← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.

стр. 4831

وبذير، بذير قيل إتباع، وقيل لغة «١» . أمّا التّبذير في قول الله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (الاسراء/ ٢٦) . فقد ذكر الطّبريّ أنّ أصل التّبذير هو الإنفاق في السّرف ومنه قول الشّاعر: أناس أجارونا فكان جوارهم ... أعاصير من فسق العراق المبذّر «٢» . وقال القرطبيّ: المعنى: لا تسرف في الإنفاق في غير حقّ «٣» ، ومن ثمّ يكون التّبذير المقصود في الآية الكريمة: هو النّفقة في غير وجوه البرّ الّتي يتقرّب بها إلى الله تعالى، وقال ابن كثير: لمّا أمر المولى سبحانه بالإنفاق في صدر الآية: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ.. نهى عن الإسراف في الإنفاق بأن يكون وسطا، كما قال سبحانه في الآية الأخرى.. وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا (الفرقان/ ٦٧) «٤» . التبذير اصطلاحا: قال المناويّ: التّبذير: تفريق المال على وجه الإسراف «٥» ، وأصله إلقاء البذر وطرحه فاستعير لكلّ مضيّع لماله «٦» ، فتبذير البذر تفريق في الظّاهر لمن لا يعرف مآل ما يلقيه «٧» . ونقل القرطبيّ عن الإمام الشّافعّيّ- ﵀ قوله: التبذير: إنفاق المال في غير حقّه، ولا تبذير في عمل الخير «٨» . وروي عن الإمام مالك- ﵁ قوله: التّبذير: هو أخذ المال من حقّه ووضعه في غير حقّه. الفرق بين التبذير والإسراف: قال الكفويّ: الإسراف: هو صرف فيما لا ينبغي زائدا على ما ينبغي، أمّا التّبذير فإنّه صرف الشّيء فيما لا ينبغي وأيضا فإنّ الإسراف تجاوز في الكمّيّة إذ هو جهل بمقادير الحقوق، والتّبذير تجاوز في موضع الحقّ، إذ هو جهل بمواقعها (أي الحقوق) ، يرشد إلى هذا قول الله سبحانه في تعليل (النّهي عن) الإسراف إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (الأنعام/ ١٤١) ، وقوله في تعليل النّهي عن التّبذير: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (الإسراء/ ٢٧) . فإنّ تعليل الثّاني فوق

стр. 4832

الأوّل «١» . لقد ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ الإسراف والتبذير قد يردان بمعنى واحد، ومن ثمّ فقد يرد أحدهما ويراد به الآخر، من ذلك ما ذكره الماورديّ من أنّ التّبذير هو الإسراف المتلف للمال «٢» ، وروى أشهب عن مالك أنّ التّبذير هو الإسراف «٣» . وذكر القرطبيّ في تفسير قوله تعالى وَلا تُبَذِّرْ قال: (معناه) لا تسرف في الإنفاق في غير حقّ «٤» ، وقال ابن كثير في نفس الآية الكريمة: لمّا أمر الله بالإنفاق نهى عن الإسراف فيه «٥» . والخلاصة أنّ بين الأمرين عموما وخصوصا إذ قد يجتمعان فيكون لهما المعنى نفسه أحيانا وقد ينفرد الأعمّ وهو الإسراف. حكم التبذير: نقل عن الإمام مالك- ﵀ أنّ التّبذير حرام لقوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ (الإسراء/ ٢٧) «٦» . وقال القرطبيّ: من أنفق درهما في حرام فهو مبذّر، ويحجر عليه في نفقته الدّرهم في الحرام، ولا يحجر عليه إن بذله في الشّهوات إلّا إذا خيف عليه النّفاد «٧» . وأبو حنيفة- ﵀ لا يرى الحجر للتّبذير، وإن كان (حراما) منهيّا عنه، وذكر الماورديّ أنّ التّبذير هو الإسراف المتلف للمال، وأنّ المبذّر يحجر عليه للآية الكريمة (السّابقة) ، ومن واجب الإمام منعه منه (أي التّبذير) بالحجر والحيلولة بينه وبين ماله إلّا بمقدار نفقة مثله «٨» . الفرق بين الجود والتبذير: يتجلّى الفرق بين الأمرين في أن الجواد حكيم يضع العطاء مواضعه، وأنّ المبذّر (أو المسرف) كثيرا ما لا يصادف عطاؤه موضعه، فالجواد من يتوخّى بماله أداء الحقوق الواجبة عليه حسب مقتضى المروءة من قرى الضّيف، ومكافأة المهدي، وما يقي به عرضه على وجه الكمال، طيّبة بذلك نفسه راضية مؤمّلة للخلف في الدّنيا والآخرة، والمبذّر ينفق بحكم هواه وشهوته من غير مراعاة مصلحة ولا تقدير، ولا يريد أداء الحقوق» . [للاستزادة: انظر صفات: الإسراف- السفاهة شرب الخمر- الميسر- اللهو واللعب- التفريط والإفراط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التوسط- الجود- الكرم- محاسبة النفس- السخاء- مجاهدة النفس] .

стр. 4833

الآيات الواردة في «التبذير» ١- وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) «١» الآيات الواردة في «التبذير» معنى ٢- وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) «٢» ٣- وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) «٣» ٤- يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) «٤» ٥- وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) «٥» ٦- وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) «٦»

стр. 4834

الأحاديث الواردة في ذمّ (التبذير) ١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: أتى رجل من بني تميم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إنّي ذو مال كثير وذو أهل ومال وحاضرة، فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق؟ فقال رسول الله ﷺ «تخرج الزّكاة من مالك فإنّها طهرة تطهّرك، وتصل أقرباءك وتعرف حقّ المسكين والجار والسّائل» فقال: يا رسول الله؛ أقلل لي. فقال: «آت ذا القربى حقّه والمسكين وابن السّبيل ولا تبذّر تبذيرا» . فقال: يا رسول الله؛ إذا أدّيت الزّكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ : «نعم، إذا أدّيتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها وإثمها على من بدّلها» ) * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّه قال: إنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّي فقير ليس لي شيء، ولي يتيم، قال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذّر ولا متأثّل «٢» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التبذير) ١-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدّقت (به) ، فهو لك، وما أنفقت رياء وسمعة فذلك حظّ الشّيطان) * «٤» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: في قوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ قال: هم الّذين ينفقون المال في غير حقّه) * «٥» . ٣-* (عن عطاء عن ابن عبّاس قال: لا تنفق في الباطل فإنّ المبذّر هو المنفق في غير حقّ) * «٦» . ٤-* (عن أبي العبيدين قال: سألت عبد الله (ابن مسعود) عن المبذّرين، قال: الّذين ينفقون في غير حقّ) * «٧» . ٥-* (وقال عبد الله بن مسعود- ﵁: «المرّان: الإمساك في الحياة والتّبذير عند الموت) * «٨» . ٦-* (وعنه- ﵁ قال: كنّا أصحاب محمّد نتحدّث أنّ التّبذير: النّفقة في غير حقّ) * «٩» .

