقد سبق أن أشرنا إلى إسلام عروة بن مسعود الثقفي على يدي رسول الله ﷺ قبيل وصوله المدينة، عند عودته من مكة بعد الفتح، وذكرنا أن النبي ﷺ أمره أن يرجع إلى قومه بالإسلام، وقد فعل ذلك فأظهر لهم دينه، ودعاهم إلى الإسلام، غير

стр. 494

أنهم اجتمعوا عليه فرموه بسهامهم وهو يؤذن في أعلى داره فقتلوه، ثم ائتمر زعماء ثقيف فيما بينهم فوجدوا أنه لا طاقة لهم بحرب من حولهم من قبائل العرب وقد بايعت وأسلمت» فأجمعوا على أن يرسلوا إلى النبي ﷺ وفدا، ففعلوا وقد حاول الوفد بعد وصوله المدينة تأجيل هدم اللات «الطاغية» بعض الوقت غير أن النبي ﷺ رفض ذلك، وأصر على أن يبعث المغيرة ابن شعبة وأبا سفيان بن حرب لهدمها، كما أنه أمّر عليهم عثمان بن أبي العاص وكان أحرصهم على تعلم القرآن والتفقه في الدين «١» . وبالإضافة إلى أخبار وفد ثقيف الذي كان برئاسة عبد ياليل بن عمرو بن عمير، أورد ابن إسحاق معلومات مبوّبة عن ستة عشر وفدا تضمنت تفصيلات عن رؤساء وفود ورجالها وأخبار قدومهم وإقامتهم، وحوارهم، والأشعار التي قيلت، وما انتهى إليه أمرهم، والآيات التي نزلت في أمرهم إن كان ذلك قد حصل. وقد استقصى ابن سعد في جمع المعلومات عن الوفود، كما فصل كثيرا وقدم ترجمات وافية عن رجال الوفود، ومن كانت له صحبة منهم، وما ورد عن طريقهم من آثار. ولا تخلوا أسانيد ابن سعد أحيانا من المطاعن، كما أن فيها أسانيد من الثقاة أيضا، ولا شك في أن الأخبار التي أوردها المؤرخون ليست ثابتة بالنقل الصحيح المعتمد وفق أساليب المحدثين، رغم أن عددا كبيرا من المرويات عن تلك الوفود ثابتة وصحيحة، فمثلا: أشارت سورة الحجرات إلى ما صدر عن بعض رجال وفد تميم من أعمال تتسم بعدم العقلانية «٢» ، كما أورد الإمام البخاري معلومات عن وفد قبيلة تميم وقدومه إلى النبي ﷺ «٣» ، وتعززت أخبار هذا الوفد بمعلومات إضافية وردت في مصادر تاريخية إلى جانب ما ورد عنها في كتب السير والمغازي «٤» . وإضافة إلى معلوماته عن وفد تميم يقدم الإمام البخاري معلومات عن وفود أخرى مثل: عبد القيس «٥» ، وبني حنيفة «٦» ، ووفد نجران «٧» ، ووفد الأشعريين «٨» ، وأهل اليمن «٩» ، ووفد دوس ١» ، ووفد بني عامر «١١» .

стр. 495

وقد أورد الإمام مسلم أخبارا عن أغلب الوفود المذكورة آنفا «١» ، كما أوردت بقية الكتب الستة معلومات أوسع شملت عددا كبيرا من الوفود «٢» .. وذلك كله يقطع بقدوم الوفود في العام التاسع إلى المدينة لإعلان إسلام قبائلهم وانضمامهم إلى دولة الإسلام وخضوعهم لها، حتى توحدت جزيرة العرب عامة تحت حكم النبي ﷺ ، وتبقى مسألة الحاجة الماسة إلى نقد تاريخي لمتون الأخبار المفصلة التي وصلتنا عن الوفود، كما تحتاج القصائد المطولة التي ملئت بها الكتب التاريخية وكتب السيرة والمغازي إلى النقد الأدبي الدقيق، والتأكد من صحة نسبتها. إن من الثابت تاريخيا سيادة الإسلام على كافة أنحاء الجزيرة العربية في العام التاسع، حيث تمت الوحدة السياسية لجميع أصقاعها تحت رايته، فلقد تمكن النبي ﷺ من تحقيق الوحدة السياسية للجزيرة في أقل من عشر سنوات رغم جميع العراقيل والنزعات القبلية والجاهلية والمشكلات المتنوعة، وقوة الروح الفردية والأنانية الشخصية. وما حققه الرسول ﷺ لم يكن رسوما لوحدة صورية شكلية، بل مثّل امتزاجا فريدا لسلوك الإنسان وروحه وعقله مما هيأ الأساس المتين لامتداد وتطور الدولة الإسلامية التي استمرت في عطائها خلال القرون التالية. الأحداث والبعوث والسرايا حتى وفاة النبي ﷺ : حج أبي بكر بالناس: ذكرنا آنفا عمرة النبي ﷺ بعد الفراغ من حصار الطائف حيث أهلّ بالعمرة من الجعرانة، ثم عاد بالجيش إلى المدينة، وقد حج المسلمون والمشركون معا عام الفتح، ثم أمّر أبا بكر ﵁ على الحج في العام التاسع الهجري، فخرج في ذي الحجة إلى مكة ومعه عدد كبير من الصحابة «٣» ، وساقوا معهم الهدي «٤» . نزلت سورة براءة بعد ارتحال ركب الحج من المدينة، فبعث النبي ﷺ علي بن أبي طالب- ﵁ ليعلنها على الناس في يوم النحر بمنى «٥» ، وقد التقى أمير الحج وعلي في الطريق، وبعد أن اطمأن الصدّيق إلى

стр. 496

طبيعة مهمته مضيا سويّا إلى مكة «١» ، وقد ذكر علي بن أبي طالب أنه مكلف بتبليغ المسلمين صدر سورة براءة، وأنه بعث في أربع: «لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك» «٢» . وكان قد عهد إلى رهط من الصحابة بمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته، منهم أبو هريرة والطفيل ابن عمرو الدوسي «٣» . إن نزول صدر سورة براءة يمثل مفاصلة نهائية مع الوثنية وأتباعها، حيث منعت حجهم وأعلنت الحرب عليهم، قال تعالى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ* وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٤» . وقد أمهل المعاهدين لأجل معلوم منهم إلى انتهاء مدتهم، فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ «٥» . كما أمهل من لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم، حيث يصبحون بعدها في حالة حرب مع المسلمين، قال تعالى: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٦» . وكان من نتائج ذلك أن بدأت حملة توعية واسعة النطاق في المناطق النائية التي تحتاج إلى ذلك، فقد ثبت في الصحيحين إرسال النبي ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن كلا منهما إلى جهة «٧» ، وأوصاهما بقوله

стр. 497

«يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا وتطاوعا» «١» ، وبعث ﷺ خالد بن الوليد إلى اليمن أيضا ثم استبدله بعلي بن أبي طالب، وكان من مهامه أن يستوفي الأخماس، وقد نجح علي في مهمته، وقد أسلمت همدان على يديه «٢» . وبعث النبي ﷺ سرية من مائة وخمسين راكبا عليهم جرير بن عبد الله البجلي فكسروا الصنم ذا الخلصة في الكعبة اليمانية وقتلوا من كان عنده، فدعا لهم الرسول ﷺ «٣» . حجة الوداع: أعلن النبي ﷺ عزمه على أداء فريضة الحج- وهي الحجة الوحيدة التي أداها بعد هجرته إلى المدينة «٤» - فقدم المدينة عدد كبير من المسلمين وفدوا من مختلف أنحاء جزيرة العرب للحج معه، والاقتداء بهديه، وقد خرج من المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة «٥» . وقد جاءت حجته ﷺ حافلة بالأحكام والمناسك والوصايا، أفرد لها العلماء كتبا خاصة بها «٦» ، واستنبطوا منها الكثير من أحكام المناسك مما تزخر به كتب الفقه والحديث وشروحه «٧» ، وقد تعلم المسلمون مناسك الحج من الرسول ﷺ مباشرة بناء على توجيهه الكريم حين قال لهم: «خذوا عنّي مناسككم» . ولما وقف ﷺ في عرفات نزلت عليه الآية: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً «٨» . وكان مما قاله ﷺ في خطبة حجة الوداع التي ألقاها على الحجاج في عرفات: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وإنّكم ستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، وإنّ كلّ ربا موضوع، وأوّل ربا أضع، ربا عبّاس بن عبد المطّلب فإنّه موضوع كلّه. وإنّ كلّ دم في الجاهليّة موضوع، وإنّ أوّل دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب.

