← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4796–4835 · переход к 4801.

стр. 4796

أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وإنّه ليستعيد هذا الحديث منّي) * «١» . ١٢-* (عن عوف بن مالك الأشجعيّ- ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خيار أئمّتكم الّذين تحبّونهم ويحبّونكم. وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمّتكم الّذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قالوا قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: «لا. ما أقاموا فيكم الصّلاة. لا. ما أقاموا فيكم الصّلاة. ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنّ يدا من طاعة» . قال ابن جابر: فقلت (يعني لرزيق) ، حين حدّثني بهذا الحديث: آلله يا أبا المقدام لحدّثك بهذا، أو سمعت هذا من مسلم بن قرظة يقول: سمعت عوفا يقول: سمعت رسول الله ﷺ ؟ قال: فجثا على ركبتيه «٢» واستقبل القبلة فقال: إي. والله الّذي لا إله إلّا هو لسمعته من مسلم بن قرظة يقول: سمعت عوف بن مالك يقول: سمعت رسول الله ﷺ * «٣» . ١٣-* (عن الزّبير بن العوّام- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «دبّ إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء. هي الحالقة. لا أقول: تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين، والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، أفلا أنبّئكم بما يثبت ذاكم لكم؟ أفشوا السّلام بينكم» ) * «٤» . ١٤-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: قال لي النّبيّ ﷺ «فيك مثل من عيسى، أبغضته اليهود حتّى بهتوا «٥» أمّه، وأحبّته النّصارى حتّى أنزلوه بالمنزلة الّتي ليس به» ثمّ قال: «يهلك فيّ رجلان، محبّ مفرط يقرّظني «٦» بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني «٧» على أن يبهتني» ) * «٨» . ١٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيصيب أمّتي داء الأمم، فقالوا: يا رسول الله وما داء الأمم؟ قال:

стр. 4797

«الأشر «١» والبطر والتّكاثر والتّناجش في الدّنيا والتّباغض والتّحاسد حتّى يكون البغي» ) * «٢» . ١٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني» ) * «٣» . ١٧-* (عن زرّ، قال: قال عليّ: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة إنّه لعهد النّبيّ الأمّيّ ﷺ إليّ: أن لا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق) * «٤» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ «والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تسلموا، ولا تسلموا حتّى تحابّوا، وأفشوا السّلام تحابّوا، وإيّاكم والبغضة، فإنّها هي الحالقة، لا أقول لكم تحلق الشّعر، ولكن تحلق الدّين» ) * «٥» . ١٩-* (عن عمرو بن أبي قرّة قال: كان حذيفة بالمداين، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله ﷺ لأناس من أصحابه في الغضب فينطلق ناس ممّن سمع ذلك من حذيفة فيأتون سلمان فيذكرون له قول حذيفة فيقول سلمان: حذيفة أعلم بما يقول. فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له: قد ذكرنا قولك لسلمان فما صدّقك ولا كذّبك فأتى حذيفة سلمان- وهو في مبقلة- فقال: يا سلمان ما يمنعك أن تصدّقني بما سمعت من رسول الله ﷺ فقال سلمان: إنّ رسول الله ﷺ ، كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرّضا لناس من أصحابه. أما تنتهي حتّى تورّث رجالا حبّ رجال، ورجالا بغض رجال، وحتّى توقع اختلافا وفرقة؟ ولقد علمت أنّ رسول الله ﷺ ، خطب فقال: «أيّما رجل من أمّتي سببته سبّة، أو لعنته لعنة في غضبي فإنّما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنّما بعثني رحمة للعالمين، فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة، والله لتنتهينّ أو لأكتبنّ إلى عمر) * «٦» . الأحاديث الواردة في ذمّ (البغض) معنى ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رجلا قال: يا رسول الله إنّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني. وأحسن إليهم ويسيئون إليّ. وأحلم عنهم ويجهلون عليّ «٧» . فقال: «لئن كنت كما قلت، فكأنّما تسفّهم

стр. 4798

الملّ «١» ، ولا يزال معك من الله ظهير «٢» عليهم ما دمت على ذلك» ) * «٣» . ٢١-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا حلال «٤» . وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم «٥» . وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم «٦» عن دينهم. وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم «٧» ، عربهم وعجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب «٨» . وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك «٩» ، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء «١٠» . تقرؤه نائما ويقظان. وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: ربّ إذا يثلغوا رأسي ١» فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك «١٢» . وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له «١٣» الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون «١٤» أهلا ولا مالا، والخائن الّذي لا يخفى له طمع «١٥» وإن دقّ

стр. 4799

إلّا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» . وذكر البخل أو الكذب «١» «والشّنظير «٢» الفحّاش» ولم يذكر أبو غسّان في حديثه: «وأنفق فسننفق عليك» ) * «٣» . ٢٢-* (عن زيد بن أرقم قال: «كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبيّ يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتّى ينفضّوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فذكرت ذلك لعمّي- أو لعمر- فذكره للنّبيّ ﷺ ، فدعاني فحدّثته، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبيّ وأصحابه فحلفوا ما قالوا، فكذّبني رسول الله ﷺ وصدّقه، فأصابني همّ لم يصبني مثله قطّ، فجلست في البيت، فقال لي عمّي: ما أردت إلى أن كذّبك رسول الله ﷺ ومقتك، فأنزل الله تعالى إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ فبعث إليّ النّبيّ ﷺ فقرأ فقال: «إنّ الله قد صدّقك يا زيد» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (البغض) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا «٥» ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» ) * «٦» . ٢-* (عن أيّوب قال: «كذب على الحسن ضربان من النّاس: قوم القدر رأيهم وهم يريدون أن ينفقوا بذلك رأيهم «٧» . وقوم له في قلوبهم شنآن وبغض يقولون: أليس من قوله كذا؟ أليس من قوله كذا؟» ) * «٨» . ٣-* (قال ابن كثير- ﵀ في تفسير قوله تعالى: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ (آل عمران/ ١١٨) «أي قد لاح على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم من العداوة مع ما هم مشتملون عليه في صدورهم من البغضاء للإسلام وأهله ما لا يخفى مثله على لبيب عاقل» ) * «٩» . ٤-* (عن كثير بن مرّة قال: «لا تحدّث

стр. 4800

الباطل للحكماء فيمقتوك، ولا تحدّث الحكمة للسّفهاء فيكذّبوك، ولا تمنع العلم أهله فتأثم، ولا تضعه في غير أهله فتجهل. إنّ عليك في علمك حقّا، كما أنّ عليك في مالك حقّا» ) * «١» . ٥-* (جاء في المثل: «كثرة العتاب توجب البغضاء» ) * «٢» . ٦-* (وجاء أيضا: «إذا أبغضك جارك حوّل باب دارك» ) * «٣» . ٧-* (قال الشّاعر: بني عمّنا إنّ العداوة شأنها ... ضغائن تبقى في نفوس الأقارب» ) * «٤» . من مساوئ (البغض) (١) البغض المذموم هو كراهية النّاس والحقد عليهم بغير ذنب جنوه. (٢) ولهذا كان من تلبّس بهذا الوصف مبغوضا عند الله وعند النّاس. (٣) البغض يعمي القلب ويطفىء نور العبادة. (٤) إنّ من سكن قلبه البغض والعداء للنّاس لا يستطيع أن يعيش بين النّاس بل ينطوي على نفسه ويعيش في عزلة. (٥) وعلى هذا فهو غريب في كلّ مجتمع. (٦) سبب في تمزيق المجتمع وتفريق كلمة المسلمين. (٧) دليل خبث النّفس ولؤمها.

