← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

عليك إن رجعت بالجائزة؟ فقال: إن أعطيت مائة ألف أعطيتك درهما، فأعطي ستّين فأعطاها أربعة دوانق. واشترى مرّة لحما بدرهم فدعاه صديق له فردّ اللّحم إلى القصّاب بنقصان دانق وقال: أكره الإسراف» . وقال: كان للأعمش جار وكان لا يزال يعرض عليه المنزل ويقول: لو دخلت فأكلت كسرة وملحا فيأبى عليه الأعمش، فعرض عليه ذات يوم فوافق جوع الأعمش، فقال: سر بنا فدخل منزله فقرّب إليه كسرة وملحا، فجاء سائل، فقال له ربّ المنزل: بورك فيك، فأعاد عليه المسألة فقال له: بورك فيك، فلمّا سأل الثّالثة قال له: اذهب والله وإلّا خرجت إليك بالعصا. قال: فناداه الأعمش وقال: اذهب ويحك، فو الله ما رأيت أحدا أصدق بوعيد منه منذ مدّة يدعوني على كسرة وملح فو الله ما زادني عليها» ) * «١» . ٢٠-* (قال محمود الورّاق- رحمه الله تعالى-: تمتّع بمالك قبل الممات ... وإلّا فلا مال إن أنت متّا شقيت به ثمّ خلّفته ... لغيرك بعدا وسحقا ومقتا فجاد عليك بزور البكا ... وجدت له بالّذي قد جمعتا وأعطيته كلّ ما في يديك ... وخلّاك رهنا بما قد كسبتا) * «٢» . ٢١-* (وقال ابن المعتزّ: بشّر مال البخيل بحادث أو وارث) * «٣» . ٢٢-* (وقاله نظما: يا مال كلّ جامع وحارث ... أبشر بريب حادث أو وارث) * «٤» . ٢٣-* (وقال: أبخل النّاس بماله أجودهم بعرضه) * «٥» . ٢٤-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى- «الجبن والبخل قرينان، فإن عدم النّفع منه إن كان ببدنه فهو الجبن، وإن كان بماله فهو البخل» ) * «٦» . ٢٥-* (قال الشّاعر: لا تطلبنّ إلى لئيم حاجة ... واقعد فإنّك قائم كالقاعد يا خادع البخلاء عن أموالهم ... هيهات تضرب في حديد بارد) * «٧» . ٢٦-* (وقال آخر طعامه النّجم لمن رامه ... وخبزه أبعد من أمسه كأنّه في جوف مرآته ... يرى ولا يطمع في لمسه) * «٨» .

стр. 4762

٢٧-* (وقال آخر: إن كنت تطمع في كلامه ... فارفع يديك عن طعامه سيّان كسر رغيفه ... أو كسر عظم من عظامه) * «١» . ٢٨-* (وقال آخر: أقاموا الدّيدبان «٢» على يفاع «٣» ... وقالوا لا تنم للدّيدبان إذا أبصرت شخصا من بعيد ... فصفّق بالبنان على البنان تراهم خشية الأضياف خرسا ... يصلّون الصّلاة بلا أذان) * «٤» . ٢٩-* (قال بعض الحكماء: «لا تحمل على نفسك همّ ما لم يأتك، ولا تعدنّ عدة ليس في يديك وفاؤها، ولا تبخلنّ بالمال على نفسك، فكم جامع لبعل حليلته» ) * «٥» . ٣٠-* (قال بعض الحكماء: «من برأ من ثلاث نال ثلاثا: من بريء من السّرف نال العزّ، ومن بريء من البخل نال الشّرف، ومن بريء من الكبر نال الكرامة» ) * «٦» . ٣١-* (قال بعض الحكماء: البخيل ليس له خليل) * «٧» . ٣٢-* (وقال آخر: البخيل حارس نعمته، وخازن ورثته) * «٨» . ٣٣-* (وقال بعض الشّعراء: إذا كنت جمّاعا لمالك ممسكا ... فأنت عليه خازن وأمين تؤدّيه مذموما إلى غير حامد ... فيأكله عفوا وأنت دفين) * «٩» . ٣٤-* (وقال آخر: «عجبا للبخيل المتعجّل للفقر الّذي منه هرب، والمؤخّر للسّعة الّتي إيّاها طلب، ولعلّه يموت بين هربه وطلبه، فيكون عيشه في الدّنيا عيش الفقراء، وحسابه في الآخرة حساب الأغنياء، مع أنّك لم تر بخيلا إلّا غيره أسعد بماله منه، لأنّه في الدّنيا مهتمّ بجمعه، وفي الآخرة آثم بمنعه، وغيره آمن في الدّنيا من همّه، وناج في الآخرة من إثمه» ) * «١٠» . ٣٥-* (قال الشّاعر: وقال رسول الله والحقّ قوله ... لمن قال منّا: من تسمّون سيّدا؟ فقالوا هو الجدّ بن قيس على الّتي ... نبخّله فيها وإن كان أسودا

стр. 4763

فتى ما تخطّى خطوة لدنيّة ... ولا مدّ في يوم إلى سوأة يدا فسوّد عمرو بن الجموح بجوده ... وحقّ لعمرو بالنّدى أن يسوّدا) * «١» . ٣٦-* (قال حكيم: البخل هو محو صفات الإنسانيّة، وإثبات عادات الحيوانيّة) * «٢» . ٣٧-* (وقال آخر: «جود الرّجل يحبّبه إلى أضداده، وبخله يبغّضه إلى أولاده) * «٣» . ٣٨-* (قال بشر بن الحارث الحافي- رحمه الله تعالى-: «البخيل لا غيبة له. قال النّبيّ ﷺ : «إنّك إذا لبخيل» ومدحت امرأة عند رسول الله ﷺ . فقالوا: صوّامة قوّامة إلّا أنّ فيها بخلا. قال: «فما خيرها إذا» ) * «٤» . من مضار (البخل) (١) البخل لا يجتمع مع الإيمان. (٢) أصل لنقائص كثيرة، ويدعو إلى خصال ذميمة. (٣) البخيل مكروه من الله ، ومبغوض من النّاس. (٤) دليل على سوء الظّنّ بالله . (٥) دليل على قلّة العقل وسوء التّدبير. (٦) مهلك للإنسان ومدمّر للأخلاق. (٧) يضع السّيّد ويؤخّر السّابق. (٨) ليس من صفات الأنبياء الأصفياء ولا السّادة الشّرفاء. (٩) البخيل محروم في الدّنيا مؤاخذ في الآخرة.

стр. 4764

البذاءة البذاءة لغة: البذاءة مثل البذاء، كلاهما مصدر لقولهم بذأ يبذأ، وهو مأخوذ من مادّة (ب ذ أ) الّتي تدلّ كما يقول ابن فارس على «خروج الشّيء عن طريقة الإحماد» يقال: بذأت المكان أبذؤه، إذا أتيته فلم تحمده، وبذأه كمنعه: رأى منه حالا يكرهها، وبذأه: احتقره وذمّه، وبذأ الأرض ذمّ مرعاها، وقد بذؤ الرّجل وبذيء وبذأ بمعنى، وبذؤ المكان: أصبح لا مرعى فيه، وقد بذأت على فلان أبذأ بذاء وبذاءة، وقد بذيء به: إذا عيب وازدري، ورجل بذيء من قوم أبذياء، وباذأت الرّجل: إذا خاصمته، وباذأه فبذأه (أي غلبه في البذاء) وأبذأت: جئت بالبذاء. والبذاء: المباذأة وهي المفاحشة والقبح في المنطق وإن كان الكلام صدقا. والبذيء: الفاحش وتقول بذأ الرّجل بذءا إذا رأيت منه حالا كرهتها، كما تقول: بذأته أبذؤه بذءا: إذا ذممته، أمّا قولهم: بذأته عيني تبذؤه بذاء وبذاءة: يعني ازدرته واحتقرته ولم تقبله، ولم تعجبك مرآته وذلك إذا أطرى الشّيء لك وعندك ثمّ لم تره كذلك وأمّا إذا رأيته كما الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ٢٩/ ١٠ وصف لك فإنّك تقول: ما تبذؤه العين. وبذأ الشّيء: ذمّه، وأرض بذيئة: لا مرعى بها. وبذىء الرّجل: إذا ازدري «١» . البذاءة اصطلاحا: قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: هي التّعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصّريحة. وقال المناويّ: البذاء هو الفحش والقبح في المنطق، وإن كان الكلام صدقا. وقال الكفويّ: البذاء (والبذاءة) ، هو التّعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصّريحة، ويجري أكثر ذلك في الواقع (أي في الكلام المطابق للواقع وهو الصّدق) «٢» . الوقاحة والبذاءة أصل الشر والمعاصي: قال أبو حاتم بن حبّان- رحمه الله تعالى-: القحّة (ترك الحياء) أصل الجهل وبذر الشّرّ، ومن لم ينصف النّاس منه حياؤه، لم ينصفه منهم قحته، وإذا لزم الوقح البذاء كان وجود الخير منه معدوما، وتواتر الشّرّ منه موجودا، لأنّ الحياء هو الحائل بين المرء وبين