стр. 498

أيّها النّاس: اتّقوا الله في النّساء فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وإن لكم عليهنّ ألّا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإنّي قد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعد إن اعتصمتم به، كتاب الله. وأنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» ، قالوا نشهد أنّك قد بلّغت رسالات ربّك، وأدّيت، ونصحت لأمّتك، وقضيت الّذي عليك، فقال ﷺ : «اللهمّ اشهد» «١» . وقد ألقى الرسول ﷺ خطبا أخرى في مزدلفة ومنى، فأكد في عرفات أن عرفة كلها موقف، وقال حين وقف في قزح صبيحة المزدلفة: «هذا الموقف وكلّ المزدلفة موقف» «٢» . ثم لما نحر بالمنحر في منى، قال: «هذا المنحر وكلّ منى منحر» . وقال في إحدى خطبه في منى: «لا ترجعوا من بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» «٣» . وهكذا قضى رسول الله ﷺ الحج، وقد أرى المسلمين مناسكهم، وأعلمهم ما فرض الله عليهم في حجهم، من الموقف ورمي الجمار، وطواف بالبيت، وما أحل لهم من حجهم، وما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يحج بعدها «٤» . وقد وافى علي بن أبي طالب- ﵁ عند عودته من اليمن، رسول الله ﷺ في الحج، فحج معه «٥» ، وقد اشتكى بعض الجند عليّا عند النبي ﷺ أنه اشتد في معاملتهم، وأنه استرجع منهم حللا كان نائبه على اليمن قد وزعها عليهم، فأوضح لهم النبي ﷺ في غدير خم قرب الجحفة مكانة عليّ وفضله لينتهوا عن الشكوى «٦» . وقال ﷺ : «من كنت مولاه فعليّ مولاه» «٧» .

стр. 499

بعث أسامة بن زيد إلى أرض فلسطين: عاد النبي ﷺ إلى المدينة بعد أن أدى حجة الوداع مع من صحبه من المسلمين ومن شهده معه من أهل الموقف، فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة من السنة العاشرة، والمحرم وصفر من السنة الحادية عشرة، وضرب على الناس بعثا إلى الشام، وأمّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة مولاه «١» ، وأمره أن يوطيء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين فتجهز الناس «٢» ، وأوعب مع أسامة بن زيد المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر «٣» ، وكان أسامة بن زيد شابّا في الثامنة عشرة من عمره، فتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السّن، فلم يقبل النبي ﷺ اعتراض أحد على إمارة أسامة بن زيد وأوصى به خيرا» . ولم يقدر لهذا البعث أن يخرج في عهد النبي ﷺ ، فقد عقد النبي ﷺ اللواء لأسامة الذي خرج به إلى الجرف وعسكر فيه بانتظار استكمال التجهيز والتحاق الجند وتكاملهم «٥» ، غير أن النبي ﷺ مرض بعد ذلك بيومين واستغرق مرضه عشرة أيام ثم توفي ﷺ مما أخر خروج الجيش إلى ما بعد بيعة الصديق- ﵁ «٦» . وفاة النبي ﷺ : قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٧» . اشتكى النبي ﷺ من سم أصابه منذ العام السابع الهجري، فقد تناول بعد فتح خيبر قطعة لحم من شاة مسمومة مشوية قدمتها له زوجة سلام بن مشكم اليهودية «٨» ، ورغم أنه ﷺ كان قد لفظ اللقمة ولم يبتلعها، فإن نوعية وكثافة السم الذي احتوته قد أثر عليه «٩» ، أما مرضه الأخير فكان قد ألم به أول ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة وبعد شهرين ونصف من عودته إلى المدينة من حجة الوداع، حين شعر ﷺ بالمرض وهو في بيت أم المؤمنين ميمونة «١٠» ، وطلب من زوجاته أن يمرّض في بيت أم المؤمنين عائشة «١١» ، واستغرق مرضه عشرة أيام «١٢» . وكانت عائشة- ﵂ تقرأ بالمعوذتين والأدعية المأثورة عن النبي ﷺ ، وتمسحه بيده رجاء البركة «١٣» .

стр. 500

وفي اليوم الخامس من مرضه ﷺ اشتدت عليه الحمى فطلب أن يصبّوا عليه الماء، حتى يخرج للناس فيعهد إليهم، وبعد أن استحم أحس بخفة، فعصب رأسه ودخل المسجد فصعد المنبر وخطب فنهى عن اتخاذ قبره وثنا يعبد «١» ، ولعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد «٢» ، وعرض نفسه للقصاص، وأوصى بالأنصار خيرا، وفي نهاية خطبته قال ﷺ : «إنّ عبدا خيّره الله بين الدّنيا وبين ما عند الله فاختار ما عند الله» . «٣» وقد اشتد بكاء أبي بكر ﵁ فعجب الناس من ذلك، فكان المخير رسول الله ﷺ وكان أبو بكر أعلمهم بذلك، وأثنى النبي على أبي بكر صحبته، وما أنفق في سبيل الله ونصرة الإسلام فقال: «لو كنت متّخذا خليلا عند ربّي لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام ومودّته» ، وأمر ﷺ بألا يبقى في المسجد باب إلّا سدّ، إلا باب أبي بكر. «٤» وقبل وفاته ﷺ بأربعة أيام أوصى بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، كما أمر ﷺ بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم «٥» ، وحين اشتد وجعه ذلك اليوم قال للصحابة الذين كانوا معه: «هلمّوا اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده» فاختلفوا وقال عمر بن الخطاب ﵁ : «قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال ﷺ : «قوموا عنّي» . «٦» وفي اليوم التالي أثر عنه ﷺ أنه قال: «أحسنوا الظّنّ بالله » . «٧» وقد أثقله بعد ذلك المرض، ومنعه من الخروج للصلاة بالناس، فقال: «مروا أبا بكر أن يصلّي بالنّاس» ، وقد راجعته عائشة- ﵂ فقالت: «إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن» فأصرّ ﷺ على ذلك، فمضى أبو بكر يصلي بهم «٨» ، وحين شعر النبي ﷺ بعد ذلك بتحسن، وخرج لصلاة الظهر وهو يتوكأ على رجلين رآه أبو بكر فأراد أن يتأخر، فأومأ إليه ألّا يتأخر، فأجلسه بجانبه، فجعل أبو بكر- رضي الله

