← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً «١» . وقال تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ* الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ* وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ «٢» . وفي حديث أنس- ﵁؛ في الشّفاعة، وفيه: «فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم «٣» ولكن ائتوا محمّدا عبدا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ... » «٤» . وفي حديث أبي هريرة- ﵁؛ في الشّفاعة أيضا، وفيه: « ... فيأتون عيسى فيقول ... اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمّد ﷺ ، فيأتون محمّدا ﷺ فيقولون: يا محمّد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر ... » «٥» . - وعن عائشة- ﵂؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان يقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ قال: «أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا» . فلمّا كثر لحمه صلّى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثمّ ركع» «٦» . - وعن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ النّبيّ ﷺ ؛ قال: «فضّلت على الأنبياء بستّ لم يعطهنّ أحد كان قبلي: غفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت أمّتي خير الأمم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأعطيت الكوثر، ونصرت بالرّعب، والّذي نفسي بيده إنّ صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه» «٧» . - وعن حذيفة- ﵁؛ قال: غاب عنّا رسول الله فلم يخرج حتّى ظننّا أنّه لن يخرج فلمّا خرج سجد سجدة حتّى ظننّا أنّ نفسه قد قبضت فيها، فلمّا رفع رأسه قال: «إنّ ربّي ﵎ استشارني في أمّتي ماذا أفعل بهم فقلت ما شئت أي ربّ هم خلقك وعبادك فاستشارني الثّانية فقلت له كذلك فقال لا نخزيك في أمّتك يا محمّد وبشّرني أنّ أوّل من يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا مع كلّ ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب ثمّ أرسل إليّ فقال: ادع تجب وسل تعطه. فقلت لرسوله: أو معطيّ ربّي سؤلي؟ فقال ما أرسلني إليك إلّا ليعطيك.

стр. 562

ولقد أعطاني ربّي ولا فخر وغفر لي ما تقدّم من ذنبي وما تأخّر وأنا أمشي حيّا صحيحا وأعطاني أن لا تجوع أمّتي ولا تغلب وأعطاني الكوثر فهو نهر في الجنّة يسيل في حوضي وأعطاني العزّ والنّصر والرّعب يسعى بين يدي أمّتي شهرا وأعطاني أنّي أوّل الأنبياء أدخل الجنّة وطيّب لي ولأمّتي الغنيمة وأحلّ لنا كثيرا ممّا شدّد على من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج» «١» . ١٣- كتاب خالد محفوظ: «٢» أعطى الله- ﵎ كلّ نبيّ من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام من الآيات والمعجزات الدّالّة على صدقه وصحّة ما جاء به عن ربّه ما فيه كفاية وحجّة لقومه الّذين بعث إليهم، وهذه المعجزات كانت وقتيّة انقرض زمانها في حياتهم ولم يبق منها إلّا الخبر عنها. وأمّا نبيّنا ﷺ فكانت معجزته العظمى الّتي اختصّ بها دون غيره هي القرآن العظيم. الحجّة المستمرّة الدّائمة القائمة في زمانه وبعده إلى يوم القيامة. كتاب خالد لا ينضب معينه ولا تنقضي عجائبه ولا تنتهي فوائده محفوظ بحفظ الله من التّغيير والتّبديل والتّحريف. قال العزّ بن عبد السّلام- ﵀: «ومن خصائصه أنّ معجزة كلّ نبيّ تصرّمت وانقرضت ومعجزة سيّد الأوّلين والآخرين وهي القرآن العظيم باقية إلى يوم الدّين» «٣» . وقال: ... ومنها حفظ كتابه، فلو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يزيدوا فيه كلمة أو ينقصوا منه لعجزوا عن ذلك، ولا يخفى ما وقع من التّبديل في التّوراة والإنجيل» «٤» . ومن أدلّة هذه الخصوصيّة: قول الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٥» . وقوله تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ* لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٦» . وقوله تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «٧» .

стр. 563

- وعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ما من الأنبياء نبيّ إلّا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الّذي أوتيته وحيا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» «١» . ووجه الدّلالة في الحديث يبيّنه الحافظ ابن حجر بقوله: رتّب ﷺ هذا الكلام (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) على ما تقدّم من معجزة القرآن المستمرّة لكثرة فائدته وعموم نفعه، لاشتماله على الدّعوة والحجّة والإخبار بما سيكون، فعمّ نفعه من حضر ومن غاب ومن وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرّجوى المذكورة على ذلك وهذه الرّجوى قد تحقّقت، فإنّه أكثر الأنبياء تبعا» «٢» . - وعن الحسن البصريّ ﵀ في قوله تعالى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ قال «حفظه الله تعالى من الشّيطان فلا يزيد فيه باطلا ولا ينقص منه حقّا» «٣» . - وعن يحيى بن أكثم قال: دخل يهوديّ على المأمون فتكلّم فأحسن الكلام، فدعاه المأمون إلى الإسلام، فأبى، فلمّا كان بعد سنة جاءنا مسلما، فتكلّم على الفقه فأحسن الكلام، فقال له المأمون: ما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن هذه الأديان فعمدت إلى التّوراة. فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة، فاشتريت منّي، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة فاشتريت منّي. وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الورّاقين فتصفّحوها، فلمّا أن وجدوا فيها الزّيادة والنّقصان رموا بها فلم يشتروها، فعلمت أنّ هذا الكتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي. قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السّنة فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له الحديث، فقال لي: مصداق هذا في كتاب الله تعالى. قلت: في أيّ موضع؟ قال: في قوله تعالى في التّوراة والإنجيل بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ «٤» فجعل حفظه إليهم فضاع وقال إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٥» فحفظه الله تعالى علينا فلم يضع «٦» . ١٤- إسراء ومعراج: وممّا اختصّ به رسول الله ﷺ عن غيره من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام معجزة الإسراء «٧» والمعراج.