стр. 4765

المزجورات كلّها، بقوّته يضعف ارتكابه إيّاها، وبضعف الحياء تقوى مباشرته إيّاها. وقد أحسن من قال: وربّ قبيحة ما حال بيني ... وبين ركوبها إلّا الحياء فكان هو الدّواء لها ولكن ... إذا ذهب الحياء فلا دواء ثمّ ذكر- رحمه الله تعالى- سوء عاقبة البذيّ فقال: من ذهب حياؤه ذهب سروره، ومن ذهب سروره هان على النّاس ومقت، ومن مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد عقله، ومن أصيب في عقله كان أكثر قوله عليه لا له، ولا دواء لمن لا حياء له، ولا حياء لمن لا وفاء له، ولا وفاء لمن لا إخاء له، ومن قلّ حياؤه صنع ما شاء وقال ما أحبّ «١» . دوافع البذاءة والفحش: قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: إنّ السّبّ والفحش وبذاءة اللّسان مذمومة ومنهيّ عنها ومصدرها الخبث واللّؤم، والباعث عليها إمّا قصد الإيذاء وإمّا الاعتياد الحاصل من مخالطة الفسّاق وأهل الخبث واللّؤم لأنّ من عادتهم السّبّ. ومواضع ذلك متعدّدة ويمكن حصرها في كلّ حال تخفى ويستحيا منها، فإنّ التّصريح في مثل هذه الحال فحش وينبغي الكناية عنها. وأكثر ما يكون في ألفاظ الوقاع وما يتعلّق به، فإنّ لأهل الفساد عبارات صريحة فاحشة يستعملونها. وأمّا أهل الصّلاح فإنّهم يتحاشون عنها بل يكنون عنها ويدلّون عليها بالرّموز فيذكرون ما يقاربها ويتعلّق بها، ألم تر أنّ الله- كنى باللّمس عن الجماع، ولذلك فإنّه تستعمل ألفاظ مثل المسّ واللّمس والدّخول والصّحبة. كما يكون الفحش والبذاء أيضا في حال قضاء الحاجة، فإنّ استعمال البول والغائط أولى من لفظ التّغوّط والخراء. ويدخل الفحش أيضا والبذاء في ذكر النّساء والكلام عنهنّ، فلا يقال: قالت زوجتك كذا، بل يقال: قيل في الحجرة أو من وراء السّتر، أو قالت أمّ الأولاد فالتّلطّف في هذه الألفاظ محمود والتّصريح فيها يفضي إلى الفحش. وكذلك يدخل أيضا في ذكر العيوب الّتي يستحيا منها فلا ينبغي أن يعبّر عنها بصريح اللّفظ، فلا يقال فلان الأبرص والأقرع بل يقال مثلا فلان الّذي به العارض الّذي يشكوه، وهذا كلّه يختلف باختلاف البلاد. وأوائل هذه الأشياء مكروه، وآخرها محظور، وبينهما درجات يتردّد فيها «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الاستهزاء- الأذى- الإساءة- السخرية- الفحش- البهتان- سوء الخلق- السفاهة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأدب- الصمت وحفظ اللسان- الكلم الطيب- اتباع الهوى- حسن المعاملة- حسن العشرة- حسن الخلق] .

стр. 4766

الآيات الواردة في ذمّ «البذاءة» معنى ١- لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً (١٤٨) «١» ٢- إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) «٢» ٣- أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩) «٣» ٤- إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) «٤»

стр. 4767

الأحاديث الواردة في ذمّ (البذاءة) ١-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنّما أنتم ولد آدم، طفّ الصّاع لم تملؤوه، ليس لأحد فضل إلّا بالدّين أو عمل صالح. حسب الرّجل أن يكون فاحشا بذيّا بخيلا جبانا» ) * «١» ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: إنّ رجلا وقع في أب للعبّاس كان في الجاهليّة فلطمه. فقال النّبيّ ﷺ : «لا تسبّوا أمواتنا، فتؤذوا أحياءنا، ألا إنّ البذاء لؤم» ) * «٢» ٣-* (عن أبي أمامة الباهليّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : الحياء والعيّ شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان «٣» شعبتان من شعب النّفاق) * «٤» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النّار» ) * «٥» ٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان ولا الفاحش ولا البذيء» ) * «٦» ٦-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإنّ الله ليبغض الفاحش البذيء» ) * «٧»

стр. 4768

الأحاديث الواردة في ذمّ (البذاءة) معنى ٧-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ ، فقال: «ائذنوا له، بئس أخو العشيرة أو ابن العشيرة. فلمّا دخل ألان له الكلام. قلت: يا رسول الله، قلت الّذي قلت ثمّ ألنت له الكلام. قال: «أي عائشة: إنّ شرّ النّاس من تركه النّاس- أو ودعه النّاس- اتّقاء فحشه» ) * «١» . ٨-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: أتى النّبيّ ﷺ أناس من اليهود، فقالوا: السّام عليك يا أبا القاسم. قال: «وعليكم» ، قالت عائشة: قلت: بل عليكم السّام والذّام «٢» . فقال رسول الله ﷺ : «يا عائشة لا تكوني فاحشة» . فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ فقال: «أو ليس قد رددت عليهم الّذي قالوا؟ قلت: وعليكم» ) * «٣» ٩-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ «أنّ رسول الله ﷺ ، دخل على أمّ السّائب أو أمّ المسيّب فقال: «مالك يا أمّ السّائب أو يا أمّ المسيّب تزفزفين «٤» ؟» قالت: الحمّى لا بارك الله فيها. فقال: «لا تسبّي الحمّى، فإنّها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد» ) * «٥» . ١٠-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال في خطبته «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني، يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا حلال «٦» . وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم «٧» ، وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم «٨» عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم «٩» ، عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب «١٠» . وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك «١١» . وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء «١٢» . تقرؤه نائما ويقظان. وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: ربّ إذا يثلغوا

стр. 4769

رأسي «١» فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك «٢» ، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق؛ ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربى ومسلم؛ وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له «٣» ، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون «٤» أهلا ولا مالا؛ والخائن الّذي لا يخفى له طمع «٥» ، وإن دقّ إلّا خانه؛ ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» . وذكر البخل أو الكذب «٦» «والشّنظير «٧» الفحّاش» ولم يذكر أبو غسّان في حديثه «وأنفق فسننفق عليك» ) * «٨» . ١١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ رجلا لعن الرّيح، وقال مسلم: إنّ رجلا نازعته الرّيح رداءه على عهد النّبيّ ﷺ ، فلعنها. فقال النّبيّ ﷺ : «لا تلعنها، فإنّها مأمورة، وإنّه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللّعنة عليه» ) * «٩» . ١٢-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ اللّعّانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» ) * «١٠» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إيّاكم والفحش والتّفحّش، فإنّ الله لا يحبّ الفاحش المتفحّش، وإيّاكم والظّلم، فإنّه هو الظّلمات يوم القيامة، وإيّاكم والشّحّ، فإنّه دعا من قبلكم، فسفكوا دماءهم، ودعا من قبلكم فقطعوا أرحامهم، ودعا من قبلكم فاستحلّوا حرماتهم» ) * «١١» . ١٤-* (عن أبي برزة- ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ رجلا إلى حيّ من أحياء العرب، فسبّوه وضربوه، فجاء إلى رسول الله ﷺ فأخبره. فقال رسول الله ﷺ : «لو أنّ أهل عمان «١٢» أتيت، ما سبّوك

стр. 4770

ولا ضربوك» ) * «١» . ١٥-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: «جاء أعرابيّ (ملويّ) جريء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: أخبرنا عن الهجرة إليك أينما كنت، أو لقوم خاصّة، أم إلى أرض معلومة، أم إذا متّ انقطعت؟ قال: فسكت عنه يسيرا ثمّ قال: «أين السّائل؟ قال: ها هو ذا يا رسول الله. قال: «الهجرة أن تهجر الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتقيم الصّلاة، وتؤتي الزّكاة، ثمّ أنت مهاجر وإن متّ بالحضر. ثمّ قال (عبد الله بن عمرو) : ابتداء من نفسه جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله: أخبرنا عن ثياب أهل الجنّة خلقا تخلق أم نسجا تنسج؟ فضحك بعض القوم، فقال رسول الله ﷺ : «ممّ تضحكون؟ من جاهل يسأل عالما» ثمّ أكبّ رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: «أين السّائل؟ قال: هو ذا أنا يا رسول الله. قال: «بل تشقّق عنها ثمر الجنّة» ، ثلاث مرّات) * «٢» . ١٦-* (عن عائشة- ﵂ قالت: جلس إحدى عشرة امرأة، فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا. قالت الأولى: زوجي لحم جمل غثّ «٣» . على رأس جبل وعر. لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل «٤» . قالت الثّانية: زوجي لا أبثّ خبره «٥» . إنّي أخاف أن لا أذره. إن أذكره أذكر عجره وبجره «٦» . قالت الثّالثة: زوجي العشنّق «٧» ، إن أنطق أطلّق. وإن أسكت أعلّق «٨» قالت الرّابعة: زوجي كليل تهامة «٩» لا حرّ ولا قرّ «١٠» . ولا مخافة ولا سآمة. قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد «١١» وإن خرج أسد. ولا يسأل عمّا عهد. قالت السّادسة: زوجي إن أكل لفّ «١٢» وإن شرب اشتفّ. وإن اضطجع التفّ. ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ.

