← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.

стр. 4726

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) «١» ٩- قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥) «٢» ١٠- وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) «٣» ١١- فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) «٤» ١٢- فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦) «٥»

стр. 4727

الأحاديث الواردة في ذمّ (الانتقام) ١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك» ) * «١» . ٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قطّ بيده. ولا امرأة ولا خادما. إلّا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قطّ. فينتقم من صاحبه. إلّا أن ينتهك شيء من محارم الله. فينتقم لله- » ) * «٢» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الانتقام) معنى ١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك» ) * «١» . ٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئا قطّ بيده. ولا امرأة ولا خادما. إلّا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قطّ. فينتقم من صاحبه. إلّا أن ينتهك شيء من محارم الله. فينتقم لله- » ) * «٢» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الانتقام) معنى ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁: أنّ رعلا وذكوان وعصيّة وبني لحيان استمدّوا رسول الله ﷺ على عدوّ، فأمدّهم بسبعين من الأنصار كنّا نسمّيهم القرّاء في زمانهم، كانوا يحتطبون «٣» بالنّهار ويصلّون باللّيل. حتّى كانوا ببئر معونة «٤» قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النّبيّ ﷺ فقنت «٥» شهرا يدعو في الصّبح على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصيّة وبني لحيان. قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا، ثمّ إنّ ذلك رفع «٦» : «بلّغوا عنّا قومنا أنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا» . وعن قتادة عن أنس بن مالك حدّثه: «أنّ نبيّ الله ﷺ قنت شهرا في صلاة الصّبح يدعو على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصيّة وبني لحيان» زاد خليفة: حدّثنا ابن زريع حدّثنا سعيد عن قتادة حدّثنا أنس أنّ أولئك السّبعين من الأنصار قتلوا ببئر معونة قرآنا كتابا نحوه «٧» ) * «٨» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: بعث النّبيّ ﷺ سريّة عينا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت وهو جدّ عاصم بن عمر بن الخطّاب فانطلقوا، حتّى إذا كان بين عسفان ومكّة ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصّوا آثارهم «٩» ، حتّى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزوّدوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتّى لحقوهم، فلمّا انتهى عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد «١٠» وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلا. فقال عاصم: أمّا أنا فلا أنزل في ذمّة كافر، اللهمّ أخبر عنّا نبيّك، فقاتلوهم حتّى قتلوا عاصما في سبعة نفر بالنّبل، وبقي خبيب وزيد ورجل فأعطوهم العهد والميثاق فلمّا أعطوهم العهد

стр. 4728

والميثاق نزلوا إليهم فلمّا استمكنوا منهم حلّوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها، فقال الرّجل الثّالث معهما: هذا أوّل الغدر. فأبى أن يصحبهم فجرّروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتّى باعوهما بمكّة، فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا، حتّى إذا أجمعوا قتله استعار موسى «١» من بعض بنات الحارث ليستحدّ بها «٢» ، فأعارته، قالت: فغفلت عن صبيّ لي، فدرج إليه حتّى أتاه فوضعه على فخذه، فلمّا رأيته فزعت فزعة عرف ذاك منّي، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله. وكانت تقول: ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف «٣» عنب وما بمكّة يومئذ ثمرة، وإنّه لموثق في الحديد، وما كان إلّا رزق رزقه الله فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلّي ركعتين. ثمّ انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أنّ ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أوّل من سنّ الرّكعتين عند القتل هو. ثمّ قال: اللهمّ أحصهم عددا. ثمّ قال: ما إن أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ شقّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع ثمّ قام إليه عقبة بن الحارث فقتله. وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظّلّة من الدّبر «٤» فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء) * «٥» . ٥-* (عن جعفر بن عمرو بن أميّة الضّمريّ قال: خرجت مع عبيد الله بن عديّ بن الخيار، فلمّا قدمنا حمص قال لي عبيد الله بن عديّ: هل لك في وحشيّ نسأله عن قتل حمزة؟ قلت: نعم. وكان وحشيّ يسكن حمص، فسألنا عنه، فقيل لنا: هو ذاك في ظلّ قصره كأنّه حميت «٦» . قال: فجئنا حتّى وقفنا عليه بيسير، فسلّمنا، فردّ السّلام، قال: وعبيد الله معتجر بعمامته «٧» ما يرى وحشيّ إلّا عينيه ورجليه، فقال عبيد الله: يا وحشيّ أتعرفني؟ قال فنظر إليه ثم قال: لا والله، إلّا أنّي أعلم أنّ عديّ بن الخيار تزوّج امرأة يقال لها أمّ قتال بنت أبي العيص، فولدت له غلاما بمكّة فكنت أسترضع له، فحملت ذلك الغلام مع أمّه فناولتها إيّاه، فلكأنّي نظرت إلى قدميك. قال: فكشف عبيد الله عن وجهه ثمّ قال: ألا تخبرنا بقتل حمزة؟ قال: نعم، إنّ حمزة قتل طعيمة بن عديّ بن الخيار ببدر، فقال لي مولاي جبير بن مطعم: إن قتلت حمزة بعمّي فأنت حرّ، قال: فلمّا أن خرج النّاس عام عينين- وعينين جبل بحيال أحد «٨» ، بينه وبينه واد- خرجت مع النّاس إلى القتال، فلمّا اصطفّوا للقتال خرج سباع فقال: هل من مبارز؟ قال فخرج إليه حمزة بن

стр. 4729

عبد المطّلب فقال: يا سباع، يا ابن أمّ أنمار مقطّعة البظور «١» ، أتحادّ الله ورسوله «٢» ﷺ ؟ قال: ثمّ شدّ عليه، فكان كأمس الذّاهب «٣» . قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة «٤» ، فلمّا دنا منّي رميته بحربتي فأضعها في ثنّته «٥» حتّى خرجت من بين وركيه، قال: فكان ذاك العهد به. فلمّا رجع النّاس رجعت معهم، فأقمت بمكّة حتّى فشا فيها الإسلام. ثمّ خرجت إلى الطّائف، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ رسلا، فقيل لي: إنّه لا يهيج الرّسل «٦» ، قال: فخرجت معهم حتّى قدمت على رسول الله ﷺ ، فلمّا رآني قال: «آنت وحشيّ؟» قلت: نعم. قال: «أنت قتلت حمزة؟» قلت: قد كان من الأمر ما بلغك. قال: «فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عنّي؟» قال: فخرجت. فلمّا قبض رسول الله ﷺ فخرج مسيلمة الكذّاب قلت: لأخرجنّ إلى مسيلمة لعليّ أقتله فأكافيء به حمزة «٧» . قال: فخرجت مع النّاس فكان من أمره ما كان، قال: فإذا رجل قائم في ثلمة «٨» جدار كأنّه جمل أورق «٩» ثائر الرّأس «١٠» ، قال: فرميته بحربتي. فأضعها بين ثدييه حتّى خرجت من بين كتفيه. قال: ووثب رجل من الأنصار فضربه بالسّيف على هامته. قال: قال عبد الله بن الفضل: فأخبرني سليمان ابن يسار أنّه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر بيت: وأمير المؤمنين، قتله العبد الأسود) * «١١» . ٦-* (عن صهيب- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر. فلمّا كبر قال للملك: إنّي قد كبرت فابعث إليّ غلاما أعلّمه السّحر. فبعث إليه غلاما يعلّمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى السّاحر مرّ بالرّاهب وقعد إليه، فإذا أتى السّاحر ضربه. فشكا ذلك إلى الرّاهب. فقال: إذا خشيت السّاحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني السّاحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابّة عظيمة قد حبست النّاس، فقال: اليوم أعلم السّاحر أفضل أم الرّاهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللهمّ إن كان أمر الرّاهب أحبّ إليك من أمر السّاحر فاقتل هذه الدّابّة حتّى يمضي النّاس. فرماها فقتلها. ومضى النّاس. فأتى الرّاهب فأخبره. فقال له الرّاهب: أي بنيّ! أنت اليوم أفضل منّي. قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنّك ستبتلى. فإن ابتليت فلا تدلّ عليّ، وكان الغلام يبرأ الأكمه «١٢» والأبرص ويداوي النّاس من سائر الأدواء. فسمع جليس للملك كان قد عمي. فأتاه بهدايا كثيرة. فقال: ما ههنا لك أجمع «١٣» إن أنت شفيتني. فقال: إنّي لا أشفي أحدا. إنّما يشفي الله. فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن بالله. فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس. فقال له

