← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

السخرية السخرية لغة: هي الاسم من الفعل «سخر» والمصدر من ذلك هو «السّخر، والمسخر والسّخر بالضّمّ، قال أعشى باهلة: إنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو، لا عجب منه ولا سخر «١» وكلّ ذلك مأخوذ من مادّة «س خ ر» الّتي تدلّ على «احتقار واستذلال» ومن ذلك أيضا قولهم: سخّر الله- الشّيء، وذلك إذا ذلّلّه لأمره وإرادته، ومن الباب سخرت منه: إذا هزئت به «٢» ، وفي كتاب الله- : فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (هود/ ٣٨) ، وقال الجوهريّ يقال سخرت منه وسخرت به كما يقال: ضحكت منه، وبه، وهزئت منه، وبه «٣» . وقال الفرّاء: يقال سخرت منه ولا يقال: سخرت به، قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٤/ ٧/ ١٨ (الحجرات/ ١١) ، قال: وسخرت منه هي اللّغة الفصيحة وقول الرّاعي: تغيّر قومي ولا أسخر ... وما حمّ من قدر يقدر المعنى: لا أسخر منهم «٤» وفي الحديث «أتسخر منّي وأنت الملك أي أتستهزيء بي. وقال الفيروزاباديّ: سياقة إلى الغرض المختصّ به قهرا، والمسخّر هو المقيّض للفعل، والسّخريّ: هو الّذي يقهر لنا بإرادته، وسخرت منه: أي سخّرته للهزء منه، ويقال: رجل سخرة لمن يسخر كبرا، وسخرة كصبرة لمن يسخر منه. والسّخرية أيضا فعل السّاخر «٥» . وقول الله- : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا (المؤمنون/ ١١٠) بالضّمّ والكسر «٦» ، حمل على التسخير وعلى السّخرية، ويدلّ على الوجه الثّاني (السّخرية) قوله بعده وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (المؤمنون/ ١١٠) «٧» ، وقال القرطبيّ في تفسير هذه الآية: فرّق أبو عمرو بينهما (أي بين القراءتين) فجعل

стр. 5322

المكسورة من جهة التّهزّؤ، والمضمومة من جهة السّخرة، وقال الكسائيّ هما لغتان بمعنى واحد كما يقال عصيّ وعصيّ، وحكى القرطبيّ عن بعضهم أنّ الكسر (سخريّا) بمعنى: الاستهزاء والسّخرية بالقول. والضّم (سخريّا) بمعنى التّسخير والاستعباد بالفعل «١» . والاستسخار، أن يدعو بعض النّاس بعضا إلى السخرية، وبهذا فسّر قول الله تعالى: وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (الصافات/ ١٤) قال الرّمّانيّ معناه يدعو بعضهم بعضا إلى أن يسخر (بها) ، وقيل المعنى يسخرون، كما في قولهم: علا قرنه واستعلاه، وعجب من كذا واستعجب «٢» ، وعلى هذا يكون معنى قول الله تعالى: يَسْتَسْخِرُونَ يسخرون ويستهزئون «٣» ، يقول العلّامة ابن كثير في تفسير هذه الآية: يستسخرون: يستهزئون (عن قتادة ومجاهد) «٤» ، وقال أبو حيّان: يكون استسخر هنا بمعنى المجرّد (أي سخر) وقيل فيه معنى الطّلب «٥» أي يطلبون أن يكونوا ممّن يسخرون «٦» ، وقال بعضهم: المعنى هنا هو المبالغة أي إنّهم يبالغون في السّخرية «٧» . ويقال رجل سخرة، أي يسخّر في الأعمال يتسخّره من قهره، وكلّ ما ذلّ وانقاد أو تهيّأ لك على ما تريد فقد سخّر لك «٨» . السخرية اصطلاحا: قال المناويّ: السّخرية هي استزراء العقل معنى، بمنزلة التّسخير «٩» في الفعل حسّا، ونقل عن ابن الكمال قوله: السّخرية تكون من شيء يحقّ عند صاحبه ولا يحقّ عند السّاخر «١٠» . الفرق بين السّخرية والهزء: تغاضى بعض العلماء عن الفرق الدّقيق بين السّخرية والاستهزاء الّذي هو ارتياد الهزء فقال: إنّ السخرية والاستهزاء معناهما واحد «١١» وعلى ذلك فسّر كثيرون: السّخرية بالاستهزاء «١٢» . ولكنّ الواقع اللّغويّ وتأمّل ما ورد من ذلك في القرآن الكريم يشيران إلى وجود نوع من الفرق بينهما، حتّى وإن كان هذا الفرق قد يتناسى أحيانا فيستعمل أحدهما في المعنى الّذي يستعمل فيه الآخر، ويتمثّل هذا الفرق في أنّ الهزء: هو إظهار الجدّ وإخفاء الهزل فيه «١٣» ، أي أنّه يكون بالقول المصحوب بسوء النّيّة، ولا يشترط فيه أن

стр. 5323

يسبقه فعل من أجله يستهزأ بصاحبه من أجل ذلك الفعل، أمّا السّخرية فإنّها تكون بالفعل أو بالإشارة. وتكون بالقول «١» ، ويسبقها في العادة فعل من أجله يسخر بصاحبه، ويتلخّص من ذلك أنّ بينهما فرقا من جهتين «٢» : الأولى السّخرية تكون بالفعل وبالقول، والهزء لا يكون إلّا بالقول، الثّانية: أنّ السّخرية يسبقها عمل من أجله يسخر بصاحبه، أما الاستهزاء فلا يسبقه ذلك «٣» . الهمز واللمز من السّخرية: قال القرطبيّ: قال سفيان الثّوريّ: الهمزة: الّذي يهمز بلسانه، واللّمزة: الّذي يلمز بعينيه، وقال ابن كيسان: الهمزة الّذي يؤذي جلساءه بسوء اللّفظ واللّمزة: الّذي يكسر عينه على جليسه، ويشير بعينه ورأسه وبحاجبيه «٤» (سخرية به) . ويقول يحيى المعلّميّ: الهمز: هو السّخرية من النّاس بالإشارة كتحريك اليد قرب الرّأس إشارة إلى الوصف بالجنون، أو الوغض بالعين رمزا للاستخفاف، أو نحو ذلك من الحركات واللّمز: هو السّخرية من النّاس بالقول، كتسمية الشّخص باسم يدلّ على عاهة فيه أو مرض، أو اتّهامه بخليقة سيّئة، أو التّعريض بذلك «٥» . التنابز بالألقاب من السّخرية: قال الطّبريّ- رحمه الله تعالى- التّنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهيه ذلك، ولم يخصّص به بعض الألقاب دون بعض، وغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو صفة يكرهها «٦» ، ولمّا كانت آية السّخرية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ.... (الحجرات/ ١١) ، فيما يقوله أنس وابن زيد في نساء النّبيّ ﷺ عيّرن صفيّة بالقصر وقيل: نزلت في عائشة- ﵂ أشارت بيدها إلى صفيّة، (قائلة) يا نبيّ الله إنّها لقصيرة، وقال عكرمة وابن عبّاس أنّ صفيّة بنت حييّ قالت: يا رسول الله: إنّ النّساء يعيّرنني ويقلن لي: يا يهوديّة «٧» .. إلخ الحديث. كلّ ذلك يدلّ على أنّ التّنابز بالألقاب إنّما هو داخل في مفهوم السّخرية، كما دخل فيها مفهوم الهمز واللّمز. ومن ثمّ يكون ذكر اللّمز والتّنابز بعد ذكر

стр. 5324

السّخرية من قبيل ذكر الخاصّ بعد العامّ، اهتماما به، ونظير ذلك قول الله تعالى: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (الرحمن/ ٦٨) إذ النّخل والرّمّان من الفاكهة أيضا. التّهكّم والتّعيير: المراد بالتّهكّم: ما كان ظاهره جدّا وباطنه هزلا، يقول الكفويّ: ولا تخلو ألفاظ التّهكّم من لفظ من الألفاظ الدّالّة على الذّمّ أو لفظة معناها الهجو «١» . ومن ثمّ كان التّهكّم من السّخرية، أمّا التّعيير بالفقر أو الذّنب أو العلّة أو ما شابه ذلك فقد نصّوا على أنّه من السّخرية، يقول الإمام الطّبريّ: «عمّ الله بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السّخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك» «٢» . حكم السّخرية: يفهم من نهي المولى عن السّخرية بأنواعها المختلفة أنّها حرام، يقول الإمام السّفّارينيّ: وتحرم السّخرية والهزء لقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ... الآية «٣» ولنهيه ﷺ عن ذلك في مواضع عديدة «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: الاستهزاء- الإساءة- التحقير- سوء الخلق- الغرور- الكبر والعجب- المن- الأذى- الهجاء- سوء المعاملة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: تكريم الإنسان البشاشة- حسن الخلق- الرأفة- الرحمة- الصفح طلاقة الوجه- المحبة- النصيحة- الأدب- حسن المعاملة- حسن العشرة] .

