← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.

стр. 4936

الآيات الواردة في «التفرق» التفرق في سياق النهي عنه أو ما يؤدى إليه: ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣) وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) «١» ٢- قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) «٢» ٣- مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢) «٣» ٤- شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) «٤» التفرق في سياق ذم من يحدث منهم التفرق أو يقومون بما يؤدي إليه: ٥- وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ

стр. 4937

نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) «١» ٦- إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٥١) «٢» ٧- إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩) «٣» ٨- لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) «٤» التفرق في سياق التحرز منه، وفي سياق اختلاف الجزاء: ٩- قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) «٥» ١٠- وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) «٦»

стр. 4938

الأحاديث الواردة في ذمّ (التفرق) ١-* (عن معاوية بن أبي سفيان- ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ، فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب، افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الملّة ستفترق «١» على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنّة، وهي الجماعة» . زاد في رواية: «وإنّه سيخرج في أمّتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب «٢» بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلّا دخله» ) * «٣» . ٢-* (عن عليّ- ﵁ قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع أخوين من السّبي، فبعتهما، ثمّ أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته ببيعهما. فقال: «فرّقت بينهما؟» قلت: نعم، قال: «فارتجعهما ثمّ بعهما ولا تفرّق بينهما» ) * «٤» . ٣-* (عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ يبعث سراياه. فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة. يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا. فيقول: ما صنعت شيئا. قال: ثمّ يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته. قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت» ) * «٥» . ٤-* (عن عبد الله بن زيد- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ لمّا فتح حنينا قسّم الغنائم. فأعطى المؤلّفة قلوبهم، فبلغه أنّ الأنصار يحبّون أن يصيبوا ما أصاب النّاس «٦» . فقام رسول الله ﷺ فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلّالا فهداكم الله بي؟ وعالة «٧» فأغناكم الله بي؟ ومتفرّقين «٨» فجمعكم الله بي؟» ويقولون: الله ورسوله أمنّ. فقال: «ألا تجيبوني؟» فقالوا: الله

стр. 4939

ورسوله أمنّ. فقال: «أما إنّكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا. وكان من الأمر كذا وكذا» لأشياء عدّدها. زعم عمرو أن لا يحفظها. فقال: «ألا ترضون أن يذهب النّاس بالشّاء «١» والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟ الأنصار شعار والنّاس دثار «٢» . ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار. ولو سلك النّاس واديا وشعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم. إنّكم ستلقون بعدي أثرة «٣» . فاصبروا حتّى تلقوني على الحوض» ) * «٤» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا «٥» . فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا. وأن تعتصموا بحبل الله جميعا «٦» ولا تفرّقوا «٧» ويكره لكم قيل وقال «٨» وكثرة السّؤال «٩» . وإضاعة المال «١٠» » ) * «١١» . ٦-* (عن ربعيّ بن حراش، أنّه أتى حذيفة بن

стр. 4940

اليمان ببرودة، وكانت أخته تحت حذيفة فقال حذيفة: يا ربعيّ، ما فعل قومك- وذلك زمن خرج النّاس إلى عثمان- قال: قد خرج منهم ناس، قال: فيمنيّ منهم، فقال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من فارق الجماعة، واستذلّ الإمارة، لقي الله ولا حجّة له عند الله» ) * «١» . ٧-* (عن عرفجة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّه ستكون هنات وهنات «٢» . فمن أراد أن يفرّق أمر هذه الأمّة، وهي جميع، فاضربوه بالسّيف، كائنا من كان «٣» ) * «٤» . ٨-* (عن عليّ- ﵁ أنّه فرّق بين جارية وولدها فنهاه النّبيّ ﷺ عن ذلك وردّ البيع) * «٥» . ٩-* (عن أسامة بن شريك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما رجل خرج يفرّق بين أمّتي فاضربوا عنقه» ) * «٦» . ١٠-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسما، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله! اعدل. قال رسول الله ﷺ : «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل» . فقال عمر بن الخطّاب- ﵁: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه. قال رسول الله ﷺ : «دعه. فإنّ له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم. يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم. يمرقون من الإسلام كما يمرق السّهم من الرّميّة. ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى رصافه «٧» فلا يوجد فيه شيء، ثمّ ينظر إلى نضيّه «٨» فلا يوجد فيه شيء (وهو القدح «٩» ) . ثمّ ينظر إلى قذذه «١٠» فلا يوجد فيه شيء. سبق الفرث والدّم «١١» آيتهم رجل أسود. إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل

стр. 4941

البضعة تدردر «١» ، يخرجون على حين فرقة «٢» من النّاس» . قال أبو سعيد: فأشهد أنّي سمعت هذا من رسول الله ﷺ . وأشهد أنّ عليّ بن أبي طالب- ﵁ قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرّجل فالتمس، فوجد، فأتي به، حتّى نظرت إليه، على نعت رسول الله ﷺ «٣» الّذي نعت) * «٤» . ١١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطّائفتين بالحقّ» ) * «٥» . ١٢-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: خطّ لنا رسول الله ﷺ خطّا ثمّ قال: «هذا سبيل الله» ، ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ثمّ قال: «هذه سبل» - قال يريد: متفرّقة- «على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثمّ قرأ: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (الأنعام/ ١٠٣) » ) * «٦» . ١٣-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيّها النّاس إنّي قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يفشو الكذب حتّى يحلف الرّجل ولا يستحلف، ويشهد الشّاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلّا كان ثالثهما الشّيطان، عليكم بالجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشّيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنّة فليلزم الجماعة، من سرّته حسنته وساءته سيّئته فذلك المؤمن» ) * «٧» . ١٤-* (عن عبد الرّحمن بن غنم يبلغ به النّبيّ ﷺ : «خيار عباد الله الّذين إذا رؤوا «٨» ذكر الله، وشرار عباد الله المشّاءون بالنّميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبرآء العنت «٩» » ) * «١٠» .

стр. 4942

١٥-* (عن أبي إدريس الخولانيّ يقول: سمعت حذيفة بن اليمان- ﵄ يقول: كان النّاس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشّرّ، مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله إنّا كنّا في جاهليّة وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: «نعم» ، فقلت: هل بعد ذلك الشّرّ من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن «١» » قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنّون بغير سنّتي، ويهدون بغير هديي «٢» تعرف منهم وتنكر» . فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم. دعاة على أبواب جهنّم «٣» . من أجابهم إليها قذفوه فيها» فقلت: يا رسول الله! صفهم لنا. قال: «نعم، قوم من جلدتنا، ويتكلّمون بألسنتنا» قلت: يا رسول الله! فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة، حتّى يدركك الموت، وأنت على ذلك» ) * «٤» . ١٦-* (عن عبد الله- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ دم امرىء مسلم «٥» ، يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله، إلّا بإحدى ثلاث «٦» : الثّيّب الزّاني «٧» والنّفس بالنّفس «٨» والتّارك لدينه «٩» ، المفارق للجماعة» ) * «١٠» . ١٧-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن رسول الله ﷺ ، قال: «لا يحلّ لرجل أن يفرّق بين اثنين إلّا بإذنهما» ) * «١١» . ١٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي

стр. 4943

الله عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «ليأتينّ على أمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النّعل بالنّعل «١» ، حتّى أن كان منهم من أتى أمّه علانية، ليكوننّ في أمّتي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّقت على ثنتين وسبعين ملّة، وستفترق أمّتي على ثلاث وسبعين ملّة، كلّها في النّار، إلّا ملّة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي» ) * «٢» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ أنّه قال: «من خرج من الطّاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهليّة «٣» . ومن قاتل تحت راية عمّيّة «٤» ، يغضب لعصبة «٥» ، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة «٦» جاهليّة. ومن خرج على أمّتي، يضرب برّها وفاجرها. ولا يتحاش «٧» من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه» ) * «٨» . ٢٠-* (عن أبي بكرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ينزل ناس من أمّتي بغائط يسمّونه: البصرة، عند نهر يقال له: دجلة، يكون عليه جسر يكثر أهلها وتكون من أمصار المهاجرين» قال ابن يحيى: قال أبو معمر: وتكون من أمصار المسلمين «فإذا كان في آخر الزّمان، جاء بنو قنطوراء عراض الوجوه، صغار الأعين، حتّى ينزلوا على شطّ النّهر، فيتفرّق أهلها ثلاث فرق: فرقة يأخذون أذناب البقر والبريّة وهلكوا، وفرقة يأخذون لأنفسهم وكفروا، وفرقة يجعلون ذراريّهم خلف ظهورهم ويقاتلونهم وهم الشّهداء» ) * «٩» .

