← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

الردة الردة لغة: الرّدّة مصدر قولهم: ردّ يردّ ردّا وردّة، وقيل الرّدّة الاسم من الارتداد، وكلّ ذلك مأخوذ من مادّة (ردد) الّتي تدلّ على رجع الشّيء، تقول: رددت الشّيء أردّه ردّا (رجعته) ، وسمّي المرتدّ بذلك لأنّه ردّ نفسه إلى كفره والأصل في ذلك قولهم: شاة مردّ وناقة مردّة، وذلك إذا أضرعت كأنّها لم تكن ذات لبن فردّ عليها، أو ردّت هي لبنها. وقال الرّاغب: الرّدّ: صرف الشّيء بذاته أو بحالة من أحواله، ومن الرّدّ بالذّات قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ (الأنعام/ ١٢٨) ومن الرّدّ إلى حالة كان عليها قوله سبحانه: وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ، (يونس/ ١٠٧) والارتداد والرّدّة: الرّجوع؛ لكن الرّدّة تختصّ بالرّجوع إلى الكفر، والارتداد يستعمل فيه وفي غيره، وقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ (المائدة/ ٥٤) الارتداد هو الرّجوع من الإسلام إلى الكفر. الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩/ ٨/ ٣ وقال الطّبريّ: من يرجع منكم عن دينه الحقّ الّذي هو عليه اليوم فيبدّله ويغيّره بدخوله في الكفر، إمّا في النّصرانيّة أو اليهوديّة أو غير ذلك من صنوف الكفر «١» ، وقال القرطبيّ: كانت ردّتهم على قسمين: قسم نبذ الشّريعة كلّها وخرج عنها، وقسم نبذ وجوب الزّكاة واعترف بوجوب غيرها «٢» والارتداد: الرّجوع ومنه المرتدّ، وشيء ردّ أي رديء، وقال ابن منظور: الرّدّ: صرف الشّيء ورجعه، وردّه عن وجه يردّه ردّا ومردّا أو تردادا: صرفه، وهو بناء للتّكثير. وقد ارتدّ وارتدّ عنه: تحوّل. وقال الخطّابيّ- رحمه الله تعالى-: الرّدّة اسم لغويّ لكلّ من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه. وتقول: ردّ عليه الشّيء إذا لم يقبله وكذلك إذا خطّأه. واسم الفاعل منه: المرتدّ «٣» . الردة اصطلاحا: قال الكفويّ: الرّدّة: الرّجوع في الطّريق الّذي جاء منه، وكذا الارتداد؛ لكنّ الرّدّة تختصّ بالكفر وهو (أي الارتداد) أعمّ «٤» .

стр. 5252

وقال ابن قدامة: هي الإتيان بما يخرج عن الإسلام إمّا نطقا أو اعتقادا أو شكّا ينقل عن الإسلام. أمّا المرتدّ فهو الرّاجع عن دين الإسلام «١» . وقال في الإقناع (المرتدّ) : هو الّذي يكفر بعد إسلامه نطقا أو اعتقادا أو شكّا أو فعلا، ولو كان هازلا «٢» . أقسام الردة: قال عزّ الدّين بليق: قد قسّم بعض العلماء الرّدّة إلى أقسام أربعة: وهي ردّة في الاعتقاد، وردّة في الأقوال، وردّة في الأفعال، وردّة في التّرك. قال: ومن نافلة القول أنّ هذه الأقسام قد تتداخل، فمن اعتقد شيئا فقد يعبّر عنه بلسانه أو بعمل من أعماله وبذلك تتداخل هذه الأقسام «٣» . حكم المرتد: قال ابن قدامة: من ارتدّ عن الإسلام من الرّجال والنّساء وكان بالغا عاقلا دعي إليه ثلاثة أيّام، وضيّق عليه، فإن رجع (فبها ونعمت) وإلّا قتل «٤» . موقف أبي بكر- ﵁ من المرتدين: لقد كان موقف أبي بكر الصّدّيق- ﵁ من المرتدّين هو التّطبيق العمليّ لتنفيذ حكم الله فيهم، يقول الطّبريّ: عقد أبو بكر أحد عشر لواء، عقد لخالد بن الوليد وأمره بطليحة بن خويلد (المرتدّ الكذّاب) ، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة. ولعكرمة ابن أبي جهل وأمره بمسيلمة (الكذّاب) ، وللمهاجر ابن أميّة «٥» وأمره بجنود العنسيّ (من المرتدّين في اليمن) «٦» . وقد كتب إليهم مع القادة المسلمين كتابا جاء فيه: «قد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله تعالى، وجهالة بأمره، وإجابة للشّيطان ... ، وإنّي بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والأنصار والتّابعين لهم بإحسان وأمرته ألّا يقاتل أحدا ولا يقتله حتّى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرّ وكفّ وعمل صالحا، قبل منه ذلك وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثمّ لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنّار ويقتلهم كلّ قتلة، وأن يسبي النّساء والذّراريّ ولا يقبل من أحد إلّا الإسلام، فمن اتّبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت رسولي أن يقرأ كتابي في كلّ مجمع لكم، والدّاعية الأذان، فإذا أذّن المسلمون فأذّنوا كفّوا عنهم، وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم، وإن أذّنوا اسألوهم ما عليهم، فإن أبوا عاجلوهم وإن أقرّوا قبل منهم «٧» .

стр. 5253

وقد عهد- ﵁ إلى الأمراء بأن «يمنع كلّ قائد أصحابه من العجلة والفساد، وأن لا يدخل في جنوده حشوا حتّى يعرفهم ويعلم ما هم، (حتّى) لا يكونوا عيونا، ولئلّا يؤتى المسلمون من قبلهم «١» . لقد كان لحزم أبي بكر- ﵁ وصلابته في التّعامل مع هؤلاء المرتدّين أثره الواضح في استئصال شأفة الرّدّة من جميع أنحاء بلاد العرب، وحفظ بذلك وحدة الأمّة ووقاها من الهلكة، يقول ابن مسعود- ﵁ «لقد قمنا بعد رسول الله ﷺ مقاما كدنا نهلك فيه لولا أنّ الله منّ علينا بأبي بكر،.. عزم الله له على قتال المرتدّين، فو الله ما رضي منهم إلّا بالخطّة المجزية أو الحرب المجلية ... » «٢» ، نعم لقد أخزى الله المرتدّين على يديه ولم ينج منهم إلّا من هرب هائما على وجهه خاسرا الدّنيا والآخرة. للاستزادة: انظر صفات: الإلحاد- الزندقة- الضلال- الكفر- الإعراض- اتباع الهوى- الشرك. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإيمان- الهدى اليقين- الاعتصام- الطاعة- الفرار إلى الله] .

стр. 5254

الآيات الواردة في «الردة» ١- يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) «١» ٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) «٢» ٣- يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) «٣» ٤- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) «٤» ٥- إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) «٥»

стр. 5255

الآيات الواردة في «الردة» معنى ٦- وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) «١» ٧- وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) «٢» ٨- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠) «٣» ٩- قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) «٤»

стр. 5256

الأحاديث الواردة في ذمّ (الردة) ١-* (عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ﵁ قال: أشرف عثمان بن عفّان يوم الدّار فقال: أنشدكم بالله أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يحلّ دم امرىء إلّا بإحدى ثلاث: زنا بعد إحصان، أو ارتداد بعد إسلام، أو قتل نفسا بغير حقّ فقتل به» . ثمّ قال: فو الله ما زنيت في جاهليّة ولا في إسلام، ولا ارتددت منذ بايعت رسول الله ﷺ ، ولا قتلت النّفس الّتي حرّم الله، فبم تقتلونني؟) * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ قال: إنّ أبا سفيان بن حرب أخبره أنّ هرقل أرسل إليه في ركب «٢» من قريش، وكانوا تجّارا بالشّام في المدّة الّتي كان رسول الله ﷺ مادّ فيها «٣» أبا سفيان وكفّار قريش، فأتوه وهم بإيلياء، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الرّوم، ثمّ دعاه ودعا بترجمانه فقال: أيّكم أقرب نسبا بهذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا. فقال: أدنوه منّي، وقرّبوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره. ثمّ قال لترجمانه: قل لهم إنّي سائل هذا الرّجل فإن كذبني فكذّبوه، فو الله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبا لكذبت عنه. ثمّ كان أوّل ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قطّ قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف النّاس يتّبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدّة «٤» لا ندري ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنّي كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيّاه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال؛ ينال منّا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم. ويأمرنا بالصّلاة والصّدق والعفاف والصّلة. فقال للتّرجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنّه فيكم ذو نسب، فكذلك الرّسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا. فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي «٥» بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا. قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: هل كنتم تتّهمونه

стр. 5257

بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا. فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على النّاس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرّسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنّهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتّى يتمّ. وسألتك: أيرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت: أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت: أن لا. وكذلك الرّسل لا تغدر. وسألتك: بما يأمركم؟ «١» فذكرت أنّه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصّلاة والصّدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقّا فسيملك موضع قدميّ هاتين. وقد كنت أعلم أنّه خارج ولم أكن أظنّ أنّه منكم. فلو أنّي أعلم أنّي أخلص إليه لتجشّمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه) * «٢» . ٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: إنّ ناسا من عرينة «٣» قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فاجتووها «٤» فقال لهم رسول الله ﷺ : «إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصّدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها» ففعلوا فصحّوا. ثمّ مالوا على الرّعاة فقتلوهم، وارتدّوا عن الإسلام، وساقوا ذود «٥» رسول الله ﷺ فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فبعث في أثرهم، فأتي بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم «٦» ، وتركهم في الحرّة «٧» حتّى ماتوا) * «٨» . ٤-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزّبير والمقداد، قال: «انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ فإنّ بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها» فذهبنا تعادى «٩» بنا خيلنا حتّى أتينا الرّوضة فإذا نحن بالظّعينة. فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت: ما معي من كتاب. فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لتلقينّ الثّياب. فأخرجته من عقاصها «١٠» ، فأتينا به النّبيّ ﷺ ، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين ممّن بمكّة يخبرهم ببعض أمر النّبيّ ﷺ ، فقال النّبيّ ﷺ : «ما هذا يا حاطب؟» قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله، إنّي كنت امرأ من قريش ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكّة، فأحببت إذ فاتني من النّسب فيهم أن أصطنع إليهم يدا يحمون قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني. فقال النّبيّ ﷺ : «إنّه قد صدقكم» فقال عمر: دعني يا رسول الله فأضرب عنقه. فقال: «إنّه شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله- اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت

стр. 5258

لكم» ونزلت فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ الآية (الممتحنة/ ١) * «١» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثمّ ارتدّ ولحق بالشّرك ثمّ تندّم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله ﷺ . هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنّ فلانا قد ندم وإنّه أمرنا أن نسألك هل له من توبة؟ فنزلت كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران/ ٨٦- ٨٩) فأرسل إليه فأسلم) * «٢» . ٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترتدّوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الردة) معنى ٧- (عن أبي موسى- ﵁ قال: أقبلت إلى رسول الله ﷺ ومعي رجلان من الأشعريّين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري ورسول الله ﷺ يستاك، فكلاهما سأل فقال: يا أبا موسى، أو يا عبد الله بن قيس، قال: قلت: والّذي بعثك بالحقّ ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنّهما يطلبان العمل- فكأنّي أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت- فقال: «لن،- أو لا- نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت يا أبا موسى- أو يا عبد الله بن قيس- إلى اليمن، ثمّ أتبعه معاذ بن جبل فلمّا قدم عليه ألقى له وسادة قال: انزل، فإذا رجل عنده موثق. قال: ما هذا؟ قال: كان يهوديّا فأسلم ثمّ تهوّد. قال: اجلس. قال: لا أجلس حتّى يقتل، قضاء الله ورسوله (ثلاث مرّات) فأمر به فقتل. ثمّ تذاكرا قيام اللّيل، فقال أحدهما: اللّيل «٤» ، فقال أحدهما: أمّا أنا فأقوم وأنام، وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي) * «٥» . ٨-* (عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله زوى «٦» لي الأرض» ، أو قال: «إنّ ربّي زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ ملك أمّتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض «٧» ، وإنّي سألت ربّي لأمّتي: أن لا يهلكها بسنة

стр. 5259

بعامّة «١» ، ولا يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم «٢» ، وإنّ ربّي قال لي: يا محمّد! إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يردّ، ولا أهلكهم بسنة بعامّة، ولا أسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، لو اجتمع عليهم من بين أقطارها- أو قال بأقطارها- حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتّى يكون بعضهم يسبي بعضا. وإنّما أخاف على أمّتي الأئمّة المضلّين، وإذا وضع السّيف في أمّتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أمّتي بالمشركين. وحتّى تعبد قبائل من أمّتي الأوثان، وإنّه سيكون في أمّتي كذّابون ثلاثون، كلّهم يزعم أنّه نبيّ، وأنا خاتم النّبيّين، لا نبيّ بعدي، ولا تزال طائفة من أمّتي على الحقّ ظاهرين، لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر الله» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (الردة) ١-* (قال ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: المرتدّ شرّ من الكافر الأصليّ من وجوه كثيرة) * «٤» . ٢-* (قال شريك العامريّ- رحمه الله تعالى-: قيل لعليّ: إنّ هنا قوما على باب المسجد يدّعون أنّك ربّهم، فدعاهم فقال لهم: ويلكم، ما تقولون؟ قالوا: أنت ربّنا ورازقنا، فقال: ويلكم إنّما أنا عبد مثلكم، آكل الطّعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذّبني، فاتّقوا الله وارجعوا، فأبوا، فلمّا كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم فقالوا كذلك، فلمّا كان الثّالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنّكم بأخبث قتلة فأبوا إلّا ذلك، فقال: يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخدّ لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر وقال: احفروا فأبعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنّار في الأخدود وقال: إنّي طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتّى إذا احترقوا قال: إنّي إذا رأيت أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا ) * «٥» . ٣-* (حكى الجاحظ: لمّا دخل المرتدّ الخراسانيّ على المأمون، وكان قد حمله معه من خراسان حتّى وافى به العراق، قال له المأمون: لأن أستحييك بحقّ أحبّ إليّ من أقتلك بحقّ، ولأن أقبلك بالبراءة أحبّ إليّ من أن أدفعك بالتّهمة، قد كنت مسلما بعد أن كنت نصرانيّا وكنت فيها أتنخ «٦» وأيّامك أطول، فاستوحشت ممّا كنت به آنسا ثمّ لم تلبث أن رجعت عنّا نافرا، فخبّرنا عن الشّيء الّذي صار آنس لك من إلفك القديم، وأنسك الأوّل. فإن وجدت عندنا دواء دائك

стр. 5260

تعالجت به، والمريض من الأطبّاء يحتاج إلى المشاورة. وإن أخطأك الشّفاء ونباعن دائك الدّواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك بلائمة، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشّريعة. أو ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثّقة، وتعلم أنّك لم تقصّر في اجتهاد، ولم تفرّط في الدّخول في باب الحزم، قال المرتدّ: أوحشني كثرة ما رأيت من الاختلاف فيكم! قال المأمون: لنا اختلافان: أحدهما كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والاختلاف في التّشهّد وصلاة الأعياد وتكبير التّشريق، ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك. وليس هذا باختلاف، إنّما هو تخيير وتوسعة، وتخفيف من المحنة فمن أذّن مثنى وأقام مثنى لم يؤثّم، ومن أذّن مثنى وأقام فرادى لم يحوّب «١» ، لا يتعايرون ولا يتعايبون، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بتاتا «٢» . والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا، وتأويل الحديث عن نبيّنا، مع إجماعنا على أصل التّنزيل، واتّفاقنا على عين الخبر. فإن كان الّذي أوحشك هذا حتّى أنكرت من أجله هذا الكتاب، فقد ينبغي أن يكون اللّفظ بجميع التّوراة والإنجيل متّفقا على تأويله، كما يكون متّفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع النّصارى واليهود اختلاف في شيء من التّأويلات. وينبغي لك أن لا ترجع إلّا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها ولو شاء الله أن ينزّل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنّا لم نر شيئا من الدّين والدّنيا دفع إلينا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة، ولم يكن تفاضل وليس على هذا بنى الله الدّنيا. قال المرتدّ: أشهد أنّ الله واحد لا ندّ له ولا ولد، وأنّ المسيح عبده، وأنّ محمّدا صادق، وأنّك أمير المؤمنين حقّا! فأقبل المأمون على أصحابه فقال: فروا عليه عرضه «٣» ، ولا تبرّوه في يومه ريثما يعتق إسلامه؛ كي لا يقول عدوّه إنّه أسلم رغبة، ولا تنسوا بعد نصيبكم من برّه وتأنيبه ونصرته، والعائدة عليه «٤» . من مضار (الردة) (١) تودي بحياة المرتدّ في الدّنيا وتوجب له الخلود في النّار في الآخرة. (٢) تلقي على الأمّة عبئا ثقيلا من الحذر والاحتياط إذا تمكّن المرتدّ من الفرار إلى خارج مجتمعها. (٣) قد يفتح المرتدّ لأعداء الأمّة ثغرات للإضرار بها بما يقدّمه لهم من معلومات يبنون عليها خطّتهم في مواجهتها. (٤) قد تؤدّي الرّدّة إلى اضطراب المجتمع بإغراء البسطاء بالاقتداء بالمرتدّ حين يظفر بحماية أعداء الأمّة وما يغدقون عليه من رفاهية العيش.

стр. 5261

الرشوة الرشوة لغة: هي الاسم من قولهم رشاه يرشوه رشوا إذا أعطاه الجعل، وهي مأخوذة من مادّة (ر ش و) الّتي تدلّ على التّسبّب للشّيء برفق وملاينة، تقول: ترشّيت الرّجل إذا لاينته، ومن ذلك قول امريء القيس: نزيف «١» إذا قامت لوجه تمايلت ... تراشي الفؤاد الرّخص ألّا تختّرا «٢» وقال الجوهريّ: يقال: الرّشوة (بالكسر) والرّشوة (بالضّمّ) وجمعها رشى ورشا، وارتشى: أخذ الرّشوة، واسترشى في حكمه: طلب الرّشوة عليه، ويقال: ترشّيت الرّجل إذا لاينته، وراشيته إذا ظاهرته «٣» . وقال ابن منظور: الرّشو: فعل الرّشوة، والمراشاة: المحاباة، والرّشوة (بالفتح) ، والرّشوة (بالكسر) ، والرّشوة (بالضّمّ) الجعل، قال: وهي مأخوذة من رشا الفرخ إذا مدّ رأسه إلى أمّه لتزقّه، الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣/ ٧/ ٩ والرّائش: الّذي يسدي بين الرّاشي والمرتشي «٤» . وفي الحديث: «لعن الله الرّاشي والمرتشي والرّائش» ، قال ابن الأثير: الرّاشي: من يعطي الّذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ (للرّشوة) ، والرّائش الّذي يسعى بينهما يستزيد لهذا، ويستنقص لهذا «٥» . قال: وأصل ذلك من الرّشاء الّذي يتوصّل به إلى الماء «٦» . الرشوة اصطلاحا: قال الفيّوميّ: الرّشوة: ما يعطيه الشّخص الحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد «٧» . وقال الجرجانيّ: الرّشوة: ما يعطى لإبطال حقّ أو إحقاق باطل «٨» . وقال التّهانويّ: حدّ الرّشوة: بذل المال فيما هو غير مستحقّ على الشّخص، وقيل: هي ما يعطيه رجل شخصا حاكما أو غير حاكم ليحكم له أو يحمله على ما يريده «٩» .

