← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

من مضار (الرياء) (١) الرّياء محبط للأعمال مضيّع لثوابها. (٢) الرّياء سبب للمقت عند الله، والمرائي ملعون ومطرود من رحمة الله تعالى. (٣) الرّياء من كبائر المهلكات «١» . (٤) الرّياء دليل على غاية جهل المرائي. (٥) الرّياء غصن من شجرة في القلب ثمرها في الدّنيا الخوف والغمّ وضيق الصّدر وظلمة القلب، وثمرها في الآخرة الزّقّوم والعذاب المقيم «٢» . (٦) الرّياء يجلب الفقر ويعرّض صاحبه للفتن (انظر الأثر السّابع) . (٧) الرّياء يفضح أصحابه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة. (٨) يضاعف الله عذاب المرائين من القرّاء فيجعلهم في وادي الحزن في جهنّم وساءت مصيرا. (٩) الرّياء يحوّل العمل الصّالح إلى نقيضه فيحمل صاحبه به وزرا بدلا من أن يكون له أجرا أو يكون عليه سترا. (١٠) لا يسلم المرائي من أن يفتضح أمره في الدّنيا فيسقط من أعين النّاس وتذهب هيبته، ناهيك عن حسرته يوم القيامة. (١١) يظهر الله عيوب المرائي ويسمعه المكروه جزاء ما قدّمت يداه.

стр. 5287

[حرف الزاء] الزنا الزنا لغة: مصدر قولهم: زنى يزني زنا وزناء (بالقصر لغة الحجاز وبالمدّ لغة تميم) ، وهو مأخوذ من مادّة (ز ن ى) الّتي تدلّ على الوطء المحرّم، يقال: هو زان بيّن الزّنا، وخرجت فلانة تزاني وتباغي أي تفجر (وتحلّ لنفسها ما حرّمه الله) وزنّاه تزنية: نسبه إلى الزّنا. والأصل في الزّناء الضّيق، ومنه الحديث: لا يصلّينّ أحدكم وهو زناء، أي مدافع للبول، ويقال: من ذلك زنا الموضع يزنو أي ضاق، وهو لغة في يزنأ. وقال ابن منظور: الزّنا يمدّ ويقصر، فتقول: زنى الرّجل يزني زنى مقصور، وزناء ممدود وكذلك المرأة، ومثله زانى مزاناة وزناء. والزّنا: البغاء. يقال: امرأة تزاني مزاناة وزناء أي تباغي، أمّا إذا قيل: زنّاه تزنية فمعناه نسبه إلى الزّنى أي قذفه به. وقال له: يا زان، كما يقال زانى المرأة مزاناة وزناء. قال اللّحيانيّ قيل لابنة الخسّ: ما أزناك؟ قالت: قرب الوساد، وطول السّواد. ومعناه: ما حملك على الزّنى؟ «١» . الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٣٩/ ٩ واصطلاحا: قال الرّاغب: الزّنا هو وطء المرأة من غير عقد شرعيّ «٢» . وقال الجرجانيّ: الزّنا: الوطء في قبل خال عن ملك أو شبهة «٣» . وقال المناويّ: الزّنا شرعا هو إيلاج الحشفة (أو قدرها من مقطوعها) بفرج محرّم لعينه (وذلك بخلاف المحرّم لعارض كالحيض ونحوه) خال عن الشّبهة مشتهى «٤» . وقال الكفويّ: الزّنا اسم لفعل معلوم وإيلاج فرج (ذكر) في محلّ محرّم مشتهى يسمّى قبلا، ومعناه قضاء شهوة الفرج بسفح الماء (المنيّ) في محلّ محرّم مشتهى من غير داعية الولد حتّى إنّه ليسمّى الزّاني سفّاحا «٥» . وقال في نهاية المحتاج: هو إيلاج الذّكر بفرج محرّم لعينه خال عن الشّبهة مشتهى طبعا «٦» . خبث الزنا: وأوضح ابن القيّم- رحمه الله تعالى- مدى

стр. 5288

خبث الزّنا واللّواطة فقال: «وسم الله سبحانه الشّرك والزّنا واللّواطة بالنّجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذّنوب، وإن كانت جميعا تشتمل على ذلك، لكنّ الله- خصّ هذه الذّنوب لغلظها فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة/ ٢٨) وقال في حقّ اللّواطة وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (الأنبياء/ ٧٤) كما ذكر عن اللّوطيّة أنفسهم أنّهم نفوا عن أنفسهم الطّهارة فقال أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (الأعراف/ ٨٢) . وأمّا الزّناة فجاء وصفهم صريحا فقال تعالى الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ. (النور/ ٢٦) والمقصود الآن بيان ما في الزّنا واللّواطة من نجاسة وخبث أكثر وأغلظ من سائر الذّنوب ما دون الشّرك، وذلك لأنّها تفسد القلب وتضعف توحيده جدّا. ولهذا كان أحظى النّاس بهذه النّجاسة أكثرهم شركا، فكلّما كان الشّرك في العبد أغلب كانت هذه النّجاسة والخبائث فيه أكثر وكلّما كان العبد أعظم إخلاصا كان منها أبعد، فليس في الذّنوب أفسد للقلب والدّين من هاتين الفاحشتين، ولهما خاصّيّة في إبعاد القلب من الله فإذا انصبغ القلب بهما بعد من الله الطّيّب الّذي لا يصعد إليه إلّا الطّيّب» «١» . وقال الذّهبيّ- ﵀: النّظرة بشهوة إلى المرأة والأمرد زنا، ولا أجل ذلك بالغ الصّالحون في الإعراض عن المردان «٢» وعن النّظر إليهم وعن مخالطتهم ومجالستهم. وكان يقال: لا يبيتنّ رجل مع أمرد في مكان واحد. وحرّم بعض العلماء الخلوة مع الأمرد في بيت أو حانوت أو حمّام قياسا على المرأة؛ لأنّ النّبيّ ﷺ قال «ما خلا رجل بامرأة إلّا كان الشّيطان ثالثهما» وفي المردان من يفوق النّساء بحسنه فالفتنة به أعظم، وأنّه يمكن في حقّه من الشّرّ ما لا يمكن في حقّ النّساء، ويتسهّل في حقّه من طريق الرّيبة والشّرّ ما لا يتسهّل في حقّ المرأة، فهو بالتّحريم أولى. وأقاويل السّلف في التّنفير منهم والتّحذير من رؤيتهم أكثر من أن تحصر وجاء رجل إلى الإمام أحمد- رحمه الله تعالى ومعه صبيّ حسن، فقال الإمام: ما هذا منك؟ قال: ابن أختي. قال: «لا تجأ به إلينا مرّة أخرى، ولا تمش معه في طريق لئلّا يظنّ بك من لا يعرفك ولا يعرفه سوءا» «٣» . وقال الإمام ابن حجر: عدّ الزّنا من الكبائر هو ما أجمعوا عليه واختلف في أيّهما أشنع وأقبح، هل القتل أو الزّنا؟ والصّحيح أنّ الّذي يلي الشّرك في الكبائر هو القتل (أي قتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ) ثمّ الزّنا، وأفحش أنواعه الزّنا بحليلة الجار، والزّنا أكبر إثما من اللّواط، لأنّ الشّهوة داعية إليه من الجانبين فيكثر وقوعه ويعظم الضّرر بكثرته، ولما يترتّب عليه من اختلاط الأنساب، وبعض الزّنا أغلظ من بعض، فالزّنا بحليلة الجار، أو بذات الرّحم، أو بأجنبيّة في شهر رمضان، أو في البلد الحرام، فاحشة مشينة، وأمّا ما دون الزّنا الموجب للحدّ فإنّه من

стр. 5289

الصّغائر إلّا إذا انضاف إليه ما يجعله كبيرة كأن يكون مع امرأة الأب أو حليلة الابن أو مع أجنبيّة على سبيل القهر والإكراه «١» . مراتب القبح في الزنا: قال ابن حجر: الزّنا له مراتب (متفاوتة) فهو بأجنبيّة لا زوج لها عظيم، وأعظم منه بأجنبيّة لها زوج، وأعظم منه بمحرم، وزنا الثّيّب أقبح من البكر بدليل اختلاف حدّيهما، وزنا الشّيخ لكمال عقله أقبح من زنا الشّابّ، وزنا الحرّ والعالم لكمالهما أقبح من زنا العبد والجاهل «٢» . السّفاح والمخادنة: لقد نهى الدّين الإسلاميّ الحنيف عن كلّ أنواع الزّنا، سرّا كان أو جهرا، وسواء كان احترافا أو مجرّد نزوة، من حرّة أو من أمة، من مسلمة أو غير مسلمة، كما نهى أيضا عن الخطوات الّتي تسبقه وتؤدّي إليه من نحو المخادنة والمصادقة، وقد سوّى في ذلك بين الرّجال والنّساء، فقال تعالى: غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ (المائدة/ ٥) ، وقال عزّ من قائل: غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ (النساء/ ٢٥) ، وقد عدّ العلماء كلا الأمرين أي السّفاح والمخادنة من الزّنا المحرّم، يقول النّيسابوريّ: السّفاح: هو الزّنا على سبيل الإعلان. والمخادنة: هي اتّخاذ خدن (أي خليل أو صديق) على سبيل الإسرار «٣» . وقال الطّبريّ: غير مسافحين: أي غير معالنين بالسّفاح (الزّنا) بكلّ فاجرة ولا متّخذي أخدان أي ولا منفردين ببغيّ واحدة، ومعنى خادنها: اتّخذها لنفسه صديقة ليفجر بها، وذات الخدن: أي ذات الخليل الواحد «٤» . وقال القرطبيّ: غير مسافحات: أي غير معلنات بالزّنا، لا أنّ الجاهليّة كان فيهم الزّواني في العلانية ولهنّ رايات منصوبة كراية البيطار، وذوات الأخدان هنّ اللّائي يتّخذن أصدقاء على الفاحشة. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزّنا ولا تعيب اتّخاذ الأخدان، ثمّ رفع الإسلام جميع ذلك «٥» . وقال ابن كثير في تفسير آية المائدة/ ٥: مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ: كما شرط الإحصان في النّساء وهي العفّة عن الزّنا، كذلك شرطها في الرّجال، وهو أن يكون الرّجل محصنا عفيفا، ولذلك قال: غَيْرَ مُسافِحِينَ وهم الزّناة الّذين لا يرتدعون عن معصية ولا يردّون أنفسهم عمّن جاءهم، ولا متّخذي أخدان: أي ذوي العشيقات الّذين لا يفعلون إلّا معهم «٦» . [للاستزادة: انظر صفات: إطلاق البصر- التبرج- الدياثة- الإغواء- الفجور- الفحش- القذف- اتباع الهوى- الفسوق- الغي والإغواء- الفساد- العصيان- الفتنة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: العفة- تعظيم الحرمات- حفظ الفرج- الشرف- غض البصر- الغيرة] .

