← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.

стр. 5006

الجبّارين لمّا نزل بها موسى وقومه بعث منهم اثني عشر رجلا وهم النّقباء الّذين ذكرهم الله تعالى ليأتوهم بخبرهم، فساروا ولقيهم رجل من الجبّارين فجعلهم في كساءته، فحملهم حتّى أتى بهم المدينة ونادى في قومه فاجتمعوا إليه فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى بعثنا لنأتيه بخبركم. فأعطوه حبّة من عنب تكفي الرّجل، وقالوا لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه فقولوا لهم: اقدروا قدر فاكهتهم. فلمّا أتوهم قالوا: يا موسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «فقال رجلان من الّذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا» ، وكانا من أهل المدينة فأسلما واتّبعا موسى فقالا لموسى ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ «١» . وهذا في تفسير قوله تعالى قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ* قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ (المائدة/ ٢٢- ٢٣) . ٣-* (قال ابن عبّاس ومقاتل- ﵃ في تفسير قوله تعالى قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (ق/ ٢٧) : قرينه الملك؛ وذلك أنّ الوليد بن المغيرة يقول للملك الّذي كان يكتب سيّئاته: ربّ إنّه أعجلني، فيقول الملك: ربّنا ما أطغيته أي ما أعجلته) * «٢» . ٤-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في تفسير قوله تعالى قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (ق/ ٢٧) : أي يقول عن الإنسان الّذي قد وافى القيامة كافرا يتبرّأ منه شيطانه ربّنا ما أطغيته: أي ما أضللته) * «٣» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (التوبة/ ٧٥) : أنّ رجلا كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلسا فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كلّ ذي حق حقّه وتصدّقت منه وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله فأخلف ما وعد فأغضب الله بما أخلفه ما وعده) * «٤» . ٦-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ في تفسير قوله تعالى كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (الحشر/ ١٦) قال: كانت امرأة ترعى الغنم وكان لها أربعة إخوة وكانت تأوي باللّيل إلى صومعة راهب. قال: فنزل الرّاهب ففجر بها فحملت فأتاه الشّيطان فقال اقتلها ثمّ ادفنها فإنّك رجل مصدّق يسمع قولك فقتلها ثمّ دفنها. قال: فأتى الشّيطان إخوتها في المنام فقال لهم: إنّ الرّاهب صاحب الصومعة فجر بأختكم فلمّا أحبلها قتلها ثمّ دفنها في مكان كذا وكذا. فلمّا أصبحوا قال رجل

стр. 5007

منهم: والله لقد رأيت البارحة رؤيا ما أدري أقصّها عليكم أم أترك. قالوا: بل قصّها علينا. قال: فقصّها. فقال الآخر: وأنا والله رأيت ذلك. فقال الآخر: وأنا والله رأيت ذلك؛ قالوا: فو الله ما هذا إلّا لشيء. قال: فانطلقوا فاستعدوا ملكهم على ذلك الرّاهب فأتوه فأنزلوه ثمّ انطلقوا به، فلقيه الشّيطان فقال: إنّي الّذي أوقعتك في هذا ولن ينجيك منه غيري فاسجد لي سجدة واحدة وأنجيك ممّا أوقعتك فيه. قال: فسجد له فلمّا أتوا به ملكهم تبرّأ منه وأخذ فقتل) * «١» . ٧-* (عن محمّد بن كعب القرظيّ قال: كان المشركون الرّجال يطوفون بالبيت بالنّهار عراة والنّساء باللّيل عراة؛ ويقولون: إنّا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها، فلمّا جاء الإسلام وأخلاقه الكريمة نهوا عن ذلك، وذلك في تفسير قوله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها (الأعراف/ ٢٨)) * «٢» . ٨-* (عن قتادة وعطاء والرّبيع- ﵏ في قوله تعالى إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (البقرة/ ١٦٦) قالوا: المعنى أنّ السّادة والرّؤساء تبرّءوا ممّن اتّبعهم على الكفر. وقال قتادة أيضا: هم الشّياطين المضلّون تبرّءوا من الإنس. وقيل هو عامّ في كلّ متبوع يتنصّل من مسئوليّة إضلال تابعه) * «٣» . ٩-* (عن مجاهد- ﵀ في قوله تعالى لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ (آل عمران/ ١٦٧) المعنى: لو نعلم أنّكم تلقون حربا لجئناكم ولكن لا تلقون قتالا «٤» . قال القرطبيّ: وكان عبد الله بن أبيّ وأصحابه قد انصرفوا عن نصرة النّبيّ ﷺ وكانوا ثلاثمائة فمشى في أثرهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريّ فقال لهم: اتّقوا الله ولا تتركوا نبيّكم وقاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا «٥» ونحو هذا من القول. فقال له ابن أبيّ: ما أرى أن يكون قتال، ولو علمنا أن يكون قتال لكنّا معكم. فلمّا يئس منهم عبد الله قال: اذهبوا أعداء الله فسيغني الله رسوله عنكم. ومضى مع النّبيّ ﷺ واستشهد رحمه الله تعالى. أمّا قول الله تعالى في نفس الآية يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ فالمعنى أنّهم يقولون القول ولا يعتقدون صحّته لأنّ قولهم لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ فإنّهم متحقّقون أنّ جندا من المشركين قد جاؤا من بلاد بعيدة يتحرّقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر) * «٦» .

стр. 5008

١٠-* (عن الحسن- ﵀ في قوله تعالى وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ (الأنفال/ ٤٨) قال: سار إبليس ببدر برايته وجنوده وألقى في قلوب المشركين أنّ أحدا لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دين آبائكم ولن تغلبوا كثرة. فلمّا التقوا نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، يقول: رجع مدبرا وقال إنّي بريء منكم إنّي أرى ما لا ترون يعني الملائكة) * «١» . ١١-* (عن مجاهد والسّدّيّ- رحمهما الله- في قوله تعالى وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ (يوسف/ ١٦) أنّهم عمدوا إلى سخلة «٢» فذبحوها ولطّخوا ثوب يوسف بدمها موهمين أنّ هذا قميصه الّذي أكله فيه الذّئب وقد أصابه من دمه ولكنّهم نسوا أن يخرقوه ولهذا لم يرج «٣» هذا الصّنيع على نبيّ الله يعقوب) * «٤» . ١٢-* (عن الضّحّاك- ﵀ قال: خرج المنافقون مع رسول الله ﷺ إلى تبوك وكانوا إذا خلا بعضهم إلى بعض سبّوا رسول الله ﷺ وأصحابه وطعنوا في الدّين فنقل حذيفة ما قالوا لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : «يا أهل النّفاق ما هذا الّذي بلغني عنكم؟» فحلفوا ما قالوا شيئا من ذلك) * «٥» . ١٣-* (وعن قتادة- ﵀ أنّ رجلين اقتتلا رجل من جهينة ورجل من غفار «٦» وظهر الغفاريّ على الجهنيّ. فنادى عبد الله بن أبيّ: يا بني الأوس انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمّد إلّا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك ... فسعى بها رجل من المسلمين إلى النّبيّ ﷺ فأرسل إليه فجعل يحلف بالله ما قال. فنزل قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ (التوبة/ ٧٤)) * «٧» . ١٤-* (قال ابن جريج- ﵀ في تفسير الآية الكريمة السّابقة: قائل ذلك أبو جهل بن هشام، وقيل: إنّ أهل الكتاب قالوا للمشركين: صفة محمّد في كتابنا فسلوه، فلمّا سألوه فوافق ما قال أهل الكتاب، قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالّذي أنزل قبله من التّوراة والإنجيل بل نكفر بالجميع، وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب ويحتجّون بقولهم فظهر بهذا تناقضهم وقلّة علمهم) * «٨» . ١٥-* (عن مقاتل- ﵀ في تفسير قوله تعالى وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ (الزخرف/ ٢٣) أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وأبي سفيان وأبي جهل وعتبة وشيبة ابني ربيعة

стр. 5009

من قريش أي وكما قال هؤلاء فقد قال من قبلهم أيضا) * «١» . ١٦-* (قال قتادة- ﵀ في تفسير نفس الآية الكريمة السّابقة: مقتدون متّبعون، وفي هذا دليل على إبطال التقليد لذمّه إيّاهم على تقليد آبائهم وتركهم النّظر فيما دعاهم إليه الرّسول ﷺ * «٢» . ١٧-* (عن الحسن- ﵀ أنّ رجلا من الأنصار هو الّذي قال هذا، فمات ابن عمّ له، فورث منه مالا فبخل به ولم يف بما عاهد عليه فأعقبه الله بذلك نفاقا إلى أن يلقاه قال تعالى بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (التوبة/ ٧٧)) * «٣» . ١٨-* (عن السّدّيّ- ﵀ في قوله تعالى وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا (الأحزاب/ ١٣) قال إلى المدينة عن قتال أبي سفيان وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ قال جاءه رجلان من الأنصار ومن بني حارثة أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس والآخر يدعى أوس بن قيظيّ فقالا: يا رسول الله إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ يعنون أنّها ذليلة الحيطان وهي في أقصى المدينة ونحن نخاف السّرق فائذن لنا. فقال الله تعالى وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً) * «٤» . ١٩-* (عن السّدّيّ- ﵀ في قوله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها (الأعراف/ ٢٨) قال: كانت قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك. قالوا وجدنا عليها آباءنا وأمرنا الله بها) * «٥» . ٢٠-* (عن الحسن- ﵀ في قوله تعالى وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ (التوبة/ ٩٠) قال: اعتذروا بشيء ليس بحقّ) * «٦» . ٢١-* (عن مجاهد- ﵀ قال: يأتي على النّاس يوم القيامة ساعة فيها لين. يرى أهل الشّرك أهل التّوحيد يغفر لهم فيقولون: والله ربّنا ما كنّا مشركين. قال الله تعالى انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (الأنعام/ ٢٤) ثمّ يكون من بعد ذلك ساعة فيها شدّة تنصب لهم الآلهة الّتي كانوا يعبدون من دون الله. فيقول: هؤلاء الّذين كنتم تعبدون من دون الله. فيقولون: نعم هؤلاء الّذين كنّا نعبد. فتقول لهم الآلهة: والله ما كنّا نسمع ولا نبصر ولا نعقل أنّكم كنتم تعبدوننا. فيقولون: بلى والله لإيّاكم كنّا نعبد) * «٧» . ٢٢-* (قال مجاهد في قوله تعالى سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا (الأنعام/ ١٤٨) يعني كفّار قريش أخبر بالغيب عمّا سيقولونه وظنّوا أنّ هذا متمسّك لهم لمّا لزمتهم الحجّة

