← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

صفة رأس رسول الله ﷺ وصفة لحيته ﷺ : كان رسول الله ﷺ عظيم الرّأس، ذا لحية عظيمة حسنة كثيرة الشّعر سوداء، كادت تملأ نحره إذا تكلّم في نفسه عرف ذلك من خلفه باضطرابها لعظمتها. وهذه أحاديث في وصف ذلك ممّن شاهده ورآه تؤكّد ما ذكرناه. - عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في صفة رسول الله قال: «لم يكن رسول الله ﷺ بالطّويل، ولا بالقصير، ضخم الرّأس» «١» . - وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في وصف رسول الله ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ أبيض مشربا حمرة ضخم الهامة «٢» » «٣» . - وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ في وصف رسول الله ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ عظيم اللّحية» «٤» . - وعن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ كثّ «٥» اللّحية» «٦» . - وعن جابر بن سمرة- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللّحية» «٧» . - وعن أبي هريرة- ﵁ في وصف رسول الله ﷺ قال: «كان رسول الله ﷺ أسود اللّحية» «٨» .

стр. 527

- وفي حديث يزيد الفارسيّ في رؤيته المناميّة لرسول الله ﷺ والتّي قصّها على ابن عبّاس- ﵄ وأقرّه عليها، جاء فيه: « ... رأيت رجلا حسن المضحك جميل دوائر الوجه قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتّى كادت تملأ نحره» «١» . - وعن أبي معمر قال: قلت لخبّاب بن الأرتّ: أكان النّبيّ ﷺ يقرأ في الظّهر والعصر؛ قال: نعم. قال: قلت: بأيّ شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: باضطراب لحيته» «٢» . صفة شعر رأس رسول الله ﷺ : كان رسول الله ﷺ رجل الشّعر حسنه، فلم يكن شعره شديد الجعودة ولا شديد السّبوطة بل بينهما. شديد السّواد، يبلغ إلى أنصاف أذنيه وتارة شحمة أذنيه وتارة بين أذنيه وعاتقه وتارة يضرب منكبيه، وكان أوّل أمره قد سدل ناصيته بين عينيه ثمّ فرقه بعد ذلك فجعله فرقتين، وكان ربّما جعله غدائر أربعا يخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين يكتنفانها، ويخرج الأذن اليسرى من بين غديرتين يكتنفانها، وتخرج الأذنان ببياضهما من بين تلك الغدائر كأنّها توقّد الكواكب الدّرّيّة من سواد شعره. وبهذا الّذي ذكرناه جاءت أوصاف الصّحب الكرام لشعر سيّد المرسلين ﷺ ، فدونك إيّاها: - عن أنس بن مالك- ﵁: قال: «كان رسول الله ﷺ رجل الشّعر ليس بالسّبط ولا بالجعد القطط» «٣» . - عن أبي هريرة- ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ شديد سواد الشّعر» «٤» . - وعن أبي الطّفيل- ﵁ قال: «رأيت رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة فما أنسى بياض وجهه مع شدّة سواد شعره» «٥» . - وعن أنس بن مالك- ﵁: قال: «كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه» «٦» .

стр. 528

- عن البراء بن عازب- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ رجلا مربوعا له شعر يبلغ شحمة «١» أذنيه، عليه حلّة حمراء ما رأيت شيئا قطّ أحسن منه ﷺ » «٢» ، وفي لفظ للبخاريّ: «له شعر يبلغ شحمة أذنيه إلى منكبيه» . - عن البراء بن عازب- ﵄ قال: «ما رأيت من ذي لمّة «٣» أحسن في حلّة حمراء من رسول الله ﷺ شعره يضرب منكبيه» «٤» . - عن أنس بن مالك- ﵁ قال: «كان شعر رسول الله ﷺ شعرا رجلا، ليس بالجعد ولا السّبط، بين أذنيه وعاتقه «٥» » «٦» . - عن ابن العبّاس- ﵄ قال: «كان أهل الكتاب يسدلون «٧» أشعارهم، وكان المشركون يفرقون «٨»

стр. 529

رءوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحبّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته «١» ثمّ فرق بعد» «٢» . - عن أمّ هانيء- ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ مكّة «٣» وله أربع غدائر «٤» » «٥» . وفي رواية لها، قالت: «رأيت في رأس رسول الله ﷺ ضفائر أربعا» «٦» . ذكر شيب النّبيّ ﷺ وخضابه: كان لرسول الله ﷺ في رأسه ولحيته قليل من الشّيب، وكان أكثر شيب رأسه في فودى رأسه والفودان حرفا الفرق- وأكثر شيب لحيته في عنفقته «٧» فوق الذّقن، وكان شيبه كأنّه خيوط الفضّة يتلألأ بين ظهري سواد الشّعر الّذي معه. وإذا مسّ ذلك الشّيب الصّفرة- وكثيرا ما يفعل ذلك- صار كأنّه خيوط الذّهب يتلألأ بين ظهري سواد الشّعر الّذي معه صلوات الله وسلامه عليه. وبنحو ما قلناه وردت الأحاديث والأخبار، وهذه نماذج منها: - عن أنس بن مالك- ﵁ قال: «توفّي رسول الله ﷺ وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، قال ربيعة: فرأيت شعرا من شعر رسول الله ﷺ فإذا هو أحمر فسألت فقيل: من الطّيب» » . - عن محمّد بن سيرين؛ قال: سألت أنس بن مالك: أخضب «٩» رسول الله ﷺ ؟ قال: إنّه لم ير من الشّيب إلّا قليلا. «١٠» .

стр. 530

- عن ثابت قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: «لو شئت أن أعدّ شمطات «١» كنّ في رأسه فعلت. وقال: لم يختضب؛ وقد اختضب أبو بكر بالحنّاء والكتم «٢» . واختضب عمر بالحنّاء بحتا «٣» » «٤» . - عن قتادة قال: «سألت أنسا: هل خضب النّبيّ ﷺ ؟ قال: لا، إنّما كان شيء في صدغيه «٥» » «٦» ، «٧» . - عن أنس بن مالك- ﵁: «أنّ النّبيّ ﷺ لم يختضب، إنّما كان البياض في عنفقته «٨» وفي الصّدغين وفي الرّأس نبذ «٩» » «١٠» . - عن جابر بن سمرة- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ قد شمط «١١» مقدّم رأسه ولحيته، وكان إذا ادّهن ومشط لم يتبيّن وإذا شعث «١٢» رأسه تبيّن» «١٣» . - عن إياد بن أبي رمثة- ﵄ قال: «انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﷺ فلمّا رأيته قال لي: هل تدري من هذا؟ قلت: لا. قال: إنّ هذا رسول الله ﷺ ، فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظنّ رسول الله ﷺ ،

стр. 531

شيئا لا يشبه النّاس، فإذا هو بشر ذو وفرة «١» بها ردع «٢» من حنّاء، وعليه بردان أخضران» «٣» . - عن ابن عمر- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ كان يلبس النّعال السّبتيّة «٤» ويصفّر لحيته بالورس «٥» والزّعفران «٦» ، وكان ابن عمر يفعل ذلك» «٧» . - عن عبد الله بن عقيل، قال: قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز وال عليها، فبعث إليه عمر، وقال للرسول: سله هل خضب رسول الله ﷺ ، فإنّي رأيت شعرا من شعره قد لوّن «٨» قال أنس: «إنّ رسول الله ﷺ ، كان قد متّع بالسّواد، ولو عددت ما أقبل عليّ من شيبه في رأسه ولحيته ما كنت أزيدهنّ على إحدى عشرة شيبة، وإنّما هذا الّذي لوّن من الطّيب الّذي كان يطيّب به شعر رسول الله ﷺ ، هو الّذي غيّر لونه» «٩» . فائدة: يلحظ ممّا تقدّم من الأحاديث أنّ منها ما يدلّ على أنّ رسول الله ﷺ قد خضب، مثل حديث أبي رمثة وحديث ابن عمر- ﵃ ومنها ما ينفي ذلك مثل حديث أنس بن مالك- ﵁. ومن الأحاديث أيضا ما حدّد عدد شيب رسول الله ﷺ مثل حديث أنس الآنف الذّكر فإنّه حدّد الشّيب بإحدى عشرة شيبة، بينما وردت أحاديث أخر دلّت على أنّ الشّيب أزيد من هذا العدد، مثل حديث ابن عمر. وقد جمع العلماء ﵏ بين هذه الأحاديث ورجّحوا ما يأتي: أ- أنّ رسول الله ﷺ قد خضب. قال ابن كثير- ﵀: ونفي أنس للخضاب معارض بما تقدّم عن غيره من إثباته، والقاعدة المقرّرة أنّ

стр. 532

الإثبات مقدّم على النّفي، لأنّ المثبت معه زيادة علم ليست مع النّافي «١» . ب- أنّ إثبات غير أنس من الصّحابة لأزيد ممّا ذكر من الشّيب مقدّم لا سيّما ما جاء عن ابن عمر الّذي يظنّ أنّه تلقّى ذلك عن أخته أمّ المؤمنين حفصة؛ ذلك أنّ اطّلاعها أتمّ من اطّلاع أنس، لأنّها ربّما فلّت رأسه الكريم ﵊ «٢» . صفات أخرى لرسول الله ﷺ : جاءت أحاديث وآثار تصف وتنعت أعضاء جسميّة أخرى لرسول الله ﷺ غير الّتي مرّ ذكرها- كخاتم نبوّته، ومنكبه، وذراعيه، وكفّيه، وساقيه، وقدميه. وهذه مجموعة من تلك الأحاديث تصف ما ذكرنا من هذه الأعضاء. خاتم النبوة: عن عاصم عن عبد الله بن سرجس- ﵁: قال: «رأيت النّبيّ ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما، أو قال: ثريدا. قال: فقلت: استغفر لك النّبيّ ﷺ ؟ قال: نعم. ولك. ثمّ تلا هذه الآية: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ (محمد/ ١٩) . قال: ثمّ درت خلفه فنظرت إلى خاتم النّبوّة بين كتفيه. عند ناغض كتفه «٣» اليسرى جمعا «٤» عليه خيلان «٥» كأمثال الثّاليل «٦» » «٧» . - عن جابر بن سمرة- ﵄ قال: « ... كان وجه رسول الله ﷺ مثل الشّمس والقمر مستديرا، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة» الحمامة يشبه جسده» «٩» .