стр. 4801

البغي البغي لغة: البغي مصدر قولهم: بغى يبغي، وهو مأخوذ من مادّة (ب غ ي) الّتي تدلّ- فيما يقول ابن فارس- على معنيين: الأوّل، طلب الشّيء، يقال: بغيت الشّيء: إذا طلبته، والبغية: الحاجة (الّتي يطلبها الإنسان) ، والثّاني: جنس من الفساد، ومنه قولهم: بغى الجرح إذا ترامى إلى فساد، ثمّ يشتقّ من هذا ما بعده، فالبغيّ الفاجرة، يقال: بغت تبغى بغاء فهي بغيّ، ومنه أن يبغي الإنسان على آخر فيظلمه، والبغي: الظّلم، قال الشّاعر: ولكنّ الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم وأرجع الرّاغب معاني المادّة إلى معنى واحد ردّ إليه جميع مشتقّاتها فقال: البغي: طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، حدث التّجاوز أو لم يحدث، يقال: بغيت الشّيء: إذا طلبته أكثر ممّا يجب، والابتغاء مثله، وبغت السّماء: تجاوزت في المطر الحدّ المحتاج إليه، وبغى الإنسان: تكبّر، لتجاوزه منزلته إلى ما ليس له، وبغت المرأة فهي بغيّ لتجاوزها ما ليس لها أن تتجاوزه، وبغى الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٨/ ١١/ ١٤ الجرح إذا تجاوز الحدّ في فساده. وقيل: البغي: التّعدّي، يقال: بغى الرّجل على الرّجل: استطال وعدل عن الحقّ، قال تعالى: فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ (الحجرات/ ٩) ، البغي هنا هو الاستطالة والظّلم وإباء الصّلح «١» ، والفرقة الباغية هي الّتي خالفت الإمام بتأويل باطل بطلانا بحسب الظّنّ لا القطع «٢» . وقيل: هي الظّالمة الخارجة عن طاعة الإمام العادل. ويقال: بغى الوالي: ظلم، وكلّ مجاوزة للحدّ وإفراط على المقدار الّذي هو حدّ الشّيء فهو بغي، وقول الله تعالى: يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (يونس/ ٣٣) ، معناه: يعملون في الأرض بالفساد والمعاصي، وقيل يطلبون الاستعلاء بالفساد، وبغير الحقّ أي بالتّكذيب «٣» ، وتباغوا: بغى بعضهم على بعض، والبغي في قول الله تعالى: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ (الأعراف/ ٣٣) ، البغي هنا هو الاستطالة على النّاس، وقيل: الكبر، وقيل: الظّلم والفساد، وقال

стр. 4802

ثعلب: البغي أن يقع الرّجل في الرّجل فيتكلّم فيه، ويبغي عليه بغير الحقّ، والباغي اسم فاعل من البغي، قال تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ (البقرة: ١٧٣) قيل في معناه، أي أنّه غير طالب ما ليس له طلبه، وقيل: اضطّرّ جائعا غير باغ أكلها تلذّذا، وقيل: غير باغ: أي غير طالب مجاوزة قدر حاجته، وقيل غير باغ على الإمام وغير متعدّ على أمّته، قال القرطبيّ: ويدخل في الباغي والعادي، قطّاع الطّرق والخارج على السّلطان والمسافر في قطع الرّحم، والغارة على المسلمين وما شاكله «١» ، ويقال: فلان يبغي على النّاس: إذا ظلمهم وطلب أذاهم، ومن البغي الّذي هو مجاوزة الحدّ ما جاء في حديث ابن عمر- ﵄ من قوله لرجل: أنا أبغضك، قال: لم؟ قال: لأنّك تبغي في أذانك. أراد التّطريب فيه والتّمديد، وقال بعضهم: بغى على أخيه بغيا: حسده، والبغي: قصد الفساد. البغي اصطلاحا: هو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزه أو لم يتجاوزه. فتارة يعتبر في القدر الّذي هو الكمّيّة، وتارة يعتبر في الوصف الّذي هو الكيفيّة «٢» . وقال المناويّ: البغيّ: هو طلب الاستعلاء بغير حقّ، ونسب هذا التّعريف إلى الحرّاليّ «٣» . وقال الكفويّ: البغي: طلب تجاوز قدر الاستحقاق، تجاوزه (الباغي) أو لم يتجاوزه، ويستعمل في المتكبّر لأنّه طالب منزلة ليس لها بأهل «٤» . وقال التّهانويّ: الباغي شرعا: هو الخارج عن طاعة الإمام الحقّ «٥» ، ومن ثمّ يكون البغي: هو الخروج عن طاعة الإمام الحقّ. أنواع البغي: والبغي على ضربين: أحدهما محمود، وهو تجاوز العدل إلى الإحسان والفرض إلى التّطوّع. والثّاني مذموم، وهو تجاوز الحقّ إلى الباطل أو تجاوزه إلى الشّبه؛ كما قال النّبيّ ﷺ «إنّ الحلال بيّن، وإنّ الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . ولأنّ البغي قد يكون محمودا ومذموما. قال تعالى: إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ (الشورى/ ٤٢) فخصّ العقوبة بمن بغيه بغير الحقّ «٦» . حكم البغي وأثره في الفرد والمجتمع: البغي بمعنى الخروج على الإمام- ولو جائرا- بلا تأويل أو مع تأويل يقطع ببطلانه هو إحدى الكبائر كما قال ابن حجر «٧» ، أمّا البغي بمعناه العامّ: أي تجاوز قدر الاستحقاق أو طلب الاستعلاء بغير حقّ، فهو أيضا من الكبائر الباطنة الّتي يجب على المكلّف معرفتها

стр. 4803

ليعالج زوالها؛ لأنّ من كان في قلبه مرض منها لم يلق الله والعياذ بالله- بقلب سليم، وهذه يذمّ عليها أعظم ممّا يذمّ على الزّنا والسّرقة وغيرها من كبائر البدن، وذلك لعظيم مفسدتها وسوء أثرها ودوامه، وإذا دامت هذه الكبائر صارت حالا وهيئة راسخة في القلب بخلاف آثار معاصي الجوارح الّتي تزول بالتّوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفّرة «١» ، أمّا البغي بمعنى الخروج على الإمام فهو أيضا من الكبائر- خلافا لبعضهم- لما يترتّب على ذلك من المفاسد الّتي لا يحصى ضررها ولا ينطفىء شررها مع عدم عذر الخارجين «٢» . من معاني كلمة «البغي» في القرآن الكريم: ورد في القرآن لفظ البغي على خمسة أوجه: الأوّل: بمعنى الظّلم: قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ (الأعراف/ ٣٣) ، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ (النحل/ ٩٠) . الثّاني: بمعنى المعصية، والزّلّة. فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ (يونس/ ٢٣) أي يعصون، يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (يونس/ ٢٣) . الثّالث: بمعنى الحسد: بَغْياً بَيْنَهُمْ (الشورى/ ١٤) أي حسدا. الرّابع: بمعنى الزّنى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ (النور/ ٣٣) . الخامس: بمعنى الطّلب: وَيَبْغُونَها عِوَجاً (الأعراف/ ٤٥) أي يطلبون لها اعوجاجا «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الظلم- الإجرام- الأذى- الإساءة- الإرهاب- العدوان- العتو- الطغيان- الفجور- الحرب والمحاربة- الفتنة- الكبر والعجب- القسوة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاستقامة- التوسط- الطاعة- الإنصاف- العدل والمساواة- السلم- الإحسان- القسط- الصلح] .

стр. 4804

الآيات الواردة في «البغي» البغي في سياق رد رسالة محمد ﷺ من أهل الكتاب أو عنهم: ١- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠) «١» ٢- كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) » ٣- إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) «٣» ٤- شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) «٤» ٥- وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦)

стр. 4805

وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) «١» البغي في سياق تجاوز شرع الله: ٦- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) «٢» ٧-لْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥) وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (١٤٦) «٣» ٨- يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٣) «٤» ٩- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥) وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) «٥»

стр. 4806

١ البغي في سياق النهي عنه أو الانتصاف من الباغي: ١٠- إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) «١» ١١- ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) «٢» ١٢- إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) «٣» ١٣- وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ (٢٤) «٤» ١٤- فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢) «٥» ١٥- وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) «٦»

стр. 4807

البغي في سياق رفض دين الله: ١٦- هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) «١» ١٧- وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) «٢» البغي في سياق سعة الرزق: ١٨- وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) «٣»