стр. 5010

وتيقّنوا باطل ما كانوا عليه. والمعنى: لو شاء الله لأرسل إلى آبائنا رسولا فنهاهم عن الشّرك وعن تحريم ما أحلّ لهم فينتهوا، فاتّبعناهم على ذلك) * «١» . ٢٣-* (قال الطّبريّ في تفسير قوله تعالى وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (الأحزاب/ ١٣) فقوله فَارْجِعُوا أي إلى منازلكم، أمرهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ والفرار منه وترك رسول الله ﷺ . وقيل إنّ ذلك من قبل أوس بن قيظيّ ومن وافقه على رأيه. وقوله وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله ﷺ في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله ولكنّه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله ﷺ * «٢» . ٢٤-* (وقال ابن جرير- ﵀ أيضا في الآية السّابقة: قل يا محمّد لهؤلاء الّذين يستأذنونك ويقولون إنّ بيوتنا عورة هربا من القتل: من ذا الّذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا في أنفسكم من قتل أو بلاء أو غير ذلك، أو أراد عافية وسلامة. وهل ما يكون بكم في أنفسكم من سوء أو رحمة إلّا من قبلنا) * «٣» . ٢٥-* (قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا (البقرة/ ٢٤٦) : أخبر الله تعالى أنّه لمّا فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب، وأنّ نفوسهم ربّما تذهب. تَوَلَّوْا أي اضطربت نيّاتهم وفترت عزائمهم، وهذا شأن الأمم المتنعّمة المائلة إلى الدّعة تتمنّى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعّت «٤» وانقادت لطبعها) * «٥» . ٢٦-* (قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (الأنعام/ ٢٣) : تبرّأوا من الشّرك وانتفوا منه لما رأوا من تجاوزه ومغفرته للمؤمنين، قال ابن عبّاس: يغفر الله تعالى لأهل الإخلاص ذنوبهم ولا يتعاظم عليه ذنب أن يغفره، فإذا رأى المشركون ذلك، قالوا إنّ ربّنا يغفر الذّنوب ولا يغفر الشّرك، فتعالوا نقول: إنّا كنّا أهل ذنوب ولم نكن مشركين. فقال إذ كتموا الشّرك: فاختموا على أفواههم، فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون، فعند ذلك يعرف المشركون أنّ الله لا يكتم حديثا) * «٦» . ٢٧-* (يقول القرطبيّ في قوله تعالى وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ (الأنعام/ ١٢٤) : بيّن شيئا آخر من جهلهم وهو أنّهم قالوا لن نؤمن حتّى نكون أنبياء، فنؤتى مثلما أوتي

стр. 5011

موسى وعيسى من الآيات، ونظيره بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (المدثر/ ٥٢) . والكناية في جاءَتْهُمْ ترجع إلى الأكابر الّذين جرى ذكرهم، قال الوليد بن المغيرة: لو كانت النّبوّة حقّا لكنت أولى بها منك لأنّي أكبر منك سنّا وأكثر منك مالا، وقال أبو جهل: والله لا نرضى به فلا نتّبعه أبدا إلّا أن يأتينا وحي كما يأتيه، فنزلت الآية، وقيل لم يطلبوا النّبوّة ولكن قالوا لا نصدّقك حتّى يأتينا جبريل والملائكة يخبروننا بصدقك) * «١» . ٢٨-* (يقول القرطبيّ في تفسير قوله تعالى وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ... الآية (الأعراف/ ٢٨) الفاحشة هنا في قول أكثر المفسّرين «طوافهم بالبيت عراة» . وقال الحسن: هي الشّرك والكفر واحتجّوا على ذلك بتقليدهم أسلافهم وبأنّ الله أمرهم بها، قال الحسن: وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قالوا: لو كره الله ما نحن عليه لنقلنا عنه قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ بيّن أنّهم متحكّمون ولا دليل لهم على أنّ الله أمرهم بما ادّعوا، وقد مضى ذمّ التّقليد وذمّ كثير من جهالاتهم وهذا منها) * «٢» . ٢٩-* (قال القرطبيّ: قال مجاهد- ﵀ في قوله تعالى ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (يونس/ ٢٨) : ينطق الله الأوثان فتقول: ما كنّا نشعر بأنّكم إيّانا تعبدون وما أمرناكم بعبادتنا، وإن حمل الشّركاء على الشّياطين فالمعنى أنّهم يقولون ذلك دهشا، أو يقولون كذبا واحتيالا للخلاص) * «٣» . ٣٠-* (يقول القرطبيّ في تفسير قوله تعالى قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ (سبأ/ ٤١) : أي أنت ربّنا الّذي نتولّاه ونطيعه ونعبده ونخلص له في العبادة، وفي التّفاسير أنّ حيّا يقال لهم بنو مليح من خزاعة كانوا يعبدون الجنّ ويزعمون أنّ الجنّ تتراءى لهم، وأنّهم ملائكة، وأنّهم بنات الله) * «٤» . من مضار (التّنصّل والتّهرّب من المسئولية) (١) هي صفة من صفات النّفاق وخصلة من خصال المنافقين. (٢) فشوّ المفسدين في مجتمع المسلمين. (٣) يحمل صاحبه على الكذب، والحلف الكاذب. (٤) من لم يقبل عذر من تنصّل حرم من الورود على الحوض.

стр. 5012

(٥) المتنصّل يستحقّ عذاب الله ومقته. (٦) المتنصّل من المسئوليّة مبغض عند الله وعند النّاس. (٧) المتنصّل من المسئوليّة يستصغره النّاس ويحتقرونه. (٨) التّنصّل من المسئوليّة مخالف لصفات الرّجولة ومخلّ بالمروءة. (٩) داء التّنصّل من المسئوليّة من الأمراض الاجتماعيّة الخطيرة الّتي تفقد النّاس الثّقة فيما بينهم. (١٠) التنصّل من المسئوليّة والتّهرّب منها ينجم عنه الفوضى والإخلال بالالتزامات الأدبيّة والمادّية وضياع الحقوق. (١١) التّنصّل من المسئوليّة يؤدّي إلى تعطيل الأعمال وتأخير مواعيدها لأنّ البحث عن بديل للمتنصّل لا يتيسّر دائما أو في الوقت المناسب. (١٢) التّهرّب من المسئوليّة أو التّنصّل منها يتنافى مع حمل الأمانة الّتي شرّف الله بها الإنسان.

стр. 5013

التنفير التنفير لغة: الإفزاع والدّفع عن الشّيء وهو مصدر قولهم: نفّره تنفيرا. وهو مأخوذ من مادّة (ن ف ر) الّتي تدلّ على تجاف وتباعد. يقول ابن فارس: «النّون والفاء والرّاء أصل صحيح يدلّ على تجاف وتباعد، ومن ذلك نفر الحيوان، وغيره نفارا، وذلك تجافيه وتباعده عن مكانه» «١» . يقول الجوهريّ: نفرت الدّابّة تنفر، وتنفر نفارا ونفورا، يقال: في الدّابّة نفار، وهو اسم مثل الحران، ونفر الحاجّ من منى نفرا. ونفر القوم في الأمور نفورا. والإنفار عن الشّيء، والتّنفير عنه، والاستنفار، كلّه بمعنى. والاستنفار أيضا النّفور.. ويقول الرّاغب: النّفر: الانزعاج عن الشّيء، كالفزع إلى الشّيء، وعن الشّيء يقال: نفر عن الشّيء، نفورا قال ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً (فاطر/ ٤٢) ونفر إلى الحرب ينفر وينفر نفرا، ومنه يوم النّفر، قال: الآيات/ الأحاديث/ الآثار / ٧/ ٧ انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا (التوبة/ ٤١) والاستنفار: حمل القوم على أن ينفروا، أي من الحرب، والاستنفار أيضا حثّ القوم على النّفر إلى الحرب «٢» . ونفر ينفر نفورا ونفارا، إذا فرّ وذهب، ومنه الحديث «إنّ منكم منفّرين» أي من يلقى النّاس بالغلظة والشّدّة، فينفّرون من الإسلام والدّين، وفي حديث عمر- ﵁ لا تنفّر النّاس، وفي الحديث: أنّه اشترط لمن أقطعه أرضا، ألّا ينفّر ماله، أي لا يزجر ما يرعى من ماله، ولا يدفع عن الرّعي «٣» . ونفر نفرا ونفورا: هجر وطنه، وضرب في الأرض، وفي التّنزيل: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ (التوبة/ ١٢٢) وأنفر القوم: تفرّقت دوابّهم، ونافره: خاصمه، وتنافر القوم: تخاصموا وتفاخروا «٤» . وقال ابن منظور: النّفر: التّفرّق. نفرت الدّابّة تنفر وتنفر نفارا ونفورا. والإنفار عن الشّيء والتّنفير عنه والاستنفار كلّه بمعنى. والاستنفار أيضا: النّفور. وفي الحديث: «بشّروا ولا تنفّروا» ، أي لا