стр. 4730

الملك: من ردّ عليك بصرك؟ قال: ربّي. قال: ولك ربّ غيري؟ قال: ربّي وربّك الله، فأخذه فلم يزل يعذّبه حتّى دلّ على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أيّ بنيّ! قد بلغ من سحرك ما تبرأ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إنّي لا أشفي أحدا، إنّما يشفي الله. فأخذه فلم يزل يعذّبه حتّى دلّ على الرّاهب فجيء بالرّاهب فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى. فدعا بالمئشار «١» . فوضع المئشار في مفرق رأسه، فشقّه حتّى وقع شقّاه. ثمّ جيء بجليس الملك فقيل له: ارجع عن دينك. فأبى فدعا بالمئشار. فوضع المئشار في مفرق رأسه، فشقّه حتّى وقع شقّاه. ثمّ جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته «٢» فإن رجع عن دينه وإلّا فاطرحوه. فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال: اللهمّ! اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا. وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور «٣» فتوسّطوا به البحر فإن رجع عن دينه وإلّا فاقذفوه. فذهبوا به، فقال: اللهمّ اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السّفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك. فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله. فقال للملك: إنّك لست بقاتلي حتّى تفعل ما آمرك به. قال: وما هو؟ قال: تجمع النّاس في صعيد واحد «٤» وتصلبني على جذع، ثمّ خذ سهما من كنانتي ثمّ ضع السّهم في كبد القوس «٥» ثمّ قل: باسم الله ربّ الغلام. ثمّ ارمني فإنّك إذا فعلت ذلك قتلتني. فجمع النّاس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثمّ أخذ سهما من كنانته «٦» ثمّ وضع السّهم في كبد القوس ثمّ قال: باسم الله ربّ الغلام. ثمّ رماه. فوقع السّهم في صدغه. فوضع يده في صدغه في موضع السّهم. فمات. فقال النّاس: آمنّا بربّ الغلام، آمنّا بربّ الغلام، آمنّا بربّ الغلام. فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك. قد آمن النّاس. فأمر بالأخدود في أفواه السّكك «٧» فخدّت وأضرم النّيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها، أو قيل له: اقتحم. ففعلوا. حتّى جاءت امرأة ومعها صبيّ لها، فتقاعست أن تقع فيها. فقال لها الغلام: يا أمّه! اصبري؛ فإنّك على الحقّ» ) * «٨» . ٧-* (عن قتادة قال: «ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة: أنّ نبيّ الله ﷺ ، أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد «٩» قريش فقذفوا في طويّ من أطواء بدر «١٠» خبيث مخبث. وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة «١١» ثلاث ليال. فلمّا كان ببدر اليوم الثّالث أمر براحلته فشدّ عليها رحلها، ثمّ مشى

стр. 4731

واتّبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلّا لبعض حاجته، حتّى قام على شفة الرّكيّ «١» ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان، أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا» ؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلّم من أجساد لا أرواح لها فقال رسول الله ﷺ : «والّذي نفس محمّد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» قال قتادة: أحياهم الله حتّى أسمعهم قوله، توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما) * «٢» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (الانتقام) ١-* (الصّحابيّ الجليل عبد الله بن حذافة السّهميّ، لمّا أسرته الرّوم جاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصّر، وأنا أشركك في ملكي، وأزوّجك ابنتي، فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمّد طرفة عين ما فعلت. فقال: إذا أقتلك. قال: أنت وذاك. فأمر به فصلب، وأمر الرّماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النّصرانيّة فيأبى، ثمّ أمر به فأنزل، ثمّ أمر بقدر. وفي رواية ببكرة من نحاس- فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى فطمع فيه ودعاه، فقال له: إنّي إنّما بكيت لأنّ نفسي إنّما هي نفس واحدة تلقى في القدر السّاعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كلّ شعرة من جسدي نفس تعذّب هذا العذاب في الله» ) * «٣» . ٢-* (عن سليمان بن يسار؛ أنّ سائبة «٤» أعتقه بعض الحجّاج فقتل ابن رجل من بني عائذ فجاء العائديّ أبو المقتول إلى عمر بن الخطّاب يطلب دية ابنه، فقال عمر: لا دية له. فقال العائذيّ: أرأيت لو قتله ابني؟ فقال عمر: إذا تخرجون ديته. فقال: هو إذا كالأرقم «٥» إن يترك يلقم، وإن يقتل ينقم «٦» » ) * «٧» . ٣-* (قال جعفر الصّادق: «لأن أندم على العفو عشرين مرّة أحبّ إليّ من أن أندم على العقوبة مرّة واحدة» ) * «٨» . ٤-* (قال المنصور لولده المهديّ: «لذّة العفو أطيب من لذّة التّشفّي؛ وذلك أنّ لذّة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذّة التّشفّي يلحقها ذمّ النّدم» ) * «٩» . ٥-* (قال صاحب خصايص الغرر ونقائص العرر: قال الله- : وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (الشورى/ ٣٧) وهذا دليل على أنّ الانتقام يقبح على الكرام» ) * «١٠» .

стр. 4732

٦-* (ومن رسالة لبديع الزّمان الهمذانيّ، يصف من طبعه الانتقام: هو سماء إذا تغيّم لم يرج صحوه، وإذا قدر لا ينتظر عفوه، يغضبه الجرم الخفيّ، ولا يرضيه العذر الجليّ، حتّى إنّه ليرى الذّنب وهو أضيق من ظلّ الرّمح، ويعمى عن العذر وهو أبين من نور الصّبح، وهو ذو أذنين يسمع بهذه القول وهو بهتان، ويحجب بهذه العذر وله برهان. وذو يدين يبسط إحداهما إلى السّفك والسّفح، ويقبض الأخرى عن الحلم والصّفح. فمزحه بين القدّ والقطع، وجدّه بين السّيف والنّطع. لا يعرف من العقاب إلّا ضرب الرّقاب، ولا من التّأديب غير إراقة الدّما، ولا من التّأنيب إلّا إزالة النّعما» ) *. ٧-* (قالت العرب: لا سؤدد مع الانتقام. سرعة العقوبة من لؤم الظّفر. ليس من الكرم عقوبة من لا يجد امتناعا من السّطوة. التّزيّن بالعفو خير من التّقبّح بالانتقام. - التّشفّي طرف من العجز، ومن رضي به لا يكون بينه وبين الظّالم إلّا ستر رقيق وحجاب ضعيف) * «١» . ٨-* (روي أنّ رجلا من قريش كان يطلب رجلا بذحل في الجاهليّة، فلمّا ظفر به قال: لولا أنّ القدرة تذهب الحفيظة لا نتقمت منك، وتركه» ) * «٢» . ٩-* (وقالوا: «الغضب عدوّ العقل؛ فإنّه يحول بين صاحبه وبين العقل والفهم فيستولي عليه سلطان الهوى فيصرفه عن الحسن، وهو الاحتمال إلى القبيح وهو التّشفّي» ) * «٣» . ١٠-* (وقالوا: «أقبح المكافآت المجازاة بالإساءات» ) * «٤» . ١١-* (وقيل: «الكريم إذا قدر غفر، وإذا عني بمساءة ستر. واللّئيم إذا ظفر عقر، وإذا أمن غدر» ) * «٥» . ١٢-* (وقيل أيضا: «إذا انتقمت ممّن هو دونك فلا تأمن أن ينتقم منك من هو فوقك» ) * «٦» . ١٣-* (وقيل: «لا تشن حسن الظّفر بقبح الانتقام» ) * «٧» . من مضار (الانتقام) المذموم (١) صفة ذميمة يبغضها الله ورسوله. (٢) إذا انتقم العبد ظلما وعدوانا انتقم الله منه. (٣) يورث الأحقاد والضّغائن بين النّاس. (٤) الانتقام لا يأتي من نبيل كريم ولا يفعله إلّا خسيس لئيم. (٥) الانتقام أقرب إلى الظّلم، ومن استمرأه صار في عداد الظّالمين. (٦) الّذي ينتقم ممّن هو دونه لا يأمن من انتقام من هو فوقه.

стр. 4733

انتهاك الحرمات الانتهاك لغة: مصدر انتهك ينتهك، وهو مأخوذ من مادّة (ن هـ ك) الّتي تدلّ على: إبلاغ في عقوبة وأذى. يقال: نهكته الحمّى: نقصت لحمه، وأنهكه الشّيطان عقوبة: بالغ، قال ابن فارس: ومن الباب: انتهاك الحرمة وهو: تناولها بما لا يحلّ، وفي حديث ابن عبّاس أنّ قوما قتلوا فأكثروا، وزنوا، وانتهكوا: أي بالغوا في خرق محارم الشّرع وإتيانها، والانتهاك في حديث أبي هريرة.. «تنتهك ذمّة الله وذمّة رسوله» يريد نقض العهد، والغدر بالمعاهد. وقال ابن منظور: النّهك التّنقّص، يقال نهكته الحمّى ونهكته (بفتح الهاء وكسرها) نهكا والنّهك: المبالغة في كلّ شيء، ومن ذلك قوله ﷺ للخافضة: «أشمّي ولا تنهكي» : أي لا تبالغي في استقصاء الختان، والنّاهك والنّهيك: المبالغ في جميع الأشياء ويقال: نهك الشّيء وانتهكه: جهده، وفي الحديث: «انهكوا الأعقاب أو لتنهكنّها النّار» . أي بالغوا في غسلها وتنظيفها في الوضوء. ونهك العرض: المبالغة في شتمه «١» . الآيات/ الأحاديث/ الآثار / ٢١/ ١٤ الحرمات لغة واصطلاحا: (انظر صفة تعظيم الحرمات) . انتهاك الحرمات اصطلاحا: قال ابن الأثير: الانتهاك: المبالغة في خرق محارم الشّرع وإتيانها «٢» ، ولمّا كانت الحرمات: ما نهى الله عنه من معاصيه كلّها، أو هي كلّ ما أوصى بتعظيم أمره فإنّ انتهاك الحرمات يعني: المبالغة في خرق وإتيان أيّ ممّا أوصى الله بتعظيم أمره، وارتكاب ما نهى عنه من معاصيه كلّها «٣» . انتهاك الحرمات واحتقارها: قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: لم يقدّر الله حقّ قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقّه فضيّعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه، وطاعة المخلوق أهمّ من طاعته. فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله. هواه المقدّم في ذلك كلّه. المهمّ أنّه يستخفّ بنظر الله إليه، واطّلاعه عليه، وهو في قبضته، وناصيته بيده، ويعظّم نظر المخلوق إليه واطّلاعه عليه بكلّ قلبه وجوارحه يستحيي من النّاس ولا يستحيي من الله

стр. 4734

ويخشى النّاس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام في خدمة من يحبّه من البشر قام بالجدّ والاجتهاد، وبذل النّصيحة وقد أفرغ له قلبه وجوارحه، وقدّمه على كثير من مصالحه حتّى إذا قام في حقّ ربّه قام قياما لا يرضاه مخلوق من مخلوق مثله وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوقا مثله. فهل قدر الله حقّ قدره من هذا وصفه؟ وهل قدره حقّ قدره من شارك بينه وبين عدوّه في محض حقّه من الإجلال والتّعظيم والطّاعة والذّلّ والخضوع والخوف والرّجاء؟ «١» . [للاستزادة: انظر صفات: أكل الحرام- إطلاق البصر- إفشاء السر- ترك الصلاة- الربا- الزنا- السرقة- شرب الخمر- الميسر- العصيان- البغي- الإسراف- التفريط والإفراط- التهاون- شهادة الزور- التبرج. وفي ضد ذلك: انظر صفات: تعظيم الحرمات- أكل الطيبات- غض البصر- كتمان السر- إقامة الشهادة- الاستقامة- العفة- حفظ الفرج- الستر- الحجاب] .