стр. 5325

الآيات الواردة في «السخرية» ١- زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢) «١» ٢- وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) «٢» ٣- الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) «٣» ٤- وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) «٤» ٥- وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) «٥» ٦- وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) «٦»

стр. 5326

٧- بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) «١» ٨- وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) «٢» ٩- وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) «٣» ١٠- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) «٤» الآيات الواردة في «السخرية» معنى ١١- وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) «٥» ١٢- وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) «٦» ١٣- إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) «٧» ١٤- وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) «٨»

стр. 5327

الأحاديث الواردة في ذمّ (السخرية) ١-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم آخر أهل النّار خروجا منها، وآخر أهل الجنّة دخولا، رجل يخرج من النّار حبوا «١» ، فيقول الله: اذهب فادخل الجنّة. فيأتيها فيخيّل إليه أنّها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربّ، وجدتها ملأى، فيقول الله ﵎ له: اذهب فادخل الجنّة: قال: فيأتيها فيخيّل إليه أنّها ملأى، فيرجع فيقول: يا ربّ، وجدتها ملأى، فيقول اذهب فادخل الجنّة فإنّ لك مثل الدّنيا وعشرة أمثالها، أو إنّ لك عشرة أمثال الدّنيا- فيقول تسخر منّي (أو تضحك منّي) وأنت الملك؟» . فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه «٢» . وكان يقال: ذلك أدنى أهل الجنّة منزلة) * «٣» . ٢-* (عن أمّ هانيء عن النّبيّ ﷺ في قوله تعالى: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ (العنكبوت/ ٢٩) قال: «كانوا يخذفون «٤» أهل الأرض ويسخرون منهم» ) * «٥» . ٣-* (عن يعلى بن أميّة قال: جاء أعرابيّ إلى رسول الله ﷺ وعليه جبّة وعليه درع من زعفران، فقال: يا رسول الله، إنّي أحرمت فيما ترى، والنّاس يسخرون منّي وأطرق هنيهة، قال: ثمّ دعاه، فقال: «اخلع عنك هذه الجبّة واغسل عنك هذا الزّعفران، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجّك» ) * «٦» . ٤-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق الأرز «٧» فليكن مثله» ، قالوا: يا رسول الله، وما صاحب فرق الأرز؟. قال: «خرج ثلاثة فغيّمت عليهم السّماء، فدخلوا غارا، فجاءت صخرة من أعلى الجبل حتّى طبّقت «٨» الباب عليهم، فعالجوها، فلم يستطيعوها، فقال بعضهم لبعض: لقد وقعتم في أمر عظيم، فليدع كلّ رجل بأحسن ما عمل، لعلّ الله تعالى أن ينجينا من هذا. فقال أحدهم: اللهمّ إنّك تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت أحلب حلابهما، فأجيئهما وقد ناما، فكنت أبيت قائما

стр. 5328

وحلابهما على يدي، أكره أن أبدأ بأحد قبلهما، أو أن أوقظهما من نومهما، وصبيتي يتضاغون «١» حولي، فإن كنت تعلم أنّي إنّما فعلته من خشيتك فافرج عنّا. قال: فتحرّكت الصّخرة، قال: وقال الثّاني: اللهمّ إنّك تعلم أنّه كانت لي ابنة عمّ لم يكن شيء ممّا خلقت أحبّ إليّ منها، فسمتها نفسها «٢» ، فقالت: لا والله دون مائة دينار، فجمعتها، ودفعتها إليها، حتّى إذا جلست منها مجلس الرّجل، فقالت: اتّق الله، ولا تفضّ الخاتم إلّا بحقّه «٣» ، فقمت عنها. فإن كنت تعلم أنّ ما فعلته من خشيتك فافرج عنّا. قال: فزالت الصّخرة حتّى بدت السّماء، وقال الثّالث: اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت استأجرت أجيرا بفرق من أرز، فلمّا أمسى عرضت عليه حقّه فأبى أن يأخذه، وذهب وتركني، فتحرّجت منه، وثمّرته له، وأصلحته، حتّى اشتريت منه بقرا وراعيها، فلقيني بعد حين، فقال: اتّق الله، وأعطني أجري، ولا تظلمني، فقلت، انطلق إلى ذلك البقر وراعيها فخذها، فقال: اتّق الله، ولا تسخر بي، فقلت: إنّي لست أسخر بك، فانطلق فاستاق ذلك، فإن كنت تعلم أنّي إنّما فعلته ابتغاء مرضاتك خشية منك فافرج عنّا، فتدحرجت الصّخرة، فخرجوا يمشون» ) * «٤» . ٥-* (عن عبد الرّحمن بن يزيد عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ قال: قال رجل: إنّي لأرى صاحبكم يعلّمكم كيف تصنعون، حتّى إنّه ليعلّمكم إذا أتى أحدكم الغائط. قال: قلت نعم، أجل ولو سخرت، بأنّه ليعلّمنا كيف يأتي أحدنا الغائط، وإنّه ينهانا أن يستقبل أحدنا القبلة وأن يستدبرها، وأن يستنجي أحدنا بيمينه، وأن يتمسّح أحدنا برجيع ولا عظم، وأن يستنجي بأقلّ من ثلاثة أحجار) * «٥» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في النهي عن (السخرية) ٦-* (عن عائشة ﵂ قالت: قلت للنّبيّ ﷺ : حسبك من صفيّة كذا وكذا. قال- غير مسدّد «٦» - تعني قصيرة. فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» . قالت: وحكيت

стр. 5329

له إنسانا، فقال: ما أحبّ أنّي حكيت إنسانا وأنّ لي كذا وكذا» ) * «١» . ٧- عن المعرور قال: لقيت أبا ذرّ بالرّبذة وعليه حلّة وعلى غلامه حلّة، فسألته عن ذلك فقال: إنّي ساببت رجلا «٢» فعيّرته بأمّه «٣» ، فقال لي النّبيّ ﷺ : «يا أبا ذرّ، أعيّرته بأمّه؟ إنّك امرؤ فيك جاهليّة «٤» . إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم فأعينوهم» ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (السخرية) ١-* (في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ... الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس بن شمّاس، كان في أذنه وقر، فإذا سبقوه إلى مجلس النّبيّ ﷺ أو سعوا له إذا أتى حتّى يجلس إلى جنبه ليسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته من صلاة الفجر ركعة مع النّبيّ ﷺ فلمّا انصرف النّبيّ ﷺ أخذ أصحابه مجالسهم منه، فربض كلّ رجل منهم بمجلسه، وعضّوا فيه «٦» فلا يكاد يوسع أحد لأحد، حتّى يظلّ الرّجل لا يجد مجلسا فيظلّ قائما. فلمّا انصرف ثابت من الصّلاة تخطّى رقاب النّاس، ويقول: تفسّحوا، تفسّحوا، ففسحوا له حتّى انتهى إلى النّبيّ ﷺ وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسّح، فقال له الرّجل: قد وجدت مجلسا فاجلس. فجلس ثابت من خلفه مغضبا، ثمّ قال: من هذا؟ قالوا: فلان. فقال ثابت: ابن فلانة! يعيّره بها، يعني أمّا له في الجاهليّة، فاستحيا الرّجل. فنزلت) * «٧» . ٢-* (وقال الضّحّاك: نزلت في وفد بني تميم، كانوا يستهزئون بفقراء الصّحابة مثل عمّار، وخبّاب. وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم- مولى أبي حذيفة-، وغيرهم، لما رأوا من رثاثة حالهم، فنزلت في الّذين آمنوا منهم) * «٨» . ٣-* (وقيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل حين قدم المدينة مسلما، وكان المسلمون إذا رأوه قالوا: ابن فرعون هذه الأمّة. فشكا ذلك إلى النّبيّ ﷺ فنزلت) * «٩» . ٤-* (قال الطّبريّ في قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ.. الآية: يقول