стр. 4944

الأحاديث الواردة في ذمّ (التفرق) معنى ٢١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» ) * «١» . ٢٢-* (عن جابر- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ الشّيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب، ولكن في التّحريش بينهم «٢» » ) * «٣» . ٢٣-* (عن عبد الله- ﵁ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ ، في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمّرة «٤» معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة فجعلت تفرش. فجاء النّبيّ ﷺ فقال: «من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها» ) * «٥» . ٢٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «المؤمن مؤلف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف» ) * «٦» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (التفرق) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (الأنعام/ ١٥٣) وفي قوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ (الشورى/ ١٣) ... قال: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والتّفرقة) * «٧» . ٢-* (عن سيّار قال: جيء برؤوس «٨» من قبل العراق فنصبت عند باب المسجد وجاء أبو أمامة فدخل المسجد فركع ركعتين، ثمّ خرج إليهم، فنظر إليهم فرفع رأسه فقال: «شرّ قتلى تحت ظلّ السّماء- ثلاثا-» ، وخير قتلى تحت ظلّ السّماء من قتلوه» وقال: «كلاب النّار- ثلاثا» ، ثمّ إنّه بكى، ثمّ انصرف عنه، فقال له قائل: يا أبا أمامة أرأيت هذا الحديث حيث قلت: كلاب النّار، شيء سمعته من رسول الله ﷺ أو شيء تقوله برأيك؟ قال: سبحان الله إنّي إذا لجريء، لو سمعته من رسول الله ﷺ مرّة أو مرّتين، حتّى ذكر سبعا، لخلت أن لا أذكره، فقال الرّجل: لأيّ شيء

стр. 4945

بكيت؟ قال: رحمة لهم أو من رحمتهم» ) * «١» . ٣-* (قال ابن كثير- ﵀: قوله تعالى وَلا تَفَرَّقُوا أمرهم بالجماعة، ونهاهم عن التّفرقة) * «٢» . ٤-* (وقال أيضا: «خيف عليهم الافتراق والاختلاف فقد وقع ذلك في هذه الأمّة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة: منها فرقة ناجية إلى الجنّة، ومسلّمة من عذاب النّار، وهم الّذين على ما كان عليه النّبيّ ﷺ وأصحابه» ) * «٣» . ٥-* (قال الغزاليّ- ﵀: «إنّ الألفة ثمرة حسن الخلق، والتّفرّق ثمرة سوء الخلق. فحسن الخلق يوجب التّحابّ والتّآلف والتّوافق، وسوء الخلق يثمر التّباغض والتّحاسد والتّدابر) * «٤» . ٦-* (قال بعضهم: وجدت مصيبات الزّمان جميعها ... سوى فرقة الأحباب هيّنة الخطب «٥» . من مضار (التفرق) (١) نهى الله عن التّفرّق في كلّ صوره؛ لأنّه يشلّ حركة المجتمع المسلم ويوهن المسلمين ويضعفهم. (٢) الحذر من الكافرين؛ لأنّهم يفرّقون بين الله ورسله ويؤمنون ببعض الرّسل ويكفرون ببعض (٣) سبيل الله واحدة، وسبل الشّيطان متفرّقة، فمن تبعها فقد ضلّ وغوى. (٤) اتّباع الأهواء يفرّق، والحبّ والإخاء يجمّع، فلينظر كلّ واحد ماذا يعمل. (٥) الاتّحاد قوّة، والتّفرّق وهن وضعف. (٦) وهو دليل خبث النّفس وسوء الطّويّة. (٧) طريق موصل إلى النّار وسخط الجبّار.

стр. 4946

التفريط والإفراط التفريط لغة: مصدر قولهم: فرّط في الأمر يفرّط بمعنى قصّر، وهو مأخوذ من مادّة (ف ر ط) الّتي تدلّ على إزالة شيء عن مكانه، وتنحيته عنه. يقال: فرّطت عنه ما كرهه، أي نحّيته، هذا هو الأصل، ثمّ يقال: أفرط. إذا تجاوز الحدّ في الأمر. يقولون: إيّاك والفرط، أي لا تجاوز القدر. وهذا هو القياس، لأنّه إذا جاوز القدر فقد أزال الشّيء عن جهته، وكذلك التّفريط، وهو التّقصير، لأنّه إذا قصّر فيه فقد قعد به عن رتبته الّتي هي له «١» . والفارط: المتقدّم السّابق، ويقال: فرط يفرط فروطا.. وفرّط إليه رسوله: قدّمه وأرسله، وفرّطه في الخصومة: جرّأه. وفرط القوم يفرطهم فرطا وفراطة: تقدّمهم إلى الورد لإصلاح الأرشية والدّلاء ونحوها. وفرطت القوم أفرطهم فرطا أي سبقتهم إلى الماء. فأنا فارط، والفرط: الماء المتقدّم لغيره من الأمواه، والفراطة الماء يكون شرعا بين عدّة أحياء، من سبق إليه فهو له، والفرط: ما تقدّمك من أجر وعمل، وفرط الولد: صغاره ما لم يدركوا، وجمعه أفراط، وفي الدّعاء الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٨/ ٨/ ١٤ للطّفل الميّت: اللهمّ اجعله لنا فرطا، أي أجرا يتقدّمنا حتّى نرد عليه. وفرط فلان ولدا، وافترطهم: ماتوا صغارا. والإفراط: أن تبعث رسولا مجرّدا خاصّا في حوائجك. وفارطت القوم مفارطة وفراطا، أي سابقتهم، وهم يتفارطون، وفلان لا يفترط إحسانه وبرّه، أي لا يخاف فوته. والفرطة: اسم للخروج والتّقدّم. وفي حديث أمّ سلمة قالت لعائشة- ﵂ إنّ رسول الله ﷺ نهاك عن الفرطة في الدّين، يعني السّبق والتّقدّم ومجاوزة الحدّ. والفرط: الأمر يفرط فيه، وقيل: هو الإعجال، وقيل: النّدم، وفرط عليه يفرط، عجل عليه وعدا وآذاه، ومن ذلك قوله تعالى: قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا (طه/ ٤٥) . والإفراط: إعجال الشّيء في الأمر قبل التّثبّت. يقال: أفرط فلان في أمره أي عجل فيه. وفرط الشّهوة والحزن: غلبتهما، وأفرط عليه: حمّله فوق ما يطيق، وكلّ شيء جاوز قدره فهو مفرط. والفرط: الحين، وقيل: الفرط أن تأتيه في الأيّام ولا تكون أقلّ من ثلاثة ولا أكثر من خمس عشرة ليلة. وفرّط: كفّ عنه وأمهله «٢» .

стр. 4947

وفرّط الشّيء وفيه تفريطا: ضيّعه وقدّم العجز فيه، وفرّط في جنب الله، ضيّع ما عنده فلم يعمل، ومنه قوله تعالى: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ (الزمر/ ٥٦) وأمره فرط أي متروك، وقوله تعالى: وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف/ ٢٨) أي متروكا، ترك فيه الطّاعة وغفل عنها. وقال الطّبريّ في تفسيره: ما فرّطت في جنب الله، معناه فيما تركت من أمر الله، وقال القرطبيّ: قال الحسن: في طاعة الله، وقال الضّحّاك: أي في ذكر الله- قال: يعني القرآن والعمل به «١» . وفي الحديث «ليس في النّوم تفريط، إنّما التّفريط أن لا يصلّى حتّى يدخل وقت الأخرى» وفرّطه تفريطا: مدحه حتّى أفرط في مدحه، مثل قرّظه. وقال الخليل: فرّط الله تعالى عن فلان ما يكره: نحّاه، وأفرط الأمر إذا نسيه، فهو مفرط، أي منسيّ، وبه فسّر مجاهد وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ أي منسيّون «٢» . التفريط والإفراط اصطلاحا: قال الكفويّ: الإفراط: التّجاوز عن الحدّ ويقابله التّفريط «٣» ، ويؤخذ منه أنّ التّفريط: هو التّقصير والوقوف دون الحدّ في الأمور، فإذا كان حدّ الاعتدال في أمر من الأمور هو عشر درجات كان الإفراط تجاوز ذلك إلى إحدى عشرة فما فوقها، وكان التّفريط هو تحصيل تسع فما دونها. وقيل: التّفريط في الأمر: التّقصير فيه، وتضييعه حتّى يفوت «٤» . التفريط والإفراط مهلكة للفرد والمجتمع: لقد أمر الإسلام بالتّوسّط في الأمور كلّها، فقال سبحانه: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً (البقرة/ ١٤٣) والوسطيّة الّتي هي سمة هذه الأمّة يضيّعها أمران: أحدهما: التّقصير الّذي هو التّفريط وما يترتّب عليه من تضييع الحقوق، والتّكاسل عن أداء الواجبات، وينجم عن ذلك تأخّر الأمّة في المجالات الاقتصاديّة من زراعيّة وصناعيّة وتجاريّة وغيرها، وعلى حسب درجة التّفريط يكون اعتماد الأمّة على غيرها، ذلك الاعتماد الّذي يفقدها استقلالها وإرادتها ويجعلها عالة على من يقدّم لها المساعدة. ثانيهما: الإفراط وهو على العكس من ذلك، يؤدّي إلى الغلوّ والإسراف والتّطرّف في الأمور كلّها، وقد يحسب هؤلاء المفرطون أنّهم يحسنون صنعا، إذ يشدّدون على أنفسهم وعلى غيرهم، ولا يجنون من وراء ذلك إلّا كما يجنيه المنبتّ الّذي يهلك دابّته ولا يصل إلى تحقيق غرضه، وقد حذّر رسول الله ﷺ من هذا عندما قال: «إنّ هذا الدّين متين فأوغلوا فيه برفق «٥» » وقد يحسب هؤلاء المفرطون أنّهم بتسرّعهم وتشدّدهم يقدّمون لأنفسهم ولأمّتهم، وأنّى لهم ذلك وهم

стр. 4948

يخالفون صريح ما جاءت به الآيات والأحاديث الّتي تنهى عن التّفريط والإفراط كليهما، وتدعوا إلى التّوسّط والاعتدال؟! وكم من فورة أعقبتها حسرة، وعجلة تبعتها ندامة، والواجب على كلّ مسلم ومسلمة أن ينأى عن التّفريط، وأن يبعد نفسه عن الإفراط حتّى يكون من هؤلاء الّذين قال الله فيهم: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً وليعلم أنّ الفضائل كلّها منوطة بعدم التّفريط والإفراط في الأمور كلّها «١» . [للاستزادة: انظر صفات: التهاون- الكسل- صغر الهمة- الإهمال- التخلف عن الجهاد- الوهن التخاذل- انتهاك الحرمات- التولي. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التوسط- الاستقامة- علو الهمة- جهاد الأعداء- تعظيم الحرمات- القوة- قوة الإرادة- الشجاعة- العزم والعزيمة- الصبر والمصابرة] .

