← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١) «١» ٨- سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) «٢» ٩- سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) «٣»

стр. 4867

الأحاديث الواردة في ذمّ (التخلف (القعود) عن الجهاد) ١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّ رجالا من المنافقين على عهد رسول الله ﷺ كان إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو تخلّفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم رسول الله ﷺ اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبّوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا فنزلت لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ (آل عمران/ ١٨٨) الآية» ) * «١» . ٢-* (قال كعب بن مالك- ﵁: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قطّ إلّا في غزوة تبوك. غير أنّي قد تخلّفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلّف عنه. إنّما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتّى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة «٢» حين تواثقنا على الإسلام «٣» ، وما أحبّ أنّ لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر «٤» في النّاس منها. وكان من خبري حين تخلّفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أنّي لم أكن قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة. والله ما جمعت قبلها راحلتين قطّ حتّى جمعتهما في تلك الغزوة. فغزاها رسول الله ﷺ في حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازا «٥» ، واستقبل عدوّا كثيرا، فجلا للمسلمين أمرهم «٦» ليتأهّبوا أهبة غزوهم» ، فأخبرهم بوجههم «٨» الّذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ (يريد بذلك الدّيوان) . قال كعب: فقلّ رجل يريد أن يتغيّب «٩» يظنّ أنّ ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله- وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزوة حين طابت الثّمار والظّلال. فأنا إليها أصعر «١٠» . فتجهّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهّز معهم فأرجع ولم أقض شيئا، وأقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت. فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى استمرّ بالنّاس الجدّ فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا. ثمّ غدوت فرجعت ولم أقض شيئا.

стр. 4868

فلم يزل ذلك يتمادى بي حتّى أسرعوا وتفارط الغزو «١» . فهممت أن أرتحل فأدركهم فياليتني فعلت. ثمّ لم يقدّر ذلك لي. فطفقت إذا خرجت في النّاس بعد خروج رسول الله ﷺ يحزنني أنّي لا أرى لي أسوة، إلّا رجلا مغموصا عليه في النّفاق «٢» ، أو رجلا ممّن عذر الله من الضّعفاء. ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتّى بلغ تبوكا «٣» فقال، وهو جالس في القوم بتبوك «ما فعل كعب بن مالك؟» قال رجل من بني سلمة: يا رسول الله حبسه برداه والنّظر في عطفيه «٤» . فقال له معاذ بن جبل: بئس ما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلّا خيرا. فسكت رسول الله ﷺ . فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيّضا «٥» يزول به السّراب «٦» فقال رسول الله ﷺ «كن أبا خيثمة» فإذا هو أبو خيثمة «٧» الأنصاريّ- وهو الّذي تصدّق بصاع التّمر حين لمزه المنافقون «٨» - فقال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أنّ رسول الله ﷺ قد توجّه قافلا «٩» من تبوك، حضرني بثّي «١٠» ، فطفقت أتذكّر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي. فلمّا قيل لي: إنّ رسول الله ﷺ قد أظلّ «١١» قادما، زاح «١٢» عنّي الباطل حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه «١٣» . وصبّح رسول الله ﷺ قادما. وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس. فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون. فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له. وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله. حتّى جئت فلمّا سلّمت تبسّم تبسّم المغضب ثمّ قال: «تعال» فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ «١٤» » قال: قلت: يا رسول الله إنّي- والله- لو جلست عند

стр. 4869

غيرك من أهل الدّنيا، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا «١» . ولكنّي- والله- لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكنّ «٢» الله أن يسخطك عليّ. ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه «٣» إنّي لأرجو فيه عقبى الله «٤» والله ما كان لي عذر،. والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك. قال رسول الله ﷺ «أمّا هذا- فقد صدق، فقم حتّى يقضي الله فيك» فقمت، وثار رجا من بني سلمة فاتّبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به إليه المخلّفون. فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فو الله ما زالوا يؤنّبونني «٥» حتّى أردت أن أرجع إلى رسول الله ﷺ فأكذّب نفسي. قال: ثمّ قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم. لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت. فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن ربيعة العامريّ «٦» ، وهلال بن أميّة الواقفيّ. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي. قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا أيّها الثّلاثة «٧» من بين من تخلّف عنه. قال: فاجتنبنا النّاس، وقال: تغيّروا لنا حتّى تنكّرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض الّتي أعرف «٨» . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأمّا صاحباي فاستكانا «٩» وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم «١٠» . فكنت أخرج فأشهد الصّلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد. وآتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه- وهو في مجلسه بعد الصّلاة- فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السّلام أم لا؟ ثمّ أصلّى قريبا منه وأسارقه النّظر. فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي. حتّى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين مشيت حتّى تسوّرت «١١» جدار حائط أبي قتادة- وهو ابن عمّي وأحبّ النّاس إليّ- فسلّمت عليه، فو الله

стр. 4870

ماردّ عليّ السّلام. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله «١» هل تعلمنّ أنّي أحبّ الله ورسوله؟ قال: فسكت. فعدت فناشدته فسكت. فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتولّيت، حتّى تسوّرت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة إذا نبطيّ من نبط أهل الشّام «٢» ممّن قدم بالطّعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفق النّاس يشيرون له إليّ حتّى جاءني فدفع إليّ كتابا من ملك غسّان- وكنت كاتبا- فقرأته فإذا فيه: أمّا بعد. فإنّه قد بلغنا أنّ صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة «٣» . فالحق بنا نواسك» . قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء فتياممت «٥» بها التّنّور فسجرتها «٦» بها. حتّى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي «٧» ، إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها فلا تقربنّها. قال: فأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتّى يقضي الله في هذا الأمر. قال فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله إنّ هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا. ولكن لا يقربنّك» فقالت: إنّه- والله- ما به حركة إلى شيء. ووالله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أميّة أن تخدمه. قال: فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ . وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شابّ. قال: فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال: ثمّ صلّيت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر الله منّا. قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت «٨» ، سمعت صوت صارخ أو فى على سلع «٩» يقول، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج. قال:

стр. 4871

فآذن رسول الله ﷺ النّاس «١» بتوبة الله علينا، حين صلّى صلاة الفجر. فذهب النّاس يبشّروننا. فذهب قبل صاحبيّ مبشّرون، وركض رجل إليّ فرسا، وسعى ساع من أسلم قبلي، وأوفى الجبل «٢» . فكان الصّوت أسرع من الفرس. فلمّا جاءني الّذي سمعت صوته يبشّرني. فنزعت له ثوبيّ فكسوتهما إيّاه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما. فانطلقت أتأمّم «٣» رسول الله ﷺ يتلقّاني النّاس فوجا فوجا «٤» يهنّئوني بالتّوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك حتّى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد وحوله النّاس. فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتّى صافحني وهنّأني. والله ما قام رجل من المهاجرين غيره. قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلمّا سلّمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السّرور ويقول: «أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك» قال: فقلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ فقال «لا. بل من عند الله» وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه كأنّ وجهه قطعة قمر. قال: وكنّا نعرف ذلك. قال: فلمّا جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي «٥» صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «أمسك بعض مالك، فهو خير لك» قال: فقلت: فإنّي أمسك سهمي الّذي بخيبر. قال وقلت: يا رسول الله إنّ الله إنّما أنجاني بالصّدق وإنّ من توبتي أن لا أحدّث إلّا صدقا ما بقيت. قال: فو الله ما علمت أنّ أحدا من المسلمين أبلاه الله «٦» في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا أحسن ممّا أبلاني الله به. والله ما تعمّدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإنّي لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: فأنزل الله- : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ (التوبة/ ١١٧- ١١٨) حتّى بلغ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (التوبة/ ١١٩) . قال كعب: والله ما أنعم الله عليّ من نعمة قطّ بعد إذ هداني الله للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ أن لا أكون كذبته «٧» فأهلك كما هلك الّذين كذبوا. إنّ الله قال للّذين كذبوا حين أنزل الوحي شرّ ما قال لأحد، وقال الله: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ

стр. 4872

لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ* يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (التوبة/ ٩٥- ٩٦) . قال كعب: كنّا خلّفنا أيّها الثّلاثة عن أمر أولئك الّذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له فبايعهم واستغفر لهم وأرجأ رسول الله ﷺ أمرنا حتّى قضى الله فيه. فبذلك قال الله- : وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وليس الّذي ذكر الله ممّا خلّفنا تخلّفنا عن الغزو، وإنّما هو تخليفه إيّانا، وإرجاؤه أمرنا «١» عمّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه) * «٢» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التخلف (القعود) عن الجهاد) معنى ٣-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا تبايعتم بالعينة «٣» ، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزّرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذلّا لا ينزعه حتّى ترجعوا إلى دينكم» ) * «٤» . ٤-* (عن صفوان بن عسّال- ﵁ قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النّبيّ. فقال صاحبه: لا تقل نبيّ؛ إنّه لو سمعك كان له أربعة أعين. فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بيّنات. فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولّوا الفرار يوم الزّحف. وعليكم خاصّة اليهود أن لا تعتدوا في السّبت. قال: فقبّلوا يده ورجله» . فقالا: نشهد أنّك نبيّ. قال: «فما يمنعكم أن تتّبعوني؟» قالوا: إنّ داود دعا ربّه أن لا يزال في ذرّيّته نبيّ، وإنّا نخاف- إن تبعناك- أن تقتلنا اليهود) * «٥» . ٥-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ أنّه قال: رأيت مروان بن الحكم جالسا في المسجد فأقبلت حتّى جلست إلى جنبه فأخبرنا أنّ زيد بن ثابت أخبره أنّ رسول الله ﷺ أملى عليّ لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال: فجاءه ابن أمّ مكتوم وهو يملّها عليّ فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت- وكان رجلا أعمى- فأنزل الله ﵎ على رسوله ﷺ وفخذه على فخذي. فثقلت عليّ حتّى خفت أن ترضّ فخذي، ثمّ سرّي عنه فأنزل الله

стр. 4873

- غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ (النساء/ ٩٥) «١» . ٦-* (عن سلمة بن نفيل الكنديّ- ﵁ قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ فقال رجل: يا رسول الله، أذال «٢» النّاس الخيل، ووضعوا السّلاح، وقالوا: لا جهاد، قد وضعت الحرب أوزارها «٣» ، فأقبل رسول الله ﷺ بوجهه وقال: «كذبوا. الآن جاء القتال، ولا يزال من أمّتي أمّة يقاتلون على الحقّ، ويزيغ «٤» الله لهم قلوب أقوام، ويرزقهم منهم، حتّى تقوم السّاعة، وحتّى يأتي وعد الله. الخيل معقود في نواصيها «٥» الخير إلى يوم القيامة، وهو يوحى إليّ: أنّي مقبوض غير ملبّث «٦» ، وأنتم تتّبعوني، أفنادا «٧» يضرب بعضكم رقاب بعض، وعقر دار «٨» المؤمنين الشّام» ) * «٩» . ٧-* (عن أبي بكر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ترك قوم الجهاد إلّا عمّهم الله بالعذاب» ) * «١٠» . ٨-* (عن أبي أمامة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «من لم يغز أو يجهّز غازيا أو يخلف غازيا في أهله بخير أصابه الله بقارعة» . قال يزيد بن عبد ربّه في حديثه: قبل يوم القيامة) * «١١» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات ولم يغز، ولم يحدّث به نفسه مات على شعبة من نفاق» . قال ابن سهم: قال عبد الله بن المبارك: فنرى «١٢» أنّ ذلك كان على عهد رسول الله ﷺ * «١٣» . ١٠-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «استنفر رسول الله ﷺ حيّا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم» ) * «١٤» .

стр. 4874

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التخلف (القعود) عن الجهاد) ١-* (قال عمر بن الخطّاب: «كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفرّ عن أبيه وأمّه، والجريء يقاتل عمّا لا يؤوب به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف، والشّهيد من احتسب نفسه على الله» ) *» . ٢-* (عن أبي عمران «٢» ﵁ قال: كنّا بمدينة الرّوم فأخرجوا إلينا صفّا عظيما من الرّوم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر- ﵁ وعلى الجماعة فضالة بن عبيد- ﵁ فحمل رجل من المسلمين على صفّ الرّوم حتّى دخل بينهم، فصاح النّاس، وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التّهلكة، فقام أبو أيّوب، فقال: أيّها النّاس إنّكم لتؤوّلون هذا التّأويل، وإنّما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لمّا أعزّ الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرّا دون رسول الله ﷺ : إنّ أموالنا قد ضاعت، وإنّ الله تعالى قد أعزّ الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيّه ﷺ يردّ علينا ما قلنا، وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (البقرة/ ١٩٥) . وكانت التّهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو، فما زال أبو أيّوب شاخصا في سبيل الله حتّى دفن بأرض الرّوم» ) * «٣» . ٣-* (عن ابن عون قال: «كتبت إلى نافع أسأله: ما أقعد ابن عمر عن الغزو، أو عن القوم إذا غزوا بما يدعون العدوّ قبل أن يقاتلوهم، وهل يحمل الرّجل إذا كان في الكتيبة بغير إذن إمامه؟ فكتب إليّ: أنّ ابن عمر قد كان يغزو ولده، ويحمل على الظّهر، وكان يقول: إنّ أفضل العمل بعد الصّلاة الجهاد في سبيل الله تعالى، وما أقعد ابن عمر عن الغزو إلّا وصايا لعمر وصبيان صغار وضيعة كثيرة، وقد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهم غارّون يسقون على نعمهم، فقتل مقاتلتهم، وسبى سباياهم، وأصاب جويرية بنت الحارث. قال: فحدّثني بهذا الحديث ابن عمر، وكان في ذلك الجيش وإنّما كانوا يدعون في أوّل الإسلام، وأمّا الرّجل فلا يحمل على الكتيبة إلّا بإذن إمامه» ) * «٤» . ٤-* (عن شقيق قال: «لقي عبد الرّحمن بن عوف الوليد بن عقبة فقال له الوليد: مالي أراك قد جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرّحمن: أبلغه أنّي لم أفرّ يوم حنين. قال عاصم: يقول: يوم أحد، ولم أتخلّف يوم بدر، ولم أترك سنّة عمر- رضي

стр. 4875

الله عنه- قال: فانطلق فخبّر ذلك عثمان. قال: فقال: أمّا قوله أنّي لم أفرّ يوم حنين فكيف يعيّرني بذنب وقد عفا الله عنه فقال إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ (آل عمران/ ١٥٥) وأمّا قوله إنّي تخلفت يوم بدر فإنّي كنت أمرّض رقيّة بنت رسول الله ﷺ حين ماتت، وقد ضرب لي رسول الله ﷺ بسهمي، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهمه فقد شهد، وأمّا قوله إنّي لم أترك سنّة عمر- ﵁ فإنّي لا أطيقها ولا هو، فأته فحدّثه بذلك» ) * «١» . ٥-* (وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي (التوبة/ ٤٩) أي إن كان إنمّا يخشى من نساء بني الأصفر وليس ذلك به فما سقط فيه من الفتنة بتخلّفه عن رسول الله ﷺ والرّغبة بنفسه عن نفس رسول الله أعظم، وهكذا روي عن ابن عبّاس ومجاهد وغير واحد أنّها نزلت في الجدّ بن قيس) * «٢» . ٦-* (وقال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ (التوبة/ ٣٨) قال المفسّرون: معناه اثّاقلتم إلى نعيم الأرض. وهو توبيخ على ترك الجهاد وعتاب على التّقاعد عن المبادرة إلى الخروج، وهو نحو من أخلد إلى الأرض» ) * «٣» . ٧-* (وقال- ﵀ في تفسير قوله تعالى: إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (التوبة/ ٣٩) ... وهذا تهديد ووعيد مؤكّد في ترك النّفير» ) * «٤» . ٨-* (وقال أيضا: «إنّ المراد بهذه الآية وجوب النّفير عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم» ) * «٥» . من مضار (التخلف (القعود) عن الجهاد) (١) أنّ السّعي في إبطال الجهاد والتخلّف عنه سبب لشمول اللّعنة من الله- وفي التّقاعس عنه تفويت لكثير من الخير. (٢) القعود عن الجهاد يسبّب كثيرا من المفاسد العاجلة والآجلة: فأمّا العاجلة فإنّه يستعدي الكفّار على المسلمين ويطمعهم في بلادهم، وأمّا الآجلة فإنّه سبب لتراكم الذّنوب والمعاصي. (٣) إذا تخلّف المسلمون عن الجهاد كثر الفساد في الأرض وضاعت فرص السّلم والسّلام. (٤) يورث الذّلّ في الدّنيا والهوان على الله في الآخرة. (٥) مظهر من مظاهر النّفاق وسوء الأخلاق. (٦) به تنتهك الحرم وتنهزم الأمم. (٧) دليل الجبن والخنوع والانهزاميّة.