стр. 501

عنه- صلي وهو قائم بصلاة رسول الله ﷺ والناس يصلون بصلاة أبي بكر «١» . أعتق النبي ﷺ في اليوم السابق لوفاته غلمانه، وتصدق بما كان معه من دنانير، وقال ﷺ : «لا نورث وما تركنا صدقة» «٢» . أطل الرسول ﷺ فجر يوم وفاته على المسلمين وهم يستوون لصلاة الصبح حيث كشف ستر حجرته ونظر إليهم وتبسم، وهمّ المسلمون أن يفتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله ﷺ ، وتأخر أبو بكر عن موضع الإمام ملتحقا بالصف الأول، غير أن النبي ﷺ أشار إليهم بيده الكريمة: أن أتمّوا صلاتكم، ثم دخل حجرة عائشة، وأرخى الستر. «٣» ودخلت عليه فاطمة الزهراء- ﵂ عند الضحى فقالت: «واكرب أباه» . فقال لها ﷺ : «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» «٤» . ثم دعاها فسارّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارّها بشيء فضحكت، فأخبرت بعد وفاته أنه أخبرها بموته فبكت ثم أخبرها بأنها أول أهله لحاقا به فضحكت «٥» ، والحديث من دلائل نبوته ﷺ لأن ما أخبرها به قد كان. وكان آخر ما تكلم به ﷺ قوله وهو يستند إلى صدر أم المؤمنين عائشة- ﵂: «مع الّذين أنعمت عليهم من النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين، اللهمّ اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرّفيق الأعلى، اللهمّ في الرّفيق الأعلى» كررها ثلاثا «٦» . ثم مالت يده، ولحق بالرفيق الأعلى «٧» . وكانت وفاته ﷺ حين اشتد الضحى من يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول عام إحدى عشرة للهجرة «٨» وقد نادت فاطمة الزهراء: «يا أبتاه، أجاب ربا دعاه، يا أبتاه إلى جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه: إلى جبريل ننعاه» «٩» . ولم يصدق عمر بن الخطاب نبأ وفاته ﷺ وتهدد من يقول ذلك «١٠» . أما أبو بكر فقد جاء من بيته بالسنح، ودخل على النبي ﷺ وكشف عن وجهه وقبله وبكى. ثم خرج إلى الناس وهم بين مصدق ومنكر، فقال: «أما

стр. 502

بعد. من كان يعبد محمدّا فإن محمدا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت، ثم تلا قول الله تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ «١» . هدأ الناس واطمأنت نفوسهم إلى قضاء الله تعالى وكأنهم لم يكونوا قد سمعوا الآية من قبل «٢» . وفي يوم الثلاثاء، التالي ليوم وفاة النبي ﷺ تم غسله وهو في ثيابه، شارك في غسله عمه العباس وولداه الفضل وقثم إلى جانب ابن عمه وصهره علي بن أبي طالب، كما شارك في ذلك شقران مولى النبي ﷺ وأسامة بن زيد وأوس ابن خولي «٣» ، وتم تكفينه في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة «٤» . صلى المسلمون على النبي ﷺ أرسالا أرسالا، لا يؤمهم أحد» ، وحفروا له قبرا في حجرة عائشة ﵂ ، ودفنوه ليلة الأربعاء «٦» . قال حسان بن ثابت عددا من المراثي في الرسول ﷺ ، منها قوله «٧» : بطيبة رسم للرسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرسوم وتهمد ولا تمتحي الآيات من دار حرمة ... بها منبر الهادي الذي كان يصعد وواضح آثار وباقي معالم ... وربع له فيه يصلّى ومسجد بها حجرات كان ينزل وسطها ... من الله نور يستضاء ويوقد ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدّد

стр. 503

وهل عدلت يوما رزيّة هالك ... رزيّة يوم مات فيه محمد وما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد أعف وأوفى ذمّة بعد ذمة ... وأقرب منه نائلا لا ينكّد وأكرم صيتا في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جدا أبطحيّا يسوّد وقال في قصيدة أخرى: «١» تالله ما حملت أنثى ولا مضعت ... مثل الرسول نبيّ الأمة الهادي ولا برا الله خلقا من بريته ... أوفى بذمة جاد أو بميعاد من الذي كان فينا يستضاء به ... مبارك الأمر ذو عدل وإرشاد يا أفضل الناس إني كنت في نهر ... أصبحت منه كمثل المفرد الصادي

стр. 504

ما خلّف النبيّ ﷺ : أ- زوجاته أمهات المؤمنين: تزوج النبي ﷺ في شبابه خديجة بنت خويلد- ﵂ كما سبق أن ذكرنا في ثنايا سيرته العطرة، ولم يتزوج عليها حتى توفيت بعد أن مكثت عنده أربعا وعشرين سنة وأشهرا، وكان ﷺ إذا ذكرها أثنى فأحسن الثناء عليها والاستغفار لها «١» . وقد تزوج ﷺ في مكة قبل الهجرة سودة بنت زمعة- ﵂ على أثر وفاة أم المؤمنين خديجة- ﵂، وكانت سودة ثيبا كبيرة السن، توفي عنها زوجها السكران بن عمر بعد عودتهما من هجرتهما إلى الحبشة «٢» ، فخطبها الرسول ﷺ من أبيها، وملكها «٣» . وإلى جانب حاجته ﷺ إلى الزوجة فإن زواجه من سودة- ﵂ كان تطييبا لخاطرها بفقدها زوجها المسلم المهاجر، ولغرض تهيئة من يرفق بأولاده الصغار من خديجة- ﵂ «٤» . وقد هاجرت أم المؤمنين سودة بنت زمعة إلى المدينة في أعقاب هجرته ﵇. وقد بنى لها النبي ﷺ بيتها الملاصق لمسجده ﷺ وهو أحد البيتين اللذين بنيا مع بناء المسجد بعد الهجرة «٥» . أما أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق- ﵄ فقد أورد الشيخان وابن حبان عنها قالت: تزوجني رسول الله ﷺ وأنا بنت ست سنين «٦» . ويفهم من رواية أوردها الطبراني بإسناد حسن عنها- ﵂ بأنها هاجرت مع بقية الأسرة، وأنهم سلكوا في مسالك صعبة «٧» . وقد تزوجها ﷺ بالمدينة وهي البكر الوحيدة بين نسائه «٨» . وفي المدينة تزوج ﷺ أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب- ﵄ «٩» ، وكانت تحت

стр. 505

خنيس بن حذافة السهمي الذي هاجر معها إلى المدينة وتوفي من جراحات أصابته في بدر «١» . وقد تزوجها النبي ﷺ في السنة الثانية من الهجرة «٢» . وتزوج ﷺ أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية «٣» ، وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث، ولما خطبها النبي ﷺ جعلت أمرها إليه فتزوجها وأشهد وأصدقها اثنى عشر أوقية وكساء «٤» . وهي أم المساكين سميت بذلك لكثرة إطعامها المساكين «٥» ، وتوفيت ورسول الله ﷺ حي، وقد مكثت عنده ثمانية أشهر ودفنت بالبقيع «٦» . أما أم المؤمنين أم سلمة بنت أبي أميّة- ﵂، فقد هاجرت مع زوجها الأول أبي سلمة بن عبد الأسد- ﵁ إلى الحبشة الهجرتين فكانا أول من هاجر إلى الحبشة وكانت أول مهاجرة من المسلمات «٧» ، فلما شرعت الهجرة إلى يثرب كانت أم سلمة «أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة» «٨» ، وقد شهد أبو سلمة بدرا وأحدا ورمي بسهم في عضده، برأ منه، ثم انقض عليه فمات في جمادى الآخرة سنة ٤ هـ «٩» ، وبعد أن اعتدّت- ﵂ تزوجها النبي ﷺ في أواخر شوال من السنة الرابعة «١٠» . وقد كانت مع النبي ﷺ حين خرج إلى مكة وتصالح مع قريش في الحديبية وكان لرأيها أثره في متابعة المسلمين لرسول الله ﷺ بعد ما ترددوا في النحر والحلق «١١» . - أما أم المؤمنين جويرية بنت الحارث- ﵂ فكانت قبل النبي ﷺ عند مسافع بن صفوان، وقد قتل كافرا يوم المريسيع في غزوة بني المصطلق «١٢» ، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها على تسع أواق، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه على كتابتها فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من البلاء ما لا يخفى عليك فأعنّي على كتابتي قال ﷺ : «أو خير من ذلك، أؤدّي عنك كتابتك وأتزوّجك» ، فقالت نعم «١٣» ، ففعل، فبلغ الناس أن رسول الله ﷺ قد تزوجها، فقالوا: أصهار رسول الله ﷺ