стр. 5290

الآيات الواردة في النهي عن «الزنا» ١-* وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) «١» ٢- سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) «٢» ٣- وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) «٣»

стр. 5291

٤- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) «١» الآيات الواردة في النهي عن «الزنا» معنى ٥-* وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) «٢» ٦- الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) «٣»

стр. 5292

الأحاديث الواردة في ذمّ (الزنا) ١-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تشربوا مسكرا. فمن فعل من ذلك شيئا فأقيم عليه حدّه فهو كفّارة، ومن ستر الله عليه فحسابه على الله- ومن لم يفعل من ذلك شيئا ضمنت له على الله الجنّة» ) * «١» . ٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: «إنّ جارية لعبد الله بن أبيّ ابن سلول يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة. فكان يكرههما على الزّنا. فشكتا ذلك إلى النّبيّ ﷺ . فأنزل الله وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إلى قوله: غَفُورٌ رَحِيمٌ (النور/ ٣٣)) * «٢» . ٣-* (عن أنس- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ من أشراط السّاعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزّنا» ) * «٣» . ٤-* (عن أبي موسى- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أيّما امرأة استعطرت فمرّت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية» ) * «٤» ٥-* (عن البراء بن عازب- ﵄ قال: مرّ على النّبيّ ﷺ بيهوديّ محمّها «٥» مجلودا. فدعاهم ﷺ فقال: «هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟» قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم. فقال: «أنشدك بالله الّذي أنزل التّوراة على موسى أهكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟» قال: لا،. ولولا أنّك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرّجم. ولكنّه كثر في أشرافنا، فكنّا إذا أخذنا الشّريف تركناه. وإذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشّريف والوضيع. فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه» . فأمر به فرجم. فأنزل الله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.. إلى قوله إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ (المائدة/ ٤١) يقول: ائتوا محمّدا ﷺ . فإن أمركم بالتّحميم والجلد فخذوه. وإن أفتاكم بالرّجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (المائدة/ ٤٤) وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (المائدة/ ٤٥) . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (المائدة ٤٧) . في الكفّار كلّها» ) * «٦» . ٦-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّ مرثد بن أبي مرثد الغنويّ وكان رجلا

стр. 5293

شديدا وكان يحمل الأسارى من مكّة إلى المدينة قال: فدعوت رجلا لأحمله وكان بمكّة بغيّ يقال لها: عناق وكانت صديقته «١» خرجت فرأت سوادي في ظلّ الحائط فقالت: من هذا؟ مرثد، مرحبا وأهلا يا مرثد. انطلق اللّيلة فبت عندنا في الرّحل، قلت: يا عناق إنّ رسول الله ﷺ حرّم الزّنا. قالت: يأهل الخيام هذا الدّلدل «٢» ، هذا الّذي يحمل أسراءكم من مكّة إلى المدينة، فسلكت الخندمة «٣» فطلبني ثمانية فجاءوا حتّى قاموا على رأسي فبالوا، فطاربولهم عليّ وأعماهم الله عنّي، فجئت إلى صاحبي فحملته، فلمّا انتهيت به إلى الأراك فككت عنه كبله «٤» ، فجئت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أنكح عناق، فسكت عنّي، فنزلت: الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ فدعاني فقرأها عليّ وقال: لا تنكحها» ) * «٥» . ٧-* (عن سلمة بن قيس- ﵁ قال: إنّما هي أربع، فما أنا بأشحّ منّي عليهنّ يوم سمعتهنّ من رسول الله ﷺ ، ألا لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تزنوا ولا تسرقوا» ) * «٦» . ٨-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ وكان شهد بدرا، وهو أحد النّقباء ليلة العقبة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال- وحوله عصابة من أصحابه-: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثمّ ستره الله فهو إلى الله. إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه. فبايعناه على ذلك» ) * «٧» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم. ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذّاب، وعائل «٨» مستكبر» ) * «٩» . ١٠-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة يحبّهم الله، وثلاثة يبغضهم الله: فأمّا الّذين يحبّهم الله: فرجل أتى قوما فسألهم بالله ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه، فتخلّف رجل بأعقابهم فأعطاه سرّا لا يعلم بعطيّته إلّا الله والّذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتّى إذا كان النّوم أحبّ إليهم ممّا يعدل به نزلوا فوضعوا رؤوسهم،

стр. 5294

فقام أحدهم يتملّقني ويتلو آياتي. ورجل كان في سريّة فلقي العدوّ فهزموا وأقبل بصدره حتّى يقتل أو يفتح له. والثّلاثة الّذين يبغضهم الله: الشّيخ الزّاني، والفقير المختال، والغنيّ الظّلوم» ) * «١» . ١١-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّه قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام. فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرّجي تبرّج الجاهليّة الأولى» ) * «٢» . ١٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: خسفت الشّمس في عهد رسول الله ﷺ ... الحديث، وفيه قال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبّروا وصلّوا، وتصدّقوا. ثمّ قال: يا أمّة محمّد. والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمّة محمّد. لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا» ) * «٣» . ١٣-* (عن جابر بن سمرة- ﵄ أنّه قال: رأيت ما عز بن مالك حين جيء به إلى النّبيّ ﷺ ، رجل قصير أعضل «٤» ليس عليه رداء. فشهد على نفسه أربع مرّات أنّه زنى. فقال رسول الله ﷺ : «فلعلّك» ؟ قال: لا، والله إنّه قد زنى الأخر «٥» . قال: فرجمه. ثمّ خطب فقال: «ألا كلّما نفرنا غازين في سبيل الله خلف أحدهم له نبيب كنبيب التّيس «٦» ، يمنح أحدهم الكثبة «٧» ، أما والله إن يمكنّي من أحدهم لأنكّلنّه عنه» «٨» ) * «٩» . ١٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «قال رجل لأتصدقنّ اللّيلة بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق اللّيلة على زانية. قال: اللهمّ لك الحمد على زانية. لأتصدقنّ بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد غنيّ. فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق على

стр. 5295

غنيّ. قال: اللهمّ لك الحمد على غنيّ؛ لأتصدّقنّ بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق على سارق. فقال: اللهمّ لك الحمد على زانية وعلى غنيّ وعلى سارق. فأتي فقيل له: أمّا صدقتك فقد قبلت. أمّا الزّانية فلعلّها تستعفّ بها عن زناها، ولعلّ الغنيّ يعتبر فينفق ممّا أعطاه الله. ولعلّ السّارق يستعفّ بها عن سرقته» ) * «١» . ١٥-* (عن سمرة بن جندب- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعني ممّا يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» قال فيقصّ عليه ما شاء الله أن يقصّ، وإنّه قال لنا ذات غداة: «إنّه أتاني اللّيلة آتيان، وإنّهما ابتعثاني، وإنّهما قالا لي: انطلق، وإنّي انطلقت معهما، وإنّا أتينا على رجل مضطجع، ... الحديث وفيه: وأمّا الرّجال والنّساء العراة الّذين في مثل بناء التّنّور فهم الزّناة والزّواني. وأمّا الرّجل الّذي أتيت عليه يسبح في النّهر ويلقم الحجر فإنّه آكل الرّبا. وأمّا الرّجل الكريه المرآة الّذي عند النّار يحشّها «٢» ويسعى حولها، فإنّه مالك خازن جهنّم. وأمّا الرّجل الطّويل الّذي في الرّوضة فإنّه إبراهيم ﷺ : وأمّا الولدان الّذين حوله فكلّ مولود مات على الفطرة» قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين. وأمّا القوم الّذين كانوا شطر منهم حسن وشطر قبيح فإنّهم قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيّئا. تجاوز الله عنهم» ) * «٣» . ١٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «كتب على ابن آدم نصيبه من الزّنى مدرك ذلك لا محالة. فالعينان زناهما النّظر. والأذنان زناهما الاستماع. واللّسان زناه الكلام، واليد زناها البطش. والرّجل زناها الخطا. والقلب يهوى ويتمنّى، ويصدّق ذلك الفرج ويكذّبه» ) * «٤» . ١٧-* (عن أبي هريرة- وزيد بن خالد- ﵄ قالا: كنّا عند النّبيّ ﷺ فقام رجل فقال: أنشدك الله إلّا ما قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. قال: قل: قال: إنّ ابني هذا كان عسيفا «٥» على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، ثمّ سألت رجالا من أهل العلم، فأخبروني أنّ على ابني جلد مائة وتغريب عام، وعلى امرأته الرّجم. فقال النّبيّ ﷺ : «والّذي نفسي بيده لأقضينّ بينكما بكتاب الله جلّ ذكره، المائة شاة والخادم ردّ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس

стр. 5296

على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» فغدا عليها. فاعترفت. فرجمها) * «١» . ١٨-* (عن المقداد بن الأسود- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «ما تقولون في الزّنا؟» قالوا: حرام حرّمه الله- ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «لأن يزني الرّجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره» ) * «٢» . ١٩-* (عن أنس- ﵁ أنّه قال: سمعت من رسول الله ﷺ حديثا لا يحدّثكم به غيري قال: «من أشراط السّاعة أن يظهر الجهل، ويقلّ العلم، ويظهر الزّنا، ويشرب الخمر، ويقلّ الرّجال، وتكثر النّساء حتّى يكون لخمسين امرأة قيّمهنّ رجل واحد» ) * «٣» . ٢٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ الله ﷺ قال: «لم يتكلّم في المهد إلّا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج، وكان جريج رجلا عابدا. فاتّخذ صومعة، فكان فيها، فأتته أمّه وهو يصلّي فقالت: يا جريج. فقال: يا ربّ أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت! فلمّا كان من الغد، أتته وهو يصلّي فقالت: يا جريج فقال: يا ربّ أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفت. فلمّا كان من الغد، أتته وهو يصلّي فقالت: يا جريج. فقال: أي ربّ أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهمّ لا تمته حتّى ينظر إلى وجوه المومسات «٤» . فتذاكر بنو إسرائيل جريجا وعبادته، وكانت امرأة بغيّ يتمثّل بحسنها، فقالت: إن شئتم لأفتننّه لكم. قال: فتعرّضت له فلم يلتفت إليها، فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته فأمكنته من نفسها «٥» ، فوقع عليها، فحملت. فلمّا ولدت، قالت: هو من جريج، فأتوه فاستنزلوه وهدموا صومعته وجعلوا يضربونه، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: زنيت بهذه البغيّ «٦» فولدت منك. فقال: أين الصّبيّ؟ فجاءوا به، فقال: دعوني حتّى أصلّي فصلّى، فلمّا انصرف أتى الصّبيّ فطعن في بطنه، وقال: يا غلام! من أبوك؟ قال: فلان الرّاعي. قال: فأقبلوا على جريج يقبّلونه ويتمسّحون به «٧» ، وقالوا: نبني لك صومعتك من ذهب، قال: لا. أعيدوها من طين كما كانت، ففعلوا. وبينا صبيّ يرضع من أمّه، فمرّ رجل راكب على دابّة فارهة وشارة حسنة «٨» فقالت أمّه: اللهمّ! اجعل ابني مثل هذا، فترك الثّدي وأقبل إليه فنظر إليه. فقال: اللهمّ لا تجعلني مثله، ثمّ أقبل على ثديه فجعل يرتضع، قال: فكأنّي أنظر إلى

стр. 5297

رسول الله ﷺ وهو يحكي ارتضاعه بإصبعه السّبّابة في فمه فجعل يمصّها. قال: ومرّوا بجارية وهم يضربونها ويقولون: زنيت، سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أمّه: اللهمّ لا تجعل ابني مثلها، فترك الرّضاع ونظر إليها، فقال: اللهمّ اجعلني مثلها، فهناك تراجعا الحديث. فقالت: حلقى «١» مرّ رجل حسن الهيئة فقلت: اللهمّ اجعل ابني مثله، فقلت: اللهمّ لا تجعلني مثله، ومرّوا بهذه الأمة وهم يضربونها ويقولون: زنيت، سرقت، فقلت: اللهمّ لا تجعل ابني مثلها، فقلت: اللهمّ اجعلني مثلها، قال: إنّ ذاك الرّجل كان جبّارا، فقلت: اللهمّ لا تجعلني مثله، وإنّ هذه يقولون لها: زنيت ولم تزن، وسرقت ولم تسرق، فقلت: اللهمّ اجعلني مثلها» ) * «٢» . ٢١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من زنى وشرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه» ) * «٣» . ٢٢-* (عن أمّ المؤمنين ميمونة بنت الحارث- ﵂ أنّها قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال أمّتي بخير ما لم يفش «٤» فيهم ولد الزّنا، فإذا فشا فيهم ولد الزّنا فأوشك أن يعمّهم الله بعذاب» ) * «٥» . ٢٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله إلّا بإحدى ثلاث: النّفس بالنّفس، والثّيّب الزّاني، والمفارق لدينه التّارك للجماعة» ) * «٦» . ٢٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع النّاس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن» ) * «٧» . ٢٥-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينظر الله إلى الأشيمط «٨» الزّاني، ولا العائل «٩» المزهوّ» ) * «١٠» .

стр. 5298

٢٦-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «ما ظهر الغلول «١» في قوم قطّ إلّا ألقي في قلوبهم الرّعب، ولا فشا «٢» الزّنا في قوم قطّ إلّا كثر فيهم الموت، ولا نقص قوم المكيال والميزان إلّا قطع عنهم الرّزق، ولا حكم قوم بغير الحقّ إلّا فشا فيهم الدّم «٣» ولا ختر «٤» قوم بالعهد إلّا سلّط الله عليهم العدوّ» ) * «٥» . ٢٧-* (عن عبد الله بن زيد- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «يا بغايا العرب، يا بغايا العرب، إنّ أخوف ما أخاف عليكم الزّنا والشّهوة الخفيّة» ) * «٦» . ٢٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا شباب قريش احفظوا فروجكم، لا تزنوا، من حفظ فرجه فله الجنّة» ) * «٧» . ٢٩-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: قال رجل: يا رسول الله، أيّ الذّنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندّا وهو خلقك» قال: ثمّ أيّ؟ قال: «ثمّ أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك» . قال: ثمّ أيّ؟ قال: «ثمّ أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديقها وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (الفرقان/ ٦٨)) * «٨» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الزنا) معنى ٣٠-* (عن وائل بن حجر- ﵁ أنّه قال: إنّ امرأة خرجت على عهد النّبيّ ﷺ تريد الصّلاة، فتلقّاها رجل، فتجلّلها «٩» فقضى حاجته منها، فصاحت، وانطلق، فمرّ عليها رجل فقالت: إنّ ذاك فعل بي كذا وكذا، ومرّت عصابة من المهاجرين فقالت: إنّ ذلك الرّجل فعل بي كذا وكذا، فانطلقوا فأخذوا الرّجل الّذي ظنّت أنّه وقع عليها، فأتوها به، فقالت: نعم هو هذا، فأتوا به النّبيّ ﷺ ، فلمّا أمر به قام صاحبها الّذي وقع عليها فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، فقال لها: «اذهبي فقد غفر الله لك» وقال للرّجل (المأخوذ) قولا حسنا، وقال للرّجل الّذي وقع عليها: ارجموه، فقال: «لقد تاب توبة لو

стр. 5299

تابها أهل المدينة لقبل منهم» ) * «١» . ٣١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: قيل يا رسول الله: متى نترك الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم» قلنا: يا رسول الله، وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: «الملك في صغاركم «٢» والفاحشة في كباركم «٣» ، والعلم في رذالتكم» «٤» ) * «٥» . ٣٢-* (عن أبي مسعود الأنصاريّ- ﵁ أنّه قال: إنّ رسول الله ﷺ نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغيّ «٦» ، وحلوان الكاهن «٧» ) * «٨» . ٣٣-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه قال: «أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ، حتّى يعلنوا بها إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلّا أخذوا بالسّنين «٩» وشدّة المؤونة، وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر «١٠» من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلّا سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله، إلّا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «١١» . ٣٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة: «أيّما امرأة أدخلت على قوم رجلا ليس منهم فليست من الله في شيء، ولا يدخلها الله جنّته، وأيّما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه، وفضحه على رؤوس الأوّلين والآخرين يوم القيامة» ) * «١٢» . ٣٥-* (عن بريدة بن الحصيب الأسلميّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمّهاتهم، وما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في

стр. 5300

أهله، فيخونه فيهم إلّا وقف له يوم القيامة، فيأخذ من عمله ما شاء. فما ظنّكم؟» «١» ) * «٢» . ٣٦-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «خذوا عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهنّ سبيلا «٣» ، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثّيّب بالثّيّب «٤» ، جلد مائة والرّجم» ) * «٥» . ٣٧-* (عن بريدة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقض قوم العهد قطّ إلّا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم قطّ إلّا سلّط الله- عليهم الموت، ولا منع قوم الزّكاة إلّا حبس الله عنهم القطر» ) * «٦» . ٣٨-* (عن سعيد بن جبير- ﵁ قال: سئلت عن المتلاعنين في إمرة مصعب «٧» . أيفرّق بينهما؟ قال: فما دريت ما أقول فمضيت إلى منزل ابن عمر بمكّة. فقلت للغلام: استأذن لي. قال: إنّه قائل «٨» . فسمع صوتي. قال: ابن جبير؟ قلت: نعم. قال: ادخل. فو الله ما جاء بك هذه السّاعة إلّا حاجة. فدخلت. فإذا هو مفترش برذعة. متوسّد وسادة حشوها ليف. قلت: أبا عبد الرّحمن! المتلاعنان، أيفرّق بينهما؟ قال: سبحان الله! نعم. إنّ أوّل من سأل عن ذلك فلان بن فلان. قال: يا رسول الله، أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلّم تكلّم بأمر عظيم. وإن سكت سكت على مثل ذلك. قال: فسكت النّبيّ ﷺ فلم يجبه. فلمّا كان بعد ذلك أتاه فقال: إنّ الّذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل الله- هؤلاء الآيات في سورة النّور: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ (النور/ ٦- ٩) فتلاهنّ عليه ووعظه وذكّره. وأخبره أنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة. قال: لا، والّذي بعثك بالحقّ. ما كذبت عليها. ثمّ دعاها فوعظها وذكّرها وأخبرها أنّ عذاب الدّنيا أهون من عذاب الآخرة قالت: لا، والّذي بعثك بالحقّ إنّه لكاذب. فبدأ بالرّجل فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصّادقين. والخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثمّ ثنّى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنّه

стр. 5301

لمن الكاذبين. والخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصّادقين. ثمّ فرّق بينهما) * «١» . ٣٩-* (عن أبي مالك الأشعريّ- ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمّتي أقوام يستحلّون الحر «٢» والحرير والخمر والمعازف، ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة «٣» لهم، يأتيهم- يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدا. فيبيّتهم الله «٤» ويضع العلم «٥» ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» ) * «٦» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (الزنا) ١-* (قال المسيح- ﵊: «لا يكون البطّالون من الحكماء، ولا يلج الزّناة ملكوت السّماء» ) * «٧» . ٢-* (قال عثمان بن عفّان- ﵁ للّذين حصروه في الدّار بعدما أشرف عليهم وسلّم عليهم فلم يردّوا عليه: أفي القوم طلحة؟ قال طلحة: نعم. قال: فإنّا لله وإنّا إليه راجعون! أسلّم على قوم أنت فيهم فلا تردّون؟! قال: قد رددت. قال: ما هكذا الرّدّ، أسمعك ولا تسمعني؟!. يا طلحة. أنشدك الله، أسمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لا يحلّ دم المسلم إلّا واحدة من ثلاث: أن يكفر بعد إيمانه، أو يزني بعد إحصانه، أو يقتل نفسا فيقتل بها» . قال: اللهمّ نعم. فكبّر عثمان فقال: «والله ما أنكرت الله منذ عرفته، ولا زنيت في جاهليّة، ولا إسلام، وقد تركته في الجاهليّة تكرّما، وفي الإسلام تعفّفّا، وما قتلت نفسا يحلّ بها قتلي» ) * «٨» . ٣-* (وقال أيضا- ﵁ على المنبر: «لا تكلّفوا الأمة، غير ذات الصّنعة، الكسب. فإنّكم متى كلّفتموها ذلك كسبت بفرجها. ولا تكلّفوا الصّغير الكسب، فإنّه إذا لم يجد سرق، وعفّوا إذا أعفّكم الله، وعليكم من المطاعم بما طاب منها» ) * «٩» . ٤-* (قال أبو هريرة- ﵁:- «من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه» ) * «١٠» . ٥-* (قال عثمان بن أبي صفيّة: «كان ابن عبّاس- ﵄ يدعو غلمانه غلاما غلاما فيقول: ألا أزوّجك؟ ما من عبد يزني إلّا نزع الله منه نور الإيمان» ) * «١١» . ٦-* (قال اللّحيانيّ: أمّا الزّناء فإنّي لست قاربه ... والمال بيني وبين الخمر نصفان ) * «١٢» .

стр. 5302

٧-* (قال خويلد بن نوفل الكلابيّ يعيب على الحارث بن أبي شمر الغسّانيّ، وكان إذا أعجبته امرأة من بني قيس اغتصبها: يا أيّها الملك المخوف أما ترى ... ليلا وصبحا كيف يختلفان؟ هل تستطيع الشّمس أن تأتي بها ... ليلا وهل لك بالمليك يدان؟ يا حار إنّك ميّت ومحاسب ... واعلم بأنّ كما تدين تدان ) * «١» . ٨-* (قال المنذريّ- رحمه الله تعالى-: «صحّ أنّ مدمن الخمر إذا مات لقي الله كعابد وثن، ولا شكّ أنّ الزّنا أشدّ وأعظم عند الله من شرب الخمر» ) * «٢» . ٩-* (قال الذّهبيّ- ﵀ ورد في الزّبور مكتوبا: إنّ الزّناة معلّقون بفروجهم في النّار يضربون عليها بسياط من حديد، فإذا استغاث من الضّرب نادته الزّبانية: أين كان هذا الصّوت وأنت تضحك وتفرح وتمرح ولا تراقب الله تعالى ولا تستحي منه؟» ) * «٣» . من مضار (الزنا) (١) الزّنا يجمع خلال الشّرّ كلّها من قلّة الدّين وذهاب الورع وفساد المروءة وقلّة الغيرة. (٢) في الزّنا غضب الرّبّ ﵎ بانتهاك حرمه وإفساد خلقه. (٣) من أضرار الزّنا خبث النّفس وإذهاب الحياء ورفع الحشمة. (٤) سواد وجه الزّاني وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الّذي يبدو عليه للنّاظرين. (٥) ظلمة القلب وطمس نوره. (٦) الفقر اللّازم لأنّ الله- مفقر الزّناة. (٧) الزّنا يذهب حرمة فاعله ويعرّضه للحدّ في الدّنيا والعذاب الأليم في الآخرة. (٨) الزّنا يسلب الزّاني أحسن الأسماء، وهي العفّة والبرّ والأمانة، ويعطيه أضدادها كالفاجر والفاسق والزّاني والخائن. (٩) يفارق الزّاني وصف «الطّيّب» الّذي يتّسم به أهل العفاف، ويتبدّل به الخبث الّذي يتّصف به الزّناة، وقد حرّم الله الجنّة على كلّ خبيث وجعلها مأوى للطّيّبين «٤» . (١٠) من أضرار الزّنا على المجتمع اختلاط الأنساب واشتباهها ويؤدّي إلى ضيق في الأرزاق وخراب في الدّيار، وإيقاع الوحشة بين أبناء المجتمع. (١١) يسبّب الزّنا ظهور أمراض وبلايا لا يعلمها إلّا الله ومنها مرض فقد المناعة (الإيدز) الّذي شاع في المجتمعات الفاجرة هذه الأيّام. (١٢) في زنا الزّاني جناية على ذرّيّته بجلب العار والخزي لهم من ناحية، وتعريضهم- إلّا من رحم الله- لمثل هذه الفعلة الشّائنة من ناحية أخرى.

стр. 5303

الزندقة الزندقة لغة: الزّندقة كلمة معرّبة من اللّغة الفارسيّة استعملها العرب منذ فترة مبكّرة في التّاريخ الإسلاميّ للتّعبير عن طائفة من الملاحدة، وقد شقّت طريقها إلى المعجم العربيّ منذ القرن الثّاني للهجرة فقال عنها الخليل في أقدم معجم عربيّ (هو كتاب العين) : زندقة الزّنديق: ألّا يؤمن بالآخرة وبالرّبوبيّة «١» ، وقيل: هو الّذي لا يؤمن بالآخرة ووحدانيّة الخالق «٢» . وقال الجوهريّ: الزّنديق من الثّنويّة «٣» ، وهو معرّب، والجمع: الزّنادقة، والهاء (أي التّاء الموقوف عليها بالهاء) عوض من الياء المحذوفة، وأصله زناديق، (والفعل من ذلك) تزندق، والاسم: الزّندقة «٤» . وقال ابن منظور: الزّنديق: القائل ببقاء الدّهر، وهو بالفارسيّة: (زندكراي) أي يقول بدوام بقاء الدّهر، والزّندقة: الضّيق، وقيل الزّنديق منه لأنّه ضيّق على نفسه، وقال أحمد بن يحيى (ثعلب) : ليس الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ -/ ٢ زنديق من كلام العرب (بالمعنى الدّينيّ المعروف للزّندقة) ، وإنّما تقول العرب: رجل زندق وزندقيّ إذا كان شديد التّخيّل، فإذا أرادت العرب معنى ما تقوله العامّة (أي المعنى الدّينيّ) قالوا: ملحد، ودهريّ «٥» ، وإذا أرادوا السّنّ (أي النّسبة إلى الدّهر بمعني الزّمن) قالوا: دهريّ، وقد ذكر ابن دريد أنّ الأصل الفارسيّ للكلمة هو «زنده» أي يقول بدوام بقاء الدّهر «٦» . الزندقة اصطلاحا: قال التّهانويّ: الزّنديق: هو الثّنويّ القائل بإلهين منهما يكون النّور والظّلمة ويسمّيهما: يزدان، وأهريمن، الأوّل: خالق الخير، والثّاني: خالق الشّرّ يعني الشّيطان، (وقيل) هو الّذي لا يؤمن بالحقّ تعالى وبالآخرة، وقيل: هو الّذي يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وقال بعضهم: إنّه معرّب.. «زنديق «٧» » أي من يكون له دين النّساء، والصّحيح المعنى الأوّل وهو معرّب «زنديّ» أي من يؤمن بالزّند الّذي هو كتاب زراد شت، والقائل بوجود يزدان، وأهريمن،

