← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

عنه- كان يأمر بهؤلاء الخمس ويحدّثهنّ عن النّبيّ ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك من الجبن، وأعوذ بك أن أردّ إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدّنيا، وأعوذ بك من عذاب القبر» ) * «١» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: كان النّبيّ ﷺ يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والهرم، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر» ) * «٢» . ٩-* (عن زيد بن أرقم- ﵁ قال: لا أقول لكم إلّا كما كان رسول الله ﷺ يقول، كان يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهرم وعذاب القبر. اللهمّ آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها. أنت وليّها ومولاها، اللهمّ إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (الجبن) ١-* (قال أبو بكر- ﵁ يوصي يزيد بن أبي سفيان وقد أمّره على جيش بعثه إلى الشّام: «إنّي موصيك بعشر خلال: لا تقتلوا امرأة، ولا صبيّا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعوا شجرا مثمرا، ولا تخرّبنّ عامرا، ولا تعقرنّ شاة ولا بعيرا إلّا لمأكلة، ولا تغرقنّ نخلا، ولا تحرقنّه، ولا تغلل، ولا تجبن» ) * «٤» . ٢-* (قال أبو بكر لعمر- ﵄ في حروب الرّدّة: «أجبّار في الجاهليّة وخوّار في الإسلام؟» ) * «٥» . ٣-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفرّ عن أبيه وأمّه، والجريء يقاتل عمّا لا يؤوب به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف «٦» ، والشّهيد من احتسب نفسه على الله «٧» » ) * «٨» . ٤-* (قال أبو الزّناد- رحمه الله تعالى-:

стр. 5042

«لمّا حضرت خالد بن الوليد الوفاة بكى، ثمّ قال: لقد حضرت كذا وكذا زحفا وما في جسدي شبر إلّا وفيه ضربة سيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء» ) * «١» . ٥-* (قال عمرو بن أمامة: لقد حسوت الموت قبل ذوقه ... إنّ الجبان حتفه من فوقه كلّ امرىء مقاتل عن طوقه ... والثّور يحمي أنفه بروقه «٢» ) * «٣» . ٦-* (قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى.: «إنّ الجميع يتمادحون بالشّجاعة والكرم حتّى إنّ ذلك عامّة ما يمدح به الشّعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتذامّون بالبخل والجبن» ) * «٤» . ٧-* قال طرفة: فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبّتنا تخور) * «٥» . ٨-* (قال الرّاجز: لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء) * «٦» . ٩-* (وقال الآخر في الحجّاج بن يوسف الثّقفيّ الأمير المعروف: أسد عليّ وفي الحروب نعامة ... فتخاء تنفر من صفير الصّافر هلّا برزت إلى غزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر) * «٧» . من مضار (الجبن) (١) الذّلّ في الدّنيا، والخزي في الآخرة. (٢) الجبان لا يسود ولا يكون إماما. (٣) من أسوأ الخلال وشرّ الخصال. (٤) لا يؤخّر أجلا ولا يقرّب نفعا. (٥) الجبان مبغض حتّى إلى أقربائه. (٦) يؤدّي إلى احتلال الأوطان، وهتك الأعراض. (٧) وجود الجبناء في المعركة يفتّ في عضد الجيش الكبير.

стр. 5043

الجحود الجحود لغة: الجحود والجحد مصدر قولهم: جحد يجحد جحدا وجحودا وهو مأخوذ من مادّة (ج ح د) الّتي تدلّ على قلّة الخير. يقال: عام جحد: قليل المطر، والجحد من كلّ شيء، القلّة. وقال الشّيبانيّ: أجحد الرّجل وجحد إذا أنفض وذهب ماله ... ومن هذا الباب الجحود، ولا يكون إلّا مع علم الجاحد به أنّه صحيح. قال الله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ (النمل/ ١٤) وما جاء جاحد بخير قطّ «١» . ويقول الجوهريّ: الجحود: الإنكار مع العلم. يقال: جحده حقّه وبحقّه، والجحد أيضا: قلّة الخير، وكذلك الجحد بالضّمّ ... والجحد بالتّحريك مثله. يقال: نكدا له وجحدا. وجحد الرّجل- بالكسر- جحدا، فهو جحد إذا كان ضيّقا قليل الخير، وأجحد مثله «٢» . وقال الرّاغب: يقال: رجل جحد شحيح، قليل الخير، يظهر الفقر ... وأجحد: صار ذا جحد «٣» . والجحد والجحد: الضّيق في المعيشة، يقال: الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١١/ ١٣/ ١١ جحد عيشهم جحدا، إذا ضاق واشتدّ «٤» . وجحد فلانا: صادفه بخيلا، قليل الخير.. وجحد: نكد. وفرس جحد- ككتف- غليظ قصير، وجمعه جحاد «٥» . الجحود اصطلاحا: قال الجرجانيّ: هو عبارة عن الإخبار عن ترك الفعل في الماضي «٦» . يقول الرّاغب: الجحود: نفي ما في القلب إثباته، وإثبات ما في القلب نفيه «٧» . وقال المناويّ: الجحد إنكار ما سبق له وجود، وهو خلاف النّفي «٨» . الفرق بين النفي والجحد: الجحد مختصّ بالماضي، والنّفي عامّ يشمل الماضي والحاضر، والجحد يقال فيما ينكر باللّسان دون القلب، والنّفي يقال فيهما، والنّافي إذا كان كلامه صادقا يسمّى كلامه نفيا، ولا يسمّى جحدا، قال تعالى: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ (الأحزاب/ ٤٠) فهذا نفي، وإن كان كاذبا يسمّى جحدا ونفيا كما في قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ (النمل/ ١٤) «٩» .

стр. 5044

أسباب كفران النعم وجحودها: قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى- لم يقصّر بالخلق عن شكر النّعم إلّا الجهل والغفلة، فإنّهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النّعم، ولا يتصوّر شكر النّعمة إلّا بعد معرفة كونها نعمة، ثمّ إنّهم إن عرفوا نعمة ظنّوا أنّ الشّكر عليها أن يقول باللّسان: الحمد لله والشّكر لله. ولم يعرفوا أنّ معنى الشّكر أن يستعمل النّعمة في إتمام الحكمة الّتي أريدت بها وهي طاعة الله فلا يمنع من الشّكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلّا غلبة الشّهوة واستيلاء الشّيطان. أمّا الغفلة عن النّعم فلها أسباب، وأحد أسبابها أنّ النّاس بجهلهم لا يعدّون ما يعمّ الخلق ويسلم لهم في جميع أحوالهم نعمة، فلذلك لا يشكرون على ما عمّ الله به الخلق من شتّى النّعم في الكون والنّفس كالشّمس والقمر واللّيل والنّهار والحرارة والبرودة واستساغة الطّعام، ذلك ممّا لا يحصى كثرة؛ لأنّها عامّة للخلق، مبذولة لهم في جميع أحوالهم، فلا يرى كلّ واحد لنفسه منهم اختصاصا به فلا يعدّه نعمة، فلا تراهم يشكرون الله على روح الهواء ولو أخذ بمختنقهم لحظة حتّى انقطع الهواء عنهم ماتوا، ولو حبسوا في بيت حمّام فيه هواء حارّ أو في بئر فيه هواء ثقل برطوبة الماء ماتوا غمّا، فإن ابتلي واحد منهم بشيء من ذلك ثمّ نجا ربّما قدّر ذلك نعمة وشكر الله عليها، وهذا غاية الجهل إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النّعمة ثمّ تردّ عليهم في بعض الأحوال. والنّعمة في جميع الأحوال أولى بأن تشكر في بعضها فلا ترى البصير يشكر صحّة بصره إلّا أن تعمى عيناه فعند ذلك لو أعيد عليه بصره أحسّ به وشكره وعدّه نعمة، وهذا الجاهل الّذي لم يقدّر نعمة الله عليه مثل العبد السّوء، حقّه أن يضرب دائما حتّى إذا ترك ضربه ساعة تقلّد به منّة، فإن ترك ضربه على الدّوام غلبه البطر وترك الشّكر، فصار النّاس لا يشكرون إلّا المال الّذي يتطرّق إليه الاختصاص من حيث الكثرة والقلّة وينسون جميع نعم الله تعالى عليهم. ولو أمعن الإنسان النّظر في أحواله رأى من الله نعما كثيرة تخصّه لا يشاركه فيها النّاس كافّة بل يشاركه عدد يسير من النّاس، وربّما لا يشاركه فيها أحد من الخلق، وذلك يتمثّل في ثلاثة أمور يعترف بها كلّ عبد: أحدها: العقل. فإنّه ما من عبد لله تعالى إلّا وهو راض عن الله في عقله يعتقد أنّه أعقل النّاس، وقلّ من يسأل الله تعالى العقل، ولذا وجب على كلّ الخلق شكر الله. والأمر الثّاني: الخلق. فما من عبد إلّا ويرى من غيره عيوبا يكرهها وأخلاقا يذمّها، وإنّما يذمّها من حيث يرى نفسه بريئا منها فإذا لم يشتغل بذمّ الغير وجب عليه أن يشكر الله إذ حسن خلقه وابتلي غيره بسوء الخلق. والأمر الثّالث الّذي يقرّ به كلّ واحد: العلم. فما من أحد إلّا ويعرف بواطن أمور نفسه وخطايا أفكاره وما هو منفرد به، ولو كشف الغطاء حتّى اطّلع عليه أحد من الخلق لا فتضح، فكيف لو اطّلع النّاس كافّة ألا يوجب ستر القبيح وإخفاؤه عن عين النّاس شكر هذه النّعمة العظيمة؟ ولم يصرف الخلق عن شكر هذه النّعمة إلّا الغفلة والجهل. وأعمّ من هذه الأمور أمور