стр. 4835

٧-* (قال قتادة- رحمه الله تعالى-: التّبذير: النّفقة في معصية الله تعالى وفي غير الحقّ وفي الفساد) * «١» . ٨-* (وقال مجاهد- رحمه الله تعالى-: لو أنفق إنسان ماله كلّه في الحقّ لم يكن مبذّرا، ولو أنفق مدّا في غير حقّ كان مبذّرا) * «٢» . ٩-* (عن السّدّيّ- رحمه الله تعالى- قال: في قوله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً أي لا تعط مالك كلّه) * «٣» . ١٠-* (عن وهب بن منبّه- رحمه الله تعالى- قال: من السّرف أن يلبس الإنسان ويأكل ويشرب ممّا ليس عنده، وما جاوز الكفاف فهو التّبذير) * «٤» . ١١-* (عن شعبة- رحمه الله تعالى- قال: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دار تبنى بجصّ وآجر، فقال هذا التّبذير) * «٥» . ١٢-* (قال ابن زيد- رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ.. الآية.. قال: قوله وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً أي لا تعط في معاصي الله، وأمّا قوله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ فإنّه يعني أنّ المفرّقين أموالهم في معاصي الله المنفقيها في غير طاعته أولياء الشّياطين، وكذلك تقول العرب لكلّ ملازم سنّة قوم وتابع أثرهم هو أخوهم) * «٦» . ١٣-* (وقال الطّبريّ في تفسير قوله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً المعنى: أي لا تفرّق يا محمّد ما أعطاك الله من مال في معصيته تفريقا) *. ١٤-* (قال القرطبيّ: من أنفق ماله في الشّهوات زائدا على قدر الحاجات وعرّضه بذلك للنّفاد فهو مبذّر، ومن أنفق ربح ماله في شهواته وحفظ الرّقبة (أي الأصل) فليس بمبذّر) * «٧» . ١٥-* (وقال- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ المعنى أنّهم في حكمهم، إذ المبذّر ساع في إفساد كالشّياطين، أو أنّهم يفعلون ما تسوّل لهم أنفسهم (كما تسوّل الشّياطين فعل الشّرّ) ، أو أنّهم يقرنون بهم غدا في النّار) * «٨» . ١٦-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: قال الله تعالى منفّرا عن التّبذير والسّرف: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أشباههم في ذلك أي في التّبذير والسّفه وترك طاعته وارتكاب معصيته، ولذلك قال وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي جحودا لأنّه أنكر نعمة الله عليه ولم يعمل بطاعته، بل أقبل على معصيته ومخالفته) * «٩» . ١٧-* (قال أبو حيّان- رحمه الله تعالى-: في قوله تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً نهى الله تعالى عن

стр. 4836

التّبذير، وكانت الجاهليّة تنحر إبلها وتتياسر عليها «١» ، وتبذّر أموالها في الفخر والسّمعة وتذكر ذلك في أشعارها فنهى الله تعالى عن النّفقة في غير وجوه البرّ، وما يقرّب منه تعالى) * «٢» . ١٨-* (وقال- رحمه الله تعالى- أيضا: وأخوّة المبذّرين للشّياطين في قوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ.. الآية) تعني كونهم قرناءهم في الدّنيا، وفي النّار في الآخرة، وتدلّ هذه الأخوّة على أنّ التّبذير هو في معصية الله تعالى (أو المعنى) أنّهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف في الدّنيا) * «٣» . ١٩-* (وقال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى: العاقل يدبّر بعقله معيشته في الدّنيا، فإن كان فقيرا اجتهد في كسب وصناعة تكفّه عن الذّلّ للخلق، وقلّل العلائق «٤» ، واستعمل القناعة، فعاش سليما من منن النّاس عزيزا بينهم وإن كان غنيّا فينبغي له أن يدبّر في نفقته خوف أن يفتقر فيحتاج إلى الذّلّ للخلق، ومن البليّة أن يبذّر في النّفقة ويباهي بها ليكمد الأعداء، كأنّه يتعرّض بذلك- إن أكثر- لإصابته بالعين، وينبغي التّوسّط في الأحوال، وكتمان ما يصلح كتمانه، ولقد وجد بعض الغسّالين مالا، فأكثر النّفقة، فعلم به، فأخذ منه المال، وعاد إلى الفقر، وإنّما التّدبير حفظ المال، والتّوسّط في الإنفاق، وكتمان ما لا يصلح إظهاره) * «٥» . من مضار (التبذير) (١) فيه طاعة للشّيطان ومعصية للرّحمن. (٢) يباعد من الجنّة ويقرّب من النّار. (٣) المبذّر أخ للشّيطان. (٤) في التّبذير رجوع إلى الجاهليّة وعاداتها القبيحة وفيه مفاخرة ممقوتة. (٥) في التّبذير إتلاف للمال، وتضييع له. (٦) التّبذير عند الموت لا يعدّ من الصّدقة المقبولة وهو مردود على صاحبه. (٧) التّبذير يؤدّي للفقر ويحتاج صاحبه- فيما بعد- إلى الذّلّ للخلق. (٨) المبذّر معرّض للعين، والحسد والحقد عليه. (٩) في التّبذير اتّباع للهوى وبعد عن الحقّ. (١٠) التّبذير يشعر الإنسان بالمرارة خاصة إذا اقترب الأجل.

стр. 4837

التبرج التبرج لغة: مصدر قولهم: تبرّجت المرأة تتبرّج، وهو مأخوذ من مادّة (ب ر ج) الّتي تدلّ على معنيين: الأوّل: البروز والظّهور، والثّاني: الوزر والملجأ فمن الأوّل: البرج وهو سعة العين في شدّة سواد وشدّة بياض بياضها، ومن ذلك أخذ التّبرّج، وهو إظهار محاسنها، ومن الأصل الثّاني: البرج وهو واحد بروج السّماء، وأصل البروج: الحصون والقصور، وذكر الرّاغب: أنّ التّبرّج مأخوذ من الثّوب المبرّج أي الّذي صوّر عليه البروج، يقال: ثوب مبرّج: صوّرت عليه بروج فاعتبر حسنه، فقيل تبرّجت المرأة أي تشبّهت به في إظهار المحاسن، وقيل: اشتقاق ذلك من البرج وهو القصر، ومن ثمّ يكون معنى تبرّجت ظهرت من برجها أي قصرها، وقال المبرّد: إنّ التّبرّج مأخوذ من السّعة، يقال في أسنانه برج إذا كانت متفرّقة. وقال ابن منظور: يقال تبرّجت المرأة: يعني أظهرت وجهها. وكذلك إذا أبدت محاسن جيدها ووجهها. الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢/ ١٣/ ١٥ والتّبرّج إظهار الزّينة للنّاس الأجانب وهو المذموم، فأمّا للزّوج فلا، وقيل: هو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرّجال. وفي الحديث: كان يكره عشر خلال، منها التّبرّج بالزّينة لغير محلّها. وقد مدح الله قوما من النّساء فقال سبحانه: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ (النور/ ٦٠) : يعني لا يتكسّرن في مشيهنّ ولا يتبخترن. وأمّا ما نهى الله عنه المؤمنات من التّشبّه بالكافرات في التّبرّج في قوله تعالى وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى (الأحزاب/ ٣٣) . هذا كان في زمن ولد فيه إبراهيم النّبيّ- ﵇ إذ كانت المرأة تلبس الدّرع من اللّؤلؤ غير مخيط الجانبين، وقيل: كانت تلبس الثّياب تبلغ المال لا تواري جسدها (ومعنى تبلغ المال أنّها ثياب غالية الثّمن) «١» . التبرج اصطلاحا: قال الطّبريّ: التّبرّج هو التّبختر، وقيل: هو إشهار الزّينة، وإبراز المرأة محاسنها للرّجال «٢» . وقال القرطبيّ: التّبرّج: التّكشّف والظّهور للعيون، وقيل التّبرّج في قوله تعالى: غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ

стр. 4838

بِزِينَةٍ (النور/ ٦٠) ، أنّهنّ كاسيات عاريات من لباس التّقوى، قال القرطبيّ: وهذا التّأويل أصحّ، وهو اللّائق بهنّ في هذه الأزمان وخاصّة الشّباب منهنّ، فإنّهنّ يتزيّنّ ويخرجن متبرّجات، فهنّ كاسيات بالثّياب عاريات من التّقوى حقيقة ظاهرا وباطنا، حيث تبدي زينتها، ولا تبالي بمن ينظر إليها، بل ذلك مقصودهنّ، وذلك مشاهد في الوجود منهنّ، ولو كان عندهنّ شيء من التّقوى لما فعلن ذلك، ولم يعلم ما هنالك» . وقال- رحمه الله تعالى-: في تفسير قوله- وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى (الأحزاب/ ٣٣) حقيقة التّبرّج: إظهار ما ستره أفضل «٢» . لبس النساء بين التبرج والاحتشام: قال ابن الحاجّ- رحمه الله تعالى- فيما يتعلّق بلبس النّساء: العالم أولى من يأخذ على أهله ويردّهنّ للاتّباع مهما استطاع في كلّ الأحوال فمن ذلك (منع) ما يلبسن من هذه الثّياب الضّيّقة القصيرة، وهما منهيّ عنهما، ووردت السّنّة بضدّهما، لأنّ الضّيّق من الثّياب يصف جسمها ويحدّده، هذا في الضّيّق، وأمّا القصير فإنّ الغالب منهنّ أن يجعلن القميص إلى الرّكبة، فإن انحنت أو جلست أو قامت انكشفت عورتها. ووردت السّنّة أنّ ثوب المرأة تجرّه خلفها، ويكون فيه وسع بحيث إنّه لا يصفها «٣» . وقال- رحمه الله تعالى- وعلى العالم أن ينهاهنّ عن لبس العمائم، ويمنعهنّ من توسيع الأكمام وتقصيرها. لأنّها تظهر ما لا بدّ من إخفائه «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: إطلاق البصر- الغي والإغواء- الفتنة- الزنا- الخنوثة- الدياثة- اتباع الهوى- المجاهرة بالمعصية- العصيان- الفجور- انتهاك الحرمات. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الحجاب- حسن السمت- غض البصر- الستر- العفة- حفظ الفرج- تعظيم الحرمات- الاستقامة- الغيرة- الشرف] .

