← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

ارتكابا للكبيرة فكيف إذا أخذ المال، أو جرح أو قتل أو فعل عدّة كبائر مع ما يغلب على القطّاع من ترك الصلاة وإنفاق ما يأخذونه في الخمر والزنا «١» . أنواع الحرب وحكمها في الإسلام: للحرب نوعان: الأوّل: الحرب المشروعة، وهي الّتي يخوضها المسلمون دفاعا عن أرواحهم وأعراضهم، وهذه الحرب نوع من الجهاد وهي لا تخرج عن حالتين: ١- الدفاع الشرعيّ ضدّ العدوان الواقع على الجماعة الإسلاميّة أو على حرّيّة الدولة الإسلاميّة. ٢- الإغاثة الواجبة لشعب مسلم أو حليف عاجز عن الدفاع عن نفسه أو فتح البلدان غير المسلمة لنشر دين الله «٢» . وهذه الحرب المشروعة فرض كفاية وقد تصبح فرض عين على كلّ مسلم ومسلمة في حالات كثيرة، كما إذا دخل الكفّار المقاتلون بلاد الإسلام. الثاني: الحرب غير المشروعة وهي المقصودة باعتبارها صفة ذميمة منهيّا عنها ولها صور عديدة منها: أ- أن يقتتل المسلمون فيما بينهم من أجل زعامة أو طمع في حقّ الغير، والذمّ هنا متوجّه لمن يبدأ بالقتال. ب- أن يقاتل أصحاب المذاهب الدينيّة بعضهم بعضا لنصرة مذهبهم كما في اقتتال السنّة والشيعة. ج- أن يقاتل أصحاب الأحزاب والشيع السياسيّة بعضهم بعضا لنصرة هذا الحزب أو ذلك. د- أن يتقاتل المسلمون والذمّيون في الوطن الواحد وذلك كما حدث في لبنان. كلّ ذلك يذمّ البادىء به والمتسبّب فيه ويتحمّل مسؤوليّته من أشعل نار الحرب أمام الله- وعامّة المسلمين. [للاستزادة: انظر صفات: البغي- الطغيان- العتو- العدوان- الفتنة- الظلم- الطمع- الأذى القسوة- اتباع الهوى. وفي ضد ذلك: انظر صفات: تكريم الإنسان السلم- الصلح- الإنصاف- الزهد- القناعة- الرضا] .

стр. 5112

الآيات الواردة في «الحرب» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) «١» ٢- إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤) «٢» ٣- وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤) «٣» ٤- فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧) «٤» ٥- وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) «٥» ٦- فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) «٦»

стр. 5113

الأحاديث الواردة في ذمّ (الحرب والمحاربة) ١-* (عن النعمان بن بشير- ﵄ قال: استأذن أبو بكر- ﵁ على النبيّ ﷺ فسمع صوت عائشة عاليا، فلمّا دخل تناولها ليلطمها، وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ، فجعل النبيّ ﷺ يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبا، فقال النبيّ ﷺ حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟» قال: فمكث أبو بكر أيّاما، ثمّ استأذن على رسول الله ﷺ فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبيّ ﷺ : «قد فعلنا قد فعلنا» ) * «١» . ٢-* (عن أبي قلابة؛ أنّه كان جالسا خلف عمر بن عبد العزيز فذكروا وذكروا، فقالوا وقالوا قد أقادت بها الخلفاء، فالتفت إلى أبي قلابة وهو خلف ظهره فقال: ما تقول يا عبد الله بن زيد؟ أو قال: ما تقول يا أبا قلابة؟ قلت: ما علمت نفسا حلّ قتلها في الإسلام إلّا رجل زنى بعد إحصان، أو قتل نفسا بغير نفس، أو حارب الله ورسوله ﷺ . فقال عنبسة: حدّثنا أنس بكذا وكذا. قلت: إيّاي حدّث أنس، قال: قدم قوم على النبيّ ﷺ فكلّموه فقالوا: قد ٢ ستوخمنا «٢» هذه الأرض، فقال: «هذه نعم لنا تخرج لترعى فاخرجوا فيها، فاشربوا من ألبانها وأبوالها» فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحّوا، ومالوا على الراعي فقتلوه، واطّردوا «٣» النعم فما يستبطأ من هؤلاء قتلوا النفس، وحاربوا الله ورسوله، وخوّفوا رسول الله ﷺ فقال: «سبحان الله» فقلت: تتّهمني؟ قال: حدّثنا بهذا أنس. قال: وقال: يأهل كذا، إنّكم لن تزالوا بخير ما أبقي هذا فيكم ومثل هذا) * «٤» . ٣-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: «حاربت قريظة والنضير، فأجلى بني النضير وأقرّ قريظة ومنّ عليهم حتّى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلّا بعضهم لحقوا بالنّبيّ ﷺ فآمنهم وأسلموا. وأجلى يهود المدينة كلّهم: بني قينقاع وهم رهط عبد الله بن سلام، ويهود بني حارثة، وكلّ يهود المدينة) * «٥» . ٤-* (عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الحرب خدعة «٦» » ) * «٧» . ٥-* (عن المسور بن مخرمة ومروان- رضي

стр. 5114

الله عنهما- يصدّق كلّ منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية حتّى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبيّ ﷺ : «إنّ خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين» فو الله ما شعر بهم خالد حتّى إذا هم بقترة «١» الجيش، فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبيّ ﷺ ، حتّى إذا كان بالثّنيّة الّتي يهبط عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حل حل «٢» . فألحّت. فقالوا: خلأت «٣» القصواء فقال النبيّ ﷺ : «ما خلأت القصواء. وما ذاك لها بخلق. ولكن حبسها «٤» حابس الفيل. ثمّ قال: «والّذي نفسي بيده لا يسألونني خطّة يعظّمون فيها حرمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها» ثمّ زجرها فوثبت. قال: فعدل عنهم حتّى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرّضه الناس تبرّضا «٥» ، فلم يلبّثه الناس حتّى نزحوه، وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش؛ فانتزع سهما من كنانته، ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالرّيّ حتّى صدروا عنه فبينما هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعيّ في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة- فقال: إنّي تركت كعب بن لؤيّ وعامر بن لؤيّ نزلوا أعداد مياه الحديبية، ومعهم العوذ «٦» . المطافيل، وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت. فقال رسول الله ﷺ : «إنّا لم نجىء لقتال أحد، ولكنّا جئنا معتمرين، وإنّ قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددتهم مدّة ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلّا فقد جمّوا. وإن هم أبوا فوالّذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي «٧» ، ولينفذنّ الله أمره» . الحديث وفيه: إلى أن قال: ثمّ رجع النبي ﷺ إلى المدينة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الّذي جعلت لنا، فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتّى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إنّي لأرى سيفك هذا يا فلان جيّدا، فاستلّه الآخر فقال: أجل والله إنّه لجيّد، لقد جرّبت به ثمّ جرّبت به ثمّ جرّبت به فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتّى برد «٨» ، وفرّ الآخر حتّى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال رسول الله ﷺ حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا» ، فلمّا انتهى إلى النبيّ ﷺ قال: قتل والله صاحبي وإنّي لمقتول. فجاء

стр. 5115

أبو بصير فقال: يا نبيّ الله، قد والله أوفى الله ذمّتك قد رددتني إليهم، ثمّ أنجاني الله منهم. قال النبيّ ﷺ : «ويل أمّه مسعر حرب لو كان له أحد» ، فلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم، فخرج حتّى أتى سيف البحر «١» . قال وينفلت منهم أبو جندل بن سهيل فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلّا لحق بأبي بصير، حتّى اجتمعت منهم عصابة، فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلّا اعترضوا لها. فقتلوهم وأخذوا أموالهم فأرسلت قريش إلى النبيّ ﷺ تناشده الله والرحم لمّا أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبيّ ﷺ إليهم، فأنزل الله تعالى (الفتح/ ٢٤) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ حتّى بلغ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ وكانت حميّتهم أنّهم لم يقرّوا أنّه نبيّ الله، ولم يقرّوا ببسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت) * «٢» . ٦-* (عن عبيد الله بن كعب- وكان من أعلم الأنصار- أنّ أباه كعب بن مالك- وكان كعب ممّن شهد العقبة وبايع رسول الله ﷺ بها- قال: خرجنا في حجّاج قومنا من المشركين وقد صلّينا وفقهنا ومعنا البراء بن معرور كبيرنا وسيّدنا فلمّا توجّهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال: البراء لنا: يا هؤلاء إنّي قد رأيت والله رأيا، وإنّي والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قال: قلنا له: وما ذاك؟ قال قد رأيت أن لا أدع هذه البنيّة منّي بظهر- يعني الكعبة- وأن أصلّي إليها، قال: فقلنا: والله ما بلغنا أنّ نبيّنا يصلّي إلّا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه فقال: إنّي أصلّي إليها فقلنا له: لكنّا لا نفعل، فكنّا إذا حضرت الصلاة صلّينا إلى الشام وصلّى إلى الكعبة حتّى قدمنا مكّة، قال أخي: وقد كنّا عبنا عليه ما صنع، وأبى إلّا الإقامة عليه، فلمّا قدمنا مكّة قال: يابن أخي انطلق إلى رسول الله ﷺ فاسأله عمّا صنعت في سفري هذا، فإنّه والله قد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إيّاي فيه، قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنّا لا نعرفه لم نره قبل ذلك، فلقينا رجل من أهل مكّة فسألناه عن رسول الله ﷺ فقال: هل تعرفانه؟ قال: قلنا: لا. قال: فهل تعرفان العبّاس بن عبد المطلّب عمّه؟ قلنا: نعم. قال: وكنّا نعرف العبّاس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا. قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العبّاس. قال: فدخلنا المسجد فإذا العبّاس جالس ورسول الله ﷺ معه جالس، فسلّمنا ثمّ جلسنا إليه، فقال رسول الله ﷺ للعبّاس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم. هذا البراء بن معرور سيّد قومه، وهذا كعب بن مالك قال: فو الله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : «الشاعر؟» قال: نعم. قال: فقال البراء ابن معرور: يا نبيّ الله إنّي خرجت في سفري هذا وهداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنيّة منّي بظهر، فصلّيت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك حتّى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله؟ قال: لقد كنت على قبلة لو صبرت