стр. 5330

- تعالى ذكره-: يا أيّها الّذين صدّقوا الله ورسوله لا يهزأ قوم مؤمنون من قوم مؤمنين عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ أي المهزوء منهم خير من الهازئين، وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ أي: ولا يهزأ نساء مؤمنات من نساء مؤمنات عسى المهزوء منهنّ أن يكنّ خيرا من الهازئات) * «١» . ٥-* (وقال الطّبريّ في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ.. الآية. « ... إنّ الله عمّ بنهيه المؤمنين عن أن يسخر بعضهم من بعض جميع معاني السّخرية، فلا يحلّ لمؤمن أن يسخر من مؤمن، لا لفقره، ولا لذنب ركبه، ولا لغير ذلك» ) * «٢» . ٦-* (وقال في قوله تعالى.. وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ.. أي: ولا يغتب بعضكم بعضا أيّها المؤمنون، ولا يطعن بعضكم على بعض. وقال: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ فجعل اللّامز أخاه لامزا نفسه، لأنّ المؤمنين كرجل واحد فيما يلزم بعضهم لبعض من تحسين أمره وطلب صلاحه ومحبّته الخير ولذلك روي الخبر عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالحمّى والسّهر» ) * «٣» . ٧-* (روي عن أنس وعكرمة بن عباس- ﵃ أنّ قوله- تعالى- وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ نزلت في صفيّة بنت حييّ بن أخطب، أمّ المؤمنين- ﵂ أتت النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله، إنّ النّساء يعيّرنني، ويقلن لي: يا يهوديّة بنت يهوديّين! فقال رسول الله ﷺ : «هلّا قلت إنّ أبي هارون، وإنّ عمّي موسى، وإنّ زوجي محمّد» فأنزل الله هذه الآية) * «٤» . ٨-* (قال الطّبريّ في قوله تعالى: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ اختلف أهل التّأويل في الألقاب الّتي نهى الله عن التّنابز بها في هذه الآية: فقال بعضهم: عنى بها الألقاب الّتي يكره النّبز بها الملقّب، وقالوا: إنّما نزلت هذه الآية في قوم كانت لهم أسماء في الجاهليّة، فلمّا أسلموا نهوا أن يدعو بعضهم بعضا بما يكره من أسمائه الّتي كان يدعى بها في الجاهليّة. وقال آخرون: بل ذلك قول الرّجل المسلم للرّجل المسلم: يا فاسق، يا زاني. وقال آخرون: بل ذلك تسمية الرّجل الرّجل بالكفر بعد الإسلام، وبالفسوق والأعمال القبيحة بعد التّوبة.. ثمّ قال: والّذي هو أولى الأقوال في تأويل ذلك عندي بالصّواب أن يقال: إنّ الله- تعالى ذكره- نهى المؤمنين أن يتنابزوا بالألقاب، والتّنابز بالألقاب هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة، وعمّ الله بنهيه ذلك ولم يخصّص به بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد من المسلمين أن ينبز أخاه

стр. 5331

باسم يكرهه أو صفة يكرهها) * «١» . ٩-* (وفي قوله تعالى.. وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ قال القرطبيّ: أفرد النّساء بالذّكر لأنّ السّخرية منهنّ أكثر. وقال: قال المفسّرون: نزلت في امرأتين من أزواج النّبيّ ﷺ سخرتا من أمّ سلمة، وذلك أنّها ربطت خصريها بسبيبة- وهو ثوب أبيض- وسدلت طرفيها خلفها فكانت تجرّها، فقالت عائشة لحفصة ﵄: انظري! ما تجرّ خلفها كأنّه لسان كلب، فهذه كانت سخريتهما) * «٢» . ١٠-* (قال القرطبيّ عند تفسير يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ.. وبالجملة فينبغي ألّا يجتريء أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رثّ الحال، أو ذا عاهة في بدنه، أو غير لبيق في محادثته، فلعلّه أخلص ضميرا، وأنقى قلبا ممّن هو على ضدّ صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله، والاستهزاء بمن عظّمه الله. ولقد بلغ بالسّلف إفراط توقّيهم وتصوّنهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلا يرضع عنزا فضحكت منه لخشيت أن أصنع مثل الّذي صنع. وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكّل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا «٣» . زاد في نزهة الفضلاء: «وإنّي لأكره أن أرى الرّجل فارغا ليس في عمل آخرة ولا دنيا» ) *. ١١-* (قال النّيسابوريّ في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ الآية (المطففين/ ٢٩) قال المفسّرون: هم مشركو مكّة أبو جهل، والوليد بن المغيرة وأضرابهما، كانوا يضحكون من عمّار وصهيب وبلال وغيرهم من فقراء المؤمنين «٤» . وقيل: جاء عليّ بن أبي طالب- ﵁ في نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون، وضحكوا وتغامزوا، ثمّ رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع، فضحكوا منه، فنزلت هذه الآي قبل أن يصل عليّ- كرّم الله وجهه- إلى النّبيّ ﷺ * «٥» . ١٢-* (قال الطّبريّ في تفسيره الآيات إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ.. الآيات. إنّ الّذين اكتسبوا المآثم فكفروا بالله في الدّنيا كانوا فيها من الّذين أقرّوا بوحدانيّة الله وصدّقوا به يضحكون استهزاء منهم بهم، وكان هؤلاء الّذين

стр. 5332

أجرموا إذا مرّ الّذين آمنوا بهم يتغامزون: أي يغمز بعضهم بعضا بالمؤمن استهزاء به وسخرية) * «١» . ١٣-* (قال القرطبيّ في قول الله تعالى: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي (المؤمنون/ ١١٠) . يستفاد من هذا: التّحذير من السّخرية والاستهزاء بالضّعفاء والمساكين والاحتقار لهم والإزراء عليهم والاشتغال بهم فيما لا يعني، وأنّ ذلك مبعد من الله * «٢» . ١٤-* (وقال بعضهم: لو سخرت من راضع لخشيت أن يجوز بي فعله) * «٣» . ١٥- قال العلّامة الشّيخ مرعي في أقاويل الثّقات: الاستهزاء من باب العبث والسّخرية، فمعنى يستهزيء بهم أي يجازيهم على استهزائهم، وهو من باب المشاكلة في اللّفظ ليزدوج الكلام ك وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها، نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ. والمعنى: يعاملهم معاملة المستهزيء، أمّا في الدّنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم، واستدراجهم بالإمهال. وأمّا في الآخرة فيروى أنّه يفتح لأحدهم باب الجنّة فيسرع نحوه، فإذا سار إليه سدّ دونه، ثمّ يفتح له باب آخر، فإذا أقبل عليه سدّ دونه. وهذا الّذي قاله على طريقة الخلف. وأمّا مذهب السّلف فلا يؤوّلون ولا يكيّفون فيؤمنون بما أخبر، لا كما يخطر في أوهام البشر) * «٤» . ١٦-* (قال الشّاعر: المرء إن كان عاقلا ورعا ... أشغله عن عيوبه ورعه كما السّقيم المريض يشغله ... عن وجع النّاس كلّهم وجعه ) * «٥» . ١٧-* (وقال آخر: لا تكشفنّ مساوي النّاس ما ستروا ... فيهتك الله سترا عن مساويكا واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا ) * «٦» . ١٨-* (عن أسير بن جابر أنّ أهل الكوفة وفدوا إلى عمر وفيهم رجل ممّن كان يسخر بأويس، فقال عمر: هل ههنا أحد من القرنيّين؟ فجاء ذلك الرّجل فقال عمر: إنّ رسول الله ﷺ قد قال: «إنّ رجلا يأتيكم من اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمن غير أمّ له، قد كان به بياض فدعا الله فأذهبه عنه، إلّا موضع الدّينار أو الدّرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم) * «٧» .

стр. 5333

من مضار (السخرية) (١) في السّخرية مخالفة صريحة لأمر الله ثمّ هي جالبة لسخطه مستوجبة لعذابه. (٢) السّخرية تفكّك عرى المجتمع وتجعل المستسخر به ناقما على السّاخر متربّصا به يحاول الانتقام لنفسه. (٣) السّخرية نذير شؤم للسّاخرين، فقد كان الغرق عاقبة قوم نوح الّذين كفروا بالله وسخروا من نوح. (٤) السّخرية تفقد السّاخر الوقار وتسقط عنه المروءة. (٥) السّاخر يظلم نفسه بتحقير من وقّره الله واستصغار من عظّمه الله. (٦) السّخرية انتهاك صريح لحقوق الإنسان عامة، ومخلّة بمبدأ تكريم الإنسان على وجه الخصوص. (٧) السّخرية تميت القلب وتورثه الغفلة حتّى إذا كان يوم القيامة ندم السّاخر على ما قدّمت يداه، ولات ساعة مندم أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (انظر الآية رقم ٩) . (٨) السّخرية من سمات الكفّار والمنافقين، وقد نهينا عن التّشبّه بهم. (٩) في ارتكاب السّخرية اقتراف أمر محرّم نهى عنه الشّرع الحنيف (انظر حكم السّخرية) . (١٠) السّاخرون من النّاس في الدّنيا، يسخر منهم الله ، وأنبياؤه الكرام (انظر الآيات ٣، ٤) . (١١) السّخرية تنسي الإنسان ذكر ربّه، وبذلك يخسر السّاخر نفسه ويلقي بها في النّار (انظر الآية ٦) . (١٢) السّخرية داء من أدواء الجاهليّة يجب تجنّبه والبعد عنه. (١٣) اللّامز لأخيه المؤمن السّاخر منه، إنّما يلمز نفسه ويسخر منها لأنّ المؤمنين كرجل واحد. (١٤) السّخرية وما في معناها من الاستهزاء بالضّعفاء والمساكين والتّحقير لهم والإزراء عليهم، كلّ ذلك مبعد من الله (انظر الأثر رقم ١٣) . (١٥) على السّاخر أن يتوقّع عقوبته في الدّار العاجلة أيضا بأن يحدث له مثل ما حدث للمسخور منه.