стр. 4876

ترك الصلاة الترك لغة: مصدر قولهم: تركت الشّيء تركا، أي خلّيته، وهو مأخوذ من مادّة (ت ر ك) الّتي تدلّ على «التّخلية عن الشّيء» وهو قياس الباب، ولذلك تسمّى البيضة بالعراء تريكة، وتركة الميّت: ما يتركه من تراثه، وقال الرّاغب: ترك الشّيء: رفضه قصدا واختيارا أو قهرا واضطرارا، ومن الأوّل قوله تعالى وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ (الكهف/ ٩٩) ومن الثّاني قوله- كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (الدخان/ ٢٥) والتّريكة من النّساء: الّتي تترك فلا يتزوّجها أحد، والتّريكة أيضا: روضة يغفلها النّاس فلا يرعونها، يقال تاركته البيع متاركة (أي تركت البيع منه وترك البيع منّي) ، وقولهم: فما اتّرك: أي ما ترك شيئا، وتراك بمعنى: اترك اسم لفعل الأمر من ترك، وقال ابن منظور: التّرك: ودعك الشّيء، يقال: تركه يتركه تركا واتّركه. والتّرك في قوله تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (الصافات/ ٧٨) أي أبقينا عليه، وفي الحديث الشّريف: «العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة. الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٥/ ١٣/ ١٨ فمن تركها فقد كفر» قال ابن الأثير: قيل: هو لمن تركها جاحدا، وقيل: أراد المنافقين؛ لأنّهم يصلّون رياء ولا سبيل عليهم حينئذ، ولو تركوها في الظّاهر كفروا، وقيل أراد بالتّرك: تركها مع الإقرار بوجوبها أو حتّى يخرج وقتها، ولذلك ذهب أحمد بن حنبل إلى أنّه يكفر بذلك حملا للحديث على ظاهره، وقال الشّافعيّ: يقتل بتركها ويصلّى عليه ويدفن مع المسلمين «١» . الصلاة اصطلاحا: (انظر صفة الصّلاة) . ترك الصلاة اصطلاحا: أن يدع الإنسان إقامة الصّلاة المفروضة عمدا «٢» . ترك الصلاة وإضاعة الصلاة والسهو عن الصلاة: أمّا ترك الصّلاة: فهو عدم إقامتها عمدا، وأمّا إضاعتها فقد قال ابن مسعود: وليس معنى أضاعوها تركوها بالكلّيّة. ولكن أخّروها عن أوقاتها، وقال سعيد ابن المسيّب إمام التّابعين: هو أن لا يصلّي الظّهر حتّى يأتي العصر، ولا يصلّي العصر إلى المغرب، ولا يصلّي المغرب إلى العشاء، ولا يصلّي العشاء إلى الفجر، ولا

стр. 4877

يصلّي الفجر إلى طلوع الشّمس، فمن مات وهو مصرّ على هذه الحالة ولم يتب أوعده الله بغيّ، وهو واد في جهنّم بعيد قعره، شديد عقابه «١» . وقال القرظيّ (محمّد بن كعب) : هي إضاعة كفر وجحود بها وقيل: إضاعة أوقاتها وعدم القيام بحقوقها، قال القرطبيّ: وهو الصّحيح «٢» . أمّا السّهو عن الصّلاة فقد اختلف فيه على أقوال عديدة ذكر منها الإمام الطّبريّ: ١- تأخيرها عن وقتها: روي عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: أرأيت قول الله- الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (الماعون/ ٥) . أهي تركها: قال: لا. ولكنّه تأخيرها عن وقتها. ٢- وقيل عنى بذلك (بالسّهو) أنّهم يتركونها فلا يصلّونها، وذكر من قال ذلك عن ابن عبّاس في قوله فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (الماعون/ ٤- ٥) فهم المنافقون. كانوا يراءون النّاس بصلاتهم إذا حضروا ويتركونها إذا غابوا وقيل أيضا عن مجاهد في عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قال: التّرك لها. ٣- يتهاونون بها ويتغافلون عنها. قال مجاهد قوله عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قال: لاهون، وعن قتادة ساهُونَ: غافلون. وقال ابن زيد في قوله الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (الماعون/ ٥) يصلّون وليست الصّلاة من شأنهم، وعن مجاهد ساهُونَ يتهاونون. قال الطّبريّ: وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصّواب قوله ساهُونَ: لاهون. يتغافلون عنها وفي اللهو عنها والتشاغل بغيرها تضييعها أحيانا وتضييع وقتها أخرى وإذا كان كذلك صحّ بذلك قول من قال: عنى بذلك ترك وقتها وقول من قال عنى تركها. وممّا يؤيّد ذلك ما روي عن سعد بن أبي وقّاص قال: سألت النّبيّ ﷺ عن الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قال هم الّذين يؤخّرون الصّلاة عن وقتها، وما روي عن أبي برزة الأسلميّ قال: قال رسول الله ﷺ «لمّا نزلت هذه الآية» «٣» . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ «هذا خير لكم من أن لو أعطي كلّ رجل منكم مثل جميع الدّنيا هو الّذي إن صلّى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربّه» . حكم ترك الصلاة: وقال ابن القيّم ﵀: «لا يختلف المسلمون أنّ ترك الصّلاة المفروضة عمدا من أعظم الذّنوب وأكبر الكبائر، وأنّ إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النّفس، وأخذ الأموال، ومن إثم الزّنى والسّرقة وشرب الخمر، وأنّه متعرّض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدّنيا والآخرة. وقد كان عمر بن الخطّاب ﵁ يكتب إلى الآفاق، أنّ أهمّ أموركم عندي الصّلاة، فمن حفظها، حفظ دينه، ومن ضيّعها فهو لما سواها أضيع، ولا حظّ في الإسلام

стр. 4878

لمن ترك الصّلاة، والصّلاة أوّل فروض الإسلام، وهي آخر ما يفقد من الدّين، فهي أوّل الإسلام وآخره، فإذا ذهب أوّله وآخره فقد ذهب جميعه، وكلّ شيء ذهب أوّله وآخره فقد ذهب جميعه» «١» . وقد عدّ ابن حجر تعمّد ترك الصّلاة من الكبائر، وذكر قول الله تعالى: ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (المدثر/ ٤٢- ٤٣) ونقل بعضهم أنّه صحّ عن النّبيّ ﷺ أنّ تارك الصّلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النّبيّ ﷺ أنّ تارك الصّلاة عمدا من غير عذر حتّى يذهب وقتها كافر، وقال أيّوب: ترك الصّلاة كفر لا يختلف فيه «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: اتباع الهوى- الإعراض- التفريط والإفراط- انتهاك الحرمات- التهاون- الإلحاد- الزندقة- الضلال- الكفر- الردة- الإهمال- العصيان- الفسوق- الكسل- الفجور. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الصلاة- الذكر- العبادة- تعظيم الحرمات- الإيمان- الإسلام- الطاعة- الاتباع- الدعاء- الضراعة والتضرع- الابتهال- التوسل- القنوت- الاستغفار التوبة] .

стр. 4879

الآيات الواردة في «ترك الصلاة» ١- إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) «١» ٢- وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤) «٢» ٣- فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) «٣» ٤- كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) «٤» ٥- فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) «٥»

стр. 4880

الأحاديث الواردة في ذمّ (ترك الصلاة) ١-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ قال: أوصاني خليلي رسول الله ﷺ ، بسبع خصال، فقال: «لا تشركوا بالله شيئا وإن قطّعتم أو حرّقتم أو صلّبتم، ولا تتركوا الصّلاة متعمّدين، فمن تركها متعمّدا فقد خرج من الملّة، ولا تركبوا المعصية، فإنّها سخط الله، ولا تشربوا الخمر، فإنّها رأس الخطايا» ) * «١» . ٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بين الرّجل وبين الشّرك والكفر ترك الصّلاة» ) * «٢» . ٣-* (عن ثوبان- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بين العبد وبين الكفر والإيمان الصّلاة، فإذا تركها فقد أشرك» ) * «٣» . ٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «عرى الإسلام، وقواعد الدّين ثلاثة عليهنّ أسّس الإسلام، من ترك واحدة منهنّ فهو بها كافر، حلال الدّم: شهادة أن لا إله إلّا الله، والصّلاة المكتوبة، وصوم رمضان» ) * «٤» . ٥-* (عن بريدة الأسلميّ- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة، فمن تركها فقد كفر» ) * «٥» . ٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لمّا قام «٦» بصري قيل: نداويك وتدع الصّلاة أيّاما، قال: لا، إنّ رسول الله ﷺ ، قال: «من ترك الصّلاة لقي الله وهو عليه غضبان» ) * «٧» . ٧-* (عن أبي المليح قال: كنّا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكّروا بصلاة العصر، فإنّ النّبيّ ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» ) * «٨» .