стр. 4949

الآيات الواردة في «التفريط والإفراط» ١- قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) «١» ٢- وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨) «٢» ٣- وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ (٦١) «٣» ٤- فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) «٤» ٥- وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) «٥» ٦- وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) «٦» ٧- اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) «٧» ٨- أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) «٨»

стр. 4950

الأحاديث الواردة في ذمّ (التفريط والإفراط) ١-* (عن أبي قتادة- ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «إنّكم تسيرون عشيّتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غدا» ، فانطلق النّاس لا يلوي «١» أحد على أحد، قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﷺ يسير حتّى ابهارّ «٢» اللّيل وأنا إلى جنبه، قال: فنعس رسول الله ﷺ فمال عن راحلته فأتيته فدعمته «٣» من غير أن أوقظه ... - إلى أن قال: فمال رسول الله ﷺ عن الطّريق، فوضع رأسه، ثمّ قال: «احفظوا علينا صلاتنا، فكان أوّل من استيقظ رسول الله ﷺ والشّمس في ظهره، قال: فقمنا فزعين، ثمّ قال: «اركبوا» فركبنا، فسرنا حتّى إذا ارتفعت الشّمس نزل، ثمّ دعا بميضأة «٤» كانت معي فيها شيء من ماء قال: فتوضّأ منها وضوءا دون وضوء، قال: وبقي فيها شيء من ماء، ثمّ قال لأبي قتادة: «احفظ علينا ميضأتك فسيكون لها نبأ» ، ثمّ أذّن بلال بالصّلاة، فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين ثمّ صلّى الغداة، فصنع كما كان يصنع كلّ يوم، قال: وركب رسول الله ﷺ وركبنا معه، قال: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض ما كفّارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ ثمّ قال: «أما لكم فيّ أسوة؟» ثمّ قال: «أما إنّه ليس في النّوم تفريط، إنّما التّفريط على من لم يصلّ الصّلاة حتّى يجيء وقت الصّلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلّها حين ينتبه لها ... الحديث) * «٥» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التفريط والإفراط) معنى ٢-* (عن المخدجيّ: أنّه سمع رجلا بالشّام يكنى أبا محمّد يقول: الوتر واجب، قال المخدجيّ: فرحت إلى عبادة بن الصّامت، فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالّذي قال أبو محمّد، فقال عبادة: كذب أبو محمّد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، من جاء بهنّ لم يضيّع منهنّ شيئا استخفافا بحقّهنّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنّة، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد، إن شاء عذّبه وإن شاء أدخله الجنّة» ) * «٦» . ٣-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي

стр. 4951

الله عنهما- أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت» ) * «١» . ٤-* (عن أبي المليح أنّ عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار- ﵁ في مرضه فقال له معقل: إنّي محدّثك بحديث لولا أنّي في الموت لم أحدّثك به. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من أمير يلي أمر المسلمين ثمّ لا يجهد لهم وينصح إلّا لم يدخل معهم الجنّة» ) * «٢» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ فقد ناسا في بعض الصّلوات فقال: «لقد هممت أن آمر رجلا يصلّي بالنّاس ثمّ أخالف إلى رجال يتخلّفون عنها فآمر بهم فيحرّقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو علم أحدهم أنّه يجد عظما سمينا لشهدها- يعني صلاة العشاء-» ) * «٣» . ٦-* (عن ابن عمر وأبي هريرة- ﵃ أنّهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم «٤» الجمعات، أو ليختمنّ الله على قلوبهم، ثمّ ليكوننّ من الغافلين» ) * «٥» . ٧-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الّذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنّه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النّبيّ ﷺ فقال: «لا تشتره، وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإنّ العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» ) * «٦» . ٨-* (عن أبي الجعد الضّمريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع الله على قلبه» ) * «٧» .

стр. 4952

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التفريط والإفراط) ١-* (قال عليّ- ﵁: لا يرى الجاهل إلّا مفرطا «١» ) * «٢» . ٢-* (قال عليّ- ﵁: يهلك فيّ رجلان: محبّ مفرط يقرّظني بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني «٣» على أن يبهتني «٤» ) * «٥» . ٣-* (قال ابن عمر- ﵄ لمّا بلغه حديث أبي هريرة في فضل اتّباع الجنائز: لقد فرّطنا في قراريط كثيرة) * «٦» . ٤-* (قال أبو جعفر: كان ابن عمر إذا سمع من رسول الله ﷺ حديثا لم يعده، ولم يقصّر دونه) * «٧» . ٥-* (قال سعيد بن المسيّب: لمّا صدر عمر ابن الخطّاب- ﵁ من منى أناخ بالأبطح، ثمّ كوّم كومة بطحاء، ثمّ طرح عليها رداءه واستلقى، ثمّ مدّ يديه إلى السّماء، فقال: اللهمّ كبرت سنّي، وضعفت قوّتي، وانتشرت رعيّتي فاقبضني إليك غير مضيّع ولا مفرّط. وذكر خطبته) * «٨» . ٦-* (عن ثابت الشّيبانيّ قال: كنّا مع أنس ابن مالك فأخّر الحجّاج الصّلاة، فقام أنس يريد أن يكلّمه فنهاه إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابّته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئا ممّا كنّا عليه على عهد النّبيّ ﷺ إلّا شهادة أن لا إله إلّا الله، فقال رجل: فالصّلاة يا أبا حمزة؟ قال: قد جعلتم الظّهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟) * «٩» . ٧-* (قال أبو جعفر الطّحاويّ- رحمه الله تعالى- في الطّحاويّة: ودين الله في الأرض والسّماء واحد، وهو دين الإسلام، وهو بين الغلوّ والتّقصير، وبين التّشبيه والتّعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن واليأس) * «١٠» . ٨-* (قال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى-: الويل كلّ الويل على المفرّط الّذي لا ينظر في عاقبته) * «١١» . ٩-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا (الكهف/ ٢٨) : لا تطع من شغل عن الدّين وعبادة ربّه بالدّنيا، والحال أنّ أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعا له ولا محبّا لطريقته بما هو فيه) * «١٢» .

стр. 4953

١٠- قال الماورديّ في قوله تعالى وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف/ ٢٨) فيه خمسة تأويلات، أحدها: ضيّقا، وهو قول مجاهد، الثّاني: متروكا قاله الفرّاء، الثّالث: ندما قاله ابن قتيبة، الرّابع: سرفا وإفراطا قاله مقاتل، الخامس: سريعا، قاله ابن بحر، يقال: أفرط إذا أسرف، وفرّط إذا قصّر) * «١» . ١١-* (وقال في قوله تعالى: أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا (طه/ ٤٥) فيه وجهان: أحدهما أن يعجل علينا، الثّاني: يعذّبنا عذاب الفارط في الذّنب وهو المتقدّم فيه، قاله المبرّد، ويقال لمن أكثر في الشّيء: أفرط، ولمن نقص منه: فرّط) * «٢» . ١٢-* (وقال ابن عطيّة في قوله تعالى: وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً يحتمل أن يكون الفرط بمعنى التّفريط والتّضييع، أي كان أمره الّذي يجب أن يلزم ويهتمّ به من الدّين تفريطا، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، أي كان أمره وهواه الّذي هو سبيله إفراطا وإسرافا) * «٣» . ١٣-* (قال القرطبيّ في قوله تعالى: وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً قيل: هو من التّفريط الّذي هو التّقصير وتقديم العجز بترك الإيمان، وقيل: من الإفراط ومجاوزة الحدّ، وكان القوم قالوا: نحن أشراف مضر إن أسلمنا أسلم النّاس، وكان هذا من التّكبّر والإفراط في القول) * «٤» . ١٤-* (قال الطّبريّ في قوله تعالى: إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (طه/ ٤٥) الإفراط: هو الإسراف والإشطاط والتّعدّي، والتّفريط: التّواني) * «٥» . من مضار (التفريط والإفراط) (١) يؤدّي إلى العقاب الشّديد. (٢) في التّفريط ضياع للثّواب. (٣) البعد عن الله واستحقاق البغض. (٤) التّفريط في العبادة مدعاة إلى الكسل. (٥) يستجلب الغفلة عن ذكر الله. (٦) شيوع الفساد في المجتمع. (٧) الانقطاع عن الطّاعة، وعدم الاستمرار فيها، قد يؤدّي إلى تركها بالكليّة.