стр. 5262

وقال ابن الأثير: الرّشوة (بالكسر والضّمّ) : الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، قال: وأمّا ما يعطى توصّلا إلى أخذ حقّ أو دفع ظلم فغير داخل في الرّشوة «١» . وقد استنبط بعض الباحثين ممّا ذكره الفقهاء تعريفا جامعا للرّشوة فقال: هي ما يؤخذ (من جعل) عمّا وجب على الشّخص فعله، سواء أكان واجبا على العين، كالقاضي أو على الكفاية، كما في شخص يقدر على دفع الظّلم أو استخلاص حقّ من يد ظالم. وسواء أكان الوجوب شرعيّا كما في وليّ المرأة لا يزوّجها إلّا بالرّشوة، أو شاعر يخاف منه الهجو، لأنّ الكفّ عن عرض المسلم واجب شرعا، أو كان الوجوب عرفيّا (عن طريق العقد) ، كمن آجر نفسه لإقامة أمر من الأمور المتعلّقة بالمسلمين كأعوان القاضي أو أعضاء النّيابة وأهل الدّيوان من الموظّفين «٢» . أنواع الرّشوة وحكم كل نوع: قال التّهانويّ: الرّشوة على أربعة أوجه: الأوّل: رشوة محرّمة من الجانبين (الرّاشي والمرتشي) ، ولها صورتان: الأولى: تقلّد القضاء بحيث لا يصير (القاضي) قاضيا بدونها. والثّانية: دفع الرّشوة إلى القاضي ليقضي له، سواء كان القضاء بحقّ أو بغير حقّ. الثّاني: دفع الرّشوة خوفا على النّفس أو المال، وهذه حرام على الآخذ غير حرام على الدّافع، وكذا إذا طمع ظالم في ماله فرشاه ببعض المال، ومن هذا النّوع ما يدفعه شخص إلى شاعر، قلت (أو صحفيّ) خوفا من الهجاء أو الذّمّ. الثّالث: الرّشوة تدفع للحاكم ليسوّي أمرا من الأمور، بحيث يشترط عليه ذلك وهذه حلال للدّافع حرام للآخذ، فإن طلب منه أن يسوّي أمره ولم يذكر له الرّشوة ثمّ أعطاه بعد ذلك شيئا، اختلف فيه العلماء، فقال بعضهم: لا يحلّ له، وقال بعضهم: يحلّ، قلت: وعلى فرض أنّه حلال عند بعضهم فإنّه من الشّبهات الّتي ينبغي أن يتّقيها المسلم الّذي يستبرأ لدينه. الرّابع: وهو ما أشبه الرّشوة وليس بها، وهو ما كان الدّفع فيه على سبيل التّودّد والتّحبّب، وهذا حلال للجانبين «٣» . استرداد الرّشوة: الرّشوة مال حرام على آخذه، يلزمه ردّه، من ذلك على سبيل المثال ما يدفعه الرّجل إلى وليّ أمر المرأة ليزوّجها إيّاه فإن دفع له وزوّجه إيّاها فإنّ للزّوج أن يستردّ ما دفعه حتّى ولو مات الوليّ لأنّه رشوة. ولو مات المرتشي وعلم الوارث أنّ ما تركه من الرّشوة، فإنّه لا يحلّ له أخذه، وإن لم يعلم عين الرّشوة فإنّ له الأخذ حكما، ويتصدّق به بنيّة الخصماء، وإن

стр. 5263

ارتشى القاضي ردّ قضاؤه، فإن ارتشى أحد أعوانه ليعين المرتشي ولم يعلم القاضي نفذ قضاؤه، وعلى القابض ردّ ما قبضه، ويأثم الرّاشي «١» . الرّشوة من الكبائر: قال الذّهبيّ: الكبيرة الثّانية والثّلاثون: أخذ الرّشوة على الحكم، وقد استدلّ على ذلك بقوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة/ ١٨٨) قال الذّهبيّ: لا تدلوا بأموالكم إلى الحكّام: أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقّا لغيركم وأنتم تعلمون أنّ ذلك لا يحلّ لكم، وبعد أن ذكر الأحاديث الدّالّة على التّحريم «٢» ، قال: إنّما تلحق اللّعنة الرّاشي إذا قصد بها أذيّة مسلم، أو ليدفع له بها ما لا يستحقّ، أمّا إذا أعطى ليتوصّل إلى حقّ له، أو ليدفع عن نفسه ظلما، فإنّه غير داخل في اللّعنة، أمّا الحاكم فالرّشوة عليه حرام سواء أبطل بها حقّا أو دفع بها ظلما، والرّائش (وهو السّاعي بالرّشوة) تابع للرّاشي في قصده إن قصد خيرا لم تلحقه اللّعنة وإلّا لحقته «٣» . الهدية للحاكم رشوة أم لا ؟ سئل ابن تيميّة- رحمه الله تعالى- عن رجل أهدى الأمير هديّة لطلب حاجة، أو للتّقرّب منه، أو للاشتغال بالخدمة عنده أو ما أشبه ذلك، فهل أخذ الهديّة على هذه الصّورة رشوة أم لا؟ وهو إن أخذ الهديّة انبعثت نفسه إلى قضاء الشّغل، وإن لم يأخذ لم تنبعث النّفس في قضائه، فهل يجوز أخذها؟ وقضاء شغله، أو لا يأخذ ولا يقضي؟ ورجل مسموع القول عند مخدومه (سكرتير أو حاجب أو مستشار أو ما أشبه ذلك) إذا أعطوه شيئا للأكل أو لغير قضاء حاجة، فهل يجوز أخذها؟ وهو إن ردّها على المهدي انكسر خاطره، فهل يجوز أخذ هذا أم لا؟. أجاب- رحمه الله تعالى- عن الحالتين فقال: في سنن أبي داود وغيره أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هديّة فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب الرّبا» «٤» . وسئل ابن مسعود عن السّحت فقال: هو أن تشفع لأخيك شفاعة فيهدي لك هديّة فتقبلها. فقال له: أرأيت إن كانت هديّة في باطل. فقال: ذلك كفر وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (المائدة/ ٤٤) . ولهذا قال العلماء: إنّ من أهدى هديّة لوليّ الأمر ليفعل معه ما لا يجوز، كان حراما على المهدي والمهدى إليه، وهذه من الرّشوة الّتي قال فيها النّبيّ ﷺ «لعن الله الرّاشي والمرتشي» ، والرّشوة تسمّى البرطيل، والبرطيل في اللّغة هو الحجر المستطيل فاه، فأمّا إذا أهدى له هديّة ليكفّ ظلمه عنه أو ليعطيه حقّه الواجب كانت الهديّة حراما على الآخذ، وجاز

стр. 5264

للدّافع أن يدفعها إليه كما كان النّبيّ ﷺ يقول «إنّي لأعطي أحدهم العطيّة فيخرج بها يتأبّطها نارا» قيل: يا رسول الله فلم تعطهم؟ قال «يأبون إلّا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» «١» . ومثل ذلك مثل من أسرّ خبرا، أو كان ظالما للنّاس، فأعطاه هؤلاء (كي يمتنع من نشر السّرّ أو من الظّلم) فهذا جائز للمعطي حرام على الآخذ، أمّا الهديّة في الشّفاعة كأن يشفع لرجل عند وليّ أمر ليرفع عنه مظلمة أو يوصل إليه حقّه أو يولّيه ولاية يستحقّها، أو يستخدمه في الجند المقاتلة- وهو مستحق لذلك، أو يعطيه من المال الموقوف على الفقراء أو الفقهاء أو القرّاء أو النّسّاك أو غيرهم- وهو من أهل الاستحقاق، ونحو هذه الشّفاعة الّتي فيها إعانة على فعل واجب أو ترك محرّم. فهذه أيضا لا يجوز فيها قبول الهديّة. ويجوز للمهدي أن يبذل في ذلك ما يتوصّل به إلى أخذ حقّه أو دفع الظّلم عنه. هذا هو المنقول عن السّلف والأئمّة الأكابر، وقد رخّص بعض المتأخّرين من الفقهاء في ذلك وجعل هذا من باب الجعالة، وهذا مخالف للسّنّة وأقوال الصّحابة والأئمّة، وهو غلط لأنّ مثل هذا العمل هو من المصالح العامّة الّتي يكون القيام بها فرضا: إمّا على الأعيان وإمّا على الكفاية. ومتى شرع أخذ الجعل على مثل هذا لزم أن تكون الولاية وإعطاء أموال الفيء والصّدقات وغيرها لمن يبذل في ذلك، ولزم (أيضا) أن يكون كفّ الظّلم عمّن يبذل في ذلك، والّذي لا يبذل لا يولّى ولا يعطى ولا يكفّ عنه الظّلم، وإن كان أحقّ وأنفع للمسلمين من هذا. ولمّا كانت المنفعة لعموم النّاس: أعني المسلمين. فإنّه يجب أن يولّى في كلّ مرتبة أصلح من يقدر عليها وأن يرزق من رزق المقاتلة والأئمة والمؤذّنين، وأهل العلم الّذين هم أحقّ النّاس وأنفعهم للمسلمين، وهذا واجب على الإمام، وعلى الأمّة أن يعاونوه على ذلك فأخذ جعل من شخص معيّن على ذلك يفضي إلى أن تطلب هذه الأمور بعوض، ونفس طلب الولايات منهيّ عنه فكيف بالعوض؟ ولزم أنّ من كان ممكّنا فيها يولّى ويعطى وإن كان غيره أحقّ وأولى، بل يلزم على ذلك تولية الجاهل والفاسق والفاجر وترك العالم القادر، وأن يرزق في ديوان المقاتلة الفاسق والجبان العاجز عن القتال، ويترك العدل الشّجاع النّافع للمسلمين وفساد مثل هذا كبير «٢» . وإذا أخذ وشفع لمن لا يستحقّ وغيره أولى، فليس له أن يأخذ ولا يشفع وتركهما خير، وإذا أخذ وشفع لمن هو الأحقّ الأولى، وترك من لا يستحقّ، فحينئذ ترك الشّفاعة والأخذ أضرّ من الشّفاعة لمن لا يستحقّ، ويقال لهذا الشّافع الّذى له الحاجة الّتي تقبل بها الشّفاعة: يجب عليك أن تكون ناصحا لله ورسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم، وعليك أن تنصح المشفوع إليه فتبيّن له من يستحقّ الولاية والاستخدام والعطاء، ومن لا يستحقّ ذلك، وتنصح للمسلمين بفعل مثل

стр. 5265

ذلك، وتنصح لله ولرسوله بطاعته فإنّ هذا من أعظم طاعته، وتنفع هذا المستحقّ بمعاونته على ذلك، كما عليك أن تصلّي وتصوم وتجاهد في سبيل الله. وأمّا الرّجل المسموع الكلام فإذا أكل قدرا زائدا على الضّيافة الشّرعيّة، فلا بدّ له أن يكافىء المطعم بمثل ذلك، أو لا يأكل القدر الزّائد وإلّا فقبوله الضّيافة الزّائدة مثل قبوله للهديّة، وهو من جنس الشّاهد والشّافع إذا أدّى الشّهادة وقام بالشّفاعة لضيافة أو جعل فإنّ هذا من أسباب الفساد «١» . الفرق بين الرشوة والهدية: قال ابن قيّم الجوزيّة: الفرق بين الهديّة والرّشوة- وإن اشتبها في الصّورة- القصد، فإنّ الرّاشي قصده بالرّشوة التّوصّل إلى إبطال حقّ، أو تحقيق باطل، فهذا الرّاشي الملعون على لسان رسول الله ﷺ فإن رشا لدفع الظّلم عن نفسه اختصّ المرتشي وحده باللّعنة، وأمّا المهدي فقصده استجلاب المودّة والمعرفة والإحسان، فإن قصد المكافأة فهو معاوض، وإن قصد الرّبح فهو مستكثر «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: أكل الحرام- التعاون على الإثم والعدوان- السرقة- الغش- الغلول- التطفيف- التناجش. وفي ضد ذلك: انظر صفات: النزاهة- الاستقامة- الشرف- محاسبة النفس- مجاهدة النفس- النبل- التعاون على البر والتقوى- العفة] .