стр. 4881

الأحاديث الواردة في ذمّ (ترك الصلاة) معنى ٨-* (عن سمرة بن جندب- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعني ممّا يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟. قال: فيقصّ عليه ما شاء الله أن يقصّ، وإنّه قال لنا ذات غداة: إنّه أتاني اللّيلة آتيان وإنّهما ابتعثاني «١» وإنّهما قالا لي: انطلق، وإنّي انطلقت معهما، وإنّا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة، وإذا هو يهوي بالصّخرة لرأسه فيثلغ «٢» رأسه فيتدهده «٣» الحجر هاهنا، فيتبع الحجر فيأخذه فلا يرجع إليه حتّى يصحّ رأسه كما كان، ثمّ يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل به المرّة الأولى ... الحديث. وفيه «قال: قلت لهما: فإنّي قد رأيت منذ اللّيلة عجبا، فما هذا الّذي رأيت؟ قال: قالا لي: أما إنّا سنخبرك: أمّا الرّجل الأوّل الّذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر فإنّه الرّجل يأخذ بالقرآن فيرفضه وينام عن الصّلاة المكتوبة ... الحديث» ) *» . ٩-* (عن ابن مسعود- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال لقوم يتخلّفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر رجلا يصلّي بالنّاس، ثمّ أحرّق على رجال يتخلّفون عن الجمعة بيوتهم» ) * «٥» . ١٠-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «الّذي تفوته صلاة العصر كأنّما وتر أهله «٦» وماله» ) * «٧» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، لقد هممت أن آمر المؤذّن فيقيم، ثمّ آمر رجلا يؤمّ النّاس، ثمّ آخذ شعلا من نار فأحرّق على من لا يخرج إلى الصّلاة بعد» ) * «٨» . ١٢-* (عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة- ﵃ أنّهما سمعا رسول الله ﷺ يقول، على أعواد منبره: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم «٩» الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين» ) * «١٠» . ١٣-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصّلاة إلّا قد استحوذ عليهم الشّيطان. فعليك بالجماعة فإنّما يأكل الذّئب من الغنم القاصية» ) * «١١» .

стр. 4882

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (ترك الصلاة) ١-* (عن عمر- ﵁ قال: «لا إسلام لمن لم يصلّ» ) * «١» . ٢-* (قال عليّ- ﵁: «من ترك صلاة واحدة متعمّدا، فقد برئ من الله وبرىء الله منه» ) * «٢» . ٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ في قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (مريم/ ٥٩) قال: «هو نهر في جهنّم خبيث الطّعم بعيد القعر» ) * «٣» . ٤-* (عن عبد الله- ﵁ قال: من سرّه أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصّلوات حيث ينادى بهنّ، فإنّ الله شرع لنبيّكم ﷺ سنن الهدى، وإنّهنّ من سنن الهدى ولو أنّكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلّي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سنّة نبيّكم، ولو تركتم سنّة نبيّكم لضللتم، وما من رجل يتطهّر فيحسن الطّهور ثمّ يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلّا كتب الله له بكلّ خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحطّ عنه بها سيّئة، ولقد رأيتنا وما يتخلّف عنها إلّا منافق معلوم النّفاق. ولقد كان الرّجل يؤتى به يهادى بين الرّجلين حتّى يقام في الصّفّ» ) * «٤» . ٥-* (عن عبد الله بن شقيق العقيلي- ﵁ قال: «كان أصحاب محمّد ﷺ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصّلاة» ) * «٥» . ٦-* (عن زرّ بن حبيش، قال: كان عبد الله ﵁ يعجبه أن يقعد حيث تعرض المصاحف، فجاءه ابن رجل من ثقيف، فقال: أيّ درجات الإسلام أفضل؟ قال: «الصّلاة على وقتها، من ترك الصّلاة فلا دين له» ) * «٦» . ٧-* (عن مصعب بن سعد- ﵁ قال: قلت لأبي: يا أبتاه أرأيت قوله- ﵎ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (الماعون/ ٥) أيّنا لا يسهو، أيّنا لا يحدّث نفسه؟ قال: ليس ذاك، إنّما هو إضاعة الوقت بلهو حتّى يضيع الوقت» ) * «٧» . ٨-* (عن سعيد الأنصاريّ، أنّه حدّث عن سعد بن عمارة أخي ابن سعد بن بكر وكانت له صحبة؛ أنّ رجلا قال له: عظني في نفسي، رحمك الله فقال: إذا أنت قمت إلى الصّلاة، فأسبغ الوضوء، فإنّه لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا إيمان لمن لا صلاة له، ثمّ

стр. 4883

إذا صلّيت، فصلّ صلاة مودّع، واترك طلب كثير من الحاجات؛ فإنّه فقر حاضر، وأجمع اليأس ممّا عند النّاس فإنّه هو الغنى، وانظر إلى ما تعتذر منه من القول والفعل فاجتنبه» ) * «١» . ٩-* (عن معقل الخثعميّ، أنّ رجلا سأل عليّ بن أبي طالب- ﵁ عن امرأة لا تصلّي؟ فقال عليّ- ﵁: «من لم يصلّ فهو كافر» ) * «٢» . ١٠-* (عن محمّد بن كعب القرظيّ في قوله تعالى: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قال: «هو تركها» ) * «٣» . ١١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ صاحب رسول الله ﷺ قال: قلت له: ما كان يفرّق بين الكفر والإيمان عندكم من الأعمال في عهد رسول الله ﷺ ؟ قال: «الصّلاة» ) * «٤» . ١٢-* (عن محمّد بن سيرين قال: «نبّئت أنّ أبا بكر وعمر- ﵄ كانا يعلّمان النّاس الإسلام: تعبد الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصّلاة الّتي افترض الله تعالى بمواقيتها، فإنّ في تفريطها الهلكة» ) * «٥» . ١٣-* (عن الضّحّاك في قوله تعالى: لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ (المنافقون/ ٩) قال: «الصّلوات الخمس» ) * «٦» . ١٤-* (عن القاسم بن مخيمرة في قوله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (مريم/ ٥٩) قال: أضاعوها عن مواقيتها» ) * «٧» . ١٥-* (قال الإمام أحمد- ﵀: «كلّ شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه، فإذا ذهبت صلاة المرء ذهب دينه» ) * «٨» . ١٦-* (قال الإمام أبو عبد الله المروزيّ ﵀: «لقد شدّد ﵎ الوعيد في تركها، ووكّده على لسان نبيّه ﷺ بأنّ تاركها يخرج من الإيمان بتركها، ولم تجعل فريضة من أعمال العباد علامة بين الكفر والإيمان إلّا الصّلاة، فقال: ليس بين العبد وبين الكفر من الإيمان إلّا ترك الصّلاة» فأخبر أنّها نظام للتّوحيد، ويكفر بتركها، كما يكفر بترك التّوحيد» ) * «٩» . ١٧-* (قال الحافظ عبد العظيم المنذريّ: قد ذهب جماعة من الصّحابة، ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصّلاة متعمّدا لتركها حتّى يخرج جميع وقتها، منهم: عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود،

стр. 4884

وعبد الله بن عبّاس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدّرداء- ﵃ ومن غير الصّحابة: أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنّخعيّ، والحكم بن عتيبة، وأيّوب السّختيانيّ، وأبو داود الطّيالسيّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب. وغيرهم- رحمهم الله تعالى-» ) * «١» . ١٨-* (قال محمّد بن نصر المروزيّ: سمعت إسحاق يقول: كان رأي أهل العلم من لدن النّبيّ ﷺ : أنّ تارك الصّلاة عمدا من غير عذر حتّى يذهب وقتها كافر» ) * «٢» . من مضار (ترك الصلاة) (١) طريق يؤدّي إلى الكفر والخروج من الملّة. (٢) استحقاق سخط الله وغضبه. (٣) حلول النّقم وذهاب النّعم. (٤) دليل على قلّة توفيق المرء وسوء عاقبته. (٥) البعد عن الله والبغض من النّاس. (٦) يورث الهوان والذّلّ في الدّنيا والآخرة. (٧) يحشر صاحبها مع هامان وقارون وفرعون وأبيّ بن خلف. (٨) يصحرم صاحبها نعمة لقاء الله ويسمّى مضيّعا لأمانة الله. (٩) يحرم من أهمّ مصدر لتكفير السّيّئات وزيادة الحسنات.