стр. 5116

عليها، قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله ﷺ فصلّى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنّه صلّى إلى الكعبة حتّى مات وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم. قال: وخرجنا إلى الحجّ فواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيّام التشريق فلمّا فرغنا من الحجّ، وكانت الليلة الّتي وعدنا رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو ابن حرام أبو جابر، سيّد من سادتنا وكنّا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلّمناه وقلنا له: يا أبا جابر إنّك سيّد من سادتنا وشريف من أشرافنا، وإنّا نرغب بك عمّا أنت فيه أن تكون حطبا للنّار غدا، ثمّ دعوته إلى الإسلام وأخبرته بميعاد رسول الله ﷺ ، فأسلم وشهد معنا العقبة وكان نقيبا قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتّى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ فنتسلّل مستخفين تسلّل القطا حتّى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائهم نسيبة بنت كعب أمّ عمارة إحدى نساء بني مازن بن النجّار وأسماء بنت عمرو بن عديّ بن ثابت إحدى نساء بني سلمة وهي أمّ منيع، قال: فاجتمعنا بالشّعب ننتظر رسول الله ﷺ حتّى جاءنا ومعه يومئذ عمّه العبّاس بن عبد المطّلب وهو يومئذ على دين قومه إلّا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثّق له، فلمّا جلسنا كان العبّاس بن عبد المطّلب أوّل متكلّم فقال: يا معشر الخزرج- قال: وكانت العرب ممّا يسمّون هذا الحيّ من الأنصار الخزرج، أوسها وخزرجها- إنّ محمّدا منّا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممّن هو على مثل رأينا فيه وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده. قال: فقلنا قد سمعنا ما قلت فتكلّم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربّك ما أحببت. قال: فتكلّم رسول الله ﷺ فتلا ودعا إلى الله- ورغّب في الإسلام، قال: «أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم» قال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثمّ قال: نعم. والّذي بعثك بالحقّ لنمنعنّك ممّا نمنع منه أزرنا، فبايعنا رسول الله ﷺ فنحن أهل الحروب وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر قال: فاعترض القول والبراء يكلّم رسول الله ﷺ أبو الهيثم بن التّيهان حليف بني عبد الأشهل فقال: يا رسول الله إنّ بيننا وبين الرجال حبالا وإنّا قاطعوها- يعني العهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال: فتبسّم رسول الله ﷺ ثمّ قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم، وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» وقد قال رسول الله ﷺ لى: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم» فأخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا، منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، وأمّا معبد ابن كعب فحدّثني في حديثه عن أخيه عن أبيه كعب ابن مالك قال: كان أوّل من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثمّ تتابع القوم، فلمّا بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قطّ: يأهل الجباجب- والجباجب المنازل- هل لكم في مذمّم والصباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ قال عليّ:- يعني ابن إسحاق- ما يقول

стр. 5117

عدوّ الله محمّد؟ فقال رسول الله ﷺ : «هذا أذبّ العقبة هذا ابنه أذيب، اسمع أي عدوّ الله، أما والله لأفرغنّ لك» ثمّ قال رسول الله ﷺ «ارفعوا إلى رحالكم» قال: فقال له العبّاس بن عبادة بن نضلة: والّذي بعثك بالحقّ لئن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا، قال: فقال رسول الله ﷺ : «لم أومر بذلك» قال: فرجعنا فنمنا حتّى أصبحنا فلمّا أصبحنا غدت علينا جلّة قريش حتّى جاؤونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنّه قد بلغنا أنّكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، والله إنّه ما من العرب أحد أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينه منكم، قال: فانبعث من هنالك من مشركي قومنا يحلفون لهم بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه، وقد صدقوا لم يعلموا ما كان منّا، قال فبعضنا ينظر إلى بعض، قال: وقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزوميّ، وعليه نعلان جديدان، قال: فقلت كلمة كأنّي أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا، ما تستطيع يا أبا جابر وأنت سيّد من سادتنا أن تتّخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟ فسمعها الحارث فخلعها «١» ثمّ رمى بهما إليّ فقال: والله لتنتعلنّهما. قال: يقول أبو جابر: أحفظت والله الفتى فاردد عليه نعليه. قال: فقلت والله لا أردّهما قال: والله صلح، والله لئن صدق الفأل لأسلبنّه. فهذا حديث كعب بن مالك من العقبة وما حضر منها) * «٢» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما سالمناهنّ «٣» منذ حاربناهنّ، ومن ترك شيئا منهنّ خيفة فليس منّا» ) * «٤» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: نظر النبيّ ﷺ إلى عليّ والحسن والحسين وفاطمة، فقال: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» ) * «٥» .

стр. 5118

الأحاديث الواردة في ذمّ (الحرب والمحاربة) معنى ٩-* (عن أبي النضر، عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبيّ ﷺ ، يقال له عبد الله بن أبي أوفى. فكتب إلى عمر بن عبيد الله، حين سار إلى الحروريّة «١» . يخبره أنّ رسول الله ﷺ كان في بعض أيّامه الّتي لقي فيها العدوّ، ينتظر حتّى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال: «يأيّها الناس لا تتمنّوا لقاء العدوّ «٢» واسألوا الله العافية «٣» . فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السيوف» ثمّ قام النبيّ ﷺ وقال: «اللهمّ منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» ) * «٤» . ١٠-* (عن عائشة أمّ المؤمنين- ﵂ أنّها قالت: أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح. ثمّ حبّب إليه الخلاء. وكان يخلو بغار حراء ويتحنّث فيه- وهو التعبّد- الليالي أولات العدد- قبل أن ينزع إلى أهله. ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها. حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارئ» . قال: «فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثانية حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثالثة، ثمّ أرسلني. فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (العلق/ ١- ٣» ) . فرجع بها رسول الله ﷺ يرجف فؤاده. حتّى دخل على خديجة بنت خويلد- ﵂ فقال: «زمّلوني، زمّلوني» فزمّلوه حتّى ذهب عنه الروع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر. قال: «لقد خشيت على نفسي» . فقالت خديجة: كلّا. والله ما يخزيك الله أبدا. إنّك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة ابن نوفل بن أسد بن عبد العزّى ابن عمّ خديجة وكان امرأ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي عمّ اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الّذي نزّل الله على موسى، يا ليتني

стр. 5119

فيها جذعا، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثمّ لم ينشب ورقة أن توفّي، وفتر الوحي) * «١» . ١١-* (عن سلمة بن الأكوع ... الحديث وفيه: قال: ثمّ خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا. بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون «٢» . فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل الليلة. كأنّه طليعة للنّبيّ ﷺ وأصحابه. قال سلمة: فرقيت تلك الليلة مرّتين أو ثلاثا. ثمّ قدمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ بظهره «٣» مع رباح غلام رسول الله ﷺ وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة أندّيه «٤» مع الظهر. فلمّا أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاريّ قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ . فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. قال: فقلت: يا رباح خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله ﷺ أنّ المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثمّ قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثا: يا صباحاه! ثمّ خرجت في آثار القوم أرميهم بالنبل. وأرتجز أقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضّع فألحق رجلا منهم. فأصكّ سهما في رحله «٥» . حتّى خلص نصل السهم إلى كتفه. قال قلت: خذها: وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضّع قال: فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم «٦» ، فإذا رجع إليّ فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها، ثمّ رميته، فعقرت به، حتّى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه «٧» ، علوت الجبل. فجعلت أردّيهم بالحجارة «٨» . قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتّى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ «٩» إلّا