стр. 5304

والزّنادقة فرقة متشبّهة مبطلة متّصلة بالمجذوبين «١» . حكم الزندقة: الزّندقة كفر، والزّنديق كافر، لأنّه مع وجود الاعتراف بنبوّة سيّدنا محمّد ﷺ يكون في عقائده كفر وهذا بالاتّفاق «٢» . حقيقة الزندقة: قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى-: الزّنادقة جمع زنديق، وقال: قال أبو حاتم السّجستانيّ وغيره: الزّنديق: فارسيّ معرّب أصله «زنده كرداي» يقول بدوام الدّهر لأنّ (زنده) الحياة و (كرد) العمل، ويطلق على من يكون دقيق النّظر في الأمور. وقال ثعلب: ليس في كلام العرب زنديق وإنّما قالوا زندقيّ لمن يكون شديد التّحيّل، وإذا أرادوا ما تريد العامّة قالوا ملحد ودهريّ أي يقول بدوام الدّهر، وقال الجوهريّ: الزّنديق من الثّنويّة. وفسّره بعض الشّرّاح بأنّه الّذي يدّعي أنّ مع الله إلها آخر، وتعقّب بأنّه يلزم منه أن يطلق على كلّ مشرك. ثمّ قال: والتّحقيق أنّ أصل الزّنادقة أتباع ديصان ثمّ ماني ثمّ مزدك. وحاصل مقالتهم أنّ النّور والظّلمة قديمان وأنّهما امتزجا فحدث العالم كلّه منهما، فمن كان من أهل الشّرّ فهو من الظّلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النّور. وأنّه يجب السّعي في تخليص النّور من الظّلمة فيلزم إزهاق كلّ نفس. وكان بهرام جدّ كسرى تحيّل على ماني حتّى حضر عنده وأظهر له أنّه قبل مقالته ثمّ قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقيّة اتّبعوا مزدك، وقام الإسلام والزّنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل ومن ثمّ أطلق الاسم على كلّ من أسرّ الكفر وأظهر الإسلام حتّى قال مالك: الزّندقة ما كان عليه المنافقون وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشّافعيّة وغيرهم أنّ الزّنديق هو الّذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر. ونقل ابن حجر عن النّوويّ قوله: الزّنديق الّذي لا ينتحل دينا. ونقل أيضا عن محمّد بن معن قوله: الزّنادقة من الثّنويّة يقولون ببقاء الدّهر وبالتّناسخ. قال: ومن الزّنادقة: الباطنيّة، وهم قوم زعموا أنّ الله خلق شيئا ثمّ خلق منه شيئا آخر. فدبّر العالم بأسره ويسمّونهما العقل والنّفس وتارة العقل الأوّل والعقل الثّاني، وهو من قول الثّنويّة في النّور والظّلمة إلّا أنّهم غيّروا الاسمين، وقال محمّد بن معن ولهم مقالات سخيفة في النّبوّات وتحريف الآيات وفرائض العبادات، وقد قيل إنّ سبب تفسير الفقهاء الزّنديق بما يفسّر به المنافق قول الشّافعيّ في كتابه «المختصر» : وأيّ كفر ارتدّ إليه ممّا يظهر أو يسرّ من الزّندقة وغيرها ثمّ تاب سقط عنه القتل، وهذا لا يلزم منه اتّحاد الزّنديق والمنافق بل كلّ زنديق منافق ولا عكس. وكان من أطلق عليه في الكتاب والسّنّة المنافق يظهر الإسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهوديّة، وأمّا الثّنويّة فلا يحفظ أنّ أحدا

стр. 5305

منهم أظهر الإسلام في العهد النّبويّ. والله أعلم «١» . أصل الزندقة: قال ابن كمال باشا: وأمّا الّذي ذهب إليه صاحب القاموس من أنّ كلمة زنديق معرّب (زنده) فلا وجه له كما لا يخفى، و (زنده) اسم كتاب أظهره مزدك. ودين الزّنادقة خارج عن الأديان السّماويّة كلّها وما في كتابهم من إباحة الأموال والنّساء والحكم باشتراك النّاس فيها كاشتراكهم في الماء والكلأ مخالف لما في الكتب الإلهيّة كلّها. سمّى العرب زنديقا ونسب إلى كتابهم كلّ من خرج عن الأديان السّماويّة كلّها بالإنكار بواحد أو أكثر من أصول الدّين الّتي اتّفقت عليها الأديان السّماويّة كلّها سواء كان ما أنكره وجود الباري- عزّ اسمه- فيوافق الدّهريّ أو لا. وكلمة الزّنديق في لسان العرب تطلق على من ينفي الباري- عزّ اسمه- وعلى من يثبت الشّريك له وعلى من ينكر حكمته غير مخصوص بالأوّل كما زعمه ثعلب ولا بالثّاني. كما هو الظّاهر من كلام الجوهريّ والفرق بينه وبين المرتدّ أنّه قد لا يكون زنديقا كما إذا ارتدّ عن دين الإسلام وتديّن بواحد من الأديان السّماويّة الباطلة. واعتبروا في الزّنديق أن يكون مبطنا للكفر على ما نقلناه عن العلّامة الشّيرازيّ. وذلك القيد غير معتبر في مفهوم المرتدّ فاتّسعت دائرة الفرق، ومع هذا فالنّسبة بينهما على حالهما، وفي الزّنديق قيد آخر اعتبره أيضا أهل الشّرع وبه أيضا يفارق المرتدّ وهو أن يكون معترفا بنبوّة نبيّنا ﷺ على ما صرّح به العلّامة التّفتازانيّ في شرحه للمقاصد حيث قال في تفصيل فرق الكفّار: قد ظهر أنّ الكافر اسم لمن لا إيمان له، فإن أظهر الإيمان خصّ باسم المنافق وإن كفر بعد الإسلام خصّ باسم المرتدّ لرجوعه عن الإسلام، وإن قال بإلهين وأكثر خصّ باسم المشرك لإثباته الشّريك في الألوهيّة، وإن كان متديّنا ببعض الأديان والكتب المنسوخة خصّ باسم الكتابيّ كاليهوديّ والنّصرانيّ، وإن كان يقول بقدم الدّهر وإسناد الحوادث إليه خصّ باسم الدّهريّ، وإن كان لا يثبت الباري تعالى خصّ باسم المعطّل، وإن كان مع اعترافه بنبوّة النّبيّ ﷺ وإظهاره عقائد الإسلام يبطن عقائد هي كفر بالاتّفاق خصّ بالزّنديق. إلّا أنّ أهل الشّرع إنّما اعتبروا القيد المذكور في الزّنديق الإسلاميّ لا في مطلق الزّنديق لأنّه قد يكون من المشركين، وقد يكون من أهل الذّمّة. الفرق بين الزنديق وغيره من أصناف الكفار: وأمّا الفرق بين الزّنديق والمنافق مع اشتراكهما في إبطان الكفر: هو أنّ الزّنديق معترف بنبوّة نبيّنا ﷺ ، دون المنافق وهذا الفرق بين الزّنديق من أهل الإسلام والمنافق الاصطلاحيّ. وأمّا الفرق بين الزّنديق والدّهريّ فيما ذكر فإنّ الدّهريّ ينكر استناد الحوادث إلى الصّانع المختار بخلاف الزّنديق. وأمّا

стр. 5306

الفرق بينه وبين الملحد الّذي يعتبر أيضا- من زمرة الكفرة على ما دلّ قول حافظ الدّين الكرديّ في فتاواه: لو قال أنا ملحد يكفر فيما أنّ الاعتراف بنبوّته ﷺ معتبر في الزّنديق دون الملحد وإن لم يكن عدم الاعتراف دون الملحد وإن لم يكن بالعدم أيضا معتبرا فيه. وبهذا أي بعدم اعتبار القول بعدم الصّانع المختار في الملحد يفارق الملحد الدّهريّ. أحكام الزنادقة: وقال الآمديّ في أبكار الأفكار: حكم أموال الزّنادقة حكم المرتدّين فلا تقبل منهم جزية ولا تنكح نساؤهم ولا دية على قاتل واحد منهم، فإن استرقّ لحق واحد منهم بدار الحرب وسبي، ولو تاب واحد منهم فإن كان ذلك ابتداء منه غير خوف قبلت توبته، وإن كان ذلك خوفا من القتل بعد الظّهور على بدعته فقد اختلف في قبول توبته فقبلها الشّافعيّ وأبو حنيفة ومنع من ذلك مالك وبعض أصحاب الشّافعيّ وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق ولو قتل واحد منهم أو مات فما له مخمّس عند الشّافعيّ وأبي حنيفة، وعند مالك ماله كلّه لا خمس فيه. قلت: لا بعد فيه فإنّ الزّنديق يموّه كفره ويروّج العقيدة الفاسدة ويخرجها في الصّورة الصّحيحة وهذا معنى إبطانه الكفر فلا ينافي إظهاره الدّعوة إلى الملّة الضّالّة. فالملحد أوسع فرق الكفر جدّا، فافهم هذا الفرق. أنواع الزندقة: والزّنادقة على ثلاثة أوجه: إمّا أن يكون زنديقا من الأصل على الشّرك أو يكون مسلما فتزندق أو يكون ذمّيّا فتزندق. ففي الوجه الأوّل يترك على شركه، وفي الوجه الثّاني يعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلّا قتل لأنّه مرتّد، وفي الوجه الثّالث يترك على حاله لأنّ الكفر ملّة واحدة «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الإلحاد- الردة- الشرك- الكفر- الضلال- النفاق- الرياء- اتباع الهوى- الفجور- الإعراض- التفريط والإفراط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإيمان- الإسلام- الثبات- الهدى- اليقين] . الأحاديث الواردة في ذمّ «الزندقة» انظر صفات: الإلحاد، والردة، والشرك، والكفر، والنفاق، والرياء.

стр. 5307

من الآثار الواردة في ذمّ «الزندقة» ١-* (قال مالك بن أنس- ﵀: «توبة الزّنديق لا تقبل» وهذا يحكى عن أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى-) * «١» . ٢-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «الزّنديق يجب قتله» ) * «٢» . من مضار «الزندقة» (١) شيوع الزّندقة يغري ضعاف الإيمان بالانزلاق إليها. (٢) انتشار المعصية، فليس بعد الكفر ذنب، ومن ثمّ يسهل على الزّنديق ارتكابها. (٣) اضطراب المجتمع، فإنّ الزّنادقة لا يحكمهم مبدأ، ومن ثمّ فإنّهم يفعلون ما تدعوهم إليه أهواؤهم بغير رعاية لحقوق الآخرين. (٤) انصراف النّاس إلى الشّهوات وتلبية دعوة الهوى يضعف المجتمع فيطمع فيه أعداؤه ويستولون عليه ويسلبون عزّته وكرامته.