стр. 5014

تلقوهم بما يحملهم على النّفور. ونفرت العين وغيرها من الأعضاء تنفر نفورا: هاجت وورمت. قال الأصمعيّ: نفر فوه: أي ورم. قال أبو عبيد: وأراه مأخوذا من نفار الشّيء من الشّيء فذلك نفاره «١» . التنفير اصطلاحا: قال المناويّ: النّفر: الانزعاج عن الشّيء أو إليه، والمنافرة المحاكمة في المفاخرة «٢» . ويؤخذ من كلام ابن الأثير أنّ التّنفير: هو أن تلقى النّاس أو تعاملهم بالغلظة والشّدّة ونحو ذلك ممّا يحمل على النّفور من الإسلام والدّين «٣» . وتعدّ إطالة الصّلاة الّتي لا يطيقها المأمومون أو بعضهم من التّنفير المنهيّ عنه. التنفير والتّبشير: جاء في الحديث الشّريف الأمر بالتّبشير مرّة وبالتّسكين أخرى، وفي مقابلة ذلك ورد النّهي عن التّنفير، قال ابن حجر: وهو ضدّ التّسكين، والتّبشير يصاحب التّسكين غالبا، ومن ثمّ كان ضدّ التّنفير (أيضا) «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: التعسير- الجفاء- الغلو- التنازع- البغض- التفرق- الجدال والمراء- الفتنة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الرغبة والترغيب البشارة- التيسير- المحبة- الألفة- الاعتصام- التناصر- التعارف] .

стр. 5015

الأحاديث الواردة في ذمّ (التنفير) ١-* (عن أبي مسعود الأنصاريّ- ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّي لأتأخّر عن صلاة الصّبح من أجل فلان ممّا يطيل بنا. فما رأيت النّبيّ ﷺ غضب في موعظة قطّ أشدّ ممّا غضب يومئذ، فقال: «يا أيّها النّاس! إنّ منكم منفّرين، فأيّكم أمّ النّاس فليوجز، فإنّ من ورائه الكبير والضّعيف، وذا الحاجة» ) * «١» . ٢-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁، أنّ النّبيّ ﷺ بعثه ومعاذا إلى اليمن، فقال: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا» ) * «٢» . ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يسّروا ولا تعسّروا، وسكّنوا ولا تنفّروا» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التنفير) معنى ٤-* (عن عبّاد بن شرحبيل، قال: أصابتني سنة، فدخلت حائطا من حيطان المدينة، ففركت سنبلا فأكلت وحملت في ثوبي، فجاء صاحبه فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله ﷺ فقال له: «ما علّمت إذ كان جاهلا، ولا أطعمت إذ كان جائعا» أو قال «ساغبا» وأمره فردّ عليّ ثوبي، وأعطاني وسقا، أو نصف وسق من طعام) * «٤» . ٥-* (عن معاوية بن الحكم السّلميّ- ﵁ قال: بينما أنا أصلّي مع رسول الله ﷺ ، إذ عطس رجل من القوم. فقلت: يرحمك الله ... الحديث وفيه «فو الله ما كهرني «٥» ، ولا ضربني، ولا شتمني ... » ) * «٦» . ٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابيّ فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ مه مه «٧» ، قال رسول الله ﷺ : «لا تزرموه «٨» ، دعوه» فتركوه حتّى بال، ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعاه فقال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا

стр. 5016

البول ولا القذر، إنّما هي لذكر الله- والصّلاة، وقراءة القرآن» ، أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم، فجاء بدلو من ماء، فشنّه «١» عليه) * «٢» . ٧-* (عن جابر- ﵁ قال: كان معاذ يصلّي مع النّبيّ ﷺ ، ثمّ يأتي فيؤمّ قومه، فصلّى ليلة مع النّبيّ ﷺ العشاء، ثمّ أتى قومه فأمّهم، فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل فسلّم، ثمّ صلّى وحده وانصرف، فقالوا له: أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله! ولآتينّ رسول الله ﷺ فلأخبرنّه، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّا أصحاب نواضح نعمل بالنّهار، وإنّ معاذا صلّى معك العشاء، ثمّ أتى فافتتح بسورة البقرة، فأقبل رسول الله ﷺ على معاذ، فقال: يا معاذ أفتّان أنت؟ «٣» اقرأ بكذا واقرأ بكذا» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التنفير) ١-* (قال ابن كثير عند قوله تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ (المائدة/ ٦) أي فلهذا سهّل عليكم ويسّر ولم يعسّر، بل أباح التّيمّم عند المرض وعند فقد الماء توسعة عليكم ورحمة بكم ... لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (المائدة/ ٦) أي لعلّكم تشكرون نعمه عليكم فيما شرعه لكم من التّوسعة والرّحمة والتّسهيل والسّماحة) * «٥» . ٢-* (وقال عند قوله تعالى: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج/ ٧٨) أي ما كلّفكم مالا تطيقون وما ألزمكم بشيء يشق عليكم إلّا جعل الله لكم فرجا ومخرجا، فالصّلاة الّتي هي أكبر أركان الإسلام بعد الشّهادتين تجب في الحضر أربعا، وفي السّفر تقصر إلى اثنتين) * «٦» . ٣-* (وقال ابن عاشور: أي فضّل الله لهذا الدّين المستتبع بفضل أهله بأن جعله دينا لا حرج فيه، لأنّ ذلك يسهّل العمل به مع حصول مقصد الشّريعة) * «٧» . ٤-* (وقال النّوويّ في شرح قوله ﷺ «يسرّوا ولا تعسّروا ... » . «فيه تأليف من قرب إسلامه وترك التّشديد عليهم، وكذلك من قارب البلوغ من الصّبيان، ومن بلغ ومن تاب من المعاصي، كلّهم يتلطّف به ويدرجون في أنواع الطّاعة قليلا قليلا، وقد كانت أمور الإسلام في التّكليف على التّدريج، فمتى يسّر

стр. 5017

على الدّاخل في الطّاعة أو المريد للدّخول فيها سهلت عليه، وكانت عاقبته غالبا التّزايد منها، ومتى عسّرت عليه أوشك ألّا يدخل فيها، وإن دخل أوشك ألّا يدوم، أو لا يستحليها. وفيه: أمر الولاة بالرّفق واتّفاق المتشاركين في ولاية ونحوها، وهذا من المهمّات فإنّ غالب المصالح لا يتمّ إلّا بالاتّفاق) * «١» . ٥-* (قال ابن كثير عند قوله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران/ ١٥٩) أي لو كنت سيّيء الكلام قاسي القلب عليهم لانفضّوا عنك وتركوك ولكنّ الله جمعهم عليك، والآن جانبك لهم تأليفا لقلوبهم) * «٢» . ٦-* (وقال عند قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (النحل/ ١٢٥) أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب كقوله تعالى وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (العنكبوت/ ٤٦) فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون- ﵉ حين بعثهما إلى فرعون في قوله فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (طه/ ٤٤)) * «٣» . ٧-* (وفسّر ابن عاشور الموعظة بأنّها القول الّذي يلين نفس المقول له لعمل الخير، ووصفها بالحسن تحريض على أن تكون النّيّة مقبولة عند النّاس) * «٤» . من مضار (التنفير) (١) يذهب ثواب العمل. (٢) يفسد الاجتماع على الخير. (٣) يورث كره المجتمع لصاحبها. (٤) يجلب سخط الله ورسوله.

стр. 5018

التهاون التهاون لغة: مصدر قولهم: تهاون بالشّيء استحقره فرآه هيّنا، وهو مأخوذ من مادّة (هـ ون) الّتي تدلّ على السّكون ونحوه «١» ، والهون: مصدر هان عليه الشّيء أي خفّ، وهوّنه الله عليه سهّله وخفّفه، والهون (بالضّمّ) : الهوان، وأهانه استخفّ به، والاسم من ذلك: الهوان والمهانة، يقال: رجل فيه مهانة أي ذلّ وضعف، واستهان به مثل تهاون به أي استحقره «٢» ، وهوّنه (أيضا) أهانه، وقولهم: هو هيّن وهين: ساكن متّئد، وقيل: المشدّد (هيّن) من الهوان، والمخفّف (هين) من اللّين، وعلى هونك أي على رسلك، وهو يهاون نفسه: يرفق بها «٣» ، وقول الله تعالى: وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ المعنى تحسبون ما خضتم فيه في الإفك شيئا يسيرا لا يلحقكم فيه إثم وهو عند الله في الوزر عظيم «٤» ، وفي الحديث «ليس المؤمن بالجافي ولا المهين» يروى بفتح الميم وضمّها فالفتح من المهانة (أي الذّل والاحتقار) ، والضّم من الإهانة، وهي الاستخفاف بالشّيء والاستحقار له، يقال: إنّه الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ٤/ ١٤ ليهون عليّ هونا وهوانا، قال ابن برّيّ: الهون: هوان الشّيء الحقير الهيّن الّذي لا كرامة له، ويقال: إنّه ليأخذ في أمره بالهون أي بالأهون، قال بعضهم: العرب تمدح بالهين اللّين، وتذمّ بالهيّن اللّيّن «٥» . التهاون اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات الّتي وقفنا عليها تعريفا للتّهاون، ومن ثمّ يكون باقيا على أصل معناه في اللّغة، ونستطيع أن نعرّفه في ضوء ما ذكره المفسّرون واللّغويّون بأنّه استحقار الشّيء والاستخفاف به والتّفريط في أدائه على الوجه الصّحيح. [للاستزادة: انظر صفات: الإهمال- البلادة التحقير- التخاذل- التفريط والإفراط- التنصل من المسئولية- الكسل- التخلف عن الجهاد- التولي اتباع الهوى- الغي والإغواء- التعاون على الإثم والعدوان. وفي ضد ذلك: انظر صفات: العمل- الرجولة القوة- قوة الإرادة- النشاط- التعاون على البر والتقوى- المسئولية- الوفاء- المسارعة في الخيرات] .