стр. 4808

الأحاديث الواردة في ذمّ (البغي) ١-* (عن عمرو بن عبسة- ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بعكاظ فقلت: من تبعك على هذا الأمر؟ فقال: «حرّ وعبد» ومعه أبو بكر وبلال- رضي الله تعالى عنهما-. فقال لي: «ارجع حتّى يمكّن الله- لرسوله» فأتيته بعد فقلت: يا رسول الله: جعلني الله فداءك، شيئا أتعلّمه وأجهله لا يضرّك. وينفعني الله به «١» . هل من ساعة أفضل من ساعة وهل من ساعة يتّقى فيها؟ فقال: «لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك: إنّ الله- يتدلّى في جوف اللّيل فيغفر إلّا ما كان من الشّرك والبغي، فالصّلاة مشهودة محضورة. فصلّ حتّى تطلع الشّمس فإذا طلعت فأقصر عن الصّلاة، فإنّها تطلع بين قرني شيطان وهي صلاة الكفّار حتّى ترتفع. فإذا استقلّت الشّمس فصلّ؛ فإنّ الصّلاة محضورة مشهودة حتّى يعتدل النّهار، فإذا اعتدل النّهار فأقصر عن الصّلاة فإنّها ساعة تسجر فيها جهنّم حتّى يفيء الفيء فإذا فاء الفيء فصلّ؛ فإنّ الصّلاة محضورة مشهودة حتّى تدلّى الشّمس للغروب فإذا تدلّت فأقصر عن الصّلاة حتّى تغيب الشّمس؛ فإنّها تغيب على قرني شيطان وهي صلاة الكفّار» ) * «٢» . ٢-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا، حلال. وإنّي خلقت عبادي حنفاء كلّهم، وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم «٣» عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلّا بقايا من أهل الكتاب وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائما ويقظان، وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا فقلت: ربّ إذا يثلغوا رأسي «٤» فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك «٥» ، وأنفق فسننفق عليك. وابعث جيشا نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق، ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له «٦» ، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا. والخائن الّذي لا يخفى له طمع، وإن دقّ إلّا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» . وذكر

стр. 4809

البخل أو الكذب «والشّنظير الفحّاش «١» وإنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتّى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» ) * «٢» . ٣-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: أخبرني من هو خير منّي «٣» أنّ رسول الله ﷺ قال لعمّار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: «بؤس ابن سميّة «٤» . تقتلك فئة باغية» ) * «٥» . ٤-* (عن البراء بن عازب- ﵄ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التّراب- وقد وارى التّراب بياض بطنه- وهو يقول-: لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزلن سكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا) * «٦» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: ربّ أعنّي ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسّر هداي إليّ، وانصرني على من بغى عليّ. اللهمّ اجعلني لك شاكرا، لك ذاكرا، لك راهبا، لك مطواعا، إليك مخبتا «٧» أو منيبا، ربّ تقبّل توبتي، واغسل حوبتي «٨» . وأجب دعوتي، وثبّت حجّتي، واهد قلبي، وسدّد لساني، واسلل سخيمة قلبي «٩» » ) *١» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «سيصيب أمّتي داء الأمم» فقالوا: يا رسول الله وماداء الأمم؟ قال: الأشر، والبطر، والتّكاثر، والتّناجش في الدّنيا، والتّباغض. والتّحاسد، حتّى يكون البغي» ) * «١١» . ٧-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّه قال: قيل يا رسول الله ﷺ : أيّ النّاس أفضل؟ قال: «كلّ مخموم القلب، صدوق اللّسان» . قالوا: صدوق اللّسان نعرفه، فما مخموم

стр. 4810

القلب؟ قال: «هو التّقيّ النّقيّ، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غلّ ولا حسد» ) * «١» . ٨-* (عن أبي بكرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من ذنب أجدر أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدّنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرّحم» ) * «٢» . ٩-* (عن جابر بن عتيك- ﵁ قال: إنّ نبيّ الله ﷺ كان يقول: «من الغيرة ما يحبّ الله، ومنها ما يبغض الله. فأمّا الّتي يحبّها الله: فالغيرة في الرّيبة، وأمّا الغيرة الّتي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة، وإنّ من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحبّ الله. فأمّا الخيلاء الّتي يحبّ الله فاختيال الرّجل نفسه عند القتال، واختياله عند الصّدقة، وأمّا الّتي يبغض الله فاختياله في البغي» ) * «٣» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس شيء أطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة الرّحم، وليس شيء أعجل عقابا من البغي وقطيعة الرّحم، واليمين الفاجرة تدع الدّيار بلاقع «٤» » ) * «٥» . الأحاديث الواردة في ذمّ (البغي) معنى ١١-* (عن سعيد بن زيد- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أربى الرّبا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقّ» ) * «٦» .

стр. 4811

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (البغي) ١-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «لو بغى جبل على جبل لجعل الله- الباغي منهما دكّا» ) * «١» . ٢-* (وقال أيضا- ﵁: «تكلّم ملك من الملوك كلمة بغي وهو جالس على سريره فمسخه الله- فما يدرى أيّ شيء مسخ؟ أذباب أم غيره؟ إلّا أنّه ذهب فلم ير» ) * «٢» . ٣-* (قالت عائشة- ﵂: «لقد عرفت أهل بيت من قريش، أهل بيت لا يوصمون في نسبهم، ما زال بهم عرامهم «٣» وبغيهم على قومهم حتّى ألحق بهم ما ليس فيهم، ورغب عنهم، واستهجنوا، وأهل بيت كانوا يوصمون في أنسابهم فما زال بهم حلمهم على قومهم وحرصهم على مسارهم حتّى صحبوا ورغب إليهم وكانوا أصحّاء» ) * «٤» . ٤-* (عن سلمة بن سلامة بن وقش. وكان من أصحاب بدر قال: «كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث النّبيّ ﷺ بيسير فوقف على مجلس عبد الأشهل- قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنّا عليّ بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي- فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنّة والنّار فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أنّ بعثا كائن بعد الموت. فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائنا أنّ النّاس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنّة ونار يجزون فيها بأعمالهم، قال: نعم. والّذي يحلف به لو أنّ له بحظّه من تلك النّار أعظم تنّور في الدّنيا يحمونه ثمّ يدخلونه إيّاه فيطبق به عليه وأن ينجو من تلك النّار غدا. قالوا له: ويحك، وما آية ذلك؟ قال: نبيّ يبعث من نحو هذه البلاد- وأشار بيده نحو مكّة واليمن- قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنّا فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة: فو الله ما ذهب اللّيل والنّهار حتّى بعث الله تعالى رسوله ﷺ وهو حيّ بين أظهرنا فآمنّا به. وكفر به بغيا وحسدا! فقلنا: ويلك يا فلان، ألست بالّذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، وليس به» ) * «٥» . ٥-* (قال سعيد بن جبير- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً (القصص/ ٨٣) : «أي بغيا» ) * «٦» . ٦-* (قال محمّد بن كعب القرظيّ- رحمه الله تعالى-: «ثلاث خصال من كنّ فيه كنّ عليه:

стр. 4812

البغي، والنّكث، والمكر. وقرأ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (يونس/ ٢٣) ، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (فاطر/ ٤٣) ، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ (الفتح/ ١٠) » ) * «١» . ٧-* (قال أبو عبيد معمر بن المثنّى- رحمه الله تعالى-: «كان أوّل بغي كان في قريش بمكّة أنّ بني قيس. من بني سهم- تباغوا فيما بينهم، فبعث الله فأرة على ذبالة فيها نار فجرّتها إلى خيام لهم فاحترقوا. ثمّ كان ظلم وبغي بني السّبّاق بن عبد الدّار ابن قصيّ. فبعث الله عليهم الفناء فقالت سبيعة بنت لاحب بن دبنبة لابن لها يقال له خالد وكان به رهق فحذّرته ما لقي المقاييس وبنو السّبّاق: أبنيّ لا تظلم بمكّة ... لا الصّغير ولا الكبير واحفظ محارمها ولا ... يغررك بالله الغرور أبنيّ من يظلم بمكّة ... يلق أطراف الشّرور والله آمن وحشها ... والطّير يعقل في ثبير ولقد أتاهم تبّع ... وكسا بنيّتها الحبير والفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها بالصّخور فاسمع إذا جرّبت واف ... هم كيف عاقبة الأمور «٢» . ٨-* (قال عبد الله بن معاوية الهاشميّ: «إنّ عبد المطّلب جمع بنيه عند وفاته وهم يومئذ عشرة وأمرهم ونهاهم وقال: إيّاكم والبغي، فو الله ما خلق الله شيئا أعجل عقوبة من البغي ولا رأيت أحدا بقي على البغي إلّا إخوتكم من بني عبد شمس» ) * «٣» . ٩-* (قال الفرزدق: «إنّ قيس بن عاصم كان له ثلاثة وثلاثون ابنا، وكان ينهاهم عن البغي، ويقول: إنّه والله ما بغى قوم قطّ إلّا ذلّوا. ثمّ قال: فإن كان الرّجل من بنيه يظلمه بعض قومه فينهى إخوانه أن ينصروه مخافة البغي» ) * «٤» . ١٠-* (قال عبد الله بن أشهب التّميميّ: عن أبيه «كانوا يقفون في الجاهليّة بالموقف، فيسمعون صوتا من الجبل: البغي يصرع أهله ويحلّهم ... دار المذلّة والمعاطس رغّم فيطوفون بالجبل فلا يرون شيئا ويسمعون الصّوت بذلك» ) * «٥» . ١١-* (قال شرقيّ بن قطاميّ- ﵀ وصّى رجل من العرب بنيه فقال: «اهجروا البغي فإنّه منبوذ، ولا يدخلنّكم العجب؛ فإنّه ممقتة والتمسوا المحامد من مكانها، واتّقوا القدر؛ فإنّ فيه النّقمة» ) * «٦» . ١٢-* (قال محمّد بن أبي رجاء مولى بني هاشم القرشيّ، ابن الأعرابيّ- رحمه الله تعالى-: «قال دهقان لأسد بن عبد الله وهو على خراسان: يا أسد! إنّ البغي يصرع أهله، والبغي مصرعه وخيم فلا تغترّ