стр. 564

فقد أسري به ﷺ ببدنه وروحه يقظة من المسجد الحرام بمكّة المكرّمة إلى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس بإيلياء في جنح اللّيل، ثمّ عرج به إلى سدرة المنتهى ثمّ إلى حيث شاء الله ورجع مكّة من ليلته. وأكرم ﷺ في هذه الآية العظيمة بكرامات كثيرة، منها: تكليمه ربّه ، وفرض الصّلوات عليه، وما رأى من آيات ربّه الكبرى، وإمامته للأنبياء في بيت المقدس. فدلّ ذلك على أنّه هو الإمام الأعظم والرّئيس المقدّم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين» . وقد ثبت الإسراء بالقرآن، كما ثبت المعراج بالمتواتر من الحديث، وإليه أشار القرآن. قال الله تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٢» . وقال تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى * ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى * أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى * لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى «٣» . - وعن أنس بن مالك- ﵁ أنّ مالك بن صعصعة حدّثه: أنّ نبيّ الله ﷺ حدّثهم عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم- وربّما قال في الحجر- مضطجعا، إذ أتاني آت- قال وسمعته يقول: فشقّ ما بين هذه إلى هذه. فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته- وسمعته يقول من قصّه إلى شعرته فاستخرج قلبي، ثمّ أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا، فغسل قلبي، ثمّ حشي، ثمّ أعيد، ثمّ أتيت بدابّة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم- يضع خطوه عند أقصى طرفه- فحملت عليه فانطلق بي جبريل حتّى أتى السّماء الدّنيا فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح. فلمّا خلصت فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فسلّم عليه. فسلّمت عليه، فردّ السّلام ثمّ قال: مرحبا بالابن الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء الثّانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء. ففتح. فلمّا خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة. قال: هذا يحيى وعيسى فسلّم عليهما فسلّمت، فردّا، ثمّ قالا: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح، ثمّ صعد بي إلى السّماء الثّالثة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال:

стр. 565

جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي إلى السّماء الرّابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد ﷺ قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ صعد بي حتّى أتى السّماء السّادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ ثمّ قال: مرحبا بالأخ الصّالح والنّبيّ الصّالح. فلمّا تجاوزت بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنّ غلاما بعث بعدي يدخل الجنّة من أمّته أكثر ممّن يدخلها من أمّتي. ثمّ صعد بي إلى السّماء السّابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمّد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلمّا خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلّم عليه، فسلّمت عليه، فردّ السّلام، ثمّ قال: مرحبا بالابن الصّالح والنّبيّ الصّالح. ثمّ رفعت لي سدرة المنتهى. فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أمّا الباطنان فنهران في الجنّة. وأمّا الظّاهران فالنّيل والفرات. ثمّ رفع لي البيت المعمور، ثمّ أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللّبن، فقال: هي الفطرة الّتي أنت عليها وأمّتك. ثمّ فرضت عليّ الصّلاة خمسين صلاة كلّ يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمسين صلاة كلّ يوم. وإنّي والله قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك، فرجعت، فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فأمرت بعشر صلوات كلّ يوم. فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كلّ يوم. فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمس صلوات كلّ يوم. وإنّي قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك. قال: سألت ربّي حتّى استحييت، ولكن أرضى

стр. 566

وأسلّم. قال: فلمّا جاوزت نادى مناد. أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي» «١» . ودليل إمامته بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام: - عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لقد رأيتني في الحجر. وقريش تسألني عن مسراي. فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها. فكربت كربة ما كربت مثله. قال فرفعه الله لي أنظر إليه. ما يسألوني عن شيء إلّا أنبأتهم به. وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء. فإذا موسى قائم يصلّي. فإذا رجل ضرب جعد كأنّه من رجال شنوءة. وإذا عيسى ابن مريم ﵇ قائم يصلّي. أقرب النّاس به شبها عروة بن مسعود الثّقفيّ. وإذا إبراهيم ﵇ قائم يصلّي. أشبه النّاس به صاحبكم- يعني نفسه- فحانت الصّلاة فأممتهم. فلمّا فرغت من الصّلاة قال قائل: يا محمّد! هذا مالك صاحب النّار فسلّم عليه. فالتفتّ إليه فبدأني بالسّلام» «٢» . النوع الثاني: ما اختصّ به ﷺ لذاته في الآخرة: اختصّ رسول الله ﷺ بخصائص لذاته في الآخرة لم يعطها غيره من الأنبياء ﵈. ممّا يدلّ على منزلته وعظيم قدره عند ربّه ﵎. ومن ذلك الوسيلة، والفضيلة، والحوض والكوثر، واللّواء.... وغير ذلك ممّا سيأتي. ١- وسيلة وفضيلة: «٣» الوسيلة أعلى درجة في الجنّة لا ينالها إلّا عبد واحد من عباد الله. وهو رسولنا ﷺ . قال الحافظ ابن كثير ﵀: «الوسيلة» علم على أعلى منزلة في الجنّة وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنّة، وهي أقرب أمكنة الجنّة إلى العرش» «٤» . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «الفضيلة» أي المرتبة الزّائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيرا للوسيلة «٥» . فمنزلة الوسيلة والفضيلة خاصّة برسول الله ﷺ لا يشاركه فيهما غيره. وممّا يؤيّد هذه الخصوصيّة: - عن جابر بن عبد الله- ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: من قال حين يسمع النّداء: اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة آت محمّدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الّذي وعدته. حلّت

стр. 567

له شفاعتي يوم القيامة» «١» . - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄؛ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول. ثمّ صلّوا عليّ، فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشرا، ثمّ سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة في الجنّة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو. فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشّفاعة» «٢» . - وعن أبي سعيد الخدريّ- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة» «٣» . - وعن ابن عبّاس- ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «سلوا الله لي الوسيلة، فإنّه لا يسألها لي عبد في الدّنيا، إلّا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم القيامة» «٤» . - وعن عبادة بن الصّامت- ﵁؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله رفعني يوم القيامة في أعلى غرفة من جنّات النّعيم ليس فوقي إلّا حملة العرش» «٥» . ٢- مقام محمود: لرسول الله ﷺ يوم القيامة، تشريفات وتكريمات لا يشركه ولا يساويه فيها أحد الأنبياء فمن دونهم. ومن ذلك المقام المحمود، الّذي يقومه ﷺ فيحمده الخالق والخلائق من بعده. قال تعالى وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «٦» . وقد تعدّدت أقوال المفسّرين في معنى «المقام المحمود» «٧» .