стр. 5334

السخط السخط لغة: مصدر قولهم: سخط يسخط سخطا وسخطا وهو مأخوذ من مادّة (س خ ط) الّتى تدلّ على الكراهية للشّيء والغضب منه وعدم الرّضا به، يقال: سخط فلان أي غضب فهو ساخط، وأسخطه أي أغضبه، ويقال: فلان مسخوط عليه أي مغضوب عليه، وتسخّط الرّجل تغضّب، يقال: البرّ مرضاة للرّبّ مسخطة للشّيطان أي يكرهه الشّيطان ولا يرضاه، والمسخوط: المنسوخ، والمساخط جمع مسخط وهو ما يحملك على السّخط، ويستعمل الفعل «سخط» لازما كما في قوله تعالى: إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (التوبة/ ٥٨) وقد يتعدّى بالهمزة كما في قوله سبحانه ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ (محمد/ ٢٨) . وقد يعدّى بحرف الجرّ على، فيقال: سخط الله عليهم. وقال ابن منظور: السّخط: الكراهة، وهو ضدّ الرّضا، والفعل منه سخط يسخط سخطا، وتسخّط وسخط الشّيء سخطا: كرهه. وسخط أي غضب، فهو ساخط. وأسخطه: أغضبه. تقول: الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ٣١/ ٥ أسخطني فلان فسخطت سخطا. وتسخّط عطاءه أي استقلّه ولم يقع موقعا. يقول: كلّما عملت له عملا تسخّطه أي لم يرضه. وفي حديث هرقل: «فهل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له؟» السّخط والسّخط: الكراهية للشّيء وعدم الرّضا به. ومنه الحديث: «إنّ الله يسخط لكم كذا» . أي يكرهه لكم، ويمنعكم منه ويعاقبكم عليه «١» . واصطلاحا: الغضب الشّديد المقتضي للعقوبة، وهو من الله (السّخط) صفة فعل الله حقيقة على ما يليق بجلاله ومن لوازمه إنزال العذاب «٢» . الفرق بين السخط والغضب: قال الكفويّ: السّخط لا يكون إلّا من الكبراء والعظماء بخلاف الغضب فإنّه يكون منهما ومن غيرهما «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: النقمة- الجزع- الغضب- الغل- الحقد- الخبث. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الرضا- السرور- الصبر والمصابرة- المحبة- البشاشة] .

стр. 5335

الآيات الواردة في «السخط» ١- أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) «١» ٢- لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) «٢» ٣- وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) «٣» ٤- إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨) «٤»

стр. 5336

الأحاديث الواردة في ذمّ (السخط) ١-* (عن عوف بن مالك- ﵁ قال: أتيت النّبيّ ﷺ في غزوة تبوك- وهو في قبّة من أدم- فقال: «اعدد ستّا «١» بين يدي السّاعة: موتي، ثمّ فتح بيت المقدس، ثمّ موتان «٢» يأخذ فيكم كعقاص الغنم «٣» ، ثمّ استفاضة المال «٤» حتّى يعطى الرّجل مائة دينار فيظلّ ساخطا، ثمّ فتنة لا يبقى بيت من العرب إلّا دخلته، ثمّ هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر «٥» فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية «٦» تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفا» ) * «٧» . ٢-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ أنّ ناسا في زمن رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ ... الحديث، وفيه: «فيخرجون كاللّؤلؤ في رقابهم الخواتم «٨» يعرفهم أهل الجنّة. هؤلاء عتقاء الله «٩» الّذين أدخلهم الله الجنّة بغير عمل عملوه ولا خير قدّموه. ثمّ يقول: ادخلوا الجنّة فما رأيتموه فهو لكم. فيقولون: ربّنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين. فيقول: لكم عندي أفضل من هذا. فيقولون: يا ربّنا أيّ شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي. فلا أسخط عليكم بعده أبدا» ) * «١٠» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إذا حضر المؤمن «١١» أتته ملائكة الرّحمة بحريرة بيضاء، فيقولون: اخرجي راضية مرضيّا عنك، إلى روح الله «١٢» وريحان، وربّ غير غضبان، فتخرج كأطيب ريح المسك، حتّى إنّه ليناوله بعضهم بعضا، حتّى يأتون به باب السّماء، فيقولون: ما أطيب هذه الرّيح، الّتي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدّ فرحا به من أحدكم بغائبه يقدم عليه فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنّه كان في غمّ الدّنيا، فإذا قال: أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمّه الهاوية. وإنّ الكافر إذا احتضر أتته ملائكة العذاب بمسح فيقولون: اخرجي ساخطة مسخوطا عليك، إلى عذاب الله-

стр. 5337

فتخرج كأنتن ريح جيفة، حتّى يأتون به باب الأرض فيقولون: ما أنتن هذه الرّيح، حتّى يأتون به أرواح الكفّار» ) * «١» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص «٢» وأقرع وأعمى. فأراد الله أن يبتليهم «٣» ... الحديث، وفيه: «قال: وأتى الأعمى في صورته وهيئته. فقال: رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلّا بالله ثمّ بك، أسألك، بالّذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فردّ الله إليّ بصري، فخذ ما شئت، ودع ما شئت، فو الله لا أجهدك اليوم «٤» شيئا أخذته لله. فقال: أمسك مالك. فإنّما ابتليتم. فقد رضي عنك، وسخط على صاحبيك» ) * «٥» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: «إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله، لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنّم» ) * «٦» . ٦-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف غضبك ورضاك» قالت: قلت: كيف تعرف ذاك يا رسول الله؟ قال: «إنّك إذا كنت راضية قلت: بلى وربّ محمّد، وإذا كنت ساخطة قلت: لا وربّ إبراهيم» . قالت: قلت: أجل، لا أهجر إلّا اسمك) * «٧» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «تعس عبد الدّينار وعبد الدّرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس «٨» وانتكس «٩» ، وإذا شيك فلا انتقش «١٠» . طوبى «١١» لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرّة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في السّاقة كان في السّاقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفّع» ) * «١٢» . ٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أمّ قوما وهم له كارهون، وامرأة

стр. 5338

باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان «١» » ) * «٢» . ٩-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «رضا الرّبّ في رضا الوالد، وسخط الرّبّ في سخط الوالد» ) * «٣» . ١٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته. فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: «اللهمّ أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك» ) * «٤» . ١١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: كان من دعاء رسول الله ﷺ : «اللهمّ إنّي أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك» ) * «٥» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ ؛ قال: «لا يتلقّى «٦» الرّكبان لبيع، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا تناجشوا «٧» ، ولا يبع حاضر لباد، ولا تصرّوا الإبل والغنم «٨» ، فمن ابتاعها «٩» بعد ذلك فهو بخير النّظرين بعد أن يحلبها، فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردّها وصاعا من تمر» ) * «١٠» . ١٣-* (عن كعب بن مالك- ﵁ قال: لم أتخلّف عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قطّ إلّا في غزوة تبوك ... الحديث، وفيه: فلمّا قيل لي: إنّ رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما، زاح عنّي الباطل حتّى عرفت أنّي لن أنجو منه بشيء أبدا. فأجمعت صدقه. وصبّح رسول الله ﷺ قادما. وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثمّ جلس للنّاس. فلمّا فعل ذلك جاءه المخلّفون. فطفقوا يعتذرون إليه، ويحلفون له. وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم. وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله. حتّى جئت فلمّا سلّمت تبسّم تبسّم المغضب، ثمّ قال: «تعال» ، فجئت أمشي حتّى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك «١١» ؟» قال قلت: يا رسول الله إنّي، والله