стр. 533

المنكبان: - عن البراء بن عازب- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ بعيد ما بين المنكبين» «١» . الذّراعان: - عن أبي هريرة- ﵁ في نعت النّبيّ ﷺ قال: «كان شبح «٢» الذّراعين» «٣» . الكفّان: - عن أنس- ﵁ قال: «كان النّبيّ ﷺ ضخم اليدين. حسن الوجه لم أر بعده ولا قبله مثله وكان بسط «٤» الكفّين» «٥» . - عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: «كان النّبيّ ﷺ شثن «٦» الكفّين ... والكراديس «٧» طويل المسربة «٨» » «٩» . - عن أنس- ﵁: قال: «كان رسول الله ﷺ أزهر اللّون «١٠» كأنّ عرقه اللّؤلؤ «١١» ، إذا

стр. 534

مشى تكفّأ «١» ، ولا مسست ديباجة ولا حريرة ألين «٢» من كفّ رسول الله ﷺ ، ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة رسول الله ﷺ «٣» . الساقان: - عن سراقة بن مالك- ﵁ قال: «أتيت رسول الله ﷺ فلمّا دنوت منه وهو على ناقته جعلت أنظر إلى ساقه كأنّها جمّارة «٤» » «٥» . - عن أبي جحيفة- ﵁ قال: «دفعت إلى النّبيّ ﷺ وهو بالأبطح في قبّة كان بالهاجرة، فخرج بلال فنادى بالصّلاة، ثمّ دخل فأخرج فضل وضوء «٦» رسول الله ﷺ فوقع النّاس عليه يأخذون منه، ثمّ دخل فأخرج العنزة «٧» ، وخرج رسول الله ﷺ ، كأنّي أنظر إلى وبيص «٨» ساقيه، فركز العنزة ثمّ صلّى الظّهر ركعتين، والعصر ركعتين، يمرّ بين يديه الحمار والمرأة» «٩» . - عن جابر بن سمرة- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ ، لا يضحك إلّا تبسّما وكان في ساقيه

стр. 535

حموشة «١» » «٢» . القدمان: - عن أنس بن مالك- ﵁ قال: «كان النّبيّ ﷺ ضخم القدمين ... » «٣» . - وعنه- ﵁ قال: «كان النّبيّ ﷺ شثن القدمين ... » «٤» . - عن جابر بن سمرة- ﵄ قال: «كان رسول الله ﷺ منهوس «٥» العقبين» «٦» . - وعن أبي هريرة- ﵁: في صفة رسول الله ﷺ قال: « ... كان يطأ بقدميه جميعا ليس له أخمص «٧» » «٨» .

стр. 536

الكمالات والخصائص الّتي انفرد بها رسول الله ﷺ أولا: الكمالات: ذكر الماورديّ- ﵀ في ذكر خصائص الرّسول ﷺ وفضائله وشرف أخلاقه وشمائله المؤيّدة لنبوّته والمبرهنة على عموم رسالته: فالكمال المعتبر في البشر يكون من أربعة أوجه: كمال الخلق وكمال الخلق وفضائل الأقوال وفضائل الأعمال. الوجه الأول: كمال الخلق: كمال خلقه؟ بعد اعتدال صورته يكون بأربعة أوصاف: الوصف الأول: السّكينة الباعثة على الهيبة والتّعظيم الدّاعية إلى التّقديم والتّسليم. وكان أعظم مهيب في النّفوس حتّى ارتاعت رسل كسرى من هيبته حين أتوه مع اعتيادهم لصولة الأكاسرة ومكاثرة الملوك الجبابرة. فكان ﷺ في نفوسهم أهيب وفي أعينهم أعظم، وإن لم يتعاظم بأبّهة ولم يتطاول بسطوة، بل كان بالتّواضع موصوفا وبالوطأة- أي السّهولة- معروفا. الوصف الثاني: في الطّلاقة الموجبة للإخلاص والمحبّة الباعثة على المصافاة والمودّة. وقد كان صلوات الله عليه محبوبا استحكمت محبّة طلاقته في النّفوس حتّى لم يقله «١» مصاحب ولم يتباعد منه مقارب وكان أحبّ إلى أصحابه من الآباء والأبناء وشرب الماء البارد على الظّمأ. الوصف الثالث: حسن القبول الجالب لممايلة القلوب حتّى تسرع إلى طاعته وتذعن بموافقته، وقد كان قبول منظره ﷺ مستوليا على القلوب ولذلك استحكمت مصاحبته في النّفوس حتّى لم ينفر منه معاند ولا استوحش منه مباعد، إلّا من ساقه الحسد إلى شقوته وقاده الحرمان إلى مخالفته.

стр. 537

الوصف الرابع: ميل النّفوس إلى متابعته وانقيادها لموافقته وثباته على شدائده ومصابرته، فما شذّ عنه معها من أخلص ولا ندّ عنه فيها إلّا من حرم الخير كلّه. وهذه الأربعة من دواعي السّعادة وقوانين الرّسالة قد تكاملت فيه فكمل لما يوازيها واستحقّ ما يقتضيها. الوجه الثاني: كمال الخلق: أمّا كمال أخلاقه ﷺ فيكون بستّ خصال: الخصلة الأولى: رجاحة عقله وصدق فراسته، وقد دلّ على وفور ذلك فيه صحّة رأيه وصواب تدبيره وحسن تألّفه النّاس وأنّه ما استغفل في مكيدة ولا استعجز في شديدة بل كان يلحظ الإعجاز في المباديء فيكشف عيوبها ويحلّ خطوبها وهذا لا ينتظم إلّا بأصدق حدس وأوضح رؤية. الخصلة الثانية: ثباته في الشّدائد وهو مطلوب، وصبره على البأساء والضّرّاء، وهو مكروب ومحروب «١» ونفسه في اختلاف الأحوال ساكنة لا يخور في شديدة ولا يستكين لعظيمة وقد لقي بمكّة من قريش ما يشيب النّواصي ويهدّ الصّياصي وهو مع الضّعف يصابر صبر المستعلي ويثبت ثبات المستولي» . الخصلة الثالثة: زهده في الدّنيا وإعراضه عنها وقناعته منها فلم يمل إلى غضارتها ولم يله لحلاوتها وقد ملك من أقصى الحجاز إلى عذار العراق ومن أقصى اليمن إلى شحر عمان. وهو أزهد النّاس فيما يقتنى ويدّخر وأعرضهم عمّا يستفاد ويحتكر، لم يخلّف عينا ولا دينا ولا حفر نهرا ولا شيّد قصرا ولم يورّث ولده وأهله متاعا ولا مالا ليصرفهم عن الرّغبة في الدّنيا كما صرف نفسه عنها فيكونوا على مثل حاله في الزّهد فيها. وحقيق بمن كان في الدّنيا بهذه الزّهادة أن لا يتّهم بطلبها أو يكذب على الله تعالى في ادّعاء الآخرة ويقنع في العاجل وقد سلب الآجل بالميسور النّزر ويرض بالعيش الكدر.