стр. 4771

قالت السّابعة: زوجي غياياء أو عياياء «١» . طباقاء. كلّ داء له داء «٢» . شجّك «٣» أو فلّك «٤» أو جمع كلّا لك. قالت الثّامنة: زوجي الرّيح، ريح زرنب والمسّ مسّ أرنب «٥» . قالت التّاسعة: زوجي رفيع العماد «٦» ، طويل النّجاد «٧» ، عظيم الرّماد «٨» . قريب البيت من النّادي. قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك «٩» ؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر١» أيقنّ أنّهنّ هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع. فما أبو زرع؟ أناس من حليّ أذنيّ «١١» وملأ من شحم عضديّ «١٢» . وبجّحني

стр. 4772

فبجحت إلىّ نفسيّ «١» وجدني في أهل غنيمة بشقّ. فجعلني في أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنقّ «٢» . فعنده أقول فلا أقبّح، وأرقد فأتصبّح وأشرب فأتقنّح «٣» أمّ أبي زرع، فما أمّ أبي زرع؟ عكومها رداح «٤» وبيتها فساح «٥» . ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسلّ شطبة «٦» . ويشبعه ذراع الجفرة «٧» . بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمّها، وملء كسائها وغيظ جارتها «٨» . جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبثّ حديثنا تبثيثا «٩» . ولا تنقّث ميرتنا تنقيثا «١٠» . ولا تملأ بيتنا تعشيشا «١١» . قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تمخض «١٢» . فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمّانتين «١٣» فطلّقني ونكحها. فنكحت بعده رجلا سريّا. ركب شريّا «١٤» . وأخذ خطّيّا «١٥» وأراح عليّ نعما

стр. 4773

ثريّا «١» . وأعطاني من كلّ رائحة زوجا «٢» . قال: كلي أمّ زرع وميري أهلك «٣» . فلو جمعت كلّ شيء أعطاني ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ «كنت لك: كأبي زرع لأمّ زرع» «٤» ) * «٥» . ١٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «الصّيام جنّة «٦» ، فلا يرفث «٧» ولا يجهل. وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل: إنّي صائم- مرّتين- والّذي نفسي بيده لخلوف «٨» فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصّيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» ) * «٩» . ١٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصّائم من اللّغو والرّفث وطعمة للمساكين، من أدّاها قبل الصّلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصّلاة فهي صدقة من الصّدقات) * «١٠» . ١٩-* (عن جابر بن سمرة- ﵄ قال: كنت جالسا في مجلس فيه رسول الله ﷺ وأبي سمرة جالس أمامي فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الفحش والتّفاحش ليسا من الإسلام في شيء، وإنّ خير النّاس إسلاما أحسنهم خلقا) * «١١» . ٢٠-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما كان الفحش في شيء قطّ إلّا شانه، ولا كان الحياء في شيء قطّ إلّا زانه» ) * «١٢» . ٢١-* (عن المعرور بن سويد- رحمه الله تعالى- قال: مررنا بأبي ذرّ بالرّبذة «١٣» . وعليه برد وعلى غلامه مثله. فقلنا: يا أبا ذرّ لو جمعت بينهما كانت حلّة، فقال: إنّه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام، وكانت أمّه أعجميّة، فعيّرته بأمّه، فشكاني إلى النّبيّ ﷺ ، فلقيت النّبيّ ﷺ ، فقال: «يا أبا ذرّ إنّك امرؤ

стр. 4774

فيك جاهليّة» قلت: يا رسول الله، من سبّ الرّجال سبّوا أباه وأمّه. قال: «يا أبا ذرّ، إنّك امرؤ فيك جاهليّة، هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم ممّا تأكلون، وألبسوهم ممّا تلبسون، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم فإن كلّفتموهم فأعينوهم» ) * «١» . ٢٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حجّ لله، فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمّه» ) *» . ٢٣-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من الكبائر شتم الرّجل والديه» . قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرّجل والديه؟ قال: «نعم، يسبّ أبا الرّجل فيسبّ أباه ويسبّ أمّه فيسبّ أمّه» ) * «٣» . ٢٤-* (عن أبي جريّ جابر بن سليم، قال: رأيت رجلا يصدر النّاس عن رأيه، لا يقول شيئا إلّا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا (هذا) رسول الله ﷺ . قلت: عليك السّلام يا رسول الله- مرّتين- قال: «لا تقل عليك السّلام! فإنّ عليك السّلام تحيّة الميّت قل: السّلام عليك» قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: «أنا رسول الله الّذي إذا أصابك ضرّ فدعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة «٤» فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء أو فلاة «٥» فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك، قلت: اعهد إليّ، قال: «لا تسبّنّ أحدا» قال: فما سببت بعده حرّا ولا عبدا، ولا بعيرا ولا شاة، قال: «ولا تحقرنّ شيئا من المعروف، وأن تكلّم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك إنّ ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف السّاق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإيّاك وإسبال الإزار «٦» فإنّها من المخيلة، وإنّ الله لا يحبّ المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه، فإنّما وبال ذلك عليه «٧» » ) * «٨» . ٢٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا أصحابي، لا تسبّوا أصحابي. فو الّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مدّ أحدهم «٩» ، ولا نصيفه» ) * «١٠» .

стр. 4775

٢٦-* (عن زيد بن خالد الجهنيّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تسبّوا الدّيك، فإنّه يوقظ للصّلاة» ) * «١» ٢٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تهجّروا «٢» ، ولا تدابروا، ولا تحسّسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا» ) * «٣» . ٢٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ : قال: «لا ينبغي لصدّيق أن يكون لعّانا» ) * «٤» ٢٩-* (قال أبو هريرة- ﵁ في قصصه يوما وهو يذكر رسول الله ﷺ ، إنّ أخا لكم لا يقول الرّفث- يعني عبد الله بن رواحة- وذكر أبياته وهي: وفينا رسول الله يتلو كتابه ... إذا انشقّ معروف من الفجر ساطع أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا ... به موقنات أنّ ما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (البذاءة) ١-* (قال ابن عمر- ﵄: «إنّ أبغض النّاس إلى الله كلّ طعّان لعّان» ) * «٦» . ٢-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «ألأم شيء في المؤمن الفحش» ) * «٧» . ٣-* (قال الأحنف بن قيس- رحمه الله تعالى: «ألا أخبركم بأدوإ الدّاء: اللّسان البذيء، والخلق الدّنيء» ) * «٨» . ٤-* (قال عطاء- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ (الأنبياء/ ٩٠) قال: «كان في خلقها سوء، وكان في لسانها طول، وهؤلاء بذاء، فأصلح له ذلك منها» ) * «٩» . ٥-* (عن سعيد بن عبد العزيز- ﵀ قال: «رأى أبو الدّرداء- ﵁ امرأة سليطة اللّسان، فقال: لو كانت هذه خرساء، كان خيرا لها) * «١٠» . ٦-* (قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى- للعلاء بن هارون لمّا سأله عن خرّاج تحت إبطه: من أين مخرجه. فتحفّظ في منطقه وقال: «من

стр. 4776

باطن اليد» ) * «١» . ٧-* (قال إبراهيم بن ميسرة- رحمه الله تعالى-: «يقال يؤتى بالفاحش المتفحّش يوم القيامة في صورة كلب أو في جوف كلب» ) * «٢» . ٨-* (قال الفضيل بن عياض- رحمه الله تعالى-: «خمس من علامات الشّقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلّة الحياء، والرّغبة في الدّنيا، وطول الأمل» ) * «٣» . ٩-* (قال محمّد بن عبد الله البغداديّ: إذا قلّ ماء الوجه قلّ حياؤه ... فلا خير في وجه إذا قلّ ماؤه حياءك فاحفظه عليك فإنّما ... يدلّ على وجه الكريم حياؤه) * «٤» . ١٠-* (قال الشّاعر: انطق مصيبا لا تكن هذرا ... عيّابة ناطقا بالفحش والرّيب وكن رزينا طويل الصّمت ذا فكر ... فإن نطقت فلا تكثر من الخطب ولا تجب سائلا من غير تروية ... وبالّذي لم تسل عنه فلا تجب) * «٥» . من مضار (البذاءة) (١) دليل ضعف الإيمان وقلّة الدّين. (٢) دليل خبث الطّويّة. (٣) تسبّب قلّة الأصحاب، وبعد الأهل والأحباب. (٤) يكثر اعتذاره إن كان رجّاعا وإن لا فلا يرعوي لسرعة وقوعه في النّاس. (٥) يؤذي المسلمين بل جميع العالمين لما يصدر عنه من الغلط المبين. (٦) تؤدّي إلى الهوان على النّاس. (٧) دليل قلّة الحياء. (٨) تؤدّي إلى إشاعة الفحش والفاحشة في المجتمع وبين النّاس.