стр. 5308

[حرف السين] السحر السحر لغة: مصدر قولهم: سحره يسحره أي خدعه، وهو مأخوذ من مادّة «سحر» الّتي تدلّ على أصول ثلاثة، يقول ابن فارس: السّين والحاء والرّاء أصول ثلاثة متباينة: أحدها عضو من الأعضاء، والآخر خدع وشبهه، والثّالث: وقت من الأوقات. فالعضو: السّحر، وهو ما لصق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن. وأمّا الثّاني فالسّحر، قال قوم: هو إخراج الباطل فى صورة الحقّ، ويقال، هو الخديعة ... وأمّا الوقت فالسّحر والسّحرة وهو قبل الصّبح، وجمع السّحر أسحار. ويقال سحره إذا خدعه، وكذلك إذا علّله، والتّسحير مثله، وقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (الشعراء/ ١٥٣) يقال: المسحّر: الّذي خلق ذا سحر. ويقال: من المعلّلين، والسّحر: عمل تقرّب فيه إلى الشّيطان، وبمعونة منه، كلّ ذلك الأمر كينونة للسّحر، ومن السّحر الأخذة الّتي تأخذ العين حتّى يظنّ أنّ الأمر، كما يرى، وليس الأمر على ما يرى وكلّ ما لطف مأخذه ودقّ فهو سحر، والجمع أسحار وسحور. وأصل السّحر صرف الشّيء عن حقيقته إلى الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣٠/ ١٢/ ٨ غيره فكأنّ السّاحر- لمّا أرى الباطل في صورة الحقّ وخيّل الشّيء على غير حقيقته- قد سحر الشّيء عن وجهه أي صرفه. والعرب إنّما سمّت السّحر سحرا لأنّه يزيل الصّحّة إلى المرض، وإنّما يقال سحره أي أزاله عن البغض إلى الحبّ، وقال الكميت: وقاد إليها الحبّ فانقاد صعبه ... بحبّ من السّحر الحلال التّحبّب ورجل ساحر من قوم سحرة وسحّار، وسحّار من قوم سحّارين. والسّحر البيان في فطنة، وقد جاء في الحديث «إنّ من البيان لسحرا» قال ابن الأثير: أي منه ما يصرف قلوب السّامعين، وإن كان غير حقّ، وقيل: معناه أنّ من البيان ما يكسب من الإثم، ما يكتسبه السّاحر بسحره، فيكون في معرض الذّمّ، ويجوز أن يكون في معرض المدح؛ لأنّه تستمال به القلوب، ويرضى به السّاخط، ويستنزل به الصّعب والسّحر: الفساد. وطعام مسحور، إذا أفسد عمله، وأرض مسحورة: أصابها من المطر أكثر ممّا ينبغى، فأفسدها. وغيث ذو سحر، إذا كان ماؤه أكثر ممّا ينبغي وسحر المطر الطّين والتّراب سحرا، أفسده فلم يصلح للعمل.

стр. 5309

وسحره بكلامه، استماله برقّته وحسن تركيبه.. وإذا أطلق ذمّ فاعله، وقد يستعمل مقيّدا فيما يمدح «١» . السحر اصطلاحا: قال ابن قدامة- ﵀: هو عقد ورقى يتكلّم به أو يكتبه السّاحر أو يعمل شيئا يؤثّر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له. وقالا لتّهانويّ: هو الإتيان بخارق عند مزاولة قول أو فعل محرّم في الشّرع أجرى الله سبحانه عنده ابتداء «٢» . وقال الكفويّ: السّحر: كلّ ما لطف مأخذه ودقّ، وهذا في السّحر الحلال «٣» ، أمّا السّحر الحرام المنهيّ عنه فقد عرّفه بقوله: مزاولة النّفوس الخبيثة لأفعال وأحوال يترتّب عليها أمور خارقة للعادة لا يتعذّر معارضته، ويطلق على ما يفعله صاحب الحيل بمعونة الآلات والأدوية، وما يريك إيّاه صاحب خفّة اليد «٤» . وقال بعضهم: السّحر: قلب الحواسّ في مدركاتها عن الوجه المعتاد في صحّتها عن سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله عليه وقيل: أمر خارق للعادة صادر عن نفس شرّيرة ولا يتعذّر معارضته «٥» . السحر حقيقة وتخيل: قال الرّاغب: السّحر يقال على معان: الأوّل: الخداع وتخييلات لا حقيقة لها نحو ما يفعله المشعوذ بصرف الأبصار عمّا يفعله لخفّة يد، وما يفعله النّمّام بقول مزخرف عائق للأسماع، وعلى ذلك قوله تعالى: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ (الأعراف/ ١١٦) . الثّاني: استجلاب معاونة الشّيطان بضرب من التّقرّب إليه، كما في قوله تعالى: وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ (البقرة/ ١٠٢) . الثّالث: ما يذهب إليه الأغتام (جمع أغتم وهو الّذي لا يفصح شيئا) وهو اسم لفعل يزعمون أنّه من قوّته يغيّر الصّور والطّبائع فيجعل الإنسان حمارا ولا حقيقة له عند المحصّلين. وقد تصوّر من السّحر تارة حسنه فقيل: إنّ من البيان لسحرا، وتارة دقّة فعله حتّى قالت الأطبّاء: الطّبيعة ساحرة، وسمّوا الغذاء سحرا من حيث إنّه يدقّ ويلطف تأثيره «٦» . ثمّ إنّ السّحر يطلق ويراد به الآلة الّتي يسحر بها، ويطلق ويراد به فعل السّحر، والآلة تارة تكون معنى من المعاني فقط، كالرّقى والنّفث في العقد وتارة تكون بالمحسوسات كتصوير الصّورة على صورة المسحور وتارة بجمع الأمرين: الحسّيّ والمعنويّ وهو

стр. 5310

أبلغ، واختلف في السّحر فقيل: هو تخييل فقط ولا حقيقة له. قال النّوويّ: والصّحيح أنّ له حقيقة وبه قطع الجمهور وعليه عامّة العلماء، ويدلّ عليه الكتاب والسّنّة الصّحيحة المشهورة. قال المازريّ: جمهور العلماء على إثبات السّحر وأنّ له حقيقة، ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، وهو مردود لورود النّقل بإثبات السّحر، ولأنّ العقل لا ينكر أنّ الله قد يخرق العادة عند نطق السّاحر بكلام ملفّق أو تركيب أجسام أو مزج بين قوى على ترتيب مخصوص، ونظير ذلك ما يقع من حذّاق الأطبّاء من مزج بعض العقاقير ببعض حتّى ينقلب الضّارّ منها بمفرده فيصير بالتّركيب نافعا. الفرق بين السحر والمعجزة والكرامة: والفرق بين السّحر والمعجزة والكرامة: أنّ السّحر يكون بمعاناة أقوال وأفعال حتّى يتمّ للسّاحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك بل إنّما تقع غالبا اتّفاقا، وأمّا المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتّحدّي، ونقل إمام الحرمين الإجماع على أنّ السّحر لا يظهر إلّا من فاسق، وأنّ الكرامة لا تظهر على فاسق «١» . حكم السحر: قال الكفويّ: الصّحيح أنّ تعلّمه حرام مطلقا لأنّه توسّل إلى محظور عنه غنى، وتوقّيه بالتّجنّب أصلح وأحوط. وقال الإمام الذّهبيّ: السّاحر لابدّ وأن يكفر؛ إذ ليس للشّيطان الملعون غرض في تعليمه الإنسان السّحر إلّا ليشرك بالله، وترى خلقا كثيرا من الضّلّال يدخلون في السّحر ويظنّونه حراما فقط، وما يشعرون أنّه الكفر، وحدّ السّاحر: القتل، لأنّه كفر بالله أو مضارع له، وهو من السّبع الموبقات، وقد جعل من الشّرك لاعتقاد الجهّال أنّ ذلك يؤثّر بخلاف ما قدّر الله تعالى «٢» وقد عدّه الإمام ابن حجر ضمن الكبائر، وحدّه عنده: كلّ كلام يغيّر الإنسان أو شيئا من أعضائه، وهو من كبائر اللّسان «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: التطير- الفساد- الكفر الوهم- انتهاك الحرمات- الضلال- الغي والإغواء. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإيمان- الاستقامة- اليقين- الهدى- تعظيم الحرمات- الصلاح- الأمن من المكر- العفة] .

стр. 5311

الآيات الواردة في «السحر» ١- وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) «١» ٢- إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١١٠) «٢» ٣- قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢) وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (١١٣) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥) قالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦) * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (١٢٠) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (١٢٢) «٣»

стр. 5312

٤- وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) «١» ٥- أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) «٢» ٦- فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) «٣» ٧- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) «٤» ٨- وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥) «٥» ٩- نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٤٧) «٦» ١٠- قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا

стр. 5313

النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) «١» ١١- اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) «٢» ١٢- قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) «٣» ١٣- وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٨) «٤»

стр. 5314

١٤- فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) «١» ١٥- قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) «٢» ١٦- قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) «٣» ١٧- فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) «٤» ١٨- فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) «٥» ١٩- فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨) «٦» ٢٠- وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) «٧» ٢١- وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) «٨» ٢٢- وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) «٩»

стр. 5315

٢٣- وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) «١» ٢٤- وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) «٢» ٢٥- وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) «٣» ٢٦- وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) «٤» ٢٧- كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) «٥» ٢٨- أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) «٦» ٢٩- اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) «٧» ٣٠- ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) «٨»