стр. 538

الخصلة الرابعة: تواضعه للنّاس وهم أتباع، وخفض جناحه لهم وهو مطاع، يمشي في الأسواق ويجلس على التّراب ويمتزج بأصحابه وجلسائه فلا يتميّز عنهم إلّا بإطراقه وحيائه، فصار بالتّواضع متميّزا، وبالتّذلّل متعزّزا. ولقد دخل عليه بعض الأعراب فارتاع من هيبته فقال خفّض عليك فإنّما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكّة وهذا من شرف أخلاقه وكريم شيمه فهي غريزة فطر عليها وجبلّة طبع بها لم تندر فتعدّ، ولم تحصر فتحدّ. الخصلة الخامسة: حلمه ووقاره عن طيش يهزّه أو خرق يستفزّه فقد كان أحلم في النّفار من كلّ حليم وأسلم في الخصام من كلّ سليم. وقد مني بجفوة الأعراب فلم يوجد منه نادرة ولم يحفظ عليه بادرة، ولا حليم غيره إلّا ذو عثرة ولا وقور سواه إلّا ذو هفوة، فإنّ الله تعالى عصمه من نزع الهوى وطيش القدرة «١» ليكون بأمّته رءوفا وعلى الخلق عطوفا لقد تناولته قريش بكلّ كبيرة وقصدته بكلّ جريرة وهو صبور عليهم ومعرض عنهم. وما تفرّد بذلك سفهاؤهم عن حلمائهم ولا أراذلهم دون عظمائهم، بل تمالأ عليه الجلّة والدّون، فكلّما كانوا عليه ألحّ، كان عنهم أعرض وأصفح، حتّى قدر فعفا، وأمكنه الله منهم فغفر. وقال لهم حين ظفر بهم عام الفتح وقد اجتمعوا إليه: ما ظنّكم بي قالوا ابن عمّ كريم، فإن تعف فذاك الظّنّ بك وإن تنتقم فقد أسأنا، فقال: بل أقول كما قال يوسف لإخوته لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وقال: اللهمّ قد أذقت أوّل قريش نكالا فأذق آخرهم نوالا وأتته هند بنت عتبة، وقد بقرت بطن عمّه حمزة، ولاكت كبده فصفح عنها وبايعها. فإن قيل: فقد ضرب رقاب بني قريظة صبرا في يوم واحد وهم نحو سبعمائة، فأين موضع العفو والصّفح قيل: إنّما فعل ذلك في حقوق الله تعالى. وقد كانت بنو قريظة رضوا بتحكيم سعد بن معاذ عليهم فحكم أنّ من جرت عليه الموسى «٢» قتل ومن لم تجر عليه استرقّ فقال رسول الله ﷺ : هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة «٣» ، فلم يجز أن يعفو عن حقّ وجب لله تعالى عليهم وإنّما يختصّ عفوه بحقّ نفسه.

стр. 539

الخصلة السادسة: حفظه للعهد ووفاؤه بالوعد فإنّه ما نقض لمحافظ عهدا، ولا أخلف لمراقب وعدا، يرى الغدر من كبائر الذّنوب، والإخلاف من مساوىء الشّيم فيلتزم فيهما الأغلظ ويرتكب فيهما الأصعب حفظا لعهده ووفاء بوعده حتّى يبتدىء معاهدوه بنقضه فيجعل الله تعالى له مخرجا كفعل اليهود من بني قريظة وبني النّضير وكفعل قريش بصلح الحديبية إذ جعل الله تعالى له في نكثهم الخيرة. فهذه ستّ خصال تكاملت في خلقه، فضّله الله تعالى على جميع خلقه. الوجه الثالث: فضائل الأقوال: في فضائل أقواله ﷺ خصال عديدة، منها: الخصلة الأولى: ما أوتي من الحكمة البالغة، وأعطي من العلوم الجمّة الباهرة، وهو أمّي من أمّة أمّيّة لم يقرأ كتابا ولا درس علما ولا صحب عالما ولا معلّما فأتى بما بهر العقول وأذهل الفطن من إتقان ما أبان وإحكام ما أظهر ولم يتعثّر فيه بزلل في قول أو عمل. وقد شرع من تقدّم من حكماء الفلاسفة سننا حملوا النّاس على التّديّن بها حين علموا أنّه لا صلاح للعالم إلّا بدين ينقادون له ويعملون به فما راق لها أثر ولا فاق لها خبر. الخصلة الثانية: حفظه لما أطلعه الله تعالى عليه من قصص الأنبياء مع الأمم وأخبار العالم في الزّمن الأقدم حتّى لم يعزب عنه منها صغير ولا كبير ولا شذّ عنه منها قليل ولا كثير. وهو لا يضبطها بكتاب يدرسه ولا يحفظها بعين تحرسه، وما ذاك إلّا من ذهن صحيح وصدر فسيح وقلب شريح، وهذه الثّلاثة آلة ما استودع من الرّسالة وحمّل من أعباء النّبوّة فجدير أن يكون بها مبعوثا وعلى القيام بها محثوثا. الخصلة الثالثة: إحكامه لما شرع بأظهر دليل وبيانه بأوضح تعليل حتّى لم يخرج منه ما يوجبه معقول «١» ولا دخل فيه ما تدفعه العقول. ولذلك قال ﷺ : أوتيت جوامع الكلم واختصرت لي الحكمة اختصارا، لأنّه نبّه بالقليل على الكثير فكفّ عن الإطالة وكشف عن الجهالة وما تيسّر ذلك إلّا وهو عليه معان وإليه مقاد.

стр. 540

الخصلة الرابعة: ما أمر به من محاسن الأخلاق ودعا إليه من مستحسن الآداب وحثّ عليه من صلة الأرحام وندب إليه من التّعطّف على الضّعفاء والأيتام. ثمّ ما نهى عنه من التّباغض والتّحاسد وكفّ عنه من التّقاطع والتّباعد لتكون الفضائل فيهم أكثر ومحاسن الأخلاق بينهم أنشر، ومستحسن الآداب عليهم أظهر وتكون إلى الخير أسرع ومن الشّرّ أمنع. فيتحقّق فيهم قول الله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ فلزموا أمره واتّقوا زواجره فتكامل بهم صلاح دينهم ودنياهم حتّى عزّ بهم الإسلام بعد ضعفه وذلّ بهم الشّرك بعد عزّه فصاروا أئمّة أبرارا وقادة أخيارا. الخصلة الخامسة: وضوح جوابه إذا سئل وظهور حجاجه إذا جادل لا يحصره عيّ، ولا يقطعه عجز ولا يعارضه خصم في جدال إلّا كان جوابه أوضح وحجاجه أرجح. الخصلة السادسة: أنّه محفوظ اللّسان من تحريف في قول واسترسال في خبر يكون إلى الكذب منسوبا وللصّدق مجانبا، فإنّه لم يزل مشهورا بالصّدق في خبره كان فاشيا وكثيرا حتّى صار بالصّدق مرقوما، وبالأمانة موسوما. وكانت قريش بأسرها تتيقّن صدقه قبل الإسلام فجهروا بتكذيبه في استدعائهم إليه فمنهم من كذّبه حسدا ومنهم من كذّبه عنادا ومنهم من كذّبه استبعاد أن يكون نبيّا أو رسولا. ولو حفظوا عليه كذبة نادرة في غير الرّسالة لجعلوها دليلا على تكذيبه في الرّسالة، ومن لزم الصّدق في صغره كان له في الكبر ألزم ومن عصم منه في حقّ نفسه كان في حقوق الله تعالى أعصم وحسبك بهذا دفعا لجاحد وردّا لمعاند. الخصلة السّابعة: تحرير كلامه في التّوخّي به إبّان حاجته والاقتصار منه على قدر كفايته فلا يسترسل فيه هذرا ولا يحجم عنه حصرا وهو فيما عدا حالتي الحاجة والكفاية أجمل النّاس صمتا وأحسنهم سمتا. ولذلك حفظ كلامه حتّى لم يختلّ وظهر رونقه حتّى لم يعتلّ واستعذبته الأفواه حتّى بقي محفوظا في القلوب مدوّنا في الكتب فلن يسلم الاكثار من الزّلل ولا الهذر من الملل. الخصلة الثّامنة: أنّه أفصح النّاس لسانا وأوضحهم بيانا وأوجزهم كلاما وأجزلهم ألفاظا وأصحّهم معاني، لا يظهر فيه

стр. 541

هجنة التّكلّف ولا يتخلّله فيهقة التّعسّف. وقد دوّن كثير من جوامع كلمه ومن كلامه الّذي لا يشاكل في فصاحته وبلاغته ومع ذلك فلا يأتي عليه إحصاء ولا يبلغه استقصاء. ولو مزج كلامه بغيره لتميّز بأسلوبه ولظهر فيه آثار التّنافر فلم يلتبس حقّه من باطله ولبان صدقه من كذبه هذا ولم يكن متعاطيا للبلاغة ولا مخالطا لأهلها من خطباء أو شعراء أو فصحاء وإنّما هو من غرائز طبعه وبداية جبلّته وما ذاك إلّا لغاية تراد وحادثة تشاد. الوجه الرابع: فضائل الأعمال: وأمّا في فضائل أفعاله ﷺ فمختبر بثمان خصال: الخصلة الأولى: حسن سيرته، وصحّة سياسته في دين نقل به الأمّة عن مألوف، وصرفهم به عن معروف إلى غير معروف، فأذعنت به النّفوس طوعا، وانقادت خوفا وطمعا. وحسبك بما استقرّت قواعده على الأبد حتّى انتقل عن سلف إلى خلف يزاد فيهم حلاوته، ويشتدّ فيهم جدّته، ويرونه نظاما لإعصار تنقلب صروفها، ويختلف مألوفها أن يكون لمن قام به برهانا ولمن ارتاب به بيانا. الخصلة الثّانية: أن جمع بين رغبة من استمال ورهبة من استطاع حتّى اجتمع الفريقان على نصرته، وقاموا بحقوق دعوته رغبا في عاجل وآجل، ورهبا من زائل ونازل، لاختلاف الشّيم والطّباع في الانقياد الّذي لا ينتظم بأحدهما، ولا يستديم إلّا بهما، فلذلك صار الدّين بهما مستقرّا، والصّلاح بهما مستمرّا. الخصلة الثّالثة: أنّه عدل فيما شرعه من الدّين عن الغلوّ والتّقصير إلى التّوسّط، وخير الأمور أوساطها، وليس لما جاوز العدل حظّ من رشد، ولا نصيب من سداد. الخصلة الرّابعة: أنّه لم يمل بأصحابه إلى الدّنيا ولا إلى رفضها، وأمدّهم فيها بالاعتدال، وقال: «خيركم من لم يترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه، ولكن خيركم من أخذ من هذه وهذه» . وهذا صحيح؛ لأنّ الانقطاع إلى أحدهما اختلال، والجمع بينهما اعتدال. وقال ﷺ : «نعم المطيّة الدّنيا فارتحلوها تبلّغكم الآخرة» ، وإنّما كان كذلك لأنّ منها يتزوّد لآخرته. ويستكثر فيهما من طاعته وأنّه لا يخلو تاركها من أن يكون محروما مضاعا أو مرحوما مراعى وهو في الأوّل كلّ وفي الثّاني مستذلّ.