стр. 4777

البذاذة والتبذل البذاذة والتبذل لغة: مصدر قولهم: بذّت هيئته بذاذة، وهو مأخوذ من مادّة (ب ذ ذ) الّتي تدلّ على الغلبة والقهر والإذلال، يقال: بذّ فلان أقرانه يبذّهم فهو باذّ: إذا غلبهم، وإلى هذا يرجع قولهم: هو باذّ الهيئة وبذّ الهيئة، وبيّن البذاذة، أي أنّ الأيام أتت عليها فأخلقتها فهي مقهورة، ويكون فاعل (باذّ) في معنى مفعول (أي مبذوذ) ، ومعنى قولهم: حال فلان بذّة: سيّئة وقد بذذت بعدي (بالكسر) فأنت باذّ الهيئة وبذّها أي رثّها، وقيل: رثّ اللّبسة ويكنى بذلك عن التّواضع في اللّباس وترك التّبجّح به، وقال ابن منظور: يقال: بذذت بذذا وبذاذة وبذوذة: أي رثّت هيئتك وساءت حالتك وفي الحديث: «البذاذة من الإيمان» البذاذة: رثاثة الهيئة وهي أن يكون الرّجل متقهّلا «١» ، يقال منه: رجل باذّ الهيئة، وفي هيئته بذاذة وقال بعضهم: البذّ: الرّجل المتقهّل الفقير، وقيل: البذاذة: أن يكون يوما متزيّنا، ويوما شعثا، أو هي ترك مداومة الآيات/ الأحاديث/ الآثار / ١٤/ ٥ الزّينة، وحال بذّة أي سيّئة، ورجل بذّ البخت: سيّئه، رديئه، وتمر بذّ: متفرّق لا يلزق بعضه ببعض «٢» . التبذّل والبذاذة قريبة في معناها اللّغويّ من التبذّل والابتذال، يقول ابن الأثير: وفي حديث الاستسقاء: «فخرج متبذّلا..» التّبذّل: ترك التّزيّن والتّهيّؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التّواضع، وبمثل ذلك فسّر حديث سلمان «فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة» وفي رواية «مبتذلة «٣» » والبذلة من الثّياب، ما يلبس ويمتهن ولا يصان، وابتذال الثّوب وغيره امتهانه، والتّبذّل: ترك التّصاون «٤» . البذاذة والتبذل اصطلاحا: قال فيها ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: هي سوء الهيئة والتّجوّز في الثّياب ونحوها، يقال: رجل باذّ الهيئة: إذا كان رثّ الهيئة والثّياب «٥» . وقال فيه ابن حجر- رحمه الله تعالى-: التّبذّل والابتذال بمعنى واحد، وهو لبس ثياب البذلة وهي المهنة «٦» .

стр. 4778

وقال المناويّ: البذلة: ما يمتهن من الثّياب في الخدمة، يقال: بذل الثّوب وابتذله: لبسه في أوقات الخدمة والامتهان «١» . البذاذة والتبذل بين المدح والذم: إنّ الغنى الحقيقيّ للإنسان ليس في مظهره فحسب، وإنّما في مخبره وخبيئة نفسه، وقد يعتري المسلم حالات توجب عليه ارتداء الثّياب الحسنة، والظّهور بمظهر لائق تحدّثا بنعمة الله عليه شريطة ألّا يؤدّي ذلك إلى الغرور أو الافتتان، وقد أمرنا الله- بأن نأخذ زينتنا عند كلّ مسجد، وقال سبحانه مشدّدا النّكير على من يحرّم زينته قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ (الأعراف/ ٣٢) ولا شكّ أنّ رثاثة الهيئة وقبح المنظر ممّا يتنافى مع هذه الزّينة، ومن ثمّ كانت البذاذة من المظاهر الرّديئة الّتي يأباها الإسلام، واستعاذ منها الرّسول الكريم ﷺ في الأحوال العاديّة، وقد استنكر سلمان الفارسيّ تبذّل أمّ الدّرداء وأقرّه المصطفى ﷺ على ذلك، قال ابن حجر رحمه الله تعالى-: وفي هذا مشروعيّة تزيّن المرأة لزوجها، وثبوت حقّ المرأة على الزّوج في حسن العشرة «٢» ، وقد تجدّ أحوال أخرى تقتضي إظهار التّواضع والخشوع وإظهار المذلّة، كما حدث من النّبيّ ﷺ في صلاة الاستسقاء حيث خرج «متبذّلا متخضّعا» » وقد فعل ذلك ﷺ على جهة التّواضع لله وقد يكون التّبذّل ناجما عن عدم القدرة على ارتداء غير ثياب المهنة أو الثّياب القديمة، فإذا قبل ذلك المسلم صابرا كان علامة على إيمانه ورضا بما قسم الله له، وهذا يفسّر الحديث الآخر: «البذاذة من الإيمان» أي أنّ التّواضع في اللّباس لغير القادر وترك التّبجّح به للقادر من علامات الإيمان الصّحيح، وقد دخل عبد الله بن نهيك على سعد وعنده متاع رثّ ومثال رثّ، فقال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» قال أبو عبيد: كان سفيان بن عيينة يقول معناه: من لم يستغن به، وذكره رثاثة المتاع والمثال ينبئك أنّه إنّما أراد الاستغناء بالمال القليل «٤» ، وإن دلّ هذا على شيء فعلى أنّ الغنى الحقيقيّ ليس في المتاع الحسن أو الأثاث الفاخر أو الثّياب الرّفّافة، وإنّما فيما يحمله المسلم من القرآن «٥» . [للاستزادة: انظر صفات: الإهمال- التهاون- التفريط والإفراط- التخاذل- النجاسة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: حسن السمت- الطهارة- المروءة- النظام- النزاهة] .

стр. 4779

الأحاديث الواردة في ذمّ (البذاذة والتبذل) ١-* (عن أبي جحيفة- ﵁ أنّه قال: آخى النّبيّ ﷺ بين سلمان وأبي الدّرداء، فزار سلمان أبا الدّرداء فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة «١» فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدّرداء ليس له حاجة في الدّنيا. فجاء أبو الدّرداء، فصنع له طعاما فقال له: كل. قال: فإنّي صائم، قال: ما أنا بآكل حتّى تأكل. قال: فأكل، فلمّا كان اللّيل ذهب أبو الدّرداء يقوم، قال: نم، فنام، ثمّ ذهب يقوم فقال: نم. فلمّا كان من آخر اللّيل قال سلمان: قم الآن، فصلّيا. فقال له سلمان: إنّ لربّك عليك حقّا، ولنفسك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، فأعط كلّ ذي حقّ حقّه. فأتى النّبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال له النّبيّ ﷺ : «صدق سلمان» ) * «٢» . ٢-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: دخلت عليّ خولة بنت حكيم بن أميّة، وكانت عند عثمان بن مظعون- قالت: فرأى رسول الله ﷺ بذاذة هيئتها، فقال لي: «يا عائشة، ما أبذّ هيئة خويلة» . قالت: فقلت: يا رسول الله، امرأة لا زوج لها «٣» ، يصوم النّهار ويقوم اللّيل، فهي كمن لا زوج لها، فتركت نفسها وأضاعتها. قالت: فبعث رسول الله ﷺ إلى عثمان بن مظعون فجاءه فقال: «يا عثمان أرغبة عن سنّتي؟» قال: فقال: لا والله يا رسول الله ولكن سنّتك أطلب، قال: «فإنّي أنام وأصلّي، وأصوم وأفطر، وأنكح النّساء. فاتّق الله يا عثمان، فإنّ لأهلك عليك حقّا، وإنّ لضيفك عليك حقّا، وإنّ لنفسك عليك حقّا فصم وأفطر، وصلّ ونم» ) * «٤» . ٣-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّه قال: دخل رجل المسجد يوم الجمعة والنّبيّ ﷺ على المنبر- فدعاه فأمره أن يصلّي ركعتين، ثمّ دخل الجمعة الثّانية- ورسول الله ﷺ على المنبر- فدعاه فأمره، ثمّ دخل الجمعة الثّالثة فأمره أن يصلّي ركعتين، ثمّ قال: «تصدّقوا» ففعلوا فأعطاه ثوبين ممّا تصدّقوا ثمّ قال: «تصدّقوا» فألقى أحد ثوبيه، فانتهره رسول الله ﷺ وكره ما صنع ثمّ قال: «انظروا إلى هذا فإنّه دخل المسجد في هيئة بذّة، فدعوته فرجوت أن تعطوا له فتصدّقوا عليه وتكسوه فلم تفعلوا، فقلت: تصدّقوا، فأعطيته ثوبين ممّا تصدّقوا ثمّ قلت: تصدّقوا فألقى أحد ثوبيه. خذ ثوبك، وانتهره» ) * «٥» .