стр. 5019

الآيات الواردة في «التهاون» ١- إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) «١» الآيات الواردة في «التهاون» معنى ٢- قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٣١) «٢» ٣- وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) «٣» ٤- قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) «٤» انظر أيضا الآيات الكريمة الواردة في صفتي «ترك الصلاة، والنفاق»

стр. 5020

الأحاديث الواردة في ذمّ (التهاون) ١-* (عن أبي الجعد الضّمريّ- ﵁ (وكانت له صحبة) أنّ رسول الله ﷺ قال: «من ترك ثلاث جمع تهاونا بها طبع «١» الله على قلبه» ) * «٢» . ٢-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: «إنّ رسول الله ﷺ أهديت له بغلة شهباء فركبها، فأخذ عقبة يقودها له، فقال رسول الله ﷺ لعقبة: «اقرأ» فقال: وما أقرأ يا رسول الله؟، قال النّبيّ ﷺ : «اقرأ قل أعوذ بربّ الفلق» ، فأعادها عليه حتّى قرأها، فعرف أنّي لم أفرح بها جدّا، فقال: «لعلّك تهاونت بها» ، فما قمت تصلّي «٣» بشيء مثلها» ) * «٤» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التهاون) معنى ٣-* (عن بلال بن الحارث المزنيّ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أحدكم ليتكّلم بالكلمة من رضوان الله ما يظنّ أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله- له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإنّ أحدكم ليتكلّم بالكلمة من سخط الله ما يظنّ أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله- عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه» ) * «٥» . ٤-* (عن أبي ذرّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «عرضت عليّ أعمال أمتّي حسنها وسيّئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطّريق ووجدت في مساويء أعمالها النّخاعة «٦» تكون في المسجد لا تدفن» ) * «٧» .

стр. 5021

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التهاون) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله سبحانه: وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ (النساء/ ٨) . قال: إنّ ناسا يزعمون أنّ هذه الآية نسخت، لا والله ما نسخت، ولكنّها ممّا تهاون النّاس، هما واليان: وال يرث، وذلك الّذي يرزق، ووال لا يرث، فذاك الّذي يقول بالمعروف، يقول: لا أملك لك أن أعطيك) * «١» . ٢-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: لولا ثلاث لأحببت أن لا أبقى في الدّنيا: وضعي وجهي للسّجود لخالقي في اختلاف اللّيل والنّهار أقدّمه لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة، وتمام التّقوى أن يتّقي الله العبد حتّى يتّقيه في مثقال ذرّة، حتّى أن يترك بعض ما يرى أنّه حلال خشية أن يكون حراما، وحتّى يكون حاجزا بينه وبين الحرام، وإنّ الله قد بيّن للنّاس الّذي هو يصيّرهم إليه، قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) * «٢» . ٣-* (عن سعيد بن المسيّب قال: «ولا تهاون بالحقّ فيهنك الله ولا تسألنّ عمّا لم يكن حتّى يكون، ولا تضع حديثك إلّا عند من يشتهيه، وعليك بالصّدق وإن قتلك الصّدق، واعتزل عدوّك، واحذر صديقك إلّا الأمين ولا أمين إلّا من يخشى الله، وشاور في أمرك الّذين يخشون ربّهم بالغيب) * «٣» . ٤-* (قال الحافظ العراقيّ: في قوله ﷺ : من ترك ثلاث جمع تهاونا ... الحديث» ) * «٤» المراد بالتّهاون التّرك بلا عذر) * «٥» . ٥-* (وقال الإمام السّنديّ في الحديث السّابق: «التّهاون هنا قلّة الاهتمام بأمرها (الجمعة) ، وليس الاستخفاف بها لأنّ الاستخفاف بفرائض الله كفر» ) * «٦» . ٦-* (عن سعيد الأنصاريّ، أنّه حدّث عن سعد بن عمارة أخي بني سعد بن بكر وكانت له صحبة؛ أنّ رجلا قال له: عظني في نفسي، رحمك الله فقال: إذا أنت قمت إلى الصّلاة، فأسبغ الوضوء، فإنّه لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا إيمان لمن لا صلاة له، ثمّ إذا صلّيت، فصلّ صلاة مودّع، واترك طلب كثير من الحاجات؛ فإنّه فقر حاضر، وأجمع اليأس ممّا عند النّاس فإنّه هو الغنى، وانظر إلى ما تعتذر منه من القول والفعل فاجتنبه» ) * «٧» .

стр. 5022

٧-* (عن محمّد بن سيرين قال: «نبّئت أنّ أبا بكر وعمر- ﵄ كانا يعلّمان النّاس الإسلام: تعبد الله، ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصّلاة الّتي افترض الله تعالى بمواقيتها، فإنّ في تفريطها الهلكة» ) * «١» . ٨-* (قال ابن عمر- ﵄ لمّا بلغه حديث أبي هريرة في فضل اتّباع الجنائز: لقد فرّطنا في قراريط كثيرة) * «٢» . ٩-* (عن ثابت الشّيبانيّ قال: كنّا مع أنس ابن مالك فأخّر الحجّاج الصّلاة، فقام أنس يريد أن يكلّمه فنهاه إخوانه شفقة عليه منه، فخرج فركب دابّته فقال في مسيره ذلك: والله ما أعرف شيئا ممّا كنّا عليه على عهد النّبيّ ﷺ إلّا شهادة أن لا إله إلّا الله، فقال رجل: فالصّلاة يا أبا حمزة؟ قال: قد جعلتم الظّهر عند المغرب، أفتلك كانت صلاة رسول الله ﷺ ؟) * «٣» . ١٠-* (قال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى-: الويل كلّ الويل على المفرّط الّذي لا ينظر في عاقبته) * «٤» . ١١-* (قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (الإنسان/ ٨) كان المسلمون يرون أنّهم لا يؤجرون على الشّيء القليل إذا أعطوه فيجيء المسكين إلى أبوابهم فيستقلّون أن يعطوه الثّمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك فيردّونه ويقولون ما هذا بشيء إنّما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبّه، وكان آخرون يرون أنّهم لا يلامون على الذّنب اليسير: الكذبة والنّظرة وأشباه ذلك، يقولون إنّما وعد الله النّار على الكبائر فرغّبهم في القليل من الخير أن يعملوه فإنّه يوشك أن يكبر، وحذّرهم اليسير من الشّرّ فإنّه يوشك أن يكثر، فنزلت فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) * «٥» . ١٢-* (يقول الغزاليّ في بيان ما تعظم به الصّغائر من الذّنوب: اعلم أنّ الصّغيرة تكبر بأسباب منها: أن يتهاون بستر الله عليه، وحلمه عنه وإمهاله إيّاه ولا يدري أنّه إنّما يمهل مقتا ليزداد بالإمهال إثما فيظنّ أنّ تمكّنه من المعاصي عناية من الله به، فيكون ذلك لأمنه من مكر الله وجهله بمكامن الغرور بالله. كما قال تعالى: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ (المجادلة/ ٨)) * «٦» . ١٣-* (قال بعض الصّحابة ﵃ للتّابعين: وإنّكم لتعملون أعمالا هي في أعينكم أدقّ من الشّعر كنّا نعدّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) * «٧» . ١٤-* (قال ابن الجوزيّ: كثير من النّاس يتسامحون في أمور يظنّونها قريبة وهي تقدح في

стр. 5023

الأصول كاستعارة طلّاب العلم جزءا لا يريدونه، وقصد الدّخول على من يأكل ليؤكل معه. والتّسامح بعرض العدوّ التذاذا بذلك، واستصغارا لمثل هذا الذّنب واطلاق البصر استهانة بتلك الخطيئة. وأهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطّه من مرتبة المتميّزين بين النّاس، ومن مقام رفعة القدر عند الحقّ، أو فتوى من لا يعلم، لئلّا يقال: هو جاهل ونحو ذلك ممّا يظنّ صغيرا وهو عظيم. وربّما قيل له بلسان الحال: يا من أؤتمن على أمر يسير فخان. كيف ترجو بتدليسك رضا الدّيّان؟ قال بعض السّلف: تسامحت بلقمة فتناولتها، فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف. فالله الله، اسمعوا ممّن قد جرّب، كونوا على مراقبة. وانظروا في العواقب واعرفوا عظمة النّاهي. واحذروا من نفخة تحتقر، وشررة تستصغر، فربّما أحرقت بلدا، وهذا الّذي أشرت إليه يسير يدلّ على كثير، وأنموذج يعرّف باقي المحقّرات من الذّنوب) * «١» . من مضار (التهاون) (١) التّهاون في العبادات يستلزم الطّبع على القلب. (٢) التّهاون بالصّغائر يهلك المؤمن. (٣) التّهاون بالطّاعات، وصغائر أعمال الخير فيه فوات لخير كثير. (٤) التّهاون بالمؤمن يؤدّي إلى أن يكون المؤمن أهون عند الله من أضعف المخلوقات. (٥) في التّهاون مرضاة للشّيطان ومغضبة للرّحمن. (٦) في التّهاون خسران في الدّارين. (٧) التّهاون في أداء الأعمال واستصغار بعضها يؤدّي إلى تخلّف المجتمعات وتأخّر نهضتها. (٨) التّهاون بستر الله تعالى يؤدّي إلى غضبه ومقته. (٩) التّهاون بالقليل من الذّنب يؤدّي إلى جعله من الكبائر. (١٠) التّهاون باليسير من أعمال الخير يؤدّي إلى ترك الكبير منها. (١١) التّهاون ببعض الخلق تحقيرا لهم يؤذيهم ويجرح مشاعرهم. (١٢) التّهاون ببعض الخلق يقطع علاقات المودّة بين النّاس.