стр. 506

يسترقون! فأعتقوا ما بأيديهم من بني المصطلق، فكان ذلك من خيرها على قومها «١» . - وتزوج النبي ﷺ ابنة عمته زينب بنت جحش في السنة الرابعة من الهجرة «٢» ، وكانت قبله تحت زيد «مولاه زوجها له النبي ﷺ «٣» ، ولما أخفق الزواج حاول النبي ﷺ إصلاح ذات بينهما دون جدوى، ثم نزل أمر الله تعالى له يأمره بالزواج منها لحكمة ارادها الله تعالى في إبطال عادة التبني الجاهلية، وما يترتب عليها من علاقات، وقد أنزل الله في ذلك قوله تعالى وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً «٤» .. ولذلك فإنها كانت تفخر على بقية نسائه بأنها بنت عمته وبأن الله تعالى قد زوجها له من فوق سبع سماواته «٥» . وبسببها نزلت آية الحجاب «٦» . في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً» . ووردت عن أم المؤمنين عائشة- ﵂ رواية صحيحة قالت فيها: «كانت زينب بنت جحش «٨» هي التي تساميني من أزواج النبي ﷺ في المنزلة عند النبي ﷺ وما رأيت امرأة قط خيرا من زينب في الدين، وأتقى لله، وأصدق حديثا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة» «٩» . أما أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان- ﵂ فقد كانت عند عبيد الله بن جحش وولدت له حبيبة، وقد هاجرت مع زوجها إلى الحبشة في الهجرة الثانية، غير أنه ما لبث أن ارتد وتنصر ومات على النصرانية وبقيت أم حبيبة. ﵂ على دين الإسلام، فأتم الله تعالى لها الإسلام والهجرة وتزوجها رسول الله ﷺ إذ بعث ﵇ إلى النجاشي فزوجه إياها وأصدقها النجاشي عن رسول الله ﷺ وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة «١٠» . وقيل لأبي سفيان يومئذ وهو مشرك يحارب النبي ﷺ : «إن محمدا قد نكح ابنتك، قال ذاك

стр. 507

الفحل لا يقرع أنفه» «١» . ومما يؤثر عنها أنها رغبت بفراش النبي ﷺ حين أراد أبو سفيان أن يجلس عليه عندها فطوته دونه وحتى سألها أبوها عن ذلك قالت: «بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت امرؤ نجس مشرك» «٢» . وقد نزل بسبب زواج النبي ﷺ منها قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٣» . وتزوج النبي ﷺ أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، وكانت قبله تحت أبي رهم بن عبد العزى القرشي، وقد خطبها النبي ﷺ في عمرة القضاء بمكة فجعلت أمرها إلى العباس بن عبد المطلب، فأنكحها له العباس وهو محرم سنة ثمان، فلما رجع من مكة بنى بها بسرف على بضعة أميال من مكة، وروى الطبراني برجال ثقات عن الزهري ﵀ أن ميمونة بنت الحارث هي التي وهبت نفسها لرسول الله ﷺ . ونزل فيها قوله تعالى:.. وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ... «٤» . أما أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂ فقد كانت عند كنانة بن أبي الحقيق الذي قتل يوم خيبر وقد اصطفى النبي ﷺ صفية من النفل وتزوجها بأن جعل عتقها صداقها «٥» . وروى البزار بسند جيد عن أنس أن النبي ﷺ لم يولم على أحد من نسائه إلا صفية «٦» . ووردت جملة مرويات تفيد أنه ﷺ كانت له أربع ولائد: مارية القبطية، وريحانة القرظية، وثالثة وهبتها له أم المؤمنين زينب بنت جحش بعد أن رضي عنها إثر مخاصمتها أم المؤمنين صفية، ورابعة أصابها في السبي وكانت جميلة نفيسة «٧» . وعقد الشامي في سيرته بابا خاصّا أفرده «في ذكر من عقد عليها ولم يدخل بها ﷺ » «٨» عدد فيها

стр. 508

أسماء ست وعشرين من النساء اللاتي ذكرت المرويات المتنوعة، وبعضها صحيح، أن النبي ﷺ قد عقد عليهن النكاح ثم فارقهن مبينا أسباب ذلك، ذكر البخاري منهن ابنة الجون التي تعوذت من رسول الله ﷺ حين أدخلت عليه «١» ، وروى الإمام أحمد وابن أبي خيثمة، خبر الغفارية التي تزوجها النبي ﷺ فلما أدخلت إليه وجد في كشحها بياضا ففارقها ولم يأخذ مما آتاها شيئا «٢» . وروى البخاري عن أبي أسيد خبر زواج النبي ﷺ من أميمة بنت شراحيل ومفارقة النبي ﷺ لها بسبب ذلك «٣» . ولقد اجتمعت أمهات المؤمنين عند النبي ﷺ في حياته بالمدينة فكان لكل واحدة منهن حجرة صغيرة يدخل إليها من فناء صغير يفضي إلى المسجد من جهته الشرقية ولا شك في أن هذا العدد من الزوجات كان من خصائص النبي ﷺ . أولاده ﷺ : أولهم القاسم، ثم زينب، ثم رقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ثم عبد الله. وهؤلاء كلهم من خديجة، ولم يولد له من زوجة غيرها، ثم ولد له إبراهيم بالمدينة من سريته مارية سنة ثمان من الهجرة ومات قبل الفطام، وكل أولاده توفي قبله إلا فاطمة فإنها تأخرت بعده بستة أشهر. أعمامه وعماته ﷺ : منهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، والعباس، وأبو طالب، وأبو لهب، والزبير، وعبد الكعبة، والمقوّم، وضرار، وقثم، والمغيرة، والعيداق، وزاد بعضهم العوام ولم يسلم منهم غير حمزة والعباس. وأما عماته فصفية أم الزبير بن العوام، وعاتكة، وبرّة، وأروى، وأميمة، وأم حكيم البيضاء. أسلم منهن صفية، واختلف في إسلام عاتكة وصحح بعضهم إسلام أروى. كتابه ﷺ : أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وعامر بن فهيرة، وعمرو بن العاص، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن الأرقم، وثابت بن قيس بن شماس، وحنظلة بن الربيع الأسدي، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن رواحة، وخالد بن الوليد، وخالد بن سعد بن العاص، وقيل إنه أول من كتب له ﷺ ومعاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت، وكان ألزمهم لهذا الشأن وأخصهم به. كتبه ﷺ إلى أهل الإسلام في الشرائع: فمنها كتابه في الصدقات الذي كان عند أبي بكر- وكتبه أبو بكر لأنس بن مالك لما وجهه إلى البحرين- ومنها كتابه إلى أهل اليمن وهو الكتاب الذي رواه أبو بكر بن عمرو بن حزم، ورواه الحاكم في صحيحه والنسائي وغيرهما وهو كتاب عظيم فيه أنواع من الفقه، ومنها كتابه إلى بني زهير، وكتاب كان عند عمر بن الخطاب في نصب الزكاة وغيرها.