стр. 4780

الأحاديث الواردة في ذمّ (البذاذة والتبذل) معنى ٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: «أتانا النّبيّ ﷺ فرأى رجلا ثائر الرّأس فقال: «أما يجد هذا ما يسكّن به شعره» ) * «١» . ٥-* (عن أبي الأحوص عن أبيه- ﵄ أنّه قال: أتيت النّبيّ ﷺ ، في ثوب دون فقال: «ألك مال؟» قال: نعم من كلّ المال. قال: من أيّ المال؟» . قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرّقيق. قال: فإذا آتاك الله مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته» ) * «٢» . ٦-* (عن وائل بن حجر- ﵁ أنّه قال: أتيت النّبيّ ﷺ ولي جمّة «٣» . قال: «ذباب «٤» » وظننت أنّه يعنيني فانطلقت فأخذت من شعري. فقال: «إنّي لم أعنك، وهذا أحسن» ) * «٥» . ٧-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: إنّ رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر، كبّر ثلاثا ثمّ قال: «سبحان الّذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مقرنين، وإنّا إلى ربّنا لمنقلبون. اللهمّ إنّا نسألك في سفرنا هذا البرّ والتّقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهمّ هوّن علينا سفرنا هذا، واطو عنّا بعده. اللهمّ أنت الصّاحب في السّفر والخليفة في الأهل، اللهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السّفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل» وإذا رجع قالهنّ، وزاد فيهنّ: «آيبون تائبون عابدون، لربّنا حامدون» ) * «٦» . ٨-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ نهى عن القزع «٧» ) * «٨» . ٩-* (عن عبد الله بن شقيق أنّه قال: كان رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ عاملا بمصر فأتاه رجل من أصحابه فإذا هو شعث الرّأس مشعانّ «٩» ، قال: «مالي أراك مشعانّا وأنت أمير؟» قال: كان نبيّ الله ﷺ ينهانا عن الإرفاه. قلنا: وما الإرفاه؟ قال: «التّرجّل كلّ يوم» ) * «١٠» . ١٠-* (عن عبد الله بن سرجس- رضي الله

стр. 4781

عنه- أنّه قال: كان رسول الله ﷺ ، إذا سافر يتعوّذ من وعثاء السّفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكون «١» ، ودعوة المظلوم وسوء المنظر في الأهل والمال) * «٢» . ١١-* (عن سمرة بن جندب- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعني- ممّا يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال فيقصّ عليه ما شاء الله أن يقصّ، وإنّه قال لنا ذات غداة: «إنّه أتاني اللّيلة آتيان وإنّهما ابتعثاني وإنّهما قالا لي: انطلق، وإنّي انطلقت معهما، وإنّا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصّخرة لرأسه فيثلغ رأسه «٣» فيتدهده «٤» الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتّى يصحّ رأسه كما كان، ثمّ يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرّة الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق، انطلق فانطلقنا فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه بكلّوب «٥» من حديد وإذا هو يأتي أحد شقّي وجهه فيشرشر شدقه «٦» إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه، قال: وربّما قال أبو رجاء فيشقّ. قال: ثمّ يتحوّل إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأوّل، فما يفرغ من ذلك الجانب حتّى يصحّ ذلك الجانب كما كان، ثمّ يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرّة الأولى. قال قلت: سبحان الله ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا على مثل التّنّور. قال- وأحسب أنّه كان يقول-: فإذا فيه لغط وأصوات. قال: فاطّلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا «٧» قال: قلت لهما: ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. قال: فانطلقنا فأتينا على نهر- حسبت أنّه كان يقول- أحمر مثل الدّم، وإذا في النّهر رجل سابح يسبح، وإذا على شطّ النّهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السّابح يسبح ما يسبح، ثمّ يأتي ذلك الّذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر «٨» له فاه فيلقمه حجرا فينطلق يسبح ثمّ يرجع إليه، كلّما رجع إليه فغر له فاه فألقمه حجرا قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. قال فانطلقنا فأتينا على رجل كريه المرآة «٩» كأكره ما أنت راء رجلا مرآة، وإذا عنده نار يحشّها ويسعى حولها. قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فأتينا على روضة معتمة «١٠» فيها من كلّ لون الرّبيع، وإذا بين ظهري الرّوضة رجل

стр. 4782

طويل لا أكاد أرى رأسه طولا في السّماء، وإذا حول الرّجل من أكثر ولدان رأيتهم قطّ «١» . قال: قلت لهما: ما هذا؟ ما هؤلاء؟ قال: قالا لي: انطلق انطلق. فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة لم أر روضة قطّ أعظم منها ولا أحسن. قال: قالا لي: ارق، فارتقيت فيها قال: فارتقينا فيها فانتهينا إلى مدينة مبنيّة بلبن ذهب ولبن فضّة «٢» ، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا، فدخلناها فتلقّانا فيها رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء، قال: قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النّهر، قال: وإذا نهر معترض يجري كأنّ ماءه المحض «٣» من البياض، فذهبوا فوقعوا فيه، ثمّ رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السّوء عنهم، فصاروا في أحسن صورة. قال قالا لي: هذه جنّة عدن، وهذاك منزلك. قال فسما بصري صعدا «٤» . فإذا قصر مثل الرّبابة» البيضاء. قال: قالا لي: هذاك منزلك، قال: قلت لهما: بارك الله فيكما، ذراني فأدخله، قالا: أمّا الآن فلا، وأنت داخله قال: قلت لهما: فإنّي قد رأيت منذ اللّيلة عجبا، فما هذا الّذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنّا سنخبرك: أمّا الرّجل الأوّل الّذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنّه الرّجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصّلاة المكتوبة، وأمّا الرّجل الّذي أتيت عليه يشرشر شدقه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه فإنّه الرّجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق، وأمّا الرّجال والنّساء العراة الّذين في مثل بناء التّنّور فهم الزّناة والزّواني، وأمّا الرّجل الّذي أتيت عليه يسبح في النّهر ويلقم الحجر فإنّه آكل الرّبا، وأمّا الرّجل الكريه المرآة الّذي عند النّار يحشّها ويسعى حولها، فإنّه مالك خازن جهنّم، وأمّا الرّجل الطّويل الّذي في الرّوضة فإنّه إبراهيم ﷺ ، وأمّا الولدان الّذين حوله فكلّ مولود مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين وأمّا القوم الّذين كانوا شطر منهم حسن وشطر قبيح فإنّهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا، تجاوز الله عنهم» ) * «٦» . ١٢-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: كان النّاس يسكنون العالية فيحضرون الجمعة وبهم وسخ «٧» فإذا أصابهم الرّوح «٨» سطعت أرواحهم «٩» فيتأذّى بها النّاس فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «أو لا يغتسلون؟» ) * «١٠» . ولفظه عند البخاريّ: كان النّاس مهنة «١١»

стр. 4783

أنفسهم وكانوا إذا راحوا إلى الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم: لو اغتسلتم» «١» . ١٣-* (عن جرير- ﵁ قال: كنّا عند رسول الله ﷺ في صدر النّهار. قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النّمار «٢» أو العباء «٣» ، متقلّدي السّيوف. عامّتهم من مضر، بل كلّهم من مضر. فتمعّر «٤» وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثمّ خرج، فأمر بلالا فأذّن وأقام، فصلّى ثمّ خطب فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (النساء/ ١) إلى آخر الآية إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. والآية الّتي في الحشر: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ (الحشر/ ١٨) تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره (حتّى قال) ولو بشقّ تمرة» قال: فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفّه تعجز عنها، بل قد عجزت. قال: ثمّ تتابع النّاس، حتّى رأيت كومين «٥» من طعام وثياب. حتّى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلّل «٦» . كأنّه مذهبة «٧» . فقال رسول الله ﷺ : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» ) * «٨» . ١٤-* (عن عبد الله بن سلام- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة: «ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته؟» ) * «٩» .

стр. 4784

من الآثار الواردة في ذمّ (البذاذة والتبذل) ١-* (قال أبو حاتم بن حبّان البستيّ- رحمه الله تعالى-: «الواجب على العاقل أن يكون حسن السّمت، طويل الصّمت؛ فإنّ ذلك من أخلاق الأنبياء، كما أنّ سوء السّمت وترك الصّمت من شيم الأشقياء» ) * «١» . ٢-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁ «إيّاكم ولبستين: لبسة مشهورة، ولبسة محقورة» ) * «٢» . ٣-* (وقيل: المروءة الظّاهرة في الثّياب الطّاهرة) * «٣» . ٤-* (وقيل في منثور الحكم: البس من الثّياب ما يخدمك ولا يستخدمك) * «٤» . ٥-* (وقيل: العري الفادح، خير من الزّيّ الفاضح) * «٥» . من مضار (البذاذة والتبذل) (١) سوء المظهر وقبح الصّورة ينفّر كثيرا من الخلق. (٢) دليل على جحد نعمة الله وكفرها وعدم إظهارها. (٣) دليل على شقاء النّفس. (٤) تناقض الصورة الّتي يحبّ الله أن يرى عبده فيها. (٥) تناقض صفة الأنبياء والصّالحين. (٦) تعطي صورة سيّئة عن المسلم في ظلّ المجتمع المسلم.