стр. 4839

الآيات الواردة في «التبرج» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) «١» ٢- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (٣٣) وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً (٣٤) «٢»

стр. 4840

الأحاديث الواردة في ذمّ (التبرج) ١-* (عن فضالة بن عبيد- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة الدّنيا فتبرّجت بعده. فلا تسأل عنهم. وثلاثة لا تسأل عنهم، رجل نازع الله- رداءه، فإنّ رداءه الكبرياء وإزاره العزّة، ورجل شكّ في أمر الله، والقنوط من رحمة الله» ) * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّه قال: «جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي ولا تبرّجي تبرّج الجاهليّة الأولى» ) «٢» . ٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: كان رسول الله ﷺ يكره عشر خلال: تختّم الذّهب، وجرّ الإزار، والصفرة،- يعني الخلوق «٣» . وتغيير الشّيب- قال جرير: إنّما يعني بذلك نتفه- وعزل الماء عن محلّه، والرّقى إلّا بالمعوّذات، وفساد الصّبيّ غير محرّمه «٤» ، وعقد التّمائم، والتّبرّج بالزّينة لغير محلّها «٥» ، والضّرب بالكعاب «٦» » ) * «٧» .

стр. 4841

الأحاديث الواردة في ذمّ (التبرج) معنى ٤-* (عن أبي موسى- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا استعطرت المرأة فمرّت على القوم ليجدوا ريحها فهي كذا وكذا» . وقال قولا شديدا) * «١» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معناه العشاء الآخرة» ) * «٢» . ٦-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «سيكون في آخر أمّتي نساء كاسيات عاريات «٣» على رؤوسهنّ كأسنمة البخت «٤» ، العنوهنّ، فإنّهنّ ملعونات» ) * «٥» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النّار لم أرهما. قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها النّاس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة. لا يدخلن الجنّة ولا يجدن ريحها. وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» ) * «٦» . ٨-* (عن أسامة بن زيد- ﵄ أنّه قال: كساني رسول الله ﷺ قبطيّة «٧» كثيفة كانت ممّا أهداها دحية الكلبيّ فكسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله ﷺ : «مالك لم تلبس القبطيّة» . قلت: يا رسول الله، كسوتها امرأتي. فقال لي رسول الله ﷺ : «مرها فلتجعل تحتها غلالة. إنّي أخاف أن تصف حجم عظامها» ) * «٨» . ٩-* (عن عبد الله- ﵁ قال:

стр. 4842

لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنّامصات «١» والمتنمّصات، والمتفلّجات للحسن «٢» المغيّرات خلق الله. قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد. يقال لها: أمّ يعقوب وكانت تقرأ القرآن. فأتته فقالت: ما حديث بلغني عنك؛ أنّك لعنت الواشمات والمستوشمات والمتنمّصات والمتفلّجات للحسن المغيّرات خلق الله؟ فقال عبد الله: ومالي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ ؟ وهو في كتاب الله. فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه. قال الله- : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (الحشر/ ٧) . فقالت المرأة: فإنّي أرى شيئا من هذا على امرأتك الآن. قال: اذهبي فانظري. قال: فدخلت على امرأة عبد الله فلم تر شيئا. فجاءت إليه فقالت: ما رأيت شيئا. فقال: أمّا لو كان ذلك لم نجامعها «٣» ) * «٤» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه لقيته امرأة وجد منها ريح الطّيب ينفح ولذيلها إعصار، فقال: يا أمة الجبّار، جئت من المسجد؟ قالت: نعم، قال: وله تطيّبت؟ قالت: نعم. قال: إنّي سمعت حبّي أبا القاسم ﷺ يقول: «لا تقبل صلاة لامرأة تطيّبت لهذا المسجد حتّى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة» ) * «٥» . ١١-* (عن ثوبان- ﵁ أنّه قال: جاءت بنت هبيرة إلى رسول الله ﷺ وفي يدها فتخ فقال كذا في كتاب أبي (أي خواتيم ضخام) فجعل رسول الله ﷺ يضرب يدها فدخلت على فاطمة بنت رسول الله ﷺ تشكو إليها الّذي صنع بها رسول الله ﷺ ، فانتزعت فاطمة سلسلة في عنقها من ذهب، وقالت هذه أهداها إليّ أبو حسن فدخل رسول الله ﷺ والسّلسلة في يدها فقال: يا فاطمة أيغرّك أن يقول النّاس ابنة رسول الله في يدها سلسلة من نار؟ ثمّ خرج ولم يقعد، فأرسلت فاطمة بالسّلسلة إلى السّوق فباعتها واشترت بثمنها غلاما وقالت مرّة عبدا، وذكر كلمة معناها فأعتقته فحدّث بذلك فقال: «الحمد لله الّذي أنجى فاطمة من النّار» ) * «٦» . ١٢-* (عن عبد الرّحمن بن عوف أنّه سمع

стр. 4843

معاوية بن أبي سفيان عام حجّ وهو على المنبر، وتناول قصّة «١» من شعر كانت في يد حرسيّ «٢» . يقول: يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول «إنّما هلكت بنو إسرائيل حين اتّخذ هذه نساؤهم» ) * «٣» . ١٣-* (قال ابن عبد البرّ- رحمه الله تعالى- في شرح حديث ابن عمرو: «سيكون في آخر أمّتي نساء كاسيات عاريات على رؤوسهنّ كأسنمة البخت. العنوهنّ فإنّهنّ ملعونات» . قال: أراد النّبيّ ﷺ النّساء اللّواتي يلبسن من الثّياب الشّيء الخفيف الّذي يصف ولا يستر، فهنّ كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التبرج) ١-* (قال عبد الله بن أبي سلمة: إنّ عمر بن الخطّاب- ﵁ كسا النّاس القباطيّ «٥» ثمّ قال: «لا تدرّعنّها نساءكم. فقال رجل: يا أمير المؤمنين قد ألبستها امرأتي فأقبلت في البيت وأدبرت فلم أره يشفّ، فقال عمر: «إن لم يكن يشفّ فإنّه يصف» ) *» . ٢-* (عن أمّ الضّياء أنّها قالت لعائشة- ﵄: يا أمّ المؤمنين ما تقولين في الخضاب والصّباغ والقرطين والخلخال وخاتم الذّهب وثياب الرّقاق؟. فقالت لها- ﵂: «يا معشر النّساء قصّتكنّ كلّها واحدة أحلّ الله لكنّ الزّينة غير متبرّجات، أي لا يحلّ لكنّ أن يروا منكنّ محرّما» ) * «٧» . ٣-* (وقالت أمّ علقمة بنت أبي علقمة: دخلت حفصة بنت عبد الرّحمن بن أبي بكر على عائشة أمّ المؤمنين وعليها خمار رقيق فشقّته عائشة عليها وكستها خمارا كثيفا» ) * «٨» . ٤-* (قالت عائشة- ﵂: «لو أنّ رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النّساء لمنعهنّ المسجد، كما منعت نساء بني إسرائيل» ) * «٩» . ٥-* (قال هشام بن عروة- رحمه الله تعالى: إنّ المنذر بن الزّبير قدم من العراق فأرسل إلى أسماء بنت أبي بكر بكسوة من ثياب مرويّة «١٠» وقوهيّة رقاق عتاق بعدما كفّ بصرها فلمستها بيدها ثمّ قالت: أفّ. ردّوا عليه كسوته، فشقّ ذلك عليه وقال: يا أمّه