стр. 4735

الأحاديث الواردة في ذمّ (انتهاك الحرمات) ١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «اتّقوا الظّلم؛ فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، واتّقوا الشّحّ «١» فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم» ) * «٢» . ٢-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: قال رسول الله ﷺ : «ستّة لعنتهم، لعنهم الله وكلّ نبيّ كان: الزّائد في كتاب الله، والمكذّب بقدر الله، والمتسلّط بالجبروت ليعزّ بذلك من أذلّ الله، ويذلّ من أعزّ الله، والمستحلّ لحرم الله، والمستحلّ من عترتي ما حرّم الله، والتّارك لسنّتي» ) * «٣» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كيف أنتم إذا لم تجتبوا «٤» دينارا ولا درهما؟ فقيل له: وكيف ترى ذلك كائنا يا أبا هريرة؟ قال: إي، والّذي نفس أبي هريرة بيده، عن قول الصّادق المصدوق. قالوا: عمّ ذلك؟ قال: «تنتهك ذمّة الله وذمّة رسوله ﷺ ، فيشدّ الله- قلوب أهل الذّمّة فيمنعون ما في أيديهم» ) * «٥» . ٤-* (عن ثوبان- ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لأعلمنّ أقواما من أمّتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا، فيجعلها الله هباء منثورا» قال ثوبان: يا رسول الله، صفهم لنا، جلّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم. قال: «أما إنّهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من اللّيل كما تأخذون، ولكنّهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» ) * «٦» . ٥-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما خيّر رسول الله ﷺ بين أمرين إلّا اختار أيسرهما، ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه. والله ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قطّ حتّى تنتهك حرمات الله فينتقم لله) * «٧» . ٦-* (عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة- ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «ما من امريء يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلّا خذله الله في موطن يحبّ فيه نصرته، وما من امريء ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك من حرمته إلّا نصره الله في موطن يحبّ نصرته» ) * «٨» .

стр. 4736

الأحاديث الواردة في ذمّ (انتهاك الحرمات) معنى ٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أبغض النّاس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ في الإسلام سنّة الجاهليّة، ومطّلب دم امريء بغير حقّ ليهريق دمه» ) * «١» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إنّ المفلس من أمّتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثمّ طرح في النّار» ) * «٢» . ٩-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ وكانت له أمّ ولد، وكان له منها ابنان وكانت تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ وتسبّه فيزجرها فلا تنزجر، وينهاها فلا تنتهي، فلمّا كان ذات ليلة ذكرت النّبيّ ﷺ فوقعت فيه، فلم أصبر أن قمت إلى المغول «٣» فوضعته في بطنها فاتّكأت عليه فقتلتها فأصبحت قتيلا فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ ، فجمع النّاس، وقال: «أنشد الله رجلا لي عليه حقّ فعل ما فعل إلّا قام» فأقبل الأعمى يتدلدل «٤» فقال: يا رسول الله: أنا صاحبها، كانت أمّ ولدي، وكانت بي لطيفة رفيقة، ولي منها ابنان مثل اللّؤلؤتين، ولكنّها كانت تكثر الوقيعة فيك، وتشتمك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، فلمّا كانت البارحة ذكرتك فوقعت فيك فقمت إلى المغول فوضعته في بطنها فاتّكأت عليها حتّى قتلتها، فقال رسول الله ﷺ : «ألا اشهدوا أنّ دمها هدر» ) * «٥» . ١٠-* (عن أنس- ﵁ أنّ رجلا كان يتّهم بأمّ ولد رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لعليّ: «اذهب فاضرب عنقه» فأتاه عليّ فإذا هو في ركيّ يتبرّد فيها «٦» فقال له عليّ: اخرج. فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكفّ عليّ عنه. ثمّ أتى النّبيّ ﷺ فقال يا رسول الله: إنّه لمجبوب «٧» . ما له ذكر) * «٨» . ١١-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لم يحرّم حرمة إلّا وقد علم أنّه سيطّلعها منكم مطّلع «٩» ، ألا وإنّي آخذ بحجزكم أن تهافتوا في النّار كتهافت الفراش أو

стр. 4737

الذّباب» ) * «١» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّها النّاس، إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (المؤمنون: آية ٥١) ، وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ (البقرة/ ١٧٢) . ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء. يا ربّ يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك «٢» ؟» ) * «٣» . ١٣-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما أمور مشبّهات لا يعلمها كثير من النّاس، فمن اتّقى المشبّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا إنّ حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» ) * «٤» . ١٤-* (عن النّوّاس بن سمعان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصّراط «٥» سوران «٦» فيهما أبواب مفتّحة «٧» وعلى الأبواب ستور مرخاة وعلى باب الصّراط داع «٨» يقول: أيّها النّاس، ادخلوا الصّراط جميعا ولا تتفرّجوا، وداع «٩» يدعو من جوف الصّراط فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تفتحه، فإنّك إن تفتحه تلجه ... الحديث» ) * «١٠» . ١٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّ أمّتي معافى إلّا المجاهرين، وإنّ من المجاهرة أن يعمل الرّجل باللّيل عملا، ثمّ يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربّه ويصبح يكشف ستر الله عنه» ) * «١١» . ١٦-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: قال النّبيّ ﷺ : «ليس من نفس تقتل

стр. 4738

ظلما إلا كان على ابن آدم الأوّل كفل منها- وربّما قال سفيان: من دمها- لأنّه سنّ القتل أوّلا» ) «١» . ١٧-* (عن أبي مالك الأشعريّ- ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمّتي أقوام يستحلّون الحر «٢» والحرير والخمر والمعارف «٣» ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم «٤» يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم- يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدا فيبيّتهم الله «٥» ، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» ) * «٦» . ١٨-* (عن عليّ- ﵁ قال: «ما كتبنا عن النّبيّ ﷺ إلّا القرآن، وما في هذه الصّحيفة. قال النّبيّ ﷺ : «المدينة حرام ما بين عائر إلى كذا، فمن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل منه عدل ولا صرف، وذمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل» ) * «٧» . ١٩-* (عن هشام بن حكيم بن حزام- ﵁ قال: إنّه مرّ بالشّام على أناس، وقد أقيموا في الشّمس، وصبّ على رؤوسهم الزّيت. فقال: ما هذا؟ قيل يعذّبون في الخراج، فقال: أما إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يعذّب الّذين يعذّبون في الدّنيا» ) * «٨» . ٢٠-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنّة، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» ) * «٩» . ٢١-* (عن عبيد الله بن القبطيّة قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أمّ سلمة أمّ المؤمنين، فسألاها عن الجيش الّذي يخسف به، وكان ذلك في أيّام ابن الزّبير فقالت: قال رسول الله ﷺ : «يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم» فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارها؟ قال: «يخسف به معهم، ولكنّه يبعث يوم القيامة على نيّته» ) * «١٠» .