стр. 568

قال ابن جرير الطّبريّ- ﵀: قال أكثر أهل العلم ذلك هو المقام الّذي يقومه ﷺ يوم القيامة للشّفاعة للنّاس ليريحهم ربّهم من عظيم ما هم فيه من شدّة ذلك اليوم» «١» . وقال ابن بطّال- ﵀: « ... والجمهور على أنّ المراد بالمقام المحمود الشّفاعة وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع» «٢» . وقال ابن حجر- ﵀ بعد أن ذكر طرفا من أقوال أئمّة التّفسير: «والرّاجح أنّ المراد بالمقام المحمود الشّفاعة» «٣» . - وعن حذيفة بن اليمان- ﵄: رفعه، في قوله عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «٤» قال: «يجمع النّاس في صعيد واحد يسمعهم الدّاعي وينفذهم البصر حفاة عراة كما خلقوا سكوتا لا تتكلّم نفس إلّا بإذنه، قال: فينادى: محمّد فأقول لبيّك وسعديك والخير في يديك، والشّرّ ليس إليك، المهديّ من هديت، وعبدك بين يديك، ولك وإليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلّا إليك، تباركت وتعاليت، سبحان ربّ البيت» فذلك المقام المحمود الّذي قال الله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «٥» . - وقال ابن عبّاس- ﵄: «المقام المحمود: مقام الشّفاعة» «٦» . وقد جاء ذكر المقام المحمود في بعض الأحاديث والآثار صريحا بالاسم، وفي بعضها الآخر تلميحا وذلك عند ذكر الشّفاعة العظمى أو غيرها من معاني المقام المحمود الّتي مرّت، وسيأتي اكثرها مفصّلا في مباحث بإذن الله، فممّا جاء صريحا: - عن جابر بن عبد الله- ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يسمع النّداء: اللهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة آت محمّدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الّذي وعدته، حلّت له شفاعتي يوم القيامة» «٧» . - وعن عبد الله بن عمر- ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الشّمس تدنو يوم القيامة حتّى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثمّ بموسى ثمّ بمحمّد ﷺ ، فيشفع ليقضى بين

стр. 569

الخلق، فيمشي حتّى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلّهم» «١» . - وعن عبد الله بن عمر- ﵄؛ قال: «إنّ النّاس يصيرون يوم القيامة جثا «٢» . كلّ أمّة تتبع نبيّها يقولون: يا فلان اشفع حتّى تنتهي الشّفاعة إلى النّبيّ ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود» «٣» . - وعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى-: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً: سئل عنها، قال: هي الشّفاعة» «٤» . - وعن كعب بن مالك- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «يبعث النّاس يوم القيامة فأكون أنا وأمّتي على تلّ ويكسوني ربّي حلّة خضراء ثمّ يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود» «٥» . ٣- شفاعة عظمى وشفاعات: «٦» يجمع الله- الأوّلين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، وتدنو منهم الشّمس وقد تضاعف حرّها وتبدّلت عمّا كانت عليه من خفّة أمرها ويعرق النّاس حتّى يذهب عرقهم في الأرض سبعين باعا ويلجمهم ويبلغ آذانهم «٧» في يوم مقداره خمسين ألف سنة، قياما على أقدامهم شاخصة أبصارهم منفطرة قلوبهم لا يكلّمون ولا ينظر في أمورهم. فإذا بلغ الكرب والجهد منهم ما لا طاقة لهم به كلّم بعضهم بعضا في طلب من يكرم على مولاه ليشفع في حقّهم، فلم يتعلّقوا بنبيّ إلّا دفعهم، قال: نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري حتّى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ فينطلق. فيشفع حتّى يقضي الله ﵎ بين الخلق. وستأتي وقائع ذلك المشهد العظيم مفصّلة في الأحاديث، وبالله التّوفيق.

стр. 570

وبعد هذه الشّفاعة يكون له ولغيره شفاعات أخرى سنبيّنها- إن شاء الله تعالى- فهذه هي الشّفاعة العظمى وهي الشّفاعة الأولى لنبيّنا ﷺ ، وهي المقام المحمود. قال الحافظ ابن حجر: والمقام المحمود هو الشّفاعة العظمى. الّتي اختصّ بها، وهي إراحة أهل الموقف من أهوال القضاء بينهم، والفراغ من حسابهم «١» . وقد جاءت الأحاديث النّبويّة مثبتة لهذه الشّفاعة العظمى؛ فمن ذلك: - عن أبي هريرة- ﵁؛ قال: أتي رسول الله ﷺ بلحم. فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهش منها نهشة ثمّ قال: أنا سيّد النّاس يوم القيامة، وهل تدرون ممّ ذلك؟ يجمع النّاس- الأوّلين والآخرين- في صعيد واحد- يسمعهم الدّاعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشّمس فيبلغ النّاس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون. فيقول النّاس: ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربّكم؟ فيقول بعض النّاس لبعض: عليكم بآدم فيأتون آدم ﵇ فيقولون له: أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنّه نهاني عن الشّجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح إنّك أنت أوّل الرّسل إلى أهل الأرض، وقد سمّاك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله. وإنّه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. وإنّي قد كنت كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضّلك الله برسالته وبكلامه على النّاس. اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. وإنّي قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى، فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلّمت النّاس في المهد صبيّا، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى ﷺ : إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. ولم يذكر ذنبا- نفسي نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمّد ﷺ ، فيأتون محمّدا ﷺ فيقولون: يا محمّد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى

стр. 571

إلى ما نحن فيه؟ فأنطلق، فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربّي ، ثمّ يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثّناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي. ثمّ يقال: يا محمّد، ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفّع. فأرفع رأسي فأقول: أمّتي «١» يا ربّ، أمّتي يا ربّ، فيقال: يا محمّد، أدخل من أمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنّة، وهم شركاء النّاس فيما سوى ذلك من الأبواب. ثمّ قال: والّذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة كما بين مكّة وحمير، أو كما بين مكّة وبصرى «٢» . - عن أنس- ﵁؛ أنّ النّبيّ ﷺ ، قال: يحبس المؤمنون يوم القيامة حتّى يهمّوا» بذلك فيقولون لو استشفعنا إلى ربّنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم فيقولون أنت آدم أبو النّاس، خلقك الله بيده وأسكنك جنّته، وأسجد لك ملائكته، وعلّمك أسماء كلّ شيء، لتشفع لنا عند ربّك حتّى يريحنا من مكاننا هذا، قال: فيقول لست هناكم، قال: ويذكر خطيئته الّتي أصاب أكله من الشّجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحا أوّل نبيّ بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا، فيقول لست هناكم، ويذكر خطيئته الّتي أصاب وسؤاله ربّه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرّحمن. قال: فيأتون إبراهيم، فيقول: إنّي لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهنّ ولكن ائتوا موسى عبدا آتاه الله التّوراة وكلّمه وقرّبه نجيّا، قال فيأتون موسى فيقول إنّي لست هناكم، ويذكر خطيئته الّتي أصاب قتله النّفس، ولكن ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وروح الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمّدا ﷺ عبدا غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. فيأتوني فأستأذن على ربّي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، فيقول ارفع محمّد وقل يسمع واشفع تشفّع، وسل تعط، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربّي بثناء وتحميد يعلّمنيه، فيحدّ لي حدّا فأخرج فأدخلهم الجنّة. قال قتادة: وسمعته أيضا يقول: فأخرج فأخرجهم من النّار، وأدخلهم الجنّة، ثمّ أعود فأستأذن على ربّي في داره فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثمّ يقول: ارفع يا محمّد وقل يسمع واشفع تشفّع وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربّي بثناء وتحميد يعلّمنيه. قال: ثمّ أشفع فيحدّ لي حدّا فأخرج فأدخلهم الجنّة. ثمّ أعود الثّالثة فأستأذن على ربّي في داره فيؤذن لي

стр. 572

عليه، فإذا رأيته وقعت ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثمّ يقول: ارفع محمّد وقل يسمع واشفع تشفّع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربّي بثناء وتحميد يعلّمنيه، قال: ثمّ أشفع فيحدّ لي حدّا فأخرج فأدخلهم الجنّة. قال قتادة: وقد سمعته يقول: فأخرج فأخرجهم من النّار وأدخلهم الجنّة حتّى ما يبقى في النّار إلّا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود. ثمّ تلا الآية عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً «١» . قال: وهذا المقام الّذي وعده نبيّكم ﷺ «٢» . - وعن عبد الله بن عمر- ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الشّمس تدنو يوم القيامة حتّى يبلغ العرق نصف الأذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثمّ بموسى «٣» ثمّ بمحمّد ﷺ فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتّى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلّهم «٤» . هذا، ولرسول الله ﷺ شفاعات أخرى غير الشّفاعة العظمى، منها ما اختصّ بها وحده، ومنها ما شاركه فيها غيره ممّن أذن الله تعالى له من الملائكة المقرّبين والأنبياء والمرسلين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وغيرهم. فنسرد شفاعته «٥» ﷺ ، ثمّ نقتصر في ذكر الأدلّة على ما اختصّ به منها دون غيره: ١- الشّفاعة في استفتاح باب الجنّة. ٢- الشّفاعة في تقديم من لا حساب عليهم في دخول الجنّة. ٣- الشّفاعة فيمن استحقّ النّار من الموحّدين أن لا يدخلها. ٤- الشّفاعة في إخراج عصاة الموحّدين من النّار. ٥- الشّفاعة في رفع درجات ناس في الجنّة.

стр. 573

٦- الشّفاعة في تخفيف العذاب عن عمّه أبي طالب. فالّذي اختصّ به ﷺ من هذه الشّفاعات دون غيره هو: ١- شفاعته في استفتاح باب الجنة: ينتقل النّاس في عرصات القيامة من كرب إلى كرب فأهوال قبل فصل القضاء فشفاعة عظمى ثمّ يحاسب النّاس، وعند ذلك ينصب الميزان، وتطاير الصّحف ويكون التّمييز بين المؤمنين والمنافقين ثمّ يؤذن في نصب الصّراط والمرور عليه ويوقف بعض من نجا عند القنطرة للمقاصصة بينهم، فإذا انتهى ذلك كلّه يقوم المؤمنون وتقرّب لهم الجنّة فيطلبون من يكرم على مولاه ليشفع لهم في استفتاح باب الجنّة، فيأتون آدم فإبراهيم فموسى فعيسى ﵈ وكلّ منهم يعتذر عن هذا المقام العظيم، فيأتون رسول الله ﷺ فيشفع لهم إلى الله ﵎، على ما ورد تفصيله في الأحاديث. - فعن أبي هريرة وحذيفة- ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يجمع الله ﵎ النّاس. فيقوم المؤمنون حتّى تزلف «١» لهم الجنّة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنّة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنّة إلّا خطيئة أبيكم آدم! لست بصاحب ذلك. اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله. قال: فيقول إبراهيم: لست بصاحب ذلك. إنّما كنت خليلا من وراء وراء «٢» ، اعمدوا إلى موسى ﷺ الّذي كلّمه الله تكليما، فيأتون موسى ﷺ فيقول: لست بصاحب ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه. فيقول عيسى ﷺ : لست بصاحب ذلك، فيأتون محمّدا ﷺ ، فيقوم فيؤذن له. وترسل الأمانة والرّحم «٣» فتقومان جنبتي الصّراط «٤» يمينا وشمالا. فيمرّ أوّلكم كالبرق؟ قال: قلت بأبي أنت وأمّي! أيّ شيء كمرّ البرق؟ قال: «ألم تروا إلى البرق كيف يمرّ ويرجع في طرفة عين؟ ثمّ كمرّ الرّيح، ثمّ كمرّ الطّير وشدّ الرجال «٥» . تجري بهم أعمالهم «٦» . ونبيّكم قائم على الصّراط يقول: ربّ سلّم سلّم. حتّى تعجز أعمال العباد حتّى يجيء الرّجل فلا يستطيع السّير إلّا زحفا. قال وفي حافّتي الصّراط «٧» كلاليب