стр. 4844

إنّه لا يشفّ. قالت: إنّها إن لم تشفّ فإنّها تصف) * «١» . ٦-* (قال مجاهد بن جبر- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى (الأحزاب/ ٣٣) : «ذلك أنّ المرأة منهنّ كانت تخرج تمشي بين يدي الرّجال» ) * «٢» . ٧-* (قال قتادة- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى (الأحزاب/ ٣٣) : «كانت لهنّ مشية وتكسّر وتغنّج، فنهى الله تعالى المؤمنات عن ذلك إذا خرجن من بيوتهنّ» ) * «٣» . ٨-* (قال ابن جرير الطّبريّ- رحمه الله تعالى- عند تفسير قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً الأحزاب/ ٥٩) : «يقول تعالى ذكره لنبيّه محمّد ﷺ : يا أيّها النّبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين لا تتشبّهن بالإماء في لباسهنّ إذ هنّ خرجن من بيوتهنّ لحاجتهنّ فكشفن شعورهنّ ووجوههنّ، ولكن ليدنين عليهنّ من جلابيبهنّ لئلّا يعرض لهنّ فاسق ... » ) * «٤» . ٩-* (قال مقاتل بن حيّان- رحمه الله تعالى: «التّبرّج المنهيّ عنه هو: أن تلقي المرأة الخمار على رأسها ولا تشدّه فيواري قلائدها وقرطها وعنقها ولكن يبدو ذلك كلّه منها» ) * «٥» . ١٠-* (قال القرطبيّ- رحمه الله تعالى-: «إنّ سبب نزول قول الله تعالى وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ (النور/ ٣١) : «أنّ النّساء كنّ في ذلك الزّمان إذا غطّين رؤوسهنّ بالأخمرة، وهي المقانع، سدلنها من وراء الظّهر كما يصنع النّبط، فيبقى النّحر والعنق والأذنان لا يستر على ذلك فأمر الله تعالى بليّ الخمار على الجيوب» ) * «٦» . ١١-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى-: «إنّ المرأة المتشبّهة بالرّجال تكتسب من أخلاقهم حتّى يصير فيها من التّبرّج والبروز ومشابهة الرّجال ما قد يفضي ببعضهنّ إلى أن تظهر بدنها كما يظهره الرّجل وتطلب أن تعلو على الرّجال كما يعلو الرّجال على النّساء، وتفعل من الأفعال ما ينافي الحياء والخفر المشروع للنّساء» ) * «٧» . ١٢-* (قال شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «إنّ كشف النّساء وجوههنّ بحيث يراهنّ الأجانب غير جائز» ) * «٨» . ١٣-* (قال الذّهبيّ- رحمه الله تعالى-: «من الأفعال الّتي تلعن عليها المرأة إظهار الزّينة والذّهب واللّؤلؤ تحت النّقاب، وتطيّبها بالمسك والعنبر والطّيب إذا خرجت، ولبسها الصّباغات

стр. 4845

والأزر الحريريّة والأقبية القصار، مع تطويل الثّوب وتوسعة الأكمام وتطويلها، وكلّ ذلك من التّبرّج الّذي يمقت الله عليه، ويمقت فاعله في الدّنيا والآخرة، ولهذه الأفعال الّتي غلبت على أكثر النّساء قال عنهنّ النّبيّ ﷺ : «اطّلعت على النّار فرأيت أكثر أهلها النّساء» ) * «١» . ١٤-* (قال الشّاعر: بنيّة إن أردت ثياب حسن ... تزيّن من تشا جسما وعقلا فانبذي عادة التّبرّج نبذا ... فجمال النّفوس أسمى وأعلى «٢» . ١٥-* (وقال آخر: قل للجميلة أرسلت أظفارها ... إنّي لخوفي كدت أمضي هاربا إنّ المخالب للوحوش تخالها ... فمتى رأينا للظّباء مخالبا؟ بالأمس أنت قصصت شعرك غيلة ... ونقلت عن وضع الطّبيعة حاجبا وغدا نراك نقلت ثغرك للقفا ... وأزحت أنفك رغم أنفك جانبا من علّم الحسناء أنّ جمالها ... في أن تخالف خلقها وتجانبا؟) * «٣» . من مضار (التبرج) (١) دليل ضعف إيمان المرأة وقلّة حيائها. (٢) سبب الطّرد والإبعاد من رحمة الله. (٣) يورد النّيران ويحرم من الجنان. (٤) من أعمال الجاهليّة والفسّاق. (٥) يعرّض المرأة لغمز ولمز المجرمين ومن في قلبه نفاق. (٦) من أسباب إشاعة الفاحشة بين النّاس. (٧) التّشبه بالكافرات الفاجرات. (٨) تقلّل من رغبة الإنسان المسلم في الإرتباط بها وتزهّده في الزّواج بها. (٩) تحرم المرأة من نعمة رضا الله عنها بخروجها عن آدابه. (١٠) تعرّض نفسها لطمع الطّامعين ونهش النّاهشين. (١١) من أكبر أسباب شيوع الفاحشة في المجتمعات، فتنحلّ ويذهب ريحها.

стр. 4846

التجسس التّجسّس لغة: مصدر قولهم: تجسّس يتجسّس، وهو مأخوذ من مادّة (ج س س) الّتي تدلّ على تعرّف الشّيء بمسّ لطيف يقال: جسست العرق وغيره جسّا، والجاسوس فاعول من هذا لأنّه يتخبّر ما يريده بخفاء ولطف، وقال الرّاغب: أصل الجسّ: مسّ العرق وتعرّف نبضه للحكم به على الصّحّة والسّقم وهو أخصّ من الحسّ فإنّ الحسّ تعرّف ما يدركه الحسّ، ومن لفظ الجسّ اشتقّ الجاسوس، وقول الله تعالى وَلا تَجَسَّسُوا قرأها أبو رجاء والحسن وغيرهما ولا تحسّسوا (الحجرات/ ١٢) بالحاء، قال القرطبيّ: واختلف هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين؟ فقال الأخفش: ليس تبعد إحداهما عن الأخرى، لأنّ التحسّس البحث عمّا يكتم عنك، والتّجسّس: طلب الأخبار والبحث عنها. ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبّعوا عورات المسلمين، أي لا يبحث أحدكم عن غيب أخيه حتى يطّلع عليه بعد أن ستره الله «١» . وقال الطّبريّ: لا تَجَسَّسُوا أي لا يتتبّع الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١/ ٤/ ٦ بعضكم عورة أخيه ولا يبحث عن سرائره، يبتغي بذلك الظّهور على عيوبه «٢» ، وقال ابن منظور: الجسّ: جسّ الخبر، ومنه التّجسّس. وجسّ الخبر وتجسّسه: بحث عنه وفحص. وتجسّست فلانا، ومن فلان بحثت عنه، وتجسّست الخبر وتحسّسته بمعنى واحد. والجاسوس: العين يتجسّس الأخبار ثم يأتي بها، وقيل الجاسوس الّذي يتجسّس الأخبار «٣» . التّجسّس اصطلاحا: قال ابن الأثير: التّجسّس: التّفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في الشّرّ «٤» . وقال الكفويّ: التّجسّس: هو السّؤال عن العورات من غيره «٥» . التّجسّس: هو أن تتبّع عيب أخيك فتطّلع على سرّه «٦» . الفرق بين التجسّس والتّحسّس: قال بعض العلماء: هما بمعنى واحد هو تطلّب معرفة الأخبار. ولكنّ الأكثرين على التّفريق، فالتّجسّس أن يطلب الخبر لغيره والتّحسّس أن يطلبه

стр. 4847

لنفسه، وقيل: التّجسّس: البحث عن العورات والتّحسّس: الاستماع «١» ، وقيل التّجسّس: البحث عمّا يكتم عنك، وبالحاء: طلب الأخبار والبحث عنها، وقيل: إنّ التّجسّس بالجيم هو البحث، ومنه قيل رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور، والتّحسّس: هو ما أدركه الإنسان ببعض حواسّه «٢» . وقال ابن كثير- ﵀: التّجسّس غالبا يطلق في الشّرّ ومنه الجاسوس، وأمّا التّحسّس فيكون غالبا في الخير، كما قال- إخبارا عن يعقوب أنّه قال يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ (يوسف/ ٨٧) وقد يستعمل كلّ منهما في الشّرّ كما ثبت في الصّحيح أنّ رسول الله ﷺ قال: «ولا تجسّسوا ولا تحسّسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الفضح- الأذى- الإساءة- انتهاك الحرمات- الخيانة- إفشاء السر. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الستر- تكريم الإنسان- تعظيم الحرمات- الأمانة- كتمان السر- النزاهة] . الآيات الواردة في «التجسس» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢) «٤»

стр. 4848

الأحاديث الواردة في ذمّ (التجسس) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والظّنّ، فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) * «١» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التجسس) معنى ٢-* (عن المقدام بن معد يكرب وأبي أمامة- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الأمير إذا ابتغى الرّيبة في النّاس أفسدهم) * «٢» . ٣-* (عن معاوية- ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّك إن اتّبعت عورات النّاس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) * «٣» . ٤-* (عن أبي برزة الأسلميّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم فإنّه من اتّبع عوراتهم يتّبع الله عورته، ومن يتّبع الله عورته يفضحه في بيته) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التجسس) ١-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «إنّا قد نهينا عن التّجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) * «٥» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى وَلا تَجَسَّسُوا (الحجرات/ ١٢) قال: نهى الله المؤمن أن يتّبع عورات أخيه المؤمن) * «٦» . ٣-* (عن عبد الرّحمن بن عوف- ﵁ أنّه حرس مع عمر بن الخطّاب ليلة المدينة، فبينما هم يمشون شبّ لهم سراج في بيت فانطلقوا يؤمّونه» ، فلمّا دنوا منه إذا باب مجاف «٨» على قوم لهم فيه أصوات

стр. 4849

مرتفعة ولغط «١» ، فقال عمر وأخذ بيد عبد الرّحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟ قال: هذا بيت ربيعة بن أميّة بن خلف وهم الآن شرب «٢» ، فما ترى؟ قال: أرى أن قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله وَلا تَجَسَّسُوا فقد تجسّسنا، فانصرف عنهم وتركهم) * «٣» . ٤-* (قال الأوزاعيّ ﵀: «التّجسّس البحث عن الشّيء، والتّحسّس الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، أو يتسمّع على أبوابهم» ) * «٤» . ٥-* (إنّ من ثمرات سوء الظّنّ التّجسّس، فالقلب عند ما يبتلى بسوء الظّنّ فإنّه لا يقتنع بهواجسه الظّنّيّة، بل يمتدّ به الظّنّ إلى طلب التّحقيق تجسّسا وتحسّسا، ولمّا كان هذا غاية من غايات ظنّ السّوء تناوله النّهي. أمّا التّجسّس بعد الظّنّ، وكلاهما يستلزم الآخر فالظّنّ عندما يحقّق لا مفرّ من التّجسّس، وكلّ تجسّس الباعث والدّاعي إليه هو الظّنّ) * «٥» . ٦-* (قال مجاهد- ﵀ في قوله تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (التوبة/ ٤٧) : وفيكم مخبرون لهم يؤدّون إليهم ما يسمعون منكم وهم الجواسيس) * «٦» . من مضار (التجسس) (١) دليل ضعف الإيمان وفساد الخلق. (٢) دليل دناءة النّفس وخسّتها. (٣) يوغر الصّدور ويورث الفجور. (٤) يورد صاحبه موارد الهلاك. (٥) يؤدّي إلى فساد الحياة وكشف العورات. (٦) يستحقّ صاحبه غضب الله ورسوله والمؤمنين.

стр. 4850

التحقير والاشمئزاز التحقير لغة: مصدر قولهم: حقّر الشّيء أي قلّل من شأنه ونسبه إلى الحقارة، وهو مأخوذ من مادّة (ح ق ر) الّتي تدلّ على معنى واحد هو «استصغار الشّيء» يقال: شيء حقير أي صغير، وقيل: صغير ذليل، تقول منه: حقر (بالضّمّ) حقارة وحقرة هان قدره فلا يعبأ به، وحقره واستحقره: استصغره، وتحاقرت إليه نفسه: تصاغرت، والتّحقير: التّصغير. والمحقّرات: الصّغائر. وحقر إذا صار حقيرا أي ذليلا، والحقير أيضا ضدّ الخطير «١» . التحقير اصطلاحا: التّحقير: هو أن يستصغر شخص شخصا آخر أو ما يصدر عنه من معروف يسديه أو هديّة يعطيها «٢» . وقد يكون التّحقير أيضا للذّات وما يصدر عنها من معروف أو هديّة. الاشمئزاز لغة: الاشمئزاز: مأخوذ من الشّمز وهو التّقبّض، يقال: اشمأزّ اشمئزازا، أي انقبض واجتمع بعضه إلى بعض، وقيل: معناه: ذعر من الشّيء، والشّمز أيضا هو الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ١٣/ ٢ نفور النّفس من الشّيء تكرهه «٣» ، أمّا قول الله تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ (الزمر/ ٤٥) فمعناه أنّ المشركين كانوا إذا قيل لهم: «لا إله إلّا الله» نفروا وكفروا، وقال قتادة: معنى اشمأزّت: نفرت واستكبرت وكفرت وتعصّت، وقال القرطبّيّ: وأصل الاشمئزاز: النّفور والازورار «٤» ، وذكر ابن كثير أنّ المعنى: استكبرت عن المتابعة والانقياد فقلوبهم لا تقبل الخير ومن لا يقبل الخير يقبل الشّرّ «٥» . الاشمئزاز اصطلاحا: لم يعرّف الاشمئزاز اصطلاحا، ويمكننا في ضوء ما ذكره اللّغويّون والمفسّرون أن نعرّفه بأنّه: نفور النّفس واستكبارها عن قبول الحقّ مع إبراز ما يدلّ على ذلك من تقبّض الوجه والازورار، لإظهار الكراهة. [للاستزادة: انظر صفات: الاستهزاء- الأذى- الإساءة- السخرية- سوء الخلق- سوء المعاملة- الغرور- الكبر والعجب- السفاهة. وفي ضد ذلك: انظر صفة: تكريم الإنسان- الإحسان- التواضع- حسن الخلق- حسن المعاملة- حسن العشرة- الكلم الطيب] .

стр. 4851

الآيات الواردة في «التحقير» معنى ١- فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) «١» ٢- وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) «٢» ٣- قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) «٣» الآيات الواردة في «الاشمئزاز» ٤- وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) «٤»

стр. 4852

الأحاديث الواردة في ذمّ (التحقير) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التّقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرّات «بحسب امرىء من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» ) * «١» . ٢-* (عن أبي جريّ جابر بن سليم قال: رأيت رجلا يصدر النّاس عن رأيه «٢» ، لا يقول شيئا إلّا صدروا عنه. قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله ﷺ ، قلت: عليك السّلام يا رسول الله. مرّتين، قال: «لا تقل عليك السّلام، فإنّ عليك السّلام تحيّة الميّت، قل: السّلام عليك» قال: قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: «أنا رسول الله، الّذي إذا أصابك ضرّ فدعوته كشف عنك، وإن أصابك عام سنة «٣» فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفراء «٤» ، أو فلاة «٥» فضلّت راحلتك فدعوته ردّها عليك» . قلت: اعهد إليّ. قال: «لا تسبّنّ أحدا» . قال: فما سببت بعده حرّا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة، قال: «لا تحقرنّ شيئا من المعروف وأن تكلّم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إنّ ذلك من المعروف، وارفع إزارك إلى نصف السّاق، فإن أبيت فإلى الكعبين، وإيّاك وإسبال الإزار «٦» فإنّها من المخيلة، وإنّ الله لا يحبّ المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيّرك بما يعلم فيك فلا تعيّره بما تعلم فيه فإنّما وبال ذلك عليه» ) * «٧» . ٣-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سمّع النّاس بعمله سمّع الله به سامع خلقه وصغّره وحقّره» فذرفت عينا عبد الله) * «٨» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: كان النّبيّ ﷺ يقول: «يا نساء المسلمات، لا تحقرنّ جارة لجارتها ولو فرسن شاة «٩» » ) * «١٠» .