стр. 542

الخصلة الخامسة: تصدّيه لمعالم الدّين ونوازل الأحكام حتّى أوضح للأمّة ما كلّفوه من العبادات، وبيّن لهم ما يحلّ وما يحرم من مباحات ومحظورات، وفصّل لهم ما يجوز ويمتنع من عقود ومناكح ومعاملات. حتّى احتاج أهل الكتاب في كثير من معاملاتهم ومواريثهم لشرعه ولم يحتج شرعه إلى شرع غيره ثمّ مهّد لشرعه أصولا تدلّ على الحوادث المغفلة ويستنبط لها الأحكام المعلّلة فأغنى عن نصّ بعد ارتفاعه وعن التباس بعد إغفاله ثمّ أمر الشّاهد أن يبلّغ الغائب ليعلم بإنذاره ويحتجّ بإظهاره فقال ﷺ : «بلّغوا عنّي ولا تكذبوا عليّ فربّ مبلّغ أوعى من سامع وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» . فأحكم ما شرع من نصّ أو تنبيه وعمّ بما أمر من حاضر وبعيد حتّى صار لما تحمّله من الشّرع مؤدّيا ولما تقلّده من حقوق الأمّة موفّيا لئلّا يكون في حقوق الله زلل وذلك في برهة من زمانه لم يستوف تطاول الاستيعاب حتّى أوجز وأنجز وما ذلك إلّا بديع معجز. الخصلة السّادسة: انتصابه لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته وأحدقوا بجنباته وهو في قطب مهجور، وعدد محقور فزاد به من قلّ وعزّ به من ذلّ وصار بإثخانه في الأعداء محذورا وبالرّعب منه منصورا فجمع بين التّصدّي لشرع الدّين حتّى ظهر وانتشر وبين الانتصاب لجهاد العدوّ حتّى قهر وانتصر والجمع بينهما معوز إلّا لمن أمدّه الله بمعونته وأيّده بلطفه والمعوز معجز. الخصلة السّابعة: ما خصّ به من الشّجاعة في حروبه والنّجدة في مصابرة عدوّه فإنّه لم يشهد حربا في فزع إلّا صابر حتّى انجلت عن ظفر أو دفاع وهو في موقفه لم يزل عنه هربا ولا حاز فيه رغبا. بل ثبت بقلب آمن وجأش ساكن قد ولّى عنه أصحابه يوم حنين حتّى بقي بإزاء جمع كثير وجمّ غفير في تسعة من أهل بيته وأصحابه على بغلة مسبوقة إن طلبت غير مستعدّة لهرب ولا طلب وهو ينادي أصحابه ويظهر نفسه ويقول إليّ عباد الله «أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب» فعادوا أشذاذا وأرسالا وهوازن تراه وتحجم عنه فما هاب حرب من كاثره ولا انكفأ عن مصاولة من صابره. وقد عضّده الله تعالى بأنجاد وأنجاد فانحازوا وصبر حتّى أمدّه الله بنصره وما لهذه الشّجاعة من عديل ولقد طرق المدينة فزغ فانطلق النّاس فتلقّوه نحو الصّوت فوجدوا رسول الله ﷺ قد سبقهم إليه فتلقّوه عائدا على فرس عري لأبي طلحة الأنصاريّ وعليه السّيف فجعل يقول: أيّها النّاس لم تراعوا لم تراعوا ثمّ قال لأبي طلحة إنّا وجدنا بحرا وكان الفرس يبطىء فما سبقه فرس بعد ذلك.

стр. 543

وما ذاك إلّا عن ثقة من أنّ الله تعالى سينصره وأنّ دينه سيظهره تحقيقا لقوله تعالى: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ* (التوبة/ ٣٣) وتصديقا لقول رسول الله ﷺ : «زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمّتي ما زوي لي منها» وكفى بهذا قياما بحقّه وشاهدا على صدقه. الخصلة الثّامنة: ما منح من السّخاء والجود حتّى جاد بكلّ موجود وآثر بكلّ مطلوب ومحبوب ومات ودرعه مرهونة عند يهوديّ على آصع من شعير لطعام أهله. وقد ملك جزيرة العرب وكان فيها ملوك وأقيال لهم خزائن وأموال يقتنونها ذخرا ويتباهون بها فخرا ويستمتعون بها أشرا وبطرا وقد حاز ملك جميعهم فما اقتنى دينارا ولا درهما، لا يأكل إلّا الخشن ولا يلبس إلّا الخشن. ويعطي الجزل الخطير، ويصل الجمّ الغفير، ويتجرّع مرارة الإقلال، ويصبر على سغب الاختلال، وكان يقول: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن ترك دينا أو ضياعا فعليّ ومن ترك مالا فلورثته فهل مثل هذا الكرم والجود كرم وجود؟ أم هل لمثل هذا الإعراض والزّهادة إعراض وزهد؟ هيهات. هل يدرك شأو من هذه شذور من فضائله ويسير من محاسنه التي لا يحصى لها عدد ولا يدرك لها أمد، ولم تكمل في غيره فيساويه. ولا كذّب بها ضدّ يناويه ولقد جهد كلّ منافق ومعاند وكلّ زنديق وملحد أن يزري عليه في قول أو فعل أو يظفر بهفوة في جدّ أو هزل فلم يجد إليه سبيلا وقد جهد جهده وجمع كيده. فأيّ فضل أعظم من فضل شاهده الحسدة والأعداء فلم يجدوا فيه مغمزا لثالب أو قادح ولا مطعنا لجارح أو فاضح فهو كما قال الشّاعر: شهد الأنام بفضله حتّى العدا ... والفضل ما شهدت به الأعداء وبالجملة فآية أخلاقه صلوات الله عليه آية كبرى وعلم من أعلام نبوّته العظمى، وقد أجملها بعضهم بقوله وآية أخرى لا يعرفها إلّا الخاصّة، ومتى ذكرت الخاصّة فالعامّة في ذلك مثل الخاصّة. وهي الأخلاق والأفعال الّتي لم تجتمع لبشر قطّ قبله ولا تجتمع لبشر بعده، وذلك أنّا لم نر ولم نسمع لأحد قطّ كصبره ولا كحلمه ولا كوفائه ولا كزهده ولا كجوده ولا كنجدته ولا كصدق لهجته ولا ككرم عشرته ولا كتواضعه ولا كحفظه ولا كصمته إذا صمت ولا كقوله إذا قال ولا كعجيب منشئه ولا كعفوه ولا كدوام طريقته وقلّة امتنانه. ولم تجد شجاعا قطّ إلّا وقد جال جولة وفرّ فرّة وانحاز مرّة ولا يستطيع منافق ولا زنديق ولا دهريّ أن يحدّث أنّه ﷺ جال جولة قطّ ولا فرّ فرّة قطّ ولا حام عن غزوة ولا هاب حربا من مكاثرة. وذلك من أعجب ما آتاه الله نبيّا قطّ مع سائر ما جاء به من الآيات ومن ضروب البرهانات إذ أعداؤه جمّ