стр. 4954

التكاثر التكاثر لغة: مصدر قولهم: تكاثر فلان وفلان أي قال كلّ منهما أنا أكثر منك في كذا أو طلب أن يكون كذلك، وهو مأخوذ من مادّة (ك ث ر) الّتي تدلّ على خلاف القلّة، يقال من ذلك: كاثر بنو فلان بني فلان فكثروهم، أي كانوا أكثر منهم، وعدد كاثر أي كثير، قال الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنّما العزّة للكاثر «١» وقال الرّاغب: الكثرة والقلّة يستعملان في الكمّيّات المنفصلة كالأعداد، ويستعمل العظم والصّغر في الأجسام، ثمّ يستعمل كلّ واحد من الكثرة والعظم ومن القلّة والصّغر للآخر «٢» ، وعلى ذلك فقول الله تعالى: وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ جعلها كثيرة اعتبارا بمطاعم الدّنيا، وليست الإشارة للعدد فقط بل إلى الفضل كذلك «٣» ، وعدد كثير وكثار وكاثر أي زائد، ورجل كاثر إذا كان كثير المال، وقول الله تعالى إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (الكوثر/ ١) قيل هو: نهر في الجنّة، الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٤/ ٢٩/ ١٩ وقيل بل هو: الخير العظيم الّذي أعطيه النّبيّ ﷺ «٤» . وعن مجاهد: هو خير الدّنيا والآخرة، وقال عكرمة: هو ما أعطاه الله إيّاه من النّبوّة والخير والقرآن «٥» . وقيل: الكوثر هاهنا: الخير الكثير الّذي يعطيه الله أمّته يوم القيامة، قال ابن منظور: وكلّ ذلك راجع إلى معنى الكثرة، إذ جميع ذلك قد أعطيه النّبيّ ﷺ ، أعطي النّبوّة، وإظهار الدّين الّذي بعث به على كلّ دين، والنّصر على أعدائه، والشّفاعة لأمّته، وما لا يحصى من الخير، وقد أعطي من الجنّة على قدر فضله على أهل الجنّة «٦» ، والكوثر على ذلك (فوعل) من الكثرة أي المفرط فيها، قيل لأعرابيّة رجع ابنها من السّفر: بم آب ابنك؟ قالت: بالكوثر، وقال الكميت: وأنت كثير يا بن مروان طيّب ... وكان أبوك ابن العقائل كوثرا «٧» الكوثر هنا: قيل: الرّجل السّخيّ، وقيل: السّيّد الكثير الخير، ويقال: تكوثر الشّيء: كثر كثرة متناهية، واستكثرت من الشّيء أكثرت منه، والكثر من المال: الكثير، يقال: الحمد لله على الكثر والقلّ أي على

стр. 4955

الكثير والقليل، والتّكاثر: المكاثرة، وفلان يتكثّر بمال غيره، وإذا نفد ماله وكثرت عليه الحقوق قيل: فلان مكثور عليه «١» . وفي حديث قزعة: أتيت أبا سعيد وهو مكثور عليه، أراد أنّه كان عنده جمع من النّاس يسألونه عن أشياء فكأنّهم كان لهم عليه حقوق فهم يطلبونها، ويقال: كاثرناهم فكثرناهم أي غلبناهم بالكثرة، وكثّر الشّيء: جعله كثيرا وأكثر: أتى بكثير، وقيل: هما بمعنى، وأكثر الله فينا مثلك، أي جعل، وأكثر الرّجل: كثر ماله، وكثّر في الأمر أي أكثر القول والعيب، وفي حديث الإفك «ولها ضرائر إلّا كثّرن فيها» قال ابن الأثير: أي كثّرن القول فيها والعيب لها «٢» ، وقول الله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (التكاثر/ ١- ٢) قيل نزلت في حيّين تفاخروا أيّهم أكثر عددا وهم بنو عبد مناف وبنو سهم فكثرت بنو عبد مناف بني سهم، فقالت بنو سهم: إنّ البغي أهلكنا في الجاهليّة فعادّونا بالأحياء والأموات. فكثرتهم بنو سهم، فأنزل الله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ أي حتّى زرتم الأموات، وقيل: بل المعنى: ألهاكم التّفاخر بكثرة العدد والمال حتّى زرتم المقابر أي حتّى متّم، قال جرير للأخطل: زار القبور أبو مالك ... فأصبح ألأم زوّارها فجعل زيارة القبور بالموت، وقولهم: أكثر النّخل: أطلع، من قولهم، الكثر: جمّار النّخل وهو شحمه الّذي في وسط النّخلة «٣» . التكاثر اصطلاحا: قال الرّاغب: التّكاثر: التّباري في كثرة المال والعزّ «٤» . وقال ابن القيّم: التّكاثر أن يطلب الرّجل أن يكون أكثر من غيره، قال: وهو مذموم إلّا فيما يقرّب إلى الله «٥» . مجالات التكاثر: قال ابن القيّم: التّكاثر يكون في كلّ شيء من مال، أو جاه، أو رياسة، أو نسوة، أو حديث، أو علم، ولا سيّما إذا لم يحتج إليه ويكون التّكاثر (أيضا) في الكتب والتّصانيف وكثرة المسائل وتفريعها وتوليدها «٦» . التكاثر بين المدح والذم: التّكاثر قد يكون محمودا إذا كان في طاعة الله ، وقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدريّ أنّ رسول الله ﷺ قال: «استكثروا من الباقيات الصّالحات» قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: «الملّة» (ثلاث مرّات) قيل: وما الملّة يا رسول الله؟ (للمرّة الرّابعة) قال: «التّكبير والتّهليل والتّسبيح والتّحميد، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم «٧» ،

стр. 4956

أمّا إذا كان التّكاثر في غير ذلك من الأعراض الزّائلة من المال والولد ونحوهما فإنّه مذموم ومنهيّ عنه شرعا، يقول الإمام ابن القيّم: كلّ ما يكاثر به العبد غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في التّكاثر المذموم «١» الّذي يلهي الإنسان ويشغله، وربّما وصل به إلى أن يموت ضالّا. التكاثر وحب الدنيا: إنّ إيثار الحياة الدّنيا والاغترار بها والخلود إليها هي العوامل الأساسيّة الّتي تدعو إلى التّكاثر في المال أو الجاه وغيرهما من مجالات التّكاثر الّتي أشرنا إليها، ويظلّ حبّ الدّنيا ملازما للإنسان حتّى مع كبر سنّه واقتراب نذر الموت منه، يقول المصطفى ﷺ : «لا يزال قلب الكبير شابّا في اثنتين: في حبّ الدّنيا، وطول الأمل» «٢» ، وهؤلاء المتكاثرون هم من أبناء الدّنيا الّذين أشار إليهم عليّ بن أبي طالب- ﵁ في قوله: «ارتحلت الدّنيا مدبرة وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكلّ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا، فإنّ اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل» «٣» . إنّ النّهي عن التّكاثر النّاشيء عن حبّ الدّنيا لا ينبغي بحال أن يفهم منه النّهي عن اكتساب المعايش أو السّعي في طلب الرّزق، قال تعالى: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص/ ٧٧) ، يقول ابن الجوزيّ: بالغ قوم في هجر الدّنيا من غير بحث عن حقيقتها، وذلك أنّه ما لم يعرف حقيقة الشّيء فلا يجوز أن يمدح أو يذمّ، فإذا بحثنا عن الدّنيا رأينا هذه الأرض البسيطة الّتي جعلت قرارا للخلق، تخرج منها أقواتهم، ويدفن فيها أمواتهم، ومثل هذا لا يذمّ لموضع المصلحة فيه، وكلّ ما في هذه الدّنيا من ماء وزرع وحيوان، كلّه لمصالح الآدميّ وفيه حفظ لسبب بقائه، الّذي هو سبب لمعرفته ربّه وطاعته إيّاه، وخدمته، وما كان سببا لبقاء العارف العابد فإنّه يمدح ولا يذمّ، فبان لنا أنّ الذّمّ إنّما هو لا أفعال الجاهل المتكاثر، أو المعاصي المفسد، أمّا إذا اقتنى المرء المال المتاح، وأدّى زكاته، فلا لوم «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: الأمن من المكر- البطر- الكبر والعجب- اتباع الهوى- الأثرة- الكنز- البخل- الشح- أكل الحرام- التطفيف- السرقة- الغش- الربا. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الزهد- التواضع- التقوى- الورع- الإنفاق- الإيثار- البر- الجود- السخاء- الصدقة- الإحسان- الزكاة- الكرم- النزاهة- أكل الطيبات] .