стр. 5120

خلّفته وراء ظهري «١» . وخلّوا بيني وبينه. ثمّ اتّبعتهم «٢» أرميهم. حتّى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة وثلاثين رمحا. يستخفّون «٣» . ولا يطرحون شيئا إلّا جعلت عليه آراما «٤» من الحجارة. يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه. حتّى أتوا متضايقا من ثنيّة «٥» فإذا هم قد أتاهم فلان ابن بدر الفزاريّ. فجلسوا يتضحّون (يعني يتغدّون) . وجلست على رأس قرن «٦» . قال الفزاريّ: ما هذا الّذي أرى؟ قالوا: لقينا، من هذا، البرح، والله ما فارقنا منذ غلس يرمينا حتّى انتزع كلّ شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال: فصعد إليّ منهم أربعة في الجبل. قال: فلمّا أمكنوني من الكلام قال قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال قلت: أنا سلمة بن الأكوع. والّذي كرّم وجه محمّد ﷺ لا أطلب رجلا منكم إلّا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظنّ. قال: فرجعوا. فما برحت مكاني حتّى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخلّلون الشجر «٧» . قال: فإذا أوّلهم الأخرم الأسدي. على إثره أبو قتادة الأنصاريّ. وعلى إثره المقداد بن الأسود الكنديّ. قال: فأخذت بعنان الأخرم قال: فولّوا مدبرين. قلت: يا أخرم احذرهم. لا يقتطعوك حتّى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنار حقّ، فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال: فخلّيته. فالتقى هو وعبد الرحمن. قال: فعقر بعبد الرحمن فرسه. وطعنه عبد الرحمن فقتله. وتحوّل على فرسه. ولحق أبو قتادة، فارس رسول الله ﷺ بعبد الرحمن. فطعنه فقتله. فو الّذي كرّم وجه محمّد ﷺ لتبعتهم أعدو على رجليّ. حتّى ما أرى ورائي، من أصحاب محمّد ﷺ ولا غبارهم، شيئا. حتّى يعدلوا قبل غروب الشمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد «٨» . ليشربوا منه وهم عطاش. قال: فنظروا إليّ أعدو وراءهم. فحلّيتهم عنه «٩» (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدّون في ثنيّة.

стр. 5121

قال: فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكّه بسهم في نغض «١» كتفه. قال: قلت: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضّع قال: يا ثكلته أمّه أكوعه بكرة «٢» . قال: قلت: نعم. يا عدوّ نفسه أكوعك بكرة. قال: وأردوا «٣» فرسين على ثنيّة. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ . قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن «٤» وسطيحة فيها ماء. فتوضّأت وشربت. ثمّ أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الّذي حلأتهم عنه «٥» . فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل. وكلّ شيء استنقذته من المشركين وكلّ رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الّذي «٦» استنقذت من القوم. وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال: قلت: يا رسول الله خلّني فأنتخب من القوم مائة رجل. فأتّبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلّا قتلته. قال: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه «٧» في ضوء النار. فقال: «يا سلمة أتراك كنت فاعلا؟» قلت: نعم والّذي أكرمك. فقال: «إنّهم الآن ليقرون «٨» في أرض غطفان» قال: فجاء رجل من غطفان. فقال: نحر لهم فلان جزورا. فلمّا كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين. فلمّا أصبحنا قال رسول الله ﷺ : «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجّالتنا سلمة» قال: ثمّ أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الراجل. فجمعهما لي جميعا. ثمّ أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء «٩» راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدّا «١٠» . قال: فجعل يعيد ذلك. قال: فلمّا سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا. إلّا أن يكون رسول الله ﷺ قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمّي، ذرني فلأسابق الرجل. قال: «إن شئت» قال: قلت: اذهب

стр. 5122

إليك وثنيت رجليّ فطفرت «١» فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي «٢» ثمّ عدوت في إثره. فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثمّ إنّي رفعت حتّى ألحقه «٣» . قال: فأصكّه بين كتفيه. قال: قلت: قد سبقت والله. قال: أنا أظنّ «٤» قال: فسبقته إلى المدينة» قال: فو الله ما لبثنا إلّا ثلاث ليال حتّى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ . قال: فجعل عمّي «٥» عامر يرتجز بالقوم: تا الله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبّت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله ﷺ : «من هذا؟» قال: أنا عامر. قال: «غفر لك ربّك» قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصّه إلّا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطّاب، وهو على جمل له: يا نبيّ الله لولا ما متّعتنا بعامر. قال: فلمّا قدمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه «٦» ويقول: قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السلاح «٧» بطل مجرّب «٨» إذا الحروب أقبلت تلهّب قال: وبرز له عمّي عامر، فقال: قد علمت خيبر أنّي عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر «٩» قال: فاختلفا ضربتين: فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له «١٠» . فرجع سيفه على نفسه. فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النبيّ ﷺ يقولون: بطل عمل عامر. قتل نفسه. قال: فأتيت النبيّ ﷺ وأنا أبكي. فقلت: يا رسول الله بطل عمل عامر؟. قال رسول الله ﷺ : «من قال ذلك؟» قال

стр. 5123

قلت: ناس من أصحابك. قال: «كذب من قال ذلك «١» بل له أجره مرّتين» . ثمّ أرسلني إلى عليّ، وهو أرمد. فقال: «لأعطيّن الراية رجلا يحبّ الله ورسوله، أو يحبّه الله ورسوله» قال: فأتيت عليّا فجئت به أقوده، وهو أرمد «٢» . حتّى أتيت به رسول الله ﷺ . فبسق «٣» في عينيه فبرأ. وأعطاه الراية. وخرج مرحب فقال: قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرّب إذا الحروب أقبلت تلهّب فقال عليّ: أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره «٤» ... كليث غابات «٥» كريه المنظره أو فيهم بالصّاع كيل السندره «٦» قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثمّ كان الفتح على يديه) * «٧» . ١٢-* (عن الزهريّ قال: كان محمّد بن جبير ابن مطعم يحدّث أنّه: بلغ معاوية وهم عنده في وفد من قريش أن عبد الله بن عمرو يحدّث أنّه سيكون ملك من قحطان، فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّه بلغني أنّ رجالا منكم يحدّثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله ﷺ ، وأولئك جهّالكم، فإيّاكم والأمانيّ الّتي تضلّ أهلها، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلّا كبّه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين» ) * «٨» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النبيّ ﷺ ، أنّه قال: «من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات ميتة جاهليّة «٩» . ومن قاتل تحت راية عمّيّة «١٠» ، يغضب لعصبة «١١» ، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة، فقتل، فقتله «١٢» جاهليّة.

стр. 5124

ومن خرج على أمّتي، يضرب برّها وفاجرها. ولا يتحاشى «١» من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه» ) * «٢» . ١٤-* (عن جندب بن عبد الله البجليّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قتل تحت راية عمّيّة، يدعو عصبيّة، أو ينصر عصبيّة، فقتلة جاهليّة» ) * «٣» . ١٥-* (عن أبي الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة «٤» ؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك. قال: كنّا نخبر أنّهم أربعة عشر. فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر. وأشهد بالله أنّ اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد. وعذر ثلاثة. قالوا: ما سمعنا منادي رسول الله ﷺ ولا علمنا بما أراد القوم. وقد كان في حرّة «٥» فمشى فقال: «إنّ الماء قليل. فلا يسبقني إليه أحد» فوجد قوما قد سبقوه. فلعنهم يومئذ) * «٦» . من الآثار الواردة في ذمّ (الحرب والمحاربة) ١-* (قال ابن الجوزيّ: «عداوة الأقارب صعبة وربّما دامت كحرب بكر وتغلب ابني وائل وعبس وذبيان ابني بغيض، والأوس والخزرج ابني قيلة» ) * «٧» . قال الحافظ: ركدت هذه الحروب أربعين عاما. ٢-* (قال زهير بن أبي سلمى: وما الحرب إلّا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم «٨» مّتى تبعثوها «٩» تبعثوها ذميمة ... وتضر «١٠» إذا ضرّيتموها فتضرم فتعرككم «١١» عرك الرحى بثفالها «١٢» ... وتلقح كشافا «١٣» ثمّ تنتج فتتئم «١٤»

стр. 5125

فتنتج لكم غلمان أشأم كلّهم ... كأحمر عاد «١» ثمّ ترضع فتفطم فتغلل لكم ما لا تغلّ لأهلها «٢» ... قرى بالعراق من قفيز ودرهم) * «٣» من مضار (الحرب والمحاربة) (١) الحروب ابتلاء وسخط من الله يسلّطها على من خالف أمره. (٢) فيها خراب البلاد وإضاعة الأموال وإزهاق الأرواح. (٣) تورث الفقر والدمار للمحروبين. (٤) تشيع العداوة والبغضاء وتنتج أجيالا ضائعة.