стр. 5045

أخرى فما من واحد من الخلق إلّا وقد رزقه الله تعالى في صورته أو أخلاقه أو صفاته أو أهله أو والده أو مسكنه أو بلده أو رفيقه أو زوجه أو ولده أو عزّه أو جاهه أو في سائر أموره، فإنّه لو سلب ذلك منه وأعطي ما خصّص به غيره فإنّه لا يرضى به فإذا كان الأمر كذلك فقد وجب على كلّ الخلق أن يشكروه على أن جعلهم على هذه الحالة الّتي هم عليها ولم يجعلهم على حال الآخرين، ولكن غلب عليهم كفر النّعمة. وما سدّ على الخلق طريق الشّكر إلّا جهلهم بضروب النّعم الظّاهرة والباطنة والخاصّة والعامّة، أو الغفلة عنها لحصولهم عليها بلا أدنى سبب «١» . الجحود بآيات الله: لقد نعى القرآن الكريم على المشركين وأهل الكتاب جحودهم بآيات الله رغم معرفتهم بها، وشدّد النّكير عليهم فوسمهم بالظّلم، في قوله سبحانه وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (الأنعام/ ٣٣) ، وقد كان هذا الجحود سببا للعنة قوم عاد وإبعادهم وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ* وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (هود/ ٥٩- ٦٠) ، وقد وصف القرآن الكريم من يجحد بآيات الله بالكفر حينا وبالظّلم حينا فقال- عزّ من قائل-: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ (العنكبوت/ ٤٧) ، وقال سبحانه وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (العنكبوت/ ٤٩) ، وجاء وصفهم بأنّهم أهل الإفك والختر، فقال تعالى: كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (غافر/ ٦٣) ، وقال سبحانه: وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (لقمان/ ٣٢) وقد أوضح المولى- أنّ الجحود من عوامل الاستكبار والغرور فقال سبحانه: فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (فصلت/ ١٥) . إنّ الجاحد بآيات الله لن يغني عنه سمعه ولا بصره، ولا فؤاده، وكأنّه حرم نفسه من نعمة الله الّتي أنعم الله بها عليه، يقول سبحانه: وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ (الأحقاف/ ٢٦) . والنّتيجة الحتميّة للجحود هي الخلود في النّار وفوق ذلك فإنّهم أعداء لله فاستحقّوا بذلك الوعيد الشّديد ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (فصلت/ ٢٨) . [للاستزادة: انظر صفات: نكران الجميل- اتباع الهوى- الإصرار على الذنب- الضلال- الغرور- الكفر- التفريط والإفراط- عقوق الوالدين- قطيعة الرحم- الجفاء. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاعتراف بالفضل- الإيمان- الشكر- الثناء- الإحسان- المروءة- بر الوالدين- صلة الرحم] .

стр. 5046

الآيات الواردة في «الجحود» الجاحدون من أكبر النادمين: ١- وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) «١» الجاحدون سفهاء ظالمون: ٢- قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) «٢» ٣- وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) «٣» ٤- وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩) «٤»

стр. 5047

٥- أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١) وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) «١» ٦- اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) «٢» الجحود سمة الكافرين السابقين: ٧- وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠) «٣» ٨- إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) «٤»

стр. 5048

٩- فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) «١» ١٠- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) «٢» ١١- وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) «٣»

стр. 5049

الأحاديث الواردة في ذمّ (الجحود) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: لمّا نزلت آية الدّين قال رسول الله ﷺ : «إنّ أوّل من جحد آدم ﵇ أو أوّل من جحد آدم- إنّ الله- لمّا خلق آدم مسح ظهره فأخرج منه ما هو من ذراريّ إلى يوم القيامة. فجعل يعرض ذرّيّته عليه، فرأى منهم رجلا يزهر «١» ، فقال: أي ربّ، من هذا؟. قال: هذا ابنك داود. قال: أي ربّ، كم عمره؟. قال: ستّون عاما. قال: ربّ زد في عمره. قال: لا. إلّا أن أزيده من عمرك، وكان عمر آدم ألف عام، فزاده أربعين عاما، فكتب الله- عليه بذلك كتابا وأشهد عليه الملائكة، فلمّا احتضر آدم وأتته الملائكة لتقبضه قال: إنّه قد بقي من عمري أربعون عاما. فقيل: إنّك قد وهبتها لابنك داود. قال: ما فعلت وأبرز الله- عليه الكتاب وشهدت عليه الملائكة» ) * «٢» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلّم الرّمي ثمّ نسيه فهي نعمة جحدها» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الجحود) معنى ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: إنّ ناسا من عرينة قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها «٤» فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصّدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها» ففعلوا فصحّوا، ثمّ مالوا على الرّعاة فقتلوهم وارتدّوا عن الإسلام، وساقوا ذود رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فبعث في أثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم «٥» ، وتركهم في الحرّة «٦» حتّى ماتوا) * «٧» ٤-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلّى، ثمّ انصرف فوعظ النّاس، وأمرهم بالصّدقة فقال: «أيّها النّاس، تصدّقوا، فمرّ على النّساء فقال: «يا معشر النّساء، تصدّقن، فإنّي رأيتكنّ أكثر أهل النّار» . فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟. قال: «تكثرن اللّعن، وتكفرن العشير «٨» ما رأيت من

стр. 5050

ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرّجل الحازم من إحداكنّ يا معشر النّساء» ثمّ انصرف فلمّا صار إلى منزله جاءت زينب امرأة ابن مسعود تستأذن عليه. فقيل: يا رسول الله، هذه زينب. فقال: «أيّ الزّيانب؟» فقيل: امرأة ابن مسعود. قال: «نعم. ائذنوا لها» فأذن لها. قالت: يا نبيّ الله، إنّك أمرت اليوم بالصّدقة، وكان عندي حليّ لي فأردت أن أتصدّق بها فزعم ابن مسعود أنّه وولده أحقّ من تصدّقت به عليهم. فقال النّبيّ ﷺ : «صدق ابن مسعود. زوجك وولدك أحقّ من تصدّقت به عليهم» ) * «١» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص «٢» وأقرع وأعمى. فأراد الله أن يبتليهم «٣» . فبعث إليهم ملكا. فأتى الأبرص فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، ويذهب عنّي الّذي قد قذرني النّاس. قال: فمسحه فذهب عنه قذره، وأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: الإبل. قال: فأعطي ناقة عشراء «٤» . قال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عنّي هذا الّذي قذرني النّاس. قال: فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنا. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرة حاملا. فقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأعمى فقال: أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال: أن يردّ الله إليّ بصري فأبصر به النّاس. قال: فمسحه فردّ الله إليه بصره. قال: فأيّ المال أحبّ إليك؟. قال: الغنم. فأعطي شاة والدا «٥» . فأنتج هذان، وولّد هذا «٦» . قال: فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم. قال: ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال «٧» في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثمّ بك. أسألك بالّذي أعطاك اللّون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلّغ عليه في سفري. فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأنّي أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك النّاس؟ فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: إنّما ورثت هذا المال كابرا عن كابر «٨» . فقال: إن كنت كاذبا، فصيّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا، وردّ عليه مثل ما ردّ على