стр. 4957

الآيات الواردة في «التكاثر» ١- وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨) «١» ٢- قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) «٢» ٣- اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) «٣» ٤- يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) «٤» ٥- أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) «٥» من الآيات الواردة في حب الدنيا المؤدي للتكاثر ٦- ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)

стр. 4958

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) «١» ٧- بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) «٢» ٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (٩٤) «٣» ٩- وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) «٤» ١٠- مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) «٥» ١١- اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ (٢٦) «٦» ١٢- الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) «٧» ١٣- ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) «٨» ١٤- وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) «٩» ١٥- فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) «١٠» ١٦- يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) «١١» ١٧- فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) «١٢» . «١٣»

стр. 4959

الآيات الواردة في «الكثرة أو التكثير» ولها معنى آخر ١٨- لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (٧) «١» ١٩- قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠٠) «٢» ٢٠- وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦) «٣» ٢١- إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩) «٤» ٢٢- لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) «٥» ٢٣- قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) «٦» ٢٤- وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) «٧»

стр. 4960

الأحاديث الواردة في ذمّ (التكاثر) ١-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: كنت أمشي مع النّبيّ ﷺ في حرّة المدينة فاستقبلنا أحد «١» فقال: «يا أبا ذرّ» ، قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: «ما يسرّني أنّ عندي مثل أحد هذا ذهبا، تمضي عليّ ثالثة «٢» وعندي منه دينار، إلّا شيئا أرصده لدين، إلّا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا» - عن يمينه وعن شماله ومن خلفه- ثمّ مشى ثمّ قال: «إنّ الأكثرين «٣» هم المقلّون يوم القيامة، إلّا من قال: هكذا وهكذا وهكذا- عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه- وقليل ما هم» ثمّ قال لي: «مكانك، لا تبرح حتّى آتيك» ، ثمّ انطلق في سواد اللّيل حتّى توارى، فسمعت صوتا قد ارتفع، فتخوّفت أن يكون أحد عرض للنّبيّ ﷺ ، فأردت أن آتيه، فتذكّرت قوله لي: «لا تبرح حتّى آتيك» فلم أبرح حتّى أتاني، قلت يا رسول الله، لقد سمعت صوتا تخوّفت (منه) ، فقال: «وهل سمعته؟» قلت: نعم، قال: «ذاك جبريل أتاني فقال: من مات من أمّتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنّة» قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق» ) * «٤» . ٢-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: خرجت ليلة من اللّيالي، فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده وليس معه إنسان، قال: فظننت أنّه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظلّ القمر، فالتفت فرآني فقال: «من هذا؟» قلت: أبو ذرّ، جعلني الله فداءك، قال: «يا أبا ذرّ تعال» فمشيت معه ساعة، فقال لي: إنّ المكثرين هم المقلّون «٥» . يوم القيامة، إلّا من أعطاه الله خيرا فنفح فيه يمينه وشماله، وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرا ... الحديث» ) * «٦» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سأل النّاس أموالهم تكثّرا «٧» ، فإنّما يسأل جمرا، فليستقلّ أو ليستكثر» ) * «٨» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التّكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ ولكن أخشى عليكم العمد» ) * «٩» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في نخل لبعض أهل المدينة فقال: «يا أبا هريرة هلك المكثرون إلّا من قال هكذا وهكذا وهكذا ثلاث مرّات، حثى «١٠» بكفّه عن يمينه وعن يساره وبين يديه، وقليل ماهم» ، ثمّ مشى

стр. 4961

ساعة فقال: «يا أبا هريرة ألا أدلّك على كنز من كنوز الجنّة؟» فقلت بلى يا رسول الله. قال: «قل لا حول ولا قوّة إلّا بالله ولا ملجأ من الله إلّا إليه» ثمّ مشى ساعة فقال: «يا أبا هريرة، هل تدري ما حقّ النّاس على الله، وما حقّ الله على النّاس؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّ حقّ الله على النّاس أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا فإذا فعلوا ذلك فحقّ عليه أن لا يعذّبهم» ) * «١» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رجلا شتم أبا بكر والنّبيّ ﷺ جالس، فجعل النّبيّ ﷺ يعجب ويتبسّم، فلمّا أكثر ردّ عليه بعض قوله، فغضب النّبيّ ﷺ وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلمّا رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت. قال: «إنّه كان معك ملك يردّ عنك فلمّا رددت عليه بعض قوله وقع الشّيطان فلم أكن لأقعد مع الشّيطان» ثمّ قال: «يا أبا بكر، ثلاث كلّهنّ حقّ، ما من عبد ظلم بمظلمة فيفضي عنها لله إلّا أعزّ الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطيّة يريد بها صلة إلّا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلّا زاده الله بها قلّة» ) * «٢» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قلب الشّيخ شاب على حبّ اثنتين: طول الحياة وكثرة المال» ) * «٣» . ٨-* (عن مطرّف عن أبيه أنّه انتهى إلى النّبيّ ﷺ وهو يقول: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ. قال: «يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلّا ما تصدّقت فأمضيت، أو أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت؟» ) * «٤» . ٩-* (عن سهل ابن الحنظليّة قال: قدم على رسول الله ﷺ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس فسألاه، فأمر لهما بما سألا، فأمّا الأقرع فأخذ كتابه فلفّه في عمامته، وانطلق، وأمّا عيينة فأخذ كتابه وأتى النّبيّ ﷺ مكانه فقال: يا محمّد، أتراني حاملا إلى قومي كتابا لا أدري ما فيه كصحيفة المتلمّس «٥» ، فأخبره معاوية بقولة رسول الله ﷺ «٦» ، فقال رسول الله ﷺ : «من سأل وعنده ما يغنيه فإنّما يستكثر من النّار» أو قال: «من جمر جهنّم» فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ أو قيل: وما الغنى الّذي لا تنبغي معه المسألة؟ قال: «قدر ما يغدّيه ويعشّيه» أو قال: «أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم» ) * «٧» . ١٠-* (عن عبد الرّحمن بن شبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرأوا القرآن ولا تغلوا

стр. 4962

فيه ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به» ) * «١» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم السّاعة حتّى يكثر فيكم المال فيفيض، حتّى يهمّ ربّ المال من يقبل صدقته، وحتّى يعرضه فيقول الّذي يعرضه عليه: لا أرب «٢» لي» ) * «٣» . ١٢-* (عن عمرو بن تغلب قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أشراط السّاعة أن يفشو المال ويكثر وتفشو التّجارة ويظهر العلم ويبيع الرّجل البيع فيقول: لا حتّى أستأمر تاجر بني فلان، ويلتمس في الحيّ العظيم الكاتب فلا يوجد» ) * «٤» . ١٣-* (عن سلمة بن صخر البياضيّ قال: كنت امرأ أستكثر من النّساء لا أرى رجلا كان يصيب من ذلك ما أصيب، فلمّا دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتّى ينسلخ رمضان، فبينما هي تحدّثني ذات ليلة انكشف منها شيء فوثبت عليها فواقعتها ... الحديث» ) * «٥» . ١٤-* (قال رسول الله ﷺ : «إنّه سيصيب أمّتي داء الأمم» قالوا: وما داء الأمم؟ قال: «الأشر «٦» والبطر «٧» والتّكاثر والتّنافس في الدّنيا، والتّباعد والتّحاسد حتّى يكون البغي ثمّ الهرج «٨» » ) * «٩» . ١٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ : أنّه قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض «١٠» ، ولكنّ الغنى غنى النّفس» ) * «١١» . ١٦-* (عن أنس- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ : قال: «لو أنّ لابن آدم واديا من ذهب أحبّ أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلّا التّراب، ويتوب الله على من تاب» قال أبيّ: كنّا نرى هذا (الحديث) من القرآن، حتّى نزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ» ) * «١٢» . ١٧-* (عن ثابت بن الضّحّاك- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ليس على رجل نذر فيما لا يملك، ولعن المؤمن كقتله، ومن قتل نفسه بشيء في الدّنيا عذّب به يوم القيامة، ومن ادّعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده الله إلّا قلّة، ومن حلف على يمين صبر فاجرة «١٣» » ) * «١٤» .