стр. 544

غفير وجمعهم كثير فخصمهم حين جادلوه وصابرهم حين عاندوه وكابد من الشّدائد ما لم يثبت عليها إلّا كلّ معصوم ولم يسلم منها إلّا منصور إلى أن علت كلمته وظهرت دعوته. وكلّ هذه آيات تنذر بالحقّ وتلائم الصّدق، لأنّ الله لا يهدي كيد الخائنين ولا يصلح عمل المفسدين، انتهى كلامه. ثانيا: الخصائص: توطئة: وردت الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة تصرّح بعلوّ منزلة نبيّنا الكريم ﷺ وأنّه أعلى النّاس قدرا، وأعظمهم محلّا وأكملهم محاسن وفضلا وأنّ الله ﵎ قد أكرمه بخصائص لم يعطها غيره من الأنبياء والمرسلين- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- والبشر. الخصائص لغة: قال صاحب القاموس: (خصّه) بالشيء، خصّا وخصوصا وخصوصيّة: فضّله «١» . وقال في لسان العرب: خصّه بالشّيء يخصّه خصّا.. واختصّه: أفرده به دون غيره ويقال: اختصّ فلان بالأمر وتخصّص له إذا انفرد «٢» . واصطلاحا: هي ما اختصّ الله تعالى نبيّه ﷺ وفضّله به على سائر الأنبياء والرّسل عليهم الصّلاة والسّلام وكذلك سائر البشر. موارد الخصائص: أولى العلماء ﵏ موضوع الخصائص النّبوية عناية كبرى قديما وحديثا فتناولوه بحثا وتأليفا فذكروا لرسول الله ﷺ خصائص كثيرة انفرد بها عن إخوانه الأنبياء والمرسلين كما ذكروا له خصائص أخرى انفرد بها عن أمّته. فمن العلماء ﵏ من صنّف تصانيف خاصّة بهذا الموضوع كصنيع الإمام العزّ بن عبد السّلام في كتاب «بداية السّول في تفضيل الرّسول» . والإمام ابن الملقّن في كتابه «خصائص أفضل المخلوقين» . والإمام جلال الدّين السّيوطيّ في كتابه «الخصائص الكبرى» ... وغير ذلك. ومن العلماء ﵏ من أدرج موضوع الخصائص ضمن موضوعات أخرى كصنيع الإمام أبي نعيم

стр. 545

الأصبهانيّ في كتابه «دلائل النّبوّة» . والإمام البيهقيّ في كتابه «دلائل النّبوّة» . والإمام القاضي عياض في كتابه «الشّفا بتعريف حقوق المصطفى» . والإمام النّوويّ في كتابه «تهذيب الأسماء واللّغات» ، والإمام ابن الجوزيّ في كتابه «الوفا بأحوال المصطفى» . والإمام ابن كثير في كتابيه «البداية والنّهاية» و «الفصول في سيرة الرّسول ﷺ » ... وغير ذلك. بالإضافة إلى ما ورد مفرّقا على أبواب مختلفة بمناسبات شتّى في مدوّنات الحديث والتّفسير والسّير وغيرها من دواوين الإسلام. فوائد معرفة الخصائص: فمن ذلك الوقوف على ما انفرد به نبيّنا ﷺ عن غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة والسّلام وما أكرمه الله به من المنح والهبات تشريفا له وتعظيما وتكريما ممّا يدلّ على جليل منزلته عند ربّه. فمعرفة ذلك تجعل المسلم يزداد إيمانا مع إيمانه ومحبّة وتبجيلا لنبيّه وشوقا له ويقينا به. وتدعو غير المسلم لدراسة أحوال هذا النّبيّ الكريم ﷺ ومن ثمّ الإيمان والتّصديق به وبما جاء به إن كان من المنصفين. ويضمّ إلى ذلك فوائد ذكر ما اختصّ به عن أمّته من الأحكام. فمنها: تمييز تلك الخصائص ومعرفتها وثمرة ذلك بيان تفرّده واختصاصه بها وأنّ غيره ليس له أن يتأسّى به فيها. قال الحافظ ابن حجر ﵀ عند ذكره لفوائد حديث «نهى رسول الله ﷺ عن الوصال» قالوا: «إنّك تواصل ... » قال فيه ثبوت خصائصه ﷺ وأنّ عموم قوله تعالى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ «١» مخصوص «٢» . بم تثبت الخصائص ؟ نصّ جمع من أهل العلم أنّ الخصائص لا تثبت إلّا بدليل صحيح «٣» . وتمشّيا مع هذه القاعدة فقد تركنا كثيرا ممّا ذكره بعض أهل العلم وتساهلوا في إيراده على أنّه ممّا اختصّ به رسول الله ﷺ عن الأنبياء والمرسلين- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- أو اختصّ به عن أمّته ولم يقم على ذلك دليل صحيح، واكتفينا بانتقاء طائفة عطرة من هذه الخصائص ممّا ساندها الدّليل الشّرعيّ الصّحيح.

стр. 546

أقسام الخصائص: يتبيّن ممّا سبق أنّ الخصائص من حيث الأصل تنقسم إلى قسمين: القسم الأوّل: خصائص اختصّ بها رسول الله ﷺ دون غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة والسّلام. القسم الثّاني: ما اختصّ به ﷺ من الخصائص والأحكام دون أمّته. وقد يشاركه في بعضها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. القسم الأوّل الخصائص التي انفرد بها رسول الله ﷺ عن بقية الأنبياء والمرسلين- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - اختصّ الله ﵎ عبده ورسوله محمّدا ﷺ دون غيره من الأنبياء ﵈ بخصائص كثيرة تشريفا له وتكريما ممّا يدلّ على جليل رتبته وشرف منزلته عند ربّه. ففي الدّنيا آتاه القرآن العظيم المعجزة المحفوظة الخالدة، ونصره بالرّعب، وأرسله إلى الخلق كافّة وختم به النّبيّين ... إلى غير ذلك من الخصائص ممّا سيأتي مفصّلا بإذن الله. وفي الآخرة أكرمه بالشّفاعة العظمى والوسيلة والفضيلة والحوض وسيادة ولد آدم إلى غير ذلك ممّا سيأتي. وأكرمه بخصائص في أمّته لم تعطها غيرها من الأمم. ففي الدّنيا أحلّ لها الغنائم وجعل لها الأرض طهورا ومسجدا وجعلها خير الأمم، إلى غير ذلك ممّا سيأتي. وفي الآخرة بأن جعلها شاهدة للأنبياء على أممهم، وجعلها أوّل الأمم دخولا الجنّة إلى غير ذلك ممّا سيأتي. وقد قسّم العلماء- ﵏ الخصائص الّتي انفرد بها رسول الله ﷺ عن بقيّة الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة والسّلام إلى عدّة أنواع: النّوع الأوّل: ما اختصّ به في ذاته في الدّنيا. النّوع الثّاني: ما اختصّ به في ذاته في الآخرة. النّوع الثّالث: ما اختصّ به في أمّته في الدّنيا. النّوع الرّابع: ما اختصّ به في أمّته في الآخرة «١» .

стр. 547

النوع الأول: ما اختص به من الخصائص لذاته في الدنيا: اختصّ الله ﵎ نبيّه محمّدا ﷺ دون غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة والسّلام بخصائص في الدّنيا لذاته منها ما يلي: ١- عهد وميثاق: أخذ الله- العهد والميثاق «١» على جميع الأنبياء والمرسلين من لدن آدم إلى عيسى ﵉ لما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أيّ مبلغ ثمّ بعث محمّد بن عبد الله ﷺ ليؤمننّ به ولينصرنّه ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنّبوّة من اتّباعه ونصرته، كما أمرهم أن يأخذوا هذا الميثاق على أممهم لئن بعث محمّد ﷺ وهم أحياء ليؤمننّ به ولينصرّنّه «٢» . قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٣» . قال عليّ بن أبي طالب وابن عبّاس- ﵃: «ما بعث الله نبيّا من الأنبياء إلّا أخذ عليه ميثاق لئن بعث الله محمّدا وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمّته لئن بعث محمّد وهم أحياء ليؤمننّ به ولينصرنّه» . وقال هذا القول غير واحد من أئمّة التّفسير «٤» . وعن جابر بن عبد الله- ﵄: «أنّ عمر بن الخطّاب أتى النّبيّ ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النّبيّ ﷺ فغضب فقال: «أمتهوّكون «٥» فيها يا ابن الخطّاب؟ والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقيّة لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحقّ فتكذّبوا به أو بباطل فتصدّقوا به، والّذي نفسي بيده لو أنّ موسى ﷺ كان حيّا ما وسعه إلّا أن يتّبعني» «٦» . قال الحافظ ابن كثير- ﵀: «فالرّسول محمّد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدّين، هو الإمام الأعظم الّذي لو وجد في أيّ عصر لكان هو الواجب الطّاعة المقدّم على الأنبياء كلّهم، ولهذا

стр. 548

كان إمامهم ليلة الإسراء لمّا اجتمعوا ببيت المقدس ... » «١» . ٢- رسالة عامة «٢» : كان الأنبياء والرّسل السّابقون- عليهم الصّلاة والسّلام- يرسلون إلى أقوامهم خاصّة كما قال الله تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ* «٣» . وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً* «٤» . وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً* «٥» . وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ* «٦» ، وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً* «٧» . وأمّا نبيّنا ﷺ ، فرسالته عامّة لجميع النّاس عربهم وعجمهم وإنسهم وجنّهم، وهذا من خصائصه ﷺ . قال العزّ بن عبد السّلام- ﵀: «ومن خصائصه: أنّ الله تعالى أرسل كلّ نبيّ إلى قومه خاصّة، وأرسل نبيّنا محمّدا ﷺ إلى الجنّ والإنس، ولكلّ نبيّ من الأنبياء ثواب تبليغه إلى أمّته. ولنبيّنا ﷺ ثواب التّبليغ إلى كلّ من أرسل إليه، تارة لمباشرة البلاغ، وتارة بالنّسبة إليه، ولذلك تمنّن عليه بقوله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً «٨» . ووجه التّمنّن: أنّه لو بعث في كلّ قرية نذيرا لما حصل لرسول الله ﷺ إلا أجر إنذاره لأهل قريته «٩» . وقد جاءت الآيات القرآنيّة والأحاديث النّبويّة تشير إلى هذه الخصوصيّة: - قال الله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً «١٠» . - وقال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١١» . - وقال تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً «١٢» . - وقال تعالى: تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً «١٣» .