стр. 4813

بإبطاء الغياث من ناصر متى شاء أن يغيث أغاث. وقد أملى لقوم كي يزدادوا إثما. وجميع أهل السّعادة إمّا تارك سالم من الذّنب، وإمّا تارك الإصرار. ومن رغب عن التّمادي فقد نال إحدى الغنيمتين، ومن خرج من السّعادة فلا غاية إلّا الشّقاوة» ) * «١» . ١٣-* (قال صيفيّ بن رباح التّميميّ لبنيه: «يا بنيّ: اعلموا أنّ أسرع الجرم عقوبة: البغي، وشرّ النّصرة التّعدّي، وألأم الأخلاق الضّيق، وأسوأ الأدب كثرة العتاب» ) * «٢» . ١٤-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى- «سبحان الله! في النّفس كبر إبليس، وحسد قابيل وعتوّ عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقبح هامان، وهوى بلعام، وحيل أصحاب السّبت، وتمرّد الوليد، وجهل أبي جهل، وفيها من أخلاق البهائم: حرص الغراب، وشره الكلب، ورعونة الطّاووس، ودناءة الجعل، وعقوق الضّبّ، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحيّة، وعبث القرد، وجمع النّملة، ومكر الثّعلب، وخفّة الفراش، ونوم الضّبع، غير أنّ الرّياضة والمجاهدة تذهب ذلك» ) * «٣» . من مضار (البغي) انظر: مضار صفة ((الظلم))

стр. 4814

البلادة (عدم الفقه) البلادة لغة: البلادة: ضدّ الذّكاء. وقد بلد بالضّمّ فهو بليد. وقد أرجع ابن فارس مادّة «بلد» إلى أصل واحد يتقارب فروعه فقال: الباء واللام والدّال أصل واحد يتقارب فروعه عند النّظر في قياسه، والأصل: الصّدر، يقال: وضعت النّاقة بلدتها بالأرض، إذا بركت، ويقال: تبلّد الرّجل إذا وضع يده على صدره عند تحيّره في الأمر ... وردّه الرّاغب إلى البلد، وهو المكان، فقال: «ولمّا كان اللّازم لموطنه كثيرا ما يتحيّر إذا حصل في غير موطنه، قيل للمتحيّر: بلد في أمره، وأبلد، وتبلّد ولكثرة وجود البلادة فيمن كان جلف البدن، قيل: رجل أبلد، عبارة عن العظيم الخلق. وقال ابن منظور: بلد بلادة فهو بليد، والتّبلّد نقيض التّجلّد والبلدة والبلدة والبلادة: ضدّ النّفاذ والذّكاء والمضاء في الأمور. ورجل بليد إذا لم يكن ذكيّا، وقد بلد، بالضّمّ، فهو بليد. وتبلّد: تكلّف البلادة، وقول أبي زبيد: من حميم ينسي الحياء جليد ال ... قوم، حتّى تراه كالمبلود الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٤/ ٣/ ٢٣ قال: المبلود الّذي ذهب حياؤه أو عقله، وهو البليد، يقال للرّجل يصاب في حميمه فيجزع لموته وتنسيه مصيبته الحياء حتّى تراه كالذّاهب العقل. والمبلود: المتحيّر لا فعل له. وقيل هو المعتوه. وكلّه من البلادة. والتّبلّد: ضدّ التّجلّد، وهو استكانة وخضوع. والتّبلّد: السّقوط إلى الأرض من ضعف. وبلّد الرّجل تبليدا، إذا لم يتّجه لشيء، وبلّد الإنسان، إذا بخل ولم يجد «١» . البلادة اصطلاحا: هي ضعف الفكر في الأشياء العمليّة الّتي تتعلّق بحسن التّدبير وجودة المعاش ومخالطة النّاس والمعاملة معهم. وقيل هي فتور الطّبع من الابتهاج إلى المحاسن العقليّة «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الغفلة- الإهمال- الكسل- صغر الهمة- التخاذل- الوهن- التهاون- الضعف- التفريط والإفراط- اتباع الهوى- الحمق. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الفقه- العلم- علو الهمة- النشاط- الفطنة- اليقظة- الحذر] .

стр. 4815

الآيات الواردة في «البلادة» معنى أهل البلادة أهل جهنم: ١- وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) «١» البليد هو من لا يعرف الحق: ٢- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨) ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩) «٢» ٣- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) «٣» ٤- وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)

стр. 4816

وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) «١» ٥- قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨) وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) «٢» ٦- وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) «٣» ٧- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) «٤» ٨- إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١)

стр. 4817

اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) » البلادة تضعف العزيمة: ٩- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (٦٥) «٢» ١٠- فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) «٣»

стр. 4818

١١- سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) «١» ١٢- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) «٢» البلادة بمعنى عدم الفهم: ١٣- ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧) قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) «٣» ١٤- وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) «٤»

стр. 4819

الأحاديث الواردة في ذمّ البلادة (عدم الفقة) معنى ١-* (عن عديّ بن حاتم- ﵁ قال: قلت يا رسول الله: ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟، أهما الخيطان؟ قال: «إنّك لعريض القفا «١» إن أبصرت الخيطين» . ثمّ قال: «لا. بل هو سواد اللّيل وبياض النّهار» ) * «٢» . ٢-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: كان رجل يخدع في البيع، فقال له النّبيّ ﷺ : «إذا بايعت فقل لا خلابة «٣» ، فكان يقوله» ) * «٤» . ٣-* (عن جرير- ﵁ قال: كنّا عند رسول الله ﷺ في صدر النّهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النّمار «٥» أو العباء «٦» ، متقلّدي السّيوف، عامّتهم من مضر، بل كلّهم من مضر، فتمعّر «٧» وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثمّ خرج، فأمر بلالا فأذّن وأقام. فصلّى ثمّ خطب فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ (النساء/ ١) إلى آخر الآية: إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً، والآية الّتي في الحشر: اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ (الحشر/ ١٨) . تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع برّه، من صاع تمره (حتّى قال) ولو بشقّ تمرة» . قال: فجاء رجل من الأنصار بصرّة كادت كفّه تعجز عنها. بل قد عجزت قال: ثمّ تتابع النّاس حتّى رأيت كومين «٨» من طعام وثياب. حتّى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلّل «٩» كأنّه مذهبة «١٠» ، فقال رسول الله ﷺ : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.