стр. 5051

هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيّرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثمّ بك. أسألك، بالّذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم «١» شيئا أخذته لله. فقال: أمسك مالك، فإنّما ابتليتم، فقد رضي عنك وسخط على صاحبيك» ) * «٢» . ٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: قال النّبيّ ﷺ : «أريت النّار فإذا أكثر أهلها النّساء يكفرن. قيل: أيكفرن بالله؟. قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر ثمّ رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ» ) * «٣» . ٧-* (عن وائل بن حجر- ﵁ قال: كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض فقال أحدهما: إنّ هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهليّة. قال: «بيّنتك» ، قال: ليس لي بيّنة. قال: «يمينه» . قال: إذن يذهب بها. قال: «ليس لك إلّا ذاك» ، قال: فلمّا قام ليحلف قال رسول الله ﷺ : «من اقتطع أرضا ظالما، لقي الله وهو عليه غضبان» ) * «٤» . ٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرا صابرا. ومن لم تكونا فيه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا. من نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به، ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضّله به عليه كتبه الله شاكرا صابرا، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه، ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا» ) * «٥» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله- : يؤذيني ابن آدم يسبّ الدّهر وأنا الدّهر، بيدي الأمر، أقلّب اللّيل والنّهار» ) * «٦» . ١٠-* (عن زيد بن خالد الجهنيّ- ﵁ أنّه قال: صلّى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصّبح بالحديبية على أثر سماء كانت من اللّيلة، فلمّا انصرف أقبل على النّاس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربّكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأمّا من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، وكافر بالكوكب، وأمّا من قال: بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، ومؤمن

стр. 5052

بالكوكب» ) * «١» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنزل الله من السّماء من بركة إلّا أصبح فريق من النّاس بها كافرين. ينزل الله الغيث، فيقولون: الكوكب كذا وكذا» ) * «٢» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بعث رسول الله ﷺ عمر على الصّدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعبّاس عمّ رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «ما ينقم ابن جميل إلّا أنّه كان فقيرا فأغناه الله، وأمّا خالد فإنّكم تظلمون خالدا. قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأمّا العبّاس فهي عليّ ومثلها معها» ثمّ قال: «يا عمر، أما شعرت أنّ عمّ الرّجل صنو أبيه؟» ) * «٣» . ١٣-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر النّاس لم يشكر الله، والتّحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الجحود) ١-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (العاديات/ ٦) : أي كفور. وكذا قاله جماعة، وقال أبو أمامة الباهليّ- ﵁: الكنود: الّذي يأكل وحده، ويضرب عبده، ويمنع رفده. وقال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: الكنود هو الّذي يعدّ المصائب وينسى نعم الله عليه) * «٥» . ٢-* (قال سعيد بن جبير- رحمه الله تعالى- عند تفسير قوله تعالى: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ (القلم/ ١٧) . كان أصحابها من قرية يقال لها ضروان على ستّة أميال من صنعاء وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنّة وكانوا من أهل الكتاب، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة فإنّ ما يستغلّ منها يردّ فيها ما تحتاج إليه، ويدّخر لعياله قوت سنتهم، ويتصدّق بالفاضل. فلمّا مات وورثه بنوه قالوا: لقد كان أبونا أحمق؛ إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء، ولو أنّا منعناهم لتوفّر ذلك علينا، فلمّا عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم فأذهب الله ما بأيديهم بالكلّيّة رأس المال والرّبح والصّدقة فلم يبق لهم شيء) * «٦» .

стр. 5053

وقال عقب ذلك ابن كثير- رحمه الله تعالى- هكذا عذاب من خالف أمر الله، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه، ومنع حقّ المسكين والفقير وذوي الحاجات وبدّل نعمة الله كفرا. ٣-* (قال كعب الأحبار- رحمه الله تعالى-: ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدّنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلّا أعطاه نفعها في الدّنيا، ورفع له بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد نعمة في الدّنيا فلم يشكرها لله، ولم يتواضع بها إلّا منعه الله نفعها في الدّنيا، وفتح له طبقات من النّار يعذّبه إن شاء أو يتجاوز عنه) * «١» . ٤-* (قال وهب بن منبّه- رحمه الله تعالى-: ترك المكافأة من التّطفيف) * «٢» . ٥-* (كتب ابن السّمّاك إلى محمّد بن الحسن رحمهما الله تعالى- حين ولي القضاء بالرّقّة: أمّا بعد، فلتكن التّقوى من بالك على كلّ حال، وخف الله من كلّ نعمة أنعم بها عليك من قلّة الشّكر عليها مع المعصية بها «٣» ، وأمّا التّبعة فيها فقلّة الشّكر عليها، فعفا الله عنك كلّ ما ضيّعت من شكر، أو ركبت من ذنب، أو قصّرت من حقّ) * «٤» . ٦-* (قال الأصمعيّ- رحمه الله تعالى-: سمعت أعرابيّا يقول: أسرع الذّنوب عقوبة كفر المعروف) * «٥» . ٧-* (قال إبراهيم بن مهديّ مخاطبا المأمون: البرّ بي منك وطّا العذر عندك لي ... فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم وقام علمك بي فاحتجّ عندك لي ... وقام شاهد عدل غير متّهم لئن جحدتك معروفا مننت به ... إنّي لفي اللّؤم أحظى منك بالكرم تعفو بعدل وتسطو إن سطوت به ... فلا عدمتك من عاف ومنتقم) * «٦» . ٨-* (قال ابن المبارك- رحمه الله تعالى-: يد المعروف غنم حيث كانت ... تحمّلها شكور أو كفور ففي شكر الشّكور لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور) * «٧» . ٩-* (قال ابن الأثير: من كان عادته وطبعه كفران نعمة النّاس وترك شكره لهم كان من عادته كفر نعمة الله- وترك الشّكر له) * «٨» . ١٠-* (قال الشّنقيطيّ- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى: أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (النحل/ ٧١) : هذا إنكار من الله عليهم جحودهم بنعمته؛ لأنّ الكافر يستعمل نعم الله في معصية الله فيستعين

стр. 5054

بكلّ ما أنعم الله به عليه على معصيته؛ فإنّه يرزقهم ويعافيهم، وهم يعبدون غيره، وجحود النّعمة كفرانها) * «١» . ١١-* (قال بعض الحكماء: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفر؛ فإنّه يشكرك عليه من لا تصنعه إليه. ويقال أيضا: إعطاء الفاجر يقوّيه على فجوره، ومسألة اللّئيم إهانة للعرض، وتعليم الجاهل زيادة في الجهل، والصّنيعة عند الكفور إضاعة للنّعمة، فإذا هممت بشيء من هذا فارتد الموضع قبل الإقدام عليه أو على الفعل) * «٢» . من مضار (الجحود) (١) يسبّب غضب الرّبّ- . (٢) يعرض عنه الخلق ولا يمدّون إليه يد المساعدة. (٣) الجحود من أسباب منع النّعم ومنع نزولها وزوالها بعد حصولها. (٤) فيه تشبّه باليهود والكفّار والملحدين. (٥) يقطّع أواصر المجتمع المسلم. (٦) لا يصرف الله عن شكر نعمه إلّا غافلا أو جاهلا.

стр. 5055

الجدال والمراء الجدال لغة: مصدر قولهم: جادله يجادله جدالا ومجادلة وهو مأخوذ من مادّة (ج د ل) الّتي تدلّ على استحكام الشّيء في استرسال يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام، تقول من ذلك: جادله أي ناظره وخاصمه، والاسم من ذلك: الجدل، وهو شدّة الخصومة، وجدل الحبل: إحكام فتله، وإلى هذا المعنى أرجع الرّاغب معنى الجدال (والمجادلة) فقال: الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وكأنّ المتجادلين يفتل كلّ واحد الآخر عن رأيه، وأصله من جدلت الحبل، ومن ذلك جدلت البناء: أحكمته، والأجدل: الصّقر المحكم البنية، وقيل: الأصل في الجدال: الصّرع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة وهي الأرض الصّلبة، والجدل: اللّدد في الخصومة والقدرة عليها، ويقال رجل جدل ومجدل ومجدال إذا كان شديد الخصومة والجدل. كما يقال: جادلت الرّجل فجدلته جدلا أي غلبته. كما يأتي منه المصدر على جدال ومجادلة، ومعناه المناظرة والمخاصمة. الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٥/ ١٠/ ١٤ والرّجل مجدول إذا انقطع في الخصام. وهما يتجادلان إذا كانا يتخاصمان. والمجدل الجماعة من النّاس، وذلك لأنّ الغالب عليهم إذا اجتمعوا أن يتجادلوا، والجدال (أيضا) المخاصمة بما يشغل عن ظهور الحقّ ووضوح الصّواب، قال الفيّوميّ: هذا هو الأصل، ثمّ استعمل على لسان حملة الشّرع في مقابلة الأدلّة لظهور أرجحها. وهو محمود إذا كان للوقوف على الحقّ وإلّا فمذموم، ومن معنى الصّرع قيل: جدله جدلا، وجدّله فانجدل، وتجدّل: أي صرعه على الجدالة، وهو مجدول ومجدّل ومجندل، وأكثر ما يقال: جدّلته تجديلا، وفي الحديث أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أنا خاتم النّبيّين في أمّ الكتاب، وإنّ آدم لمنجدل في طينته» ، والمجدّل الملقى بالجدالة وهي الأرض، ومنه حديث عليّ- ﵁ حين وقف على طلحة وهو قتيل (بعد معركة الجمل) فقال: «أعزز عليّ أبا محمّد أن أراك مجدّلا تحت نجوم السّماء» أي ملقى على الأرض قتيلا «١» .