стр. 4853

الأحاديث الواردة في ذمّ (التحقير) معنى ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أربى الرّباء الاستطالة في عرض المسلم بغير الحقّ» ) * «١» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أتدرون ما المفلس؟» . قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إنّ المفلس من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثمّ طرح في النّار» ) * «٢» . ٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: إنّ عبد الله بن سلام بلغه مقدم النّبيّ ﷺ فأتاه يسأله عن أشياء فقال: إنّي أسألك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبيّ. ما أوّل أشراط السّاعة؟ وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟. قال: «أخبرني بها جبريل آنفا» قال ابن سلام: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة. قال: «أمّا أوّل أشراط السّاعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة فزيادة كبد الحوت «٣» ، وأمّا الولد فإذا سبق ماء الرّجل ماء المرأة نزع الولد «٤» ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرّجل نزعت الولد» قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله، قال: يا رسول الله إنّ اليهود قوم بهت «٥» فاسألهم عنّي قبل أن يعلموا إسلامي. فجاءت اليهود فقال النّبيّ ﷺ : «أيّ رجل عبد الله بن سلام فيكم؟» قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النّبيّ ﷺ : «أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟» قالوا: أعاذه الله من ذلك. فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك، فخرج إليهم عبد الله. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمّدا رسول الله، قالوا: شرّنا وابن شرّنا وتنقّصوه» قال: هذا كنت أخاف يا رسول الله) * «٧» . ٨-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: قلت للنّبيّ ﷺ : حسبك من صفيّة كذا وكذا تعني قصيرة- فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت

стр. 4854

بماء البحر لمزجته» قالت: وحكيت له إنسانا، فقال: «ما أحبّ أنّي حكيت إنسانا، وأنّ لي كذا وكذا» ) * «١» . ٩-* (عن أبي مسعود البدريّ- ﵁ قال: لمّا أمرنا بالصّدقة كنّا نتحامل «٢» ، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلّا رئاء «٣» . فنزلت: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ الآية (التوبة/ ٧٩)) * «٤» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: إنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ وكان رجلا جميلا، فقال: يا رسول الله إنّي رجل حبّب إليّ الجمال، وأعطيت منه ما ترى حتّى ما أحبّ أن يفوقني أحد، وإمّا قال: بشراك نعلي، وإمّا قال: بشسع نعلي أفمن الكبر ذلك؟ قال: «لا، ولكنّ الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس «٥» » ) * «٦» . ١١-* (عن ابن مسعود- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه ذرّة من كبر» قال رجل: إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: «إنّ الله جميل يحبّ الجمال، الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس» ) * «٧» . ١٢-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس: ما رأيت مثل قرّائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللّقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت، ولكنّك منافق. لأخبرنّ رسول الله ﷺ . فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: وأنا رأيته متعلّقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ . تنكبه الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله إنّما كنّا نخوض ونلعب! ورسول الله ﷺ يقول: أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (التوبة/ ٦٥) الآية «٨» .

стр. 4855

الأحاديث الواردة في ذمّ (الاشمئزاز) ١٣-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون عليكم امراء تطمئنّ إليهم القلوب وتلين لهم الجلود، ثمّ يكون عليكم أمراء تشمئزّ منهم القلوب وتقشعرّ منهم الجلود» ، فقال رجل: أنفاتلهم يا رسول الله، قال: «لا ما أقاموا الصّلاة» ) * «١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التحقير) ١-* (قال أبو حازم- رحمه الله تعالى-: لا تكون عالما حتّى يكون فيك ثلاث خصال: لا تبغ على من فوقك، ولا تحتقر من دونك، ولا تؤثر على علمك دنيا) * «٢» . ٢-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ.. الآية. (الحجرات/ ١١) . ينهى تعالى عن السّخرية بالنّاس واحتقارهم والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «الكبر بطر الحقّ وغمط النّاس» والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم وهذا حرام، فإنّه قد يكون المحتقر أعظم قدرا عند الله تعالى وأحبّ إليه من السّاخر منه، المحتقر له ولهذا قال الله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (القلم/ ١١) أي أنّه يحتقر النّاس ويهمزهم طاغيا عليهم ويمشي بينهم بالنّميمة) * «٣» . من مضار (التحقير والاشمئزاز) (١) التّحقير دليل الكبر والعجب بالنّفس. (٢) التّحقير يؤذي الآخرين فيتسلّطون عليه. (٣) التّحقير يفسد المودّة، ويقطع أواصر القربى. (٤) التّحقير أثر من آثار الجهل بالنّفس والغرور بها. (٥) التّحقير يحبط كثيرا من حسنات الإنسان. (٦) التّحقير نوع من أنواع الكبر يبغض الله صاحبه. (٧) التّحقير يجعل صاحبه منعزلا مكروها بين النّاس. (٨) الاشمئزاز يدلّ على الكبرياء وتحقير الآخرين. (٩) الاشمئزاز يؤذي من نشمئزّ منه ويجرح مشاعره. (١٠) الاشمئزاز من صفة المشركين المعاندين ولا يجلب لصاحبه إلّا الشّرّ والوبال.

стр. 4856

التخاذل التخاذل لغة: مصدر قولهم: تخاذل القوم أي خذل بعضهم بعضا، وهو مأخوذ من مادّة (خ ذ ل) الّتي تدلّ على ترك الشّيء والقعود عنه، فالخذلان: ترك المعونة، يقال: خذلت الوحشيّة (ولدها) فهي خذول أي قعدت وتركته، ومن الباب تخاذلت رجلاه: ضعفتا، ويقال: رجل خذلة للّذي لا يزال يخذل، أي كثيرا ما يخذل، وقول الله تعالى: وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (الفرقان/ ٢٩) أي كثير الخذلان، قال الطّبريّ: أي مسلما (إيّاه) لما ينزل به من البلاء غير منقذه ولا منجّيه «١» . يقال: خذله خذلانا: إذا ترك عونه ونصرته، وخذّل عنه أصحابه تخذيلا أي حملهم على خذلانه، وتخاذل (القوم) خذل بعضهم بعضا، وقال ابن منظور: الخاذل ضدّ النّاصر (وجمعه خذّال) ، يقال: خذله يخذله خذلا وخذلانا وخذلانا أي أسلمه وخيّبه الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٧/ ٨/ ٩ وترك نصرته وعونه، والتّخذيل: حمل الرّجل على خذلان صاحبه، وتثبيطه عن نصرته، وخذلان الله للعبد ألّا يعصمه من الشّبه فيقع فيها، وقول الله تعالى: وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ (آل عمران/ ١٦٠) معناه كما قال القرطبيّ: يترك عونكم «٢» ، والخاذل: المنهزم، وتخاذل القوم تدابروا، وقول الله تعالى: وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (الفرقان/ ٢٩) الخذل: التّرك من الإعانة، ومنه خذلان إبليس للمشركين لمّا ظهر لهم في صورة سراقة بن مالك، فلمّا رأى الملائكة تبرّأ منهم، وكلّ من صدّ عن سبيل الله وأطيع في معصية الله فهو شيطان للإنسان يخذله عند نزول العذاب والبلاء «٣» ، والخذول من الخيل: الّتي إذا ضربها المخاض لم تبرح من مكانها، ورجل خذول الرّجل: تخذله رجله من ضعف أو عاهة أو سكر، وخذلت الظّبية غيرها إذا تخلّفت عن صواحبها فلم تلحق بهم «٤» .

стр. 4857

التخاذل اصطلاحا: قال المناويّ: الخذلان: خلق قدرة المعصية في العبد، وخذّله تخذيلا: حمله على الفشل وترك القتال «١» . وقال الرّاغب: الخذلان: ترك النّصرة ممّن يظنّ به أن ينصر «٢» . وقال ابن الأثير: الخذل: ترك الإغاثة والنّصرة «٣» ، وإذا كان التّخاذل: هو أن يخذل بعض القوم بعضا. فإنّ التّخاذل اصطلاحا: «أن يترك الإنسان نصرة أخيه، ويترك أخوه نصرته إذا كان كلّ منهما يظنّ به نصرة صاحبه وإغاثته» «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: الأثرة- الإعراض التخلف عن الجهاد- التولي- الجبن- صغر الهمة الوهن- الفتنة- التفرق- التهاون. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإغاثة- التناصر- جهاد الأعداء- المروءة- الرجولة- علو الهمة- النشاط- الثبات- الشهامة- الشجاعة- العزم والعزيمة] .