стр. 5339

لو جلست عند غيرك من أهل الدّنيا، لرأيت أنّي سأخرج من سخطه بعذر. ولقد أعطيت جدلا. ولكنّي والله لقد علمت لئن حدّثتك اليوم حديث كذب ترضى به عنّي ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ. ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عقبى الله) * «١» . ١٤-* (عن أسماء بنت يزيد- ﵂ قالت: لمّا توفّي ابن رسول الله ﷺ ، إبراهيم، بكى رسول الله ﷺ فقال له المعزّي: (إمّا أبو بكر وإمّا عمر) : أنت أحقّ من عظّم الله حقّه، قال رسول الله ﷺ : «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرّبّ. لولا أنّه وعد صادق وموعود جامع، وأنّ الآخر تابع للأوّل لوجدنا «٢» عليك يا إبراهيم أفضل ممّا وجدنا. وإنّا بك لمحزونون» ) * «٣» . ١٥-* (عن عائشة- ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من التمس رضا الله بسخط النّاس كفاه الله مؤونة النّاس. ومن التمس رضا النّاس بسخط الله وكله الله إلى النّاس» ) * «٤» . ١٦-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أعان على خصومة بظلم (أو يعين على ظلم) لم يزل في سخط الله حتّى ينزع «٥» » ) * «٦» . ١٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يوشك إن طالت بك مدّة، أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر. يغدون في غضب الله، ويروحون في سخط الله» ) * «٧» . ١٨-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ قال: إنّ أبا سفيان بن حرب أخبره أنّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش ... الحديث وفيه قول هرقل لأبي سفيان: «وسألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت: أن لا. فقد أعرف أنّه لم يكن ليذر الكذب على النّاس ويكذب على الله. وسألتك: أشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أنّ ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرّسل. وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت: أنّهم يزيدون. وكذلك أمر الإيمان حتّى يتمّ. وسألتك: أيرتدّ أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت: أن لا. وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب ... الحديث» ) * «٨» .

стр. 5340

الأحاديث الواردة في ذمّ (السخط) معنى ١٩-* (عن بشير بن الخصاصية- ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ لأبايعه على الإسلام، فاشترط عليّ: «تشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وتصلّي الخمس، وتصوم رمضان، وتؤدّي الزّكاة، وتحجّ البيت، وتجاهد في سبيل الله» . قال: قلت: يا رسول الله أمّا اثنتان فلا أطيقهما، أمّا الزّكاة فمالي إلّا عشر ذود هنّ رسل أهلي وحمولتهم، وأمّا الجهاد فيزعمون أنّه من ولّى فقد باء بغضب من الله، فأخاف إذا حضرني قتال كرهت الموت وخشعت نفسي. قال: فقبض رسول الله ﷺ يده ثمّ حرّكها ثمّ قال: «لا صدقة ولا جهاد، فبم تدخلون الجنّة؟» قال: ثمّ قلت: يا رسول الله أبايعك، فبايعني عليهنّ كلّهنّ) * «١» . ٢٠-* (عن أنس- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ رأى نخامة في القبلة فحكّها بيده، ورؤي منه كراهية- أو رؤي كراهيته لذلك وشدّته عليه- وقال: «إنّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنّما يناجي ربّه- أو ربّه بينه وبين قبلته- فلا يبزقنّ في قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدمه» . ثمّ أخذ طرف ردائه فبزق فيه، وردّ بعضه على بعض، قال: «أو يفعل هكذا» ) * «٢» . ٢١-* (عن أمّ سلمة زوج النّبيّ ﷺ ﵂ عن النّبيّ ﷺ ؛ أنّه قال: «إنّه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برىء. ومن أنكر فقد سلم. ولكن من رضي وتابع» قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟. قال: «لا، ما صلّوا» ) * «٣» . ٢٢-* (عن أنس- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ؛ قال: ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما. وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النّار» ) * «٤» . ٢٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أنبئني، ما أحقّ النّاس منّي بحسن الصّحبة؟ فقال: «نعم وأبيك لتنبّأنّ: أمّك» قال: ثمّ من؟ قال: «ثمّ أمّك» قال: ثمّ من؟ قال: «ثمّ أمّك» قال: ثمّ من؟ قال: «ثمّ أبوك» قال: نبّئني يا رسول الله عن مالي كيف أتصدّق فيه؟ قال: «نعم. والله لتنبّأنّ: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح. تأمل العيش، وتخاف الفقر. ولا تمهل حتّى إذا بلغت نفسك هاهنا، قلت: مالي لفلان، ومالي لفلان. وهو لهم، وإن كرهت» ) * «٥» . ٢٤-* (عن عوف بن مالك- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «خيار أئمّتكم الّذين تحبّونهم

стр. 5341

ويحبّونكم. ويصلّون عليكم وتصلّون عليهم. وشرار أئمّتكم الّذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل: يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسّيف؟ فقال: «لا. ما أقاموا فيكم الصّلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة» ) * «١» . ٢٥-* (عن أبي قتادة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «الرّؤيا الصّالحة من الله، والحلم من الشّيطان، فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا، وليتعوّذ من الشّيطان، فإنّها لا تضرّه. وإنّ الشّيطان لا يتراءى بي» ) * «٢» . ٢٦-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «السّمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره ما لم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» ) * «٣» . ٢٧-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال رجل يا رسول الله أيّ الهجرة أفضل؟ قال: «أن تهجر ما كره ربّك» وقال رسول الله ﷺ : «الهجرة هجرتان: هجرة الحاضر وهجرة البادي. فأمّا البادي فيجيب إذا دعي ويطيع إذا أمر. وأمّا الحاضر فهو أعظمها بليّة وأعظمها أجرا» ) * «٤» . ٢٨-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ ، إذا رأى ما يحبّ قال: «الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات» . وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كلّ حال» ) * «٥» . ٢٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنت أدعو أمّي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله إنّي كنت أدعو أمّي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أمّ أبي هريرة. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ اهد أمّ أبي هريرة» فخرجت مستبشرا بدعوة النّبيّ ﷺ ، فلمّا جئت فصرت إلى الباب، فإذا هو مجاف «٦» فسمعت أمّي خشف قدميّ «٧» ، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء «٨» . قال: فاغتسلت، ولبست درعها، وعجلت عن خمارها ففتحت الباب، ثمّ قالت: يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله. قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأتيته وأنا أبكي من الفرح. قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك، وهدى أمّ أبي هريرة. فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا. قال: قلت يا رسول

стр. 5342

الله ادع الله أن يحبّبني أنا وأمّي إلى عباده المؤمنين ويحبّبهم إلينا. قال: فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ حبّب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة- وأمّه إلى عبادك المؤمنين. وحبّب إليهم المؤمنين» فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلّا أحبّني) * «١» . ٣٠-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: كنت رديف النّبيّ ﷺ فقال: «يا غلام- أو يا غليّم- ألا أعلّمك كلمات ينفعك الله بهنّ؟» فقلت: بلى. فقال: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إليه في الرّخاء يعرفك في الشّدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جفّ القلم بما هو كائن، فلو أنّ الخلق كلّهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أنّ في الصّبر على ما تكره خيرا كثيرا، وأنّ النّصر مع الصّبر، وأنّ الفرج مع الكرب، وأنّ مع العسر يسرا» ) * «٢» . ٣١-* (عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له شريك في ربعة «٣» أو نخل فليس له أن يبيع حتّى يؤذن شريكه، فإن رضي أخذ، وإن كره ترك» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (السخط) ١-* (قال لقمان لابنه: «أوصيك بخصال تقرّبك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت» ) * «٥» . ٢-* (عن الحسن البصريّ- ﵀ قال: «الإيمان من خشي الله بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما أسخط الله» ) * «٦» . ٣-* (قال عبد الله بن معاوية بن جعفر: وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... كما أنّ عين السّخط تبدي المساويا ٤-* (قال كشاجم: لم أرض عن نفسي مخافة سخطها ... ورضا الفتى عن نفسه إغضابها ولوانّني عنها رضيت لقصّرت ... عمّا تزيد بمثله آدابها وتبيّنت آثار ذاك فأكثرت ... عذلي عليه فطال فيه عتابها ) * «٧» .

стр. 5343

٥-* (قال العمريّ الزّاهد: «إنّ من غفلتك عن نفسك، وإعراضك عن الله أن ترى ما يسخط الله فتتجاوزه ولا تأمر فيه، ولا تنهى عنه، خوفا ممّن لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا» ) * «١» . من مضار (السخط) (١) دليل سوء الظّنّ بالله- . (٢) يورث الخيبة والخسران في الدّنيا والآخرة. (٣) علامة سوء الخاتمة. (٤) دليل على سوء النّيّة وفساد الطّويّة. (٥) طريق موصّل إلى عذاب الله.