стр. 4820

ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده. من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» ) * «١» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ البلادة (عدم الفقه) ١-* (أثر عن الإمام عليّ- ﵁ أنّه قال: «تغاب «٢» عن كلّ مالا يصحّ لك» ) * «٣» . ٢-* (عن أنس بن سيرين. قال: «سألت ابن عمر، قلت: أرأيت الرّكعتين قبل صلاة الغداة أأطيل فيهما القراءة؟ قال: كان رسول الله ﷺ يصلّي من اللّيل مثنى مثنى، ويوتر بركعة. قال: قلت: إنّي لست عن هذا أسألك. قال: إنّك لضخم «٤» ، ألا تدعني استقرىء لك الحديث «٥» ؟ كان رسول الله ﷺ يصلّي من اللّيل مثنى مثنى. ويوتر بركعة. ويصلّي ركعتين قبل الغداة، كأنّ الأذان «٦» بأذنيه» ) * «٧» . ٣-* (عن طاهر الزّهريّ؛ قال: «كان رجل يجلس إلى أبي يوسف فيطيل الصّمت، فقال له أبو يوسف: ألا تتكلّم؟ قال: بلى، متى يفطر الصّائم؟ قال: إذا غابت الشّمس، قال: فإن لم تغب إلى نصف اللّيل؟ فضحك أبو يوسف وقال: أصبت في صمتك، وأخطأت أنا في استدعائي لنطقك، ثمّ قال: عجبت لإزراء العييّ بنفسه ... وسمت الّذي قد كان بالصّمت أعلما وفي الصّمت ستر للعييّ وإنّما ... صحيفة لبّ المرء أن يتكلّما) * «٨» . ٤-* (عن الشّعبيّ؛ قال: «إنّما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خصلتان: العقل والنّسك، فإن كان ناسكا ولم يكن عاقلا قال: هذا أمر لا يناله إلّا العقلاء فلم يطلبه، وإن كان عاقلا ولم يكن ناسكا قال: هذا أمر لا يناله إلّا النّسّاك فلم يطلبه فقال الشّعبيّ: ولقد رهبت أن يكون يطلبه اليوم من ليست فيه واحدة منهما، لا عقل ولا نسك» ) * «٩» . ٥-* (قال الخليل بن أحمد: «النّاس أربعة:

стр. 4821

رجل يدري ويدري أنّه يدري فذاك عالم فخذوا عنه، ورجل يدري وهو لا يدري أنّه يدري فذاك ناس فذكّروه، ورجل لا يدري وهو يدري أنّه لا يدري فذاك طالب فعلّموه، ورجل لا يدري ولا يدري أنّه لا يدري فذاك أحمق فارفضوه» ) * «١» . ٦- قال الأصمعيّ: «إذا أردت أن تعرف عقل الرّجل في مجلس واحد فحدّثه بحديث لا أصل له. فإن رأيته أصغى إليه وقبله فاعلم أنّه أحمق، وإن أنكره فهو عاقل» ) * «٢» . ٧-* (من أخبار هبنّقة المغفّل: «أنّه جعل في عنقه قلادة من ودع وعظام وخزف وقال: أخشى أن أضلّ نفسي ففعلت ذلك لأعرفها به، فحوّلت القلادة ذات ليلة من عنقه إلى عنق أخيه فلمّا أصبح قال: يا أخي أنت أنا، فمن أنا؟. وأضلّ بعيرا فجعل ينادي: من وجده فهو له، فقيل له: فلم تنشده؟ قال: فأين حلاوة الوجدان؟» ) * «٣» . ٨-* (يروى عن أزهر الحمّار أنّه كان جالسا بين يدي الأمير عمرو بن اللّيث يوما وقدم على الأمير رسول من عند السّلطان، فأحضر مائدته، فقيل لأزهر جمّلنا بسكوتك اليوم، فسكت طويلا، ثمّ لم يصبر فقال: بنيت في القرية برجا ارتفاعه ألف خطوة، فأومأ إليه الحاجب أن اسكت، فقال له الرّسول: «في عرض كم؟» قال: في عرض خطوة، فقال له الرّسول: «ما كان ارتفاعه ألف خطوة لا يكفي عرضه خطوة؟» قال: أردت أن أزيد فيه فمنعني هذا الواقف) * «٤» . ٩-* (ومن أخبار أبي محمّد جامع الصّيد لانيّ: أنّه مضى إلى السّوق ليشتري لابنه نعلا فقيل له: كم سنّه؟ فقال: «ما أدري ولكنّه ولد أوّل ما جاء العنب الدّارانيّ، ومحمّد ابني- أستودعه الله- أكبر منه بشهرين ونصف سنة» ) * «٥» . ١٠-* (ومنهم أيضا أبو عبد الله بن الجصّاص: «قيل إنّه نظر يوما في المرآة فقال لإنسان عنده: ترى لحيتي طالت؟ فقال له المرآة في يدك. فقال: صدقت، ولكن الشّاهد يرى ما لا يراه الغائب» ) * «٦» . ١١-* (وذكر محمّد بن أحمد التّرمذيّ فقال: كنت عند الزّجّاج أعزّيه بأمّه وعنده الخلق من الرّؤساء والكتّاب، إذ أقبل ابن الجصّاص فدخل ضاحكا وهو يقول: الحمد لله قد سرّني والله يا أبا إسحاق. فدهش الزّجّاج ومن حضر وقيل له: يا هذا كيف سرّك ما غمّه وغمّنا؟ فقال ويحك. بلغني أنّه هو الّذي مات. فلمّا صحّ عندي أنّها هي الّتي ماتت سرّني ذلك، فضحك النّاس جميعا» ) *» . ١٢-* (كان لمحمّد بن بشير الشّاعر ابن

стр. 4822

جسيم، فأرسله في حاجته فأبطأ عليه ثمّ عاد ولم يقضها، فنظر إليه ثمّ قال: عقله عقل طائر ... وهو في خلقة الجمل فأجابه: مشبّه بك يا أبي ... ليس عنك منتقل) * «١» . ١٣-* (أنشد بعض الحكماء: وعلاج الأبدان أيسر خطبا ... حين تعتلّ من علاج العقول) * «٢» . ١٤-* (من أخبار البلداء: «قال رجل لولده وهو في المكتب: في أيّ سورة أنت؟ قال: لا أقسم بهذا البلد، ووالدي بلا ولد. فقال الأب: لعمري من كنت أنت ولده فهو بلا ولد» ) * «٣» . ١٥-* (من النّوكى عجل بن لجيم. قال أبو عبيدة: أرسل ابن لعجل بن لجيم فرسا في حلبة فجاء سابقا، فقال لأبيه: كيف ترى أن أسمّيه يا أبت؟ قال: افقأ إحدى عينيه وسمّه الأعور: قال الشّاعر: رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وأيّ عباد الله أعجل من عجل أليس أبوهم عار عين جواده ... فأضحت به الأمثال تضرب في الجهل) * «٤» . ١٦-* (ومن نوكى الأشراف: عبيد الله بن مروان، عمّ الوليد بن عبد الملك. بعث إلى الوليد قطيفة حمراء، وكتب إليه: إنّي قد بعثت إليك قطيفة حمراء حمراء، فكتب إليه قد وصلت القطيفة، وأنت والله يا عمّ أحمق أحمق) * «٥» . ١٧-* (ومنهم معاوية بن مروان، وقف على باب طحّان، فرأى حمارا يدور بالرّحى في عنقه جلجل، فقال للطّحّان: لم جعلت الجلجل في عنق الحمار؟ قال: ربّما أدركتني سآمة أو نعاس فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمت أنّه واقف فصحت به، فانبعث. قال: أفرأيت إن وقف وحرّك رأسه بالجلجل، وقال هكذا وهكذا- وحرّك رأسه-؟ فقال له: ومن لي بحمار يكون عقله مثل عقل الأمير؟. وهو القائل، وضاع له باز: أغلقوا أبواب المدينة حتّى لا يخرج البازي، وأقبل إليه قوم من جيرانه فقالوا: مات جارك أبو فلان فمر له بكفن فقال: ما عندنا اليوم شيء، ولكن عودوا إلينا إذا نبش، وأقبل إليه رجل أحمق منه فقال له: تعيرنا أصلحك الله ثوبا نكفّن فيه ميّتا؟ قال: أخشى أنّه ينجّسه فلا تلبسه إيّاه حتّى يغسّل ويطهّر) * «٦» . ١٨-* (خطب وكيع بن أبي سود وهو والي خراسان فقال في خطبته: إنّ الله خلق السّماوات والأرض في ستّة أشهر، فقالوا له: بل في ستّة أيّام، فقال: والله لقد قلتها وأنا أستقلّها) * «٧» . ١٩-* (دخل قوم دار كردم السّدوسيّ فقالوا