стр. 5266

الآيات الواردة في «الرشوة» معنى ١- وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) «١» ٢-* يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) «٢» ٣- قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٦٠) وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢) لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣) «٣» ٤-* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) «٤» ٥- وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) «٥»

стр. 5267

الأحاديث الواردة في ذمّ (الرشوة) ١-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ الرّاشي والمرتشي) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ الرّاشي والمرتشي في الحكم) «٢» . وزاد ابن حبّان والحاكم (والرّائش: يعني الّذي يسعى بينهما) * «٣» . ٣-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «الرّاشي والمرتشي في النّار» ) * «٤» . ٤-* (عن عمرو بن العاص- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قوم يظهر فيهم الرّبا إلّا أخذوا بالسّنة «٥» وما من قوم يظهر فيهم الرّشا إلّا أخذوا بالرّعب» ) * «٦» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ مرفوعا، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من ولي عشرة فحكم بينهم بما أحبّوا، أو بما كرهوا جيء به مغلولة يده، فإن عدل، ولم يرتش، ولم يحف «٧» فكّ الله عنه، وإن حكم بغير ما أنزل الله وارتشى، وحابى فيه. شدّت يساره إلى يمينه ثمّ رمي به في جهنّم، فلم يبلغ قعرها خمسمائة عام» ) * «٨» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الرشوة) معنى ٦-* (عن أبي أمامة عن النّبيّ ﷺ قال: «من شفع لأخيه بشفاعة، فأهدى له هديّة عليها، فقبلها، فقد أتى بابا عظيما من أبواب الرّبا» ) * «٩» . ٧-* (عن أبي حميد السّاعديّ قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأسد يقال له ابن اللّتبيّة، فلمّا قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي. قال: فقام

стр. 5268

رسول الله ﷺ على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه. وقال: «ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمّه حتّى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والّذي نفس محمّد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئا إلّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر» . ثمّ رفع يديه حتّى رأينا عفرتي إبطيه. ثمّ قال: «اللهمّ هل بلّغت؟» مرّتين) * «١» . وانظر أيضا الأحاديث الواردة في صفة «الغلول» من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الرشوة) ١-* (روي أنّ ابن مسعود- ﵁ أخذ بأرض الحبشة في شيء فأعطى دينارين حتّى خلّي سبيله) * «٢» . ٢-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال: الرّشوة في الحكم كفر، وهي بين النّاس سحت) * «٣» . ٣-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال: السّحت أن تطلب لأخيك الحاجة، فتقضى، فيهدي إليك هديّة فتقبلها منه) * «٤» . ٤-* (عن قتادة قال في قوله تعالى إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ (النمل/ ٣٥) : قالت: إنّي باعثة إليهم بهديّة، فمصانعتهم بها عن ملكي، إن كانوا أهل دنيا، فبعثت إليهم بلبنة من ذهب في حرير وديباج، فبلغ ذلك سليمان فأمر بلبنة من ذهب فصنعت، ثمّ قذفت تحت أرجل الدّوابّ على طريقهم تبول عليها وتروث، فلمّا جاء رسولها، واللّبنة تحت أرجل الدّوابّ، صغر في أعينهم الّذي جاءوا به) * «٥» . ٥-* (عن مسروق أنّه كلّم ابن زياد في مظلمة، فردّها، فأهدى إليه صاحب المظلمة وصيفا «٦» ، فردّها، ولم يقبلها، وقال: سمعت ابن مسعود يقول: من ردّ عن مسلم مظلمة فأعطاه على ذلك قليلا أو كثيرا فهو سحت. فقال الرّجل: يا أبا عبد الرّحمن ما كنّا نظنّ أنّ السّحت إلّا الرّشوة في الحكم. فقال: ذلك كفر نعوذ بالله منه) * «٧» . ٦-* (روي عن جماعة من أئمة التّابعين قالوا: لا بأس أن يصانع الرّجل عن نفسه وماله إذا خاف الظّلم) * «٨» .

стр. 5269

٧-* (يقول القرطبيّ في معنى قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ (البقرة/ ١٨٨) : والمعنى: لا تجمعوا بين أكل المال بالباطل، وبين الإدلاء إلى الحكّام بالحجج الباطلة، وهو كقوله تعالى وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ (البقرة/ ٤٣) ، وقيل المعنى: لا تصانعوا بأموالكم الحكّام، وترشوهم ليقضوا لكم على أكثر منها، قال ابن عطيّة: وهذا القول يترجّح لأنّ الحكّام مظنّة الرّشاء، إلّا من عصم، وهو الأقّلّ) * «١» . ٨-* (وقال ابن كثير في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ (التوبة/ ٣٤) قال: وذلك أنّهم يأكلون الدّنيا بالدّين، ومناصبهم ورياستهم في النّاس. يأكلون أموالهم بذلك كما كان لأحبار اليهود على أهل الجاهليّة شرف، ولهم عندهم خراج وهدايا وضرائب تجبى إليهم) * «٢» . ٩-* (وقال أبو حيّان في قوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ ... الآية (البقرة/ ١٨٨) : يجوز أن تكون المناسبة بين هذه الآية وآية الصّيام قبلها، أنّه سبحانه لمّا أوجب عليهم الصّوم، كما أوجبه على الّذين قبلهم، خالف بين أهل الكتاب وبينهم فأحلّ لهم الأكل والشّرب والجماع في ليالي الصّوم، ثمّ أمرهم ألّا يوافقوهم في أكل الرّشا من ملوكهم وسفلتهم) * «٣» . من مضار (الرشوة) (١) هي مغضبة للرّبّ، ومخالفة لسنّة الرّسول ﷺ ومجلبة للعذاب. (٢) تسبّب الهلاك والخسران في الدّارين وربّما أدّت إلى الكفر. (٣) هي إفساد للمجتمع حكّاما ومحكومين. (٤) تبطل حقوق الضّعفاء وتنشر الظّلم. (٥) الرّاشي والمرتشي والرّائش كلّهم ملعونون عند الله ورسوله. (٦) الرّشوة في تولّي القضاء والوظائف العامّة تفسد أحوال المجتمع وتنشر الفساد. (٧) الرّشوة في أمور الجند تجعل الكفاءة فيهم غير معتبرة ويؤول الأمر إلى أن يتولّى الدّفاع عن البلاد من هم غير أهل لذلك فتحيق بهم الهزيمة، ويلحق العار البلاد بأسرها. (٨) المرتشي تشدّ يساره إلى يمينه ثمّ يرمى به في جهنّم وساءت مصيرا.

стр. 5270

الرياء الرياء لغة: مصدر قولهم: راءاه يرائيه رياء ومراءاة «١» ، وهو مأخوذ من مادّة (ر أى) الّتي تدلّ- كما يقول ابن فارس- على نظر وإبصار بعين أو بصيرة، يقال من ذلك: راءى فلان، وفعل ذلك رئاء النّاس (ورياء النّاس) ، وهو أن يفعل شيئا ليراه النّاس «٢» ، أمّا قولهم: هم رئاء فالمعنى: يقابل بعضهم بعضا، وكذلك: بيوتهم رئاء أي متقابلة، والوصف من ذلك، رجل مراء، وقوم مراءون، ويسترأى فلان مثل يستحمق (أي ينسب إلى الرّياء) «٣» ، واسترأى الشّيء: استدعى رؤيته وراءيت الرّجل مراءاة ورياء: أريته أنّي على خلاف ما أنا عليه «٤» ، وفي التّنزيل وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ (الأنفال/ ٤٧) . قال القرطبيّ في تفسيرها: يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر لنصرة العير. خرجوا بطرين مرائين صادّين عن سبيل الله «٥» . وقولهم: تراءى القوم أي رأى بعضهم بعضا، وترأّى لي وتراءى لي: تصدّى لي كي أراه، ورأى المكان المكان: قابله حتّى كأنّه يراه، وتراءى الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٢/ ٢٠/ ٣٢ النّخل: ظهرت ألوان بسره، وكلّ ذلك من رؤية العين، وقولهم: ألم تر إلى فلان، ألم تر إلى كذا: كلمة تقولها العرب عند التّعجّب من الشّيء، وعند تنبيه المخاطب، وذلك كما في قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ (النساء/ ٥١) ، أي ألم تعجب لفعلهم، وألم ينته شأنهم إليك «٦» . وقال ابن منظور (أيضا) : يستعمل راءيت واسترأيت بمعنى: استشرت، يقال: استرأيت الرّجل في الرّأي أي استشرته، وراءيته (كذلك) ، قال عمران بن حطّان: فإن تكن حين شاورناك قلت لنا ... بالنّصح منك لنا فيما نرائيكا أي نستشيرك. أمّا قول الله : يُراؤُنَ النَّاسَ (النساء/ ١٤٢) ، وقوله عزّ من قائل: الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ* وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (الماعون/ ٦، ٧) فليس من المشاورة، ولكنّ معناه: إذا أبصرهم النّاس صلّوا، وإذا لم يروهم تركوا الصّلاة، وهذا عمل المرائي