стр. 5344

السرقة السرقة لغة: مصدر قولهم: سرق الشّيء يسرقه سرقة أي أخذه خفية. السّرقة: وهو مأخوذ من مادّة (س ر ق) الّتي تدلّ على ذات المعنى، يقول ابن فارس: السّين والرّاء والقاف أصل يدلّ على أخذ شيء في خفاء وستر، يقال: سرق يسرق سرقة وسرقا، واسترق السّمع إذا تسمّع مختفيا وسرق منه مالا يسرق سرقا بالتّحريك، والاسم منه السّرق والسّرقة بكسر الرّاء فيهما جميعا، وربّما قالوا: سرقه مالا. وفي المثل: «سرق السّارق فانتحر» . والسّرق: شقاق الحرير. وقيل: أجوده، وقيل: إنّها البيض منه. والسّرق بمعنى السّرقة، وفى حديث عديّ «ما تخاف على مطيّتها السّرق» هو بمعنى السّرقة وهو في الأصل مصدر، ومنه حديث «تسترق الجنّ السّمع» هو تفتعل من السّرقة أي أنّها تسمعه مختفية كما يفعل السّارق. والسّرقة أخذ الشّيء الّذي ليس للسّارق أخذه في خفاء، والسّارق عند العرب: من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له. الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣/ ١٤/ ٦ والمسارقة والاستراق والتّسرّق: اختلاس النّظر والسّمع. وسرق الشّيء سرقا: خفي. وسرقت مفاصله وانسرقت: ضعفت. والانسراق: أن يخنس إنسان عن قوم ليذهب. والتّسريق: النّسبة إلى السّرقة، ومنه قراءة أبي البرهسم وابن أبي عبلة: «إنّ ابنك سرّق» بضمّ السّين وكسر الرّاء المشدّدة. والمسترق: النّاقص الضّعيف الخلق، ويقال: تسرّق، إذا سرق شيئا فشيئا. ويقال: سارق النّظر إليه إذا اهتبل غفلته لينظر إليه «١» . السرقة اصطلاحا: قال الرّاغب: السّرقة في الشّرع: تناول المرء الشّيء (الّذي ليس له خفية) من موضع مخصوص وقدر مخصوص «٢» . وقال الجرجانيّ: السّرقة (الّتي توجب الحدّ) عبارة عن أخذ مكلّف خفية قدر عشرة دراهم مضروبة محرزة بمكان أو حافظ بلا شبهة، فإن كان المسروق أقلّ من عشرة مضروبة فإنّه يكون سرقة شرعا، ولا يكون سرقة في حقّ القطع (أي قطع يد

стр. 5345

السّارق حدّا) «١» . وقال ابن قدامة: لا قطع إلّا فيما قيمته ثلاثة دراهم «٢» . وقال الكفويّ: السّرقة: أخذ مال معتبر من حرز أجنبيّ لا شبهة فيه خفية وهو قاصد للحفظ، في نومه أو غفلته «٣» . الفرق بين السرقة والطر (النهب) والنبش: قال الكفويّ: الطّرّ أخذ مال الغير وهو حاضر يقظان قاصد حفظه، وجناية الطّرّ أقوى لزيادة فعله على فعل السّارق. فيثبت وجوب القطع فيه بالطّريق الأولى، وذلك بخلاف النّبّاش (للقبور) ، الّذي يأخذ مالا من حرز ناقص خفية، فيكون فعله أدنى من فعل السّارق، فلا يلحق به حدّ، ولا يقطع عند أبي حنيفة ومحمّد، خلافا لأبي يوسف ﵏ «٤» . حكم السرقة: السّرقة من الكبائر الّتي يجب فيها الحدّ. وقد عدّها الذّهبيّ الكبيرة الثّالثة والعشرين، ونقل عن ابن شهاب قوله: نكّل الله بالقطع في سرقة أموال النّاس. والله عزيز في انتقامه من السّارق حكيم فيما أوجبه من قطع يده، ولا تنفع السّارق توبته إلّا أن يردّ ما سرقه، فإن كان مفلسا تحلّل من صاحب المال «٥» . وقال ابن حجر: عدّ السّرقة من الكبائر هو ما اتّفق عليه العلماء، وهو ما صرّحت به الأحاديث، والظّاهر أنّه لا فرق في كونها كبيرة بين الموجبة للقطع، وعدم الموجبة له لشبهة لا تقتضي حلّ الأخذ، كأن سرق حصر مسجد، أو سرق مالا غير محرّز، وقال الحليميّ: وسرقة الشّيء التّافه صغيرة، فإن كان المسروق منه مسكينا لا غنى به عمّا أخذ منه صارت كبيرة وإن لم توجب الحدّ.. قال: وأخذ أموال النّاس بغير حقّ كبيرة، فإن كان المأخوذ ماله فقيرا أو أصلا للآخذ أو أخذ قهرا، أو كرها، أو على سبيل القمار فهو فاحشة، فإن كان المأخوذ شيئا تافها والمأخوذ منه غنيّا لا يتبيّن عليه من ذلك ضرر، فذلك صغيرة «٦» . [للاستزادة: انظر صفات: أكل الحرام. التطفيف- الرشوة- الغش- الغلول- اتباع الهوى- انتهاك الحرمات- الطمع. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاستقامة- الشرف- العفة- القناعة- النزاهة- أكل الطيبات- الأمانة- المراقبة- تعظيم الحرمات- الصلاح] .

стр. 5346

الآيات الواردة في «السرقة» ١- وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) «١» ٢- فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١) قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦) * قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١) وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣) «٢»

стр. 5347

٣- يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣) «١»

стр. 5348

الأحاديث الواردة في ذمّ (السرقة) ١-* (عن جابر- ﵁ قال: انكسفت الشّمس في عهد رسول الله ﷺ يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ . فقال النّاس: إنّما انكسفت لموت إبراهيم. فقام النّبيّ ﷺ فصلّى بالنّاس ستّ ركعات بأربع سجدات. بدأ فكبّر. ثمّ قرأ فأطال القراءة. ثمّ ركع نحوا ممّا قام. ثمّ رفع رأسه من الرّكوع، فقرأ قراءة دون القراءة الأولى. ثمّ ركع نحوا ممّا قام. ثمّ رفع رأسه من الرّكوع فقرأ قراءة دون القراءة الثّانية. ثمّ ركع نحوا ممّا قام. ثمّ رفع رأسه من الرّكوع. ثمّ انحدر بالسّجود فسجد سجدتين. ثمّ قام فركع أيضا ثلاث ركعات. ليس فيها ركعة إلّا الّتي قبلها أطول من الّتي بعدها. وركوعه نحوا من سجوده. ثمّ تأخّر، وتأخّرت الصّفوف خلفه. حتّى انتهينا. (وقال أبو بكر: حتّى انتهى إلى النّساء) ثمّ تقدّم، وتقدّم النّاس معه. حتّى قام في مقامه. فانصرف حين انصرف، وقد آضت الشّمس «١» . فقال: «يا أيّها النّاس، إنّما الشّمس والقمر آيتان من آيات الله. وإنّهما لا ينكسفان لموت أحد من النّاس (وقال أبو بكر: لموت بشر) فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلّوا حتّى تنجلي. ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه. لقد جيء بالنّار. وذلكم حين رأيتموني تأخّرت مخافة أن يصيبني من لفحها «٢» . وحتّى رأيت فيها صاحب المحجن يجرّ قصبه في النّار، كان يسرق الحاجّ بمحجنه «٣» . فإن فطن له قال: إنّما تعلّق بمحجني. وإن غفل عنه ذهب به «٤» . وحتّى رأيت فيها صاحبة الهرّة الّتي ربطتها فلم تطعمها. ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض. حتّى ماتت جوعا. ثمّ جيء بالجنّة. وذلكم حين رأيتموني تقدّمت حتّى قمت في مقامي. ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه. ثمّ بدا لي أن لا أفعل. فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه» ) * «٥» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تزنوا ولا تسرقوا ولا تشربوا مسكرا، فمن فعل من ذلك شيئا فأقيم عليه حدّه فهو كفّارة.