стр. 549

- وقال تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ «١» . وعن جابر- ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ، وأحلّت لي المغانم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى النّاس عامّة «٢» . وفي رواية: « ... كان كلّ نبيّ يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى كلّ أحمر وأسود» » «٤» . - وعن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «والّذي نفس محمّد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة يهوديّ ولا نصرانيّ ثمّ يموت ولم يؤمن بالّذي أرسلت به إلّا كان من أصحاب النّار» «٥» . - وعن ابن عبّاس- ﵄؛ قال «إنّ الله فضّل محمّدا ﷺ على الأنبياء وعلى أهل السّماء» . فقالوا: يا ابن عبّاس بن فضّله على أهل السّماء؟ قال: إنّ الله قال لأهل السّماء: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ «٦» الآية. وقال الله لمحمّد ﷺ : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٧» . قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله- : وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ «٨» الآية. وقال الله لمحمّد ﷺ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ «٩» . فأرسله إلى الجنّ والإنس» «١٠» . ٣- نبوة خاتمة: «١١» من رحمة الله تعالى بعباده إرسال محمّد ﷺ إليهم، ومن تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به وإكمال الدّين الحنيف له. وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السّنّة المتواترة عنه أنّه لا نبيّ بعده ليعلم العباد أنّ

стр. 550

كلّ من ادّعى هذا المقام بعده فهو كذّاب أفّاك دجّال. قال الله تعالى ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ «١» النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً «٢» . وممّا يدلّ على هذه الخصوصيّة من السّنّة ما يأتي: - عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلّا موضع لبنة «٣» من زاوية فجعل النّاس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلّا وضعت هذه اللّبنة؟ فأنا اللّبنة وأنا خاتم النّبيّين» «٤» . وزاد مسلم في حديثه؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «فأنا موضع اللّبنة جئت فختمت الأنبياء «٥» . - وعن أبي هريرة ﵁ في قصّة العرض على الله ﵎ يوم القيامة، وفزع النّاس إلى الأنبياء ﵈ قال ﷺ : «أنا سيّد ولد آدم ... فيقول عيسى ... اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمّد ﷺ ، فيأتون محمّدا ﷺ فيقولون: يا محمّد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ... » «٦» . - وعن أبي هريرة ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النّبيّون» . «٧» - وعن أنس بن مالك- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الرّسالة والنّبوّة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبيّ. قال فشقّ ذلك على النّاس، قال: ولكن المبشّرات. قالوا: يا رسول الله وما المبشّرات؟ قال: «رؤيا الرّجل المسلم وهي جزء من أجزاء النّبوّة» «٨» . - وعن محمّد بن جبير بن مطعم عن أبيه- ﵄؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ لي أسماء: أنا محمّد،

стр. 551

وأنا أحمد، وأنا الماحي الّذي يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الّذي يحشر النّاس على قدميّ، وأنا العاقب الّذي ليس بعده أحد» «١» . - وعن أبي هريرة- ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ، وأنّه لا نبيّ بعدي، وسيكون بعدي خلفاء فيكثرون» قالوا: يا رسول الله! فما تأمرنا؟ قال «أوفوا ببيعة الأوّل فالأوّل، ثمّ أعطوهم حقّهم، واسألوا الله الّذي لكم، فإنّ الله سائلهم عمّا استرعاهم» «٢» . ٤- رحمة مهداة: «٣» أرسل الله- ﵎ رسوله محمّدا ﷺ رحمة للخلائق عامّة مؤمنهم وكافرهم وإنسهم وجنّهم، وجعله رءوفا رحيما بالمؤمنين خاصّة فمن قبل الرّحمة وشكر هذه النّعمة «٤» سعد في الدنيا والآخرة، ومن ردّها وجحدها خسر الدّنيا والآخرة. ويؤيّد هذه الخصوصيّة قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «٥» . - وعن أبي هريرة- ﵁: قال: قيل: يا رسول الله ﷺ ادع الله على المشركين. قال: «إنّي لم أبعث لعّانا وإنّما بعثت رحمة» «٦» . - وعنه- ﵁: قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيّها النّاس إنّما أنا رحمة مهداة» «٧» . - وعن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يسمّي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمّد، وأحمد، والمقفّى «٨» والحاشر، ونبيّ التّوبة، ونبيّ الرّحمة» «٩» . - وعن سلمان- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ « ... أيّما رجل من أمّتي سببته سبّة أو لعنته لعنة

стр. 552

في غضبي فإنّما أنا من ولد آدم أغضب كما يغضبون وإنّما بعثني رحمة للعالمين فأجعلها عليهم صلاة يوم القيامة» «١» . - قال ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ: «كان محمّد ﷺ رحمة لجميع النّاس فمن تبعه كان له رحمة في الدّنيا والآخرة، ومن لم يتبعه عوفي ممّا كان يبتلى به سائر الأمم من الخسف والمسخ والقذف» «٢» . - وقال بعض العلماء في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ: لجميع الخلق للمؤمن رحمة بالهداية ورحمة للمنافق بالأمان من القتل ورحمة للكافر بتأخير العذاب «٣» . - وأمّا كونه ﷺ رحمة لأهل الإيمان خاصّة، فقد قال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٤» . وقال تعالى: وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٥» . ٥- أمنة لأصحابه: «٦» أكرم الله- ﵎ نبيّه محمّدا ﷺ فجعل وجوده بين أصحابه أمنة لهم من العذاب، بخلاف ما حصل لبعض الأمم السّابقة حيث عذّبوا في حياة أنبيائهم. وكان ﷺ أمنة لأصحابه كذلك من الفتن والحروب وارتداد من ارتدّ من الأعراب واختلاف القلوب ونحو ذلك ممّا أنذر به صريحا ووقع بعد وفاته. قال العزّ بن عبد السّلام- ﵀: « ... ومن خصائصه ﷺ أنّ الله تعالى أرسله (رحمة للعالمين) فأمهل عصاة أمّته ولم يعاجلهم إبقاء عليهم بخلاف من تقدّمه من الأنبياء فإنّهم لمّا كذّبوا عوجل مكذّبهم» » . وقد جاء النّصّ على هذه الخصوصيّة من القرآن الكريم والسّنّة المطهّرة وآثار السّلف الصّالح، فمن ذلك ما روى البخاريّ ومسلم «٨» من حديث أنس بن مالك ﵁. قال: قال أبو جهل: اللهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء أو ائتنا بعذاب أليم «٩» . فنزلت وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ

стр. 553

وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ* وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «١» . وعن أبي موسى- ﵁: قال: صلّينا المغرب مع رسول الله ﷺ ثمّ قلنا؛ لو جلسنا حتّى نصلّي معه العشاء. قال: فجلسنا فخرج علينا فقال: «ما زلتم ههنا؟» قلنا: يا رسول الله! صلّينا معك المغرب، ثمّ قلنا نجلس حتّى نصلّي معك العشاء. قال: «أحسنتم أو أصبتم» . قال فرفع رأسه إلى السّماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السّماء فقال: «النّجوم أمنة للسّماء «٢» فإذا ذهبت النّجوم أتى السّماء ما توعد. وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي «٣» ما يوعدون «٤» . - وقال ﷺ كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ في صلاة الكسوف: « ... ربّ ألم تعدني أن لا تعذّبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني أن لا تعذّبهم وهم يستغفرون؟» «٥» . وفي رواية « ... لم تعدني هذا وأنا فيهم، لم تعدني هذا ونحن نستغفرك» «٦» . - وقال ابن عبّاس- ﵄ «إنّ الله جعل في هذه الأمّة أمانين لا يزالون معصومين مجارين من قوارع العذاب ماداما بين أظهرهم فأمان قبضه الله إليه وأمان بقي فيكم قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ «٧» . ٦- القسم بحياته: «٨» أقسم الله ﵎ بأشياء كثيرة من مخلوقاته «٩» الدّالّة على كماله وعظمته ليؤكّد المعنى في نفوس

стр. 554

المخاطبين، فأقسم تعالى بالشّمس والقمر والفجر والسّماء وغير ذلك. بينما نجده لم يقسم بأحد من البشر إلّا بالرّسول الكريم ﷺ حيث يقول جلّ شأنه لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ «١» . قال ابن عبّاس- ﵄: «ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمّد ﷺ وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره، قال الله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدّنيا «٢» . وقال العزّ بن عبد السّلام- ﵀: «ومن خصائصه أنّ الله تعالى أقسم بحياته ﷺ . فقال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. والإقسام بحياة المقسم بحياته يدلّ على شرف حياته وعزّتها عند المقسم بها، وأنّ حياته ﷺ لجديرة أن يقسم بها لما فيها من البركة العامّة والخاصّة، ولم يثبت هذا لغيره ﷺ «٣» . ٧- نداؤه بوصف النبوة والرسالة: «٤» خاطب الله- رسوله ﷺ في القرآن الكريم بالنّبوّة والرّسالة ولم يناده باسمه زيادة في التّشريف والتّكريم أمّا سائر الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة والسّلام فخوطبوا بأسمائهم. قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ «٥» . قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٦» . وقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٧» . إلى غير ذلك من الآيات. بينما قال تعالى لأنبيائه: - يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ* «٨» . - يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ «٩» .