стр. 4739

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (انتهاك الحرمات) ١-* (قال أبو بكر- ﵁ لسلمان الفارسيّ- وقد طلب منه الوصيّة-: يا سلمان، اتّق الله، واعلم أنّه سيكون فتوح فلأعرفنّ ما كان حظّك منها، ما جعلته في بطنك أو القيته على ظهرك واعلم أنّه من صلّى الخمس فإنّه يصبح في ذمّة الله، ويمسي في ذمّة الله فلا تقتلنّ أحدا من أهل ذمّة الله فتخفر الله في ذمّته، فيكبّك الله في النّار على وجهك) * «١» . ٢-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: «يا أهل مكّة، اتّقوا الله في حرمكم هذا. أتدرون من كان ساكن حرمكم هذا من قبلكم؟ كان فيه بنو فلان فأحلّوا حرمته فهلكوا، وبنو فلان فأحلّوا حرمته فهلكوا حتّى عدّ ما شاء الله، ثمّ قال: والله لأن أعمل عشر خطايا بغيره أحبّ إليّ من أن أعمل واحدة بمكّة» ) * «٢» . ٣-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «أقبل تبّع يريد الكعبة حتّى إذا كان بكراع الغميم «٣» بعث الله عليه ريحا لا يكاد القائم يقوم إلّا بمشقّة، وذهب القائم يقعد، ويصرع، وقامت عليهم، ولقوا منها عناء، ودعا تبّع حبريه، فسألهما: ما هذا الّذي بعث عليّ؟ قالا: أو تؤمّننا؟ قال: أنتم آمنون. قالا: فإنّك تريد بيتا يمنعه الله من أراده. قال: فما يذهب هذا عنّي؟ قالا: تجرّد في ثوبين ثمّ تقول: لبّيك لبّيك. ثمّ تدخل فتطوف بذلك البيت، ولا تهيّج أحدا من أهله. قال: فإن أجمعت على هذا ذهبت هذه الرّيح عنّي؟ قالا: نعم. فتجرّد، ثمّ لبّى، فأدبرت الرّيح كقطع اللّيل المظلم» ) * «٤» . ٤-* (قال ابن مسعود- ﵁ في تفسير قوله تعالى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ ... : لو أنّ رجلا أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بعدن أبين، لأذاقه الله من العذاب الأليم) * «٥» . ٥-* (عن أبيّ بن كعب- ﵁ قال: «ما من عبد ترك شيئا لله إلّا أبدله الله به ما هو خير منه، من حيث لا يحتسب، ولا تهاون به عبد فأخذ من حيث لا يصلح إلّا أتاه الله بما هو أشدّ عليه» ) * «٦» . ٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: كان منّا رجل من بني النّجّار قد قرأ البقرة وآل عمران وكان يكتب لرسول الله ﷺ فانطلق هاربا حتّى لحق بأهل الكتاب. قال: فرفعوه. قالوا: هذا قد كان يكتب لمحمّد، فأعجبوا به، فما لبث أن قصم الله عنقه فيهم، فحفروا له فواروه. فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها. ثمّ عادوا فحفروا له فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها، ثمّ عادوا فحفروا له

стр. 4740

فواروه، فأصبحت الأرض قد نبذته على وجهها فتركوه منبوذا) * «١» . ٧-* (قال جبير بن نفير- ﵁: «لمّا فتحت قبرص فرّق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، فرأيت أبا الدّرداء جالسا وحده يبكي. فقلت: يا أبا الدّرداء ما يبكيك في يوم أعزّ الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره بينما هي أمّة قاهرة ظاهرة لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى» ) * «٢» . ٨-* (قال الأوزاعيّ- رحمه الله تعالى- «أنبئت أنّه كان يقال: ويل للمتفقّهين بغير العبادة، والمستحلّين للحرمات بالشّبهات» ) * «٣» . ٩-* (قال سليمان التّيميّ- رحمه الله تعالى- «إنّ الرّجل ليصيب الذّنب في السّحر فيصبح وعليه مذلّته» ) * «٤» . ١٠-* (قال يحيى بن معاذ الرّازيّ- رحمه الله تعالى-: «عجبت من ذي عقل يقول في دعائه: اللهمّ لا تشمت بي الأعداء، ثمّ هو يشمت بنفسه كلّ عدوّ له» قيل: وكيف ذلك؟ قال: «يعصي الله ويشمت به في القيامة كلّ عدوّ» ) * «٥» . ١١-* (قال القاضي أبو يعلى- رحمه الله تعالى-: «إن بغى البغاة على أهل العدل قاتلهم على بغيهم إذا لم يمكن ردّهم عن البغي إلّا بالقتال، لأنّ قتال أهل البغي من حقوق الله الّتي لا يجوز أن تضاع، فكونها محفوظة في حرمة الله أولى من أن تكون مضاعة فيه» ) * «٦» . ١٢-* (قال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى-: «بقدر إجلال العبد لله يجلّه الله- وبقدر تعظيمه قدره واحترامه يعظم قدر العبد وحرمته. وكم من رجل أنفق عمره في العلم حتّى كبرت سنّه، ثمّ تعدّى الحدود فهان عند الخلق، ولم يلتفتوا إليه مع غزارة علمه وقوّة مجاهدته، وأمّا من راقب الله- في صبوته. فقد يكون قاصر الباع بالنّسبة للصّنف الأوّل، ومع ذلك عظّم الله قدره في القلوب حتّى علقته النّفوس، ووصفته بما يزيد على ما فيه من الخير» ) * «٧» . ١٣-* (قال ذو النّون المصريّ- رحمه الله تعالى-: «من خان الله في السّرّ هتك الله ستره في العلانية» ) * «٨» . ١٤-* (قال بعض السّلف: «ما انتهك المرء من أخيه حرمة أعظم من أن يساعده على معصية ثمّ يهوّنها عليه» ) * «٩» .

стр. 4741

من مضار (انتهاك الحرمات) (١) انتهاك الحرمات دليل على ضعف الإيمان وذهاب الحياء. (٢) التّعرّض لغضب الله وأليم عذابه وهتك ستره وكشف عواره. (٣) تسلّط الخلق عليه بأنواع الأذيّة والمضرّة. (٤) انتهاك الحرمات طريق موصّل إلى النّار. (٥) يتسبّب في إشاعة الفاحشة بين المسلمين. (٦) يجعل النّاس خائفين غير آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.

стр. 4742

الإهمال* الإهمال لغة: مصدر قولهم: أهمل يهمل، وهو مأخوذ من مادّة (هـ م ل) الّتي تدور حول التّرك والتّخلّي، سواء كان عن عمد أو عن غير عمد. يقول ابن فارس «الهاء والميم واللّام» أصل واحد، أهملت الشّيء إذا خلّيت بينه وبين نفسه، والهمل: السّدى، والهمل: المال لا مانع له، والهمل: التّرك، وقولهم: وما ترك الله النّاس هملا: أي سدى بلا ثواب ولا عقاب، وقيل: لم يتركهم سدى بلا أمر ولا نهي، ولا بيان لما يحتاجون إليه. والهمل أيضا: الإبل بلا راع مثل النّفش، إلّا أنّ النّفش يكون في اللّيل، والهمل يكون في اللّيل والنّهار، وقد هملت الإبل تهمل (بالكسر) هملا فهي هامل وهملى: أي مهملة لا رعاء لها، ولا فيها من يصلحها ويهديها، فهي كالضّالّة ترعى بنفسها. وفي المثل: اختلط المرعيّ بالهمل، والمرعيّ: الّذي له راع. وفي الحديث: «فسألته عن الهمل، يعني الضّوالّ من النّعم، واحدها هامل، مثل حارس وحرس» . وفي الحديث «فلا يخلص منهم إلّا مثل همل الآيات/ الأحاديث/ الآثار / ١٠/- النّعم» . الهمل: ضوالّ الإبل ومن ذلك أيضا حديث طهفة «وكنّا نعم همل» . قال ابن الأثير: أي مهملة لا رعاء لها ولا فيها من يصلحها ويهديها فهي كالضّالّة. وأمّا أهمله إهمالا فمعناه: خلّى بينه وبين نفسه. أو معناه: تركه ولم يستعمله، ومنه الكلام المهمل، وهو خلاف المستعمل. وكذا قولهم: أهمل أمره يعني: لم يحكمه. والهمل، بالتّسكين مصدر قولك هملت عينه تهمل وتهمل هملا وهملانا أي فاضت وانهملت مثله. وهملت السّماء هملا وهملانا: دام مطرها في سكون وضعف «١» . الإهمال اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات للإهمال سوى إشارات يسيرة من خلال ذكرها للفعل: أهمل، يقول الكفويّ: أهمله: خلّى بينه وبين نفسه، أو تركه ولم يستعمله «٢» . ومن خلال هذه الإشارة الموجزة نستنبط أنّ الإهمال قد يتعلّق بالإنسان أو بالأشياء، فالتّخلية من

стр. 4743

الإنسان ونفسه لا تكون إلّا من إنسان آخر كأن يقال مثلا: أهمل الوالد ابنه أو المدرّس تلميذه، أمّا ترك الاستعمال فيكون في الممتلكات الّتي يحرص عليها كأن يقال: أهمل الإنسان بيته أو إبله أو ما شابه ذلك، ويكون المعنى حينئذ التّرك وعدم الاستعمال، ويترتّب على ذلك فساد في الشّيء المهمل، وفي العصر الحديث اكتسب لفظ الإهمال أبعادا جديدة فأصبح يستعمل في العمل دينيّا أو دنيويّا كأن يقال مثلا: أهمل في صلاته، وأهمل في مذاكرته أي لم يؤدّهما على الوجه المطلوب، ونستطيع على ضوء ذلك أن نعرّف الإهمال بأنّه: ألّا يرعى الإنسان ما تجب عليه رعايته على الوجه الأكمل بالتّخلية أو التّرك أو التّقصير «١» . [للاستزادة: انظر صفات: التخاذل- ترك الصلاة- التفريط والإفراط- الكسل- التهاون- الضعف- الوهن. وفي ضد ذلك: انظر صفات: العمل- النشاط النظام- القوة- قوة الإرادة- مجاهدة النفس- علو الهمة] .