стр. 5024

التولي التولي لغة: التّولّي مأخوذ من مادّة «ولي» الّتي تدلّ على القرب، يقول ابن فارس: «الواو والّلام والياء أصل صحيح يدلّ على قرب، من ذلك الولي: القرب «١» والتّولّي: الإعراض بعد قرب. يقول الجوهريّ: وتولّى عنه، أي أعرض وولّى هاربا: أي أدبر، وقوله تعالى: لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها (البقرة/ ١٤٨) أي مستقبلها بوجهه «٢» » . ويقول الرّاغب: وقولهم: تولّى إذا عدّي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع منه. يقال: ولّيت سمعي كذا، وولّيت عيني كذا، وولّيت وجهي كذا، أقبلت به عليه. وإذا عدّي بعن لفظا أو تقديرا اقتضى معنى الإعراض، وترك قربه، فمن الأوّل قوله وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (المائدة/ ٥١) ومن الثّاني قوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (آل عمران/ ٦٣) والتولّي، قد يكون بالجسم، وقد يكون بترك الإصغاء والائتمار، قال الله- : وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (الأنفال/ ٢٠) ويقال: ولّاه دبره، إذا انهزم، وقال الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٢١/ ٦ تعالى وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ «٣» ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (آل عمران/ ١١١) . وولّى الشّيء وتولّى: أدبر. وولّى عنه: أعرض عنه أو نأى، وولّى هاربا: أدبر. وقد يكون ولّيت الشّيء وولّيت عنه بمعنى، وقد تكون التّولية إقبالا، ومنه قوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ (البقرة/ ١٤٤) والتّولية تكون انصرافا. قال الله تعالى: ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ... (التوبة/ ٢٥) وقال أبو معاذ النّحويّ: قد تكون التّولية بمعنى التّولّي. يقال: ولّيت وتولّيت بمعنى واحد ... وقد ولّى الشّيء وتولّى إذا ذهب هاربا ومدبرا، والتّولّي يكون بمعنى الإعراض، ويكون بمعنى الاتّباع قال الله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ (محمد/ ٣٨) أي إن تعرضوا عن الإسلام. وقوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ (المائدة/ ٥١) معناه من يتّبعهم وينصرهم، تقول: تولّيت فلانا أي اتّبعته ورضيت به، وتولّيت الأمر تولّيا إذا وليته، قال الله تعالى: وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (النور/ ١١) أي ولي وزر الإفك وإشاعته «٤» .

стр. 5025

التّولّي اصطلاحا: قال المناويّ: التّولّي هو الإعراض المتكلّف بما يفهمه (التّفعّل) «١» . وقال الكفويّ: التّولّي: الإعراض مطلقا، ولا يلزمه الإدبار والتّولّي بالإدبار (يوم الزّحف) قد يكون على حقيقة، وقد يكون كناية عن الانهزام، كما في قوله تعالى ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (التوبة/ ٢٥) . والتّولّي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد (النّيّة) «٢» . حكم التولي يوم الزحف: عدّ الإمام ابن حجر التّولّي يوم الزّحف من كافر أو كفّار لم يزيدوا عن الضّعف إلّا لتحرّف لقتال أو لتحيّز إلى فئة يستنجد بها ضمن الكبائر، مستدلّا بقوله تعالى: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (الأنفال/ ١٦) وبما أخرجه الشّيخان من قوله ﷺ «اجتنبوا السّبع الموبقات ... وذكر منها: التّولّي يوم الزّحف» . ونقل عن الشّافعيّ- ﵀ قوله: إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدوّ حرم عليهم أن يولّوا إلّا متحرّفين لقتال أو متحيّزين إلى فئة، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحبّ لهم أن يولّوا، ولا يستوجبون السّخط من الله لو ولّوا عنهم على غير التّحرّف للقتال أو التّحيّز إلى فئة، وهذا مذهب ابن عبّاس- ﵄ المشهور عنه «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الجبن- صغر الهمة الضعف- الوهن- التخلف عن الجهاد- التهاون الإهمال- التخاذل- التنصل من المسئولية. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الثبات- الرجولة الشجاعة- علو الهمة- العزة- المسئولية- الشرف جهاد الأعداء- العزم والعزيمة- الشهامة- النشاط] .

стр. 5026

الآيات الواردة في «التولي» ١- أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) «١» ٢- إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) «٢» ٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦) «٣» ٤- لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) «٤» ٥- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ

стр. 5027

الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٧) «١» ٦- سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧) «٢»

стр. 5028

الأحاديث الواردة في ذمّ (التولي) ١-* (عن ابن الخصاصية- ﵁ يقول: أتيت رسول الله ﷺ لأبايعه على الإسلام فاشترط عليّ «تشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله وتصلّي الخمس، وتصوم رمضان، وتؤدّي الزّكاة، وتحجّ البيت، وتجاهد في سبيل الله. قال: قلت: يا رسول الله، أمّا اثنتان فلا أطيقهما: أمّا الزّكاة فما لي إلّا عشر ذود هنّ رسل أهلي «١» وحمولتهم، وأمّا الجهاد فيزعمون أنّه من ولّى فقد باء بغضب من الله فأخاف إذا حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي «٢» قال: فقبض رسول الله ﷺ يده ثمّ حرّكها ثمّ قال: «لا صدقة ولا جهاد، فبم تدخل الجنّة؟» . قال: ثمّ قلت: يا رسول الله، أبايعك، فبايعني عليهنّ كلّهنّ) * «٣» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات. قيل: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» ) * «٤» . ٣-* (عن العبّاس بن عبد المطّلب- ﵁. قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين «٥» . فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث «٦» بن عبد المطلّب رسول الله ﷺ فلم نفارقه. ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء «٧» أهداها له فروة بن نفاثة الجذاميّ. فلمّا التقى المسلمون والكفّار ولّى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله ﷺ يركض بغلته «٨» قبل الكفّار: قال عبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ ، أكفّها إرادة أن لا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «أي عبّاس، ناد أصحاب السّمرة «٩» . فقال عبّاس: (وكان رجلا صيّتا «١٠» ) فقلت بأعلى صوتي: أي أصحاب السّمرة؟ قال: فو الله لكأنّ

стр. 5029

عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها «١» فقالوا: يا لبّيك يا لبّيك. قال: فاقتتلوا والكفّار «٢» . والدّعوة في الأنصار «٣» يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثمّ قصرت الدّعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم. فقال رسول الله ﷺ : «هذا حين حمي الوطيس «٤» » قال: ثمّ أخذ رسول الله ﷺ حصيات فرمى بهنّ وجوه الكفّار،. ثمّ قال: «انهزموا، وربّ محمّد.» قال: فذهبت انظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فو الله ما هو إلّا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدّهم كليلا «٥» وأمرهم مدبرا» ) * «٦» . ٤-* (عن صفوان بن عسّال- ﵁ قال: قال يهوديّ لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النّبيّ، فقال صاحبه: لا تقل نبيّ؛ إنّه لو سمعك كان له أربعة أعين، فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن تسع آيات بيّنات. فقال لهم: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الرّبا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولّوا الفرار يوم الزّحف، وعليكم خاصّة اليهود «٧» أن لا تعتدوا في السّبت» قال: فقبّلوا يده ورجله فقالا: نشهد إنّك نبيّ. قال: «فما يمنعكم أن تتّبعوني؟» قالوا: إنّ