стр. 5056

الجدال اصطلاحا: الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجّة أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة، والجدال: عبارة عن مراء يتعلّق بإظهار المذاهب وتقريرها «١» . وقال المناويّ: هو مراء يتعلّق بإظهار المذاهب وتقريرها. وقيل: هو التّخاصم بما يشغل عن ظهور الحقّ ووضوح الصّواب «٢» . وقال الكفويّ: هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجّة أو شبهة وهو لا يكون إلّا بمنازعة غيره. والمجادلة: هي المنازعة في المسألة العلميّة لإلزام الخصم سواء كان كلامه فاسدا أو لا «٣» . حكم الجدال: الجدال قد يكون محمودا إذا تعلّق بإظهار الحقّ وقد أمر بذلك النّبيّ ﷺ في قوله سبحانه وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (النحل/ ١٢٥) . وقد يكون مذموما إذا شغل عن ظهور الحقّ ووضوح الصّواب، وهذا هو المقصود بقوله ﷺ : «ما أوتي الجدل قوم إلّا ضلّوا» «٤» . وقد عدّ الذّهبيّ هذا النّوع من الكبائر، وقال: إن كان الجدال للوقوف على الحقّ وتقريره كان محمودا، وإن كان الجدال في مدافعة الحقّ، أو كان بغير علم كان مذموما، وعلى هذا التّفصيل تنزّل النّصوص الواردة في إباحته وذمّه «٥» . [للاستزادة: انظر صفات: التنازع- التفرق الهجر- التخاذل- الإعراض- البذاءة- البغض سوء الظن. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الألفة- الإخاء- السماحة- المروءة- الحياء- المحبة- حسن الظن] .

стр. 5057

الآيات الواردة في «الجدال» الجدال يفسد العبادة: ١- الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧) «١» ٢- إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ (٥) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) «٢» لا جدال عن الباطل: ٣- إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) «٣» ٤- الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٢٢) ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)

стр. 5058

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥) «١» ٥- وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) «٢» ٦- وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢) «٣» ٧- قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) «٤» ٨- وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١)

стр. 5059

قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) «١» ٩- وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) «٢» ١٠- حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) «٣» ١١- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) «٤» ١٢- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) «٥» ١٣- وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) «٦» ١٤- وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)

стр. 5060

وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) «١» الجدال يكون بالحسنى: ١٥- ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) «٢» ١٦- وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) «٣» لا يجوز الجدال في الله- -: ١٧- وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) «٤» ١٨- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤) «٥» ١٩- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) «٦» ٢٠- أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١) «٧» ٢١- الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) «٨»

стр. 5061

كل نفس تجادل: ٢٢- يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) «١» ٢٣- وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦) «٢» ٢٤- قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) «٣» الآيات الواردة في «الجدال» معنى ٢٥- وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) «٤»

стр. 5062

الأحاديث الواردة في ذمّ (الجدال) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «جدال في القرآن كفر» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «الصّيام جنّة فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنّي صائم- مرّتين- والّذي نفسي بيده لخلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك. يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي. الصّيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» ) * «٢» . وفي رواية لسعيد بن منصور في سننه: «فلا يرفث ولا يجادل» «٣» . ٣-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرّأها الله ممّا قالوا ... الحديث إلى قولها: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر- «يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي؟ فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» فقام سعد بن معاذ الأنصاريّ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله. إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة- وهو سيّد الخزرج- وكان رجلا صالحا، ولكن اجتهلته الحميّة «٤» - فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير- وهو ابن عمّ سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله، لنقتلنّه، فإنّك منافق تجادل عن المنافقين ... الحديث» ) * «٥» . ٤-* (عن أبي أمامة الباهليّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : ما ضلّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلّا أوتوا الجدل، ثمّ تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (الزخرف/ ٥٨) «٦» . ٥-* (عن كعب بن مالك قال: لم أتخلّف عن غزوة غزاها رسول الله ﷺ إلّا في غزوة تبوك ... الحديث إلى أن قال فيه: فلمّا بلغني أنّ رسول الله ﷺ

стр. 5063

قد توجّه قافلا «١» من تبوك، حضرني بثّي «٢» . فطفقت «٣» أتذكّر الكذب وأقول: بم أخرج من سخطه غدا؟ وأستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي. فلمّا قيل لي: إنّ رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما زاح عنّي الباطل، حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه. وصبّح رسول الله ﷺ قادما- وكان إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس. فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون فطفقوا يعتذرون إليه- وكانوا بضعة وثمانين رجلا- فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيّتهم، وبايعهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله حتّى جئت. فلمّا سلّمت تبسّم تبسّم المغضب ثمّ قال: «تعال» فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك «٤» ؟» قال: قلت: يا رسول الله إنّي، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكنّي والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه «٥» إنّي لأرجو فيه عقبى الله، والله ما كان لي عذر. والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلّفت عنك. قال رسول الله ﷺ : «أمّا هذا فقد صدق، فقم حتّى يقضي الله فيك» ... الحديث» ) * «٦» . ٦-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ.. إلى قوله: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ (آل عمران/ ٨) . فقال: «يا عائشة: إذا رأيتم الّذين يجادلون فيه فهم الّذين عناهم الله فاحذروهم» ) «٧» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الجدال) معنى ٧-* (عن وائل بن حجر- ﵁ قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النّبيّ ﷺ فقال الحضرميّ: يا رسول الله، إنّ هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكنديّ: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حقّ. فقال رسول الله ﷺ للحضرميّ: «ألك بيّنة؟» قال: لا. قال: «فلك يمينه» . قال: يا رسول الله، إنّ الرّجل فاجر لا يبالي عن ما حلف عليه وليس يتورّع من شيء. فقال: «ليس لك منه إلّا ذلك» . فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لمّا أدبر- «أما لئن

стр. 5064

حلف على مال ليأكله ظلما ليلقينّ الله وهو عنه معرض» ) * «١» . ٨-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ قال: خرج النّبيّ ﷺ ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى «٢» رجلان من المسلمين فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرا، فالتمسوها في التّاسعة والسّابعة والخامسة» ) * «٣» . ٩-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من ترك الكذب- وهو باطل- بني له في ربض «٤» الجنّة، ومن ترك المراء- وهو محقّ- بني له في وسطها، ومن حسن خلقه بني له في أعلاها» ) * «٥» ١٠-* (عن كعب بن مالك- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السّفهاء، ويصرف به وجوه النّاس إليه أدخله الله النّار» ) * «٦» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الجدال) ١-* (قال سليمان بن داود- ﵉ لابنه: دع المراء، فإنّ نفعه قليل، وهو يهيّج العداوة بين الإخوان) * «٧» . ٢-* (عن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: هل تعرف ما يهرم الإسلام؟ قال: قلت: لا. قال: يهرمه زلّة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمّة المضلّين) * «٨» . ٣-* (وقال- ﵁ إنّه سيأتي ناس يجادلونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسّنن؛ فإنّ أصحاب السّنن أعلم بكتاب الله) * «٩» . ٤-* (قال عليّ بن أبي طالب- ﵁ لإياس بن عمر- ﵀ إنّك إن بقيت سيقرأ