стр. 4744

الأحاديث الواردة في ذمّ (الإهمال) معنى ١-* (عن سهل بن الحنظليّة- ﵁ أنّه قال: مرّ رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه. فقال: «اتّقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة» ) * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن جعفر- ﵄ أنّه قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسرّ إليّ حديثا لا أحدّث به أحدا من النّاس، وكان أحبّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدفا «٢» أو حائش «٣» نخل، قال: فدخل حائطا «٤» لرجل من الأنصار فإذا جمل فلمّا رأى النّبيّ ﷺ حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النّبيّ ﷺ فمسح ذفراه «٥» فسكت، فقال: «من ربّ هذا الجمل، لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار، فقال: لي، يا رسول الله. فقال: «أفلا تتّقي الله في هذه البهيمة الّتي ملّكك الله إيّاها، فإنّه شكا إليّ أنّك تجيعه وتدئبه» ) * «٦» . ٣-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّه قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الّذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنّه يبيعه برخص، فسألت النّبيّ ﷺ فقال: «لا تشتر، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإنّ العائد في صدقته كالعائد في قيئه» ) * «٧» . ٤-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «عذّبت امرأة في هرّة سجنتها حتّى ماتت، فدخلت فيها النّار، لا هي أطعمتها وسقتها، إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» ) * «٨» . ٥-* (عن خيثمة- ﵁ أنّه قال: كنّا جلوسا مع عبد الله بن عمرو، إذ جاءه قهرمان «٩» له فدخل فقال: أعطيت الرّقيق قوتهم؟. قال: لا. قال: فانطلق فأعطهم. قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمّن يملك قوته» ) * «١٠» . ٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به» ) * «١١» .

стр. 4745

٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال وهو ينحل ابن الزّبير، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المؤمن الّذي يشبع وجاره جائع) * «١» . ٨-* (عن أبي ذرّ- ﵁: قال: قال لي النّبيّ ﷺ : «لا تحقرنّ من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق «٢» » ) * «٣» . ٩-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقفنّ أحدكم موقفا يقتل فيه رجل ظلما، فإنّ اللّعنة تنزل على كلّ من حضر حين لم يدفعوا عنه، ولا يقفنّ أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما، فإنّ اللّعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه» ) * «٤» . ١٠-* (عن عبد الله بن عميرة، قال: دخل على جابر- ﵁ نفر من أصحاب النّبيّ ﷺ فقدّم إليهم خبزا وخلّا، فقال: كلوا، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم الإدام الخلّ، إنّه هلاك بالرّجل أن يدخل إليه النّفر من إخوانه، فيحتقر ما في بيته أن يقدّمه إليهم، وهلاك بالقوم أن يحتقروا ما قدّم إليهم» ) * «٥» . من مضار (الإهمال) (١) الإهمال يؤدّي إلى ضياع الثّروة وإفقار الأمّة. (٢) دليل على انعدام الإحساس أو بلادته. (٣) يؤدّي إلى فتور العلاقات الاجتماعيّة، وفتورها يستتبع تمزّقها. (٤) يؤدّي إلى شيوع الظّلم وزيادة صولة المستبدّين. (٥) ينتهي بصاحبه إلى الطّرد من رحمة الله.

стр. 4746

[حرف الباء] البخل البخل لغة: مصدر قولهم: بخل بالشّيء يبخل به، وهو مأخوذ من مادّة (ب خ ل) الّتي تدلّ على خلاف الكرم، والبخيل: ذو البخل، وجمعه بخّل وبخّال، وأبخلت الرّجل: وجدته بخيلا، ومنه قول عمرو بن معد يكرب: يا بني سليم لقد سألناكم فما أبخلناكم (أي فما وجدناكم بخلاء) ، وبخّلته: نسبته إلى البخل ورميته به مثل فسّقته وكفّرته أي نسبته إلى الفسق والكفر، ومن مصادر بخل أيضا: البخل والبخل والبخول، وقول الله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (النساء/ ٣٧) ، قيل: أريد بهم اليهود، وقيل: المنافقون، والمبخلة: الشّيء الّذي يحملك على البخل، وفي الحديث: «الولد مجبنة مجهلة مبخلة» أي أنّه مظنّة لأن يحمل أبويه على الجبن والجهل والبخل ويدعوهما إلى ذلك، مصداق ذلك ما ورد في الحديث الآخر: «إنّكم لتبخّلون وتجبّنون» والبخلة: المرّة الواحدة من البخل «١» . الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٣٥/ ٣٨ البخل اصطلاحا: قال الجرجانيّ في التّعريفات: البخل: هو المنع من مال نفسه، والشّحّ هو بخل الرّجل من مال غيره. وقيل: البخل ترك الإيثار عند الحاجة «٢» . وقال ابن حجر في الفتح: البخل: منع ما يطلب ممّا يقتنى، وشرّه ما كان طالبه مستحقّا ولا سيّما إن كان من غير مال المسئول «٣» . قال المناويّ (تبعا للرّاغب) : البخل: إمساك المقتنيات عمّا لا يحلّ حبسها عنه، وضدّه: الجود «٤» . وقال القرطبيّ: البخل المذموم في الشّرع: هو امتناع (المرء) عن أداء ما أوجب الله تعالى عليه «٥» . وقال الجاحظ: البخل: هو منع المسترفد (العطاء) ، مع القدرة على رفده «٦» . حكم البخل: قال الجاحظ: البخل خلق مكروه من جميع النّاس، إلّا أنّه من النّساء أقلّ كراهية، بل قد يستحبّ

стр. 4747

من النّساء البخل (بمال أزواجهنّ إلّا أن يؤذنّ بالجود) ، فأمّا سائر النّاس فإنّ البخل يشينهم، وخاصّة الملوك والعظماء، فإنّ البخل أبغض منهم أكثر ممّا هو أبغض من الرّعيّة والعوامّ، ويقدح في ملكهم لأنّه يقطع الأطماع منهم ويبغّضهم إلى رعيّتهم «١» . بين البخل والشح: قال الكفويّ: البخل هو المنع نفسه، والشّحّ هو الحالة النّفسيّة الّتي تقتضي ذلك المنع. وقال القرطبيّ: اختلف في البخل والشّحّ هل هما بمعنى واحد أو معنيين؟ فقيل: البخل: الامتناع من إخراج ما حصل عندك، والشّحّ: الحرص على تحصيل ما ليس عندك، وقيل: الشّحّ هو البخل مع حرص، وهو الصّحيح لما روي عنه ﷺ من قوله: «اتّقوا الشّحّ؛ فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم، وهذا يردّ قول من قال: إنّ البخل منع الواجب، والشّحّ منع المستحبّ، إذ لو كان الشّحّ منع المستحبّ لما دخل تحت هذا الوعيد العظيم، ويؤيّد ذلك ما روي عن أبي هريرة- ﵁ «.. لا يجتمع شحّ وإيمان في قلب رجل مسلم أبدا، وهذا يدلّ على أنّ الشّحّ أشدّ في الذّمّ من البخل «٢» إلّا أنّه قد جاء في الحديث ما يدلّ على مساواتهما، وذلك قوله ﷺ عندما سئل: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال لا «٣» وقال: الفيروز آباديّ: البخل ثمرة الشّحّ، والشّحّ يأمر بالبخل «٤» . أنواع البخل: قال الرّاغب: البخل ضربان: أحدهما: بخل الإنسان بقنيّات نفسه «٥» . والآخر: بخل بقنيّات غيره، وهو أكثرهما ذمّا بدليل قوله تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ (النساء/ ٣٧) «٦» . البخل أصل لكل خلق مذموم: قال الماورديّ- رحمه الله تعالى-: قد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة- وإن كان ذريعة إلى كلّ مذمّة- أربعة أخلاق، ناهيك بها ذمّا وهي: الحرص، والشّره، وسوء الظّنّ، ومنع الحقوق، وإذا آل البخيل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة، والشّيم اللّئيمة لم يبق معه خير موجود ولا صلاح مأمول «٧» . وقال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: إنّ الجميع يتمادحون بالشّجاعة والكرم، حتّى إنّ ذلك عامّة ما تمدح به الشّعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتذامّون بالبخل والجبن. ثمّ قال: ولمّا كان صلاح بني آدم لا يتمّ في دينهم ودنياهم إلّا بالشّجاعة والكرم، بيّن الله سبحانه أنّه من تولّى عنه بترك الجهاد بنفسه

стр. 4748

أبدل الله به من يقوم بذلك، ومن تولّى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك. فقال: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (محمد/ ٣٨) «١» . درجات البخل: قال ابن قدامة المقدسيّ- رحمه الله تعالى-: اعلم أنّ السّخاء والبخل درجات: فأرفع درجات السّخاء الإيثار، وهو أن تجود بالمال مع الحاجة إليه وأشدّ درجات البخل: أن يبخل الإنسان على نفسه مع الحاجة إليه، فكم من بخيل يمسك المال ويمرض فلا يتداوى، ويشتهي الشّهوة فيمنعه منها البخل، فكم بين من بخل على نفسه مع الحاجة، وبين من يؤثر على نفسه مع الحاجة. فالأخلاق عطايا يضعها الله- حيث يشاء «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الشح- الأثرة- اتباع الهوي- الكنز- التعاون على الإثم والعدوان. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإنفاق- الإيثار- الجود- السخاء- الكرم- الصدقة- التعاون على البر والتقوى- الإحسان- صلة الرحم- البر] .