стр. 5271

(وسمّي بذلك) لأنّه يري النّاس أنّه يفعل، ولا يفعل بالنّيّة، من ذلك قولهم: أرأى الرّجل: إذا عمل عملا صالحا رياء وسمعة «١» . الرياء اصطلاحا: قال الجرجانيّ: الرّياء: ترك الإخلاص في العمل بمراعاة غير الله فيه «٢» . وقال التّهانويّ: حدّ الرّياء: فعل الخير لإراءة الغير، وقيل: هو فعل لا تدخل فيه النّيّة الخالصة، ولا يحيط به الإخلاص «٣» . وقال الغزاليّ: أصل الرّياء: طلب المنزلة في قلوب النّاس بإيرائهم خصال الخير، واسم الرّياء مخصوص- بحكم العادة- بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة وإظهارها، ومن ثمّ يكون الرّياء (المذموم شرعا) إرادة العباد بطاعة الله «٤» . وقال ابن حجر (الهيتميّ) : حدّ الرّياء المذموم: إرادة العامل بعبادته غير وجه الله تعالى، كأن يقصد اطّلاع النّاس على عبادته وكماله، فيحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء «٥» . وقال ابن حجر العسقلانيّ: الرّياء إظهار العبادة لقصد رؤية النّاس لها فيحمدوا صاحبها «٦» . الفرق بين الرياء والسمعة والنّفاق: قال التّهانويّ: الفرق بين الرّياء والسّمعة أنّ الرّياء يكون في الفعل، والسّمعة تكون في القول «٧» ، وقال ابن عبد السّلام: الرّياء أن يعمل لغير الله، والسّمعة أن يخفي عمله ثمّ يحدّث به النّاس «٨» . أمّا الفرق بين النّفاق والرّياء فيتمثّل في أنّ الأصل في الرّياء الإظهار، والأصل في النّفاق: الإخفاء إذ المرائي يظهر نيّته الحقيقيّة في طلب المنزلة عند النّاس، أمّا المنافق فإنّه يخفي على النّاس ما بداخله ويظهر خلافه، وقد يلتقي الأمران: الرّياء والنّفاق (الأصغر) في عمل المنافق، كما قال في شأن المنافقين: يُراؤُنَ النَّاسَ (النساء/ ١٤٢) ، أي بإظهار مجرّد الطّاعة، وقد يختلفان كما في قيامهم (أي المنافقين) إلى الصّلاة كسالى وعدم ذكرهم الله إلّا قليلا، فالمرائي يظهر النّشاط ويكثر من الذّكر لينال مكانة عند النّاس بخلاف المنافق. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنّ النّفاق ينقسم إلى نفاق أكبر وهو النّفاق المتعلّق بالعقيدة، ونفاق أصغر وهو المتعلّق بالأعمال، وإذا كان الرّياء داخلا في النّفاق العمليّ فيكون ثمّت بينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في النّفاق العمليّ وهو كما يقول ابن رجب: أن يظهر الإنسان علانية (العمل الصّالح) ويبطن خلاف ما يظهر «٩» ، ينفرد

стр. 5272

كلّ منهما، ينفرد النّفاق بإظهار الإيمان وإبطان الكفر (وهو النّفاق العقديّ) ، وينفرد الرّياء بأنّه قد يكون في غير العبادات لطلب جاه، وليس هذا النّوع بحرام إلّا إذا حملته كثرة الجاه على مباشرة ما لا يجوز «١» . الفرق بين الرياء والشرك الأكبر: قال ابن حجر: يتّضح الفرق بين الرّياء (وهو الشّرك الأصغر) وبين الشّرك الأكبر بمثال هو أنّ المصلّي مراءاة يكون رياؤه سببا باعثا له على العمل، وهو تارة يقصد بعمله تعظيم الله تعالى، وتارة لا يقصد شيئا، وفي كلّ منهما لا يصدر عنه مكفّر، بخلاف الشّرك الأكبر الّذي لا يحدث إلّا إذا قصد تعظيم غير الله تعالى، وعلم بذلك أنّ المرائي إنّما حدث له هذا النّوع من الشّرك بتعظيمه قدر المخلوق عنده حتّى حمله ذلك على الرّكوع والسّجود، فكأنّ المخلوق هو المعظّم بالسّجود من وجه، وذلك غاية الجهل «٢» . أقسام الرياء: ذكر الغزاليّ: أنّ الرّياء بحسب ما يراءى به خمسة أقسام: الأوّل: الرّياء في الدّين بالبدن، وذلك بإظهار النّحول والصّفار ليوهم بذلك شدّة الاجتهاد، وعظم الحزن على أمر الدّين وغلبة خوف الآخرة. أمّا رياء أهل الدّنيا فيكون بإظهار السّمن وصفاء اللّون واعتدال القامة، وحسن الوجه ونظافة البدن وقوّة الأعضاء. الثّاني: الرّياء بالهيئة والزّيّ، وذلك بتشعيث شعر الرّأس، وإبقاء أثر السّجود على الوجه، وغلظ الثّياب وتقصير الأكمام وترك تنظيف الثّوب وتركه مخرّقا، كلّ ذلك لإظهار أنّه متّبع للسّنّة. أمّا مراءاة أهل الدّنيا فبالثّياب النّفيسة، والمراكب الرّفيعة وأنواع التّوسّع والتّجمّل في الملبس والمسكن. الثّالث: الرّياء بالقول، ويكون من أهل الدّين بالوعظ والتّذكير والنّطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار لإظهار غزارة العلم، ومن ذلك تحريك الشّفتين بالذّكر في محضر النّاس، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أمامهم. وأمّا أهل الدّنيا فيكون رياؤهم بحفظ الأشعار والأمثال، والتّفاصح بالعبارات، وحفظ الغريب من النّحو واللّغة للإغراب على أهل الفضل. الرّابع: الرّياء بالعمل، وذلك كمراءاة المصلّي بطول القيام والرّكوع والسّجود ونحو ذلك. أمّا أهل الدّنيا فمراءاتهم بالتّبختر والاختيال وغيرهما ممّا يدلّ على الجاه والحشمة. الخامس: المراءاة بالأصحاب والزّائرين، كأن يطلب المرائي من عالم أن يزوره ليقال: إنّ فلانا قد زار فلانا، ومن ذلك كثرة ذكر الشّيوخ. قال الغزاليّ: فهذه الخمسة هي مجامع ما يرائي

стр. 5273

به المراءون، وكلّهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد. درجات الرياء: للرّياء بحسب قصد المرائي أربع درجات: الأولى: وهي أغلظها ألّا يكون مراده الثّواب أصلا، كالّذي يصلّي أمام النّاس، ولو انفرد فإنّه لا يصلّي، وربّما دفعه الرّياء إلى الصّلاة من غير طهر. الثّانية: أنّ قصده للثّواب أقلّ من قصده لإظهار عمله. وهذا النّوع قريب ممّا قبله في الإثم. الثّالثة: أن يتساوى قصد الثّواب وقصد الرّياء، بحيث إنّ أحدهما وحده لا يبعثه على العمل، ولكن لمّا اجتمع القصدان انبعثت فيه الرّغبة في العمل، وهذا قد أفسد بمقدار ما أصلح، وظواهر الأخبار تدلّ على أنّه لا يسلم (من العقاب) . الرّابعة: أن يكون اطّلاع النّاس مرجّحا ومقوّيا لنشاطه، ولو لم يكن ذلك ما ترك العبادة، وهذا النّوع لا يحبط أصل الثّواب ولكنّه ينقص منه أو يعاقب صاحبه على مقدار قصد الرّياء، ويثاب على مقدار قصد الثّواب «١» . حكم الرياء: ذكر الذّهبيّ الرّياء ضمن الكبائر، وذكر أدلّة ذلك من الكتاب والسّنّة وآثار السّلف الصّالح «٢» ، وعدّه ابن حجر الكبيرة الثّانية بعد الشّرك بالله، وقال: شهد بتحريمه الكتاب والسّنّة وانعقد عليه إجماع الأمّة، وبعد أن أشبع القول في ذكر أدلّة تحريمه قال: المعنى في تحريمه وكونه كبيرة وشركا مقتضيا للّعن أنّ فيه استهزاء بالحقّ تعالى، ومن ثمّ كان الرّياء من كبائر الكبائر المهلكة ولذلك سمّاه الرّسول ﷺ : «الشّرك الأصغر» «٣» ، وفي الرّياء أيضا تلبيس على الخلق لإيهام المرائي لهم أنّه مخلص مطيع لله تعالى وهو بخلاف ذلك «٤» . وقال ابن حجر أيضا: إذا أطلق لفظ الرّياء- شرعا- فالمراد الرّياء المذموم (وهو العبادة الّتي يراد بها غير وجه الله تعالى) ، وقد يطلق الرّياء على أمر مباح وهو طلب نحو الجاه والتّوقير بغير عبادة «٥» ، كأن يقصد بزينة لباسه الثّناء عليه بالنّظافة والجمال ونحو ذلك، ووجه عدم حرمة هذا النّوع أنّه ليس فيه ما في الرّياء المحرّم من التّلبيس بالدّين والاستهزاء بربّ العالمين. وأقبح أنواع الرّياء ما تعلّق بأصل الإيمان وهو شأن المنافقين، يلي ذلك المراءاة بأصول العبادات الواجبة، كأن يعتاد تركها في الخلوة، ويفعلها في الملأ