стр. 5065

القرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدّنيا، ومن طلب به أدرك) * «١» . ٥-* (قال أبو الدّرداء- ﵁ لا تكون عالما حتّى تكون متعلّما، ولا تكون بالعلم عالما حتّى تكون به عاملا، وكفى بك إثما أن لا تزال مخاصما، وكفى بك إثما أن لا تزال مماريا، وكفى بك كذبا أن لا تزال محدّثا في غير ذات الله) * «٢» . ٦-* (قال ميمون بن مهران- ﵀ يوصي بعض تلامذته: «إيّاك والخصومة والجدال في الدّين، ولا تجادلنّ عالما ولا جاهلا. أمّا العالم فإنّه يحزن عنك علمه، ولا يبالي ما صنعت؛ وأمّا الجاهل فإنّه يخشّن بصدرك، ولا يطيعك» ) * «٣» . ٧-* (كتب عمر بن عبد العزيز- ﵀ إلى أهل المدينة: من تعبّد بغير علم كان ما يفسد أكثر ممّا يصلح، ومن عدّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلّا فيما يعنيه، ومن جعل دينه غرضا للخصومات كثر تنقّله) * «٤» . ٨-* (وقال- رحمه الله تعالى-: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطّمع) * «٥» . ٩-* (قال الأوزاعيّ- رحمه الله تعالى-: إذا أراد الله بقوم شرّا ألزمهم الجدل، ومنعهم العمل) * «٦» . ١٠-* (قال مسعر بن كدام- رحمه الله تعالى- يوصي ابنه كداما: إنّي منحتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب عليك شفيق أمّا المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق إنّي بلوتهما فلم أحمدهما ... لمجاور جارا ولا لرفيق والجهل يزري بالفتى في قومه ... وعروقه في النّاس أيّ عروق؟) * «٧» . ١١-* (قال مالك- رحمه الله تعالى-: قال الله تعالى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ (البقرة/ ١٩٧) الرّفث: إصابة النّساء، والفسوق: الذّبح للأنصاب، والجدال في الحجّ: أنّ قريشا كانت تقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة بقزح، وكانت العرب وغيرهم يقفون بعرفة فكانوا يتجادلون، يقول هؤلاء: نحن أصوب، ويقول هؤلاء: نحن أصوب. فقال الله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (الحج/ ٦٧) . فهذا الجدال) * «٨» . ١٢-* (قال سهل بن عبد الله التّستريّ- رحمه الله تعالى- لرجل سأله متى يعلم الرّجل أنّه من أهل السّنّة والجماعة؟ فقال: إذا عرف من نفسه عشر

стр. 5066

خصال: لا يترك الجماعة، ولا يسبّ أصحاب النّبيّ ﷺ ، ولا يخرج على هذه الأمّة بالسّيف، ولا يكذّب بالقدر، ولا يشكّ في الإيمان، ولا يماري في الدّين، ولا يترك الصّلاة على من يموت من أهل القبلة بالذّنب، ولا يترك المسح على الخفّين، ولا يترك الجماعة (أو قال الجمعة) خلف كلّ وال جار أو عدل) * «١» . ١٣-* (قال خالد بن برمك: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به مكروه: العجلة، واللّجاجة، والعجب، والتّواني، فثمرة العجلة النّدامة، وثمرة اللّجاجة الحيرة، وثمرة العجب البغضة، وثمرة التّواني الذّلّ) * «٢» . ١٤-* (روي عن يزيد بن هارون- رحمه الله تعالى- أنّه كان جالسا في مجلس فذكر حديث الرّؤية، فقال له رجل في المجلس: يا أبا خالد ما معنى هذا الحديث؟ فغضب وقال: ما أشبهك بصبيغ وأحوجك إلى مثل ما فعل به «٣» . ويلك، ومن يدري كيف هذا؟ ومن يجوز له أن يجاوز هذا القول الّذي جاء به الحديث أو يتكلّم فيه بشيء من تلقاء نفسه إلّا من سفه نفسه واستخفّ بدينه؟ إذا سمعتم الحديث عن رسول الله ﷺ فاتّبعوه ولا تبتدعوا فيه، فإنّكم إن اتّبعتموه ولم تماروا فيه سلمتم، وإن لم تفعلوا هلكتم) * «٤» . من مضار (الجدال) (١) الجدال يحرم صاحبه من الوصول إلى الحقّ ومعرفة الرّشد. (٢) يورث البغضاء والكراهية. (٣) يحذر منه النّاس ويتحاشونه. (٤) سبب للمعاقبة بالحرمان من السّعادة الّتي يحظى بها الباحث عن الحقّ. (٥) طول ممارسته يغري بالتّمادي في الباطل. (٦) يؤدّي إلى سوء العاقبة بالحرمان من المنزلة العالية في الجنّة.

стр. 5067

الجزع الجزع لغة: مصدر قولهم: جزع يجزع جزعا، وهو مأخوذ من مادّة (ج ز ع) الّتي تدلّ على الانقطاع، من ذلك جزعت الرّملة إذا قطعتها، وجزع الوادي، وهو الموضع الّذي يقطعه من أحد جانبيه إلى الجانب الآخر، والجزع نقيض الصّبر؛ لأنّ فيه انقطاع المنّة «١» عن حمل ما نزل. يقال من ذلك: جزع يجزع جزعا، والوصف من ذلك جازع وجزع وجزع، فإذا كثر ذلك منه قيل جزوع وجزاع، والجزوع في قوله تعالى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (المعارج/ ٢٠) هو الّذي لا صبر عنده إذا مسّه الشّرّ، ويقال: أجزعه إذا أزال جزعه، ومن ذلك ما جاء في الحديث: لمّا طعن عمر- ﵁ جعل ابن عبّاس- ﵄ يجزّعه، قال ابن الأثير: أي يقول له ما يسليه ويزيل جزعه، ويقال أيضا: أجزعه الأمر، إذا أصابه بالجزع، قال أعشى باهلة: فإذا جزعنا فإنّ الشّرّ أجزعنا ... وإن صبرنا فإنّا معشر صبر وقال الرّاغب: أصل الجزع قطع الحبل من نصفه، ولتصوّر الانقطاع قيل جزع الوادي لمنقطعه، ولانقطاع اللّون بتغيّره قيل للخرز الملوّن جزع، الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٥/ ١١/ ٣ وعنه استعير قولهم لحم مجزّع إذا كان ذا لونين، ورجل جزع إذا ضعفت قوّته عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا والجزع (بسكون الزاي) مصدر جزعت الوادي إذا قطعته عرضا، وفي الحديث «أنّه وقف على محسّر فقرع راحلته فخبّت حتّى جزعه» أي قطعه، ولا يكون إلّا عرضا، ومنه حديث مسيره إلى بدر «ثمّ جزع الصّفيراء» أي قطعها عرضا، والجزيعة: القطعة من الغنم، وربّما استعملت تصغيرا لجزعة وهي القليل من اللّبن أو الماء. الجزوع ضدّ الصّبور على الشّرّ، والجزع نقيض الصّبر. جزع بالكسر، يجزع جزعا فهو جازع وجزع وجزع وجزوع. وقيل إذا كثر منه الجزع فهو جزوع وجزاع. قال الله تعالى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (المعارج/ ٢٠- ٢١) «٢» . واصطلاحا: قال المناويّ: الجزع حزن يصرف الإنسان عمّا هو بصدده، ويقطعه عنه قهرا «٣» ، وهو أبلغ من الحزن. وقال الجاحظ: الجزع خلق مركّب من الخرق والجبن «٤» . وقال أيضا: الجزع مستقبح (ومكروه) إذا لم يكن مجديا ولا مفيدا، فأمّا إظهار الجزع لتمحّل حيلة

стр. 5068

بذلك عند الوقوع في الشّدّة، أو استغاثة مغيث، أو اجتلاب معين فغير مكروه ولا يعدّ نقيصة «١» . أسباب الجزع: ذكر الماورديّ للجزع أسبابا عديدة منها: ١- تذكّر المصاب حتّى لا يتناساه، وتصوّره حتّى لا يعزب عنه، ولا يجد من التّذكار سلوة، ولا يخلط مع التّصوّر تعزية، وقد قال عمر بن الخطّاب- ﵁ لا تستفزّوا الدّموع بالتّذكّر. وقال الشّاعر: «ولا يبعث الأحزان مثل التّذكّر» . ٢- الأسف وشدّة الحسرة فلا يرى من مصابه خلفا، ولا يجد لمفقوده بدلا؛ فيزداد بالأسف ولها، وبالحسرة هلعا. ولذلك قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ (الحديد/ ٢٣) . وقال بعض الشّعراء: إذا بليت فثق بالله وارض به ... إنّ الّذي يكشف البلوى هو الله إذا قضى الله فاستسلم لقدرته ... ما لامريء حيلة فيما قضى الله اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسنّ فإنّ الصّانع الله ٣- كثرة الشّكوى، وبثّ الجزع، فقد قيل في قوله تعالى: فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا (المعارج/ ٥) إنّه الصّبر الّذي لا شكوى فيه ولا بثّ. روى أنس بن مالك أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ما صبر من بثّ» . وحكى كعب الأحبار أنّه مكتوب في التّوراة: من أصابته مصيبة فشكا إلى النّاس، فإنّما يشكو ربّه. وحكي أنّ أعرابيّة دخلت من البادية، فسمعت صراخا في دار فقالت: ما هذا؟ فقيل لها: مات لهم إنسان، فقالت: ما أراهم إلّا من ربّهم يستغيثون، وبقضائه يتبرّمون، وعن ثوابه يرغبون. وقد قيل في منثور الحكم: من ضاق قلبه اتّسع لسانه. ٤- اليأس من جبر مصابه، وطلابه، فيقترن بحزن الحادثة قنوط الإياس، فلا يبقى معهما صبر، ولا يتّسع لهما صدر. وقد قيل: المصيبة بالصّبر أعظم المصيبتين. وقال ابن الرّوميّ: اصبري أيّتها النف ... س فإنّ الصّبر أحجى ربّما خاب رجاء ... وأتى ما ليس يرجى وأنشد بعض أهل العلم: أتحسب أنّ البؤس للحرّ دائم ... ولو دام شيء عدّه النّاس في العجب لقد عرّفتك الحادثات ببؤسها ... وقد أدّبت إن كان ينفعك الأدب ولو طلب الإنسان من صرف دهره ... دوام الّذي يخشى لأعياه ما طلب ٥- أن يغرى بملاحظة من حيطت سلامته، وحرست نعمته، حتّى التحف بالأمن والدّعة، واستمتع بالثّروة والسّعة «٢» . بين الجزع والفزع والهلع والخوف: الفزع هو انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشّيء المخيف، وهو من جنس الجزع، وذلك مثل الفزع من دخول النّار «٣» ، وقد سوّى بعضهم بين الفزع والذّعر «٤» ، وذهب آخرون إلى جعله بمعنى