стр. 509

كتبه ﷺ ورسله إلى الملوك: لما رجع ﷺ من الحديبية كتب إلى ملوك الأرض وأرسل إليهم رسله فكتب إلى ملك الروم. فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلّا إذا كان مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقش عليه ثلاثة أسطر: «محمد» سطر، و «رسول» سطر، و «الله» سطر. وختم به الكتب إلى الملوك. وبعث بها ستة نفر في يوم واحد في المحرم من سنة سبع. فأولهم عمرو بن أمية الضمري بعثه إلى النجاشي- واسمه أصحمة وتفسيره بالعربية عطية- وقد روى أنه عظم كتاب النبي ﷺ ثم أسلم وشهد شهادة الحق وكان من أعلم الناس بالإنجيل. وأنه صلى عليه النبي ﷺ يوم مات بالمدينة وهو بالحبشة، هكذا قال جماعة منهم الواقدي وابن سعد، وليس كما قال هؤلاء فإن أصحمة النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ليس هو الذي كتب إليه وهذا الثاني لا يعرف إسلامه بخلاف الأول فإنه مات مسلما، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث قتادة عن أنس قال: كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ، وقال محمد بن حزم: إن هذا النجاشي الذي بعث إليه رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري لم يسلم، والأول هو اختيار ابن سعد وغيره. والظاهر قول ابن حزم. وبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ملك الروم- واسمه هرقل وهمّ بالإسلام وكاد ولم يفعل. وقد روى ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «من ينطلق بصحيفتي إلى قيصر وله الجنة؟» فقال رجل من القوم: وإن لم يقبل؟ قال: «وإن لم، يقبل» فوافق قيصر وهو يأتي بيت المقدس فرمى بالكتاب على البساط وتنحى فنادى قيصر من صاحب الكتاب فهو آمن! قال أنا. قال: فإذا قدمت فأتني، فلما قدم أتاه فأمر قيصر بأبواب قصره فغلقت، ثم أمر مناديا ينادي: ألا إن قيصر قد اتبع محمدا وترك النصرانية فأقبل جنده وقد تسلحوا فقال لرسول الله ﷺ : قد ترى أني خائف على مملكتي! ثم أمر مناديه فنادى: ألا إن قيصر قد رضي عنكم وكتب إلى رسول الله ﷺ إني مسلم وبعث إليه بدنانير، فقال رسول الله ﷺ «كذب عدو الله ليس بمسلم وهو على النصرانية» وقسم الدنانير. وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى- واسمه أبرويز بن هرمز بن أنوشروان- فمزق كتاب النبي ﷺ ! فقال النبي ﷺ : «اللهم مزق ملكه» فمزق ملكه وملك قومه. وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس- واسمه جريج بن مينا ملك الإسكندرية عظيم القبط- فقال خيرا وقارب الأمر ولم يسلم وأهدى للنبي ﷺ مارية وأختيها سيرين وقيسرى، فتسرى مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابت، وأهدى له جارية أخرى وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا من قباطي مصر وبغلة شهباء هي دلدل وحمارا أشهب- وهو عفير- وغلاما خصيّا يقال له مابور- وقيل هو ابن عم مارية- وفرسا- وهو اللزاز- وقدحا من زجاج وعسلا.

стр. 510

وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك البلقاء، وبعث سليط بن عمرو إلى هوذة ابن علي الحنفي باليمامة فأكرمه، وقيل بعثه ابن هوذة إلى ثمامة بن أثال الحنفي فلم يسلم هوذة وأسلم ثمامة بعد ذلك. فهؤلاء الستة قيل هم الذين بعثهم رسول الله ﷺ في يوم واحد، وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين بعمان فأسلما وصدقا وخليا بين عمرو وبين الصدقة والحكم فيما بينهم، فلم يزل فيما بينهم حتى بلغته وفاة رسول الله ﷺ . وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين قبل منصرفه من الجعرانة، وقيل قبل الفتح فأسلم وصدق. وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري باليمن، فقال: سأنظر في أمري. وبعث أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك، وقيل سنة عشر من ربيع الأول داعيين إلى الإسلام فأسلم عامة أهلها طوعا من غير قتال ثم بعث بعد ذلك عليّ بن أبي طالب إليهم وعند عودته وافى النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع. وبعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع الحميري وذي عمرو يدعوهما إلى الإسلام فأسلما وتوفي رسول الله ﷺ وجرير عندهم، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى مسيلمة الكذاب بكتاب وكتب إليه بكتاب آخر مع السائب بن العوام أخي الزبير فلم يسلم، وبعث إلى فروة بن عمرو الجذامي يدعوه إلى الإسلام، وقيل لم يبعث إليه، وكان فروة عاملا لقيصر بمعان فأسلم وكتب إلى النبي ﷺ بإسلامه. وبعث إليه هدية مع مسعود بن سعد- وهي بغلة شهباء يقال لها فضة- وفرس يقال له الضرب، وحمار يقال له يعفور. وبعث أثوابا وقباء سندس مخوص بالذهب فقبل هديته ووهب لمسعود بن سعد اثنتي عشرة أوقية ونشا. وبعث عياش بن أبي ربيعة المخزومي بكتاب إلى الحارث ومسروح ونعيم بن عبد كلال من حمير. مؤذّنوه ﷺ : كانوا أربعة اثنان بالمدينة، بلال بن رباح، وهو أول من أذن لرسول الله ﷺ ، وعمرو بن أم مكتوم القرشي العامري الأعمى وبقباء سعد القرط، مولى عمار بن ياسر، وبمكة أبو محذورة واسمه أوس بن مغيرة الجمحي. وكان أبو محذورة يرجّع الأذان ويثني الإقامة وبلال لا يرجع ويفرد الإقامة. أمراؤه ﷺ : منهم باذان بن ساسان أمّره رسول الله ﷺ على أهل اليمن كلّها بعد كسرى وأول من أسلم من ملوك العجم، ثم أمّر بعد موت باذان ابنه شهر بن باذان على صنعاء وأعمالها، ثم قتل شهر فأمر خالد بن سعيد بن العاص. وولى المهاجر بن أبي أمية المخزومي كندة والصدف فتوفى رسول الله ﷺ ولم يسر إليها فبعثه أبو بكر لقتال ناس من المرتدين.

стр. 511

وولى زياد بن أمية الأنصاري حضر موت. وولى أبا موسى الأشعري زبيد وعدن وزمع والساحل، وولى معاذ ابن جبل الجند، وولى أبا سفيان صخر بن حرب نجران، وولى ابنه يزيد تيما، وولى عتاب بن أسيد مكة وإقامة الموسم بالحج بالمسلمين سنة ثمان، وله دون العشرين سنة، وولى علي بن أبي طالب الأخماس باليمن والقضاء بها. وولى عمرو بن العاص عمان وأعمالها، وولى الصدقات جماعة كثيرة لأنه كان لكل قبيلة وآل رجل يقبض صدقاتها، وولى أبا بكر إقامة الحج سنة تسع وبعث في أثره عليّا يقرأ على الناس سورة براءة. حرسه ﷺ : فمنهم سعد بن معاذ حرسه يوم بدر حين نام في العريش، ومحمد بن مسلمة حرسه يوم أحد، والزبير بن العوام حرسه يوم الخندق. ومنهم عباد بن بشر وهو الذي كان على حرسه. وحرسه جماعة آخرون غير هؤلاء، فلما نزل قوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ استغنى عن الحرس. شعراؤه ﷺ : كان من شعرائه الذين يذبون عن الإسلام كعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت- وكان أشدهم على الكفار حسانا- وكان كعب يعيرهم بالكفر والشرك، وكان خطيبه ثابت بن قيس بن شماس. سلاحه وأثاثه ﷺ : كان له تسعة أسياف منها ذو الفقار- وكان لا يكاد يفارقه، وكانت قائمته وقبيعته وحلقته وذؤابته وبكراته ونعله من فضة، وسبعة أدرع، وست قسيّ، وترس يقال له الفتق، وترس يقال له الزلوق، وخمسة أرماح، وحربة يقال لها النبعة، وأخرى كبيرة تدعى البيضاء، وأخرى صغيرة شبه العكاز يمشي بها بين يديه في الأعياد وتركز أمامه فيتخذها سترة يصلي إليها، وكان يمشي بها أحيانا. وكان له مغفر من حديد يقال له الموشح ومغفر آخر يقال له المسبوغ، وكان له ثلاث جبات يلبسها في الحرب، قيل فيها جبة سندس أخضر، وكان له راية سوداء. وفي سنن أبي داود عن رجل من الصحابة قال: رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء. وكان له ألوية بيضاء، وربما جعل فيها الأسود، وكان له فسطاط يسمى الكن، ومحجن يمشي به ويركب به ويعلقه بين يديه على بعيره. وكان له قدح مضبب بسلسلة فضة، وقدح من قوارير، ومدهن، وربعة فيها المرآة والمشط والمقراضان والسواك، وسرير قوائمه من ساج، وفراش من أدم حشوه ليف. وكان له مائة شاة وكان لا يريد أن تزيد كلما ولد له الراعي بهمة ذبح مكانها شاة وغنم يوم بدر جملا مهريّا لأبي جهل في أنفه برة من فضة فأهداه يوم الحديبية ليغيظ بن المشركين.