стр. 4785

البطر البطر لغة: مصدر قولهم: بطر، وهو مأخوذ من مادّة (ب ط ر) الّتي تدلّ على الشّقّ، قال ابن فارس: ويحمل عليها البطر وهو تجاوز الحدّ في المرح، وقيل: البطر الأشر وهو شدّة المرح وقد بطر (بالكسر) يبطر، وأبطره المال، والبطر أيضا: الحيرة والدّهش وأبطره: أدهشه، ويقال: بطرت الشّيء أبطره بطرا: شققته ومنه سمّي البيطار «١» ، وذهب دمه بطرا (بالكسر) أي هدرا، والبطر أيضا: الطّغيان عند النّعمة وطول الغنى، ومنه الحديث الشّريف.. «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بطرا» وبطر الحقّ: التّكبّر عنه والتّجبّر عنده ورؤيته باطلا، وفي الحديث: «الكبر بطر الحقّ» ، قال ابن الأثير هو أن يجعل ما جعله الله حقّا من توحيده وعبادته باطلا، وقيل: هو أن يتجبّر عنده فلا يراه حقّا، وقيل هو أن يتكبّر عن الحقّ فلا يقبله، وذلك من قولهم: بطر فلان هدية أمره، إذا لم يهتد له وجهله ولم يقبله، وبطر النّعمة بطرا فهو بطر، وفي التّنزيل العزيز: بَطِرَتْ مَعِيشَتَها (القصص/ ٥٨) قيل: أوصل الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢/ ٤/ ٥ الفعل وحذف الجارّ (أي بطرت من معيشتها) كما في قوله تعالى وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ أي من قومه، وقيل معناه: إمّا بطرت أيّام معيشتها، وإمّا بتضمين بطرت معنى كفرت وغمطت، وقال القرطبيّ: البطر هنا هو الطّغيان بالنّعمة، وقيل البطر: سوء احتمال الغنى بأن لا يحفظ حقّ الله فيه «٢» . وأورد ابن منظور للبطر معاني عديدة منها: البطر: النّشاط، والبطر: التّبختر، والبطر قلّة احتمال النّعمة، والبطر: الدّهش والحيرة والبطر: الطّغيان في النّعمة، والبطر: كراهة الشّيء من غير أن يستحقّ الكراهية، يقال: بطر النّعمة يبطرها لم يشكرها، وبطر بالأمر ثقل به ودهش وأبطره المال، وأبطره حلمه، أي أدهشه وبهته، وأبطره ذرعه: حمّله فوق ما يطيق (والذّرع البدن، وقيل: العنق «٣» ) ، والبطر في قول الله تعالى وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ (الأنفال/ ٤٧) معناه كما يقول القرطبيّ: التّقوّي على المعاصي بنعم الله- وما ألبسه من العافية، والمعنى: خرجوا بطرين

стр. 4786

مرائين، وقد نزلت في أبي جهل وأصحابه الّذين خرجوا يوم بدر لنصرة العير. وقد جرى ما جرى من إهلاكهم «١» ، وقال أبو حيّان: هذا تخويف لأهل مكّة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم من إنعام الله عليهم بالرّقود في ظلال الأمن، وخفض العيش فغمطوا النّعمة، وقابلوها بالأشر والبطر فدمّرهم الله وخرّب ديارهم «٢» . البطر اصطلاحا: البطر: محرّكا- دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النّعمة، وقلّة القيام بحقّها، وصرفها إلى غير وجهها. وقال العزّ بن عبد السّلام: البطر: سوء احتمال الغنى ومعناه التّقصير في شكره، ورؤية المنّة به، وهو والمرح وسيلتان إلى الطّغيان «٣» . أنواع البطر: للبطر أنواع عديدة أهمّها: ١- بطر الغنى. ٢- بطر الملك. وكلاهما ممّا يجب التّحرّز منه، قال تعالى في النّوع الأوّل: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (العلق/ ٦- ٧) وقال في النّوع الثّاني في حقّ فرعون فَحَشَرَ فَنادى * فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (النازعات/ ٢٣- ٢٤) «٤» ، ويمكن أن يضاف إلى ذلك: ٣- بطر المنصب والوظيفة. ٤- بطر الجاه والمكانة الاجتماعيّة. وكلاهما يمكن حمله على النّوعين الأوّلين. [للاستزادة: انظر صفات: الغرور- الكبر والعجب- نكران الجميل- الجحود- الطمع- السخط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإنصاف- التواضع- الحمد- الشكر- العدل والمساواة- الاعتراف بالفضل- الرضا- القناعة- الزهد] .

стр. 4787

الآيات الواردة في «البطر» ١- وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) «١» ٢- وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) «٢»

стр. 4788

الأحاديث الواردة في ذمّ (البطر) ١-* (عن أبي عبد الرّحمن الفهريّ- ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ حنينا، فسرنا في يوم قائظ شديد الحرّ، فنزلنا تحت ظلّ شجرة ... الحديث وفيه «فقال: أسرج لي الفرس، فأخرج سرجا دفّتاه من ليف، ليس فيه أشر ولا بطر، فركب وركبنا وساق الحديث) * «١» . ٢-* (عن محمّد- وهو ابن زياد-، قال: سمعت أبا هريرة، ورأى رجلا يجرّ إزاره، فجعل يضرب الأرض برجله، وهو أمير على البحرين، وهو يقول: جاء الأمير، جاء الأمير، قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله لا ينظر إلى من يجرّ إزاره بطرا» ) * «٢» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جرّ إزاره بطرا» ) *» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب كنز لا يؤدّي زكاته إلّا أحمي عليه في نار جهنّم.... الحديث وفيه: «الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر. فأمّا الّتي هي له أجر، فالرّجل يتّخذها في سبيل الله ويعدّها له، فلا تغيّب شيئا في بطونها إلّا كتب الله له أجرا، ولو رعاها في مرج، ما أكلت من شيء إلّا كتب الله له بها أجرا، ولو سقاها من نهر كان له بكلّ قطرة تغيّبها في بطونها أجر، ولو استنّت شرفا أو شرفين كتب له بكلّ خطوة تخطوها أجر. وأمّا الّذي هي له ستر فالرّجل يتّخذها تكرّما وتجمّلا ولا ينسى حقّ ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها. وأمّا الّذي عليه وزر فالّذي يتّخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء النّاس، فذاك الّذي هي عليه وزر ... الحديث) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (البطر) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال في قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ (الأنفال/ ٤٧) : يعني المشركين الّذين قاتلوا رسول الله ﷺ يوم بدر) * «٥» . ٢-* (قال النّعمان بن بشير- ﵄ على المنبر: إنّ للشّيطان مصائد وفخوخا، وفخوخه البطر بأنعم الله، والفخر بإعطاء الله، والكبر على عباد الله، واتّباع الهوى في غير ذات الله) * «٦» . ٣-* (عن قتادة- ﵁ في الآية وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً، قال:

стр. 4789

كان مشركوا قريش الّذين قاتلوا نبيّ الله ﷺ يوم بدر خرجوا ولهم بغي وفخر) * «١» . ٤-* (عن مجاهد- ﵁ في قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً (الأنفال/ ٤٧) قال: أبو جهل وأصحابه يوم بدر) * «٢» . ٥-* (قال ابن كثير- ﵀: يقول الله تعالى معرّضا بأهل مكّة في قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها (القصص/ ٥٨) أي طغت وأشرت وكفرت نعمة الله فيما أنعم به عليهم من الأرزاق، كما قال في الآية الأخرى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ إلى قوله تعالى فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (النحل/ ١١٢- ١١٣) ، ولهذا قال تعالى: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا، أي دثرت ديارهم فلا ترى إلّا مساكنهم، وقوله تعالى: وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (القصص/ ٥٨) أي رجعت خرابا ليس فيها أحد) * «٣» . من مضار (البطر) انظر مضار صفة ((الكبر والعجب))