стр. 5069

الخوف «١» ، والأرجح ما ذكره الرّاغب من أنّ الفزع ناتج عن الخوف (الشّديد) وليس مساويا له «٢» ، أمّا الهلع فهو أشدّ الجزع والضّجر «٣» ، وهذه الأمور الأربعة وإن كانت متقاربة في معناها العام، إلّا أنّها مختلفة في الدّرجة والكيفيّة، فأوّل ذلك الخوف، فإن زاد وصاحبه اضطراب وانقباض صار فزعا، فإذا زاد الفزع وأقعد صاحبه عن العمل وأورثه حزنا، أصبح جزعا، فإن زاد الجزع صار هلعا. الفرق بين الجزع ورقة القلب: والفرق بين رقّة القلب والجزع أنّ الجزع ضعف في النّفس وخوف في القلب يمدّه شدّة الطّمع والحرص ويتولّد من ضعف الإيمان بالقدر وإلّا فمتى علم أنّ المقدّر كائن ولا بدّ كان الجزع عناء محضا ومصيبة ثانية. أمّا رقّة القلب فإنّها من الرّحمة وقد كان رسول الله ﷺ أرقّ النّاس قلبا وأبعدهم من الجزع، فرقّة القلب رأفة ورحمة، وجزعه مرض وضعف، فالجزع حال قلب مريض بالدّنيا قد غشيه دخان النّفس الأمّارة فأخذ بأنفاسه وضيّق عليه مسالك الآخرة وصار في سجن الهوى والنّفس وهو سجن ضيّق الأرجاء مظلم المسلك فانحصار القلب وضيقه يجعله يجزع من أدنى ما يصيبه ولا يحتمله فإذا أشرق فيه نور الإيمان واليقين بالوعد وامتلأ من محبّة الله وإجلاله رقّ وصارت فيه الرّأفة والرّحمة فتراه رحيما رفيق القلب بكلّ ذي قربى ومسلم يرحم النّملة في جحرها والطّير في وكره فضلا عن بنيي جنسه فهذا أقرب القلوب من الله تعالى «٤» . علاج الجزع والهلع: لقد أوضح القرآن الكريم علاج هذه الأمور القلبيّة في قوله سبحانه إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً إِلَّا الْمُصَلِّينَ فأوضح بجلاء لا ريب فيه أنّ الصلاة تقي صاحبها هذه المشاعر القلبيّة، يقول ابن بطّال: المراد من الآيات الكريمة إثبات خلق الله تعالى للإنسان بأخلاقه من الهلع والصّبر، والمنع والإعطاء، وقد استثنى الله المصلّين الّذين هم على صلاتهم دائمون، لا يضجرون بتكرّرها عليهم «٥» . وفي السّنّة المطهّرة ما يفيد تأثير الصّلاة في راحة القلب بها، ويدلّ على ذلك، قوله ﷺ «يا بلال أقم الصّلاة أرحنا بها» . وكان ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصّلاة «٦» . وأمّا ذكر الله ، قال تعالى أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «٧» . وإضافة إلى الصّلاة والذّكر، فإنّ الرّضا بقضاء الله- والتّذرّع بالصّبر الجميل ممّا يساعد على التّخلّص من هذه الأمور ونحوها «٨» . [للاستزادة: انظر صفات: اليأس- الحزن- الضعف- القنوط- الوهن- القلق- الشك- صغر الهمة- السخط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الصبر والمصابرة- الاحتساب- التفاؤل- علو الهمة- قوة الإرادة- الرضا- اليقين] .

стр. 5070

الآيات الواردة في «الجزع» ١- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) «١» ٢- إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) «٢» الآيات الواردة في «الجزع» معنى* ٣- وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) «٣» ٤- وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) «٤» ٥- إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) «٥»

стр. 5071

الأحاديث الواردة في ذمّ (الجزع) ١-* (عن عمرو بن تغلب- ﵁: أنّ رسول الله ﷺ أتي بمال، أو سبي، فقسمه، فأعطى رجالا وترك رجالا. فبلغه أنّ الّذين ترك عتبوا، فحمد الله ثمّ أثنى عليه ثمّ قال: «أمّا بعد فو الله إنّي لأعطي الرّجل والّذي أدع أحبّ إليّ من الّذي أعطي، ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع، وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، فيهم عمرو بن تغلب» ، فو الله ما أحبّ أنّ لي بكلمة رسول الله ﷺ حمر النّعم» ) * «١» . ٢-* (عن جابر- ﵁ أنّ الطّفيل ابن عمرو الدّوسيّ أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ فأبى ذلك النّبيّ ﷺ للّذي ذخر الله للأنصار، فلمّا هاجر النّبيّ ﷺ إلى المدينة هاجر إليه الطّفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص «٢» له فقطع بها براجمه «٣» فشخبت «٤» يداه حتّى مات فرآه الطّفيل بن عمرو في منامه، فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطّيا يديه فقال ما صنع بك ربّك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيّه ﷺ . فقال: ما لى أراك مغطّيا يديك؟ قال: قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت، فقصّها الطّفيل على رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ وليديه فاغفر» ) * «٥» . ٣-* (عن محمود بن لبيد أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أحبّ الله قوما ابتلاهم. فمن صبر فله الصّبر ومن جزع فله الجزع» ) * «٦» . ٤-* (عن عائشة- ﵂ قالت: إنّا كنّا أزواج النّبيّ ﷺ عنده جميعا لم تغادر منّا واحدة فأقبلت فاطمة- ﵍ تمشي- ولا والله ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله ﷺ فلمّا رآها رحّب قال: «مرحبا بابنتي ثمّ أجلسها عن يمينه- أو عن شماله- ثمّ سارّها فبكت بكاء شديدا، فلمّا رأى حزنها سارّها الثّانية فإذا هي تضحك. فقلت لها أنا من بين نسائه: خصّك رسول الله ﷺ بالسّرّ من بيننا ثمّ أنت تبكين؟ فلمّا قام رسول الله ﷺ سألتها: عمّ سارّك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله ﷺ سرّه. فلمّا توفّي قلت لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحقّ لما أخبرتني. قالت: أمّا الآن فنعم، فأخبرتني قالت: أمّا حين سارّني في الأمر الأوّل فإنّه أخبرني أنّ جبريل كان يعارضه بالقرآن كلّ سنة مرّة، وأنّه قد عارضني به العام مرّتين، ولا أرى الأجل إلّا قد