стр. 5349

ومن ستر الله عليه فحسابه على الله- ، ومن لم يفعل من ذلك شيئا ضمنت له على الله الجنّة» ) * «١» . ٣-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ أنّه قال: إنّ امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ ، فجاء بها الّذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول الله إنّ هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها، فقال رسول الله ﷺ : «اقطعوا يدها» فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار، فقال: «اقطعوا يدها» ، فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول الله؟ قال: «نعم. أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمّك» فأنزل الله- في سورة المائدة: فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ..) (المائدة/ ٣٩)) * «٢» . ٤-* (عن صفوان بن أميّة- ﵁ أنّه قال: إنّ رجلا سرق بردة له، فرفعه إلى النّبيّ ﷺ ، فأمر بقطعه، فقال: يا رسول الله قد تجاوزت عنه، فقال: «أبا وهب أفلا كان قبل أن تأتينا» فقطعه رسول الله ﷺ * «٣» . ٥-* (عن عائشة- ﵂ أنّ قريشا أهمّتهم المرأة المخزوميّة الّتي سرقت فقالوا: من يكلّم فيها رسول الله ﷺ ومن يجترأ عليه إلّا أسامة حبّ رسول الله ﷺ ؟ فكلّم رسول الله ﷺ فقال: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟» ثمّ قام فخطب فقال: «يأيّها النّاس، إنّما ضلّ من كان قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق الشّريف تركوه، وإذا سرق الضّعيف فيهم أقاموا عليه الحدّ، وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطع محمّد يدها» ) * «٤» . ٦-* (عن سلمة بن قيس- ﵁ أنّه قال: إنّما هي أربع، فما أنا بأشحّ منّي عليهنّ يوم سمعتهنّ من رسول الله ﷺ : «ألّا تشركوا بالله شيئا ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تزنوا، ولا تسرقوا» ) * «٥» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: جاء رجل إلى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ فلانا يصلّي باللّيل فإذا أصبح سرق، قال: «إنّه سينهاه ما يقول» ) * «٦» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «رأى عيسى ابن مريم ﵇ رجلا يسرق، فقال له: أسرقت؟ قال: كلّا والله الّذي لا إله إلّا هو. فقال عيسى: آمنت بالله، وكذّبت عينيّ» ) * «٧» .

стр. 5350

٩-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الثّمر المعلّق، فقال: «ما أصاب من ذي حاجة غير متّخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئا منه بعد أن يؤويه الجرين «١» فبلغ ثمن المجنّ «٢» فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة» ) * «٣» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «قال رجل لأتصدّقنّ اللّيلة بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها فى يد زانية، فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق اللّيلة على زانية. قال: اللهمّ لك الحمد؛ على زانية. لأتصدّقنّ بصدقة فخرج بصدقته فوضعها فى يد غنيّ. فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق على غنيّ. قال: اللهمّ لك الحمد؛ على غنيّ، لأتصدّقنّ بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق. فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق على سارق. فقال: اللهمّ لك الحمد؛ على زانية وعلى غنيّ وعلى سارق. فأتي، فقيل له: أمّا صدقتك فقد قبلت. أمّا الزّانية فلعلّها تستعفّ بها عن زناها، ولعلّ الغنيّ يعتبر فينفق ممّا أعطاه الله. ولعلّ السّارق يستعفّ بها عن سرقته» ) * «٤» . ١١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه قال: قطع النّبيّ ﷺ يد سارق في مجنّ ثمنه ثلاثة دراهم» ) * «٥» . ١٢-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال- وحوله عصابة من أصحابه-: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدّنيا فهو كفّارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثمّ ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه» فبايعناه على ذلك) * «٦» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع النّاس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن» ) * «٧» . ١٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله السّارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده» ) * «٨» .

стр. 5351

الأحاديث الواردة في ذمّ (السرقة) معنى انظر صفة (الخيانة) من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (السرقة) ١-* (قالت عمرة بنت عبد الرّحمن: «إنّ سارقا سرق في زمن عثمان أترجّة، فأمر بها عثمان أن تقوّم فقوّمت بثلاثة دراهم، فقطع عثمان يده» ) * «١» . ٢-* (قال ابن شهاب الزّهريّ- رحمه الله تعالى-: «نكل الله بالقطع في سرقة أموال النّاس» ) * «٢» . ٣-* (قال المعرّيّ معترضا: يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار فأجابه بعض أهل العلم (القاضي عبد الوهّاب المالكيّ) : لمّا كانت أمينة كانت ثمينة، فلمّا خانت هانت) * «٣» . وهناك بيت شعر منسوب إلى علم الدّين السّخاويّ في الرّدّ على أبى العلاء وهو: عزّ الأمانة أغلاها، وأرخصها ... ذلّ الخيانة، فافهم حكمة الباري «٤» . ٤-* (قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: «إذا اشترى الرّجل من رجل شيئا وهو يعلم أنّه سرقه فقد شاركه» ) «٥» . ٥-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: «كان قطع يد السّارق معمولا به في الجاهليّة، فقرّر في الإسلام وزيدت شروط أخر. وقيل: إنّ أوّل من قطع الأيدي في الجاهليّة قريش، فقطعوا رجلا كان سرق كنز الكعبة» ) * «٦» . ٦-* (ذكر الذّهبيّ في كتاب الكبائر: «أنّ السّرقة هي الكبيرة الثّالثة والعشرون» ) * «٧» .

стр. 5352

من مضار (السرقة) (١) تنافي كمال الإيمان. (٢) إحدى الكبائر العظام في الإسلام. (٣) دليل دناءة النّفس وحقارة الشّأن. (٤) كان النّكال عليها بالقطع لضمان حفظ أموال النّاس. (٥) توجب النّار في الآخرة والعار في الدّنيا. (٦) النّاس لا يأمنون السّارق على شيء ولو كان تافها. (٧) يحرم السّارق من إجابة الدّعاء.

стр. 5353

السفاهة السفاهة لغة: مصدر قولهم: سفه فلان إذا صار سفيها، ومثلها السّفه إلّا أنّ الفعل منه سفه (بكسر الفاء) ، وكلاهما مأخوذ من مادّة (س ف هـ) الّتي تدلّ على الخفّة والسّخافة، ومن ذلك قولهم ثوب سفيه أي رديء النّسج، وتسفّهت الرّيح إذا مالت، والسّفه ضدّ الحلم، يقال: تسفّهت فلانا عن ماله إذا خدعته كأنّك ملت به عنه واستخففته، وقال بعضهم: أصل السّفه: خفّة الحلم. وقيل: السّفه: خفّة في البدن، ومنه قيل: زمام سفيه كثير الاضطراب، ثمّ استعمل في خفّة النّفس لنقصان العقل، وقيل: أصل السّفه الخفّة والحركة والطّيش، وقيل: الجهل والاضطراب، يقال: سفه حلمه ورأيه ونفسه سفها وسفاهة وسفاها، أي حمله على السّفه، وقال بعضهم: سفه بالضّم سفاها وسفاهة وسفه بالكسر سفها، وهما لغتان، وتسفّهت عليه إذا أسمعته (ما يكره) ، وسفّهه تسفيها: نسبه إلى السّفه، وسافهه مسافهة (إذا تشاركا في السّفه) ، وكذلك سفهت الشّراب «بالكسر» إذا أكثرت منه ولم ترو، وسفه علينا وسفه «بالكسر والضّمّ» إذا جهل فهو الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩/ ٨/ ٥ سفيه، أي جاهل، والسّفيه أيضا: الخفيف العقل. وجمع السّفيه سفهاء وسفاه، والأنثى سفيهة وجمعها سفيهات وسفائه وسفه وسفاه، وقولهم: سفّه الجهل حلمه: أطاشه وأخفّه «١» . السفاهة اصطلاحا: يسوّي معظم العلماء بين السّفه والسّفاهة ومن ثمّ يكون تعريفهما واحدا. يقول الجاحظ: السّفه: نقيض الحلم وهو سرعة الغضب، والطّيش من يسير الأمور، والمبادرة في البطش، والإيقاع بالمؤذي، والسّرف في العقوبة، وإظهار الجزع من أدنى ضرر، والسّبّ الفاحش «٢» . وقال الجرجانيّ: السّفه عبارة عن خفّة تعرض للإنسان من الفرح والغضب فيحمله ذلك على العمل بخلاف العقل وموجب الشّرع «٣» . وقد فرّق المناويّ بين السّفه والسّفاهة: فعرّف السّفه بما عرّفه به الجرجانيّ، ثمّ عرّف السّفاهة فقال: السّفاهة: خفّة الرّأي في مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوّة «٤» .