стр. 4749

الآيات الواردة في «البخل» ١- وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) «١» ٢- وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُوراً (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) «٢» ٣- وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨) «٣» ٤- إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨) «٤»

стр. 4750

٥- ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) «١» ٦- وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) «٢»

стр. 4751

الأحاديث الواردة في ذمّ (البخل) ١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: إنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي طلحة: «التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حتّى أخرج إلى خيبر، فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرا يقول: اللهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدّين، وغلبة الرّجال ... الحديث» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أعجز النّاس من عجز عن الدّعاء، وأبخل النّاس من بخل بالسّلام» ) * «٢» . ٣-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنّما أنتم ولد آدم طفّ الصّاع، لم تملؤوه، ليس لأحد فضل إلّا بالدّين أو عمل صالح، حسب الرّجل أن يكون فاحشا بذيّا بخيلا جبانا» ) * «٣» . ٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: إنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ ، فقال: إنّ لفلان في حائطي عذقا «٤» وإنّه قد آذاني وشقّ عليّ مكان عذقه فأرسل إليه النّبيّ ﷺ ، فقال: «بعني عذقك الّذي في حائط فلان» قال: لا. قال: «فهبه لي» قال: لا. قال: «فبعنيه بعذق في الجنّة» قال: لا. فقال النّبيّ ﷺ : «ما رأيت الّذي هو أبخل منك إلّا الّذي يبخل بالسّلام» ) * «٥» . ٥-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ- ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا، حلال، وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم، وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظان، وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: ربّ إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك. وأنفق فسنفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك

стр. 4752

من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق، ورجل رقيق القلب لكلّ ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر «١» له، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا؛ والخائن الّذي لا يخفى له طمع وإن دقّ إلّا خانه؛ ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» . وذكر البخل أو الكذب «والشّنظير الفحّاش» ) * «٢» . ٦-* (عن يعلى بن منبّه الثّقفيّ- ﵁ قال: جاء الحسن والحسين يستبقان إلى رسول الله ﷺ فضمّهما إليه ثمّ قال: «إنّ الولد مبخلة مجبنة محزنة» ) * «٣» . ٧-* (عن جبير بن مطعم- ﵁ قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ ومعه النّاس مقبلا من حنين علقت رسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتّى اضطرّوه إلى سمرة فخطفت رداءه فوقف رسول الله ﷺ فقال: «أعطوني ردائي. فلو كان عدد هذه العضاه «٤» نعما لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا» ) * «٥» . ٨-* (عن حسين بن عليّ- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «البخيل من ذكرت عنده ثمّ لم يصلّ عليّ، ﷺ » ) * «٦» . ٩-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: خرجت ذات يوم فأتيت رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا أخبركم بأبخل النّاس؟» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «من ذكرت عنده فلم يصلّ عليّ، فذاك أبخل النّاس» ) * «٧» . ١٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: دار عليّ رسول الله ﷺ دورة، قال: «أعندك شيء؟» . قالت: ليس عندي شيء. قال: «فأنا صائم» قالت: ثمّ دار عليّ الثّانية وقد أهدي لنا حيس «٨» فجئت به فأكل فعجبت منه، فقلت: يا رسول الله دخلت عليّ وأنت صائم ثمّ أكلت حيسا. قال: «نعم يا عائشة إنّما منزلة من صام في غير رمضان أو غير قضاء رمضان أو في

стр. 4753

التّطوّع بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء فأمضاه، وبخل منها بما بقي فأمسكه» ) * «١» . ١١-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الظّلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش، فإنّ الله لا يحبّ الفحش ولا التّفحّش، وإيّاكم والشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» ، فقام رجل فقال: يا رسول الله أيّ الإسلام أفضل؟ قال: «أن يسلم المسلمون من لسانك ويدك» فقام ذاك أو آخر فقال: يا رسول الله أيّ الهجرة أفضل؟ قال: «أن تهجر ما كره ربّك والهجرة هجرتان: هجرة الحاضر والبادي، فهجرة البادي: أن يجيب إذا دعي ويطيع إذا أمر، والحاضر أعظمهما بليّة وأفضلهما أجرا» ) * «٢» . ١٢-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ كان يأمر بهؤلاء الخمس ويحدّثهنّ عن النّبيّ ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدّنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» ) * «٣» . ١٣-* (عن عليّ- ﵁ قال: كنّا في جنازة في بقيع الغرقد. فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة «٤» ، فنكّس فجعل ينكت «٥» بمخصرته. ثمّ قال: «ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلّا وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنّار، وإلّا وقد كتبت شقيّة أو سعيدة» قال: فقال رجل: يا رسول الله أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: «من كان من أهل السّعادة، فسيصير إلى عمل أهل السّعادة، ومن كان من أهل الشّقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشّقاوة» . فقال: اعملوا فكلّ ميسّر؛ أمّا أهل السّعادة فييسّرون لعمل أهل السّعادة؛ وأمّا أهل الشّقاوة فييسّرون لعمل أهل الشّقاوة. ثمّ قرأ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» ) * «٦» . ١٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا خلق الله جنّة عدن خلق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على

стр. 4754

قلب بشر، ثمّ قال لها: تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، قال: وعزّتي لا يجاورني فيك بخيل» ) * «١» . ١٥-* (عن جرير بن عبد الله البجليّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه فيسأله فضلا أعطاه الله إيّاه فيبخل عليه إلّا أخرج الله له يوم القيامة من جهنّم حيّة يقال لها: شجاع، فيطوّق بها» ) * «٢» . ١٦-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل له مال لا يؤدّي حقّ ماله إلّا جعل له طوقا في عنقه شجاع أقرع وهو يفرّ منه وهو يتبعه، ثمّ قرأ مصداقه من كتاب الله- وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران/ ١٨٠) » ) * «٣» . ١٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبّتان من حديد من ثديّهما إلى تراقيهما «٤» ؛ فأمّا المنفق فلا ينفق إلّا سبغت، أو وفرت على جلده حتّى تخفي بنانه وتعفو أثره. وأمّا البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلّا لزقت كلّ حلقة مكانها، فهو يوسّعها ولا تتّسع» ) * «٥» . ١٨-* (عن زيد بن أرقم- ﵁ قال: لا أقول لكم إلّا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر. اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليّها ومولاها، اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» ) * «٦» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لا يأتي ابن آدم النّذر بشيء لم يكن قدّر له، ولكن يلقيه النّذر إلى القدر قد قدّر له، فيستخرج الله من البخيل فيؤتى عليه ما لم يكن يؤتى عليه من قبل» ) * «٧» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من آتاه الله مالا فلم يؤدّ

стр. 4755

زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع «١» له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ثمّ يأخذ بلهزمتيه «٢» يعني شدقيه ثمّ يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثمّ تلا وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ الآية «٣» » ) * «٤» . ٢١-* ( ... لمّا جاء مال البحرين أمر أبو بكر مناديا فنادى: من كان له عند رسول الله ﷺ دين أو عدة فليأتنا، فأتيته- يعني جابرا- فقلت: إنّ رسول الله ﷺ قال لي كذا وكذا، فحثا لي ثلاثا، وجعل سفيان يحثو بكفّيه جميعا، ثمّ قال لنا: هكذا قال ابن المنكدر، وقال مرّة: فأتيت أبا بكر فسألت فلم يعطني، ثمّ أتيته فلم يعطني، ثمّ أتيته الثّالثة فقلت: سألتك فلم تعطني، ثمّ سألتك فلم تعطني، ثمّ سألتك فلم تعطني، فإمّا أن تعطيني وإمّا أن تبخل عنّي، قال: قلت تبخل عليّ: ما منعتك من مرّة إلّا وأنا أريد أن أعطيك، قال سفيان: وحدّثنا عمرو عن محمّد بن عليّ عن جابر فحثا لي حثية وقال: عدّها فوجدتها خمسمائة، فقال: خذ مثلها مرّتين، وقال- يعني ابن المنكدر-: وأيّ داء أدوأ من البخل) * «٥» . الأحاديث الواردة في ذمّ (البخل) معنى ٢٢-* (عن أبي أميّة الشّعبانيّ قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنيّ فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أيّة آية؟ قلت: قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة/ ١٠٥) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ ، فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّاما الصّبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم» ، قيل: يا رسول الله أجر خمسين منّا أو منهم؟

стр. 4756

قال: «بل أجر خمسين منكم» ) * «١» . ٢٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اجتنبوا السّبع الموبقات» قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال: «الشّرك بالله، والشّحّ، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» ) * «٢» . ٢٤-* (عن عبد الله بن الشّخّير- ﵁ قال: أتيت النّبيّ ﷺ ، وهو يقرأ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (التكاثر/ ١) قال: يقول ابن آدم: مالي. مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت؟» ) * «٣» . ٢٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط فيها حقّها تطؤه بأخفافها، وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقّها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها. قال: ومن حقّها أن تحلب على الماء. قال: ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار «٤» فيقول: يا محمّد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلّغت. ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء «٥» فيقول: يا محمّد، فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلّغت» ) * «٦» . ٢٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السّرّ والعلانية، والعدل في الرّضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاث مهلكات: هوى متّبع، وشحّ مطاع، وإعجاب المرء بنفسه» ) * «٧» . ٢٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «شرّ ما في رجل: شحّ هالع، وجبن خالع» ) * «٨» . ٢٨-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قالت هند أمّ معاوية لرسول الله ﷺ : إنّ أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليّ جناح «٩» أن آخذ من ماله سرّا؟ قال: «خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف» ) * «١٠» .