стр. 5072

اقترب، فاتّقي الله واصبري، فإنّي نعم السّلف أنا لك. قالت: فبكيت بكائي الّذي رأيت. فلمّا رأى جزعي سارّني الثّانية قال: يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين، أو سيّدة نساء هذه الأمّة؟» ) * «١» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعمّه: «قل: لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» قال: لولا أن تعيّرني قريش. يقولون: إنّما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك. فأنزل الله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ (القصص/ ٥٦) » ) * «٢» . ٦-* (عن صهيب- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى العصر همس- والهمس في بعض قولهم تحرّك شفتيه كأنّه يتكلّم- فقيل له: إنّك يا رسول الله إذا صلّيت العصر همست قال: إنّ نبيّا من الأنبياء كان أعجب بأمّته فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فأوحى الله إليه أن خيّرهم بين أن أنتقم منهم وبين أن أسلّط عليهم عدوّهم، فاختار النّقمة فسلّط عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفا. قال: وكان إذا حدّث بهذا الحديث حدّث بهذا الحديث الآخر. قال: كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يكهن له، فقال الكاهن: انظروا لي غلاما فهما- أو قال فطنا لقنا- فأعلّمه علمي هذا ... الحديث، وفيه: فقال الغلام للملك: إنّك لا تقتلني حتّى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني: باسم الله ربّ هذا الغلام. قال: فأمر به فصلب ثمّ رماه، فقال باسم الله ربّ هذا الغلام. قال: فوضع الغلام يده على صدغه حين رمي ثمّ مات، فقال النّاس: لقد علم هذا الغلام علما ما علمه أحد، فإنّا نؤمن بربّ هذا الغلام. قال: فقيل للملك أجزعت أن خالفك ثلاثة؟ فهذا العالم كلّهم قد خالفوك. قال: فخذّ أخدودا ثمّ ألقى فيها الحطب والنّار، ثمّ جمع النّاس، فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النّار، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود. قال: يقول الله تعالى: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ* النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ حتّى بلغ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (البروج/ ٤- ٨) » قال: فأمّا الغلام فإنّه دفن. فيذكر أنّه أخرج في زمن عمر بن الخطّاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل) * «٣» ٧-* (عن جندب بن عبد الله- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الّذي كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع «٤» فأخذ سكّينا فحزّ «٥» بها يده، فما رقأ الدّم «٦» حتّى مات. قال الله تعالى (بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنّة» ) * «٧» .

стр. 5073

الأحاديث الواردة في ذمّ (الجزع) معنى ٨-* (عن سهل بن سعد- ﵁ أنّ رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النّبيّ ﷺ ، فنظر النّبيّ ﷺ فقال: «من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النّار فلينظر إلى هذا، فأتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدّ النّاس على المشركين حتّى جرح فاستعجل الموت، فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتّى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرّجل إلى النّبيّ ﷺ مسرعا فقال: أشهد أنّك رسول الله. فقال: وما ذاك؟ قال قلت لفلان من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النّار فلينظر إليه- وكان من أعظمنا غناء عن المسلمين- فعرفت أنّه لا يموت على ذلك. فلمّا جرح استعجل الموت فقتل نفسه. فقال النّبيّ ﷺ عند ذلك: «إنّ العبد ليعمل عمل أهل النّار وإنّه من أهل الجنّة، ويعمل عمل أهل الجنّة وإنّه من أهل النّار، وإنّما الأعمال بالخواتيم» ) * «١» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر فقال لرجل ممّن يدّعي الإسلام: هذا من أهل النّار. فلمّا حضر القتال قاتل الرّجل قتالا شديدا فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله، الّذي قلت إنّه من أهل النّار فإنّه قاتل اليوم قتالا شديدا، وقد مات. فقال النّبيّ ﷺ إلى النّار. قال: فكاد بعض النّاس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل إنّه لم يمت، ولكنّ به جراحا شديدة، فلمّا كان من اللّيل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه. فأخبر النّبيّ ﷺ بذلك فقال: الله أكبر. أشهد أنّي عبد الله ورسوله. ثمّ أمر بلالا فنادى في النّاس: إنّه لا يدخل الجنّة إلّا نفس مسلمة وإنّ الله ليؤيّد هذا الدّين بالرّجل الفاجر» ) * «٢» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «الّذي يخنق نفسه يخنقها في النّار «٣» والّذي يطعنها يطعنها في النّار» ) * «٤» . ١١-* (عن جابر بن سمرة- ﵁ قال: مرض رجل فصيح عليه، فجاء جاره إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّه قد مات. قال: ما يدريك؟ قال: أنا رأيته. قال رسول الله ﷺ : إنّه لم يمت ... الحديث وفيه: ثمّ انطلق الرّجل فرآه قد نحر نفسه بمشقص معه فانطلق إلى النّبيّ ﷺ فأخبره أنّه قد مات. فقال: ما يدريك؟ قال: رأيته ينحر نفسه بمشاقص معه. قال: أنت رأيته؟ قال: نعم قال: إذا لا أصلّي عليه» ) * «٥» .

стр. 5074

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الجزع) ١-* (لمّا طعن عمر جعل يألم. فقال له ابن عبّاس- ﵄ وكأنّه يجزّعه- «١» : يا أمير المؤمنين، ولئن كان ذاك لقد صحبت رسول الله ﷺ فأحسنت صحبته، ثمّ فارقته وهو عنك راض، ثمّ صحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثمّ فارقته وهو عنك راض، ثمّ صحبت صحبتهم فأحسنت صحبتهم، ولئن فارقتهم لتفارقنّهم وهم عنك راضون. قال: أمّا ما ذكرت من صحبة رسول الله ﷺ ورضاه فإنّما ذاك منّ من الله تعالى منّ به عليّ. وأمّا ما ذكرت من صحبة أبي بكر ورضاه فإنّما ذاك منّ من الله جلّ ذكره- منّ به عليّ، وأمّا ما ترى من جزعي فهو من أجلك وأجل أصحابك. والله لو أنّ لي طلاع الأرض ذهبا لافتديت به من عذاب الله- قبل أن أراه» ) * «٢» ٢-* (قال الشّاعر: لا تجزعنّ لخطب ما به حيل ... تغني وإلّا فلا تعجز عن الحيل وقدر شكر الفتى لله نعمته ... كقدر صبر الفتى للحادث الجلل) * «٣» . ٣- قال ابن كثير عند قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً (يونس/ ١٢) . يخبر تعالى عن الإنسان وضجره وقلقه إذا مسّه الضّرّ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (فصلت/ ٥١) أي كثير، وهما في معنى واحد، وذلك لأنّه إذا أصابته شدّة قلق لها، وجزع منها، وأكثر الدّعاء عند ذلك فدعا الله في كشفها ورفعها عنه ... ) * «٤» . من مضار (الجزع) (١) سوء الظّنّ بالله وعدم الثّقة به سبحانه. (٢) انتفاء كمال الإيمان. (٣) عدم الرّضا بالمقدور وعجزه عن فعل المأمور. (٤) استحقاق العذاب في الآخرة. (٥) قلق النّفس واضطرابها. (٦) الجزع يشقى به جلساؤه ويملّه أقرباؤه.

стр. 5075

الجفاء الجفاء لغة: الجفاء بالمدّ نقيض البرّ، وهو مأخوذ من مادّة (جفو) الّتي تدلّ على نبوّ الشّيء عن الشّيء، يقول ابن فارس: «الجيم والفاء والحرف المعتلّ يدلّ على أصل واحد: نبوّ الشّيء عن الشّيء، من ذلك جفوت الرّجل أجفوه، وهو ظاهر الجفوة، أي الجفاء» «١» . ويقول الجوهريّ: وقد جفوت الرّجل أجفوه جفاء فهو مجفوّ، ولا تقل جفيت، ويقول الفيّوميّ: وجفوت الرّجل أجفوه، أعرضت عنه، وهو مأخوذ من جفاء السّيل وهو ما نفاه السّيل، وقد يكون مع بغض، وجفا الثّوب يجفو إذا غلظ فهو جاف، ومنه جفاء البدو، وهو غلظتهم، وفظاظتهم «٢» . ويقول ابن منظور: جفا الشّيء يجفو جفا، وتجافى: لم يلزم مكانه كالسّرج يجفو عن الظّهر، وكالجنب يجفو عن الفراش. والجفاء: البعد. وأجفيته أنا: أنزلته عن مكانه. وجفا جنبه عن الفراش وتجافى: نبا عنه ولم يطمئنّ عليه. وفي التّنزيل: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ (السجدة/ ١٦) . قيل في تفسير هذه الآية: إنّهم كانوا يصلّون في اللّيل. وفي الحديث: أنّه كان ﷺ يجافي عضديه عن جنبيه في السّجود، أي يباعدهما، وأجفاه إذا أبعده. ومنه الحديث: «اقرؤوا القرآن ولا تجفوا عنه» . أي تعاهدوه ولا تبعدوا عن تلاوته، وفي الحديث أيضا: «غير الغالي فيه والجافي» . وفي الحديث عن أبي هريرة- ﵁ الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٨/ ٢١/ ٦ قال: قال النّبيّ ﷺ : «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنّة، والبذاء من الجفاء والجفاء في النّار» . وفي الحديث الآخر: «من بدا جفا» ، أي من سكن البادية غلظ طبعه لقلّة مخالطة النّاس. والجفاء: غلظ الطّبع. قال اللّيث: الجفوة الزم في ترك الصّلة من الجفاء. والجفاء يكون في الخلقة والخلق. يقال رجل جافي الخلقة وجافي الخلق إذا كان كزّا غليظ العشرة والخرق في المعاملة والتّحامل عند الغضب والسّورة على الجليس. وقال هند بن أبي هالة وفي صفته ﷺ : ليس بالجافي المهين، أي ليس بالغليظ الخلقة ولا الطّبع، أو ليس بالّذي يجفو أصحابه، ويقال: فلان ظاهر الجفوة بالكسر أي ظاهر الجفاء، ورجل فيه جفوة وجفوة، وإنّه لبيّن الجفوة بالكسر فإذا كان هو المجفوّ قيل: به جفوة «٣» . واصطلاحا: قال المناويّ: الجفاء (بفتح الجيم) الغلظ في العشرة والخرق في المعاملة وترك الرّفق في الأمور «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: الجحود- الحمق- سوء المعاملة- الطيش- العنف- القسوة- العبوس- سوء الظن- عقوق الوالدين. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الرفق- البر- الرحمة- صلة الرحم- العطف- الحلم- حسن المعاملة- حسن العشرة- حسن الظن- بر الوالدين] .