стр. 4885

التسول التسول في اللغة: التّسوّل أصلها التّسؤّل وهي مأخوذة من مادّة (س أل) ، والسّؤال ما يسأله الإنسان. وقرىء أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (طه/ ٣٦) بالهمز، وبغير الهمز. وسألته الشّيء، وسألته عن الشّيء سؤالا ومسألة «١» . يقول الرّاغب: «السّؤل: الحاجة الّتي تحرص النّفس عليها، والتّسويل تزيين النّفس لما تحرص عليه، وتصوير القبيح منه بصورة الحسن، قال تعالى: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ (يوسف/ ١٨) ، وقال أيضا: السّؤال: استدعاء معرفة أو ما يؤدّي إلى المعرفة واستدعاء مال، أو ما يؤدّي إلى المال، فاستدعاء المعرفة، جوابه على اللّسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال جوابه على اليد، واللّسان خليفة لها إمّا بوعد أو بردّ «٢» . ويقول الأزهريّ: وأصل السّؤال مهموز، غير أنّ العرب استثقلوا ضغطة الهمزة فيه فخفّفوا الهمزة، الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٥/ ٨/ ٥ وسؤلة كهمزة: الكثير السّؤال من النّاس، بالهمز وبغير الهمز «٣» والسّول والسّولة بالضّمّ، المسألة، والفرق بينها وبين الأمنيّة «٤» أنّ السّولة فيما طلب، والأمنيّة فيما قدّر، وكأنّ السّولة تكون بعد الأمنيّة، والتّسوّل بمعناه الحاضر مولّد، فقد جاء في المعجم الوسيط «تسوّل» استعطى (مولّد) «٥» . التسول اصطلاحا: لم تذكر كتب الاصطلاحات القديمة «التّسوّل» ضمن ما أوردته، وقد تكفّلت بذلك المعاجم الحديثة، فقال أحمد بدويّ: التّسوّل: طلب الصّدقة من الأفراد في الطّرق العامّة، والمتسوّل: الشّخص الّذي يتعيّش من التّسوّل ويجعل منه حرفة له ومصدرا وحيدا للرّزق «٦» . ويعتبر التّسوّل في بعض البلاد جريمة يعاقب عليها، خاصّة إذا كان المتسوّل صحيح البدن، كما يكون التّسوّل محظورا، حيث توجد مؤسّسات خيريّة» ، وأضاف بعضهم: أو إذا هدّد المتسوّل أمن

стр. 4886

المجتمع؛ أو دخل في مسكن دون استئذان «١» . حكم التسول: قال أبو حامد الغزاليّ- ﵀: السّؤال حرام في الأصل، وإنّما يباح بضرورة أو حاجة مهمّة قريبة من الضّرورة، وإنّما قلنا: إنّ الأصل فيه التّحريم لأنّه لا ينفكّ عن ثلاثة أمور محرّمة: الأوّل: إظهار الشّكوى من الله تعالى، إذ السّؤال إظهار للفقر، وذكر لقصور نعمة الله تعالى عنه وهو عين الشّكوى. الثّاني: أنّ فيه إذلال السّائل نفسه لغير الله تعالى وليس للمؤمن أن يذلّ نفسه لغير الله بل عليه أن يذلّ نفسه لمولاه، فإنّ فيه عزّه. فأمّا سائر الخلق فإنّهم عباد أمثاله، فلا ينبغي أن يذلّ لهم إلّا لضرورة، وفي السّؤال ذلّ للسّائل بالإضافة إلى إيذاء المسئول. الثّالث: أنّه لا ينفكّ عن إيذاء المسئول غالبا، لأنّه ربّما لا تسمح نفسه بالبذل عن طيب قلب منه فإن بذل حياء من السّائل، أو رياء فهو حرام على الآخذ، وإن منع ربّما استحيا وتأذّى في نفسه بالمنع، إذ يرى نفسه في صورة البخلاء، ففي البذل نقصان ماله، وفي المنع نقصان جاهه، وكلاهما مؤذيان، والسّائل هو السّبب في الإيذاء، والإيذاء حرام إلّا بضرورة «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الذل- اتباع الهوى صغر الهمة- الكسل- التخاذل- التهاون- الطمع. وفي ضد ذلك: انظر صفات: العزة- العمل- النشاط- العفة- القناعة- النزاهة- الرضا- الزهد- النشاط- قوة الإرادة- الشرف] .

стр. 4887

الآيات الواردة في «التسول» * ١- لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) «١» ٢- لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) «٢» ٣- وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) «٣» ٤- وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) «٤» ٥- وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) «٥»

стр. 4888

الأحاديث الواردة في ذمّ (التسول) معنى ١-* (عن قبيصة بن مخارق الهلاليّ- ﵁ قال: تحمّلت حمالة «١» فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها. فقال: «أقم حتّى تأتينا الصّدقة فنأمر لك بها» قال: ثمّ قال: «يا قبيصة! إنّ المسألة لا تحلّ إلّا لأحد ثلاثة: رجل تحمّل حمالة فحلّت له المسألة حتّى يصيبها ثمّ يمسك. ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلّت له المسألة حتّى يصيب قواما من عيش «٢» (أو قال: سدادا من عيش) . ورجل أصابته فاقة حتّى يقول ثلاثة من ذوي الحجا «٣» من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة. فحلّت له المسألة حتّى يصيب قواما من عيش (أو قال سدادا من عيش) فما سواهنّ من المسألة، يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا «٤» » ) * «٥» . ٢-* (عن أبي كبشة الأنماريّ- ﵁ قال: إنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث أقسم عليهنّ وأحدّثكم حديثا فاحفظوه» قال: «ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلّا زاده الله عزّا، ولا فتح عبد باب مسألة إلّا فتح الله عليه باب فقر» أو كلمة نحوها «وأحدّثكم حديثا فاحفظوه» قال: «إنّما الدّنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتّقي فيه ربّه، ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقّا، فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النّيّة يقول: لو أنّ لي مالا لعملت بعمل فلان فهو نيّته فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم: لا يتّقي فيه ربّه ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقّا، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أنّ لي مالا لعملت فيه بعمل فلان. فهو نيّته فوزرهما سواء» ) * «٦» . ٣-* (عن حكيم بن حزام- ﵁ قال: سألت النّبيّ ﷺ فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني، ثمّ قال: «إنّ هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ومن أخذه بإشراف «٧» نفس لم يبارك فيه وكان كالّذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السّفلى» ) * «٨» . ٤-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجّة الوداع من وجع اشتدّ بي، فقلت: إنّي قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلّا ابنة لي، أفأتصدّق بثلثي مالي؟ قال: «لا» . فقلت: بالشّطر؟ فقال: «لا» . ثمّ قال: «الثّلث، والثّلث كبير- أو كثير-. إنّك أن تذر

стр. 4889

ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون النّاس «١» ، وإنّك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلّا أجرت بها حتّى ما تجعل في في امرأتك» «٢» . فقلت: يا رسول الله أخلّف بعد أصحابي؟ قال: «إنّك لن تخلّف «٣» ، فتعمل عملا صالحا إلّا ازددت به درجة ورفعة، ثمّ لعلّك أن تخلّف حتّى ينتفع بك أقوام ويضرّ بك آخرون. اللهمّ أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردّهم على أعقابهم» لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكّة) * «٤» . ٥-* (عن عوف بن مالك الأشجعيّ- ﵁ قال: كنّا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة. فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنّا حديث عهد ببيعة «٥» . فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله ثمّ قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثمّ قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله! فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، الصّلوات الخمس، وتطيعوا (وأسرّ كلمة خفيّة) ، ولا تسألوا النّاس شيئا، فلقد رأيت بعض أولئك النّفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدا يناوله إيّاه» ) * «٦» . ٦-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ ، قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتّى يلقى الله، وليس في وجهه مزعة لحم «٧» » ) * «٨» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «ليس المسكين بهذا الطّوّاف الّذي يطوف على النّاس، فتردّه اللّقمة واللّقمتان، والتّمرة والتّمرتان» . قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: «الّذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدّق عليه، ولا يسأل النّاس شيئا» ) * «٩» . ٨-* (عن ثوبان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من يكفل لي أن لا يسأل النّاس شيئا وأتكفّل له بالجنّة؟» فقال ثوبان: أنا. فكان لا يسأل أحدا شيئا) * «١٠» .

стр. 4890

من الآثار الواردة في ذمّ (التسول) ١-* (سمع عمر- ﵁ سائلا يسأل بعد المغرب، فقال لواحد من قومه: عشّ الرّجل، فعشّاه، ثمّ سمعه ثانيا يسأل، فقال: ألم أقل لك عشّ الرّجل؟ قال: قد عشّيته. فنظر عمر، فإذا تحت يده مخلاة مملوءة خبزا فقال: لست سائلا ولكنّك تاجر. ثمّ أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصّدقة، وضربه بالدّرّة «١» وقال: لا تعد) * «٢» . ٢-* (قال الشّاعر: لا تحسبنّ الموت موت البلى ... فإنّما الموت سؤال الرّجال كلاهما موت ولكنّ ذا ... أشدّ من ذاك لذلّ السؤال) * «٣» . ٣-* (قال الشّاعر: من يسأل النّاس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب ٤-* (وقال آخر: ومتى تصبك خصاصة فارج الغنى ... وإلى الّذي يهب الرّغائب فارغب) * «٤» . ٥-* (قال مؤنس: إنّ الوقوف على الأبواب حرمان ... والعجز أن يرجو الإنسان إنسان متى تؤمّل مخلوقا وتقصده ... إن كان عندك بالرّحمن إيمان؟ ثق بالّذي هو يعطي ذا ويمنع ذا ... في كلّ يوم له في خلقه شان) * «٥» . من مضار (التسول) (١) يورث الذّلّ والهوان في الدّنيا والآخرة. (٢) عمل دنيء تمجّه الأذواق السّليمة. (٣) استحقاق الوعيد عليه في الآخرة. (٤) دليل على دناءة النّفس وحقارتها. (٥) يورث سفولا وانحطاطا في المجتمع. (٦) انتزاع البركة من المال. (٧) حرمان إجابة الدّعاء. (٨) دليل على سوء الخاتمة.