стр. 555

- يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ «١» . - يا إِبْراهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا «٢» . - يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ... «٣» في آيات كثيرة ... قال العزّ بن عبد السّلام- ﵀: «ولا يخفى على أحد أنّ السّيّد إذا دعى أحد عبيده بأفضل ما وجد فيهم من الأوصاف العليّة والأخلاق السّنيّة، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام لا يشعر بوصف من الأوصاف ولا بخلق من الأخلاق، أنّ منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعزّ عليه وأقرب إليه ممّن دعاه باسمه العلم. وهذا معلوم بالعرف أنّ من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه» «٤» . قال ابن الجوزيّ- ﵀ «٥» «ولمّا ذكر اسمه للتّعريف قرنه بذكر الرّسالة، فقال تعالى: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ «٦» . مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ «٧» . وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ «٨» . ولمّا ذكره مع الخليل، ذكر الخليل باسمه وذكره باللّقب، فقال تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ «٩» . ٨- نهي المؤمنين عن مناداته باسمه: «١٠» أدّب الله- عباده المؤمنين في مخاطبة نبيّه ﷺ والكلام معه تشريفا وتعظيما وتقديرا له، فأمرهم أن لا يخاطبوه باسمه بل يخاطبوه: يا رسول الله، يا نبيّ الله، وإذا كان الله ﵎ خاطبه في كتابه العزيز بالنّبوّة والرّسالة ولم يناده باسمه زيادة في التّشريف والتّكريم كما مرّ ذكره. فمن باب أولى وأحرى أهل الإيمان. واختصّ رسول الله ﷺ بذلك بخلاف سائر الأنبياء والمرسلين فإنّ أممهم كانت تخاطبهم بأسمائهم. قال الله- جلّ ذكره-: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١١» .

стр. 556

قال ابن عبّاس ومجاهد وسعيد بن جبير: «كانوا يقولون: يا محمّد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله عن ذلك إعظاما لنبيّه ﷺ ، وأمرهم أن يقولوا: يا نبيّ الله، يا رسول الله» » . وقال قتادة- في تفسير الآية السّابقة-: أمر الله تعالى أن يهاب نبيّه ﷺ وأن يبجّل وأن يعظّم وأن يسوّد «٢» . بخلاف ما خاطبت به الأمم السّابقة أنبياءها، فقال تعالى- حكاية عنهم-: - قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ ... «٣» . - قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «٤» . - إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ ... «٥» . ٩- كلم جامع: «٦» فضّل الله- نبيّه ﷺ على غيره من الأنبياء ﵈ بأن أعطاه جوامع الكلم، فكان ﷺ يتكلّم بالقول الموجز القليل اللّفظ الكثير المعاني «٧» أعطاه مفاتيح الكلام وهو ما يسّره له من البلاغة والفصاحة، والوصول إلى غوامض المعاني وبدائع الحكم ومحاسن العبارات والألفاظ الّتي أغلقت على غيره وتعذّرت عليه «٨» . قال العزّ بن عبد السّلام- ﵀: «ومن خصائصه أنّه بعث بجوامع الكلم، واختصر له الحديث اختصارا، وفاق العرب في فصاحته وبلاغته» «٩» . وممّا جاء في السّنّة دالّا على هذه الخاصّيّة: - عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي المغانم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم

стр. 557

بي النّبيّون» «١» . - وعن أبي موسى- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت فواتح الكلم «٢» وجوامعه وخواتمه «٣» » «٤» . قال الحافظ ابن رجب الحنبليّ- ﵀: فجوامع الكلم الّتي خصّ بها النّبيّ ﷺ نوعان: أحدهما: ما هو في القرآن كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ «٥» . قال الحسن البصريّ- ﵀: «لم تترك هذه الآية خيرا إلّا أمرت به ولا شرّا إلّا نهت عنه» . الثّاني: ما هو في كلامه ﷺ وهو منتشر موجود في السّنن المأثورة عنه «٦» .. أ. هـ. ومن ذلك قوله «٧» : «إنّما الأعمال بالنّيّات وإنّما لكلّ امريء ما نوى» . قال الشّافعيّ- ﵀: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابا من الفقه» «٨» . قال القاضي عياض- ﵀: «وأمّا كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه وحكمه المأثورة فقد ألّف النّاس فيها الدّواوين، وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب ومنها ما لا يوازى فصاحة، ولا يباري بلاغة. وذكر- ﵀ أمثلة كثيرة من أقوال الصّادق المصدوق ﷺ . فمن ذلك قوله: «اتّق الله حيثما كنت وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها وخالق النّاس بخلق حسن» «٩» . وقوله: «الدّين النّصيحة» قلنا لمن يا رسول الله؟ قال «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين

стр. 558

وعامّتهم» «١» . وقوله: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» «٢» ... إلى غير ذلك ممّا روته الكافّة عن الكافّة من مقاماته ومحاضراته وخطبه وأدعيته ومخاطباته وعهوده ممّا لا خلاف أنّه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره «٣» . ١٠- نصر بالرعب: «٤» اختصّ نبيّنا ﷺ ، بأنّ الله نصره بالرّعب، وهو الفزع والخوف، فكان سبحانه يلقيه في قلوب أعداء رسوله ﷺ ، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر «٥» أو شهرين هابوه وفزعوا منه، فلا يقدمون على لقائه «٦» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: وهذه الخصوصيّة حاصلة له على الإطلاق حتّى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمّته من بعده؟ فيه احتمال «٧» . وممّا ورد في السّنّة مؤيّدا لهذا المعنى: عن جابر- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي: نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ، وأحلّت لي المغانم ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة وبعثت إلى النّاس عامّة» «٨» . - وعن أبي أمامة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضّلت بأربع: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أتى الصّلاة فلم يجد ما يصلّي عليه وجد الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى النّاس كافة، ونصرت بالرّعب من مسيرة شهرين يسير بين يديّ، وأحلّت لي الغنائم» «٩» .

стр. 559

- وعن السّائب بن يزيد ﵁؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بخمس: بعثت إلى النّاس كافّة، وادّخرت شفاعتي لأمّتي، ونصرت بالرّعب شهرا أمامي، وشهرا خلفي، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي» «١» . - وعن أبي هريرة ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بستّ «٢» . أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي المغانم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النّبيّون» «٣» . - عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك قام من اللّيل يصلّي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتّى إذا صلّى انصرف إليهم فقال لهم «لقد أعطيت اللّيلة خمسا ما أعطيهنّ أحد قبلي. أمّا أنا فأرسلت إلى النّاس كلّهم عامّة وكان من قبلي إنّما يرسل إلى قومه، ونصرت على العدوّ بالرّعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملىء منه رعبا، وأحلّت لي الغنائم آكلها وكان من قبلي يعظّمون أكلها كانوا يحرّقونها، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصّلاة تمسّحت وصلّيت وكان من قبلي يعظّمون ذلك إنّما كانوا يصلّون في كنائسهم وبيعهم، والخامسة هي ما هي قيل لي سل فإنّ كلّ نبيّ قد سأل فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلّا الله» «٤» . ١١- مفاتيح خزائن الأرض بيده: «٥» أكرم الله عبده ورسوله محمّدا ﷺ واختصّه على غيره من الأنبياء بأن أعطاه مفاتيح خزائن الأرض وهي ما سهّل الله تعالى له ولأمّته من بعده من افتتاح البلاد المتعذّرات والحصول على كنوزها وذخائرها ومغانمها واستخراج الممتنعات من الأرض كمعادن الذّهب والفضّة وغيرها» ويحتمل أعمّ من ذلك. والله أعلم «٧» . وممّا يؤيّد هذه الخصوصيّة: - عن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، فبينا أنا