стр. 5126

الحزن* الحزن لغة: مصدر قولهم: حزن يحزن، وهو مأخوذ من مادّة (ح ز ن) الّتي تدلّ على خشونة في الشيء وشدّة فيه، فمن ذلك: الحزن وهو ما غلظ من الأرض، والحزن (ضدّ الفرح) ، يقال: حزنني الشيء يحزنني، وقد قالوا: أحزنني، وقال الرّاغب: الحزن والحزن: خشونة في الأرض، وخشونة في النفس لما يحصل فيها من الغمّ، وقول الله تعالى: وَلا تَحْزَنُوا (آل عمران/ ١٣٩) وقوله جلّ من قائل: وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ (الحجر/ ٨٨) فليس ذلك بنهي عن تحصيل الحزن، فالحزن ليس يحصل بالاختيار، ولكنّ النهي في الحقيقة إنّما هو عن تعاطي ما يورث الحزن، وعن اكتسابه. وقال الجوهريّ: الحزن والحزن خلاف السرور، يقال: حزن الرجل (بالكسر) فهو حزن وحزين وأحزنه غيره وحزنه مثل أسلكه وسلكه، وقال بعضهم: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم، وقد قرىء بهما، واحتزن وتحزّن بمعنى، والحزانة: عيال الرجل الّذي يتحزّن بأمرهم، ويقال: فلان يقرأ بالتّحزين: إذا أرقّ صوته به. وقال ابن منظور: الحزن والحزن نقيض الفرح، وهو خلاف السرور، والجمع أحزان، وقد حزن، الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٠/ ١٢/ ٤ () بالكسر حزنا وتحازن وتحزّن. ورجل حزنان ومحزان: شديد الحزن. وحزنه الأمر يحزنه حزنا وأحزنه فهو محزون ومحزن وحزين وحزن ... قال سيبويه: أحزنه، جعله حزينا، وحزّنه جعل فيه حزنا «١» . واصطلاحا: الحزن: عبارة عمّا يحصل لوقوع مكروه، أو فوات محبوب في الماضي «٢» . وقال المناويّ: الحزن (بالضّمّ) هو الغمّ الحاصل لوقوع مكروه أوفوات محبوب، ويضادّه الفرح «٣» . وقال الكفويّ: الحزن: غمّ يلحق من فوات نافع أو حصول ضارّ، وقال بعضهم: الخوف علّة المتوقّع والحزن علّة الواقع «٤» . الفرق بين الحزن والجزع: إنّ الجزع حزن يصرف الإنسان عمّا هو بصدده ويقطعه عنه، وهو أبلغ من الحزن لأنّ الحزن عامّ، يشمل ما يصرف الإنسان وما لا يصرفه عمّا هو بصدده «٥» . [للاستزادة: انظر صفات القنوط- الكرب- العبوس- اليأس- الذل- الضعف- الوهن- التخاذل- السخط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: السرور- البشاشة- الرضا- طلاقة الوجه- الفرح- البشارة- الرجولة- الطموح- الصبر والمصابرة- الاحتساب] .

стр. 5127

الآيات الواردة في «الحزن» النهي عن الحزن على المصائب: ١- وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) «١» ٢-* إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) «٢» ٣- قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) «٣» ٤- وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) «٤» الحزن بمعنى الخوف: ٥- إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) «٥» ٦- قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) «٦» ٧- (*) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) «٧»

стр. 5128

٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) «١» الحزن بمعنى الغمّ: ٩- أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) «٢» ١٠- قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) «٣» ١١- وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١) (*) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) «٤» ١٢- وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) «٥»

стр. 5129

١٣- إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) «١» ١٤- الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) «٢» النهي عن الحزن على الكافرين أو منهم: ١٥- (*) يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) «٣» ١٦- وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) «٤» ١٧- قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) «٥» ١٨- وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) «٦» ١٩- (*) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) «٧» ٢٠- فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) «٨»

стр. 5130

الأحاديث الواردة في ذمّ (الحزن) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب. وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا. ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءا من النبوّة، والرؤيا ثلاثة: فرؤيا الصالحة «١» بشرى من الله. ورؤيا تحزين من الشيطان. ورؤيا ممّا يحدّث المرء نفسه. فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصلّ ولا يحدّث بها الناس» ) * «٢» . ٢-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا صار أهل الجنّة إلى الجنّة، وصار أهل النار إلى النار، أتي بالموت حتّى يجعل بين الجنّة والنار. ثمّ يذبح. ثمّ ينادي مناد: يأهل الجنّة لا موت. ويأهل النار لا موت. فيزداد أهل الجنّة فرحا إلى فرحهم. ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم» ) * «٣» . ٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر. حتّى تختلطوا بالنّاس، من أجل أن يحزنه» ) * «٤» . ٤-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: إنّ النبيّ ﷺ قال: لأبي طلحة: «التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حتّى أخرج إلى خيبر. فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرا يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدين «٥» ، وغلبة الرجال» ) * «٦» . ٥-* (عن عائشة- ﵂ أنّها كانت تأمر بالتّلبين للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ التلبينة «٧» تجمّ فؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن» ) * «٨» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همّ ولا حزن ولا أذى ولا غمّ حتّى الشوكة يشاكها إلّا كفّر الله بها من خطاياه» ) * «٩» .

стр. 5131

الأحاديث الواردة في ذمّ (الحزن) معنى ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: «إذا حضر المؤمن «١» أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيّا عنك، إلى روح الله وريحان، وربّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتّى إنّه ليناوله بعضهم بعضا، حتّى يأتون به باب السماء، فيقولون: ما أطيب هذه الريح الّتي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين فلهم أشدّ فرحا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه فإنّه كان في غمّ الدنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمّه الهاوية. وإنّ الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى عذاب الله- فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتّى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتّى يأتون به أرواح الكفّار» ) * «٢» . ٨-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قرأ رسول الله ﷺ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ (مريم/ ٣٩) قال: «يؤتى بالموت كأنّه كبش أملح حتّى يوقف على السور بين الجنّة والنار، فيقال: يأهل الجنّة فيشرئبّون، ويقال: يأهل النار فيشرئبّون، فيقال: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضجع فيذبح، فلولا أنّ الله قضى لأهل الجنّة الحياة فيها والبقاء، لماتوا فرحا. ولولا أنّ الله قضى لأهل النار الحياة فيها والبقاء لماتوا ترحا» ) * «٣» . ٩-* (عن عائشة- ﵂ زوج النبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا، أقرع بين نسائه. فأيّتهنّ خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه ... الحديث، وفيه: «وكان الّذي تولّى كبره. عبد الله بن أبيّ ابن سلول. فقدمنا المدينة. فاشتكيت، حين قدمنا المدينة شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أنّي لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الّذي كنت أرى منه حين أشتكى. إنّما يدخل رسول الله ﷺ فيسلّم ثمّ يقول: «كيف تيكم؟» فذاك يريبني، ولا أشعر بالشّرّ، حتّى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أمّ مسطح قبل المناصع «٤» . وهو متبرّزنا، ولا نخرج إلّا ليلا إلى ليل. وذلك قبل أن نتّخذ الكنف قريبا من بيوتنا. وأمرنا أمر العرب الأوّل في التنزّه. وكنّا نتأذّى بالكنف أن نتّخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأمّ مسطح، وهي بنت أبي رهم ابن المطّلب بن عبد مناف، وأمّها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصدّيق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عبّاد ابن المطّلب. قالت: فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل

стр. 5132

بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أمّ مسطح في مرطها، فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبّين رجلا قد شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه: أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك. فازددت مرضا إلى مرضي. فلمّا رجعت إلى بيتى فدخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقّن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّتاه! ما يتحدّث الناس؟ فقالت: يا بنيّة! هوّني عليك فو الله لقلّما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا كثّرن عليها. قالت: قلت: سبحان الله، وقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثمّ أصبحت أبكي ... الحديث، وفيه: قالت: وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثمّ بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها. فجلست تبكي. قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ ، فسلّم ثمّ جلس. قالت ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ حين جلس ثمّ قال: «أمّا بعد: يا عائشة فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرّئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنّ العبد إذا اعترف بذنب ثمّ تاب، تاب الله عليه» قالت فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص دمعي حتّى ما أحسّ منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله ﷺ فيما قال. فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ . فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ . فقلت، وأنا جارية حديثة السنّ، لا أقرأ كثيرا من القرآن: إنّي: والله لقد عرفت أنّكم قد سمعتم بهذا حتّى استقرّ في نفوسكم وصدّقتم به. فإن قلت لكم إنّي بريئة، والله يعلم أنّي بريئة، لا تصدّقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنّي بريئة، لتصدّقونني. وإنّي، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (يوسف/ ١٨) ... الحديث» ) * «١» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنت أدعو أمّي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله إنّي كنت أدعو أمّي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اهد أمّ أبي هريرة» فخرجت مستبشرا بدعوة النبيّ ﷺ ، فلمّا جئت فصرت إلى