стр. 574

معلّقة مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج ومكدوس «١» في النّار» . والّذي نفس أبي هريرة بيده! إنّ قعر جهنّم لسبعون خريفا» «٢» . - وعن عبد الله بن عمر- ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما يزال الرّجل يسأل النّاس حتّى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، وقال: إنّ الشّمس تدنو يوم القيامة حتّى يبلغ العرق نصف الأذن فبينا هم كذلك، استغاثوا بآدم ثمّ بموسى، ثمّ بمحمّد ﷺ ، فيشفع ليقضى بين الخلق فيمشي حتّى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلّهم» «٣» . ففي هذا الحديث الجمع بين ذكر الشّفاعتين الأولى في فصل القضاء والثّانية في استفتاح باب الجنّة وسمّي ذلك كلّه «المقام المحمود» «٤» . - وعن أنس بن مالك- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «آتي باب الجنّة يوم القيامة، فأستفتح فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمّد، فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك» «٥» . ٢- شفاعته في تقديم من لا حساب عليهم في دخول الجنة: وممّا اختصّ به رسولنا ﷺ من الشّفاعات أنّه يشفع في تعجيل دخول الجنّة لمن لا حساب عليهم من أمّته. وهذا من عظيم قدره ﷺ ورفعة منزلته عند ربّه ﵎. وقد جاءت الأحاديث النّبويّة تنصّ على هذه الشّفاعة: - ففي حديث أبي هريرة- ﵁ الطّويل في الشّفاعة: « ... يا محمّد ارفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفّع، فأرفع رأسي فأقول: أمّتي يا ربّ، أمّتي يا ربّ، فيقول: يا محمّد، أدخل من أمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنّة، وهم شركاء النّاس فيما سوى ذلك من الأبواب» «٦» . - وعن أبي هريرة- ﵁؛ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «سألت ربّي فوعدني أن يدخل من أمّتي سبعين ألفا على صورة القمر ليلة البدر، فاستزدت فزادني مع كلّ ألف سبعين ألفا، فقلت أي ربّ، إن لم

стр. 575

يكن هؤلاء مهاجري أمّتي. قال: إذن أكملهم لك من الأعراب» «١» . - وعن أبي أمامة- ﵁؛ قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله وعدني أن يدخل من أمّتي الجنّة سبعين ألفا بغير حساب. فقال يزيد بن الأخنس السّلميّ: والله ما أولئك إلّا كالذّباب الأصهب في الذبّان. فقال رسول الله ﷺ : كان ربّي قد وعدني سبعين ألفا مع كلّ ألف سبعون ألفا وزادني ثلاث حثيات ... » «٢» . ٣- شفاعته في تخفيف العذاب عن عمه أبي طالب: كان أبو طالب يحوط ابن أخيه رسول الله ﷺ ، وينصره ويقوم في صفّه ويبالغ في إكرامه والذّبّ عنه، ويحبّه حبّا شديدا طبعيّا لا شرعيّا، فلمّا حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله ﷺ إلى الإيمان والدّخول في الإسلام، فسبق القدر فيه فاستمرّ على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة البالغة. ونظرا لما قام به من أعمال جليلة مع رسول الله ﷺ جوزي على ذلك بتخفيف العذاب خصوصيّة له من عموم الكفّار الّذين لا تنفعهم شفاعة الشّافعين. وذلك إكراما وتطييبا لقلب رسول الله ﷺ . - قال الحافظ ابن حجر ما معناه: الشّفاعة لأبي طالب معدودة في خصائص النّبيّ ﷺ «٣» . وقد وردت الأحاديث تنصّ على هذه الشّفاعة: - فعن العبّاس بن عبد المطّلب- ﵁؛ أنّه قال: يا رسول الله، هل نفعت أبا طالب بشيء، فإنّه كان يحوطك «٤» ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح «٥» من نار، ولولا أنا لكان في الدّرك «٦» الأسفل من النّار» «٧» .

стр. 576

- وعنه- ﵁؛ قال: قلت: يا رسول الله، إنّ أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال: «نعم، وجدته في غمرات «١» من النّار فأخرجته إلى ضحضاح «٢» » . - وعن أبي سعيد الخدريّ- ﵁؛ أنّه سمع رسول الله ﷺ وذكر عنده عمّه أبو طالب فقال: لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة. فيجعل في ضحضاح من النّار يبلغ كعبيه يغلي منه أمّ دماغه» «٣» . - وعن ابن عبّاس- ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «أهون أهل النّار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه» «٤» . ٤- دعوة مستجابة: أعطى الله- ﵎ كلّ نبيّ من الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام دعوة أعلمهم أنّها تستجاب لهم ويبلغ فيها مرغوبهم، وإلّا فكم لكلّ نبيّ منهم من دعوة مستجابة ولنبيّنا ﷺ منها ما لا يعدّ، لكنّ حالهم عند الدّعاء بها بين الرّجاء والخوف، وضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاؤوا يدعون بها على يقين من الإجابة. فنالها كلّ نبيّ من الأنبياء في الدّنيا. وأمّا نبيّنا ﷺ فادّخرها شفاعة لأمّته يوم الفاقة وخاتمة المحن وعظيم السّؤال والرّغبة، فجزاه الله أحسن ما جزى نبيّا عن أمّته. وما فعله ﷺ فهو من كمال شفقته على أمّته ورأفته بهم واعتنائه بالنّظر في مصالحهم «٥» . لأنّه جعل الدّعوة فيما ينبغي وجعلها للمذنبين من أمّته لكونهم أحوج إليها من الطّائعين «٦» فهذه الدّعوة المدّخرة لنبيّنا ﷺ لا يشاركه فيها غيره من الأنبياء ﵈. والّذي يبدو أنّ هذه الدّعوة المستجابة هي الشّفاعة المعطاة لنبيّنا محمّد ﷺ على ما سبق تفصيله في المبحث الماضي. غير أنّنا نورد بعض الأحاديث الّتي تسند هذا المعنى. - فعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلّ نبيّ دعوة مستجابة. فتعجّل كلّ نبيّ دعوته. وإنّي اختبأت دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة، فهي نائلة، إن شاء الله، من مات من أمّتي لا يشرك بالله شيئا» » .