стр. 5030

داود دعا ربّه أن لا يزال في ذرّيّته نبيّ، وإنّا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود) * «١» . ٥-* (عن أبي سعيد- ﵁ قال: نزلت في يوم بدر وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ (الأنفال/ ١٦)) * «٢» . الأحاديث الواردة في ذمّ (التولي) معنى ٦-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ استعاذ من سبع موتات: موت الفجاءة، ومن لدغ الحيّة، ومن السّبع، ومن الحرق، ومن الغرق، ومن أن يخرّ على شيء أو يخرّ عليه شيء، ومن القتل عند فرار الزّحف» ) * «٣» . ٧-* (عن أبي اليسر- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من التّردّي، وأعوذ بك من الغرق، والحرق، والهرم، وأعوذ بك أن يتخبّطني الشّيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك أن أموت لديغا» ) * «٤» . ٨-* (عن عمير اللّيثيّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في حجّة الوداع: «إنّ أولياء الله المصلّون، ومن يقيم الصّلوات الخمس الّتي كتبهنّ الله عليه، ويصوم رمضان، ويحتسب صومه، ويؤتي الزّكاة محتسبا طيّبة بها نفسه، ويجتنب الكبائر الّتي نهى الله عنها» فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، وكم الكبائر؟ قال: «تسع، أعظمهنّ: الإشراك بالله، وقتل المؤمن بغير حقّ، والفرار من الزّحف، وقذف المحصنة، والسّحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا. لا يموت رجل لم يعمل هؤلاء الكبائر، ويقيم الصّلاة، ويؤتي الزّكاة إلّا رافق محمّدا ﷺ في بحبوحة «٥» جنّة أبوابها مصاريع الذّهب» ) * «٦» . ٩-* (عن أبي قتادة- ﵁ يحدّث عن رسول الله ﷺ أنّه قام فيهم فذكر لهم: أنّ الجهاد في سبيل الله، والإيمان بالله أفضل الأعمال. فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفّر عنّي خطاياي؟ فقال له رسول الله ﷺ : نعم. إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب «٧» ، مقبل غير مدبر»

стр. 5031

ثمّ قال رسول الله ﷺ : «كيف قلت؟» قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفّر عنّي خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم. وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر. إلّا الدّين «١» ؛ فإنّ جبريل- ﵇ قال لي ذلك» ) * «٢» . ١٠-* (عن جابر- ﵁ قال: أوصاني رسول الله ﷺ بعشر كلمات، قال: «لا تشرك بالله شيئا، وإن قتلت وحرّقت، ولا تعقّنّ والديك، وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك، ولا تتركنّ صلاة مكتوبة متعمّدا؛ فإنّ من ترك صلاة مكتوبة متعمّدا، فقد برئت منه ذمّة الله، ولا تشربنّ خمرا؛ فإنّه رأس كلّ فاحشة، وإيّاك والمعصية؛ فإنّ بالمعصية حلّ سخط الله- وإيّاك والفرار من الزّحف، وإن هلك النّاس، إذا أصاب النّاس موتان «٣» وأنت فيهم فاثبت، وأنفق على عيالك من طولك، ولا ترفع عنهم عصاك أدبا، وأخفهم في الله» ) * «٤» . ١١-* (عن عطاء يزعم «٥» أنّ أبا العبّاس أخبره أنّه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ يقول: بلغ النّبيّ ﷺ أنّي أصوم أسرد «٦» ، وأصلّي اللّيل. فإمّا أرسل إليّ وإمّا لقيته. فقال: «ألم أخبر أنّك تصوم ولا تفطر، وتصلّي اللّيل؟ فلا تفعل، فإنّ لعينك حظّا، ولنفسك حظّا، ولأهلك حظّا، فصم وأفطر، وصلّ ونم، وصم من كلّ عشرة أيّام يوما، ولك أجر تسعة» قال: إنّي أجدني أقوى من ذلك يا نبيّ الله قال: «فصم صيام داود ﵇ » قال: وكيف كان داود يصوم يا نبيّ الله؟ قال: «كان يصوم يوما ويفطر يوما، ولا يفرّ إذا لاقى» قال: من لي بهذه يا نبيّ الله؟ (قال عطاء: فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد) فقال النّبيّ ﷺ : «لا صام من صام الأبد «٧» ، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد» ) * «٨» . ١٢-* (عن البراء بن عازب- ﵄ قال: جعل النّبيّ ﷺ على الرّجّالة يوم أحد عبد الله بن جبير، وأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرّسول في أخراهم) * «٩» .

стр. 5032

١٣-* (عن عمرو بن حزم- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسّنن والدّيات فذكر فيه: «وإنّ أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة: الإشراك بالله، وقتل النّفس المؤمنة بغير الحقّ، والفرار في سبيل الله يوم الزّحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلّم السّحر، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم» ) * «١» . ١٤-* (عن جابر- ﵁ قال: كنّا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة «٢» . فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشّجرة. وهي سمرة «٣» . وقال: بايعناه على أن لا نفرّ، ولم نبايعه على الموت «٤» ) * «٥» . ١٥-* (عن البراء- ﵁ قال: لقينا المشركين يومئذ «٦» ، وأجلس النّبيّ ﷺ جيشا من الرّماة وأمّر عليهم عبد الله وقال: لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا. فلمّا لقينا هربوا حتّى رأيت النّساء يشتددن «٧» في الجبل، رفعن عن سوقهنّ قد بدت خلاخلهنّ فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله: عهد إليّ النّبيّ ﷺ أن لا تبرحوا فأبوا، فلمّا أبوا صرف وجوههم، فأصيب سبعون قتيلا. وأشرف أبو سفيان «٨» فقال: أفي القوم محمّد؟ فقال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة) ؟ «٩» قال: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن الخطّاب؟ فقال: إنّ هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ الله، أبقى الله عليك ما يخزيك. قال أبو سفيان: اعل هبل «١٠» . فقال النّبيّ ﷺ : «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى وأجلّ» قال أبو سفيان: لنا العزّى «١١» ولا عزّى لكم. فقال النّبيّ

стр. 5033

صلّى الله عليه وسلّم: «أجيبوه» . قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: «الله مولانا ولا مولى لكم» . قال أبو سفيان يوم بيوم بدر، والحرب سجال «١» ، وتجدون مثلة «٢» لم آمر بها ولم تسؤني) * «٣» . ١٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: لمّا كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان بذراريّهم ونعمهم «٤» . ومع النّبيّ ﷺ يومئذ عشرة آلاف. ومعه الطّلقاء «٥» فأدبروا عنه «٦» . حتّى بقي وحده. قال: فنادى يومئذ نداءين. لم يخلط بينهما شيئا. قال: فالتفت عن يمينه فقال: «يا معشر الأنصار» فقالوا: لبّيك يا رسول الله، أبشر، نحن معك. قال: ثمّ التفت عن يساره فقال: «يا معشر الأنصار» قالوا: لبّيك يا رسول الله أبشر، نحن معك. قال: وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: «أنا عبد الله ورسوله» فانهزم المشركون وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرة، فقسّم في المهاجرين والطّلقاء. ولم يعط الأنصار شيئا. فقالت الأنصار: إذا كانت الشّدّة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا فبلغه ذلك. فجمعهم في قبّة، فقال: «يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؟» فسكتوا. فقال: «يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب النّاس بالدّنيا وتذهبون بمحمّد تحوزونه «٧» إلى بيوتكم؟» قالوا: بلى. يا رسول الله، رضينا. قال: فقال: «لو سلك النّاس واديا، وسلكت الأنصار شعبا «٨» ، لأخذت شعب الأنصار» ) * «٩» . ١٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ لمّا نزلت إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ (الأنفال/ ٦٥) فكتب عليهم أن لا يفرّ واحد من عشرة فقال سفيان غير مرّة: أن لا يفرّ عشرون من مائتين، ثمّ نزلت الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ (الأنفال/ ٦٦) ... الآية، فكتب أن لا يفرّ مائة من مائتين، وزاد سفيان مرّة: نزلت حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ (الأنفال/ ٦٥) قال سفيان وقال ابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر مثل هذا) * «١٠» . ١٨-* (عن بلال بن يسار بن زيد مولى النّبيّ ﷺ قال: سمعت أبي يحدّثنيه عن جدّي: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من قال: استغفر الله

стр. 5034

الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فرّ من الزّحف» ) * «١» . ١٩-* (عن أبي عامر الأشعريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم الحيّ: الأسد، والأشعريّون: لا يفرّون في القتال، ولا يغلّون هم منّي، وأنا منهم» . قال: فحدّثت بذلك معاوية، حدّثني فقال: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ ، قال: «هم منّي وإليّ» ، فقلت: ليس هكذا حدّثني أبي ولكنّه حدّثني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هم منّي وأنا منهم» ، قال: فأنت أعلم بحديث أبيك) * «٢» . ٢٠-* (عن أبي إسحاق. قال: قال رجل للبراء: يا أبا عمارة أفررتم يوم حنين؟ قال: لا والله ما ولّى رسول الله ﷺ ، ولكنّه خرج شبّان أصحابه «٣» وأخفّاؤهم «٤» حسّرا «٥» ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم «٦» . جمع هوازن وبني نضر. فرشقوهم رشقا «٧» ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ، ورسول الله ﷺ على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب يقود به. فنزل فاستنصر «٨» وقال: أنا النّبيّ لا كذب «٩» أنا ابن عبد المطّلب، ثمّ صفّهم» ) * «١٠» . ٢١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه كان في سريّة من سرايا رسول الله ﷺ قال: فحاص «١١» النّاس حيصة فكنت فيمن حاص، قال: فلمّا برزنا قلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزّحف وبؤنا بالغضب؟ فقلنا: ندخل المدينة فنتثبّت فيها ونذهب ولا يرانا أحد، قال: فدخلنا فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله ﷺ ، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. قال: فجلسنا لرسول الله ﷺ قبل صلاة الفجر، فلمّا خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرّارون. فأقبل إلينا فقال: «لا، بل أنتم العكّارون «١٢» » قال: فدنونا فقبّلنا يده فقال: «أنا فئة المسلمين» ) * «١٣» .