стр. 5133

الباب، فإذا هو مجاف «١» فسمعت أمّي خشف قدميّ «٢» ، فقالت مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء «٣» . قال: فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثمّ قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أمّ أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال: خيرا. قال: قلت يا رسول الله ادع الله أن يحبّبني أنا وأمّي إلى عباده المؤمنين ويحبّبهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ حبّب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة- وأمّه إلى عبادك المؤمنين. وحبّب إليهم المؤمنين» فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلّا أحبّني) * «٤» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : «لا يدخل أحد الجنّة إلّا أري مقعده من النار لو أساء، ليزداد شكرا، ولا يدخل النار أحد إلّا أري مقعده من الجنّة لو أحسن ليكون عليه حسرة» ) * «٥» . ١٢-* (قال كعب بن مالك- ﵁: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قطّ، إلّا في غزوة تبوك، غير أنّي قد تخلّفت في غزوة بدر، ولم يعاتب أحدا تخلّف عنه، إنّما خرج رسول الله ﷺ والمسلمون يريدون عير قريش حتّى جمع الله بينهم وبين عدوّهم ... الحديث، وفيه: «فقال كعب بن مالك: فلمّا بلغني أنّ رسول الله قد توجّه قافلا «٦» من تبوك، حضرني بثّي ... الحديث، وفيه: قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا، أيّها الثلاثة، من بين من تخلّف عنه. قال: فاجتنبنا الناس. وقال: تغيّروا لنا حتّى تنكّرت لي في نفسي الأرض، فما هي بالأرض الّتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأمّا صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأمّا أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بردّ السلام، أم لا؟ ثمّ أصلّى قريبا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ. وإذا التفتّ نحوه أعرض عنّي، حتّى إذا طال ذلك عليّ من جفوة المسلمين، مشيت حتّى تسوّرت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمّي، وأحبّ الناس إليّ، فسلّمت عليه، فو الله ما ردّ عليّ السلام، فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمنّ أنّي أحبّ الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته، فسكت فعدت فناشدته، فقال: الله ورسوله

стр. 5134

أعلم. ففاضت عيناي، وتولّيت، حتّى تسوّرت الجدار. فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطيّ من نبط أهل الشام، ممّن قدم بالطّعام يبيعه بالمدينة. يقول: من يدلّ على كعب ابن مالك؟ قال فطفق الناس يشيرون له إليّ. حتّى جاءني فدفع إليّ كتابا من ملك غسّان- وكنت كاتبا- فقرأته فإذا فيه: أمّا بعد، فإنّه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. قال فقلت، حين قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتياممت بها التنّور فسجرتها بها، حتّى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إنّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال فقلت: أطلّقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا، بل اعتزلها فلا تقربنّها. قال فأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك. قال فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتّى يقضي الله في هذا الأمر. قال فجاءت امرأة هلال بن أميّة رسول الله ﷺ . فقالت له: يا رسول الله إنّ هلال بن أميّة شيخ ضائع ليس له خادم. فهل تكره أن أخدمه؟ قال «لا، ولكن لا يقربنّك» فقالت: إنّه، والله ما به حركة إلى شيء. وو الله مازال يبكي منذ كان من أمره ما كان، إلى يومه هذا، وقال فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أميّة أن تخدمه. قال فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ ، وما يدريني ماذا يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شابّ. قال فلبثت بذلك عشر ليال. فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا. قال ثمّ صلّيت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا. فبينا أنا جالس على الحال الّتي ذكر الله- منّا، قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع «١» يقول، بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجدا ... الحديث» ) * «٢» . من الآثار الواردة في ذمّ (الحزن) ١-* (قال إبراهيم التيميّ: «ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأنّ أهل الجنّة قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، وينبغي لمن لم يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنّة لأنّهم قالوا: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ) * «٣» . ٢-* (قال ابن القيّم- ﵀: «من أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن الله تعالى، وتعلّق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبّة سواه، فإنّ

стр. 5135

من أحبّ شيئا غير الله عذّب به، وسجن قلبه في محبّة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه. ولا أكسف بالا، ولا أنكد عيشا، ولا أتعب قلبا. ومحبّة غير الله سبحانه هي عذاب الروح، وغمّ النفس، وسجن القلب، وضيق الصدر، وهي سبب الألم والنكد والعناء» ) * «١» . ٣-* (وقال أيضا- ﵀: «البخيل الّذي ليس فيه إحسان أضيق الناس صدرا، وأنكدهم عيشا، وأعظمهم همّا وغمّا. وقد ضرب رسول الله ﷺ . مثلا للبخيل والمتصدّق، كمثل رجلين عليهما جنّتان من حديد، كلّما همّ المتصدّق بصدقة، اتّسعت عليه وانبسطت، حتّى يجرّ ثيابه ويعفّي أثره، وكلّما همّ البخيل بالصّدقة، لزمت كلّ حلقة مكانها، ولم تتّسع عليه «٢» . فهذا مثل انشراح صدر المتصدّق، وانفساح قلبه، ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه» ) * «٣» . ٤-* (وقال- ﵀:* (الجبان أضيق الناس صدرا، وأحصرهم قلبا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذّة له، ولا نعيم إلّا من جنس ما للحيوان البهيميّ. وذلك الضيق والحصر، ينقلب في القبر عذابا وسجنا. فحال العبد في القبر، كحال القلب في الصدر، نعيما وعذابا وسجنا وانطلاقا) * «٤» . من مضار (الحزن) (١) الحزن مع السخط يحبط الثواب. (٢) الّذي يحزن ويستكين للحزن لا يفطن إلى تعاليم الدين. (٣) إهلاك النفس بدون جدوى. (٤) الإضرار بالعقيدة. (٥) الّذي يحزن ويسخط في الدنيا يحزن في الآخرة أيضا. (٦) الحزن من صفات الكفّار في الآخرة. (٧) إدخال الحزن على المؤمن خاصّة فى الرؤيا من عمل الشيطان، وفي الاستكانة لذلك تحقيق لغرضه. (٨) الركون إلى الحزن قرين الهوان والضعف وعلى المسلم الحقّ ألّا يركن لذلك.

стр. 5136

الحسد الحسد لغة: الحسد مصدر قولهم: حسد يحسد ويحسد- بكسر السين وضمّها- وأصله القشر وهو مأخوذ من الحسدل وهو القراد، فالحسد يقشر القلب، كما تقشر القراد الجلد فتمتصّ دمه. وحسدتك على الشيء، وحسدتك الشيء بمعنى. يقول الفيّوميّ: «حسدته على النعمة وحسدته النعمة حسدا. بفتح السين أكثر من سكونها، يتعدّى إلى الثاني بنفسه وبالحرف إذا كرهتها عنده، وتمنّيت زوالها عنه» وهو عند أهل التحقيق غير الغبطة، لأنّ الأولى صفة المنافقين، والثانية صفة المؤمنين. قال الراغب: وروي «المؤمن يغبط، والمنافق يحسد» ومنه قوله تعالى حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ (البقرة/ ١٠٩) وقوله تعالى: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (الفلق/ ٥) وقوله ﷺ : «لا حسد إلّا في اثنتين» هو أن يتمنّى الرجل أن يرزقه الله ما لا ينفق منه في سبيل الخير، أو الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ٢٠/ ٢٤ يتمنّى أن يكون حافظا لكتاب الله، فيتلوه آناء اللّيل وأطراف النّهار، ولا يتمنّى أن يرزأ صاحب المال في ماله أو تالي القرآن في حفظه، وهذا هو الحسد المباح، وهو ما يسمّى بالغبطة، وقال ابن منظور: الحسد أن تتمنّى زوال نعمة المحسود، وحسده يحسده ويحسده حسدا وحسّده إذا تمنّى أن تتحوّل إليه نعمته وفضيلته أو يسلبهما. وتحاسد القوم، ورجل حاسد من قوم حسّد «١» . الحسد اصطلاحا: كراهة النعمة وحبّ زوالها عن المنعم عليه. وقال الجرجانيّ: الحسد تمنّي زوال نعمة المحسود إلى الحاسد «٢» . وقال الجاحظ: الحسد: هو التألّم بما يراه الإنسان لغيره وما يجده فيه من الفضائل، والاجتهاد في إعدام ذلك الغير ما هو له، وهو خلق مكروه وقبيح بكلّ أحد «٣» . وقال الماورديّ: حقيقة الحسد: شدّة الأسى