стр. 4858

الآيات الواردة في «التخاذل» ١- إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠) «١» ٢- لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا (٢٢) «٢» ٣- وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩) «٣» الآيات الواردة في «التخاذل» معنى ٤- وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) «٤» ٥- وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) «٥» ٦- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) «٦» ٧- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) «٧»

стр. 4859

الأحاديث الواردة في ذمّ (التخاذل) ١-* (عن ثوبان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك» ) * «١» . ٢-* (عن جابر وأبي طلحة الأنصاريّ- ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : «ما من امرئ يخذل مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلّا خذله الله في موطن يحبّ فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلما في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلّا نصره الله في موطن يحبّ فيه نصرته» ) * «٢» . ٣-* (عن سعيد بن وهب وعن زيد بن يثيع قالا: نشد عليّ النّاس في الرّحبة: من سمع رسول الله ﷺ يقول يوم غدير خمّ «٣» إلّا قام؟ قال: فقام من قبل سعيد ستّة، ومن قبل زيد ستّة، فشهدوا أنّهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول لعليّ يوم غدير خمّ: «أليس الله أولى بالمؤمنين؟» قالوا: بلى، قال: اللهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه، «اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه» ، وزاد فيه في رواية أخرى: «وانصر من نصره، واخذل من خذله» ) * «٤» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التخاذل) معنى ٤-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: «تأخذ فوق يديه» ) *» . ٥-* (عن سهل بن حنيف عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من أذلّ عنده مؤمن فلم ينصره وهو قادر على أن ينصره أذلّه الله- على رؤوس الخلائق يوم القيامة» ) * «٦» . ٦-* (عن المستورد: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من أكل برجل مسلم أكلة فإنّ الله يطعمه مثلها في جهنّم،

стр. 4860

ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإنّ الله يكسوه مثله من جهنّم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء، فإنّ الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» ) * «١» . ٧-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أخبر أنّ رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة» ) * «٢» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ من الغد يوم النّحر- وهو بمنى-: «نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر، يعني بذلك المحصّب، وذلك أنّ قريشا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطّلب- أو بني المطّلب- أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتّى يسلّموا إليهم النّبيّ ﷺ » وقال سلامة عن عقيل، ويحيى عن الضّحّاك عن الأوزاعيّ: أخبرني ابن شهاب. وقالا: بني هاشم وبني عبد المطلّب. قال أبو عبد الله: بني المطّلب أشبه) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التخاذل) ١-* (عن أنس أنّ أبا طلحة قال: غشينا ونحن في مصافّنا يوم أحد، حدّث أنّه كان فيمن غشيه النّعاس يومئذ قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط من يدي وآخذه والطّائفة الأخرى المنافقون ليس لهم همّ إلّا أنفسهم، أجبن قوم وأرعبه وأخذله للحقّ) * «٤» . ٢-* (قال مجاهد- ﵀ في قوله تعالى: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (التوبة/ ٤٧) : وفيكم مخبرون لهم يؤدّون إليهم ما يسمعون منكم وهم الجواسيس) * «٥» . ٣-* (وقال قتادة- ﵀: وفيكم مطيعون لهم أي يستمعون كلامهم ويطيعونهم) * «٦» . ٤-* (قال البغويّ- ﵀ في قوله تعالى: وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (التوبة/ ٤٦) : أي قال بعضهم لبعض: اقعدوا. وقيل: أوحي إلى قلوبهم وألهموا أسباب الخذلان) * «٧» .

стр. 4861

٥-* (قال ابن كثير- ﵀ في قوله تعالى لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا (التوبة/ ٤٧) أي لأنّهم جبناء مخذولون. وفي قوله تعالى وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ (التّوبة/ ٤٧) أي مطيعون لهم ومستحسنون لحديثهم وكلامهم ويستنصحونهم وإن كانوا لا يعلمون حالهم فيؤدّي إلى وقوع الشّرّ بين المؤمنين) * «١» . ٦-* (وقال أيضا في قوله تعالى قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (الأحزاب/ ١٨) : يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوّقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لأصحابهم وعشرائهم وخلطائهم: تعالوا إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظّلال والثّمار) * «٢» . ٧-* (قال بعضهم: أفضل المعروف إغاثة الملهوف) * «٣» . ٨-* (قال بعضهم: شرّ النّاس من ينصر الظّلوم ويخذل المظلوم) * «٤» . ٩-* (وقال آخر: لا تحاجّ من يذهلك خوفه، ويملكك سيفه) * «٥» . من مضار (التخاذل) (١) يبغض الله فاعله ويجعله عرضة لأليم عقابه. (٢) يفكّك عرى المجتمع ويهدم بنيانه. (٣) صفة ذميمة في النّفس ونقص في المروءة. (٤) من فعله كان سبّة في مجتمعه منبوذا في عشيرته. (٥) يدلّ حدوثه على تبلّد الوجدان وموت الضّمير. (٦) تحرم صاحبها من متعة نصرة الحقّ، ولذّة الأخذ بيد المظلوم. (٧) صفة ذميمة تدلّ على خسّة في الطّبع ولؤم في النّفس.

стр. 4862

التخلف (القعود) عن الجهاد التخلف لغة: التخلّف مصدر قولهم: تخلّف عن الشّيء يتخلّف، وهو مأخوذ من مادّة (خ ل ف) الّتي تدلّ على الخلف الّذي هو خلاف قدّام أي التأخّر الّذي هو نقيض التّقدّم، يقول ابن فارس: الخاء واللّام والفاء أصول ثلاثة: أحدها أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، والثّاني: خلاف قدّام، والثّالث: التغيّر، يقال من المعنى الأوّل: هو خلف صدق من أبيه، وخلف سوء من أبيه. فإذا لم يذكروا صدقا ولا سوءا، قالوا للجيّد خلف وللرّديء خلف، قال تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ (مريم/ ٥٩) وسمّيت الخلافة بذلك لأنّ الثّاني يجيء بعد الأوّل قائما مقامه، وتقول: قعدت خلاف فلان أي بعده، والخوالف في قوله تعالى: رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ (التوبة/ ٨٧) هنّ النّساء؛ لأنّ الرّجال يغيبون في حروبهم وغاراتهم وهنّ يخلفنهم في البيوت والمنازل وقيل: الخالفة: عمود الخيمة المتأخّر، ويكنى بها عن المرأة لتخلّفها عن المرتحلين، وجمعها: خوالف، ويقولون في الدّعاء: خلف الله عليك أي كان الله تعالى الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩/ ١٠/ ٨ الخليفة عليك لما فقدت من أب أو حميم، وأخلف الله لك: أي عوّضك من الشّيء الذّاهب ما يكون يقوم بعده ويخلفه، ويقال من المعنى الثّاني (وهو خلف ضدّ قدّام) : هذا خلفي وهذا قدّامي، ومن المعنى الثّالث قولهم: خلف فوه إذا تغيّر. وقال الرّاغب: ويقال: خلّفته: تركته خلفي، قال تعالى: فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ (التوبة/ ٨١) أي مخالفين. وقال القرطبيّ: المخلّف: المتروك، أي خلّفهم الله وثبّطهم أو خلّفهم رسول الله ﷺ والمؤمنون لمّا علموا تثاقلهم عن الجهاد، وكان هذا في غزوة تبوك، والخلاف: المخالفة، ومن قرأ خلف رسول الله: أراد التّأخّر عن الجهاد «١» ، والخالف كالمتخلّف: المتأخّر لنقصان أو قصور، قال تعالى: فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (التوبة/ ٨٣) قال ابن عبّاس: الخالفون: من تخلّف من المنافقين، وقال الحسن: من النّساء والضّعفاء من الرّجال (فغلّب المذكّر) وقيل: المعنى فاقعدوا مع الفاسدين من قولهم: فلان خالفة أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم من خلوف فم الصّائم «٢» ، والخلف: القرن بعد القرن، والخلف: الرّديء من القول، والخلف