стр. 4963

الأحاديث الواردة في ذمّ (التكاثر) معنى ١٨-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: جلس رسول الله ﷺ على المنبر وجلسنا حوله فقال: «إنّ ممّا أخاف عليكم ما يفتح الله عليكم من زهرة الدّنيا وزينتها» ) * «١» . ١٩-* (عن كعب بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشّرف «٢» لدينه» ) * «٣» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعس «٤» عبد «٥» الدّينار والدّرهم والقطيفة «٦» والخميصة «٧» ، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض» ) * «٨» . ٢١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الدّنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له» ) * «٩» . ٢٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلّا التّراب، ويتوب الله على من تاب» ) * «١٠» . ٢٣-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ما يزال الرّجل يسأل النّاس حتّى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم» ) * «١١» . ٢٤-* (عن عوف بن مالك- ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ في أصحابه، فقال: «الفقر تخافون أو العوز أم تهمّكم الدّنيا؟ فإنّ الله فاتح عليكم فارس والرّوم وتصبّ عليكم الدّنيا صبّا حتّى لا يزيغكم بعد أن زغتم «١٢» إلّا هي» ) * «١٣» . ٢٥-* (عن عبد الرّحمن بن عوف- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الشّيطان- لعنه الله-: لن يسلم منّي صاحب المال من إحدى ثلاث، أغدو عليه بهنّ وأروح: أخذه من غير حلّه، وإنفاقه في

стр. 4964

غير حقّه، وأحبّبه إليه فيمنعه من حقّه» ) * «١» . ٢٦-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّما أهلك من كان قبلكم الدّينار والدّرهم وهما مهلكاكم» ) * «٢» . ٢٧-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أشرب حبّ الدّنيا التاط «٣» منها بثلاث: شقاء لا ينفد عناه، وحرص لا يبلغ غناه، وأمل لا يبلغ منتهاه، فالدّنيا طالبة ومطلوبة، فمن طلب الدّنيا طلبته الآخرة حتّى يدركه الموت فيأخذه، ومن طلب الآخرة طلبته الدّنيا حتّى يستوفي منها رزقه» ) * «٤» . ٢٨-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما ذئبان ضاريان في حظيرة يأكلان ويفسدان بأضرّ فيها من حبّ الشّرف وحبّ المال في دين المرء المسلم» ) * «٥» . ٢٩-* (عن عمر بن عوف الأنصاريّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «أظنّكم سمعتم أنّ أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟» فقالوا: أجل يا رسول الله. قال: «فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم فو الله مالفقر أخشى عليكم، ولكنّي أخشى أن تبسط الدّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم» ) * «٦» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التكاثر) ١-* (عن عليّ- ﵁ وكرّم الله وجهه- قال: ما زلنا نشكّ في عذاب القبر حتّى نزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ) * «٧» . ٢-* (عن ابن عبّاس والحسن في قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قالا: التّكاثر من الأموال والأولاد) * «٨» . ٣-* (عن ابن عبّاس ومقاتل والكلبيّ في قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ: نزلت في حيّين من قريش، بني عبد مناف وبني سهم، تعادّوا وتكاثر وبالسّادة والأشراف في الإسلام، فقال كلّ حيّ منهم: نحن أكثر سيّدا وأعزّ عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائذا فكثر بنو عبد مناف سهما «٩» ، ثمّ تكاثروا في الأموات فكثرتهم بنو سهم. فأنزل الله السّورة السّابقة) * «١٠» . ٤-* (عن قتادة في قوله تعالى حَتَّى زُرْتُمُ

стр. 4965

الْمَقابِرَ قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعدّ من بني فلان، وهم كلّ يوم يتساقطون إلى آخرهم) * «١» . ٥-* (عن قتادة في الآية الكريمة أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال: نزلت في أهل الكتاب) * «٢» . ٦-* (قال الضّحّاك: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ أي: ألهاكم التّشاغل بالمعاش والتّجارة) * «٣» . ٧-* (وعن مقاتل وقتادة وغيرهما في قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ أنّها نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتّى ماتوا ضلّالا) * «٤» . ٨-* (عن عمرو بن دينار في الآية أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ أنّه حلف أنّ هذه السّورة نزلت في التّجّار) * «٥» . ٩-* (وعن قتادة في الآية نفسها أنّها نزلت في اليهود) * «٦» . ١٠-* (وقال ابن زيد في الآية السّابقة: أنّها نزلت في فخذ من الأنصار) * «٧» . ١١-* (عن ابن بريدة قال: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان ابن فلان، وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثمّ قالوا انطلقوا بنا إلى قبور، فجعلت إحدى الطّائفتين تقول فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور ومثل فلان، وفعل الآخرون مثل ذلك فأنزل الله أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ) * «٨» . ١٢-* (وعن الطّبريّ في قوله تعالى: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يقول جلّ ثناؤه: كلّا ما هكذا ينبغي أن تفعلوا، أن يلهيكم التّكاثر بالأموال وكثرة العدد، «سوف تعلمون إذا زرتم المقابر ما تلقون إذا أنتم زرتموها من مكروه اشتغالكم عن طاعة ربّكم بالتّكاثر» ) * «٩» . ١٣-* (عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ فلبث هنيهة ثمّ قال: يا ميمون، ما أرى المقابر إلّا زيارة وما للزّائر بدّ من أن يرجع إلى منزله. قال أبو محمّد: يعني يرجع إلى منزله أي جنّته أو ناره) * «١٠» . ١٤-* (قال الطّبريّ في قوله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ يقول تعالى ذكره: ألهاكم أيّها النّاس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربّكم وعمّا ينجيكم من سخطه عليكم) * «١١» . ١٥-* (وقال الزّمخشريّ في الآية نفسها: شغلكم التّكاثر، أي التّباري في الكثرة والتّباهي بها،

стр. 4966

وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر، وهؤلاء: نحن أكثر، والمعنى ألهاكم ذلك وهو ممّا لا يعنيكم ولا يجدي عليكم في دنياكم وآخرتكم عمّا يعنيكم أمر الدّين الّذي هو أهمّ وأعنى من كلّ مهمّ) * «١» . ١٦-* (وقال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ المعنى: شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله تعالى حتّى متّم ودفنتم في المقابر) * «٢» . ١٧-* (وقال ابن كثير في الآية نفسها: أشغلكم حبّ الدّنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها وتمادى بكم ذلك حتّى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها) * «٣» . ١٨-* (وقال ابن قتيبة- رحمه الله تعالى-: التّكاثر يكون بالعدد والقرابات) * «٤» . ١٩-* (وقال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: والتّكاثر تفاعل من الكثرة، أي تكاثر بعضكم لبعض، وأعرض عن ذكر المتكاثر به إرادة لإطلاقه وعمومه، وأنّ كلّ ما يكاثر به العبد غيره سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده فهو داخل في هذا التّكاثر) * «٥» . من مضار (التكاثر) (١) التّكاثر بالأموال والأولاد ونحوهما يلهي الإنسان ويشغله عن الطّاعات. (٢) التّكاثر ضارّ بدين المسلم كضرر الذّئب الضّاري على الغنم. (٣) التّكاثر في طلب المال خسران في الدّنيا وعذاب في الآخرة. (٤) المكثرون (أو الأكثرون) من أقلّ النّاس ثوابا في الآخرة إلّا من عصم الله تعالى فأنفق كثيرا. (٥) المكثرون هم الأخسرون إلّا إذا أنفقوا في الطّاعات بغير حساب. (٦) المتكثّرون عن طريق المسألة لا يزيدهم الله إلّا فقرا وذلّا في الدّنيا. (٧) المتكثّر بالسّؤال يلقى الله وليس على وجهه مزعة لحم. (٨) التّكاثر مظهر من مظاهر التّرف الّذي يؤدّي إلى الكبر والغرور. (٩) التّكاثر والتّكالب على زهرة الحياة الدّنيا يؤدّي إلى الهلاك وإراقة الدّماء. (١٠) التّكاثر والجمع للدّنيا لا يسعى له إلّا من قلّ عقله وانعدم تبصّره. (١١) التّكاثر في العلم عن الحدّ المعقول يؤدّي إلى ضياع ما لا ينبغي ضياعه.

стр. 4967

التكلف التكلف لغة: التّكلّف مصدر قولهم: تكلّف الشّيء يتكلّفه، وهو مأخوذ من مادّة (ك ل ف) ، الّتي تدور حول معنى الإيلاع بالشّيء والتّعلّق به، تقول: كلف بالأمر يكلف كلفا (تعلّق به وأولع) ، وأكلفته به: جعلته كلفا، والكلف في الوجه: سمّي (بذلك) لتصوّر كلفة به، وتكلّف الشّيء، أن يفعله الإنسان بإظهار كلف مع مشقّة تناله في تعاطيه، وصارت الكلفة في التّعارف اسما للمشقّة، يقال: كلف بالشّيء كلفا وكلفة، فهو كلف ومكلّف: لهج به. قال أبو زيد: كلفت منك أمرا كلفا. وكلف بها أشدّ الكلف أي أحبّها. والمكلّف والمتكلّف: الوقّاع فيما لا يعنيه. والمتكلّف: العرّيض لما لا يعنيه: يقال: كلفت هذا الأمر وتكلّفته. والكلفة: ما تكلّفت من أمر في نائبة أو حقّ. ويقال: كلفت بهذا الأمر: أي أولعت به. وفي الحديث: «اكلفوا من العمل ما تطيقون» ، وهو من كلفت بالأمر إذا أولعت به وأحببته. والكلف: الولوع بالشّيء مع شغل قلب ومشقّة. وكلّفه تكليفا أي أمره بما يشقّ عليه، وتكلّفت الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١/ ١٢/ ١٧ الشّيء: تجشّمته على مشقّة وعلى خلاف عادتك. وفي الحديث: «أراك كلفت بعلم القرآن» وفي الحديث «أنا وأمّتي برءاء من التّكلّف» ، وكلفته إذا تحمّلته. ويقال: فلان يتكلّف لإخوانه الكلف والتّكاليف. ويقال: حملت الشّيء تكلفة إذا لم تطقه إلّا تكلّفا، وهو تفعلة. وفي حديث عمر- ﵁ (نهينا عن التّكلّف) أراد كثرة السّؤال والبحث عن الأشياء الغامضة الّتي لا يجب البحث عنها، والأخذ بظاهر الشّريعة وقبول ما أنت به. قال ابن سيدة: كلف الأمر وتكلّفه تجشّمه على مشقّة وعسرة. «١» . وقول الله تعالى: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (ص/ ٨٦) أي وما أنا ممّن يتكلّف تخرّص القرآن وافتراءه، وقيل: لا أتكلّف ولا أتخرّص ما لم أومر به «٢» . التكلف اصطلاحا: قال المناويّ: التّكلّف: أن يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفه بالأشياء الّتي يدعو إليها طبعه «٣» . وقال الرّاغب: التّكلّف: اسم لما يفعل بمشقّة أو تصنّع أو تشبّع «٤» . وقال الفيروزابادىّ: التّكلّف: تحمّل الأمر