стр. 4823

له: أين القبلة في دارك هذه؟ فقال: إنّما سكنّاها منذ ستّة أشهر) * «١» . ٢٠-* (قال الأصمعيّ: كان بين رجلين من النّوكى عبد فقام أحدهما يضربه فقال له شريكه ما تصنع؟ قال: أنا أضرب نصيبي منه. قال: وأنا أضرب حصّتي فيه وقام فضربه، فكان من رأي العبد أن سلح عليهما «٢» وقال: اقتسما هذه على قدر الحصص) * «٣» . ٢١-* (ومرّ بعضهم بامرأة قاعدة على قبر وهي تبكي، فقال لها: ما هذا الميّت منك؟ قالت: زوجي. قال: وما كان عمله؟ قالت: كان يحفر القبور، قال: أبعده الله! أما علم أنّه من حفر حفرة وقع فيها؟) * «٤» . ٢٢-* (طلب رجل من النّوكى من ثمامة بن أشرس أن يسلفه مالا ويؤخّره به، فقال هاتان حاجتان وأنا أقضي لك إحداهما. قال: رضيت. قال: أنا أؤخّرك ما شئت ولا أسلّفك) * ٥. ٢٣-* (أقبل رجل إلى محمّد بن سيرين فقال: ما تقول في رؤيا رأيتها؟ قال: وما رأيت؟ قال: كنت أرى أنّ لي غنما، فكنت أعطى بها ثمانية دراهم فأبيت من البيع ففتحت عينيّ فلم أر شيئا. فقال له ابن سيرين: لعلّ القوم اطّلعوا على عيب في الغنم فكرهوها. قال: يمكن الّذي ذكرت) * «٦» . من مضار (البلادة (عدم الفقه) (١) أنّها صفة ذميمة إذا استقرّت بالإنسان ورّثته الخمول في نفسه حتّى يرى نفسه غير مرغوب فيه بين أفراد المجتمع. (٢) بعض البلداء والأغبياء يتّخذهم النّاس أضحوكة ومحلّ استهزاء وسخرية. (٣) البلادة النّاشئة عن استرخاء وكسل تجعل البليد محتقرا في مجتمعه. (٤) تضيّع على صاحبها كثيرا من الفرص والمناسبات الّتي يمكن أن تسعده في دنياه وآخرته. (٥) قد يتمثّل البعض بالتّغابي لمأرب في نفسه يريد قضاءه ولكن إذا اكتشفه مخالطوه احتقروه.

стр. 4824

البهتان البهتان لغة: البهتان: هو الاسم من البهت، وهو مأخوذ من مادّة (ب هـ ت) الّتي يدور معناها حول الدّهش والحيرة، وتتّصل فروعها بهذا الأصل وتتقارب، يقول ابن فارس: «الباء والهاء والتّاء أصل واحد، وهو كالدّهش والحيرة، يقال: بهت الرّجل، يبهت بهتا، والبهتة الحيرة، فأمّا البهتان فالكذب، يقول العرب: يا للبهتة، أي ياللكذب» ، قال- تعالى- هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (النور/ ١٦) أي كذب يبهت سامعه لفظاعته. يقول الجوهريّ: وبهت الرّجل- بالكسر- إذا دهش وتحيّر، وبهت- بالضّمّ- مثله، وأفصح منهما بهت، كما قال: جلّ ثناؤه فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ (البقرة/ ٢٥٨) لأنّه يقال: رجل مبهوت، ولا يقال: باهت، ولا بهيت. والبهيتة: الباطل الّذي يتحيّر من بطلانه. والبهتان: من بهت الرّجل يبهته بهتا، وبهتا، وبهتانا، فهو بهّات: أي قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوت. وبهته بهتا: أخذه بغتة، وفي التّنزيل العزيز: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ (الأنبياء/ ٤٠) . والبهتان: افتراء. وفي التّنزيل العزيز: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ (الممتحنة/ ١٢) . الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٨/ ٥ وباهته: استقبله بأمر يقذفه به، وهو منه بريء لا يعلمه فيبهت منه، والاسم البهتان. وبهتّ الرّجل أبهته بهتا إذا قابلته بالكذب، وقوله : أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (النساء/ ٢٠) أي مباهتين آثمين. قال أبو إسحاق: البهتان: الباطل الّذي يتحيّر من بطلانه، وهو من البهت وهو التّحيّر، والألف والنّون زائدتان، وبهتانا موضع المصدر، وهو حال، والمعنى: أتأخذونه مباهتين وآثمين؟. وبهت فلان فلانا إذا كذب عليه، وبهت وبهت إذا تحيّر، وقوله : وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ (الممتحنة/ ١٢) أي لا يأتين بولد عن معارضة من غير أزواجهنّ، فينسبنه للزّوج، فإنّ ذلك بهتان وفرية، يقال: كانت المرأة تلتقطه فتتبنّاه. والبهوت: المباهت، والجمع بهت وبهوت. والبهت والبهيتة: الكذب، وفي حديث الغيبة: «وإن لم يكن فيه ما تقول، فقد بهتّه» أي كذبت وافتريت عليه، وفي حديث ابن سلام في ذكر اليهود: إنّهم قوم بهت، قال ابن الأثير: هو جمع بهوت، من بناء المبالغة في البهت، مثل صبور وصبر، ثمّ يسكّن تخفيفا «١» .

стр. 4825

واصطلاحا: البهتان: هو الكذب والافتراء الباطل الّذي يتحيّر منه. وقال المناويّ: البهتان: كذب يبهت سامعه ويدهشه ويحيّره لفظاعته، وسمّي بذلك لأنّه يبهت أي يسكت لتخيّل صحّته، ثمّ ينكشف عند التّأمّل. وقال الكفويّ: البهتان: هو الكذب الّذي يبهت سامعه أي يدهش له ويتحيّر. وهو أفحش من الكذب، وإذا كان بحضرة المقول فيه كان افتراء. وقيل: كلّ ما يبهت له الإنسان من ذنب وغيره «١» . الفرق بين البهتان والاغتياب والافتراء والإفك: تتقارب معاني هذه الألفاظ، بيد أنّها عند التّدقيق ممّا تختلف دلالته وتتفاوت، فالاغتياب هو أن يتكلّم شخص خلف إنسان مستور، بكلام هو فيه، وإن لم يكن ذلك الكلام فيه فهو بهتان، والكذب الفاحش الّذي يدهش له سامعه هو بهتان إن لم يكن بحضرة المقول فيه، فإن كان بحضرته كان افتراء، سواء أكان ذلك عن قصد أو عن غير قصد، فإذا كان ذلك عن قصد كان إفكا «٢» . حكم البهتان: عدّ ابن حجر البهتان من كبائر الذّنوب، وذكر أنّه أشدّ من الغيبة، إذ هو كذب فيشقّ على كلّ أحد، بخلاف الغيبة الّتي لا يشقّ على بعض العقلاء لأنّها فيه، وقد جاء في الحديث الّذي خرّجه أحمد: «خمس ليست لهنّ كفّارة: الشّرك بالله، وقتل النّفس بغير حقّ، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزّحف، ويمين صابرة (أي كاذبة) يقتطع بها مالا بغير حقّ» . ولما رواه الطّبرانيّ: «من ذكر امرأ بشيء ليعيبه به حبسه الله في نار جهنّم حتّى يأتي بنفاذ ما قال فيه» . ووجه من عدّ البهت من الكبائر مع عدّه الكذب كبيرة أخرى أنّ هذا كذب خاصّ فيه هذا الوعيد الشّديد، فلهذا أفرد بالذّكر «٣» . معاني البهتان في القرآن الكريم: من معاني البهتان الّتي وردت في القرآن الكريم ما يلي: الأوّل: الكذب. ومنه قوله تعالى في النّور: سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ «٤» . والثّاني: الزّنا. ومنه قوله تعالى في الممتحنة: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ «٥» . والثّالث: الحرام. ومنه قوله تعالى في سورة النّساء: أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً «٦» «٧» . [للاستزادة: انظر صفات: الافتراء- الإفك- شهادة الزور- الغيبة- القذف- الكذب- السفاهة- الاستهزاء- الأذى- النميمة- الإساءة- المن بالعطية- التحقير- السخرية. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الصدق- إقامة الشهادة- الصمت وحفظ اللسان- الكلم الطيب- تكريم الإنسان- الأدب- الاستقامة] .