стр. 512

شمائل الرسول ﷺ الصفات الخلقيّة لسيد المرسلين ﷺ ممّا لا شكّ فيه أنّ الأنبياء والرّسل عليهم الصّلاة والسّلام يمثّلون الكمال الإنسانيّ في أرقى صوره فهم في غاية الكمال في خلقهم وخلقهم، أطهر البشر قلوبا، وأزكاهم أخلاقا، وأجودهم قريحة، اختارهم الله واصطفاهم لنفسه واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ «١» . فلم يكن بدعا من الأنبياء أن يكون كلّ ما عليه نبيّنا محمّد ﷺ من الخلق والتّكوين مسترعيا للأنظار؛ فكما هو قمّة الكمال والجمال في خلقه، كذلك هو قمّة الجمال والكمال في خلقه، ولا شكّ أنّ ذلك التناسق والجمال الجسميّ له أثره الكبير في الدّعوة والاستجابة لها «٢» ، فكم من رجل دخل في الإسلام بمجرّد رؤيته رسول الهدى ﷺ ومشاهدة نور وجهه الشّريف؟. فهذا عبد الله بن سلام حبر يهود وأعلمهم بالتّوراة يقول: «لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل «٣» النّاس إليه، وقيل قدم رسول الله ﷺ ثلاث مرّات- فجئت في النّاس لأنظر إليه فلمّا تأمّلت وجهه واستثبتّه «٤» عرفت أنّ وجهه ليس بوجه كذّاب..» «٥» ، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. فرسولنا ﷺ كان أحسن النّاس وأجمل النّاس، لم يصفه واصف قطّ إلّا شبّهه بالقمر ليلة البدر، ولقد كان يقول قائلهم: لربّما نظرنا إلى القمر ليلة البدر فنقول: هو أحسن في أعيننا من القمر، أحسن النّاس وجها، وأنورهم لونا، يتلألأ تلألؤ الكوكب، ولقد وصفه أبو بكر الصّدّيق- ﵁ فقال: أمين مصطفى للخير يدعو ... كضوء البدر زايله «٦» الظّلام وكان عمر بن الخطّاب- ﵁ كثيرا ما ينشد قول زهير بن أبي سلمى حين يقول لهرم بن سنان:

стр. 513

لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المضيء لليلة البدر «١» فيقول عمر- ﵁ ومن سمع ذلك: كان النّبيّ ﷺ كذلك ولم يكن كذلك غيره. وكذلك قالت عمّته عاتكة بنت عبد المطّلب، بعد ما سار من مكّة مهاجرا فجزعت عليه بنو هاشم فانبعثت تقول: عينيّ جودا بالدّموع السّواجم «٢» ... على المرتضى كالبدر من آل هاشم على المرتضى للبرّ والعدل والتّقى ... وللدّين والدّنيا بهيم «٣» المعالم على الصّادق الميمون ذي الحلم والنّهى ... وذي الفضل والدّاعي لخير التّراحم فشبّهته بالبدر ونعتته بهذا النّعت وإنّها لعلى دين قومها. فهذه نماذج- وهي قلّ من كثر- لما وصفه به الواصفون، ممّا يدلّ على جماله وبهائه وملاحته ﷺ . صفة النّبيّ ﷺ : وردت أحاديث جامعة شاملة تضمّنت صفات خلقيّة عديدة لرسول الله ﷺ كما وردت أحاديث أخرى تقتصر على صفة معيّنة أو أكثر ولكنّها لا تصل إلى درجة الشّمول والجمع. وصف جامع: وردت بعض الأحاديث والآثار الّتي تتضمّن وصفا شاملا للرّسول ﷺ نذكر منها مايلي: ١- حديث أمّ معبد: عن حبيش بن خالد «٤» ﵁: أنّ رسول الله ﷺ حين أخرج من مكّة مهاجرا إلى المدينة، هو وأبو بكر ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهما اللّيثي: عبد الله بن أريقط- ﵃ مرّوا على خيمتي أمّ معبد الخزاعيّة- وكانت برزة «٥» جلدة تحتبي بفناء القبّة، ثمّ تسقي وتطعم فسألوها لحما، وتمرا،

стр. 514

ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وكان القوم مرملين «١» مسنتين «٢» . فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة «٣» ، فقال: «ما هذه الشّاة يا أمّ معبد؟» ، قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم. قال: «أبها من لبن؟» ، قالت: هي والله أجهد من ذلك. قال: «أتأذنين لي أن أحلبها؟» . قالت: بأبي وأمّي! إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله ﷺ فمسح بيده ضرعها، وسمّى الله تعالى، ودعا لها في شاتها، فتفاجّت «٤» عليه ودرّت واجترّت. ودعا بإناء يربض «٥» الرّهط، فحلب فيه ثجّا «٦» حتّى علاه البهاء» ، ثمّ سقاها حتّى رويت، وسقى أصحابه حتّى رووا، ثمّ شرب رسول الله ﷺ آخرهم، ثمّ أراضوا «٨» عللا بعد نهل «٩» ، ثمّ حلب فيه ثانيا بعد بدء حتّى ملأ الإناء، ثمّ غادره عندها، ثمّ بايعها، وارتحلوا عنها. فقلّما لبثت حتّى جاءها زوجها أبو معبد يسوق أعنزا عجافا يتساوكن «١٠» هزلا ضحا «١١» مخّهنّ قليل. فلمّا رأى أبو معبد اللّبن عجب وقال: من أين لك هذا اللّبن يا أمّ معبد، والشّاء عازب حيال «١٢» ، ولا حلوب في البيت؟. فقالت: لا والله إلّا أنّه مرّ بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي يا أمّ معبد.

стр. 515

قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة «١» ، أبلج «٢» الوجه، حسن الخلق، لم تعبه نحلة «٣» ، ولم تزر به، صعلة «٤» ، وسيم «٥» قسيم «٦» ، في عينه دعج «٧» ، وفي أشفاره غطف «٨» ، وفي صوته صهل «٩» ، وفي عنقه سطع «١٠» ، وفي لحيته كثاثة «١١» أزجّ «١٢» أقرن «١٣» إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلّم سما وعلاه البهاء، أجمل النّاس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب. حلو المنطق، فصل، لا نزر ولا هزر «١٤» ، كأنّ منطقه خرزات نظم ينحدرن. ربعة لا يأس «١٥» من طول، ولا تقتحمه «١٦» عين من قصر، غصن بين

стр. 516

غصنين فهو أنضر الثّلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود «١» محشود «٢» ، لا عابس «٣» ولا مفنّد «٤» ﷺ . فقال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الّذي ذكر لنا من أمره ما ذكر بمكّة، ولقد هممت أن أصحبه. ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلا «٥» . ٢- حديث هند بن أبي هالة التّميميّ في صفة النّبيّ ﷺ : قال الحسن بن عليّ بن أبي طالب- ﵄: سألت خالي هند بن أبي هالة التّميميّ عن حلية النّبيّ ﷺ وكان وصّافا له، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا لعلّي أتعلّق به فقال: «كان رسول الله ﷺ فخما مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع «٦» ، وأقصر من المشذّب «٧» عظيم الهامة «٨» ، رجل الشّعر «٩» ، إن انفرقت عقيصته فرق وإلّا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا وفّره «١٠» ، أزهر

стр. 517

اللّون» واسع الجبينين «٢» أزجّ الحواجب «٣» سوابغ في غير قرن «٤» بينهما عرق يدرّه الغضب «٥» أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمّله أشمّ «٦» كثّ اللّحية «٧» سهل الخدّين «٨» ضليع الفم «٩» ، أشنب «١٠» ، مفلّج الأسنان «١١» دقيق المسربة «١٢» كأنّ عنقه جيد دمية «١٣» في صفاء الفضّة، معتدل الخلق «١٤» ، بادنا متماسكا «١٥» ، سواء البطن والصّدر، عريض الصّدر «١٦» ، بعيد ما بين المنكبين «١٧» ضخم الكراديس «١٨» ، أنور المتجرّد «١٩» موصول ما بين اللّبّة والسّرّة- بشعر يجري كالخطّ «٢٠» ، عاري الثّديين والبطن ممّا سوى ذلك «٢١» أشعر الذّراعين والمنكبين وأعالي الصّدر، طويل