стр. 4891

التشامل التشامل لغة: مصدر قولهم: تشامل أي أخذ جهة الشّمال وهو ضدّ التّيامن، وهو مأخوذ من مادّة (ش م ل) الّتي تدلّ على الجانب الّذي يخالف اليمين» ، ومن ذلك: اليد الشّمال ومنه: الرّيح الشّمال، لأنّها تأتي عن شمال القبلة إذا استند المستند إليها من ناحية العراق، ويقال للثّوب يغطّى به: الشّمال تسمية له باسم العضو الّذي يستره، والاشتمال بالثّوب: أن يلتفّ به الإنسان فيطرحه على الشّمال، وفي الحديث نهي عن اشتمال الصّمّاء، أي أن يجلّل جسده كلّه بالكساء أو الإزار وأشمل الرّجل من الشّمال (أي دخل في جهة الشّمال) كقولهم: أجنب من الجنوب، ويقال: أشمل القوم: إذا دخلوا في ريح الشمال فإذا أردت أنّها أصابتهم قلت: شملوا. والشّمال: الرّيح الّتي تهبّ من ناحية القطب وفيها لغات «٢» . عديدة وجمعها شمالات، وشمائل. وغدير مشمول: تضربه ريح الشّمال حتّى يبرد، ومنه قيل للخمر: مشمولة إذا كانت باردة الطّعم، والنّار مشمولة: إذا هبّت عليها ريح الشّمال ويقال: شملت الرّيح تشمل شمولا أي تحوّلت شمالا، ريح الشّمال، واليد الشّمال (بالكسر) الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩/ ١٧/ ٥ خلاف اليمين والجمع أشمل لأنّها مؤنّثة وشمائل أيضا على غير قياس. وقال ابن منظور: جمع الشّمال: أشمل وشمائل، وشمل. وفي التّنزيل العزيز: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ (النحل/ ٤٨) . وفيه أيضا: وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ (الأعراف/ ١٧) والعرب تقول: فلان عندي باليمين أي بمنزلة حسنة، وإذا خسّت منزلته قالوا: أنت عندي بالشّمال. والشّمال: الشّؤم حكاه ابن الأعرابيّ والشّمال: الطّبع والجمع شمائل، وهو أيضا: الخلق «٣» . ويرادف التّشامل: التّياسر. التشامل اصطلاحا: وإذا كان التّشامل نقيض التّيمّن ويرادف التّياسر، وكان التّيمّن: هو الابتداء في الأفعال باليد اليمنى والرّجل اليمنى والجانب الأيمن فإنّنا نستطيع على ضوء ذلك أن نعرّف التّشامل بأنّه: الابتداء في الأفعال باليد اليسرى أو الرّجل اليسرى والجانب الأيسر. [للاستزادة: انظر صفات: التطير- القدوة السيئة- الغي والإغواء- اتباع الهوى- الإصرار على الذنب. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التيمن- الأسوة الحسنة- الاتباع- الطاعة] .

стр. 4892

الآيات الواردة في «التشامل» الشمال مقترنا باليمين (دون مدح أو ذم) : ١- وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣) قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥) قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) «١» ٢- أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠) وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) «٢» ٣- أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ

стр. 4893

عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) «١» ٤- لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) «٢» ٥- وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) «٣» ٦- فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) «٤» الشمال مشعرا بالذم: ٧- إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١)

стр. 4894

لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) «١» ٨- وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) «٢» ٩- فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ (٣٢) «٣»

стр. 4895

الأحاديث الواردة في ذمّ (التشامل) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، وإذا انتزع فليبدأ بالشّمال، لتكن اليمنى أوّلهما تنعل وآخرهما تنزع» ) * «١» . ٢-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» ) *. وفي رواية: «لا يأكلنّ أحد منكم بشماله، ولا يشربنّ بها؛ فإنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بها» ) * «٢» . ٣-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- ﵁ أنّه قال: «إنّ رسول الله ﷺ : أتي بشراب فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ. فقال للغلام: أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» فقال الغلام: لا، والله لا أوثر بنصيبي منك أحدا. فتلّه «٣» . رسول الله ﷺ في يده) * «٤» . ٤-* (عن سلمة بن الأكوع- ﵁ أنّه قال: إنّ رجلا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع. قال: «لا استطعت» ما منعه إلّا الكبر قال: فما رفعها إلى فيه» ) * «٥» . ٥-* (عن أبي سعيد- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ أبصر نخامة «٦» في قبلة المسجد فحكّها بحصاة، ثمّ نهى أن يبزق الرّجل بين يديه أو عن يمينه ولكن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى) * «٧» . ٦-* (عن أبي قتادة- ﵁ أنّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الرّؤيا من الله، والحلم من الشّيطان، فإذا حلم أحدكم حلما يكرهه فلينفث عن يساره ثلاثا، وليتعوّذ بالله من شرّها؛ فإنّها لن تضرّه» ) * «٨» . ٧-* (عن وائل بن حجر- ﵁ قال: إنّه رأى النّبيّ ﷺ رفع يديه حين دخل في الصّلاة. كبّر حيال أذنيه، ثمّ التحف بثوبه، ثمّ وضع يده اليمنى على اليسرى، فلمّا أراد أن يركع أخرج يديه من الثّوب، ثمّ رفعهما، ثمّ كبّر فركع. فلمّا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، فلمّا سجد سجد بين كفّيه) * «٩» . ٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄

стр. 4896

أنّه قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: «يا أيّها النّاس، إنّكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا. ثمّ قال: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (الأنبياء/ ١٠٤) إلى آخر الآية. ثمّ قال: «ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم. ألا وإنّه يجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذات الشّمال، فأقول: يا ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصّالح: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم. فيقال إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم» ) * «١» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سبعة يظلّهم الله تعالى في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: إمام عادل، وشابّ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ) * «٢» . ١٠-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فرج سقف بيتي وأنا بمكّة، فنزل جبريل ﷺ ففرج صدري، ثمّ غسله من ماء زمزم، ثمّ جاء بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا، فأفرغها في صدري، ثمّ أطبقه، ثمّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السّماء. فلمّا جئنا السّماء الدّنيا قال جبريل ﵇ لخازن السّماء الدّنيا: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم. معي محمّد ﷺ . قال: فأرسل إليه؟ قال: نعم. ففتح، قال: فلمّا علونا السّماء الدّنيا فإذا رجل عن يمينه أسودة «٣» . وعن يساره أسودة. قال: فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والابن الصّالح. قال: قلت: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا آدم ﷺ . وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه «٤» : فأهل اليمين أهل الجنّة، والأسودة الّتي عن شماله أهل النّار فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى. قال: ثمّ عرج بي جبريل حتّى أتى السّماء الثّانية فقال لخازنها: افتح. قال: فقال له خازنها مثل ما قال خازن السّماء الدّنيا؛ ففتح. فقال أنس بن مالك: فذكر أنّه وجد في السّماوات آدم وادريس وعيسى وموسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين- ولم يثبت كيف منازلهم. غير أنّه ذكر أنّه قد وجد آدم ﵇ في السّماء الدّنيا، وإبراهيم في السّماء السّادسة قال: فلمّا مرّ جبريل ورسول الله ﷺ بإدريس صلوات الله عليه