стр. 4826

الآيات الواردة في «البهتان» ١- وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً (٢١) «١» ٢- وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) «٢» ٣- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (١٥٦) «٣» ٤- وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) «٤» ٥- إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (٥٨) «٥» ٦- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) «٦»

стр. 4827

الأحاديث الواردة في ذمّ (البهتان) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟. قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته. وإن لم يكن فيه، فقد بهتّه «١» » ) «٢» . ٢-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ وكان شهد بدرا، وهو أحد النّقباء ليلة العقبة- أنّ رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثمّ ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» فبايعناه على ذلك) * «٣» . ٣-* (عن أنس- ﵁ قال: بلغ عبد الله بن سلام مقدم النّبيّ ﷺ المدينة، فأتاه فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ، قال: ما أوّل أشراط السّاعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟، ومن أيّ شيء ينزع الولد إلى أبيه، ومن أيّ شيء ينزع إلى أخواله؟. فقال رسول الله ﷺ : «خبّرني بهنّ آنفا جبريل» . قال: فقال عبد الله: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقال رسول الله ﷺ : أمّا أوّل أشراط السّاعة فنار تحشر النّاس من المشرق إلى المغرب. وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة فزيادة كبد حوت. وأمّا الشّبه في الولد فإنّ الرّجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشّبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشّبه لها» . قال: أشهد أنّك رسول الله. ثمّ قال: يا رسول الله، إنّ اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك. فجاءت اليهود، ودخل عبد الله البيت، فقال رسول الله ﷺ : «أيّ رجل فيكم عبد الله بن سلام؟» قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا. فقال رسول الله ﷺ : أفرأيتم إن أسلم عبد الله؟» قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله. فقالوا: شرّنا وابن شرّنا، ووقعوا فيه) * «٤» . ٤-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: «إنّ فيك من عيسى مثلا، أبغضته يهود حتّى بهتوا أمّه، وأحبّته النّصارى حتّى أنزلوه بالمنزل الّذي ليس به» ألا وإنّه

стр. 4828

يهلك فيّ اثنان، محبّ يقرّظني بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني، ألا إنّي لست بنبيّ، ولا يوحى إليّ، ولكنّي أعمل بكتاب الله وسنّة نبيّه ﷺ ما استطعت، فما أمرتكم من طاعة الله فحقّ عليكم طاعتي فيما أحببتم وكرهتم) * «١» . ٥-* (عن سعيد بن زيد، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ من أربى الرّبا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقّ» » ) * «٣» . ٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم. فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الّذين يأكلون لحوم النّاس، ويقعون في أعراضهم» ) * «٤» . ٧-* (عن معاذ بن أنس الجهنيّ، عن النّبيّ ﷺ قال- من حمى مؤمنا من منافق- أراه قال- بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنّم، ومن رمى مسلما بشيء يريد شينه «٥» به حبسه الله على جسر جهنّم حتّى يخرج ممّا قال» ) * «٦» . ٨-* (عن عائشة- ﵂ أنّ رسول الله ﷺ خطب النّاس فحمد الله وأثنى عليه وقال: «ما تشيرون عليّ في قوم يسبّون أهلي ما علمت عليهم من سوء قطّ» ، وعن عروة قال: لمّا أخبرت عائشة بالأمر قالت: يا رسول الله أتأذن لي أن أنطلق إلى أهلي؟ فأذن لها وأرسل معها الغلام، وقال رجل من الأنصار: سبحانك ما يكون لنا أن نتكلّم بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم) * «٧» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (البهتان) ١-* (عن أسلم مولى عمر: أنّ عمر دخل يوما على أبي بكر الصّدّيق وهو يجبذ لسانه، فقال عمر: مه؟ غفر الله لك. فقال له أبو بكر: إنّ هذا أوردني الموارد) * «٨» . ٢-* (قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا

стр. 4829

أي ينسبون إليهم ما هم براء منه لم يعملوه ولم يفعلوه فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (الأحزاب/ ٥٨) ، وهذا هو البهت الكبير أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه على سبيل العيب والتّنقّص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثمّ الرّافضة الّذين ينتقصون الصّاحبة ويعيبونهم بما قد برّأهم الله منه ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم فإنّ الله- قد أخبر أنّه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبّونهم وينتقصونهم ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا، فهم في الحقيقة منكّسوا القلوب، يذمّون الممدوحين، ويمدحون المذمومين) * «١» . ٣-* (وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (النور/ ١٦) أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله، أي ما ينبغي لنا أن نتفوّه بهذا الكلام) * «٢» . ٤-* (قال ابن كثير في قوله تعالى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً (النساء/ ١٥٦) . عن ابن عبّاس: يعني أنّهم رموها بالزّنا ورموها وابنها بالعظائم ... فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة) * «٣» . ٥-* (يقال: رأس المآثم الكذب، وعموم الكذب البهتان) * «٤» . من مضار (البهتان) (١) تستجلب سخط الله والملائكة المقرّبين. (٢) صاحب البهتان مبغوض من النّاس، ومحتقر عند عباد الله. (٣) البهتان يفسد المجتمع ويشيع الفواحش. (٤) يعيش صاحب البهتان مضطرب النّفس لا يهنأ بعيش ولا يعرف للسّعادة سبيلا. (٥) صفة من صفات المنافقين وهم في الدّرك الأسفل من النّار. (٦) يقلب صاحبها الحقّ باطلا، والباطل حقّا ويبرّيء المتّهم ويتّهم البريء.

стр. 4830

[حرف التاء] التبذير التبذير لغة: مصدر قولهم: بذّر يبذّر تبذيرا، وهو مأخوذ من مادّة (ب ذ ر) الّتي تدلّ- فيما يقول ابن فارس على معنى واحد هو نثر الشّيء وتفريقه، يقال: بذرت البذر أبذره بذرا إذا زرعته وبذّرت المال أبذّره تبذيرا، إذا فرّقته إسرافا، ويقال رجل تبذارة للّذي يبذر ماله ويفسده، ورجل بذور: يذيع الأسرار، وجمعه بذر، وهم القوم لا يكتمون حديثا، ولا يحفظون ألسنتهم، ومن ذلك قول عليّ- ﵁: ليسوا بالمساييح ولا المذاييع البذر، قال ابن فارس: فالمذاييع هم الّذين يذيعون، والبذر هم الّذين ذكرناهم «١» . وقال ابن دريد: بذّر الرّجل ماله تبذيرا إذا فرّقه، وبذّر الله الخلق: فرّقهم في الأرض «٢» . وقيل بذّر المال: خرّبه وفرّقه إسرافا «٣» . وقال ابن منظور: يقال: تفرّق القوم شذر بذر، وشذر بذر، أي في كلّ وجه، وتفرّقت إبله كذلك، وبذّر ماله أفسده وأنفقه في السّرف، وكلّ ما فرّقته وأفسدته، فقد بذّرته، يقال: فيه بذارّة وبذارة (بتشديد الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٢/ ١٩ الرّاء وتخفيفها) أي تبذير، ورجل تبذارة أي يبذّر ماله ويفسده، وقيل أن ينفق المال في المعاصي، وقيل هو أن يبسط يده في إنفاقه حتّى لا يبقى منه ما يقتاته، وفي حديث عمر- ﵁ ولوليّه أن يأكل منه غير مباذر، المباذر والمبذّر هو المسرف في النّفقة، يقال من ذلك باذر مباذرة، وبذّر تبذيرا، وقول المتنخّل يصف سحابا: مستبذرا يرغب قدّامه. فسّر بأنّه يفرّق الماء، والبذير من النّاس: الّذي لا يستطيع أن يمسك سرّه، ورجل بذير وبذور، يذيع الأسرار ولا يكتم سرّا «٤» ، وفي حديث فاطمة- ﵂ عند وفاة النّبيّ ﷺ قالت عائشة- ﵂: إنّي إذن لبذرة: البذر هو الّذي يفشي السّرّ ويظهر ما يسمعه «٥» . وبذرت الكلام بين النّاس (أي فرّقته) كما تبذر الحبوب والمعنى: أفشيته ويقال: تبذّر الماء، إذا تغيّر واصفرّ، قال ابن مقبل: تنفي الدّلاء بآجن متبذّر. المتبذّر: المتغيّر الأصفر، وقولهم: كثير بثير