стр. 518

الزّندين «١» ، رحب الرّاحة «٢» ، سبط القصب، شثن الكفّين والقدمين «٣» ، سائل الأطراف، خمصان الأخمصين «٤» مسيح القدمين ينبو عنهما الماء «٥» إذا زال زال قلعا «٦» يخطو تكفّؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية «٧» إذا مشى كأنّما ينحطّ من صبب «٨» ، وإذا التفت التفت جميعا «٩» خافض الطّرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السّماء، جلّ نظره الملاحظة «١٠» يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسّلام «١١» قلت: صف لي منطقه. قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكر، ليست له راحة، طويل السّكت لا يتكلّم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، ويتكلّم بجوامع الكلم، فصلا لا فضول ولا تقصير١» ، دمثا ليس

стр. 519

بالجافي ولا المهين «١» ، يعظّم النّعمة وإن دقّت ولا يذمّ منها شيئا، غير أنّه لم يكن يذمّ ذواقا ولا يمدحه «٢» ، ولا تغضبه الدّنيا ولا ما كان منها، فإذا تعوطي الحقّ لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتّى ينتصر له «٣» ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار، أشار بكفّه كلّها، وإذا تعجّب قلبها، وإذا تحدّث اتّصل بها فيضرب بباطن راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى «٤» ، فإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه «٥» ، جلّ ضحكه التّبسّم ويفترّ عن مثل حبّ الغمام «٦» . قال الحسن: فكتمتها الحسن زمانا، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه فسأله عمّا سألته ووجدته قد سأل أباه- يعني عليّا كرّم الله وجهه- عن مدخله ومخرجه وشكله «٧» فلم يدع منها شيئا، فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا لله ، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثمّ جزّأ جزءه بينه وبين النّاس، فيردّ ذلك على العامّة بالخاصّة، ولا يدّخر عنهم شيئا «٨» . وذكر دخول أصحابه عليه فقال: يدخلون روّادا ولا يفترقون إلّا عن ذواق، ويخرجون أدلّة «٩» ، وذكر مجلسه فقال: مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته «١٠» ، إذا

стр. 520

تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رءوسهم الطّير، فإذا سكت تكلّموا، كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ ولا سخّاب في الأسواق، ولا فحّاش ولا غيّاب ولا مدّاح ولا يقبل الثّناء إلّا من مكافيء «١» . ٣- وعن أبي هريرة ﵁ قال: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله ﷺ ، وكان كأنّ الشّمس تجري في جبهته «٢» . وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ كأنّما الأرض تطوى «٣» له، إنّا لنجهد أنفسنا «٤» وإنّه لغير مكترث «٥» » «٦» . ٤- وعن جابر بن سمرة- ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان «٧» وعليه حلّة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو عندي أحسن من القمر «٨» . ٥- وعن أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر، قال: قلت للرّبيّع بنت معوّذ: صفي لي رسول الله ﷺ قالت

стр. 521

يا بنيّ لو رأيته رأيت الشّمس طالعة «١» . صفة لون رسول الله ﷺ : كان رسول الله ﷺ أزهر اللّون وهو الأبيض المستنير النّاصع البياض وهو أحسن الألوان، فلم يكن بالأبيض الأمهق الشّديد البياض «٢» ، ولم يكن بالآدم الشّديد السّمرة وكان بياضه ﷺ مشربا بحمرة. حتّى كان الصّحابة ﵃ كثيرا ما يتمثّلون بنعت عمّه أبي طالب إيّاه في لونه حيث يقول: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال «٣» اليتامى عصمة للأرامل ويقول كلّ من سمع ذلك: هكذا كان النّبيّ ﷺ . وهذه طائفة مختارة من وصف الواصفين ونعت النّاعتين لرسول الله ﷺ ممّن حضره وعاصره تؤكّد وتؤيّد ما ذكر: - عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن: قال: سمعت أنس بن مالك- ﵁ يصف النّبيّ ﷺ قال: «كان ربعة «٤» من القوم، ليس بالطّويل ولا بالقصير، أزهر «٥» اللّون، ليس بأبيض أمهق ولا آدم «٦» . ليس بجعد «٧» قطط «٨» ولا سبط «٩» رجل «١٠» . - عن الجريريّ عن أبي الطّفيل- ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ وما على وجه الأرض رجل رآه

стр. 522

غيري. قال: فقلت له: فكيف رأيته؟ قال: كان أبيض مليحا مقصّدا «١» » «٢» . - عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ أبيض مشربا بياضه بحمرة» «٣» . - عن أبي هريرة- ﵁: قال: «كان رسول الله ﷺ أبيض، كأنّما صيغ من فضّة» » . - عن محرّش الكعبيّ- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ خرج من الجعرانة ليلا فاعتمر ثمّ رجع فأصبح بها كبائت فنظرت إلى ظهره كأنّه سبيكة فضّة «٥» » «٦» . - عن عائشة- ﵂: أنّها تمثّلت بهذا البيت وأبو بكر- ﵁ يقضي: «٧» وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ربيع اليتامى عصمة للأرامل «٨» . فقال أبو بكر- ﵁: ذاك والله رسول الله ﷺ «٩» . - عن أنس بن مالك- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ربعة ليس بالطّويل ولا بالقصير حسن

стр. 523

الجسم أسمر اللّون «١» ، وكان شعره ليس بجعد ولا سبط إذا مشى يتكفّأ «٢» » «٣» . - وقال ابن أبي خيثمة- ﵀ في صفته ﷺ : «كان أزهر اللّون. والأزهر: الأبيض النّاصع البياض الّذي لا تشوبه حمرة ولا صفرة ولا شيء من الألوان ... » ، وقد نعته بعض من نعته بأنّه كان مشرب حمرة، وقد صدق من نعته بذلك ولكن إنّما كان المشرب منه حمرة ما ضحا للشّمس والرّياح، فقد كان بياضه من ذلك قد أشرب حمرة، وما تحت الثّياب فهو الأبيض الأزهر لا يشكّ فيه أحد ممّن وصفه بأنّه أبيض أزهر، فعنى ما تحت الثّياب فقد أصاب، ومن نعت ما ضحا للشّمس والرياح بأنّه أزهر مشرب حمرة فقد أصاب. ولونه الّذي لا يشكّ فيه: الأبيض الأزهر وإنّما الحمرة من قبل الشّمس والرّياح «٤» . صفة وجه رسول الله ﷺ وأعضائه: كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجها فكان وجهه كالقمر والشّمس مستديرا. وكان- صلوات الله وسلامه عليه- عظيم العينين. أهدب الأشفار، مشرب العينين حمرة، أشكل أسود الحدقة، أدعج، أكحل العينين، دقيق الحاجبين، سابغهما، أزجّ، أقرن، أبلج واسع الجبين، أغرّ، أجلى كأنّه يتلألأ، وكان العرق في وجهه كاللّؤلؤ، وكان أسيل «٥» الخدّين سهلهما، أقنى «٦» الأنف، ضليع الفم، حسن الثّغر، برّاق الثّنايا، إذا ضحك كاد يتلألأ. وفيما يلي باقة عطرة من وصف الواصفين لرسول الهدى ﷺ ممّن حضره وشاهده تدلّل على ما ذكرناه. - عن البراء بن عازب- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس وجها وأحسنه خلقا «٧»

стр. 524

ليس بالطّويل الذّاهب ولا بالقصير» «١» . - وعن أبي إسحاق قال: سئل البراء: «أكان وجه النّبيّ ﷺ مثل السّيف «٢» ؟. قال: لا، بل مثل القمر» «٣» . - وسأل رجل جابر بن سمرة- ﵄: «أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السّيف؟ قال: لا، بل كان مثل الشّمس والقمر وكان مستديرا» «٤» . - وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ... عظيم العينين أهدب الأشفار مشربا بحمرة» «٥» .- وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في نعت رسول الله ﷺ قال: « ... كان أسود الحدقة «٦» أهدب الأشفار «٧» » «٨» . - وفي حديث يزيد الفارسيّ في رؤيته المناميّة لرسول الله ﷺ والّتي قصّها على ابن عبّاس- ﵄ وأقرّه عليها، جاء في الوصف: « ... رأيت رجلا ... حسن المضحك أكحل «٩» العينين، جميل، دوائر الوجه ... » «١٠» . - وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في صفة رسول الله ﷺ : «كان رسول الله ﷺ أبيض اللّون