стр. 5137

على الخيرات تكون للنّاس الأفاضل «١» . وقال المناويّ: الحسد: تمنّي زوال نعمة عن مستحقّ لها، وقيل: هو ظلم ذي النعمة بتمنّي زوالها عنه وصيرورتها إلى الحاسد «٢» . وقال الكفويّ: الحسد: اختلاف القلب على الناس لكثرة الأموال والأملاك «٣» . وقال الراغب: الحسد تمنّي زوال نعمة من مستحقّ لها، وربّما كان مع ذلك سعي في إزالتها. فضيلة الابتعاد عن الحسد: قال الماورديّ- ﵀: اعلم أنّ الحسد خلق ذميم، مع إضراره بالبدن، وإفساده للدّين، حتّى لقد أمر الله بالاستعاذة من شرّه، فقال تعالى: وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (الفلق/ ٥) . وناهيك بحال ذلك شرّا، ولو لم يكن من ذمّ الحسد إلّا أنّه خلق دنيء، يتوجّه نحو الأكفاء والأقارب، ويختصّ بالمخالط والصاحب، لكانت النزاهة عنه كرما، والسلامة منه مغنما، فكيف وهو بالنّفس مضرّ، وعلى الهمّ مصرّ حتّى ربّما أفضى بصاحبه إلى التلف، من غير نكاية في عدوّ، ولا إضرار بمحسود. بين الحسد والمنافسة: إذا كان الحسد شدّة الأسى على الخيرات تكون للنّاس الأفاضل، فإنّه غير المنافسة، وربّما غلط قوم فظنّوا أنّ المنافسة في الخير هي الحسد، وليس الأمر على ما فطنوا؛ لأنّ المنافسة طلب التشبّه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم، والحسد مصروف إلى الضرر؛ لأنّ غايته أن يعدم الأفاضل فضلهم من غير أن يصير الفضل له، فهذا الفرق بين المنافسة والحسد، فالمنافسة إذن فضيلة لأنّها داعية إلى اكتساب الفضائل والاقتداء بأخيار الأفاضل، واعلم أنّه بحسب فضل الإنسان، وظهور النعمة عليه، يكون حسد الناس له، فإن كثر فضله كثر حسّاده، وإن قلّ قلّوا، لأنّ ظهور الفضل يثير الحسد، وحدوث النعمة يضاعف الكمد «٤» . الفرق بين البخل والحسد: قال الكفويّ: البخل والحسد مشتركان في أنّ صاحبهما يريد منع النعمة عن الغير، ثمّ يتميّز البخيل بعدم دفع ذي النعمة شيئا، والحاسد يتمنّى ألّا يعطى أحد سواه شيئا «٥» . الفرق بين الحسد والغبطة: قال الكفويّ: الغبطة: تمنّي الإنسان أن يكون له من الّذي لغيره من غير إرادة إذهاب ما لغيره، أمّا الحسد فهو إرادة زوال نعمة الغير، ثمّ إنّ الغبطة صفة المؤمن، والحسد صفة المنافق «٦» . دواعي الحسد: قال الماورديّ- ﵀: اعلم أنّ دواعي الحسد ثلاثة: ١- بغض المحسود، فيأسى عليه بفضيلة

стр. 5138

تظهر، أو منقبة تشكر، فيثير حسدا قد خامر بغضا وهذا النوع لا يكون عامّا، وإن كان أضرّها، لأنّه ليس يبغض كلّ الناس. ٢- أن يظهر من المحسود فضل يعجز عنه، فيكره تقدّمه فيه، واختصاصه به، فيثير ذلك حسدا لولاه لكفّ عنه، وهذا أوسطها، لأنّه لا يحسد من الأكفاء من دنا، وإنّما يختصّ بحسد من علا، وقد يمتزج بهذا النوع ضرب من المنافسة، ولكنّها مع عجز، فلذلك صارت حسدا. ٣- أن يكون في الحاسد شحّ بالفضائل، وبخل بالنّعم وليست إليه، فيمنع منها، ولا بيده، فيدفع عنها، لأنّها مواهب قد منحها الله من شاء، فيسخط على الله- في قضائه، ويحسد على ما منح من عطائه، وإن كانت نعم الله- عنده أكثر، ومنحه عليه أظهر، وهذا النوع من الحسد أعمّها وأخبثها، إذ ليس لصاحبه راحة، ولا لرضاه غاية، فإن اقترن بشرّ وقدرة كان جورا وانتقاما، وإن صادف عجزا ومهانة كان جهدا وسقاما. وأضاف الغزالي إلى ذلك أسبابا أخرى أهمّها: الخوف من فوت المقاصد، وذلك يختصّ بمتزاحمين على مقصود واحد. فإن كان واحد يحسد صاحبه في كلّ نعمة تكون عونا له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الجنس تحاسد الضرّات في التزاحم على مقاصد الزوجيّة، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلب الأبوين للتّوصّل به إلى مقاصد الكرامة والمال «١» . دواء الحسد: الحسد يعالج بأمور هي له حسم، إن صادفها عزم، فمنها: اتّباع الدين في اجتنابه، والرجوع إلى الله في آدابه فيقهر نفسه على مذموم خلقها، وينقلها عن لئيم طبعها وإن كان نقل الطباع عسرا، لكن بالرّياضة والتدريج يسهل منها ما استصعب، ويحبّب منها ما أتعب. ومنها: العقل الّذي يستقبح به من نتائج الحسد ما لا يرضيه، ويستنكف من هجنة مساويه. فيذلّل نفسه أنفة، ويطهّرها حميّة، فتذعن لرشدها، وتجيب إلى صلاحها. وهذا إنّما يصحّ لدى النفس الأبيّة، والهمّة العليّة، وإن كان ذو الهمّة يجلّ عن دناءة الحسد. ومنها: أن يستدفع ضرره، ويتوقّى أثره، ويعلم أنّ مكانته في نفسه أبلغ، ومن الحسد أبعد، فيستعمل الحزم في دفع ما كدّه وأكمده، ليكون أطيب نفسا وأهنأ عيشا. ومنها: أن يرضى بالقضاء، ويستسلم للمقدور، ولا يرى أن يغالب قضاء الله، فيرجع مغلوبا، ولا أن يعارضه في أمره، فيردّ محروما مسلوبا. فإن أظفرته السعادة بأحد هذه الأسباب، واقتادته المراشد إلى استعمال الصواب، سلم من سقامه، وخلص من غرامه، واستبدل بالنّقص فضلا، واعتاض من الذمّ حمدا، ولمن استنزل نفسه عن

стр. 5139

مذمّة، وصرفها عن لائمة هو أظهر حزما، وأقوى عزما، ممّن كفته النّفس جهادها، وأعطته قيادها «١» . قال ابن القيّم- ﵀: «ويندفع شرّ الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب: السبب الأوّل: التعوّذ بالله من شرّه، والتحصّن به واللجوء إليه. السبب الثاني: تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه. فمن اتّقى الله تولّى الله حفظه، ولم يكله إلى غيره. السبب الثالث: الصبر على عدوّه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدّث نفسه بأذاه أصلا. فما نصر على حاسده وعدوّه بمثل الصبر عليه. السبب الرابع: التوكّل على الله. فمن توكّل على الله فهو حسبه، والتوكّل من أقوى الأسباب الّتي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم. وهو من أقوى الأسباب في ذلك، فإنّ الله حسبه، أي كافيه. ومن كان الله كافيه وواقيه فلا مطمع فيه لعدوّه. السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، وأن يقصد أن يمحوه من باله كلّما خطر له. فلا يلتفت إليه، ولا يخافه، ولا يملأ قلبه بالفكر فيه. وهذا من أنفع الأدوية، وأقوى الأسباب المعينة على اندفاع شرّه. السبب السادس: وهو الإقبال على الله، والإخلاص له وجعل محبّته ورضاه والإنابة إليه في محلّ خواطر نفسه وأمانيّها تدبّ فيها دبيب تلك الخواطر شيئا حتّى يقهرها ويغمرها ويذيبها بالكلّيّة. فتبقى خواطره وهواجسه وأمانيّه كلّها في محابّ الربّ، والتقرّب إليه. السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب الّتي سلّطت عليه أعداءه. فإنّ الله تعالى يقول: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (الشورى/ ٣٠) . السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه، فإنّ لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء، ودفع العين، وشرّ الحاسد ولو لم يكن في هذا إلّا بتجارب الأمم قديما وحديثا لكفي به. فما حرس العبد نعمة الله عليه بمثل شكرها ولا عرّضها للزّوال بمثل العمل فيها بمعاصي الله. وهو كفران النعمة. وهو باب إلى كفران المنعم. السبب التاسع: وهو من أصعب الأسباب على النفس، وأشقّها عليها، ولا يوفّق له إلّا من عظم حظّه من الله، وهو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلّما ازداد أذى وشرّا وبغيا وحسدا ازددت إليه إحسانا، وله نصيحة، وعليه شفقة. وما أظنّك تصدّق بأنّ هذا يكون فضلا عن أن تتعاطاه، فاستمع الآن إلى قوله- : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ

стр. 5140

صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ* وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (فصلت/ ٣٤- ٣٦) . السبب العاشر: وهو الجامع لذلك كلّه، وعليه مدار هذه الأسباب، وهو تجريد التوحيد، والترحّل بالفكر في الأسباب إلى المسبّب العزيز الحكيم، والعلم بأنّ هذه الآلات بمنزلة حركات الرّياح، وهي بيد محرّكها، وفاطرها وبارئها، ولا تضرّ ولا تنفع إلّا بإذنه. فهو الّذي يحسن عبده بها، وهو الّذي يصرفها عنه وحده لا أحد سواه. قال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يونس/ ١٠٧) » «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الغل- الأثرة- صغر الهمة- الطمع- النقمة- البخل- الشح- السخط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الرضا- القناعة- المحبة- الإيثار- الزهد- السخاء] .