стр. 4790

البغض البغض لغة: البغض مصدر قولهم بغض يبغض، وهو مأخوذ من مادّة (ب غ ض) الّتي تدلّ على خلاف الحبّ، وقال الرّاغب: البغض نفار النّفس عن الشّيء الّذي ترغب عنه، وضدّه الحبّ من حيث إنّ الحبّ هو انجذاب النّفس إلى الشّيء الّذي ترغب فيه، والفعل من ذلك: بغض وبغض، وبغض، يقال بغض الشّيء يبغضه بغضا وبغضة، وبغضت الشّيء بغضاء، وبغض الشّيء بغاضة فهو بغيض، وقيل: البغضاء والبغضة: أشدّ البغض، والتّبغيض، والتّباغض والتّبغّض ضدّ التّحبيب والتّحابب والتّحبّب، ويقال: بغّضه الله إلى النّاس تبغيضا فأبغضوه أي مقتوه، فهو مبغض، وقول الله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (آل عمران/ ١١٨) يعني ظهرت العداوة «١» والتّكذيب لكم من أفواههم. والبغضاء: البغض، وهو ضدّ الحبّ. وخصّ تعالى الأفواه دون الألسنة إشارة إلى تشدّقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه، فهم فوق المتستّر الّذي تبدو البغضاء في عينيه. وفي قوله تعالى: الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٥/ ٢٢/ ٧ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (آل عمران/ ١١٨) : إخبار وإعلام بأنّهم يبطنون من البغضاء أكثر ممّا يظهرون بأفواههم «٢» . وقال ابن منظور: البغض والبغضة نقيض الحبّ. والبغضاء والبغاضة جميعا شدّة البغض. البغض اصطلاحا: نقل المناويّ ما ذكره الرّاغب عن البغض فقال: البغض: نفور النّفس عن الشّيء الّذي يرغب عنه «٣» . وقال الكفويّ: البغض: عبارة عن نفرة الطّبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي يسمّى مقتا «٤» . وقيل: البغض: النّفرة عن الشّيء لمعنى فيه مستقبح، وترادفه الكراهة. قال ابن علّان- ﵀: نهى رسول الله ﷺ عن تعاطي أسباب البغض، لأنّه قهريّ كالحبّ لا قدرة للإنسان على اكتسابه، ولا يملك التّصرّف فيه، والبغض يقع بين اثنين، إمّا بين جانبيهما أو من جانب أحدهما، وعلى كلّ فهو لغير الله تعالى حرام. وله واجب ومندوب. وبغض إنسان لمن خالفه المتّجه، فهذه

стр. 4791

المخالفة إن علم أنّها نشأت عن اجتهاد لكونه من أهله لا يجوز له بغضه، لأنّه ليس لله. وإن علم أنّها نشأت عن تعصّب وهوى نفس أو تقصير في البحث جاز «١» . البغض بين المدح والذم: قال ابن رجب ﵀: قوله ﷺ : «ولا تباغضوا» نهى المسلمين عن التّباغض بينهم في غير الله تعالى بل على أهواء النّفوس، فإنّ المسلمين جعلهم الله إخوة، والإخوة يتحابّون بينهم ولا يتباغضون. وقال النّبيّ ﷺ : «والّذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، ألا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه، تحاببتم؟ أفشوا السّلام بينكم» أخرجه مسلم. وقد حرّم الله على المؤمنين ما يوقع بينهم العداوة والبغضاء كما قال تعالى إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (المائدة/ ٩١) وامتنّ على عباده بالتّأليف بين قلوبهم كما قال تعالى وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً (آل عمران/ ١٠٣) وقال: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (الأنفال/ ٦٢- ٦٣) . ولهذا المعنى حرّم المشي بالنّميمة لما فيها من إيقاع العداوة والبغضاء. وأمّا البغض في الله فهو من أوثق عرى الإيمان وليس داخلا في النّهي، ولو ظهر لرجل من أخيه شرّ فأبغضه عليه- وكان الرّجل معذورا فيه في نفس الأمر- أثيب المبغض له، وإن عذر أخوه كما قال عمر: إنّا كنّا نعرفكم، إذ رسول الله ﷺ بين أظهرنا وإذ ينزل الوحي وإذ ينبئنا الله من أخباركم، ألا وإنّ رسول الله ﷺ قد انطلق به، وانقطع الوحي، وإنّما نعرفكم بما نخبركم. ألا من أظهر منكم لنا خيرا ظننّا به خيرا وأحببناه عليه، ومن أظهر منكم شرّا ظننّا به شرّا وأبغضناه عليه، سرائركم بينكم وبين ربّكم تعالى. وقال الرّبيع بن خثيم: لو رأيت رجلا يظهر خيرا ويسرّ شرّا أحببته عليه آجرك الله على حبّك الخير، ولو رأيت رجلا يظهر شرّا ويسرّ خيرا بغضته عليه آجرك الله على بغضك الشّرّ، ولمّا كثر اختلاف النّاس في مسائل الدّين وكثر تفرّقهم كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلا عنهم، وكلّ منهم يظهر أنّه يبغض لله وقد يكون في نفس الأمر معذورا وقد لا يكون معذورا بل يكون متّبعا لهواه مقصّرا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه، فإنّ كثيرا من البغض كذلك إنّما يقع لمخالفة متبوع يظنّ أنّه لا يقول إلّا الحقّ وهذا الظّنّ خطأ قطعا، وإن أريد أنّه لا يقول إلّا الحقّ فيما خولف فيه. فهذا الظّنّ قد يخطىء ويصيب، وقد يكون الحامل على الميل إليه مجرّد الهوى والألفة أو العادة، وكلّ هذا يقدح في أن يكون هذا البغض لله، فالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرّز في هذا غاية التّحرّز «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الحسد- الحقد- الغل- الخبث. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التودد- الإخاء- المحبة- الرضا- القناعة] .

стр. 4792

الآيات الواردة في «البغض» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠) «١» ٢- وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١٤) «٢» ٣- وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) «٣» ٤- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٩٢) «٤» ٥- قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) «٥»

стр. 4793

الأحاديث الواردة في ذمّ (البغض) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إيّاكم والظّنّ؛ فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تحسّسوا، ولا تجسّسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» ) * «١» . ٢- عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيّام» ) * «٢» . ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «آية المنافق بغض الأنصار «٣» . وآية المؤمن حبّ الأنصار» ) * «٤» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله إذا أحبّ عبدا دعا جبريل فقال: إنّي أحبّ فلانا فأحبّه. قال: فيحبّه جبريل. ثمّ ينادي في السّماء فيقول: إنّ الله يحبّ فلانا فأحبّوه، فيحبّه أهل السّماء. قال: ثمّ يوضع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إنّي أبغض فلانا فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل. ثمّ ينادي في أهل السّماء: إنّ الله يبغض فلانا فأبغضوه. قال: فيبغضونه. ثمّ توضع له البغضاء في الأرض» ) * «٥» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأنّي أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته. فقال النّبيّ ﷺ لعبّاس: «يا عبّاس ألا تعجب من حبّ مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا؟» فقال النّبيّ ﷺ : «لو راجعته» . قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: «إنّما أنا أشفع» ، قالت: لا حاجة لي فيه) * «٦» . ٦-* (عن البراء- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ أو قال: قال النّبيّ ﷺ : «الأنصار لا يحبّهم إلّا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق. فمن أحبّهم أحبّه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله» ) * «٧» . ٧-* (عن أبي سنان الدّؤليّ: أنّه دخل على عمر بن الخطّاب وعنده نفر من المهاجرين الأوّلين، فأرسل عمر إلى سفط «٨» أتي به من قلعة من العراق،

стр. 4794

فكان فيه خاتم، فأخذه بعض بنيه فأدخله في فيه، فانتزعه عمر منه، ثمّ بكى عمر، فقال له من عنده: لم تبكي وقد فتح الله لك وأظهرك على عدوّك وأقرّ عينك؟ فقال عمر: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تفتح الدّنيا على أحد إلّا ألقى الله- بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة» وأنا أشفق من ذلك» ) * «١» . ٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إذا فتحت عليكم فارس والرّوم، أيّ قوم أنتم؟» قال عبد الرّحمن ابن عوف: نقول كما أمرنا الله «٢» . قال رسول الله ﷺ : «أو غير ذلك تتنافسون، ثمّ تتحاسدون، ثمّ تتدابرون «٣» ، ثمّ تتباغضون، أو نحو ذلك، ثمّ تنطلقون في مساكين المهاجرين فتجعلون بعضهم على رقاب بعض «٤» » ) * «٥» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ يقول: بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد. فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال. سيّد أهل اليمامة. فربطوه بسارية من سواري المسجد. فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال: «ماذا عندك يا ثمامة «٦» ؟» فقال: عندي يا محمّد خير. إن تقتل تقتل ذا دم» ، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ماشئت. فتركه رسول الله ﷺ حتّى كان بعد الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» قال: ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتّى كان من الغد. فقال: «ماذا عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي ما قلت لك. إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : «أطلقوا ثمامة» فانطلق إلى نخل «٨» قريب من المسجد فاغتسل، ثمّ دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. يا محمّد: والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه كلّها إليّ. والله ما كان من دين أبغض إليّ من دينك فأصبح دينك أحبّ الدّين كلّه إليّ، والله ما كان