стр. 525

مشربا حمرة، أدعج العين «١» .. سهل الخدّ» «٢» . - عن أبي هريرة- ﵁ في وصف رسول الله ﷺ ، قال: «كان مفاضّ «٣» الجبين أهدب الأشفار» «٤» . - وعن أبي هريرة- ﵁ في وصفه لرسول الله ﷺ قال: أحسن الصّفة وأجملها كان ربعة إلى الطّول أقرب أسيل «٥» الخدّين ... إذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر لم أر قبله ولا بعده مثله» «٦» . - عن سماك بن حرب؛ قال: سمعت جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ «ضليع الفم أشكل العين. منهوس العقبين. قال: قلت لسماك: ما ضليع الفم «٧» ؟ قال: عظيم الفم. قال: قلت: ما أشكل العين «٨» ؟ قال: طويل شقّ العين، قال: قلت: ما منهوس العقب «٩» ؟ قال: قليل لحم العقب» ١» . - وعن أبي هريرة- ﵁: في صفة رسول الله ﷺ : «كان رسول الله ﷺ حسن الثّغر «١١» » «١٢» .

стр. 526

صفة رأس رسول الله ﷺ وصفة لحيته ﷺ : كان رسول الله ﷺ عظيم الرّأس، ذا لحية عظيمة حسنة كثيرة الشّعر سوداء، كادت تملأ نحره إذا تكلّم في نفسه عرف ذلك من خلفه باضطرابها لعظمتها. وهذه أحاديث في وصف ذلك ممّن شاهده ورآه تؤكّد ما ذكرناه. - عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في صفة رسول الله قال: «لم يكن رسول الله ﷺ بالطّويل، ولا بالقصير، ضخم الرّأس» «١» . - وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في وصف رسول الله ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ أبيض مشربا حمرة ضخم الهامة «٢» » «٣» . - وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في وصف رسول الله ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ عظيم اللّحية» «٤» . - وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ كثّ «٥» اللّحية» «٦» . - وعن جابر بن سمرة- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللّحية» «٧» . - وعن أبي هريرة- ﵁ في وصف رسول الله ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ أسود اللّحية» «٨» .

стр. 527

- وفي حديث يزيد الفارسيّ في رؤيته المناميّة لرسول الله ﷺ والتّي قصّها على ابن عبّاس- ﵄ وأقرّه عليها، جاء فيه: « ... رأيت رجلا حسن المضحك جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتّى كادت تملأ نحره» «١» . - وعن أبي معمر قال: قلت لخبّاب بن الأرتّ: أكان النّبيّ ﷺ يقرأ في الظّهر والعصر؛ قال: نعم. قال: قلت: بأيّ شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته» «٢» . صفة شعر رأس رسول الله ﷺ : كان رسول الله ﷺ رجل الشّعر حسنه، فلم يكن شعره شديد الجعودة ولا شديد السّبوطة بل بينهما. شديد السّواد، يبلغ إلى أنصاف أذنيه وتارة شحمة أذنيه وتارة بين أذنيه وعاتقه وتارة يضرب منكبيه، وكان أوّل أمره قد سدل ناصيته بين عينيه ثمّ فرقه بعد ذلك فجعله فرقتين، وكان ربّما جعله غدائر أربعا يخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين يكتنفانها، ويخرج الأذن اليسرى من بين غديرتين يكتنفانها، وتخرج الأذنان ببياضهما من بين تلك الغدائر كأنّها توقّد الكواكب الدّرّيّة من سواد شعره. وبهذا الّذي ذكرناه جاءت أوصاف الصّحب الكرام لشعر سيّد المرسلين ﷺ ، فدونك إيّاها: - عن أنس بن مالك- ﵁: قال: «كان رسول الله ﷺ رجل الشّعر ليس بالسّبط ولا بالجعد القطط» «٣» . - عن أبي هريرة- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ شديد سواد الشّعر» «٤» . - وعن أبي الطّفيل- ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة فما أنسى بياض وجهه مع شدّة سواد شعره» «٥» . - وعن أنس بن مالك- ﵁: قال: «كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه» «٦» .

стр. 528

- عن البراء بن عازب- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا له شعر يبلغ شحمة «١» أذنيه، عليه حلّة حمراء ما رأيت شيئا قطّ أحسن منه ﷺ » «٢» ، وفي لفظ للبخاريّ: «له شعر يبلغ شحمة أذنيه إلى منكبيه» . - عن البراء بن عازب- ﵄ قال: «ما رأيت من ذي لمّة «٣» أحسن في حلّة حمراء من رسول الله ﷺ شعره يضرب منكبيه» «٤» . - عن أنس بن مالك- ﵁ قال: «كان شعر رسول الله ﷺ شعرا رجلا، ليس بالجعد ولا السّبط، بين أذنيه وعاتقه «٥» » «٦» . - عن ابن العبّاس- ﵄ قال: «كان أهل الكتاب يسدلون «٧» أشعارهم، وكان المشركون يفرقون «٨»

стр. 529

رءوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته «١» ثمّ فرق بعد» «٢» . - عن أمّ هانيء- ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ مكّة «٣» وله أربع غدائر «٤» » «٥» . وفي رواية لها، قالت: «رأيت في رأس رسول الله ﷺ ضفائر أربعا» «٦» . ذكر شيب النّبيّ ﷺ وخضابه: كان لرسول الله ﷺ في رأسه ولحيته قليل من الشّيب، وكان أكثر شيب رأسه في فودى رأسه والفودان حرفا الفرق- وأكثر شيب لحيته في عنفقته «٧» فوق الذّقن، وكان شيبه كأنّه خيوط الفضّة يتلألأ بين ظهري سواد الشّعر الّذي معه. وإذا مسّ ذلك الشّيب الصّفرة- وكثيرا ما يفعل ذلك- صار كأنّه خيوط الذّهب يتلألأ بين ظهري سواد الشّعر الّذي معه صلوات الله وسلامه عليه. وبنحو ما قلناه وردت الأحاديث والأخبار، وهذه نماذج منها: - عن أنس بن مالك- ﵁ قال: «توفّي رسول الله ﷺ وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعر رسول الله ﷺ فإذا هو أحمر فسألت فقيل: من الطّيب» » . - عن محمّد بن سيرين؛ قال: سألت أنس بن مالك: أخضب «٩» رسول الله ﷺ ؟ قال: إنّه لم ير من الشّيب إلّا قليلا. «١٠» .

стр. 530

- عن ثابت قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: «لو شئت أن أعدّ شمطات «١» كنّ في رأسه فعلت. وقال: لم يختضب؛ وقد اختضب أبو بكر بالحنّاء والكتم «٢» . واختضب عمر بالحنّاء بحتا «٣» » «٤» . - عن قتادة قال: «سألت أنسا: هل خضب النّبيّ ﷺ ؟ قال: لا، إنّما كان شيء في صدغيه «٥» » «٦» ، «٧» . - عن أنس بن مالك- ﵁: «أنّ النّبيّ ﷺ لم يختضب، إنّما كان البياض في عنفقته «٨» وفي الصّدغين وفي الرّأس نبذ «٩» » «١٠» . - عن جابر بن سمرة- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ قد شمط «١١» مقدّم رأسه ولحيته، وكان إذا ادّهن ومشط لم يتبيّن وإذا شعث «١٢» رأسه تبيّن» «١٣» . - عن إياد بن أبي رمثة- ﵄ قال: «انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﷺ فلمّا رأيته قال لي: هل تدري من هذا؟ قلت: لا. قال: إنّ هذا رسول الله ﷺ ، فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظنّ رسول الله ﷺ ،
следующие страницы →