стр. 5035

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (التولي) ١-* (عن مالك عن يحيى بن سعيد أنّ عمر ابن الخطّاب- ﵁ قال: «كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفرّ عن أبيه وأمّه، والجريء يقاتل عمّا لا يؤوب به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف، والشّهيد من احتسب نفسه على الله» ) * «١» . ٢-* (قال المنذريّ- ﵀: «كان الشّافعيّ- ﵀ يقول: «إذا غزا المسلمون فلقوا ضعفهم من العدوّ حرم عليهم أن يولّوا إلّا متحرّفين لقتال، أو متحيّزين إلى فئة، وإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحبّ لهم أن يولّوا، ولا يستوجبون السّخط عندي من الله لو ولّوا عنهم على غير التّحرّف للقتال، أو التّحيّز إلى فئة. وهذا مذهب ابن عبّاس المشهور» ) * «٢» . ٣-* (قال الإمام النّوويّ- ﵀: «وأمّا عدّه ﷺ التّولّي يوم الزّحف من الكبائر، فدليل صريح لمذهب العلماء كافّة في كونه كبيرة» ) * «٣» . ٤-* (قال القرطبيّ عند قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (الأنفال/ ١٥) «أمر الله- في هذه الآية ألّا يولّي المؤمنون أمام الكفّار، وهذا الأمر مفيد بالشّريطة المنصوصة في مثلى المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألّا يفرّوا أمامهم. فمن فرّ من اثنين فهو فارّ من الزّحف، ومن فرّ من ثلاثة فليس بفارّ من الزّحف، ولا يتوجّه عليه الوعيد، والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمّة» ) * «٤» . ٥-* (وعند القرطبيّ: قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة من فرّ من الزّحف، ولا يجوز لهم الفرار، وإن فرّ إمامهم لقوله- وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ.. الآية (الأنفال/ ١٦) «٥» . ٦-* (قال ابن كثير: «فأمّا إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنّه حرام وكبيرة من الكبائر» ) * «٦» .

стр. 5036

من مضار (التولي) (١) يسخط الرّبّ- ويرضي الشّيطان. (٢) الّذي يفرّ يوم الزّحف غير متحيّز إلى فئة أو متحرّف لقتال إنّما يخاف الموت، وهذا دليل على ضعف الإيمان. (٣) من تولّى من الزّحف فقد ارتكب جريمة عظمى في حقّ المجتمع، وأصبح منبوذا ينظر إليه شزرا. (٤) وهو في نفسه منتقص يرى نفسه ذليلا دون غيره في الرّجولة.

стр. 5037

[حرف الجيم] الجبن الجبن لغة: مصدر قولهم: جبن يجبن أي صار جبانا، وهو مأخوذ من مادّة (ج ب ن) الّتي تدلّ على ضعف في القلب «١» وذلك صفة الجبان، يقال: رجل جبان وجبّان وجبين: هيّاب للأشياء فلا يتقدّم عليها، ومن المجاز قولهم: جبان الكلب، أي في نهاية الكرم، لأنّه لكثرة تردّد الضّيفان إليه يأنس كلبه فلا يهرّ أبدا، وقال ابن منظور: جمع الجبان جبناء، وهو ضدّ الشّجاع والأنثى: جبان (أيضا) مثل حصان ورزان، والفعل جبن وجبن بالفتح والضّمّ، والمصدر الجبن والجبن والجبانة، واجبنه: وجده جبانا أو حسبه إيّاه، ومن ذلك قول عمرو بن معديكرب: لله درّكم يا بني سليم، قاتلناكم فما أجبنّاكم. أي فما وجدناكم جبناء، وحكي أيضا قولهم: هو يجبّن أي يرمى بالجبن ويقال له، وجبّنه تجبينا نسبه إلى الجبن، وفي الحديث «أنّ النّبيّ ﷺ احتضن أحد ابني ابنته، وهو يقول: والله إنّكم لتجبّنون الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣/ ٩/ ٩ وتبخّلون وتجهّلون، وإنّكم لمن ريحان الله» . يقال: جبّنت الرّجل وبخّلته وجهّلته، إذا نسبته إلى الجبن والبخل والجهل. وكانت العرب تقول: الولد مجبنة مبخلة. لأنّه يحبّ البقاء والمال لأجله وتجبّن الرّجل: غلظ «٢» . الجبن اصطلاحا: قال الجاحظ: هو الجزع عند المخاوف والإحجام عمّا تحذر عاقبته أو لا تؤمن مغبّته «٣» . وقال الفيروز آباديّ: الجبن: ضعف القلب عمّا يحقّ أن يقوى عليه «٤» . وقال الجرجانيّ: هيئة حاصلة للقوّة الغضبيّة بها يحجم عن مباشرة ما ينبغي وما لا ينبغي «٥» . الجبان لا يكاد ينام: قال الأبشيهيّ- رحمه الله تعالى-: الجبن خلق مذموم قد استعاذ منه رسول الله ﷺ ، ونحن نعوذ بالله ممّا استعاذ منه سيّد الخلق رسول الله ﷺ ويكفي في

стр. 5038

ذمّه أن يقال في وصف الجبان: إن أحسّ بعصفور طار فؤاده، وإن طنّت بعوضة طال سهاده، يفزع من صرير الباب، ويقلق من طنين الذّباب. إن نظرت إليه شزرا أغمي عليه شهرا، يحسب خفوق الرّياح قعقعة الرّماح. قال الشّاعر: إذا صوّت العصفور طار فؤاده ... وليث حديد النّاب عند الثّرائد «١» . [للاستزادة: انظر صفات: التولي- صغر الهمة الضعف- طول الأمل- الوهن- التخاذل- التنصل من المسئولية- الإهمال- التهاون. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الشجاعة- الثبات- الرجولة- علو الهمة- المسئولية- جهاد الأعداء- الشرف- العزة] .

стр. 5039

الآيات الواردة في «الجبن» معنى ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (١١) «١» ٢- أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) «٢» ٣- وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤) «٣»

стр. 5040

الأحاديث الواردة في ذمّ (الجبن) ١-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّه قال: «إنّ النّبيّ ﷺ ، كان يتعوّذ من خمس: من البخل، والجبن، وفتنة الصّدر «١» ، وعذاب القبر، وسوء العمر» ) * «٢» . ٢-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أنسابكم هذه ليست بسباب على أحد، وإنّما أنتم ولد آدم، طفّ الصّاع، لم تملؤوه، ليس لأحد فضل إلّا بالدّين أو عمل صالح، حسب الرّجل أن يكون فاحشا بذيّا بخيلا جبانا» ) * «٣» . ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ ، قال لأبي طلحة: «التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حتّى أخرج إلى خيبر، فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرا يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدّين «٤» ، وغلبة الرّجال ... الحديث» ) * «٥» . ٤-* (عن جبير بن مطعم- ﵁ قال: بينا أنا مع رسول الله ﷺ ومعه النّاس مقبلا من حنين علقت رسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتّى اضطرّوه إلى سمرة «٦» فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: «أعطوني ردائي فلو كان عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم ثمّ لا تجدونني بخيلا ولا كذوبا ولا جبانا» ) * «٧» . ٥-* (عن يعلى- ﵁ قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النّبيّ ﷺ فضمّهما إليه وقال: «إنّ الولد مبخلة مجبنة» ) * «٨» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «شرّ ما في رجل شحّ هالع وجبن خالع» ) «٩» . ٧-* (عن سعد بن أبي وقّاص- رضي الله

стр. 5041

عنه- كان يأمر بهؤلاء الخمس ويحدّثهنّ عن النّبيّ ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدّنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» ) * «١» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: كان النّبيّ ﷺ يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر» ) * «٢» . ٩-* (عن زيد بن أرقم- ﵁ قال: لا أقول لكم إلّا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر. اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها. أنت وليّها ومولاها، اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (الجبن) ١-* (قال أبو بكر- ﵁ يوصي يزيد بن أبي سفيان وقد أمّره على جيش بعثه إلى الشّام: «إنّي موصيك بعشر خلال: لا تقتلوا امرأة، ولا صبيّا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعوا شجرا مثمرا، ولا تخرّبنّ عامرا، ولا تعقرنّ شاة ولا بعيرا إلّا لمأكلة، ولا تغرقنّ نخلا، ولا تحرقنّه، ولا تغلل، ولا تجبن» ) * «٤» . ٢-* (قال أبو بكر لعمر- ﵄ في حروب الرّدّة: «أجبّار في الجاهليّة وخوّار في الإسلام؟» ) * «٥» . ٣-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفرّ عن أبيه وأمّه، والجريء يقاتل عمّا لا يؤوب به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف «٦» ، والشّهيد من احتسب نفسه على الله «٧» » ) * «٨» . ٤-* (قال أبو الزّناد- رحمه الله تعالى-:

стр. 5042

«لمّا حضرت خالد بن الوليد الوفاة بكى، ثمّ قال: لقد حضرت كذا وكذا زحفا وما في جسدي شبر إلّا وفيه ضربة سيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء» ) * «١» . ٥-* (قال عمرو بن أمامة: لقد حسوت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه كلّ امرىء مقاتل عن طوقه ... والثّور يحمي أنفه بروقه «٢» ) * «٣» . ٦-* (قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى.: «إنّ الجميع يتمادحون بالشّجاعة والكرم حتّى إنّ ذلك عامّة ما يمدح به الشّعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتذامّون بالبخل والجبن» ) * «٤» . ٧-* قال طرفة: فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تخور) * «٥» . ٨-* (قال الرّاجز: لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء) * «٦» . ٩-* (وقال الآخر في الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ الأمير المعروف: أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصّافر هلّا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر) * «٧» . من مضار (الجبن) (١) الذّلّ في الدّنيا، والخزي في الآخرة. (٢) الجبان لا يسود ولا يكون إماما. (٣) من أسوأ الخلال وشرّ الخصال. (٤) لا يؤخّر أجلا ولا يقرّب نفعا. (٥) الجبان مبغض حتّى إلى أقربائه. (٦) يؤدّي إلى احتلال الأوطان، وهتك الأعراض. (٧) وجود الجبناء في المعركة يفتّ في عضد الجيش الكبير.