стр. 4795

من بلد أبغض إليّ من بلدك. فأصبح بلدك أحبّ البلاد كلّها إليّ. وإنّ خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشّره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر. فلمّا قدم مكّة قال له قائل: أصبوت «١» ؟ فقال: لا. ولكنّي أسلمت مع رسول الله ﷺ . ولا، والله لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتّى يأذن فيها رسول الله ﷺ * «٢» . ١٠-* (عن بريدة عن أبيه- ﵄ قال: بعث النّبيّ ﷺ عليّا إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليّا، وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلمّا قدمنا على النّبيّ ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: «يا بريدة أتبغض عليّا؟» فقلت نعم. قال: «لا تبغضه، فإنّ له في الخمس أكثر من ذلك» ) * «٣» . ١١-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: بلغنا مخرج النّبيّ ﷺ ونحن باليمن- فخرجنا مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم: أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم إمّا قال: في بضع، وإمّا قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النّجاشيّ بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتّى قدمنا جميعا، فوافقنا النّبيّ ﷺ حين افتتح خيبر. وكان أناس من النّاس يقولون لنا- يعني لأهل السّفينة-: سبقناكم بالهجرة. ودخلت أسماء بنت عميس- وهي ممّن قدم معنا- على حفصة زوج النّبيّ ﷺ زائرة،- وقد كانت هاجرت إلى النّجاشيّ فيمن هاجر،- فدخل عمر على حفصة- وأسماء عندها- فقال عمر- حين رأى أسماء-: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشيّة هذه؟ البحريّة هذه؟ قالت أسماء: نعم، قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقّ برسول الله منكم. فغضبت وقالت: كلّا والله. كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنّا في دار- أو في أرض- البعداء البغضاء «٤» بالحبشة، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ . وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتّى أذكر ما قلت لرسول الله ﷺ ، ونحن كنّا نؤذى ونخاف، وسأذكر ذلك للنّبيّ ﷺ وأسأله، والله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلمّا جاء النّبيّ ﷺ قالت: يا نبيّ الله، إنّ عمر قال كذا وكذا. قال: «فما قلت له؟» قالت: قلت له كذا وكذا. قال: «ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السّفينة هجرتان. قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السّفينة يأتونني أرسالا «٥» يسألوني عن هذا الحديث، ما من الدّنيا شيء هم به أفرح ولا أعظم في أنفسهم ممّا قال لهم النّبيّ ﷺ . قال

стр. 4796

أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنّه ليستعيد هذا الحديث منّي) * «١» . ١٢-* (عن عوف بن مالك الأشجعيّ- ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمّتكم الّذين تحبّونهم ويحبّونكم. وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمّتكم الّذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قالوا قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: «لا. ما أقاموا فيكم الصّلاة. لا. ما أقاموا فيكم الصّلاة. ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنّ يدا من طاعة» . قال ابن جابر: فقلت (يعني لرزيق) ، حين حدّثني بهذا الحديث: آلله يا أبا المقدام لحدّثك بهذا، أو سمعت هذا من مسلم بن قرظة يقول: سمعت عوفا يقول: سمعت رسول الله ﷺ ؟ قال: فجثا على ركبتيه «٢» واستقبل القبلة فقال: إي. والله الّذي لا إله إلّا هو لسمعته من مسلم بن قرظة يقول: سمعت عوف بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ * «٣» . ١٣-* (عن الزّبير بن العوّام- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «دبّ إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء. هي الحالقة. لا أقول: تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين، والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، أفلا أنبّئكم بما يثبت ذاكم لكم؟ أفشوا السّلام بينكم» ) * «٤» . ١٤-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: قال لي النّبيّ ﷺ «فيك مثل من عيسى، أبغضته اليهود حتّى بهتوا «٥» أمّه، وأحبّته النّصارى حتّى أنزلوه بالمنزلة الّتي ليس به» ثمّ قال: «يهلك فيّ رجلان، محبّ مفرط يقرّظني «٦» بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني «٧» على أن يبهتني» ) * «٨» . ١٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيصيب أمّتي داء الأمم، فقالوا: يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال:

стр. 4797

«الأشر «١» والبطر والتّكاثر والتّناجش في الدّنيا والتّباغض والتّحاسد حتّى يكون البغي» ) * «٢» . ١٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني» ) * «٣» . ١٧-* (عن زرّ، قال: قال عليّ: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة إنّه لعهد النّبيّ الأمّيّ ﷺ إليّ: أن لا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق) * «٤» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ «والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تسلموا، ولا تسلموا حتّى تحابّوا، وأفشوا السّلام تحابّوا، وإيّاكم والبغضة، فإنّها هي الحالقة، لا أقول لكم تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين» ) * «٥» . ١٩-* (عن عمرو بن أبي قرّة قال: كان حذيفة بالمداين، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب فينطلق ناس ممّن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول. فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدّقك ولا كذّبك فأتى حذيفة سلمان- وهو في مبقلة- فقال: يا سلمان ما يمنعك أن تصدّقني بما سمعت من رسول الله ﷺ فقال سلمان: إنّ رسول الله ﷺ ، كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرّضا لناس من أصحابه. أما تنتهي حتّى تورّث رجالا حبّ رجال، ورجالا بغض رجال، وحتّى توقع اختلافا وفرقة؟ ولقد علمت أنّ رسول الله ﷺ ، خطب فقال: «أيّما رجل من أمّتي سببته سبّة، أو لعنته لعنة في غضبي فإنّما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنّما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة، والله لتنتهينّ أو لأكتبنّ إلى عمر) * «٦» . الأحاديث الواردة في ذمّ (البغض) معنى ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رجلا قال: يا رسول الله إنّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني. وأحسن إليهم ويسيئون إليّ. وأحلم عنهم ويجهلون عليّ «٧» . فقال: «لئن كنت كما قلت، فكأنّما تسفّهم

стр. 4798

الملّ «١» ، ولا يزال معك من الله ظهير «٢» عليهم ما دمت على ذلك» ) * «٣» . ٢١-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا حلال «٤» . وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم «٥» . وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم «٦» عن دينهم. وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم «٧» ، عربهم وعجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب «٨» . وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك «٩» ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء «١٠» . تقرؤه نائما ويقظان. وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: ربّ إذا يثلغوا رأسي ١» فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك «١٢» . وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له «١٣» الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون «١٤» أهلا ولا مالا، والخائن الّذي لا يخفى له طمع «١٥» وإن دقّ

стр. 4799

إلّا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» . وذكر البخل أو الكذب «١» «والشّنظير «٢» الفحّاش» ولم يذكر أبو غسّان في حديثه: «وأنفق فسننفق عليك» ) * «٣» . ٢٢-* (عن زيد بن أرقم قال: «كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبيّ يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فذكرت ذلك لعمّي- أو لعمر- فذكره للنّبيّ ﷺ ، فدعاني فحدّثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبيّ وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسول الله ﷺ وصدّقه، فأصابني همّ لم يصبني مثله قطّ، فجلست في البيت، فقال لي عمّي: ما أردت إلى أن كذّبك رسول الله ﷺ ومقتك، فأنزل الله تعالى إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ فبعث إليّ النّبيّ ﷺ فقرأ فقال: «إنّ الله قد صدّقك يا زيد» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (البغض) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا «٥» ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» ) * «٦» . ٢-* (عن أيّوب قال: «كذب على الحسن ضربان من النّاس: قوم القدر رأيهم وهم يريدون أن ينفقوا بذلك رأيهم «٧» . وقوم له في قلوبهم شنآن وبغض يقولون: أليس من قوله كذا؟ أليس من قوله كذا؟» ) * «٨» . ٣-* (قال ابن كثير- ﵀ في تفسير قوله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ (آل عمران/ ١١٨) «أي قد لاح على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من العداوة مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل» ) * «٩» . ٤-* (عن كثير بن مرّة قال: «لا تحدّث

стр. 4800

الباطل للحكماء فيمقتوك، ولا تحدّث الحكمة للسّفهاء فيكذّبوك، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تضعه في غير أهله فتجهل. إنّ عليك في علمك حقّا، كما أنّ عليك في مالك حقّا» ) * «١» . ٥-* (جاء في المثل: «كثرة العتاب توجب البغضاء» ) * «٢» . ٦-* (وجاء أيضا: «إذا أبغضك جارك حوّل باب دارك» ) * «٣» . ٧-* (قال الشّاعر: بني عمّنا إنّ العداوة شأنها ... ضغائن تبقى في نفوس الأقارب» ) * «٤» . من مساوئ (البغض) (١) البغض المذموم هو كراهية النّاس والحقد عليهم بغير ذنب جنوه. (٢) ولهذا كان من تلبّس بهذا الوصف مبغوضا عند الله وعند النّاس. (٣) البغض يعمي القلب ويطفىء نور العبادة. (٤) إنّ من سكن قلبه البغض والعداء للنّاس لا يستطيع أن يعيش بين النّاس بل ينطوي على نفسه ويعيش في عزلة. (٥) وعلى هذا فهو غريب في كلّ مجتمع. (٦) سبب في تمزيق المجتمع وتفريق كلمة المسلمين. (٧) دليل خبث النّفس ولؤمها.
следующие страницы →