стр. 5076

الآيات الواردة في «الجفاء» معنى ١- ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) «١» ٢- فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) «٢» ٣- فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) «٣» ٤- فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) «٤» ٥- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) «٥» ٦- أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) «٦» ٧- أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) «٧» ٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) «٨»

стр. 5077

الأحاديث الواردة في ذمّ (الجفاء) ١-* (عن أبي تميمة الهجيميّ- ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو محتب بشملة له وقد وقع هدبها على قدميه، فقلت: أيّكم محمّد أو رسول الله ﷺ ؟ فأومأ بيده إلى نفسه. فقلت: يا رسول الله، إنّي من أهل البادية وفيّ جفاؤهم فأوصني. فقال: «لا تحقرنّ من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإن امرؤ شتمك بما يعلم فيك فلا تشتمه بما تعلم فيه، فإنّه يكون لك أجره وعليه وزره، وإيّاك وإسبال الإزار؛ فإنّ إسبال الإزار من المخيلة، وإنّ الله لا يحبّ المخيلة، ولا تسبّنّ أحدا» فما سببت بعده أحدا ولا شاة ولا بعيرا) * «١» . ٢-* (عن عبد الرّحمن بن شبل- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «اقرؤوا القرآن، فإذا قرأتموه فلا تستكبروا به، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا «٢» عنه، ولا تأكلوا به» وقال: «إنّ النّساء هم أصحاب النّار» فقال رجل: يا رسول الله، أليس أمّهاتنا وأخواتنا «٣» وبناتنا فذكر كفرهنّ لحقّ الزّوج وتضييعهنّ لحقّه) * «٤» . ٣-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من إجلال الله إكرام ذي الشّيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السّلطان المقسط» ) * «٥» . ٤-* (عن أبي مسعود البدريّ- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ ، قال: «الإيمان هاهنا- وأشار بيده إلى اليمن- والجفاء وغلظ القلوب في الفدّادين «٦» عند أصول أذناب الإبل من حيث يطلع قرنا الشّيطان ربيعة ومضر» ) * «٧» . ٥-* (عن أبي بكرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحياء من الإيمان. والإيمان في الجنّة. والبذاء من الجفاء «٨» والجفاء في النّار» ) * «٩» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال:

стр. 5078

كان رسول الله، ﷺ يوما بارزا للنّاس فأتاه رجل فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، وكتابه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث الآخر» . قال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصّلاة المكتوبة وتؤتي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: يا رسول الله، ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه فإنّك إن لا تراه فإنّه يراك» فقال: يا رسول الله، متى السّاعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السّائل، ولكن سأحدّثك عن أشراطها. إذا ولدت الأمة ربّها فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة الجفاة رؤوس النّاس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاة البهم «١» في البنيان فذلك من أشراطها في خمس لا يعلمهنّ إلّا الله ثمّ تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (لقمان/ ٣٤) . ثمّ أدبر الرّجل، فقال رسول الله ﷺ : «ردّوا عليّ الرّجل» فأخذوا ليردّوه فلم يروا شيئا. فقال: «هذا جبريل- ﵇ جاء ليعلّم النّاس دينهم» ) * «٢» . ٧-* (عن البراء- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من بدا جفا «٣» » ) * «٤» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الجفاء) معنى ٨-* (عن عائشة- ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: «أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم» ) * «٥» . ٩-* (عن عوف بن مالك بن الطّفيل- هو ابن الحارث وهو ابن أخي عائشة زوج النّبيّ ﷺ لأمّها «أنّ عائشة حدّثت؛ أنّ عبد الله بن الزّبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهينّ عائشة أو لأحجرنّ عليها. فقالت: أهو قال هذا؟ قالوا: نعم. قالت: هو لله عليّ نذر أن لا أكلّم ابن الزّبير أبدا. فاستشفع ابن الزّبير إليها حين طالت الهجرة، فقالت: لا. والله لا أشفّع فيه أبدا، ولا أتحنّث إلى نذري. فلمّا طال ذلك على ابن الزّبير كلّم المسور بن مخرمة وعبد الرّحمن بن الأسود بن عبد يغوث- وهما من بني زهرة- وقال لهما: أنشدكما بالله لما أدخلتماني على عائشة؛ فإنّها لا يحلّ لها أن تنذر قطيعتي. فأقبل به المسور

стр. 5079

وعبد الرّحمن مشتملين بأرديتهما حتّى استأذنا على عائشة فقالا: السّلام عليك ورحمة الله وبركاته، أندخل؟ قالت عائشة: ادخلوا. قالوا: كلّنا؟ قالت: نعم. ادخلوا كلّكم. ولا تعلم أنّ معهما ابن الزّبير فلمّا دخلوا دخل ابن الزّبير الحجاب فاعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرّحمن يناشدانها إلّا ما كلّمته وقبلت منه، ويقولان: إنّ النّبيّ ﷺ نهى عمّا قد علمت من الهجرة، فإنّه لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، فلمّا أكثروا على عائشة من التّذكرة والتّحريج طفقت تذكّرهما وتبكي وتقول: إنّي نذرت والنّذر شديد. فلم يزالا بها حتّى كلّمت ابن الزّبير. واعتقت في نذرها ذلك أربعين رقبة. وكانت تذكر نذرها بعد ذلك فتبكي حتّى تبلّ دموعها خمارها) * «١» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله قال: من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنّه. وما تردّدت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» ) * «٢» . ١١-* (عن محمّد بن جبير بن مطعم يحدّث أنّه: بلغ معاوية وهم عنده في وفد من قريش أنّ عبد الله بن عمرو يحدّث أنّه سيكون ملك من قحطان، فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد فإنّه بلغني أنّ رجالا منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله ﷺ ، وأولئك جهّالكم، فإيّاكم والأمانيّ الّتي تضلّ أهلها، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلّا كبّه الله في النّار على وجهه ما أقاموا الدّين» ) * «٣» . تابعه نعيم عن ابن المبارك عن معمر عن الزّهريّ عن محمّد بن جبير. ١٢-* (عن عائشة أمّ المؤمنين- ﵂ أنّها قالت: أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّالحة في النّوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح، ثمّ حبّب إليه الخلاء. فكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه (وهو التّعبّد) اللّيالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّد لذلك. ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها. حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ قال: «ما أنا بقارىء» قال: «فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ. قال: ما أنا بقارىء. قال: فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني «٤»

стр. 5080

فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (العلق/ ١- ٣) . فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده. فدخل على خديجة بنت خويلد- ﵂ فقال: «زمّلوني زمّلوني» . فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي. فقالت خديجة: كلّا. والله ما يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عمّ خديجة وكان امرأ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عمّ اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا النّاموس الّذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا «١» ، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثمّ لم ينشب «٢» ورقة أن توفّي، وفتر الوحي) * «٣» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «تفتح أبواب الجنّة يوم الاثنين، ويوم الخميس، فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا إلّا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء. فيقال: أنظروا هذين حتّى يصطلحا، أنظروا هذين حتّى يصطلحا، أنظروا هذين حتّى يصطلحا» ) * «٤» . ١٤-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم إذا كنت عنّي راضية، وإذا كنت عليّ غضبى» ، قالت: فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ فقال: «أمّا إذا كنت عنّي راضية فإنّك تقولين: لا. وربّ محمّد، وإذا كنت غضبى قلت لا وربّ إبراهيم» ، قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلّا اسمك» ) * «٥» . ١٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا تهجر امرأة فراش زوجها إلّا لعنتها ملائكة الله- » ) * «٦» . ١٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تهجّروا «٧» ، ولا تدابروا، ولا
следующие страницы →