стр. 5141

الآيات الواردة في «الحسد» ١- وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) «١» ٢- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً (٥٤) «٢» ٣- سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) «٣» ٤- قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥) «٤»

стр. 5142

الأحاديث الواردة في ذمّ (الحسد) ١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّ جبريل أتى النبيّ ﷺ فقال: «يا محمّد اشتكيت؟» فقال: «نعم» . قال: «باسم الله أرقيك. من كلّ شيء يؤذيك، من شرّ كلّ نفس أو عين حاسد الله يشفيك، باسم الله أرقيك» ) * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إذا فتحت عليكم فارس والروم أيّ قوم أنتم؟» قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله «٢» قال رسول الله ﷺ : «أو غير ذلك. تتنافسون، ثمّ تتحاسدون، ثمّ تتدابرون، ثمّ تتباغضون، أو نحو ذلك، ثمّ تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض» ) * «٣» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّه سيصيب أمّتي داء الأمم» قالوا: وما داء الأمم؟ قال: «الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتّى يكون البغي ثمّ الهرج» ) * «٤» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والظنّ «٥» ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا «٦» ، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا» ) * «٧» . ٥-* (عن الزبير بن العوّام- ﵁ أنّ النبيّ ﷺ قال: «دبّ إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين، والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، أفلا أنبّئكم بما يثبت ذاكم لكم؟ أفشوا السلام بينكم» ) * «٨» . ٦-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيّ الناس أفضل؟ قال: «كلّ مخموم القلب، صدوق اللسان» قالوا: صدوق اللسان نعرفه. فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقيّ النقيّ. لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد» ) * «٩» .

стр. 5143

٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يجتمعان في النار مسلم قتل كافرا، ثمّ سدّد وقارب، ولا يجتمعان في جوف مؤمن غبار في سبيل الله، وفيح جهنّم، ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد» ) * «١» . ٨-* (عن ضمرة بن ثعلبة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» ) * «٢» . ٩-* (عن عائشة- ﵂ عن النبيّ ﷺ ، قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء، ما حسدتكم على الإسلام والتأمين» ) * «٣» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «والله لينزلنّ ابن مريم حكما عادلا. فليكسرنّ الصليب. وليقتلنّ الخنزير. وليضعنّ الجزية. ولتتركنّ القلاص «٤» فلا يسعى عليها. ولتذهبنّ الشحناء والتباغض والتحاسد وليدعونّ (وليدعونّ) إلى المال فلا يقبله أحد» ) * «٥» . ١١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما حسدت أحدا ما حسدت خديجة، وما تزّوجني رسول الله ﷺ إلّا بعد ما ماتت، وذلك أنّ رسول الله ﷺ بشّرها ببيت في الجنّة من قصب «٦» لا صخب فيه ولا نصب) * «٧» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الحسد) معنى ١٢-* (عن عمرو بن عوف- ﵁ وهو حليف بني عامر بن لؤيّ، وكان شهد بدرا مع رسول الله ﷺ ، أخبره، أنّ رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة ابن الجرّاح إلى البحرين يأتي بجزيتها. وكان رسول الله ﷺ هو صالح أهل البحرين. وأمّر عليهم العلاء بن الحضرميّ. فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين. فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة. فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ . فلمّا صلّى رسول الله ﷺ انصرف. فتعرّضوا له. فتبسّم رسول الله ﷺ حين رآهم. ثمّ قال: «أظنّكم سمعتم أنّ أبا عبيدة قدم بشيء من البحرين؟» فقالوا: أجل. يا رسول الله. قال: «فأبشروا وأمّلوا ما يسرّكم. فو الله ما الفقر أخشى

стр. 5144

عليكم، ولكنّي أخشى عليكم أن تبسط الدّنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها «١» كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم» ) * «٢» . ١٣-* (عن أمّ سلمة زوج النبيّ ﷺ ، أنّ رسول الله ﷺ قال لجارية، في بيت أمّ سلمة، زوج النبيّ ﷺ ، رأى بوجهها سفعة «٣» ، فقال: «بها نظرة «٤» ، فاسترقوا لها» (يعني بوجهها صفرة» ) * «٥» . ١٤-* (عن عائشة- ﵂ أنّ رسول الله ﷺ كان يأمرها أن تسترقي من العين) * «٦» . ١٥-* (عن أنس- ﵁ قال: رخّص رسول الله ﷺ في الرقية من العين، والحمة «٧» ، والنملة «٨» ) * «٩» . ١٦-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: رخّص النبيّ ﷺ لآل حزم في رقية الحيّة. وقال لأسماء بنت عميس: «مالي أرى أجسام بني أخي ضارعة «١٠» تصيبهم الحاجة» قالت: لا. ولكنّ العين تسرع إليهم. قال: «ارقيهم» قالت: فعرضت عليه، فقال: «ارقيهم» ) * «١١» . ١٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ ذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : «العين حقّ» ) * «١٢» . ١٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: عن النبيّ ﷺ : «العين حقّ ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغتسلوا» ) * «١٣» . ١٩-* (عن أبي سعيد- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يتعوّذ من عين الجانّ، ثمّ أعين الإنس، فلمّا نزلت المعوّذتان، أخذ بهما، وترك ما سوى ذلك) * «١٤» . ٢٠-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كان النبيّ ﷺ يعوّذ الحسن والحسين ويقول: «إنّ أباكما كان يعوّذ بهما إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامّة، من كلّ شيطان وهامّة «١٥» ، ومن كلّ عين لامّة» ) * «١٦» .

стр. 5145

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (الحسد) ١-* (قال معاوية- ﵁: ليس في خصال الشرّ أعدل من الحسد، يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود) * «١» . ٢-* (قال معاوية- ﵁: كلّ الناس أقدر على رضاه إلّا حاسد نعمة فإنّه لا يرضيه إلّا زوالها، ولذلك قيل: كلّ العداوات قد ترجى إماتتها ... إلّا عداوة من عاداك عن حسد ) «٢» ٣-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: ما كانت نعمة الله على أحد إلّا وجّه لها حاسدا) * «٣» . ٤-* (قال أبو الدرداء: ما أكثر عبد ذكر الموت إلّا قلّ فرحه وقلّ حسده) * «٤» . ٥-* (قال الحسن: يا بن آدم لم تحسد أخاك؟ فإن كان الّذي أعطاه لكرامته عليه، فلم تحسد من أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك فلم تحسد من مصيره إلى النار) * «٥» . ٦-* (قال رجل للحسن: هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب؟ نعم، ولكن غمّه في صدرك «٦» فإنّه لا يضرّك ما لم تعد به يد ولا لسان «٧» ) * «٨» . ٧-* (قال ابن سيرين- ﵀: ما حسدت أحدا على شيء من أمر الدنيا لأنّه إن كان من أهل الجنّة فكيف أحسده وهي حفيرة في الجنّة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟) * «٩» . ٨-* (قال بكر بن عبد الله: كان رجل يغشى بعض الملوك فيقوم بحذاء الملك فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه؛ فإنّ المسيء سيكفيه إساءته، فحسده رجل على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك فقال: إنّ هذا الّذي يقوم بحذائك ويقول ما يقول زعم أنّ الملك أبخر، فقال له الملك: وكيف يصحّ ذلك عندي؟ قال: تدعوه إليك، فإنّه إذا دنا منك وضع يده على أنفه لئلّا يشمّ ريح البخر، فقال له: انصرف حتّى أنظر، فخرج من عند الملك فدعا الرجل من عنده وقام بحذاء الملك على عادته فقال: أحسن إلى المحسن بإحسانه فإنّ المسيء سيكفيه إساءته، فقال له الملك: ادن منّي، فدنا منه فوضع يده على فيه مخافة أن يشمّ الملك منه رائحة الثوم، فقال الملك في نفسه: ما أرى فلانا إلّا قد صدق قال: وكان الملك لا يكتب بخطّه إلّا بجائزة أو صلة فكتب له كتابا بخطّه إلى عامل من