стр. 4863

والخلف: ما جاء من بعد، والخلف أيضا: ما استخلفته من شيء والخلف بالضّمّ: الاسم من الإخلاف، والخلف بالكسر حلمة ضرع النّاقة، والخلفة: أن يذهب أحد الشّيئين ويجيء الآخر، والخلفة: اختلاف اللّيل والنّهار، والقوم خلفة: أي مختلفون، والخلاف: المخالفة، والتّخلّف: التّأخر. يقال: خلّفت فلانا ورائي فتخلّف عنّي أي تأخّر، وخلفه يخلفه صار خلفه، واختلفه أخذه من خلفه وخلّفه وأخلفه: جعله خلفه، وخلف عن أصحابه: تخلّف عنهم، والتّخلّف: التّأخّر، وفي حديث سعد: فخلّفنا فكنّا آخر الأربع، أي أخّرنا ولم يقدّمنا. وفي حديث الصّلاة: «ثمّ أخالف إلى رجال فأحرّق عليهم بيوتهم» أي آتيهم من خلفهم، أو أخالف ما أظهرت من إقامة الصّلاة، وأرجع إليهم فآخذهم على غفلة، ويكون بمعنى أتخلّف عن الصّلاة بمعاقبتهم، وفي حديث السّقيفة «وخالف عنّا عليّ والزّبير» أي تخلّفا، وجاء خلافه أي خلفه «١» . الجهاد في اللغة والاصطلاح: انظر صفة: الجهاد. التخلف عن الجهاد اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات هذا التّعبير ضمن المصطلحات الّتي أوردتها، ويمكننا أن نعرّف ذلك في ضوء ما ذكره اللّغويّون والمفسّرون فنقول: التخلّف عن الجهاد: هو أن يتقاعس المسلم ويتأخّر عن استفراغ وسعه في مدافعة العدوّ من الكفّار والمشركين. حكم التخلف عن الجهاد أو تركه: قال الإمام ابن حجر: من الكبائر ترك الجهاد عند تعيّنه بأن دخل الحربيّون دار الإسلام أو أخذوا مسلما وأمكن تخليصه منهم وترك النّاس الجهاد من أصله، وترك أهل الإقليم تحصين ثغورهم بحيث يخاف عليها من استيلاء الكفّار بسبب ترك ذلك التّحصين. [للاستزادة: انظر صفات: الأثرة- التخاذل- الضعف- الوهن- التولي- التفرق- صغر الهمة- التهاون- التفريط والإفراط- اتباع الهوى. وفي ضد ذلك: انظر صفات: جهاد الأعداء- الرجولة- الشجاعة- المسئولية- العزم والعزيمة- قوة الإرادة- القوة- علو الهمة- الثبات- النشاط] .

стр. 4864

الآيات الواردة في «التخلف (القعود) عن الجهاد» ١- وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨) «١» ٢- انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) «٢» ٣- فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣) وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) «٣»

стр. 4865

٤- وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) «١» ٥- لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) «٢» ٦- لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) «٣» ٧- ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)

стр. 4866

وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) «١» ٨- سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) «٢» ٩- سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) «٣»

стр. 4867

الأحاديث الواردة في ذمّ (التخلف (القعود) عن الجهاد) ١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّ رجالا من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم رسول الله ﷺ اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ (آل عمران/ ١٨٨) الآية» ) * «١» . ٢-* (قال كعب بن مالك- ﵁: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قطّ إلّا في غزوة تبوك. غير أنّي قد تخلّفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلّف عنه. إنّما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتّى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة «٢» حين تواثقنا على الإسلام «٣» ، وما أحبّ أنّ لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر «٤» في النّاس منها. وكان من خبري حين تخلّفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أنّي لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة. والله ما جمعت قبلها راحلتين قطّ حتّى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله ﷺ في حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا «٥» ، واستقبل عدوّا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم «٦» ليتأهّبوا أهبة غزوهم» ، فأخبرهم بوجههم «٨» الّذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الدّيوان) . قال كعب: فقلّ رجل يريد أن يتغيّب «٩» يظنّ أنّ ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله- وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثّمار والظّلال. فأنا إليها أصعر «١٠» . فتجهّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى استمرّ بالنّاس الجدّ فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا. ثمّ غدوت فرجعت ولم أقض شيئا.

стр. 4868

فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى أسرعوا وتفارط الغزو «١» . فهممت أن أرتحل فأدركهم فياليتني فعلت. ثمّ لم يقدّر ذلك لي. فطفقت إذا خرجت في النّاس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أنّي لا أرى لي أسوة، إلّا رجلا مغموصا عليه في النّفاق «٢» ، أو رجلا ممّن عذر الله من الضّعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتّى بلغ تبوكا «٣» فقال، وهو جالس في القوم بتبوك «ما فعل كعب بن مالك؟» قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنّظر في عطفيه «٤» . فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلّا خيرا. فسكت رسول الله ﷺ . فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيّضا «٥» يزول به السّراب «٦» فقال رسول الله ﷺ «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة «٧» الأنصاريّ- وهو الّذي تصدّق بصاع التّمر حين لمزه المنافقون «٨» - فقال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أنّ رسول الله ﷺ قد توجّه قافلا «٩» من تبوك، حضرني بثّي «١٠» ، فطفقت أتذكّر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي. فلمّا قيل لي: إنّ رسول الله ﷺ قد أظلّ «١١» قادما، زاح «١٢» عنّي الباطل حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه «١٣» . وصبّح رسول الله ﷺ قادما. وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس. فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون. فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له. وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. حتّى جئت فلمّا سلّمت تبسّم تبسّم المغضب ثمّ قال: «تعال» فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ «١٤» » قال: قلت: يا رسول الله إنّي- والله- لو جلست عند

стр. 4869

غيرك من أهل الدّنيا، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا «١» . ولكنّي- والله- لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكنّ «٢» الله أن يسخطك عليّ. ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه «٣» إنّي لأرجو فيه عقبى الله «٤» والله ما كان لي عذر،. والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك. قال رسول الله ﷺ «أمّا هذا- فقد صدق، فقم حتّى يقضي الله فيك» فقمت، وثار رجا من بني سلمة فاتّبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به إليه المخلّفون. فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فو الله ما زالوا يؤنّبونني «٥» حتّى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذّب نفسي. قال: ثمّ قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت. فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامريّ «٦» ، وهلال بن أميّة الواقفيّ. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة «٧» من بين من تخلّف عنه. قال: فاجتنبنا النّاس، وقال: تغيّروا لنا حتّى تنكّرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض الّتي أعرف «٨» . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأمّا صاحباي فاستكانا «٩» وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم «١٠» . فكنت أخرج فأشهد الصّلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد. وآتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه- وهو في مجلسه بعد الصّلاة- فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا؟ ثمّ أصلّى قريبا منه وأسارقه النّظر. فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي. حتّى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين مشيت حتّى تسوّرت «١١» جدار حائط أبي قتادة- وهو ابن عمّي وأحبّ النّاس إليّ- فسلّمت عليه، فو الله

стр. 4870

ماردّ عليّ السّلام. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله «١» هل تعلمنّ أنّي أحبّ الله ورسوله؟ قال: فسكت. فعدت فناشدته فسكت. فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتولّيت، حتّى تسوّرت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطيّ من نبط أهل الشّام «٢» ممّن قدم بالطّعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفق النّاس يشيرون له إليّ حتّى جاءني فدفع إليّ كتابا من ملك غسّان- وكنت كاتبا- فقرأته فإذا فيه: أمّا بعد. فإنّه قد بلغنا أنّ صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة «٣» . فالحق بنا نواسك» . قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتياممت «٥» بها التّنّور فسجرتها «٦» بها. حتّى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي «٧» ، إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها فلا تقربنّها. قال: فأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتّى يقضي الله في هذا الأمر. قال فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله إنّ هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا. ولكن لا يقربنّك» فقالت: إنّه- والله- ما به حركة إلى شيء. ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أميّة أن تخدمه. قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ . وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شابّ. قال: فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال: ثمّ صلّيت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر الله منّا. قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت «٨» ، سمعت صوت صارخ أو فى على سلع «٩» يقول، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. قال:
следующие страницы →