стр. 577

- وعن عبد الله بن عمرو- ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ ، عام غزوة تبوك، قام من اللّيل يصلّي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتّى إذا صلّى انصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت اللّيلة خمسا ما أعطيهنّ أحد قبلي ... » وفيه: «قيل لي سل فإنّ كلّ نبيّ قد سأل فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلّا الله» «١» . النوع الثالث: ما اختص به ﷺ في أمته في الدنيا: فضّل الله- هذه الأمّة على سائر الأمم واختصّها بكرامات كثيرة في الدّنيا ليست لغيرها وذلك إكراما وتشريفا لنبيّها ﷺ سيّد الأوّلين والآخرين. وإنّما نالت هذه الأمّة ما نالته من تكريم وتشريف باتّباعها لرسولها محمّد ﷺ والسّير على سنّته والعمل بشريعته. ومن هذه الخصائص، أنّها خير الأمم ، وأحلّت لها الغنائم، وجعلت لها الأرض مسجدا وطهورا، وصفوفها في الصّلاة كصفوف الملائكة. إلى غير ذلك ممّا سيأتي معنا بإذن الله. خير الأمم: «٢» شرّف- الله تعالى- هذه الأمّة ورفع ذكرها واصطفاها على غيرها فجعلها خير الأمم وأكرمها عليه، فقال عزّ من قائل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «٣» . وإنّما حازت هذه الأمّة قصب السّبق إلى الخيرات بنبيّها محمّد صلوات الله وسلامه عليه، فإنّه أشرف خلق الله، وأكرم الرّسل على الله، بعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيّ قبله ولا رسول من الرّسل، فالعمل على منهاجه وسبيله يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه. وقد وردت الآيات والأحاديث والآثار تؤيّد هذا المعنى: - قال الله تعالى: هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «٤» . - وقال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٥» . - عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه؛ أنّه سمع النّبي ﷺ يقول في قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ. قال: «إنّكم تتمّون سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على الله» «٦» .

стр. 578

- وعن أبي هريرة- ﵁: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «فضّلت على الأنبياء بستّ لم يعطهنّ أحد كان قبلي ... وفيه «وجعلت أمّتي خير الأمم ... » «١» . - عن عليّ بن أبي طالب- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرّعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسمّيت أحمد، وجعل التّراب لي طهورا، وجعلت أمّتي خير الأمم» «٢» . - وعن أبي الدّرداء- ﵁ قال: سمعت أبا القاسم ﷺ ، يقول: «إنّ الله يقول: يا عيسى إنّي باعث من بعدك أمّة إن أصابهم ما يحبّون حمدوا الله وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال: يا ربّ، كيف هذا لهم ولا حلم ولا علم، قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» «٣» . ومن الآثار: - قال قتادة في قوله تعالى: أَخَذَ الْأَلْواحَ «٤» قال «٥» : «ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة خير أمّة أخرجت للنّاس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر اجعلهم أمّتي. قال: تلك أمّة أحمد. قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة هم الآخرون أي الآخرون في الخلق سابقون في دخول الجنّة ربّ اجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد. قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة أنا جيلهم في صدورهم يقرءونها وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا حتّى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه وإنّ الله أعطاهم من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا من الأمم، قال: ربّ اجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد. قال ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة يؤمنون بالكتاب الأوّل وبالكتاب الآخر ويقاتلون الضّلالة حتّى يقاتلون الأعور الكذّاب، فاجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد، قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة صدقاتهم يأكلونها في

стр. 579

بطونهم يؤجرون عليها وكان من قبلهم إذا تصدّق بصدقة فقبلت منه بعث الله نارا فأكلتها وإن ردّت عليه تركت فتأكلها السّباع والطّير وإنّ الله أخذ صدقاتهم من غنيّهم لفقيرهم، قال: ربّ فاجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد. قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة إذا همّ أحدهم بحسنة ثمّ لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة، ربّ اجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد، قال: ربّ إنّي أجد في الألواح أمّة هم المشفوعون والمشفوع لهم فاجعلهم أمّتي، قال: تلك أمّة أحمد. قال قتادة فذكر لنا أنّ نبيّ الله موسى نبذ الألواح وقال: اللهمّ اجعلني من أمّة أحمد» «١» . - وعن الرّبيع بن خثيم- ﵀؛ قال: «لم تكن أمّة أكثر استجابة في الإسلام من هذه الأمّة فمن ثمّ قال تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «٢» » «٣» . حل الغنائم: كانت الأمم فيمن قبلنا على ضربين «٤» فمنهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم تكن لهم غنائم، ومنهم من أذن له فيه فكانوا يغزون ويجاهدون ويأخذون أموال أعدائهم وأسلابهم، لكن لا يتصرّفون فيها بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم ذلك أن تنزل النّار من السّماء فتأكلها، وعلامة عدم قبوله أن لا تنزل، ومن أسباب عدم القبول أن يقع فيهم الغلول، وقد منّ الله تعالى على هذه الأمّة ورحمها وجبر عجزها وضعفها لشرف نبيّها عنده، فأحلّ لهم الغنائم وستر عليهم الغلول، فطوى عنهم فضيحة أمر عدم القبول، فلله الحمد على نعمه تترى وآلائه لا تحصى. - قال الله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٥» . قال جمهور المفسّرين: إنّ المراد في قوله تعالى لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ: يعني في أمّ الكتاب الأوّل، إنّ الغنائم حلال لهذه الأمّة «٦» . وهذه جملة من الأحاديث النّبويّة تنصّ على هذه الخصوصيّة: - عن جابر- ﵁؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي؛ نصرت بالرّعب

стр. 580

مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ، وأحلّت لي المغانم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة» «١» . - عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «غزا نبيّ من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع «٢» امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولمّا يبن. ولا آخر قد بنى بنيانا، ولمّا يرفع سقفها. ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات «٣» ، وهو منتظر ولادها «٤» : قال: فغزا. فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشّمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهمّ احبسها عليّ شيئا «٥» ، فحبست عليه حتّى فتح الله عليه. قال: فجمعوا ما غنموا. فأقبلت النّار «٦» لتأكله. فأبت أن تطعمه. فقال: فيكم غلول. فليبايعني من كلّ قبيلة رجل. فبايعوه. فلصقت يد رجل بيده. فقال: فيكم الغلول. فلتبايعني قبيلتك. فبايعته. قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة. فقال: فيكم الغلول. أنتم غللتم. قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة «٧» من ذهب. قال: فوضعوه في المال وهو بالصّعيد «٨» . فأقبلت النّار فأكلته. فلم تحلّ الغنائم لأحد من قبلنا. ذلك بأنّ الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا «٩» ، فطيّبها «١٠» لنا» «١١» . - عن أبي هريرة- ﵁؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «لم تحلّ الغنائم لأحد سود «١٢» الرّءوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السّماء فتأكلها، قال سليمان الأعمش «١٣» : فمن يقول هذا إلّا أبو هريرة الآن، فلمّا كان يوم بدر وقعوا في الغنائم قبل أن تحلّ لهم، فأنزل الله تعالى: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «١٤» .١» . - عن عبد الله بن عمرو- ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك- قام من اللّيل يصلّي