стр. 560

نائم أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» . قال أبو هريرة: وقد ذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها «١» » «٢» . - وعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا عليّ وأهمّاني، فأوحي إليّ أن أنفخهما فنفختهما فطارا، فأوّلتهما الكذّابين اللّذين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب اليمامة «٣» » «٤» . - عن عقبة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ خرج يوما فصلّى على أهل أحد صلاته على الميّت، ثمّ انصرف على المنبر فقال «إنّي فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإنّي والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإنّي أعطيت مفاتيح خزائن الأرض- أو مفاتيح الأرض- وإنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها» «٥» . ١٢- ذنوب مغفورة: «٦» اختصّ الله تعالى عبده ورسوله محمّدا ﷺ تشريفا له وتكريما بأن غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر وأخبره بهذه المغفرة وهو حيّ صحيح يمشي على الأرض. قال العزّ بن عبد السّلام: «من خصائصه أنّه أخبره الله بالمغفرة ولم ينقل أنّه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك، بل الظّاهر أنّه لم يخبرهم بدليل قولهم في الموقف: نفسي نفسي «٧» . وقال ابن كثير في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٨» : هذا من خصائصه ﷺ الّتي لا يشاركه فيها غيره، وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ ... » «٩» . وبهذا المعنى وردت الآيات والأحاديث: فقال الله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ

стр. 561

وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً «١» . وقال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ* وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «٢» . وفي حديث أنس- ﵁؛ في الشّفاعة، وفيه: «فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم «٣» ولكن ائتوا محمّدا عبدا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ... » «٤» . وفي حديث أبي هريرة- ﵁؛ في الشّفاعة أيضا، وفيه: « ... فيأتون عيسى فيقول ... اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمّد ﷺ ، فيأتون محمّدا ﷺ فيقولون: يا محمّد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ... » «٥» . - وعن عائشة- ﵂؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا» . فلمّا كثر لحمه صلّى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثمّ ركع» «٦» . - وعن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ النّبيّ ﷺ ؛ قال: «فضّلت على الأنبياء بستّ لم يعطهنّ أحد كان قبلي: غفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت أمّتي خير الأمم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الكوثر، ونصرت بالرّعب، والّذي نفسي بيده إنّ صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه» «٧» . - وعن حذيفة- ﵁؛ قال: غاب عنّا رسول الله فلم يخرج حتّى ظننّا أنّه لن يخرج فلمّا خرج سجد سجدة حتّى ظننّا أنّ نفسه قد قبضت فيها، فلمّا رفع رأسه قال: «إنّ ربّي ﵎ استشارني في أمّتي ماذا أفعل بهم فقلت ما شئت أي ربّ هم خلقك وعبادك فاستشارني الثّانية فقلت له كذلك فقال لا نخزيك في أمّتك يا محمّد وبشّرني أنّ أوّل من يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا مع كلّ ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب ثمّ أرسل إليّ فقال: ادع تجب وسل تعطه. فقلت لرسوله: أو معطيّ ربّي سؤلي؟ فقال ما أرسلني إليك إلّا ليعطيك.

стр. 562

ولقد أعطاني ربّي ولا فخر وغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر وأنا أمشي حيّا صحيحا وأعطاني أن لا تجوع أمّتي ولا تغلب وأعطاني الكوثر فهو نهر في الجنّة يسيل في حوضي وأعطاني العزّ والنّصر والرّعب يسعى بين يدي أمّتي شهرا وأعطاني أنّي أوّل الأنبياء أدخل الجنّة وطيّب لي ولأمّتي الغنيمة وأحلّ لنا كثيرا ممّا شدّد على من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج» «١» . ١٣- كتاب خالد محفوظ: «٢» أعطى الله- ﵎ كلّ نبيّ من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام من الآيات والمعجزات الدّالّة على صدقه وصحّة ما جاء به عن ربّه ما فيه كفاية وحجّة لقومه الّذين بعث إليهم، وهذه المعجزات كانت وقتيّة انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلّا الخبر عنها. وأمّا نبيّنا ﷺ فكانت معجزته العظمى الّتي اختصّ بها دون غيره هي القرآن العظيم. الحجّة المستمرّة الدّائمة القائمة في زمانه وبعده إلى يوم القيامة. كتاب خالد لا ينضب معينه ولا تنقضي عجائبه ولا تنتهي فوائده محفوظ بحفظ الله من التّغيير والتّبديل والتّحريف. قال العزّ بن عبد السّلام- ﵀: «ومن خصائصه أنّ معجزة كلّ نبيّ تصرّمت وانقرضت ومعجزة سيّد الأوّلين والآخرين وهي القرآن العظيم باقية إلى يوم الدّين» «٣» . وقال: ... ومنها حفظ كتابه، فلو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يزيدوا فيه كلمة أو ينقصوا منه لعجزوا عن ذلك، ولا يخفى ما وقع من التّبديل في التّوراة والإنجيل» «٤» . ومن أدلّة هذه الخصوصيّة: قول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٥» . وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٦» . وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٧» .

стр. 563

- وعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ما من الأنبياء نبيّ إلّا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» . ووجه الدّلالة في الحديث يبيّنه الحافظ ابن حجر بقوله: رتّب ﷺ هذا الكلام (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) على ما تقدّم من معجزة القرآن المستمرّة لكثرة فائدته وعموم نفعه، لاشتماله على الدّعوة والحجّة والإخبار بما سيكون، فعمّ نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرّجوى المذكورة على ذلك وهذه الرّجوى قد تحقّقت، فإنّه أكثر الأنبياء تبعا» «٢» . - وعن الحسن البصريّ ﵀ في قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال «حفظه الله تعالى من الشّيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقّا» «٣» . - وعن يحيى بن أكثم قال: دخل يهوديّ على المأمون فتكلّم فأحسن الكلام، فدعاه المأمون إلى الإسلام، فأبى، فلمّا كان بعد سنة جاءنا مسلما، فتكلّم على الفقه فأحسن الكلام، فقال له المأمون: ما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان فعمدت إلى التّوراة. فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة، فاشتريت منّي، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتريت منّي. وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الورّاقين فتصفّحوها، فلمّا أن وجدوا فيها الزّيادة والنّقصان رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أنّ هذا الكتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي. قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السّنة فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الحديث، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله تعالى. قلت: في أيّ موضع؟ قال: في قوله تعالى في التّوراة والإنجيل بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ «٤» فجعل حفظه إليهم فضاع وقال إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٥» فحفظه الله تعالى علينا فلم يضع «٦» . ١٤- إسراء ومعراج: وممّا اختصّ به رسول الله ﷺ عن غيره من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام معجزة الإسراء «٧» والمعراج.

стр. 564

فقد أسري به ﷺ ببدنه وروحه يقظة من المسجد الحرام بمكّة المكرّمة إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس بإيلياء في جنح اللّيل، ثمّ عرج به إلى سدرة المنتهى ثمّ إلى حيث شاء الله ورجع مكّة من ليلته. وأكرم ﷺ في هذه الآية العظيمة بكرامات كثيرة، منها: تكليمه ربّه ، وفرض الصّلوات عليه، وما رأى من آيات ربّه الكبرى، وإمامته للأنبياء في بيت المقدس. فدلّ ذلك على أنّه هو الإمام الأعظم والرّئيس المقدّم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين» . وقد ثبت الإسراء بالقرآن، كما ثبت المعراج بالمتواتر من الحديث، وإليه أشار القرآن. قال الله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٢» . وقال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى * ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى * أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى * لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «٣» . - وعن أنس بن مالك- ﵁ أنّ مالك بن صعصعة حدّثه: أنّ نبيّ الله ﷺ حدّثهم عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم- وربّما قال في الحجر- مضطجعا، إذ أتاني آت- قال وسمعته يقول: فشقّ ما بين هذه إلى هذه. فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته- وسمعته يقول من قصّه إلى شعرته فاستخرج قلبي، ثمّ أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي، ثمّ حشي، ثمّ أعيد، ثمّ أتيت بدابّة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم- يضع خطوه عند أقصى طرفه- فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتّى أتى السّماء الدّنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح. فلمّا خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فسلّم عليه. فسلّمت عليه، فردّ السّلام ثمّ قال: مرحبا بالابن الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء الثّانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح. فلمّا خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلّم عليهما فسلّمت، فردّا، ثمّ قالا: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح، ثمّ صعد بي إلى السّماء الثّالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال:

стр. 565

جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي إلى السّماء الرّابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد ﷺ قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء السّادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. فلمّا تجاوزت بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلاما بعث بعدي يدخل الجنّة من أمّته أكثر ممّن يدخلها من أمّتي. ثمّ صعد بي إلى السّماء السّابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ السّلام، ثمّ قال: مرحبا بالابن الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ رفعت لي سدرة المنتهى. فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أمّا الباطنان فنهران في الجنّة. وأمّا الظّاهران فالنّيل والفرات. ثمّ رفع لي البيت المعمور، ثمّ أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللّبن، فقال: هي الفطرة الّتي أنت عليها وأمّتك. ثمّ فرضت عليّ الصّلاة خمسين صلاة كلّ يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمسين صلاة كلّ يوم. وإنّي والله قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك، فرجعت، فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فأمرت بعشر صلوات كلّ يوم. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كلّ يوم. فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمس صلوات كلّ يوم. وإنّي قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك. قال: سألت ربّي حتّى استحييت، ولكن أرضى
следующие страницы →