стр. 5316

الأحاديث الواردة في ذمّ (السحر) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات «١» » قيل: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: «الشّرك بالله، والسّحر، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرّبا، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات «٢» المؤمنات» ) * «٣» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: إنّ نبيّ الله ﷺ قال: «إذا قضى الله الأمر في السّماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنّه سلسلة على صفوان «٤» ، فإذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربّكم؟ قالوا للّذي قال: الحقّ وهو العليّ الكبير، فيسمعها مسترق السّمع، ومسترق السّمع هكذا بعضه فوق بعض- ووصف سفيان بكفّه فحرفها وبدّد بين أصابعه- فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثمّ يلقيها الآخر إلى من تحته حتّى يلقيها على لسان السّاحر أو الكاهن فربّما أدركه الشّهاب قبل أن يلقيها، وربّما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدّق بتلك الكلمة الّتي سمعت من السّماء» ) * «٥» . ٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ ضمادا قدم مكّة. وكان من أزد شنوءة وكان يرقي «٦» من هذه الرّيح «٧» . فسمع سفهاء من أهل مكّة يقولون: إنّ محمّدا مجنون، فقال: لو أنّي رأيت هذا الرّجل لعلّ الله يشفيه على يديّ. قال فلقيه فقال: يا محمّد، إنّي أرقي من هذه الرّيح، وإنّ الله يشفي على يدي من شاء. فهل لك «٨» ؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلّ له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده ورسوله. أمّا بعد» . قال: فقال: أعد عليّ كلماتك هؤلاء. فأعادهنّ عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرّات. قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السّحرة وقول الشّعراء. فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوس البحر «٩» . قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام. قال: فبايعه. فقال رسول الله ﷺ «وعلى قومك» قال: وعلى قومي. قال: فبعث رسول الله ﷺ سريّة فمرّوا بقومه فقال

стр. 5317

صاحب السّريّة للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة. فقال: ردّوها. فإنّ هؤلاء قوم ضماد) * «١» . ٤-* (عن عائشة- ﵂ قالت: سحر رسول الله ﷺ رجل من بني زريق يقال له: لبيد ابن الأعصم، حتّى كان رسول الله ﷺ يخيّل إليه أنّه كان يفعل الشيء وما فعله. حتّى إذا كان ذات يوم- أو ذات ليلة- وهو عندي لكنّه دعا ودعا ثمّ قال: «يا عائشة: أشعرت أنّ الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجليّ، فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرّجل؟ فقال: مطبوب «٢» . قال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أيّ شيء؟ قال: في مشط ومشاطة «٣» ، وجفّ «٤» طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان «٥» » . فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه. فجاء فقال: يا عائشة، كأنّ ماءها نقاعة الحنّاء، وكأنّ رؤوس نخلها رؤوس الشّياطين. قلت: يا رسول الله، أفلا استخرجته؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهت أن أثير على النّاس فيه شرّا» فأمر بها فدفنت) * «٦» . ٥-* (عن صهيب- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم. وكان له ساحر. فلّما كبر قال للملك:، إنّي قد كبرت، فابعث إليّ غلاما أعلّمه السّحر. فبعث إليه غلاما يعلّمه. فكان في طريقه- إذا سلك- راهب. فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه. فكان إذا أتى السّاحر مرّ بالرّاهب وقعد إليه. فإذا أتى السّاحر ضربه. فشكا ذلك إلى الرّاهب. فقال: إذا خشيت السّاحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني السّاحر. فبينما هو كذلك إذ أتى على دابّة عظيمة قد حبست النّاس. فقال: اليوم أعلم السّاحر أفضل أم الرّاهب أفضل؟ فأخذ حجرا فقال: اللهمّ إن كان أمر الرّاهب أحبّ إليك من أمر السّاحر فاقتل هذه الدّابّة. حتّى يمضي النّاس. فرماها فقتلها. ومضى النّاس فأتى الرّاهب فأخبره. فقال له الرّاهب: أي بنيّ، أنت اليوم أفضل منّي. قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنّك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدلّ عليّ ... الحديث) * «٧» . ٦-* (عن عامر بن سعد عن أبيه- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «من اصطبح كلّ يوم

стр. 5318

تمرات عجوة لم يضرّه سمّ ولا سحر ذلك اليوم إلى اللّيل» وقال غيره: سبع تمرات) * «١» . ٧-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال: «من أتى عرّافا أو ساحرا أو كاهنا يؤمن بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمّد ﷺ » ) * «٢» . ٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من اقتبس علما من النّجوم اقتبس شعبة من السّحر، زاد ما زاد» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (السحر) معنى ٩-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: سئل رسول الله ﷺ عن النّشرة «٤» . فقال: «هي من عمل الشّيطان» ) * «٥» . ١٠-* (عن معاوية بن الحكم السّلميّ- ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، إنّي حديث عهد بجاهليّة وقد جاء الله بالإسلام، وإنّ منّا رجالا يأتون الكهّان. قال «فلا تأتهم» قال: ومنّا رجال يتطيّرون قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم» (قال ابن الصّبّاح: فلا يصدّنكم» ) * «٦» . ١١-* (عن بعض أزواج النّبيّ ﷺ عن النّبيّ ﷺ قال: «من أتى عرّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» ) * «٧» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أتى كاهنا فصدّقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضا، أو أتى امرأة في دبرها فقد برىء ممّا أنزل الله على محمّد» ) * «٨» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (السحر) ١-* (عن عمرو بن أوس، عن بجالة بن عبيد، قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عمّ الأحنف بن قيس إذ جاءنا كتاب عمر قبل موته بسنة: «اقتلوا كلّ ساحر، وفرّقوا بين كلّ ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزّمزمة، فقتلنا في يوم ثلاث سواحر، وفرّقنا بين كلّ رجل من المجوس وحريمه في كتاب الله» ) * «٩» .

стр. 5319

٢-* (عن عبد الرّحمن بن سعد بن زرارة أنّه بلغه: «أنّ حفصة زوج النّبيّ ﷺ قتلت جارية لها سحرتها» ) * «١» . ٣-* (قال النّوويّ: «عمل السّحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع وقد عدّه النّبيّ ﷺ من السّبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرا، ومنه ما لا يكون كفرا بل معصية كبيرة فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كافر، وإلّا فلا، وأمّا تعلّمه وتعليمه فحرام» ) * «٢» . ٤-* (قال القرطبيّ: «السّحر حيل صناعيّة يتوصّل إليها بالاكتساب غير أنّها لدقّتها لا يتوصّل إليها إلّا آحاد النّاس، ومادّته الوقوف على خواصّ الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته» ) * «٣» . ٥-* (قال ابن تيميّة- ﵀: «أرباب السّحر والنّيرنجيّات «٤» وعمل الكيمياء «٥» وأمثالهم ممّن يدخل في الباطل الخفيّ الدّقيق يحتاج إلى أعمال عظيمة، وأفكار عميقة، وأنواع من العبادات والزّهادات والرّياضات ومفارقة الشّهوات والعادات ثمّ آخر أمرهم الشّكّ بالرّحمن وعبادة الطّاغوت والشّيطان وعمل الذّهب المغشوش والفساد في الأرض، والقليل منهم ينال بعض غرضه الّذي لا يزيده من الله إلّا بعدا، وغالبهم محروم مأثوم يتمنّى الكفر والفسوق والعصيان وهو لا يحصل إلّا على نقل الأكاذيب وتمنّى الطّغيان، سمّاعون للكذب، أكّالون للسّحت، عليهم ذلّة المفترين» ) * «٦» . ٦-* (قال ابن القيّم- ﵀ في تفسير قوله تعالى وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (الفلق/ ٤) : «وهذا الشّرّ هو شرّ السّحر؛ فإنّ النّفّاثات في العقد هنّ السّواحر اللّاتي يعقدن الخيوط وينفثن على كلّ عقدة حتّى ينعقد ما يردن من السّحر. والنّفث هو النّفخ مع ريق، وهو دون التّفل، وهو مرتبة بينهما. والنّفث فعل السّاحر فإذا تكيّفت نفسه بالخبث والشّرّ الّذي يريده بالمسحور ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشّرّ والأذى مقترن بالرّيق الممازج لذلك، وقد تساعد هو والرّوح الشّيطانيّة على أذى المسحور فيقع فيه السّحر بإذن الله الكونيّ القدريّ لا الأمريّ الشّرعيّ. فإن قيل: فالسّحر يكون من الذّكور والإناث، فلم خصّ الاستعاذة من الإناث دون الذّكور؟ والجواب المحقّق: أنّ النّفّاثات هنا هنّ الأرواح والأنفس النّفّاثات لا النّساء النّفّاثات لأنّ تأثير السّحر إنّما هو من جهة الأنفس الخبيثة والأرواح الشّرّيرة، وسلطانه إنّما يظهر منها فلهذا ذكرت النّفّاثات هنا بلفظ التّأنيث دون التّذكير. والله أعلم» ) * «٧» .

стр. 5320

٧-* (وقال أيضا- ﵀: «وفي كتب السّحر والسّرّ المكتوم من هذا عجائب، ولهذا كلّما كان السّاحر أكفر وأخبث وأشدّ معاداة لله ولرسوله ولعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ، وكان سحر عبّاد الأصنام أقوى من سحر أهل الكتاب، وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين إلى الإسلام، وهم الّذين سحروا رسول الله ﷺ والمقصود: أنّ السّاحر والحاسد كلّ منهما قصده الشّرّ، لكنّ الحاسد بطبعه ونفسه وبغضه للمحسود، والشّيطان يقترن به ويعينه ويزيّن له حسده ويأمره بموجبه، والسّاحر بعلمه وكسبه وشركه واستعانته بالشّياطين» ) * «١» . ٨-* (قال ابن خلدون: «السّاحر لا يصدر منه الخير، ولا يستعمل في أسباب الخير» ) * «٢» . الطرق الشرعية في الوقاية من السحر والسحرة (١) الاستعاذة بالله، وقد أرشدنا القرآن إلى الاستعاذة في غير موضع من كتابه قال تعالى وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ (فصلت/ ٣٦) . (٢) تقوى الله وحفظه عند أمر الله ونهيه، فمن اتّقى الله تولّى الله حفظه ولم يكله إلى غيره وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (الطلاق/ ٢) . (٣) التّوكّل على الله والاعتماد عليه، فمن توكّل على الله فهو حسبه. (٤) تجريد التّوبة إلى الله من الذّنوب الّتي سلّطت عليه أعداءه؛ فإنّ الله تعالى يقول وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (الشورى/ ٣٠) . (٥) الصّدقة والإحسان؛ فإنّ لذلك تأثيرا عجيبا في دفع البلاء والسّحر والحسد. (٦) الإكثار من قراءة القرآن والأدعية المأثورة. (٧) استخراج السّحر وإبطاله، وهذه من طرق علاج السّحر بعد وقوعه. (٨) استعمال الأدوية المباحة شرعا والّتي يعرفها الأطبّاء وأهل العلم «٣» . من مضار (السحر) (١) يفرّق بين المرء وزوجه. (٢) السّاحر معول هدم في المجتمع. (٣) عمل بغيض وخلق ذميم. (٤) السّحر شرك بالله وكفر به. (٥) يغضب الرّبّ ويسخط العبد. (٦) يورث خسران الدّنيا والآخرة. (٧) فيه هلاك للسّاحر وضرر بالمسحور.