стр. 5274

خوف المذمّة، وهذا يؤدّي إلى أعلى أنواع المقت، يلي ذلك المراءة بالنّوافل الّتي يفعلها المرائي باعتياد أمام النّاس ويرغب عنها في الخلوة، ويلي ذلك في القبح المراءاة بأوصاف العبادات كتحسينها وإظهار الخشوع فيها في الملأ والاقتصار في الخلوة على أدنى درجاتها «١» . معالجة الرياء: قال الغزاليّ ما خلاصته: لا يستطيع أحد أن يقمع الرّياء إلّا بمجاهدة شديدة ومكابدة لقوّة الشّهوات، ويكون ذلك بأمرين: الأوّل: قلع عروقه واستئصال أصوله وهي: لذّة المحمدة والفرار من ألم الذّمّ، والطّمع فيما في أيدي النّاس، وهذه الثّلاثة راجعة إلى حبّ المنزلة والجاه. الثّاني: أن يشمّر الإنسان عن ساعد الجدّ لدفع ما يعرض من خاطر الرّياء، وخواطره ثلاثة أيضا وهي: العلم باطّلاع الخلق ورجاء اطّلاعهم، ثمّ هيجان الرّغبة من النّفس في حمدهم، وحصول المنزلة عندهم، ويعقب ذلك هيجان الرّغبة في قبول النّفس له (أي الحمد والمنزلة) والرّكون إليه وعقد الضّمير على تحقيقه، والخاطر الأوّل يسمّى معرفة، والثّاني رغبة وشهوة، والثّالث هو العزم وكمال القوّة في دفع الخاطر الأوّل قبل أن يعقبه الثّاني، فإذا خطر له معرفة اطّلاع الخلق أو رجاء اطّلاعهم دفع ذلك بأن قال: مالي وللخلق علموا أو لم يعلموا، والله عالم بحالي فأيّ فائدة في علم غيره؟ فإن هاجت الرّغبة إلى لذّة الحمد فعليه أن يذكر تعرّض المرائي للمقت عند الله يوم القيامة وخيبته- في أحوج أوقاته- إلى أعماله، وعندئذ تثور عنده كراهة للرّياء تقابل تلك الشّهوة إذ يتفكّر في تعرّضه لمقت الله وعقابه الأليم، الشّهوة تدعوه إلى القبول والكراهة تدعوه إلى الإباء والنّفس تطاوع- لا محالة- أقواهما ويتضّح من ذلك أنّه لا بدّ في ردّ الرّياء الّذي خطر أثناء العبادة من المعرفة والكراهة والإباء. أمّا من الناحية العملية: فإنّ دفع الرّياء يستلزم من المرء أن يعوّد نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما تغلق الأبواب دون الفواحش، حتّى يقنع قلبه بعلم الله ولا تنازعه نفسه بطلب علم غير الله به، وهذا وإن كان يشقّ في البداية إلّا أنّه يهون بالصّبر عليه وبتواصل ألطاف الله وما يمدّ به عباده من التأييد والتّسديد «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: المن- الأذى- الغرور- الكبر والعجب- النفاق- الكذب. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإخلاص- الإيمان- الإحسان- الصدق- المروءة- النبل] .

стр. 5275

الآيات الواردة في «الرياء» ١- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) «١» ٢- وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (٣٩) «٢» ٣- إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) «٣» ٤- وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧) «٤» ٥- فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧) «٥» الآيات الواردة في «الرياء» معنى ٦- لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) «٦» ٧- مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) «٧»

стр. 5276

٨- قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠) «١» ٩- مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) «٢» ١٠- وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) «٣» ١١- وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً (٩) «٤» ١٢- وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) «٥»

стр. 5277

الأحاديث الواردة في ذمّ (الرياء) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي «١» الله به» ) * «٢» . ٢-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ أنّ رجلا أعرابيّا أتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، الرّجل يقاتل للمغنم، والرّجل يقاتل ليذكر، والرّجل يقاتل ليرى مكانه «٣» ، فمن في سبيل الله «٤» ؟ فقال رسول الله ﷺ : «من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله» ) * «٥» . ٣-* (عن أبي مسعود- ﵁ قال: أمرنا بالصّدقة، قال: (و) كنّا نحامل «٦» ، قال: فتصدّق أبو عقيل بنصف صاع، قال: وجاء إنسان بشيء أكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلّا رياء فنزلت (الآية) : الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ (التوبة/ ٧٩) » ) * «٧» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق، والسّكينة في أهل الغنم، والفخر والرّياء في الفدّادين «٨» أهل الخيل والوبر» ) * «٩» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدّي منها حقّها «١٠» إلّا إذا كان يوم القيامة،

стр. 5278

صفّحت له صفائح «١» من نار «٢» فأحمي عليها في نار جهنّم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلّما بردت «٣» أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتّى يقضى بين العباد فيرى سبيله «٤» ، إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار» قيل: يا رسول الله: فالإبل؟ قال: «ولا صاحب إبل لا يؤدّي منها حقّها، ومن حقّها حلبها «٥» يوم وردها إلّا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر «٦» أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحدا، تطؤه بأخفافها وتعضّه بأفواهها، كلّما مرّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها «٧» في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتّى يقضى بين العباد. فيرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار» قيل: يا رسول الله، البقر والغنم؟ قال: «ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدّي منها حقّها إلّا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء «٨» تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها «٩» كلّما مرّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. حتّى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار» قيل: يا رسول الله فالخيل؟ قال: «الخيل ثلاثة هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأمّا الّتي هي له وزر «١٠» فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام «١١» فهي له وزر، وأمّا الّتي هي له ستر، فرجل «١٢» ربطها في سبيل الله «١٣» ثمّ لم ينس حقّ الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر. وأمّا الّتي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام، في مرج وروضة فما أكلت من ذلك المرج والرّوضة من شيء إلّا كتب له عدد ما أكلت، حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ولا تقطع طولها

стр. 5279

فاستنّت شرفا أو شرفين «١» إلّا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات. ولا مرّ بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلّا كتب الله له عدد ما شربت حسنات» قيل: يا رسول الله فالحمر «٢» ؟ قال: ما أنزل عليّ في الحمر شيء إلّا هذه الآية الفاذّة الجامعة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/ ٧، ٨)) * «٣» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب كنز لا يؤدّي زكاته إلّا أحمي عليه في نار جهنّم ... الحديث» وفيه: «الخيل ثلاثة: فهي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر «٤» ... وأمّا الّذي عليه وزر فالّذي يتّخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء النّاس ... الحديث» ) * «٥» . ٧-* (عن عبد الله بن عثمان عن رجل من ثقيف كان يقال له معروفا، أي يثنى عليه خيرا، إن لم يكن اسمه زهير بن عثمان فلا أدري ما اسمه، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «الوليمة أوّل يوم حقّ، والثّاني معروف، واليوم الثّالث سمعة ورياء» ) * «٦» . ٨-* (عن المستورد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكل برجل مسلم «٧» أكلة فإنّ الله يطعمه مثلها من جهنّم، ومن كسي ثوبا برجل مسلم فإنّ الله يكسوه مثله من جهنّم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإنّ الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» ) * «٨» . ٩-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال ﷺ : «يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك الله صابرا محتسبا، وإن قاتلت مرائيا مكابرا بعثك

стр. 5280

الله مرائيا مكابرا، يا عبد الله بن عمر وعلى أيّ حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تيك الحال» ) * «١» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تعوّذوا بالله من جبّ «٢» الحزن» (أو الحزن) ، قالوا: يا رسول الله، وما جبّ الحزن (الحزن) ؟ قال: «واد في جهنّم يتعوّذ «٣» منه جهنّم كلّ يوم أربعمائة مرّة» قالوا: يا رسول الله، ومن يدخله؟ قال: «أعدّ للقرّاء المرائين بأعمالهم، وإنّ من أبغض القرّاء إلى الله تعالى الّذين يزورون الأمراء» قال المحاربيّ: أي الجورة «٤» ) * «٥» . ١١-* (عن محمود بن لبيد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشّرك الأصغر» ، قالوا: يا رسول الله، وما الشّرك الأصغر؟ قال: «الرّياء، إنّ الله ﵎ يقول يوم تجازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الّذين كنتم تراءون بأعمالكم في الدّنيا فانظروا، هل تجدون عندهم جزاء؟» ) * «٦» . ١٢-* (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه- ﵃ جميعا- أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا يقصّ على النّاس إلّا أمير، أو مأمور، أو مراء» ) * «٧» . ١٣-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ عن رسول الله ﷺ ، أنّه قال: «الغزو غزوان، فأمّا من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة، وياسر الشّريك، واجتنب الفساد. فإنّ نومه ونبهه أجر كلّه. وأمّا من غزا فخرا ورياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنّه لم يرجع بالكفاف» ) * «٨» . ١٤-* (عن بريدة الأسلميّ- ﵁ قال: خرجت ذات يوم لحاجة، فإذا أنا بالنّبيّ ﷺ يمشي بين يديّ، فأخذ بيدي فانطلقنا نمشي جميعا، فإذا نحن بين أيدينا برجل يصلّي يكثر الرّكوع والسّجود، فقال النّبيّ ﷺ : «أتراه يرائي؟» فقلت: الله ورسوله أعلم، فترك يده من يدي، ثمّ جمع بين يديه، فجعل يصوّبهما ويرفعهما ويقول: «عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، عليكم هديا قاصدا، فإنّه من يشادّ هذا الدّين يغلبه» ) * «٩» .