стр. 4757

٢٩-* (عن الأحنف بن قيس؛ قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش «١» إذ جاء رجل أخشن الثّياب أخشن الجسد أخشن الوجه فقام عليهم فقال: بشّر الكانزين برضف «٢» يحمى عليه في نار جهنّم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم. حتّى يخرج من نغض كتفيه «٣» ، ويوضع على نغض كتفيه حتّى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل. قال: فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا. قال: فأدبر واتّبعته حتّى جلس إلى سارية «٤» فقلت: ما رأيت هؤلاء إلّا كرهوا ما قلت لهم. قال: إنّ هؤلاء لا يعقلون شيئا إنّ خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فأجبته، فقال: «أترى أحدا؟» فنظرت ما عليّ من الشّمس «٥» وأنا أظنّ أنّه يبعثني في حاجة له. فقلت: أراه. فقال: «ما يسرّني أنّ لي مثله ذهبا أنفقه كلّه إلّا ثلاثة دنانير، ثمّ هؤلاء يجمعون الدّنيا. لا يعقلون شيئا» . قال: قلت (يعني لأبي ذرّ) . مالك ولإخوتك من قريش، لا تعتريهم وتصيب منهم؟ قال: لا، وربّك، لا أسألهم عن دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، حتّى ألحق بالله ورسوله» ) «٦» . ٣٠-* (عن أسماء- ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله مالي شيء إلّا ما أدخل عليّ الزّبير بيته أفأعطي منه؟ قال: «أعطي، ولا توكي «٧» فيوكى عليك» «٨» . ٣١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلّا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكا تلفا» ) * «٩» . ٣٢-* (عن بريدة الأسلميّ، عن ابن عبّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقض قوم العهد قطّ إلّا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قطّ الّا سلّط الله- عليهم الموت، ولا منع قوم الزّكاة إلّا حبس الله عنهم القطر» ) * «١٠» . ٣٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنّم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشّحّ

стр. 4758

والإيمان في قلب عبد أبدا» ) * «١» . ٣٤-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين. خمس إذا ابتليتم بهنّ «٢» وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة «٣» في قوم قطّ، حتّى يعلنوا بها، إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلّا أخذوا بالسّنين «٤» وشدّة المئونة وجور السّلطان عليهم؟ ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر «٥» من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلّا سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله، إلّا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «٦» . ٣٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يتقارب الزّمان، وينقص العمل «٧» ويلقى الشّحّ، ويكثر الهرج» قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل القتل» ) * «٨» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (البخل) ١-* (قال عليّ- ﵁: «البخل جلباب المسكنة، وربّما دخل السّخيّ بسخائه الجنّة» ) «٩» . ٢-* (وقال أيضا: «إنّه سيأتي على النّاس زمان عضوض، يعضّ الموسر على ما في يده ولم يؤمر بذلك. قال الله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ» ) * «١٠» . ٣-* (قال عبد الله بن عمر- ﵄: الشّحّ أشدّ من البخل؛ لأنّ الشّحيح هو الّذي يشحّ على ما في يد غيره حتّى يأخذه، ويشحّ بما في يده فيحبسه،

стр. 4759

والبخيل هو الّذي يبخل بما في يده) * «١» . ٤-* (قال طلحة بن عبيد الله- ﵁: «إنّا لنجد بأموالنا ما يجد البخلاء لكنّنا نتصبّر» ) * «٢» . ٥-* (قال أبو سريحة- ﵁ (حذيفة ابن أسيد) : «حملني أهلي على الجفاء، بعدما علمت من السّنّة. كان أهل البيت يضحّون بالشّاة والشّاتين. والآن يبخّلنا جيراننا» ) * «٣» . ٦-* (روي أنّ الأحنف بن قيس- رحمه الله تعالى- رأى رجلا في يده درهم فقال: لمن هذا الدّرهم؟ قال: لي، فقال: أما إنّه ليس لك حتّى يخرج من يدك، وفي معناه قيل: أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك) * «٤» . ٧-* (قال عبد الله بن جعفر- ﵄ لرجل قال له: تماكس في درهم وأنت تجود من المال بكذا وكذا؟ فقال: «ذاك مالي جدت به، وهذا عقلي بخلت به» ) * «٥» . ٨-* (قال محمّد بن المنكدر- رحمه الله تعالى- «كان يقال: إذا أراد الله بقوم شرّا أمّر عليهم شرارهم، وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم» ) * «٦» . ٩-* (قال الضّحّاك- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا (يس/ ٨) : قال: «البخل، أمسك الله تعالى أيديهم عن النّفقة في سبيل الله فهم لا يبصرون الهدى» ) * «٧» . ١٠-* (قالت أمّ البنين أخت عمر بن عبد العزيز- رحمها الله تعالى-: «أفّ للبخيل، لو كان البخل قميصا ما لبسته، ولو كان طريقا ما سلكته» ) «٨» . ١١-* (قال الشّعبيّ- رحمه الله تعالى-: ما أدري أيّهما أبعد غورا في جهنّم: البخل أو الكذب؟» ) * «٩» . ١٢-* (قال أبو حنيفة- رحمه الله تعالى-: لا أرى أن أعدّل بخيلا، لأنّ البخل يحمله على الاستقصاء فيأخذ فوق حقّه خيفة من أن يغبن، فمن كان هكذا لا يكون مأمون الأمانة» ) * «١٠» . ١٣-* (قال أبو محمّد إسحاق الموصليّ- رحمه الله تعالى-: وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فليس إلى ما تأمرين سبيل

стр. 4760

أرى النّاس خلّان الجواد ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل وإنّي رأيت البخل يزري بأهله ... فأكرمت نفسي أن يقال بخيل ومن خير حالات الفتى لو علمته ... إذا نال شيئا أن يكون ينيل عطائي عطاء المكثرين تكرّما ... ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جليل) * «١» . ١٤-* (قال بشر بن الحارث الحافيّ- رحمه الله تعالى-: «لا تزوّج البخيل ولا تعامله، ما أقبح القاريء أن يكون بخيلا» ) * «٢» . ١٥-* (وقال أيضا: «النّظر إلى البخيل يقسّي القلب، ولقاء البخلاء كرب على قلوب المؤمنين» ) * «٣» . ١٦-* (قال حبيش بن مبشّر الثّقفيّ الفقيه: «قعدت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والنّاس متوافرون فأجمعوا أنّهم لا يعرفون رجلا صالحا بخيلا» ) * «٤» . ١٧-* (قال الأصمعيّ- رحمه الله تعالى- «سمعت أعرابيّا وقد وصف رجلا فقال: لقد صغر فلان في عيني لعظم الدّنيا في عينه، وكأنّما يرى السّائل ملك الموت إذا أتاه» ) * «٥» . ١٨-* (قال أبو حامد الغزاليّ- رحمه الله تعالى «قيل كان بالبصرة رجل موسر بخيل، فدعاه بعض جيرانه وقدّم طباهجة «٦» ببيض فأكل منه فأكثر وجعل يشرب الماء فانتفخ بطنه ونزل به الكرب والموت، فجعل يتلوّى فلمّا جهده الأمر وصف حاله للطّبيب فقال: لا بأس عليك، تقيّأ ما أكلت، فقال: هاه، أتقيّأ طباهجة ببيض؟ الموت ولا ذلك» ) * «٧» . ١٩-* (وقال أيضا:" يقال كان مروان بن أبي حفصة لا يأكل اللّحم بخلا حتّى يقرم إليه «٨» فإذا قرم إليه أرسل غلامه فاشترى له رأسا فأكله فقيل له، نراك لا تأكل إلّا الرّؤوس في الصّيف والشّتاء، فلم تختار ذلك؟ قال: نعم، الرّأس أعرف ثمنه فآمن خيانة الغلام ولا يستطيع أن يغبنني فيه، وليس بلحم يطبخه الغلام فيقدر أن يأكل منه، إن مسّ عينا أو أذنا أو خدّا وقفت على ذلك، وآكل منه ألوانا، عينه لونا وأذنه لونا وغلصمته لونا ودماغه لونا، وأكفى مؤنة طبخه، فقد اجتمعت فيه مرافق. قال: وخرج يوما يريد الخليفة المهديّ فقالت له امرأة من أهله مالي

стр. 4761

عليك إن رجعت بالجائزة؟ فقال: إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما، فأعطي ستّين فأعطاها أربعة دوانق. واشترى مرّة لحما بدرهم فدعاه صديق له فردّ اللّحم إلى القصّاب بنقصان دانق وقال: أكره الإسراف» . وقال: كان للأعمش جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول: لو دخلت فأكلت كسرة وملحا فيأبى عليه الأعمش، فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش، فقال: سر بنا فدخل منزله فقرّب إليه كسرة وملحا، فجاء سائل، فقال له ربّ المنزل: بورك فيك، فأعاد عليه المسألة فقال له: بورك فيك، فلمّا سأل الثّالثة قال له: اذهب والله وإلّا خرجت إليك بالعصا. قال: فناداه الأعمش وقال: اذهب ويحك، فو الله ما رأيت أحدا أصدق بوعيد منه منذ مدّة يدعوني على كسرة وملح فو الله ما زادني عليها» ) * «١» . ٢٠-* (قال محمود الورّاق- رحمه الله تعالى-: تمتّع بمالك قبل الممات ... وإلّا فلا مال إن أنت متّا شقيت به ثمّ خلّفته ... لغيرك بعدا وسحقا ومقتا فجاد عليك بزور البكا ... وجدت له بالّذي قد جمعتا وأعطيته كلّ ما في يديك ... وخلّاك رهنا بما قد كسبتا) * «٢» . ٢١-* (وقال ابن المعتزّ: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث) * «٣» . ٢٢-* (وقاله نظما: يا مال كلّ جامع وحارث ... أبشر بريب حادث أو وارث) * «٤» . ٢٣-* (وقال: أبخل النّاس بماله أجودهم بعرضه) * «٥» . ٢٤-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى- «الجبن والبخل قرينان، فإن عدم النّفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل» ) * «٦» . ٢٥-* (قال الشّاعر: لا تطلبنّ إلى لئيم حاجة ... واقعد فإنّك قائم كالقاعد يا خادع البخلاء عن أموالهم ... هيهات تضرب في حديد بارد) * «٧» . ٢٦-* (وقال آخر طعامه النّجم لمن رامه ... وخبزه أبعد من أمسه كأنّه في جوف مرآته ... يرى ولا يطمع في لمسه) * «٨» .