стр. 581

فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتّى إذا صلّى، انصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت اللّيلة خمسا ما أعطيهنّ أحد قبلي ... » وفيه «وأحلّت لي الغنائم آكلها وكان من قبلي يعظمون أكلها كانوا يحرقونها» «١» . الأرض مسجدا وطهورا: اختصّ الله ﵎ هذه الأمّة من بين سائر الأمم فجعل لها الأرض مسجدا وطهورا فأيّما رجل منها أدركته الصّلاة فلم يجد ماء ولا مسجدا فعنده طهوره ومسجده يتيمّم ويصلّي بخلاف الأمم قبلنا فإنّ الصّلاة أبيحت لهم في أماكن مخصوصة كالبيع والصّوامع. وقد وردت الأحاديث تبيّن هذا المعنى: - عن جابر- ﵁؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي؛ نصرت بالرّعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيّما رجل من أمّتي أدركته الصّلاة فليصلّ، وأحلّت لي المغانم، ولم تحلّ لأحد قبلي، وأعطيت الشّفاعة، وكان النّبيّ يبعث إلى قومه خاصّة، وبعثت إلى النّاس عامّة» «٢» . - عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ عام غزوة تبوك- قام من اللّيل يصلّي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتّى إذا صلّى، انصرف إليهم فقال لهم: «لقد أعطيت اللّيلة خمسا ما أعطيهنّ أحد قبلي ... » وفيه «وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصّلاة تمسّحت وصلّيت وكان من قبلي يعظّمون ذلك إنّما كانوا يصلّون في كنائسهم وبيعهم» «٣» . - عن عليّ بن أبي طالب- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ قال: نصرت بالرّعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسمّيت أحمد، وجعل التّراب لي طهورا، وجعلت أمّتي خير الأمم» «٤» . آصار «٥» وأغلال «٦» موضوعة: من رحمة الله تعالى وكرمه بهذه الأمّة المحمّديّة أن وضع عنها الآصار والأغلال الّتي كانت على الأمم قبلها،

стр. 582

فأحلّ لها كثيرا ممّا حرّم على غيرها، ولم يجعل عليها من عنت وشدّة كما قال تعالى: هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «١» . وقال تعالى: ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ «٢» ، وقال تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ «٣» . فشريعته ﷺ أكمل الشّرائع وأسهلها وأيسرها، قال صلوات الله وسلامه عليه: « ... إنّي أرسلت بحنيفيّة سمحة» «٤» . وقال لمعاذ وأبي موسى- ﵄ حين بعثهما إلى اليمن: «يسّرا ولا تعسّرا وبشّرا ولا تنفّرا ... » «٥» . وهذه بعض الأحاديث المختارة الّتي تشير إلى اختصاص أمّة الإسلام بوضع الآصار والأغلال عنها: - فعن حذيفة- ﵁ قال: غاب عنّا رسول الله ﷺ فلم يخرج حتّى ظننّا أنّه لن يخرج فلمّا خرج سجد سجدة حتّى ظننّا أنّ نفسه قد قبضت فيها، فلمّا رفع رأسه قال: «إنّ ربّي ﵎ استشارني في أمّتي ماذا أفعل بهم فقلت ما شئت أي ربّ هم خلقك وعبادك فاستشارني الثّانية فقلت له كذلك فقال لا نخزيك في أمّتك يا محمّد، وبشّرني أنّ أوّل من يدخل الجنّة من أمّتي سبعون ألفا مع كلّ ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب ثمّ أرسل إليّ فقال: ادع تجب وسل تعطه. فقلت لرسوله: أو معطيّ ربّي سؤلي؟ فقال ما أرسلني إليك إلّا ليعطيك. ولقد أعطاني ربّي ولا فخر ... وفيه «وأحلّ لنا كثيرا ممّا شدّد على من قبلنا ولم يجعل علينا من حرج» «٦» . - وعن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: كنت مع النّبيّ ﷺ فأراد أن يبول فقام إلى دمث «٧» حائط هناك وقال: «إنّ بني إسرائيل كان إذا أصاب أحدهم البول قرضه بالمقراض فإذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد بوله» «٨» . - وعن أنس- ﵁ أنّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم، لم يؤاكلوها ولم يجامعوهنّ في البيوت «٩» .

стр. 583

فسأل أصحاب النّبيّ ﷺ النّبيّ ﷺ . فأنزل الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ «١» . «٢» . فقال رسول الله ﷺ «اصنعوا كلّ شيء إلّا النّكاح» فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرّجل أن يدع من أمرنا شيئا إلّا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر فقالا: يا رسول الله إنّ اليهود تقول كذا وكذا. فلا نجامعهنّ؟ فتغيّر وجه رسول الله ﷺ حتّى ظننّا أن قد وجد عليهما «٣» . فخرجا فاستقبلهما هديّة من لبن إلى النّبيّ ﷺ . فأرسل في آثارهما. فسقاهما. فعرفا أن لم يجد عليهما» «٤» . - وعن عائشة- ﵂؛ أنّ رسول الله ﷺ مرّ على أصحاب الدّركلة «٥» . فقال: «خذوا يا بني أرفدة «٦» حتّى تعلم اليهود والنّصارى أنّ في ديننا فسحة» «٧» . وأمّا الآثار: - عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كان في بني إسرائيل القصاص في القتلى ولم يكن فيهم الدّية فقال الله تعالى لهذه الأمّة: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى.. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ «٨» فالعفو أن يقبل الدّية في العمد ذلك تخفيف من ربّكم ورحمة ممّا كتب على من كان قبلكم «٩» . - وفي حديث الفتون الطّويل عن ابن عبّاس- ﵄؛ في قوله تعالى: وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً «١٠» فيه