стр. 5146

عمّاله: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنا وابعث به إليّ، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الّذي سعى به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال خطّ الملك لي بصلة، فقال: هبه لي، فقال: هو لك، فأخذه ومضى به إلى العامل، فقال العامل: في كتابك أن أذبحك وأسلخك، قال: إنّ الكتاب ليس هو لي، فالله الله في أمري حتّى تراجع الملك، فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه وحشا جلده تبنا وبعث به، ثمّ عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فعجب الملك وقال: ما فعل الكتاب؟ فقال: لقيني فلان فاستوهبه منّي فوهبته له، قال له الملك: إنّه ذكر لي أنّك تزعم أنّي أبخر. قال: ما قلت ذلك قال: فلم وضعت يدك على فيك؟ قال: لأنّه أطعمني طعاما فيه ثوم فكرهت أن تشمّه، قال: صدقت. ارجع إلى مكانك، فقد كفي المسىء إساءته) «١» . ٩-* (قال ابن المعتزّ: الحسد داء الجسد) * «٢» . ١٠-* (وقال أيضا: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له. بخيل بما لا يملكه، طالب ما لا يجده) * «٣» . ١١-* (قال عبد الله بن المعتزّ- ﵀: اصبر على كيد الحسو ... د فإنّ صبرك قاتله فالنّار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله) * «٤» . ١٢-* (قال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنّه يغتمّ في وقت سرورك) * «٥» . ١٣-* (قال بعض الحكماء: الحسد جرح لا يبرأ، وحسب الحسود ما يلقى) * «٦» . ١٤-* (قال بعض السلف: الحسد أوّل ذنب عصي الله به في السماء، يعني حسد إبليس لآدم- ﵇ وأوّل ذنب عصي الله به في الأرض، يعني حسد ابن آدم لأخيه حتّى قتله) * «٧» . ١٥-* (قال بعضهم: الحاسد لا ينال من المجالس إلّا مذمّة وذلّا، ولا ينال من الملائكة إلّا لعنة وبغضا، ولا ينال من الخلق إلّا جزعا وغمّا، ولا ينال عند النزع إلّا شدّة وهولا، ولا ينال عند الموقف إلّا فضيحة ونكالا) * «٨» . ١٦-* (قال بعض الحكماء: من رضي بقضاء الله تعالى لم يسخطه أحد، ومن قنع بعطائه لم يدخله حسد) * «٩» . ١٧-* (قال بعض البلغاء: الناس حاسد ومحسود، ولكلّ نعمة حسود) * «١٠» . ١٨-* (قال بعض الأدباء: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحسود، نفس دائم، وهمّ لازم، وقلب هائم، فأخذه بعض الشعراء، فقال:

стр. 5147

إنّ الحسود الظّلوم في كرب ... يخاله من يراه مظلوما ذا نفس دائم على نفس ... يظهر منها ما كان مكتوما ) * «١» . ١٩- قال عبد الحميد الكاتب: الحسود من الهمّ كساقي السمّ، فإن سرى سمّه زال عنه همّه) * «٢» . ٢٠-* (وقال أيضا: أسد تقاربه خير من حسود تراقبه) * «٣» . ٢١-* (قال الشاعر: إن يحسدوني فإنّي غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد ) * «٤» . ٢٢-* (وقال آخر: يا حاسدا لي على نعمتي ... أتدري على من أسأت الأدب؟ أسأت على الله في حكمه ... لأنّك لم ترض لي ما وهب فأخزاك ربّي بأن زادني ... وسدّ عليك وجوه الطلب ) * «٥» . ٢٣-* (وقال آخر: إنّي لأرحم حاسدي من حرّ ما ... ضمّت صدورهم من الأوغار نظروا صنيع الله بي فعيونهم ... في جنّة وقلوبهم في النار ) * ٦. ٢٤-* (وقال آخر: جامل عدوّك ما استطعت فإنّه ... بالرّفق يطمع في صلاح الفاسد واحذر حسودك ما استطعت فإنّه ... إن نمت عنه فليس عنك براقد إنّ الحسود وإن أراك تودّدا ... منه أضرّ من العدوّ الحاقد ولربّما رضي العدوّ إذا رأى ... منك الجميل فصار غير معاند ورضا الحسود زوال نعمتك التي ... أوتيتها من طارف أو تالد فاصبر على غيظ الحسود فناره ... ترمي حشاه بالعذاب الخالد ) * «٧» .

стр. 5148

من مضار (الحسد) (١) إسخاط الله تعالى في معارضته، واجتناء الأوزار في مخالفته، إذ ليس يرى قضاء الله عدلا ولا لنعمه من الناس أهلا. (٢) حسرات النفس وسقام الجسد، ثمّ لا يجد لحسرته انتهاء، ولا يؤمّل لسقامه شفاء. (٣) انخفاض المنزلة، وانحطاط المرتبة. (٤) مقت الناس له، حتّى لا يجد فيهم محبّا، وعداوتهم له حتّى لا يرى فيهم وليّا، فيصير بالعداوة مأثورا وبالمقت مزجورا. (٥) يجلب النقم ويزيل النعم. (٦) منبع الشرور العظيمة ومفتاح العواقب الوخيمة. (٧) يورث الحقد والضغينة في القلب. (٨) معول هدم في المجتمع. (٩) دليل على سفول الخلق ودناءة النفس.

стр. 5149

الحقد الحقد لغة: هو الاسم من قولهم: حقد فلان يحقد، وهو مأخوذ من مادّة (ح ق د) الّتي تدلّ على الضغن، يقول ابن فارس: «الحاء والقاف والدال أصلان: أحدهما الضغن، والآخر ألّا يوجد ما يطلب، فالأوّل الحقد، والآخر قولهم: أحقد القوم إذا طلبوا الذهبة في المعدن فلم يجدوها «١» ، وقال الجوهريّ: الحقد: الضغن وجمعه أحقاد، يقال: حقد عليه وحقد عليه، وأحقده غيره، ورجل حقود «٢» . وقال ابن منظور: الحقد إمساك العداوة في القلب والتربّص لفرصتها، والحقد: الضغن، وهو الحقيدة والجمع حقائد، قال أبو صخر الهذليّ: وعدّ إلى قوم تجيش صدورهم ... بغشّي، لا يخفون حمل الحقائد يقال من ذلك: حقد عليّ يحقد حقدا، وحقد (بالكسر) حقدا وحقدا فيهما «٣» ، فالحقد: الفعل (أي المصدر) ، والحقد: الاسم (من ذلك) ، وتحقّد كحقد الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٨/ ١٣/ ١٢ () (في المعنى) ، قال جرير: ولقد جمعن مع البعاد تحقّدا ورجل حقود: كثير الحقد، وأحقده الأمر: صيّره حاقدا، وأحقده غيره (جعله يحقد) «٤» . الحقد اصطلاحا: قال الجرجانيّ: الحقد: هو طلب الانتقام، وتحقيقه: أنّ الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفّي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقدا «٥» . وقيل: هو سوء الظنّ في القلب على الخلائق لأجل العداوة «٦» . وقال الجاحظ: الحقد: هو إضمار الشرّ للجاني إذا لم يتمكّن من الانتقام منه فأخفى ذلك الاعتقاد إلى وقت إمكان الفرصة «٧» . بين الحقد والضغينة: إنّ تأمّل ما ذكره الجوهريّ وابن فارس وصاحب اللسان يشير بوضوح إلى أنّ الحقد يتساوى مع الضغينة ويرادفها تماما عند ابن فارس والجوهريّ،

стр. 5150

وجزئيّا عند ابن منظور لأنّه جعلها والضغن سواء في المعنى الثاني للحقد، فما الضغينة إذن؟ أمّا الجوهريّ فلم يزد على أن قال: الضغينة هي الحقد «١» ، ثمّ ذكر مشتقّاتها بما لا يخرج عن معنى الحقد أيضا، وكأنّ اللفظين مترادفان عنده تماما، وذهب ابن فارس إلى أنّ الضغن أصل صحيح يدلّ على تغطية الشيء في ميل واعوجاج ولا يدلّ على خير، ثمّ قال عقب ذلك: من ذلك الضغن: الحقد ... «٢» ، ومن ثمّ يكون الحقد عند ابن فارس أيضا مرادفا للضّغن له معناه نفسه، وقال ابن منظور في (ضغن) : الضغن والضغن: الحقد، والضغن: الحقد والعداوة والبغضاء «٣» ، ومنه حديث عمر- ﵁: «أيّما قوم شهدوا على رجل بحدّ، ولم يكن (ذلك) بحضرة صاحب الحدّ فإنّما شهدوا على ضغن» أي حقد وعداوة، يريد فيما كان بين الله والعباد كالزنا والشرب ونحوهما «٤» ، أمّا قول الله : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (محمد/ ٢٩) ، فقد جاء في تفسيره أنّ الضغينة: هي ما يضمر من المكروه، ثمّ اختلف في تفسيره فقيل: الغشّ، وقيل: الحسد، وقيل: الحقد «٥» ، وقال القرطبيّ: المعنى: أم حسبوا أن لن يظهر الله عداوتهم وحقدهم لأهل الإسلام «٦» ، ونخلص من ذلك إلى أنّ الضغينة والضغن قديراد بهما الحقد مطلقا، وقد يراد بهما الحقد الّذي تصاحبه العداوة ومن ثمّ فسّر الراغب الضغينة بأنّها: الحقد الشديد «٧» . الألفاظ المرادفة أو المقاربة للحقد: وردت في اللغة ألفاظ عديدة يقترب معناها من الحقد بمعناه الاصطلاحيّ، وربّما استعملت في نفس معناه منها: ١- الضغينة: إذا فسّرت كما سبق بأنّها الحقد الشديد أو الحقد المصحوب بالعداوة (الظاهرة) . ٢- النقمة: وهي الكراهية الّتي تصل إلى حدّ السخط «٨» . ٣- الغلّ: وممّن استعمل ذلك القرطبيّ في تفسيره عندما قال: الغلّ: هو الحقد الكامن في الصّدر «٩» . ٤- الدخن: وممّن استعمل الدخن في معنى الحقد أو فسّره به ابن حجر في الفتح عندما قال: الدخن: وهو الحقد «١٠» . ٥- الدخل: قال الفرّاء: هو الدغل والخديعة
следующие страницы →