стр. 5281

١٥-* (عن شدّاد بن أوس- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أتخوّف على أمّتي الشّرك، والشّهوة الخفيّة «١» » قال: قلت: يا رسول الله، أتشرك أمّتك من بعدك؟ قال: «نعم، أما إنّهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا، ولا حجرا ولا وثنا، ولكن يراءون بأعمالهم» ) * «٢» . ١٦-* (عن شدّاد بن أوس- ﵁ قال: إنّي قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلّى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك ... الحديث» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الرياء) معنى ١٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل النّاس يقضى يوم القيامة عليه، رجلّ استشهد، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتّى استشهدت، قال: كذبت، ولكنّك قاتلت لأن يقال جريء، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار، ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلّمت العلم وعلّمته وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنّك تعلّمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال: هو قاريء، فقد قيل: ثمّ أمر به فسحب على وجهه حتّى ألقي في النّار، ورجل وسّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلّه، فأتي به فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحبّ أن ينفق فيها إلّا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكنّك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثمّ أمر به فسحب على وجهه، ثمّ ألقي في النّار» ) * «٤» . ١٨-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّما الأعمال بالنّيّة، وإنّما لامريء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله «٥» ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزّوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» ) * «٦» . ١٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: أنا أغنى الشّركاء عن الشّرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته

стр. 5282

وشركه» ) * «١» . ٢٠- (عن جابر بن عبد الله أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السّفهاء، ولا تخيّروا به المجالس. فمن فعل ذلك فالنّار النّار» ) * «٢» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الرياء) ١-* (ضرب عمر- ﵁ رجلا بالدّرّة، ثمّ قال له: اقتصّ منّي. فقال: لا، بل أدعها لله ولك. فقال له عمر: ما صنعت شيئا، إمّا أن تدعها لي فأعرف ذلك، أو تدعها لله وحده. فقال: ودعتها لله وحده. فقال: فنعم إذا) * «٣» . ٢-* (أتى أبو أمامة الباهليّ- ﵁ على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي ويدعو، فقال: أنت أنت! لو كان هذا في بيتك) * «٤» . ٣-* (رأى عمر بن الخطّاب- ﵁ رجلا يطأطىء رقبته فقال: يا صاحب الرّقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرّقاب، إنّما الخشوع في القلوب) * «٥» . ٤-* (قال عليّ بن أبي طالب- ﵁: للمرائي ثلاث علامات، يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في النّاس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه، وينقص إذا ذمّ) * «٦» . ٥-* (قال رجل لعبادة بن الصّامت- ﵁: أقاتل بسيفي في سبيل الله أريد به وجه الله تعالى ومحمدة النّاس، قال: لا شيء لك، فسأله ثلاث مرّات، كلّ ذلك يقول: لا شيء لك، ثمّ قال في الثّالثة: إنّ الله يقول: أنا أغنى الأغنياء عن الشّرك ... الحديث) * «٧» . ٦-* (عن العرباض بن سارية السّلميّ- ﵁، أنّه قال: لولا أن يقال: فعل أبو نجيح، لألحقت مالي سبلة، ثمّ لحقت واديا من أودية لبنان عبدت الله حتّى أموت) * «٨» . ٧-* (عن جابر بن سمرة- ﵁ قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر- ﵄ فعزله، واستعمل عليهم عمّارا، فشكوا حتّى

стр. 5283

ذكروا أنّه لا يحسن يصلّي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إنّ هؤلاء يزعمون أنّك لا تحسن تصلّي، قال أبو إسحاق: أمّا أنا والله فإنّي كنت أصلّي بهم صلاة رسول الله ﷺ ما أخرم عنها، أصلّي صلاة العشاء فأركد في الأوليين وأخفّ في الأخريين، قال: ذاك الظّنّ بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلا- أو رجالا- إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجدا إلّا سأل عنه، ويثنون معروفا، حتّى دخل مسجدا لبني عبس، فقام رجل منهم يقال له أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة، قال: أما إذ نشدتنا فإنّ سعدا كان لا يسير بالسّريّة، ولا يقسم بالسّويّة، ولا يعدل في القضيّة، قال سعد، أما والله لأدعونّ بثلاث: اللهمّ إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرّضه بالفتن، وكان بعد إذا سئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعد قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، وإنّه ليتعرّض للجواري فى الطّرق يغمزهنّ) * «١» . ٨-* (عن ابن بريدة (بن الحصيب) عن أبيه- ﵄ قال: شهدت خيبر، وكنت فيمن صعد الثّلمة، فقاتلت حتّى رئي مكاني، وعليّ ثوب أحمر، فما أعلم أنّي ركبت في الإسلام ذنبا أعظم عليّ منه- أي الشّهرة. قلت (الكلام للإمام شمس الدّين الذّهبيّ) : بلى، جهّال زماننا يعدّون اليوم مثل هذا الفعل من أعظم الجهاد، وبكلّ حال فالأعمال بالنّيّات، ولعلّ بريدة- ﵁ بإزرائه على نفسه يصير له عمله طاعة وجهادا! وكذلك يقع في العمل الصّالح، ربّما افتخر به الغرّ ونوّه به، فيتحوّل إلى ديوان الرّياء. قال تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (الفرقان/ ٢٣)) * «٢» . ٩-* (قال الزّين بن المنيّر في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى ... إلى قوله ... وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (البقرة/ ٢٦٤) : وجه الاستدلال من الآية أنّ الله تعالى شبّه مقارنة المنّ والأذى للصّدقة «٣» أو اتّباعها بذلك بإنفاق الكافر المرائي الّذي لا يجد بين يديه شيئا منه، ومقارنة الرّياء من المسلم لصدقته أقبح من مقارنة الإيذاء، وأولى أن يشبّه بإنفاق الكافر المرائي في إبطال نفاقه) «٤» * «٥» . ١٠-* (عن عبدة بن أبي لبابة قال: لوددت أنّ حظّي من أهل الزّمان أنّهم لا يسألوني عن شيء، ولا أسألهم، إنّهم يتكاثرون بالمسائل كما يتكاثر أهل الدّراهم بالدّراهم) * «٦» . ١١-* (سأل رجل سعيد بن المسيّب فقال: إنّ أحدنا يصطنع المعروف يحبّ أن يحمد ويؤجر، فقال له: أتحبّ أن تمقت؟ قال: لا. قال: فإذا عملت لله عملا فأخلصه) * «٧» .

стр. 5284

١٢-* (قال الحسن- ﵁: لقد صحبت أقواما إن كان أحدهم لتعرض له الحكمة لو نطق بها لنفعته ونفعت أصحابه، وما يمنعه منها إلّا مخافة الشّهرة. وإن كان أحدهم ليمرّ فيرى الأذى في الطّريق فما يمنعه أن ينحّيه إلّا مخافة الشّهرة) * «١» . ١٣-* (عن عبد الرّحمن بن يزيد- ﵁ قال: قلنا لعلقمة (بن قيس بن عبد الله) : لو صلّيت في المسجد وجلسنا معك فتسأل، قال: أكره أن يقال: هذا علقمة) * «٢» . ١٤-* (قال الفضيل بن عياض: كانوا يراءون بما يعملون، وصاروا اليوم يراءون بما لا يعملون) * «٣» . ١٥-* (قال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله من أراد أن يشتهر) * «٤» . ١٦-* (قال ابن عبد السّلام: يستثنى من استحباب إخفاء العمل من يظهره ليقتدى به، أو لينتفع به ككتابة العلم) * «٥» . ١٧-* (عن عاصم قال: كان أبو وائل (شقيق ابن سلمة) إذا صلّى في بيته ينشج نشيجا، ولو جعلت له الدّنيا على أن يفعله وواحد يراه، ما فعله) * «٦» . ١٨-* (عن الأعمش- ﵁ قال: كان عبد الرّحمن بن أبي ليلى يصلّي، فإذا دخل الدّاخل نام على فراشه) * «٧» . ١٩-* (عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي حسين قال: بلغني أنّ لقمان كان يقول: يا بنيّ لا تعلّم العلم لتباهي به العلماء، أو تماري به السّفهاء وترائي به في المجالس) * «٨» . ٢٠-* (قال الخطّابيّ في شرح حديث «من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به» : معناه: من عمل عملا على غير إخلاص، وإنّما يريد أن يراه النّاس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه) * «٩» . ٢١-* (وقال ابن حجر: وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند النّاس ولم يرد به وجه الله فإنّ الله يجعله حديثا عند النّاس الّذين أراد نيل المنزلة عندهم، ولا ثواب له في الآخرة. ومعنى (يرائي الله به) : أي يطلعهم على أنّه فعل ذلك لهم لا لوجهه. وقيل: المعنى: من يرائي النّاس بعمله أراه الله ثواب ذلك العمل وحرمه إيّاه) * «١٠» .

стр. 5285

٢٢-* (نظر رجاء بن حيوة- ﵁ إلى رجل ينعس بعد الصّبح فقال: انتبه، لا يظنّون أنّ ذا عن سهر- أي بسبب قيام اللّيل والتّعبّد فيه-) * «١» . ٢٣-* (كان أيّوب السّختيانيّ- ﵁ يقوم اللّيل كلّه فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصّبح رفع صوته كأنّه قام تلك السّاعة) * «٢» . ٢٤-* (روى الأوزاعيّ عن عبدة بن أبي لبابة- ﵄، قال: أقرب النّاس إلى الرّياء آمنهم منه) * «٣» . ٢٥-* (عن ابن عيينة قال: بكى ربيعة (بن أبي عبد الرّحمن فرّوخ) يوما، فقيل: ما يبكيك؟ قال: رياء حاضر، وشهوة خفيّة، والنّاس عند علمائهم كصبيان في حجور أمّهاتهم، إن أمروهم ائتمروا، وإن نهوهم انتهوا) * «٤» . ٢٦-* (قال يوسف بن الحسين: أعزّ شيء في الدّنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرّياء عن قلبي فكأنّه ينبت على لون آخر) * «٥» . ٢٧-* (يقال: إنّ المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا مرائي، يا غادر، يا خاسر، يا فاجر. اذهب فخذ أجرك ممّن عملت له، فلا أجر لك عندنا) * «٦» . ٢٨-* (عن أيّوب السّختيانيّ- ﵁ قال: ليتّق الله رجل، فإن زهد، فلا يجعلنّ زهده عذابا على النّاس، فلأن يخفي الرّجل زهده خير من أن يعلنه) * «٧» . ٢٩-* (قال أبو سليمان الدّرانيّ- ﵁: إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرّياء) * «٨» . ٣٠-* (عن ابن الأعرابيّ: أخسر الخاسرين من أبدى للنّاس صالح أعماله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد) * «٩» . ٣١-* (عن سهل بن عبد الله التّستريّ قال: لا يعرف الرّياء إلّا مخلص، ولا النّفاق إلّا مؤمن، ولا الجهل إلّا عالم، ولا المعصية إلّا مطيع) * «١٠» . ٣٢-* (وعن بعض العلماء: خوّفوا المؤمنين بالله، والمنافقين بالسّلطان، والمرائين بالنّاس) * «١١» .