стр. 4897

قال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح. قال: ثمّ مرّ فقلت: من هذا؟ فقال: هذا إدريس. قال: ثمّ مررت بموسى ﵇ فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح. قال: قلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. قال: ثمّ مررت بعيسى. فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والأخ الصّالح. قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى ابن مريم. قال: ثمّ مررت بإبراهيم ﵇ فقال: مرحبا بالنّبيّ الصّالح والابن الصّالح قال: قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم ثمّ عرج بي حتّى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام «١» ففرض الله على أمّتي خمسين صلاة. قال: فرجعت بذلك حتّى أمرّ بموسى، فقال موسى ﵇: ماذا فرض ربّك على أمّتك؟ قال: قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. قال لي موسى ﵇: فراجع ربّك، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك. قال: فراجعت ربّي فوضع شطرها. قال: فرجعت إلى موسى ﵇ فأخبرته، قال: راجع ربّك، فإنّ أمّتك لا تطيق ذلك. قال: فراجعت ربّي. فقال: هي خمس وهي خمسون. لا يبدّل القول لديّ. قال: فرجعت إلى موسى. فقال: راجع ربّك. فقلت: قد استحييت من ربّي. قال: ثمّ انطلق بي جبريل حتّى نأتي سدرة المنتهى. فغشيها ألوان لا أدري ما هي. قال: ثمّ أدخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ «٢» اللّؤلؤ، وإذا ترابها المسك» ) * «٣» . ١١-* (عن أنس- ﵁ أنّه قال: قدم النّبيّ ﷺ المدينة وأنا ابن عشر. ومات وأنا ابن عشرين، وكنّ أمّهاتي يحثثنني على خدمته فدخل علينا دارنا فحلبنا له من شاة داجن «٤» وشيب «٥» . له من بئر في الدّار. فشرب رسول الله ﷺ ، فقال له عمر- وأبو بكر عن شماله-: يا رسول الله أعط أبا بكر، فأعطاه أعرابيّا عن يمينه وقال رسول الله ﷺ : «الأيمن فالأيمن» ) * «٦» . ١٢-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل بدأ بيمينه فصبّ عليها من الماء فغسلها، ثمّ صبّ الماء على الأذى الّذي به بيمينه، وغسل عنه بشماله. حتّى إذا فرغ من ذلك صبّ على رأسه» ) * «٧» . ١٣-* (عن ميمونة- ﵂ أنّها قالت: وضعت للنّبيّ ﷺ ماء للغسل فغسل يديه مرّتين- أو ثلاثا- ثمّ أفرغ على شماله فغسل مذاكيره» ، ثمّ مسح يده بالأرض ثمّ مضمض

стр. 4898

واستنشق، وغسل وجهه ويديه، ثمّ أفاض على جسده، ثمّ تحوّل من مكانه فغسل قدميه) * «١» . ١٤-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: لا يجعلنّ أحدكم للشّيطان من نفسه جزءا لا يرى إلّا أنّ حقّا عليه أن لا ينصرف إلّا عن يمينه. أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن شماله) * «٢» . ١٥-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه كان يرمي الجمرة الدّنيا بسبع حصيات، ثمّ يكبّر على إثر كلّ حصاة، ثمّ يتقدّم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة قياما طويلا، يدعو ويرفع يديه، ثمّ يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشّمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا، فيدعو ويرفع يديه، ثمّ يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التشامل) معنى ١٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: «إنّه بات ليلة عند ميمونة زوج النّبيّ ﷺ وهي خالته- فاضطجعت في عرض الوسادة واضطجع رسول الله ﷺ وأهله في طولها فنام رسول الله ﷺ حتّى انتصف اللّيل- أو قبله بقليل أو بعده بقليل- استيقظ رسول الله ﷺ فجلس يمسح النّوم عن وجهه بيده، ثمّ قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثمّ قام إلى شنّ «٤» . معلّقة فتوضّأ منها فأحسن وضوءه، ثمّ قام يصلّي. فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثمّ ذهبت فقمت إلى جنبه. فوضع يده اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني اليمنى يفتلها فصلّى ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ ركعتين ثمّ أوتر ثمّ اضطجع حتّى أتاه المؤذّن فقام فصلّى ركعتين خفيفتين ثمّ خرج فصلّى الصّبح) * «٥» ١٧-* (عن أبي قتادة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يمسكنّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسّح من الخلاء بيمينه. ولا يتنفّس في الإناء» ) * «٦» .

стр. 4899

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (التشامل) ١-* (قال أنس بن مالك- ﵁: «من السّنّة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى» ) * «١» . ٢-* (قال ابن عبد البرّ- رحمه الله تعالى-: «من بدأ بالانتعال في اليسرى أساء لمخالفة السّنّة، ولكن لا يحرم عليه لبس نعله» ) * «٢» . ٣-* (قال الحليميّ- رحمه الله تعالى-: «وجه الابتداء بالشّمال عند الخلع أنّ اللّبس كرامة لأنّه وقاية للبدن، فلمّا كانت اليمنى أكرم من اليسرى بدىء بها في الملبس وأخّرت في الخلع لتكون الكرامة لها أدوم وحظّها منها أكثر» ) * «٣» . ٤-* (قال النّوويّ- رحمه الله تعالى-: «يستحبّ البداءة باليمين في كلّ ما كان من باب التّكريم أو الزّينة، والبداءة باليسار في ضدّ ذلك كالدّخول إلى الخلاء ونزع الخفّ والخروج من المسجد والاستنجاء وغيره من جميع المستقذرات» ) * «٤» . ٥-* (قال بعض الشّعراء: ولربّما اعتضد الحليم بجاهل ... لا خير في اليمنى بغير يسار) * «٥» . من مضار (التشامل) (١) مخالفة سنّة رسول الله ﷺ . (٢) أنّ أهل الشّمال في الآخرة هم أهل النّار. (٣) أنّه يحرم التّوفيق في أموره. (٤) أنّ البدء بالشّمال يكون في الأمور الدّنيّة والأحوال غير الكريمة. (٥) فيه تشبّه بالشّيطان الرّجيم والكفّار أصحاب الجحيم. (٦) تنزع البركة ممّن يأكل بشماله ويشرب بشماله.

стр. 4900

التطفيف التطفيف لغة: مصدر قولهم: طفّف الكيل يطفّفه، وهو مأخوذ من مادّة (ط ف ف) الّتي تدور حول معنى القلّة، يقول ابن فارس: الطّاء والفاء (المضعّفة) يدلّ على قلّة الشّيء، ومن ذلك قولهم: هذا شيء طفيف (قليل) ، والتّطفيف: نقص الكيل والميزان، وقد سمّي بذلك لأنّ الّذي ينقصه منه يكون طفيفا، ويقال لما فوق الإناء الطّفاف والطّفافة، وطفّ المكّوك (المكيال) والإناء وكذلك طففه وطفافه (بفتح الطاء وكسرها) ما ملأ أصباره، يقال: هذا طفّ المكيال وطفافه: إذا قارب ملأه، وفي الحديث «كلّكم بنو آدم طفّ الصّاع، ليس لأحد على أحد فضل إلّا بالتّقوى» . قال ابن الأثير: المعنى: كلّكم في الانتساب إلى أب واحد بمنزلة واحدة في النّقص والتّقاصر عن غاية التّمام، شبّههم في نقصانهم بالمكيل الّذي لم يبلغ أن يملأ المكيال، وفي حديث عمر- ﵁ «قال لرجل: ما حبسك عن صلاة العصر؟ فذكر له عذرا، فقال عمر: طفّفت: أي أنقصت» والتّطفيف يكون بمعنى الوفاء والنّقص، يقال: طفّفت بفلان موضع كذا: أي رفعته إليه الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٥/ ٥/ ١٦ وحاذيته به، ومن ذلك: حديث عمر- ﵁: «سبقت النّاس وطفّف بي الفرس مسجد بني زريق» أي وثب بي حتّى كاد يساوي المسجد، والطّفافة بالضّمّ، والطّففة، ما فوق المكيال، وقيل: الطّفافة بالضّمّ، والطّففة، ما فوق المكيال، وقيل: الطّفافة ما قصر عن ملء الإناء من شراب وغيره، وإناء طفّان: بلغ الكيل طفافه أي قرب أن يمتلىء ويساوي أعلاه، تقول منه: أطففته، وطفّ الشّيء منه: إذا دنا، ومنه سمّي الطّفّ (الجانب) والمطفّف مأخوذ من الطّفيف وهو القليل وسمّي بذلك لأنّه لا يكاد يسرق إلّا الشّيء الطّفيف الخفيف، وإنّما أخذ من طفّ الشّيء وهو جانبه، وفي التّنزيل العزيز: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (المطففين/ ١) قال القرطبيّ: التّطفيف: تقليل الحقّ بنقصانه في كيل أو وزن، وقيل: نقص المكيال، وهو ألّا تملأه إلى أصباره (أي جوانبه) ، وقال الطّبريّ: هو نقصان النّاس وبخسهم حقوقهم في مكاييلهم إذا كالوهم أو في موازينهم إذا وزنوا لهم عن الواجب لهم من الوفاء «١» ، وقال ابن منظور: طفّ الشّيء يطفّ طفّا دنا وتهيّأ وهو أن يؤخذ أعلاه ولا يتمّ كيله فهو طفّان، ويقال: هذا طفّ المكيال وطفافه وطفافه إذا قارب