стр. 5354

أقسام السّفه: ذكر الرّاغب أنّ الأصل في السّفه هو خفّة في البدن ثمّ استعمل في خفّة النّفس لنقصان العقل، ويكون ذلك في: ١- الأمور الدّنيويّة، ومن ذلك قول الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ (النساء/ ٥) وقد عرّف الفقهاء هذا النّوع من السّفه فقالوا: هو عبارة عن التّصرّف في المال بخلاف مقتضى الشّرع والعقل بالتّبذير فيه والإسراف- مع قيام خفّة العقل- والسّفيه إذن: هو من ينفق ماله فيما لا ينبغي من وجوه التّبذير، ولا يمكنه إصلاحه بالتّمييز والتّصرّف فيه بالتّدبير «١» . ٢- الأمور الأخرويّة، ومن ذلك قول الله تعالى: وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (الجن/ ٤) وقوله سبحانه: أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ (البقرة/ ١٣) قال الرّاغب: فهذا من السّفه في الدّين «٢» . والسّفيه بهذا المعنى هو كما وصفه الكفويّ: ظاهر الجهل، عديم العقل، خفيف اللّبّ، ضعيف الرّأي، رديء الفهم، مستخفّ القدر، سريع الذّنب، حقير النّفس، مخدوع الشّيطان، أسير الطّغيان، دائم العصيان، ملازم الكفران، لا يبالي بما كان «٣» ، ولا بما هو كائن أو سوف يكون. الفرق بين العبث والسّفه: قال الكفويّ: العبث ما يخلو عن الفائدة، والسّفه ما لا يخلو عنها، ويلزم منه المضرّة، والسّفه أقبح من العبث، كما أنّ الظّلم أقبح من الجهل، وقيل: العبث فعل فيه غرض، ولكنّه ليس بشرعيّ، والسّفه ليس فيه غرض أصلا «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: اتباع الهوى- الحمق- الطيش- العبوس- اللهو واللعب- الإساءة- الأذى- سوء المعاملة- التحقير. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الحلم- الرفق محاسبة النفس- المراقبة- الأدب- حسن المعاملة تكريم الإنسان] .

стр. 5355

الآيات الواردة في «السفاهة» الآيات التي ورد فيها لفظ السفاهة مرادا به الكفر أو النفاق: ١- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) «١» ٢-* وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) «٢»

стр. 5356

٣-* سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) «١» ٤- قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) «٢» الآيات التي ورد فيها لفظ السفاهة مرادا به سوء التدبير أو الجهل: ٥- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢) «٣» ٦- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (١) وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (٤) وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ

стр. 5357

فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً (٦) «١» ٧- وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١٣٧) وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٣٩) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) «٢» ٨-* وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٦٥) قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٦٦) قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) «٣» ٩- وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ (١٥٥) * وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) «٤»

стр. 5358

الأحاديث الواردة في ذمّ (السفاهة) ١-* (عن رفاعة بن عرابة الجهنيّ- ﵁ أنّه قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتّى إذا كنّا بالكديد- أو قال بقديد- فجعل رجال منّا يستأذنون إلى أهليهم فيأذن لهم، فقام رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «ما بال رجال يكون شقّ الشّجرة الّتي تلي رسول الله ﷺ أبغض إليهم من الشّقّ الآخر!» فلم نر عند ذلك من القوم إلّا باكيا، فقال رجل: إنّ الّذي يستأذنك بعد هذا لسفيه. فحمد الله، وقال حينئذ: «أشهد عند الله، لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله، صدقا من قلبه، ثمّ يسدّد إلّا سلك في الجنّة» . قال: «وقد وعدني ربّي- أن يدخل من أمّتي سبعين ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وإنّي لأرجو أن لا يدخلوها حتّى تبوّءوا أنتم ومن صلح من آبائكم وأزواجكم وذرّيّاتكم مساكن في الجنّة» وقال: «إذا مضى نصف اللّيل- أو قال ثلثا اللّيل- ينزل الله- إلى السّماء الدّنيا فيقول لا أسأل عن عبادي أحدا غيري. من ذا يستغفرني فأغفر له؟ من الّذي يدعوني أستجيب له؟ من ذا الّذي يسألني أعطيه؟ حتّى ينفجر الصّبح» ) * «١» . ٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: إنّ النّبيّ ﷺ قال لكعب بن عجرة: « «أعاذك الله من إمارة السّفهاء» . قال: وما إمارة السّفهاء؟ قال: «أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي، ولا يستنّون بسنّتي، فمن صدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا منّي، ولست منهم ولا يردون عليّ حوضي، ومن لم يصدّقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك منّي، وأنا منهم، وسيردون عليّ حوضي، يا كعب بن عجرة، الصّوم جنّة «٢» ، والصّدقة تطفىء الخطيئة، والصّلاة قربان- أو قال برهان- يا كعب بن عجرة: النّاس غاديان، فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها «٣» » ) * «٤» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: حدّثني حبّي أبو القاسم الصّادق المصدوق ﷺ فقال: «إنّ هلاك أمّتي على يدي غلمة سفهاء من قريش» ) * «٥» .

стр. 5359

٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّها ستأتي على النّاس سنون خدّاعة، يصدّق فيها الكاذب، ويكذّب فيها الصّادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوّن فيها الأمين، وينطق فيها الرّويبضة» قيل: وما الرّويبضة؟. قال: «السّفيه يتكلّم في أمر العامّة» ) * «١» . ٥-* (عن عبس الغفاريّ- ﵁ أنّه لمّا رأى النّاس يخرجون في الطّاعون قال: يا طاعون خذني (ثلاثا) ، فقال له رجل: لم تقول هذا؟: ألم يقل رسول الله ﷺ : «لا يتمنّ أحدكم الموت؛ فإنّه عند انقطاع عمله. ولا يردّ فيستعتب» فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بادروا بالموت ستّا: إمرة السّفهاء، وكثرة الشّرط، وبيع الحكم، واستخفافا بالدّم، وقطيعة الرّحم، ونشوا «٢» يتّخذون القرآن مزامير، يقدّمونه يغنّيهم وإن كان أقلّ منهم فقها» ) * «٣» . ٦-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ضاف ضيف رجلا من بني إسرائيل وفي داره كلبة مجحّ «٤» ، فقالت الكلبة: والله لا أنبح ضيف أهلي. قال: فعوى جراؤها في بطنها قال: قيل: ما هذا؟ قال: فأوحى الله- إلى رجل منهم: هذا مثل أمّة تكون من بعدكم يقهر سفهاؤها أحلامها «٥» » ) * «٦» . ٧-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السّفهاء، ولا تخيّروا به المجالس. فمن فعل ذلك فالنّار النّار» ) * «٧» . ٨-* (عن عليّ- ﵁ أنّه قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «يخرج في آخر الزّمان أقوام أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريّة «٨» ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم «٩» . فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإنّ قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة» ) * «١٠» .

стр. 5360

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (السفاهة) ١-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ إلى قوله: قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (الأنعام/ ١٤٠) * «١» . ٢-* (قال عمير بن حبيب بن خماشة- وكان أدرك النّبيّ ﷺ عند احتلامه. يوصي بنيه فقال: «بنيّ إيّاكم ومجالسة السّفهاء؛ فإنّ مجالستهم داء، من يحلم عن السّفيه يسرّ، ومن يجبه يندم، ومن لا يرض بالقليل ممّا يأتي به السّفيه يرض بالكثير» ) * «٢» . ٣-* (قال السّدّيّ- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها (البقرة/ ١٤٢) : المراد بالسّفهاء: الكفّار، وأهل النّفاق، واليهود. أمّا الكفّار فقالوا لمّا حوّلت القبلة: رجع محمّد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا، فإنّه علم أنّا على الحقّ، وأمّا أهل النّفاق فقالوا: إن كان أوّلا على الحقّ فالّذي انتقل إليه باطل، وكذلك العكس، وأمّا اليهود فقالوا: خالف قبلة الأنبياء ولو كان نبيّا لما خالف، فلمّا كثرت أقاويل هؤلاء السّفهاء، أنزلت هذه الآيات من قوله تعالى ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ إلى قوله تعالى: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.. الآيات (البقرة/ ١٠٦- ١٥٠) » ) * «٣» . ٤-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-: يخاطبني السّفيه بكلّ قبح ... فأكره أن أكون له مجيبا يزيد سفاهة فأزيد حلما ... كعود زاده الإحراق طيبا ) * «٤» . ٥-* (قال عمرو بن عليّ: إذا نطق السّفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السّكوت سكتّ عن السّفيه فظنّ أنّي ... عييت عن الجواب وما عييت ) * «٥» . من مضار (السفاهة) (١) تورث غضب الجبّار وعظيم النّيران. (٢) بعد النّاس عن السّفيه لخوفهم منه. (٣) شرّه متعدّ وخلقه مشين. (٤) دليل على سوء الخلق ومظنّة سوء الخاتمة. (٥) يؤول حال صاحبه إلى الإفلاس، والحاجة إلى النّاس. (٦) يخرّب الدّيار العامرة، ويضع الرّجل الشّريف.
следующие страницы →