стр. 5286

من مضار (الرياء) (١) الرّياء محبط للأعمال مضيّع لثوابها. (٢) الرّياء سبب للمقت عند الله، والمرائي ملعون ومطرود من رحمة الله تعالى. (٣) الرّياء من كبائر المهلكات «١» . (٤) الرّياء دليل على غاية جهل المرائي. (٥) الرّياء غصن من شجرة في القلب ثمرها في الدّنيا الخوف والغمّ وضيق الصّدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزّقّوم والعذاب المقيم «٢» . (٦) الرّياء يجلب الفقر ويعرّض صاحبه للفتن (انظر الأثر السّابع) . (٧) الرّياء يفضح أصحابه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. (٨) يضاعف الله عذاب المرائين من القرّاء فيجعلهم في وادي الحزن في جهنّم وساءت مصيرا. (٩) الرّياء يحوّل العمل الصّالح إلى نقيضه فيحمل صاحبه به وزرا بدلا من أن يكون له أجرا أو يكون عليه سترا. (١٠) لا يسلم المرائي من أن يفتضح أمره في الدّنيا فيسقط من أعين النّاس وتذهب هيبته، ناهيك عن حسرته يوم القيامة. (١١) يظهر الله عيوب المرائي ويسمعه المكروه جزاء ما قدّمت يداه.

стр. 5287

[حرف الزاء] الزنا الزنا لغة: مصدر قولهم: زنى يزني زنا وزناء (بالقصر لغة الحجاز وبالمدّ لغة تميم) ، وهو مأخوذ من مادّة (ز ن ى) الّتي تدلّ على الوطء المحرّم، يقال: هو زان بيّن الزّنا، وخرجت فلانة تزاني وتباغي أي تفجر (وتحلّ لنفسها ما حرّمه الله) وزنّاه تزنية: نسبه إلى الزّنا. والأصل في الزّناء الضّيق، ومنه الحديث: لا يصلّينّ أحدكم وهو زناء، أي مدافع للبول، ويقال: من ذلك زنا الموضع يزنو أي ضاق، وهو لغة في يزنأ. وقال ابن منظور: الزّنا يمدّ ويقصر، فتقول: زنى الرّجل يزني زنى مقصور، وزناء ممدود وكذلك المرأة، ومثله زانى مزاناة وزناء. والزّنا: البغاء. يقال: امرأة تزاني مزاناة وزناء أي تباغي، أمّا إذا قيل: زنّاه تزنية فمعناه نسبه إلى الزّنى أي قذفه به. وقال له: يا زان، كما يقال زانى المرأة مزاناة وزناء. قال اللّحيانيّ قيل لابنة الخسّ: ما أزناك؟ قالت: قرب الوساد، وطول السّواد. ومعناه: ما حملك على الزّنى؟ «١» . الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٣٩/ ٩ واصطلاحا: قال الرّاغب: الزّنا هو وطء المرأة من غير عقد شرعيّ «٢» . وقال الجرجانيّ: الزّنا: الوطء في قبل خال عن ملك أو شبهة «٣» . وقال المناويّ: الزّنا شرعا هو إيلاج الحشفة (أو قدرها من مقطوعها) بفرج محرّم لعينه (وذلك بخلاف المحرّم لعارض كالحيض ونحوه) خال عن الشّبهة مشتهى «٤» . وقال الكفويّ: الزّنا اسم لفعل معلوم وإيلاج فرج (ذكر) في محلّ محرّم مشتهى يسمّى قبلا، ومعناه قضاء شهوة الفرج بسفح الماء (المنيّ) في محلّ محرّم مشتهى من غير داعية الولد حتّى إنّه ليسمّى الزّاني سفّاحا «٥» . وقال في نهاية المحتاج: هو إيلاج الذّكر بفرج محرّم لعينه خال عن الشّبهة مشتهى طبعا «٦» . خبث الزنا: وأوضح ابن القيّم- رحمه الله تعالى- مدى

стр. 5288

خبث الزّنا واللّواطة فقال: «وسم الله سبحانه الشّرك والزّنا واللّواطة بالنّجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذّنوب، وإن كانت جميعا تشتمل على ذلك، لكنّ الله- خصّ هذه الذّنوب لغلظها فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة/ ٢٨) وقال في حقّ اللّواطة وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (الأنبياء/ ٧٤) كما ذكر عن اللّوطيّة أنفسهم أنّهم نفوا عن أنفسهم الطّهارة فقال أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (الأعراف/ ٨٢) . وأمّا الزّناة فجاء وصفهم صريحا فقال تعالى الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ. (النور/ ٢٦) والمقصود الآن بيان ما في الزّنا واللّواطة من نجاسة وخبث أكثر وأغلظ من سائر الذّنوب ما دون الشّرك، وذلك لأنّها تفسد القلب وتضعف توحيده جدّا. ولهذا كان أحظى النّاس بهذه النّجاسة أكثرهم شركا، فكلّما كان الشّرك في العبد أغلب كانت هذه النّجاسة والخبائث فيه أكثر وكلّما كان العبد أعظم إخلاصا كان منها أبعد، فليس في الذّنوب أفسد للقلب والدّين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصّيّة في إبعاد القلب من الله فإذا انصبغ القلب بهما بعد من الله الطّيّب الّذي لا يصعد إليه إلّا الطّيّب» «١» . وقال الذّهبيّ- ﵀: النّظرة بشهوة إلى المرأة والأمرد زنا، ولا أجل ذلك بالغ الصّالحون في الإعراض عن المردان «٢» وعن النّظر إليهم وعن مخالطتهم ومجالستهم. وكان يقال: لا يبيتنّ رجل مع أمرد في مكان واحد. وحرّم بعض العلماء الخلوة مع الأمرد في بيت أو حانوت أو حمّام قياسا على المرأة؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال «ما خلا رجل بامرأة إلّا كان الشّيطان ثالثهما» وفي المردان من يفوق النّساء بحسنه فالفتنة به أعظم، وأنّه يمكن في حقّه من الشّرّ ما لا يمكن في حقّ النّساء، ويتسهّل في حقّه من طريق الرّيبة والشّرّ ما لا يتسهّل في حقّ المرأة، فهو بالتّحريم أولى. وأقاويل السّلف في التّنفير منهم والتّحذير من رؤيتهم أكثر من أن تحصر وجاء رجل إلى الإمام أحمد- رحمه الله تعالى ومعه صبيّ حسن، فقال الإمام: ما هذا منك؟ قال: ابن أختي. قال: «لا تجأ به إلينا مرّة أخرى، ولا تمش معه في طريق لئلّا يظنّ بك من لا يعرفك ولا يعرفه سوءا» «٣» . وقال الإمام ابن حجر: عدّ الزّنا من الكبائر هو ما أجمعوا عليه واختلف في أيّهما أشنع وأقبح، هل القتل أو الزّنا؟ والصّحيح أنّ الّذي يلي الشّرك في الكبائر هو القتل (أي قتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ) ثمّ الزّنا، وأفحش أنواعه الزّنا بحليلة الجار، والزّنا أكبر إثما من اللّواط، لأنّ الشّهوة داعية إليه من الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم الضّرر بكثرته، ولما يترتّب عليه من اختلاط الأنساب، وبعض الزّنا أغلظ من بعض، فالزّنا بحليلة الجار، أو بذات الرّحم، أو بأجنبيّة في شهر رمضان، أو في البلد الحرام، فاحشة مشينة، وأمّا ما دون الزّنا الموجب للحدّ فإنّه من

стр. 5289

الصّغائر إلّا إذا انضاف إليه ما يجعله كبيرة كأن يكون مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبيّة على سبيل القهر والإكراه «١» . مراتب القبح في الزنا: قال ابن حجر: الزّنا له مراتب (متفاوتة) فهو بأجنبيّة لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبيّة لها زوج، وأعظم منه بمحرم، وزنا الثّيّب أقبح من البكر بدليل اختلاف حدّيهما، وزنا الشّيخ لكمال عقله أقبح من زنا الشّابّ، وزنا الحرّ والعالم لكمالهما أقبح من زنا العبد والجاهل «٢» . السّفاح والمخادنة: لقد نهى الدّين الإسلاميّ الحنيف عن كلّ أنواع الزّنا، سرّا كان أو جهرا، وسواء كان احترافا أو مجرّد نزوة، من حرّة أو من أمة، من مسلمة أو غير مسلمة، كما نهى أيضا عن الخطوات الّتي تسبقه وتؤدّي إليه من نحو المخادنة والمصادقة، وقد سوّى في ذلك بين الرّجال والنّساء، فقال تعالى: غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ (المائدة/ ٥) ، وقال عزّ من قائل: غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ (النساء/ ٢٥) ، وقد عدّ العلماء كلا الأمرين أي السّفاح والمخادنة من الزّنا المحرّم، يقول النّيسابوريّ: السّفاح: هو الزّنا على سبيل الإعلان. والمخادنة: هي اتّخاذ خدن (أي خليل أو صديق) على سبيل الإسرار «٣» . وقال الطّبريّ: غير مسافحين: أي غير معالنين بالسّفاح (الزّنا) بكلّ فاجرة ولا متّخذي أخدان أي ولا منفردين ببغيّ واحدة، ومعنى خادنها: اتّخذها لنفسه صديقة ليفجر بها، وذات الخدن: أي ذات الخليل الواحد «٤» . وقال القرطبيّ: غير مسافحات: أي غير معلنات بالزّنا، لا أنّ الجاهليّة كان فيهم الزّواني في العلانية ولهنّ رايات منصوبة كراية البيطار، وذوات الأخدان هنّ اللّائي يتّخذن أصدقاء على الفاحشة. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزّنا ولا تعيب اتّخاذ الأخدان، ثمّ رفع الإسلام جميع ذلك «٥» . وقال ابن كثير في تفسير آية المائدة/ ٥: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ: كما شرط الإحصان في النّساء وهي العفّة عن الزّنا، كذلك شرطها في الرّجال، وهو أن يكون الرّجل محصنا عفيفا، ولذلك قال: غَيْرَ مُسافِحِينَ وهم الزّناة الّذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردّون أنفسهم عمّن جاءهم، ولا متّخذي أخدان: أي ذوي العشيقات الّذين لا يفعلون إلّا معهم «٦» . [للاستزادة: انظر صفات: إطلاق البصر- التبرج- الدياثة- الإغواء- الفجور- الفحش- القذف- اتباع الهوى- الفسوق- الغي والإغواء- الفساد- العصيان- الفتنة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: العفة- تعظيم الحرمات- حفظ الفرج- الشرف- غض البصر- الغيرة] .

стр. 5290

الآيات الواردة في النهي عن «الزنا» ١-* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) «١» ٢- سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) «٢» ٣- وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) «٣»
следующие страницы →