стр. 5043

الجحود الجحود لغة: الجحود والجحد مصدر قولهم: جحد يجحد جحدا وجحودا وهو مأخوذ من مادّة (ج ح د) الّتي تدلّ على قلّة الخير. يقال: عام جحد: قليل المطر، والجحد من كلّ شيء، القلّة. وقال الشّيبانيّ: أجحد الرّجل وجحد إذا أنفض وذهب ماله ... ومن هذا الباب الجحود، ولا يكون إلّا مع علم الجاحد به أنّه صحيح. قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ (النمل/ ١٤) وما جاء جاحد بخير قطّ «١» . ويقول الجوهريّ: الجحود: الإنكار مع العلم. يقال: جحده حقّه وبحقّه، والجحد أيضا: قلّة الخير، وكذلك الجحد بالضّمّ ... والجحد بالتّحريك مثله. يقال: نكدا له وجحدا. وجحد الرّجل- بالكسر- جحدا، فهو جحد إذا كان ضيّقا قليل الخير، وأجحد مثله «٢» . وقال الرّاغب: يقال: رجل جحد شحيح، قليل الخير، يظهر الفقر ... وأجحد: صار ذا جحد «٣» . والجحد والجحد: الضّيق في المعيشة، يقال: الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١١/ ١٣/ ١١ جحد عيشهم جحدا، إذا ضاق واشتدّ «٤» . وجحد فلانا: صادفه بخيلا، قليل الخير.. وجحد: نكد. وفرس جحد- ككتف- غليظ قصير، وجمعه جحاد «٥» . الجحود اصطلاحا: قال الجرجانيّ: هو عبارة عن الإخبار عن ترك الفعل في الماضي «٦» . يقول الرّاغب: الجحود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه «٧» . وقال المناويّ: الجحد إنكار ما سبق له وجود، وهو خلاف النّفي «٨» . الفرق بين النفي والجحد: الجحد مختصّ بالماضي، والنّفي عامّ يشمل الماضي والحاضر، والجحد يقال فيما ينكر باللّسان دون القلب، والنّفي يقال فيهما، والنّافي إذا كان كلامه صادقا يسمّى كلامه نفيا، ولا يسمّى جحدا، قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ (الأحزاب/ ٤٠) فهذا نفي، وإن كان كاذبا يسمّى جحدا ونفيا كما في قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ (النمل/ ١٤) «٩» .

стр. 5044

أسباب كفران النعم وجحودها: قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى- لم يقصّر بالخلق عن شكر النّعم إلّا الجهل والغفلة، فإنّهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النّعم، ولا يتصوّر شكر النّعمة إلّا بعد معرفة كونها نعمة، ثمّ إنّهم إن عرفوا نعمة ظنّوا أنّ الشّكر عليها أن يقول باللّسان: الحمد لله والشّكر لله. ولم يعرفوا أنّ معنى الشّكر أن يستعمل النّعمة في إتمام الحكمة الّتي أريدت بها وهي طاعة الله فلا يمنع من الشّكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلّا غلبة الشّهوة واستيلاء الشّيطان. أمّا الغفلة عن النّعم فلها أسباب، وأحد أسبابها أنّ النّاس بجهلهم لا يعدّون ما يعمّ الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة، فلذلك لا يشكرون على ما عمّ الله به الخلق من شتّى النّعم في الكون والنّفس كالشّمس والقمر واللّيل والنّهار والحرارة والبرودة واستساغة الطّعام، ذلك ممّا لا يحصى كثرة؛ لأنّها عامّة للخلق، مبذولة لهم في جميع أحوالهم، فلا يرى كلّ واحد لنفسه منهم اختصاصا به فلا يعدّه نعمة، فلا تراهم يشكرون الله على روح الهواء ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتّى انقطع الهواء عنهم ماتوا، ولو حبسوا في بيت حمّام فيه هواء حارّ أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ماتوا غمّا، فإن ابتلي واحد منهم بشيء من ذلك ثمّ نجا ربّما قدّر ذلك نعمة وشكر الله عليها، وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النّعمة ثمّ تردّ عليهم في بعض الأحوال. والنّعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها فلا ترى البصير يشكر صحّة بصره إلّا أن تعمى عيناه فعند ذلك لو أعيد عليه بصره أحسّ به وشكره وعدّه نعمة، وهذا الجاهل الّذي لم يقدّر نعمة الله عليه مثل العبد السّوء، حقّه أن يضرب دائما حتّى إذا ترك ضربه ساعة تقلّد به منّة، فإن ترك ضربه على الدّوام غلبه البطر وترك الشّكر، فصار النّاس لا يشكرون إلّا المال الّذي يتطرّق إليه الاختصاص من حيث الكثرة والقلّة وينسون جميع نعم الله تعالى عليهم. ولو أمعن الإنسان النّظر في أحواله رأى من الله نعما كثيرة تخصّه لا يشاركه فيها النّاس كافّة بل يشاركه عدد يسير من النّاس، وربّما لا يشاركه فيها أحد من الخلق، وذلك يتمثّل في ثلاثة أمور يعترف بها كلّ عبد: أحدها: العقل. فإنّه ما من عبد لله تعالى إلّا وهو راض عن الله في عقله يعتقد أنّه أعقل النّاس، وقلّ من يسأل الله تعالى العقل، ولذا وجب على كلّ الخلق شكر الله. والأمر الثّاني: الخلق. فما من عبد إلّا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمّها، وإنّما يذمّها من حيث يرى نفسه بريئا منها فإذا لم يشتغل بذمّ الغير وجب عليه أن يشكر الله إذ حسن خلقه وابتلي غيره بسوء الخلق. والأمر الثّالث الّذي يقرّ به كلّ واحد: العلم. فما من أحد إلّا ويعرف بواطن أمور نفسه وخطايا أفكاره وما هو منفرد به، ولو كشف الغطاء حتّى اطّلع عليه أحد من الخلق لا فتضح، فكيف لو اطّلع النّاس كافّة ألا يوجب ستر القبيح وإخفاؤه عن عين النّاس شكر هذه النّعمة العظيمة؟ ولم يصرف الخلق عن شكر هذه النّعمة إلّا الغفلة والجهل. وأعمّ من هذه الأمور أمور

стр. 5045

أخرى فما من واحد من الخلق إلّا وقد رزقه الله تعالى في صورته أو أخلاقه أو صفاته أو أهله أو والده أو مسكنه أو بلده أو رفيقه أو زوجه أو ولده أو عزّه أو جاهه أو في سائر أموره، فإنّه لو سلب ذلك منه وأعطي ما خصّص به غيره فإنّه لا يرضى به فإذا كان الأمر كذلك فقد وجب على كلّ الخلق أن يشكروه على أن جعلهم على هذه الحالة الّتي هم عليها ولم يجعلهم على حال الآخرين، ولكن غلب عليهم كفر النّعمة. وما سدّ على الخلق طريق الشّكر إلّا جهلهم بضروب النّعم الظّاهرة والباطنة والخاصّة والعامّة، أو الغفلة عنها لحصولهم عليها بلا أدنى سبب «١» . الجحود بآيات الله: لقد نعى القرآن الكريم على المشركين وأهل الكتاب جحودهم بآيات الله رغم معرفتهم بها، وشدّد النّكير عليهم فوسمهم بالظّلم، في قوله سبحانه وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (الأنعام/ ٣٣) ، وقد كان هذا الجحود سببا للعنة قوم عاد وإبعادهم وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (هود/ ٥٩- ٦٠) ، وقد وصف القرآن الكريم من يجحد بآيات الله بالكفر حينا وبالظّلم حينا فقال- عزّ من قائل-: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ (العنكبوت/ ٤٧) ، وقال سبحانه وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (العنكبوت/ ٤٩) ، وجاء وصفهم بأنّهم أهل الإفك والختر، فقال تعالى: كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (غافر/ ٦٣) ، وقال سبحانه: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (لقمان/ ٣٢) وقد أوضح المولى- أنّ الجحود من عوامل الاستكبار والغرور فقال سبحانه: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (فصلت/ ١٥) . إنّ الجاحد بآيات الله لن يغني عنه سمعه ولا بصره، ولا فؤاده، وكأنّه حرم نفسه من نعمة الله الّتي أنعم الله بها عليه، يقول سبحانه: وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ (الأحقاف/ ٢٦) . والنّتيجة الحتميّة للجحود هي الخلود في النّار وفوق ذلك فإنّهم أعداء لله فاستحقّوا بذلك الوعيد الشّديد ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (فصلت/ ٢٨) . [للاستزادة: انظر صفات: نكران الجميل- اتباع الهوى- الإصرار على الذنب- الضلال- الغرور- الكفر- التفريط والإفراط- عقوق الوالدين- قطيعة الرحم- الجفاء. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاعتراف بالفضل- الإيمان- الشكر- الثناء- الإحسان- المروءة- بر الوالدين- صلة الرحم] .
следующие страницы →