стр. 4968

بما يشقّ على الإنسان «١» . والتّكلّف قد يكون محمودا، وهو ما يتوخّاه الإنسان ليتوصّل به إلى أن يصير الفعل الّذي يتعاطاه سهلا عليه ويصير كلفا به ومحبّا له، ولهذا النّظر استعمل التّكليف في تكلّف العبادات، وقد يكون مذموما، وهو ما يتكلّفه الإنسان مراءاة وهو المقصود هنا «٢» . التكلف بين المدح والذم: قال الرّاغب: التكلّف على ضربين: الأوّل: محمود، وهو ما يتحرّاه الإنسان ليتوصّل به إلى أن يصير الفعل الّذي يتعاطاه سهلا عليه ويصير كلفا به ومحبّا له، وبهذا النّظر يستعمل التّكليف في تكلّف العبادات. الثّاني: مذموم وهو ما يتحرّاه الإنسان مراءاة، وإيّاه عني بقوله تعالى قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (ص/ ٨٦) وقوله ﷺ «أنا وأتقياء أمّتي برءآء من التّكلّف «٣» » . وهذا المعنى الثّاني هو المقصود من هذه الصّفة. [للاستزادة: انظر صفات: التعسير- الغلو- التفريط والإفراط- التنفير. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التوسط- التيسير- الإخلاص- المروءة] . الآيات الواردة في «التكلف» ١- قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨) «٤»

стр. 4969

الأحاديث الواردة في ذمّ (التكلف) ١-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ دخل عليه بيته، فقال: «يا عبد الله ابن عمرو، ألم أخبر أنّك تكلّف قيام اللّيل وصيام النّهار؟» قال: إنّي لأفعل، فقال: «إنّ حسبك، ولا أقول افعل، أن تصوم من كلّ شهر ثلاثة أيّام، الحسنة عشر أمثالها، فكأنّك قد صمت الدّهر كلّه» . قال: فغلّظت فغلّظ عليّ، قال: فقلت: إنّي لأجد قوّة من ذلك، قال: «إنّ من حسبك أن تصوم من كلّ جمعة ثلاثة أيّام» ، قال: فغلّظت فغلّظ عليّ. فقلت: إنّي لأجد بي قوّة، فقال النّبيّ ﷺ : «أعدل الصّيام عند الله صيام داود، نصف الدّهر» ، ثمّ قال: «لنفسك عليك حقّ، ولأهلك عليك حقّ» ، قال: فكان عبد الله يصوم ذلك الصّيام، حتّى إذا أدركه السّنّ والضّعف، كان يقول: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ من أهلي ومالي) * «١» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب ﵁ عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتّى خرج حاجّا فخرجت معه، فقلت له: يا أمير المؤمنين من اللّتان تظاهرتا على النّبيّ ﷺ من أزواجه، فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة، فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا تفعل، ما ظننت أنّ عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبّرتك به. قال: ثمّ قال عمر: والله إن كنّا في الجاهليّة ما نعدّ للنّساء أمرا، حتّى أنزل الله فيهنّ ما أنزل وقسم لهنّ ما قسم، قال: فبينا أنا في أمر أتأمّره إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، قال: فقلت لها: مالك ولما هاهنا، فيم تكلّفك في أمر أريده؟. فقالت لي: عجبا لك يا بن الخطّاب، ما تريد أن تراجع أنت، وإنّ ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتّى يظلّ يومه غضبان، فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتّى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنيّة إنّك لتراجعين رسول الله ﷺ حتّى يظلّ يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه. فقلت: تعلمين أنّي أحذّرك عقوبة الله وغضب رسول الله ﷺ ... الحديث) * «٢» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التكلف) معنى ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ خرج حين زاغت الشّمس فصلّى الظّهر، فلمّا سلّم قام على المنبر، فذكر السّاعة وذكر أن بين يديها أمورا عظاما، ثمّ قال: «من أحبّ أن يسأل عن

стр. 4970

شيء فليسأل عنه، فو الله لا تسألوني عن شيء إلّا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا» ، قال أنس: فأكثر النّاس البكاء، وأكثر رسول الله ﷺ أن يقول: «سلوني» فقال أنس: فقام إليه رجل، فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟. قال: «النّار» . فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: «أبوك حذافة» قال: ثمّ أكثر أن يقول: «سلوني، سلوني» . فبرك عمر على ركبتيه، فقال: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد ﷺ رسولا. قال: فسكت رسول الله ﷺ حين قال عمر ذلك، ثمّ قال رسول الله ﷺ : «أولى والّذي نفسي بيده، لقد عرضت عليّ الجنّة والنّار آنفا في عرض هذا الحائط، وأنا أصلّي، فلم أر كاليوم في الخير والشّرّ» ) * «١» . ٤-* (عن عائشة- ﵂: أنّ النّبيّ ﷺ دخل عليها وعندها امرأة. قال: «من هذه؟» ، قالت: فلانة- تذكر من صلاتها-. قال: «مه. عليكم بما تطيقون، فو الله لا يملّ الله حتّى تملّوا» وكان أحبّ الدّين إليه ما داوم عليه صاحبه) * «٢» . ٥-* (عن أنس- ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ رأى شيخا يهادى بين ابنيه، قال: «ما بال هذا؟» ، قالوا: نذر أن يمشي. قال: «إنّ الله- عن تعذيب هذا نفسه- لغنيّ» ، وأمره أن يركب) * «٣» . ٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال بينا النّبيّ ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلّم ويصوم، فقال النّبيّ ﷺ : «مره فليتكلّم وليستظلّ، وليقعد، وليتمّ صومه» ) * «٤» . ٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: دخل النّبيّ ﷺ فإذا حبل ممدود بين السّاريتين فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلّقت. فقال النّبيّ ﷺ : لا «حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» ) * «٥» . ٨-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ، في سفر، فرأى رجلا قد اجتمع النّاس عليه، وقد ظلّل عليه، فقال: «ما له؟» قالوا: رجل صائم. فقال رسول الله ﷺ : «ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر» ) * «٦» . ٩-* (كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إليّ ما سمعت من رسول الله ﷺ ، فكتب إليه: إنّ نبيّ الله ﷺ كان يقول في دبر كلّ صلاة: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير. اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ» وكتب إليه: أنّه كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السّؤال، وإضاعة المال، وكان ينهى عن عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومنع وهات) * «٧» . ١٠-* (عن زيد بن ثابت- ﵁

стр. 4971

أنّ النّبيّ ﷺ اتّخذ حجرة في المسجد من حصير فصلّى رسول الله ﷺ فيها ليالي حتّى اجتمع إليه ناس، ثمّ فقدوا صوته ليلة فظنّوا أنّه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم. فقال: «ما زال بكم الّذي رأيت من صنيعكم حتّى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلّوا أيّها النّاس في بيوتكم، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلّا الصّلاة المكتوبة» ) * «١» . ١١-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته» ) * «٢» . ١٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «من تحلّم بحلم لم يره كلّف أن يعقد بين شعيرتين، ولن يفعل، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون، أو يفرّون منه صبّ في أذنه الآنك «٣» يوم القيامة، ومن صوّر صورة عذّب وكلّف أن ينفخ فيها، وليس بنافخ» . قال سفيان: وصله لنا أيّوب، وقال قتيبة: حدّثنا أبو عوانة عن قتادة عن عكرمة عن أبي هريرة قوله: «من كذب في رؤياه» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التكلف) ١-* (عن ثابت: عن أنس- ﵁ قال: كنّا عند عمر فقال: نهينا عن التّكلّف) * «٥» . ٢-* (عن مسروق قال: أتينا عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: يا أيّها النّاس من علم شيئا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنّ من العلم أن يقول الرّجل لما لا يعلم الله أعلم فإنّ الله- قال لنبيّكم ﷺ : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (ص/ ٨٦)) * «٦» . ٣-* (قال ابن عبّاس- ﵄: في وصف بني إسرائيل لمّا طلب منهم موسى- ﵇ أن يذبحوا بقرة: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنّهم شدّدوا فشدّد عليهم) * «٧» . ٤-* (وقال أيضا- ﵄ في معنى قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: (البقرة/ ٧١) كادوا أن لا يفعلوا ولم يكن ذلك الّذي أرادوا لأنّهم أرادوا أن لا يذبحوها، يعني- مع هذا البيان، وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلّا بعد الجهد، وفي هذا ذمّ لهم وذلك أنّه لم يكن