стр. 5321

السخرية السخرية لغة: هي الاسم من الفعل «سخر» والمصدر من ذلك هو «السّخر، والمسخر والسّخر بالضّمّ، قال أعشى باهلة: إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو، لا عجب منه ولا سخر «١» وكلّ ذلك مأخوذ من مادّة «س خ ر» الّتي تدلّ على «احتقار واستذلال» ومن ذلك أيضا قولهم: سخّر الله- الشّيء، وذلك إذا ذلّلّه لأمره وإرادته، ومن الباب سخرت منه: إذا هزئت به «٢» ، وفي كتاب الله- : فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (هود/ ٣٨) ، وقال الجوهريّ يقال سخرت منه وسخرت به كما يقال: ضحكت منه، وبه، وهزئت منه، وبه «٣» . وقال الفرّاء: يقال سخرت منه ولا يقال: سخرت به، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٤/ ٧/ ١٨ (الحجرات/ ١١) ، قال: وسخرت منه هي اللّغة الفصيحة وقول الرّاعي: تغيّر قومي ولا أسخر ... وما حمّ من قدر يقدر المعنى: لا أسخر منهم «٤» وفي الحديث «أتسخر منّي وأنت الملك أي أتستهزيء بي. وقال الفيروزاباديّ: سياقة إلى الغرض المختصّ به قهرا، والمسخّر هو المقيّض للفعل، والسّخريّ: هو الّذي يقهر لنا بإرادته، وسخرت منه: أي سخّرته للهزء منه، ويقال: رجل سخرة لمن يسخر كبرا، وسخرة كصبرة لمن يسخر منه. والسّخرية أيضا فعل السّاخر «٥» . وقول الله- : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا (المؤمنون/ ١١٠) بالضّمّ والكسر «٦» ، حمل على التسخير وعلى السّخرية، ويدلّ على الوجه الثّاني (السّخرية) قوله بعده وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (المؤمنون/ ١١٠) «٧» ، وقال القرطبيّ في تفسير هذه الآية: فرّق أبو عمرو بينهما (أي بين القراءتين) فجعل

стр. 5322

المكسورة من جهة التّهزّؤ، والمضمومة من جهة السّخرة، وقال الكسائيّ هما لغتان بمعنى واحد كما يقال عصيّ وعصيّ، وحكى القرطبيّ عن بعضهم أنّ الكسر (سخريّا) بمعنى: الاستهزاء والسّخرية بالقول. والضّم (سخريّا) بمعنى التّسخير والاستعباد بالفعل «١» . والاستسخار، أن يدعو بعض النّاس بعضا إلى السخرية، وبهذا فسّر قول الله تعالى: وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (الصافات/ ١٤) قال الرّمّانيّ معناه يدعو بعضهم بعضا إلى أن يسخر (بها) ، وقيل المعنى يسخرون، كما في قولهم: علا قرنه واستعلاه، وعجب من كذا واستعجب «٢» ، وعلى هذا يكون معنى قول الله تعالى: يَسْتَسْخِرُونَ يسخرون ويستهزئون «٣» ، يقول العلّامة ابن كثير في تفسير هذه الآية: يستسخرون: يستهزئون (عن قتادة ومجاهد) «٤» ، وقال أبو حيّان: يكون استسخر هنا بمعنى المجرّد (أي سخر) وقيل فيه معنى الطّلب «٥» أي يطلبون أن يكونوا ممّن يسخرون «٦» ، وقال بعضهم: المعنى هنا هو المبالغة أي إنّهم يبالغون في السّخرية «٧» . ويقال رجل سخرة، أي يسخّر في الأعمال يتسخّره من قهره، وكلّ ما ذلّ وانقاد أو تهيّأ لك على ما تريد فقد سخّر لك «٨» . السخرية اصطلاحا: قال المناويّ: السّخرية هي استزراء العقل معنى، بمنزلة التّسخير «٩» في الفعل حسّا، ونقل عن ابن الكمال قوله: السّخرية تكون من شيء يحقّ عند صاحبه ولا يحقّ عند السّاخر «١٠» . الفرق بين السّخرية والهزء: تغاضى بعض العلماء عن الفرق الدّقيق بين السّخرية والاستهزاء الّذي هو ارتياد الهزء فقال: إنّ السخرية والاستهزاء معناهما واحد «١١» وعلى ذلك فسّر كثيرون: السّخرية بالاستهزاء «١٢» . ولكنّ الواقع اللّغويّ وتأمّل ما ورد من ذلك في القرآن الكريم يشيران إلى وجود نوع من الفرق بينهما، حتّى وإن كان هذا الفرق قد يتناسى أحيانا فيستعمل أحدهما في المعنى الّذي يستعمل فيه الآخر، ويتمثّل هذا الفرق في أنّ الهزء: هو إظهار الجدّ وإخفاء الهزل فيه «١٣» ، أي أنّه يكون بالقول المصحوب بسوء النّيّة، ولا يشترط فيه أن

стр. 5323

يسبقه فعل من أجله يستهزأ بصاحبه من أجل ذلك الفعل، أمّا السّخرية فإنّها تكون بالفعل أو بالإشارة. وتكون بالقول «١» ، ويسبقها في العادة فعل من أجله يسخر بصاحبه، ويتلخّص من ذلك أنّ بينهما فرقا من جهتين «٢» : الأولى السّخرية تكون بالفعل وبالقول، والهزء لا يكون إلّا بالقول، الثّانية: أنّ السّخرية يسبقها عمل من أجله يسخر بصاحبه، أما الاستهزاء فلا يسبقه ذلك «٣» . الهمز واللمز من السّخرية: قال القرطبيّ: قال سفيان الثّوريّ: الهمزة: الّذي يهمز بلسانه، واللّمزة: الّذي يلمز بعينيه، وقال ابن كيسان: الهمزة الّذي يؤذي جلساءه بسوء اللّفظ واللّمزة: الّذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه «٤» (سخرية به) . ويقول يحيى المعلّميّ: الهمز: هو السّخرية من النّاس بالإشارة كتحريك اليد قرب الرّأس إشارة إلى الوصف بالجنون، أو الوغض بالعين رمزا للاستخفاف، أو نحو ذلك من الحركات واللّمز: هو السّخرية من النّاس بالقول، كتسمية الشّخص باسم يدلّ على عاهة فيه أو مرض، أو اتّهامه بخليقة سيّئة، أو التّعريض بذلك «٥» . التنابز بالألقاب من السّخرية: قال الطّبريّ- رحمه الله تعالى- التّنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهيه ذلك، ولم يخصّص به بعض الألقاب دون بعض، وغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو صفة يكرهها «٦» ، ولمّا كانت آية السّخرية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ.... (الحجرات/ ١١) ، فيما يقوله أنس وابن زيد في نساء النّبيّ ﷺ عيّرن صفيّة بالقصر وقيل: نزلت في عائشة- ﵂ أشارت بيدها إلى صفيّة، (قائلة) يا نبيّ الله إنّها لقصيرة، وقال عكرمة وابن عبّاس أنّ صفيّة بنت حييّ قالت: يا رسول الله: إنّ النّساء يعيّرنني ويقلن لي: يا يهوديّة «٧» .. إلخ الحديث. كلّ ذلك يدلّ على أنّ التّنابز بالألقاب إنّما هو داخل في مفهوم السّخرية، كما دخل فيها مفهوم الهمز واللّمز. ومن ثمّ يكون ذكر اللّمز والتّنابز بعد ذكر

стр. 5324

السّخرية من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ، اهتماما به، ونظير ذلك قول الله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (الرحمن/ ٦٨) إذ النّخل والرّمّان من الفاكهة أيضا. التّهكّم والتّعيير: المراد بالتّهكّم: ما كان ظاهره جدّا وباطنه هزلا، يقول الكفويّ: ولا تخلو ألفاظ التّهكّم من لفظ من الألفاظ الدّالّة على الذّمّ أو لفظة معناها الهجو «١» . ومن ثمّ كان التّهكّم من السّخرية، أمّا التّعيير بالفقر أو الذّنب أو العلّة أو ما شابه ذلك فقد نصّوا على أنّه من السّخرية، يقول الإمام الطّبريّ: «عمّ الله بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السّخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك» «٢» . حكم السّخرية: يفهم من نهي المولى عن السّخرية بأنواعها المختلفة أنّها حرام، يقول الإمام السّفّارينيّ: وتحرم السّخرية والهزء لقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ... الآية «٣» ولنهيه ﷺ عن ذلك في مواضع عديدة «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: الاستهزاء- الإساءة- التحقير- سوء الخلق- الغرور- الكبر والعجب- المن- الأذى- الهجاء- سوء المعاملة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: تكريم الإنسان البشاشة- حسن الخلق- الرأفة- الرحمة- الصفح طلاقة الوجه- المحبة- النصيحة- الأدب- حسن المعاملة- حسن العشرة] .

стр. 5325

الآيات الواردة في «السخرية» ١- زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢) «١» ٢- وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) «٢» ٣- الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) «٣» ٤- وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) «٤» ٥- وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) «٥» ٦- وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) «٦»
следующие страницы →