стр. 4831

وبذير، بذير قيل إتباع، وقيل لغة «١» . أمّا التّبذير في قول الله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (الاسراء/ ٢٦) . فقد ذكر الطّبريّ أنّ أصل التّبذير هو الإنفاق في السّرف ومنه قول الشّاعر: أناس أجارونا فكان جوارهم ... أعاصير من فسق العراق المبذّر «٢» . وقال القرطبيّ: المعنى: لا تسرف في الإنفاق في غير حقّ «٣» ، ومن ثمّ يكون التّبذير المقصود في الآية الكريمة: هو النّفقة في غير وجوه البرّ الّتي يتقرّب بها إلى الله تعالى، وقال ابن كثير: لمّا أمر المولى سبحانه بالإنفاق في صدر الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ.. نهى عن الإسراف في الإنفاق بأن يكون وسطا، كما قال سبحانه في الآية الأخرى.. وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا (الفرقان/ ٦٧) «٤» . التبذير اصطلاحا: قال المناويّ: التّبذير: تفريق المال على وجه الإسراف «٥» ، وأصله إلقاء البذر وطرحه فاستعير لكلّ مضيّع لماله «٦» ، فتبذير البذر تفريق في الظّاهر لمن لا يعرف مآل ما يلقيه «٧» . ونقل القرطبيّ عن الإمام الشّافعّيّ- ﵀ قوله: التبذير: إنفاق المال في غير حقّه، ولا تبذير في عمل الخير «٨» . وروي عن الإمام مالك- ﵁ قوله: التّبذير: هو أخذ المال من حقّه ووضعه في غير حقّه. الفرق بين التبذير والإسراف: قال الكفويّ: الإسراف: هو صرف فيما لا ينبغي زائدا على ما ينبغي، أمّا التّبذير فإنّه صرف الشّيء فيما لا ينبغي وأيضا فإنّ الإسراف تجاوز في الكمّيّة إذ هو جهل بمقادير الحقوق، والتّبذير تجاوز في موضع الحقّ، إذ هو جهل بمواقعها (أي الحقوق) ، يرشد إلى هذا قول الله سبحانه في تعليل (النّهي عن) الإسراف إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأنعام/ ١٤١) ، وقوله في تعليل النّهي عن التّبذير: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (الإسراء/ ٢٧) . فإنّ تعليل الثّاني فوق

стр. 4832

الأوّل «١» . لقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الإسراف والتبذير قد يردان بمعنى واحد، ومن ثمّ فقد يرد أحدهما ويراد به الآخر، من ذلك ما ذكره الماورديّ من أنّ التّبذير هو الإسراف المتلف للمال «٢» ، وروى أشهب عن مالك أنّ التّبذير هو الإسراف «٣» . وذكر القرطبيّ في تفسير قوله تعالى وَلا تُبَذِّرْ قال: (معناه) لا تسرف في الإنفاق في غير حقّ «٤» ، وقال ابن كثير في نفس الآية الكريمة: لمّا أمر الله بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه «٥» . والخلاصة أنّ بين الأمرين عموما وخصوصا إذ قد يجتمعان فيكون لهما المعنى نفسه أحيانا وقد ينفرد الأعمّ وهو الإسراف. حكم التبذير: نقل عن الإمام مالك- ﵀ أنّ التّبذير حرام لقوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ (الإسراء/ ٢٧) «٦» . وقال القرطبيّ: من أنفق درهما في حرام فهو مبذّر، ويحجر عليه في نفقته الدّرهم في الحرام، ولا يحجر عليه إن بذله في الشّهوات إلّا إذا خيف عليه النّفاد «٧» . وأبو حنيفة- ﵀ لا يرى الحجر للتّبذير، وإن كان (حراما) منهيّا عنه، وذكر الماورديّ أنّ التّبذير هو الإسراف المتلف للمال، وأنّ المبذّر يحجر عليه للآية الكريمة (السّابقة) ، ومن واجب الإمام منعه منه (أي التّبذير) بالحجر والحيلولة بينه وبين ماله إلّا بمقدار نفقة مثله «٨» . الفرق بين الجود والتبذير: يتجلّى الفرق بين الأمرين في أن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه، وأنّ المبذّر (أو المسرف) كثيرا ما لا يصادف عطاؤه موضعه، فالجواد من يتوخّى بماله أداء الحقوق الواجبة عليه حسب مقتضى المروءة من قرى الضّيف، ومكافأة المهدي، وما يقي به عرضه على وجه الكمال، طيّبة بذلك نفسه راضية مؤمّلة للخلف في الدّنيا والآخرة، والمبذّر ينفق بحكم هواه وشهوته من غير مراعاة مصلحة ولا تقدير، ولا يريد أداء الحقوق» . [للاستزادة: انظر صفات: الإسراف- السفاهة شرب الخمر- الميسر- اللهو واللعب- التفريط والإفراط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التوسط- الجود- الكرم- محاسبة النفس- السخاء- مجاهدة النفس] .

стр. 4833

الآيات الواردة في «التبذير» ١- وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) «١» الآيات الواردة في «التبذير» معنى ٢- وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) «٢» ٣- وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) «٣» ٤- يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) «٤» ٥- وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) «٥» ٦- وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) «٦»

стр. 4834

الأحاديث الواردة في ذمّ (التبذير) ١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: أتى رجل من بني تميم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إنّي ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة، فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق؟ فقال رسول الله ﷺ «تخرج الزّكاة من مالك فإنّها طهرة تطهّرك، وتصل أقرباءك وتعرف حقّ المسكين والجار والسّائل» فقال: يا رسول الله؛ أقلل لي. فقال: «آت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السّبيل ولا تبذّر تبذيرا» . فقال: يا رسول الله؛ إذا أدّيت الزّكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : «نعم، إذا أدّيتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها وإثمها على من بدّلها» ) * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّه قال: إنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّي فقير ليس لي شيء، ولي يتيم، قال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذّر ولا متأثّل «٢» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التبذير) ١-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدّقت (به) ، فهو لك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظّ الشّيطان) * «٤» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: في قوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ قال: هم الّذين ينفقون المال في غير حقّه) * «٥» . ٣-* (عن عطاء عن ابن عبّاس قال: لا تنفق في الباطل فإنّ المبذّر هو المنفق في غير حقّ) * «٦» . ٤-* (عن أبي العبيدين قال: سألت عبد الله (ابن مسعود) عن المبذّرين، قال: الّذين ينفقون في غير حقّ) * «٧» . ٥-* (وقال عبد الله بن مسعود- ﵁: «المرّان: الإمساك في الحياة والتّبذير عند الموت) * «٨» . ٦-* (وعنه- ﵁ قال: كنّا أصحاب محمّد نتحدّث أنّ التّبذير: النّفقة في غير حقّ) * «٩» .

стр. 4835

٧-* (قال قتادة- رحمه الله تعالى-: التّبذير: النّفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحقّ وفي الفساد) * «١» . ٨-* (وقال مجاهد- رحمه الله تعالى-: لو أنفق إنسان ماله كلّه في الحقّ لم يكن مبذّرا، ولو أنفق مدّا في غير حقّ كان مبذّرا) * «٢» . ٩-* (عن السّدّيّ- رحمه الله تعالى- قال: في قوله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً أي لا تعط مالك كلّه) * «٣» . ١٠-* (عن وهب بن منبّه- رحمه الله تعالى- قال: من السّرف أن يلبس الإنسان ويأكل ويشرب ممّا ليس عنده، وما جاوز الكفاف فهو التّبذير) * «٤» . ١١-* (عن شعبة- رحمه الله تعالى- قال: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دار تبنى بجصّ وآجر، فقال هذا التّبذير) * «٥» . ١٢-* (قال ابن زيد- رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ.. الآية.. قال: قوله وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً أي لا تعط في معاصي الله، وأمّا قوله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ فإنّه يعني أنّ المفرّقين أموالهم في معاصي الله المنفقيها في غير طاعته أولياء الشّياطين، وكذلك تقول العرب لكلّ ملازم سنّة قوم وتابع أثرهم هو أخوهم) * «٦» . ١٣-* (وقال الطّبريّ في تفسير قوله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً المعنى: أي لا تفرّق يا محمّد ما أعطاك الله من مال في معصيته تفريقا) *. ١٤-* (قال القرطبيّ: من أنفق ماله في الشّهوات زائدا على قدر الحاجات وعرّضه بذلك للنّفاد فهو مبذّر، ومن أنفق ربح ماله في شهواته وحفظ الرّقبة (أي الأصل) فليس بمبذّر) * «٧» . ١٥-* (وقال- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ المعنى أنّهم في حكمهم، إذ المبذّر ساع في إفساد كالشّياطين، أو أنّهم يفعلون ما تسوّل لهم أنفسهم (كما تسوّل الشّياطين فعل الشّرّ) ، أو أنّهم يقرنون بهم غدا في النّار) * «٨» . ١٦-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: قال الله تعالى منفّرا عن التّبذير والسّرف: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أشباههم في ذلك أي في التّبذير والسّفه وترك طاعته وارتكاب معصيته، ولذلك قال وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي جحودا لأنّه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته) * «٩» . ١٧-* (قال أبو حيّان- رحمه الله تعالى-: في قوله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً نهى الله تعالى عن
следующие страницы →