стр. 4972

غرضهم إلّا التّعنّت) * «١» . ٥-* (قال قتادة: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ (الملك/ ٥) : خلق هذه النّجوم لثلاث: جعلها زينة للسّماء، ورجوما للشّياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأوّل فيها بغير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلّف مالا علم له به. وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عنه به وزاد في آخره: وإنّ ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النّجوم كهانة: من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النّجوم نجم إلّا ويولد به الطّويل والقصير والأحمر والأبيض والحسن والدّميم، وما علم هذه النّجوم وهذه الدّابّة وهذا الطّائر شيئا من هذا الغيب) * «٢» . ٦-* (قال البخاريّ- ﵀: مدح النّبيّ ﷺ صاحب الحكمة حين يقضي بها ويعلّمها ولا يتكلّف من قبله، ومشاورة الخلفاء وسؤالهم أهل العلم) * «٣» . ٧-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: يقول تعالى: قل يا محمّد لهؤلاء المشركين: ما أسألكم على هذا البلاغ وهذا النّصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدّنيا وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (ص/ ٨٦) أي وما أريد على ما أرسلني الله تعالى به، ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أدّيته لا أزيد عليه ولا أنقص منه، وإنّما أبتغي بذلك وجه الله- والدّار الآخرة) * «٤» . ٨-* (قال ابن عقيل- رحمه الله تعالى-: قال لي رجل: أنغمس في الماء مرارا كثيرة وأشكّ هل صحّ لي الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقلت له: اذهب فقد سقطت عنك الصّلاة. قال وكيف؟ قال: لأنّ النّبيّ ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتّى يفيق، والنّائم حتّى يستيقظ، والصّبيّ حتّى يبلغ» . ومن ينغمس في الماء مرارا ويشكّ هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون) * «٥» . ٩-* (لا يتعمّق أحد في الأعمال الدّينيّة، ويترك الرّفق إلّا عجز، وانقطع فيغلب) * «٦» . ١٠-* (وقال أيضا- ﵀: الأخذ بالعزيمة في موضع الرّخصة تنطّع، كمن يترك التّيمّم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي به استعماله إلى حصول الضّرر) * «٧» . ١١-* (قال ابن المنيّر- ﵀: رأينا ورأى النّاس قبلنا أنّ كلّ متنطّع في الدّين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنّه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدّي إلى الملال والمبالغة في التّطوّع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلّي اللّيل كلّه ويغالب النّوم إلى أن غلبته عيناه في آخر اللّيل، فنام عن صلاة

стр. 4973

الصّبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشّمس فخرج وقت الفريضة) * «١» . ١٢-* (قيل في المثل: لا يكن حبّك كلفا، ولا بغضك تلفا) * «٢» . ١٣-* (قال زهير: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم) * «٣» . ١٤-* (قال أبو كبير: أزهير هل عن شيبة من مصرف ... أم لا خلود لباذل متكلّف؟) * «٤» . ١٥-* (علامة المتكلّف كما قال ابن المنذر ثلاث: أن ينازل من فوقه، ويتعاطى مالا ينال، ويقول مالا يعلم) * «٥» . ١٦-* (قال الماورديّ في قوله تعالى: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ فيه ثلاثة أوجه أحدها: وما أنا من المتكلّفين لهذا القرآن من تلقاء نفسي. الثّاني: وما أنا من المتكلّفين لأن آمركم بما لم أومر به. الثّالث: وما أنا بالّذي أكلّفكم الأجر) * «٦» . ١٧-* (وقال ابن زيد في قوله تعالى: وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ وما أنا من المتكلّفين أتخرّص وأتكلّف ما لم يأمرني الله به) * «٧» . من مضار (التكلف) المذموم (١) هو أقرب إلى الرّياء منه إلى الحقّ. (٢) يسخط الرّبّ- ويقود صاحبه إلى النّيران. (٣) لا يحبّه النّاس ويبتعدون عنه. (٤) يشعر بقلق النّفس واضطرابها. (٥) التّكلّف قد يحبط عمل صاحبه، فيلقاه يوم القيامة هباء منثورا.

стр. 4974

التناجش التّناجش لغة: مصدر قولهم: تناجش يتناجش، وهو مأخوذ من مادّة (ن ج ش) الّتي تدلّ- كما يقول ابن فارس- على إثارة شيء، ومن ذلك النّجش، وهو أن تزايد في المبيع بشيء كثير لينظر إليك النّاظر فيقع فيه، وهو الّذي جاء في حديث «لا تناجشوا» «١» كأنّ النّاجش استثار تلك الزّيادة «٢» . ويقال: نجشت الصّيد أي استثرته، والنّاجش: الّذي يحوش الصّيد، ونجشت الإبل: جمعتها بعد تفرّق «٣» ، وقيل إنّ التّناجش مأخوذ من النّجش بمعنى الختل والخديعة، ومن هذا المعنى قيل للصّائد ناجش لأنّه يختل الصّيد ويحتال له «٤» ، وقال ابن حجر: النّجش في اللّغة: تنفير الصّيد واستثارته من مكانه ليصاد «٥» . وقال ابن منظور: أصل النّجش: البحث وهو استخراج الشّيء والنّجش أيضا: استثارة الشّيء، قال رؤبة: والخسر قول الكذب المنجوش الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١/ ١٠/ ١١ والمنجوش (هنا) المفتعل المكذوب، يقال: رجل نجوش ونجّاش ومنجش ومنجاش: أي مثير للصّيد، والمنجش والمنجاش (أيضا) الوقّاع بين النّاس. والنّجش «٦» والتّناجش: الزّيادة في السّلعة أو المهر ليسمع بذلك، فيزاد فيه..، وفي الحديث الشّريف: نهى رسول الله ﷺ عن النّجش في البيع وقال: «لا تناجشوا» والمراد- كما قال أبو عبيد- النّهي عن أن يزيد الرّجل ثمن السّلعة وهو لا يريد شراءها، ولكن ليسمعه غيره، فيزيد بزيادته، وهو الّذي يروى فيه عن ابن أبي أوفى: النّاجش آكل ربا خائن «٧» ، وفي التّناجش شيء آخر مباح، وهي المرأة الّتي تزوّجت، وطلّقت مرّة بعد أخرى، أو السّلعة الّتي اشتريت مرّة بعد مرّة ثمّ بيعت، وقال ابن شميل والنّجش أن تمدح سلعة غيرك ليبعيها أو تذمّها لئلّا تنفق عنه «٨» ، قال ابن الأثير: الأصل في النّجش: تنفير الوحش من مكان إلى مكان (آخر للإيقاع به) «٩» ، وذهب الفيّوميّ إلى أنّ الأصل في ذلك هو معنى الاستتار، لأنّ

стр. 4975

النّاجش يستر قصده «١» . وقد سمّيت عمليّة الإغراء أو الاستثارة ب «التّناجش» (وهو «تفاعل» من النّجش) لأنّ عمليّة الإغراء غالبا ما يشترك فيها النّاجش والبائع، يقول ابن حجر مؤكّدا هذا المعنى: ويقع ذلك منه (أي النّاجش) بمواطأة المالك، فيشتركان في الإثم «٢» ، وقد يختصّ به (أي بالتّناجش) المغري بالسّلعة، وربّما اختصّ به البائع «٣» . التّناجش اصطلاحا: قال الإمام الشّافعيّ- ﵀: النّجش: أن يحضر الرّجل السّلعة تباع، فيعطي بها الشّيء «٤» ، وهو لا يريد شراءها ليقتدي به السّوّام، فيعطون بها أكثر ممّا كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه «٥» . وقال الإمام التّرمذيّ: النّجش: هو أن يأتي الرّجل الّذي يفصل السّلعة إلى صاحب السّلعة فيستام بأكثر ممّا تسوى «٦» ، وذلك عندما يحضره المشتري، يريد أن يغترّ المشتري به (أي بما قاله ثمنا للسّلعة) ، وليس من رأيه الشّراء وإنّما يريد أن يخدع المشتري بما يستام» «٧» . وقال الجرجانيّ: النّجش أن تزيد في ثمن سلعة ولا رغبة لك في شرائها «٨» . وقال الإمام ابن حجر: النّجش: هو الزّيادة في ثمن السّلعة ممّن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وقد سمّي تناجشا لأنّ النّاجش يثير الرّغبة في السّلعة ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم «٩» . وقد ذكر الفيّوميّ ما يفيد أنّ التّناجش يقع أيضا في النّكاح عندما قال: يقال: نجش الرّجل: إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها ... وكذلك في النّكاح وغيره، وفعل ذلك هو التّناجش «١٠» . أنواع التّناجش: للتّناجش (النّجش) صور عديدة أهمّها: الأولى: أن يشترك النّاجش والبائع للسّلعة في خداع المشتري بأن يتواطأ كلاهما على ذلك. الثّانية: أن يقع الإغراء بدون علم البائع بأن يتطوّع النّاجش من تلقاء نفسه برفع ثمن السّلعة. الثّالثة: انفراد البائع بعمليّة الإغراء بأن يزعم أنّه اشترى بأكثر ممّا اشتراها به، وربّما حلف على ذلك ليغرّ المشتري، وقد يقع ذلك منه بأن يخبر بأنّه أعطي في السّلعة ما لم يعط. الرّابعة: أن يأتي شخص إلى وليّ أمر فتاة وقد حضر من يخطبها فيذكر مهرا أعلى ليغرّ الخاطب
следующие страницы →