стр. 4901

ملأه ولمّا يملأ، ولهذا قيل للّذي يسيء الكيل ولا يوفيه مطفّف، يعني أنّه إنّما يبلغ به الطّفاف «١» . التطفيف اصطلاحا: قال الرّاغب: طفّف الكيل: قلّل نصيب المكيل له في إيفائه، واستيفائه ومن ثمّ يكون التّطفيف: تقليل نصيب المكيل له في الإيفاء والاستيفاء «٢» . وقال المناويّ: التّطفيف: التّقليل، ومنه تطفيف الميزان والمكيال، ولا يستعمل إلّا في الإيجاب، فلا يقال: ما طفّف «٣» . ويستنبط ممّا جاء به القرآن الكريم أنّ التّطفيف: هو الاستيفاء من النّاس عند الكيل أو الوزن، والإنقاص والإخسار عند الكيل أو الوزن لهم. ويلحق بالوزن والكيل ما أشبههما من المقاييس والمعايير الّتي يتعامل بها النّاس «٤» . الفرق بين البخس والتطفيف: يتمثّل الفرق بينهما في أنّ البخس نقص الشّيء على الظّلم قليلا أو كثيرا، أمّا التّطفيف فهو النّقص القليل أو النّزر الّذي لا يعتدّ به، وأيضا فإنّ التّطفيف يكون بالاستيفاء إذا كان المطفّف آخذا وبالنّقصان إذا كان معطيا، أمّا البخس فلا يكون إلّا نقصانا، يقول الكفويّ: كلّ ما في القرآن من بخس فهو النّقص إلّا في قوله تعالى: وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ (يوسف/ ٢٠) فمعناه حرام «٥» . حكم التطفيف: عدّ ابن حجر التّطفيف من الكبائر وجعله شاملا لبخس نحو الكيل أو الوزن أو الذّرع، وذلك لأنّه من أكل أموال النّاس بالباطل؛ ولهذا اشتدّ الوعيد عليه كما علمته من الآية والأحاديث، وأيضا فإنّما سمّي مطفّفا لأنّه لا يكاد يأخذ إلّا الشّيء الطّفيف وذلك ضرب من السّرقة والخيانة مع ما فيه من الإنباء عن عدم الأنفة والمروءة بالكلّيّة، ومن ثمّ عوقب بالويل الّذي هو شدّة العذاب، أو الوادي في جهنّم لو سيّرت فيه جبال الدّنيا لذابت من شدّة حرّه، نعوذ بالله منه، وأيضا فقد شدّد الله تعالى عقوبة قوم شعيب- على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام- على بخسهم المكيال والميزان «٦» . [للاستزادة: انظر صفات: أكل الحرام- الخيانة- السرقة- الطمع- الظلم- الربا- الخداع- التناجش- الغش- الغلول. وفي ضد ذلك: انظر صفات: القسط- الأمانة- الإنصاف- العدل والمساواة- حسن المعاملة- الصلاح- العفة] .

стр. 4902

الآيات الواردة في «التطفيف» ١- وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) «١» الآيات الواردة في «التطفيف» معنى ٢- وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥) «٢» ٣- وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) «٣» ٤- كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) «٤» ٥- الرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩) «٥»

стр. 4903

الأحاديث الواردة في ذمّ (التطفيف) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : «خمس بخمس، قيل: يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلّا سلّط الله عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلّا فشا فيهم الموت، ولا منعوا الزّكاة إلّا حبس عنهم القطر، ولا طفّفوا المكيال إلّا حبس عنهم النّبات، وأخذوا «١» بالسّنين» ) * «٢» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: «لمّا قدم النّبيّ ﷺ المدينة كانوا من أخبث «٣» النّاس كيلا، فأنزل الله- : وَيْلٌ «٤» لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسنوا الكيل بعد ذلك» ) * «٥» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التطفيف) معنى ٣-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وزنتم فأرجحوا» ) * «٦» . ٤-* (وعن ابن عبّاس- ﵄ أيضا قال: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الكيل والوزن: «إنّكم قد ولّيتم أمرا فيه هلكت الأمم السّالفة قبلكم» ) * «٧» . ٥-* (عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ . فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهنّ- وأعوذ بالله أن تدركوهنّ-: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ، حتّى يعلنوا بها، إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلّا منعوا القطر من السّماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلّا سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما

стр. 4904

في أيديهم وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله إلّا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التطفيف) ١-* (وعن ابن مسعود- ﵁ قال: «القتل في سبيل الله يكفّر الذّنوب كلّها إلّا الأمانة» . ثمّ قال: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، وإن قتل في سبيل الله، فيقال: أدّ أمانتك فيقول: أي ربّ كيف وقد ذهبت الدّنيا. قال: فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية فينطلق به إلى الهاوية، وتمثّل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه فيراها فيعرفها فيهوي في أثرها حتّى يدركها فيحملها على منكبيه حتّى إذا نظر ظنّ أنّه خارج زلّت عن منكبيه فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين» ثمّ قال: «الصّلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة وأشياء عدّها، وأشدّ ذلك الودائع قال- يعني زاذان» - فأتيت البراء بن عازب فقلت: ألا ترى ما قال ابن مسعود؟ قال: كذا قال كذا. قال: صدق. أما سمعت الله يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها (النساء/ ٥٨) » ) * «٣» . ٢-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ أنّه قال: «ما ظهر الغلول في قوم إلّا ألقى الله في قلوبهم الرّعب، ولا فشا الزّنا في قوم قطّ إلّا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلّا قطع الله عنهم الرّزق، ولا حكم قوم بغير حقّ إلّا فشا فيهم الدّم، ولا ختر قوم بالعهد «٤» إلّا سلّط الله عليهم العدوّ» ) * «٥» . ٣-* (وقال رجل لعبد الله بن مسعود- ﵁: يا أبا عبد الرّحمن إنّ أهل المدينة ليوفون الكيل. قال: وما يمنعهم أن يوفوا الكيل وقد قال الله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ- حتّى بلغ- يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ) * «٦» . ٤-* (قال هلال بن طلق: بينما أنا أسير مع ابن عمر، فقلت: من أحسن النّاس هيئة وأوفاهم كيلا أهل مكّة وأهل المدينة قال: حقّ لهم. أما سمعت الله تعالى يقول: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (المطففين/ ١) * «٧» . ٥-* (قال أبيّ- ﵁: لا تلتمس الحوائج ممّن رزقه الله رؤوس المكاييل وألسن

стр. 4905

الموازين) * «١» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قدم المدينة في رهط من قومه- والنّبيّ ﷺ بخيبر وقد استخلف سباع بن عرفطة على المدينة- قال: فانتهيت إليه وهو يقرأ في صلاة الصّبح في الرّكعة الأولى بكهيعص (مريم/ ١) ، وفي الثّانية وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (المطففين/ ١) ، قال: فقلت لنفسي: ويل لفلان إذا اكتال اكتال بالوافي، وإذا كال كال بالنّاقص قال: فلمّا صلّى زوّدنا شيئا حتّى أتينا خيبر، وقد افتتح النّبيّ ﷺ خيبر قال: فكلّم رسول الله ﷺ المسلمين فأشركونا في سهامهم) * «٢» . ٧-* (قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ (الأنعام/ ١٥٢) يأمر الله تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعّد على تركه في قوله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ «٣» . ٨-* (وقال ابن كثير: كان ابن عبّاس يقول: يا معشر الموالي إنّكم ولّيتم أمرين بهما هلك النّاس قبلكم هذا المكيال وهذا الميزان) *. ٩-* (وقال أيضا- ﵀: في تفسير قوله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ المراد بالتّطفيف ههنا البخس في المكيال والميزان إمّا بالازدياد إن اقتضى من النّاس وإمّا بالنّقصان إن قضاهم) * «٤» . ١٠-* (وقال أيضا: أهلك الله قوم شعيب ودمّرهم على ما كانوا يبخسون النّاس في الميزان والمكيال) * «٥» . ١١-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (الرحمن/ ٩) أي لا تبخسوا الوزن بل زنوا بالحقّ والقسط كما قال تعالى وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ* (الإسراء/ ٣٥، الشعراء/ ١٨٢)) * «٦» . ١٢- وقال أيضا في تفسير قوله تعالى وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ (الإسراء/ ٣٥) أي من غير تطفيف، ولا تبخسوا النّاس أشياءهم) * «٧» . ١٣-* (وقال الإمام أبو جعفر الطّبريّ في تفسير قوله تعالى وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ... : الوادي الّذي يسيل من صديد أهل جهنّم في أسفلها للّذين يطفّفون يعني للّذين ينقصون النّاس، ويبخسونهم حقوقهم في مكاييلهم إذا كالوا لهم، أو موازينهم إذا وزنوا لهم عن الواجب لهم من الوفاء) * «٨» . ١٤-* (قال الإمام النّيسابوريّ- رحمه الله تعالى-: صدّر الله سورة المطفّفين
следующие страницы →