стр. 4762

٢٧-* (وقال آخر: إن كنت تطمع في كلامه ... فارفع يديك عن طعامه سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه) * «١» . ٢٨-* (وقال آخر: أقاموا الدّيدبان «٢» على يفاع «٣» ... وقالوا لا تنم للدّيدبان إذا أبصرت شخصا من بعيد ... فصفّق بالبنان على البنان تراهم خشية الأضياف خرسا ... يصلّون الصّلاة بلا أذان) * «٤» . ٢٩-* (قال بعض الحكماء: «لا تحمل على نفسك همّ ما لم يأتك، ولا تعدنّ عدة ليس في يديك وفاؤها، ولا تبخلنّ بالمال على نفسك، فكم جامع لبعل حليلته» ) * «٥» . ٣٠-* (قال بعض الحكماء: «من برأ من ثلاث نال ثلاثا: من بريء من السّرف نال العزّ، ومن بريء من البخل نال الشّرف، ومن بريء من الكبر نال الكرامة» ) * «٦» . ٣١-* (قال بعض الحكماء: البخيل ليس له خليل) * «٧» . ٣٢-* (وقال آخر: البخيل حارس نعمته، وخازن ورثته) * «٨» . ٣٣-* (وقال بعض الشّعراء: إذا كنت جمّاعا لمالك ممسكا ... فأنت عليه خازن وأمين تؤدّيه مذموما إلى غير حامد ... فيأكله عفوا وأنت دفين) * «٩» . ٣٤-* (وقال آخر: «عجبا للبخيل المتعجّل للفقر الّذي منه هرب، والمؤخّر للسّعة الّتي إيّاها طلب، ولعلّه يموت بين هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدّنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء، مع أنّك لم تر بخيلا إلّا غيره أسعد بماله منه، لأنّه في الدّنيا مهتمّ بجمعه، وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدّنيا من همّه، وناج في الآخرة من إثمه» ) * «١٠» . ٣٥-* (قال الشّاعر: وقال رسول الله والحقّ قوله ... لمن قال منّا: من تسمّون سيّدا؟ فقالوا هو الجدّ بن قيس على الّتي ... نبخّله فيها وإن كان أسودا

стр. 4763

فتى ما تخطّى خطوة لدنيّة ... ولا مدّ في يوم إلى سوأة يدا فسوّد عمرو بن الجموح بجوده ... وحقّ لعمرو بالنّدى أن يسوّدا) * «١» . ٣٦-* (قال حكيم: البخل هو محو صفات الإنسانيّة، وإثبات عادات الحيوانيّة) * «٢» . ٣٧-* (وقال آخر: «جود الرّجل يحبّبه إلى أضداده، وبخله يبغّضه إلى أولاده) * «٣» . ٣٨-* (قال بشر بن الحارث الحافي- رحمه الله تعالى-: «البخيل لا غيبة له. قال النّبيّ ﷺ : «إنّك إذا لبخيل» ومدحت امرأة عند رسول الله ﷺ . فقالوا: صوّامة قوّامة إلّا أنّ فيها بخلا. قال: «فما خيرها إذا» ) * «٤» . من مضار (البخل) (١) البخل لا يجتمع مع الإيمان. (٢) أصل لنقائص كثيرة، ويدعو إلى خصال ذميمة. (٣) البخيل مكروه من الله ، ومبغوض من النّاس. (٤) دليل على سوء الظّنّ بالله . (٥) دليل على قلّة العقل وسوء التّدبير. (٦) مهلك للإنسان ومدمّر للأخلاق. (٧) يضع السّيّد ويؤخّر السّابق. (٨) ليس من صفات الأنبياء الأصفياء ولا السّادة الشّرفاء. (٩) البخيل محروم في الدّنيا مؤاخذ في الآخرة.

стр. 4764

البذاءة البذاءة لغة: البذاءة مثل البذاء، كلاهما مصدر لقولهم بذأ يبذأ، وهو مأخوذ من مادّة (ب ذ أ) الّتي تدلّ كما يقول ابن فارس على «خروج الشّيء عن طريقة الإحماد» يقال: بذأت المكان أبذؤه، إذا أتيته فلم تحمده، وبذأه كمنعه: رأى منه حالا يكرهها، وبذأه: احتقره وذمّه، وبذأ الأرض ذمّ مرعاها، وقد بذؤ الرّجل وبذيء وبذأ بمعنى، وبذؤ المكان: أصبح لا مرعى فيه، وقد بذأت على فلان أبذأ بذاء وبذاءة، وقد بذيء به: إذا عيب وازدري، ورجل بذيء من قوم أبذياء، وباذأت الرّجل: إذا خاصمته، وباذأه فبذأه (أي غلبه في البذاء) وأبذأت: جئت بالبذاء. والبذاء: المباذأة وهي المفاحشة والقبح في المنطق وإن كان الكلام صدقا. والبذيء: الفاحش وتقول بذأ الرّجل بذءا إذا رأيت منه حالا كرهتها، كما تقول: بذأته أبذؤه بذءا: إذا ذممته، أمّا قولهم: بذأته عيني تبذؤه بذاء وبذاءة: يعني ازدرته واحتقرته ولم تقبله، ولم تعجبك مرآته وذلك إذا أطرى الشّيء لك وعندك ثمّ لم تره كذلك وأمّا إذا رأيته كما الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ٢٩/ ١٠ وصف لك فإنّك تقول: ما تبذؤه العين. وبذأ الشّيء: ذمّه، وأرض بذيئة: لا مرعى بها. وبذىء الرّجل: إذا ازدري «١» . البذاءة اصطلاحا: قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: هي التّعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصّريحة. وقال المناويّ: البذاء هو الفحش والقبح في المنطق، وإن كان الكلام صدقا. وقال الكفويّ: البذاء (والبذاءة) ، هو التّعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصّريحة، ويجري أكثر ذلك في الواقع (أي في الكلام المطابق للواقع وهو الصّدق) «٢» . الوقاحة والبذاءة أصل الشر والمعاصي: قال أبو حاتم بن حبّان- رحمه الله تعالى-: القحّة (ترك الحياء) أصل الجهل وبذر الشّرّ، ومن لم ينصف النّاس منه حياؤه، لم ينصفه منهم قحته، وإذا لزم الوقح البذاء كان وجود الخير منه معدوما، وتواتر الشّرّ منه موجودا، لأنّ الحياء هو الحائل بين المرء وبين

стр. 4765

المزجورات كلّها، بقوّته يضعف ارتكابه إيّاها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إيّاها. وقد أحسن من قال: وربّ قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلّا الحياء فكان هو الدّواء لها ولكن ... إذا ذهب الحياء فلا دواء ثمّ ذكر- رحمه الله تعالى- سوء عاقبة البذيّ فقال: من ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على النّاس ومقت، ومن مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد عقله، ومن أصيب في عقله كان أكثر قوله عليه لا له، ولا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ومن قلّ حياؤه صنع ما شاء وقال ما أحبّ «١» . دوافع البذاءة والفحش: قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: إنّ السّبّ والفحش وبذاءة اللّسان مذمومة ومنهيّ عنها ومصدرها الخبث واللّؤم، والباعث عليها إمّا قصد الإيذاء وإمّا الاعتياد الحاصل من مخالطة الفسّاق وأهل الخبث واللّؤم لأنّ من عادتهم السّبّ. ومواضع ذلك متعدّدة ويمكن حصرها في كلّ حال تخفى ويستحيا منها، فإنّ التّصريح في مثل هذه الحال فحش وينبغي الكناية عنها. وأكثر ما يكون في ألفاظ الوقاع وما يتعلّق به، فإنّ لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها. وأمّا أهل الصّلاح فإنّهم يتحاشون عنها بل يكنون عنها ويدلّون عليها بالرّموز فيذكرون ما يقاربها ويتعلّق بها، ألم تر أنّ الله- كنى باللّمس عن الجماع، ولذلك فإنّه تستعمل ألفاظ مثل المسّ واللّمس والدّخول والصّحبة. كما يكون الفحش والبذاء أيضا في حال قضاء الحاجة، فإنّ استعمال البول والغائط أولى من لفظ التّغوّط والخراء. ويدخل الفحش أيضا والبذاء في ذكر النّساء والكلام عنهنّ، فلا يقال: قالت زوجتك كذا، بل يقال: قيل في الحجرة أو من وراء السّتر، أو قالت أمّ الأولاد فالتّلطّف في هذه الألفاظ محمود والتّصريح فيها يفضي إلى الفحش. وكذلك يدخل أيضا في ذكر العيوب الّتي يستحيا منها فلا ينبغي أن يعبّر عنها بصريح اللّفظ، فلا يقال فلان الأبرص والأقرع بل يقال مثلا فلان الّذي به العارض الّذي يشكوه، وهذا كلّه يختلف باختلاف البلاد. وأوائل هذه الأشياء مكروه، وآخرها محظور، وبينهما درجات يتردّد فيها «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الاستهزاء- الأذى- الإساءة- السخرية- الفحش- البهتان- سوء الخلق- السفاهة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأدب- الصمت وحفظ اللسان- الكلم الطيب- اتباع الهوى- حسن المعاملة- حسن العشرة- حسن الخلق] .
следующие страницы →