стр. 584

أنّ موسى ﵇ قال: يا ربّ سألتك التّوبة لقومي فقلت إنّ رحمتي كتبتها لقوم غير قومي هلّا أخّرتني حتّى تخرجني في أمّة ذلك الرّجل المرحومة فقال له: إنّ توبتهم أن يقتل كلّ رجل منهم من لقي من والد وولد بالسّيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن وتاب أولئك الّذين كان خفي على موسى وهارون واطّلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول ثمّ سار بهم موسى ﵇ متوجّها نحو الأرض المقدّسة «١» . ويوضّح الشّاهد من هذا الأثر أثر ابن مسعود الآتي: - عن عبد الله بن مسعود- ﵁: قال: كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح قد كتب كفّارة ذلك الذّنب على بابه وإذا أصاب البول شيئا منه قرضه بالمقراض فقال رجل: لقد آتى الله بني إسرائيل خيرا فقال عبد الله ما آتاكم الله خير ممّا آتاهم جعل الله الماء لكم طهورا وقال: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ «٢» وقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ «٣» مَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً «٤» . - وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ المالكي «٥» ﵀: كان من قبلنا من الأمم صومهم الإمساك عن الكلام مع الطّعام والشّراب، فكانوا في حرج، فأرخص الله لهذه الأمّة بحذف نصف زمانها، وهو اللّيل، وحذف نصف صومها، وهو الإمساك عن الكلام ورخّص لها فيه «٦» . يوم الجمعة:» اختصّت الأمّة المحمّديّة بخصائص كثيرة في الدّنيا لم تعطها غيرها من الأمم. ومن ذلك يوم الجمعة سيّد الأيام خير يوم طلعت فيه الشّمس، فيه خلق آدم ﵇، وفيه أدخل الجنّة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم

стр. 585

السّاعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرا إلّا أعطاه ما سأل، وفيه صلاة الجمعة الّتي أمر الله بالسّعي إليها في كتابه العزيز، فقال عزّ من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ «١» . فهذا اليوم المبارك اختلفت فيه الأمم من قبلنا فهدانا الله له وأضلّ النّاس عنه فهو لنا. ولليهود السّبت. وللنّصارى يوم الأحد. كما نطقت بذلك الأحاديث النّبويّة الكثيرة ومنها: - عن أبي هريرة- ﵁؛ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة، بيد أنّهم «٢» أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمّ هذا يومهم الّذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالنّاس لنا فيه تبع: اليهود غدا، والنّصارى بعد غد» «٣» . - وعن أبي هريرة- ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «خير يوم طلعت فيه الشّمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم السّاعة، وما من دابّة إلّا وهي مسيخة «٤» يوم الجمعة من حين تصبح حتّى تطلع الشّمس شفقا من السّاعة، إلّا الجنّ والإنس، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلّي يسأل الله حاجة إلّا أعطاه إيّاها» قال كعب: ذلك في كلّ سنة يوم؟ فقلت: بل في كلّ جمعة، قال: فقرأ كعب التّوراة، فقال: صدق النّبيّ ﷺ ، قال أبو هريرة: ثمّ لقيت عبد الله بن سلام فحدّثته بمجلسي مع كعب فقال عبد الله بن سلام: قد علمت أيّة ساعة هي؟ قال أبو هريرة: فقلت له: فأخبرني بها فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة من يوم الجمعة، فقلت: كيف هي آخر ساعة من يوم الجمعة، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلّي» وتلك السّاعة لا يصلّى فيها؟ فقال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ «من جلس مجلسا ينتظر الصّلاة فهو في صلاة حتّى يصلّي» ؟ قال: فقلت: بلى، قال: هو ذاك» «٥» .

стр. 586

- وعن أنس بن مالك- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل ﵇ وفي يده مرآة بيضاء فيها نكتة سوداء. فقلت: ما هذه يا جبريل؟ قال: هذه الجمعة يعرضها عليك ربّك لتكون لك عيدا ولقومك من بعدك تكون أنت الأوّل وتكون اليهود والنّصارى من بعدك. قال: ما لنا فيها. قال: لكم فيها خير، لكم فيها ساعة من دعا ربّه فيها بخير هو له قسم إلّا أعطاه إيّاه وليس له بقسم إلّا ودخر له ما هو أعظم منه أو تعوّذ فيها من شرّ هو مكتوب إلّا أعاذه من أعظم منه. قلت: ما هذه النكتة السّوداء فيه؟ قال: هذه السّاعة تقوم يوم الجمعة وهو سيّد الأيّام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد. قال: قلت: لم تدعونه يوم المزيد؟ قال: إنّ ربّك اتّخذ في الجنّة واديا أفيح من المسك أبيض، فإذا كان يوم الجمعة نزل ﵎ من علّيّين على كرسيّه حتّى حفّ الكرسيّ بمنابر من نور وجاء النّبيّون حتّى يجلسوا عليها ثمّ حفّ المنابر بكراسيّ من ذهب ثمّ جاء الصّدّيقون والشّهداء حتّى يجلسوا عليها ثمّ يجيء أهل الجنّة حتّى يجلسوا على الكثيب فيتجلّى لهم الله ﵎ حتّى ينظروا إلى وجهه وهو يقول أنا الّذي صدقتكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي هذا محلّ كرامتي فسلوني، فيسألوه الرّضا، فيقول الله : رضائي أحلّكم داري وأنّ لكم كرامتي فسلوني، فيسألوه حتّى تنتهي رغبتهم، فيفتح لهم عند الله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر إلى مقدار منصرف النّاس يوم الجمعة ثمّ يصعد الله ﵎ على كرسيّه فيصعد معه الشّهداء والصّدّيقون، أحسبه قال: ويرجع أهل الغرف إلى غرفهم درّة بيضاء لا قصم فيها ولا فصم أو ياقوتة حمراء أو زبرجدة خضراء منها غرفا وأبوابها مطردة فيها أنهارها متدلّية فيها ثمارها فيها أزواجها وخدمها فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى يوم الجمعة ليزدادوا فيه كرامة وليزدادوا فيه نظرا إلى وجهه ﵎ ولذلك دعي يوم المزيد» «١» . التّجاوز عن الخطإ والنّسيان وحديث النّفس: أنعم الله ﵎ على أمّة الإسلام بنعم كثيرة لا تعدّ ولا تحصى، وفي ذلك تكريم لنبيّها محمّد ﷺ ، ومن هذه النّعم أنّه تجاوز لها عمّا صدر منها على سبيل الخطإ والنّسيان، وتجاوز لها عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلّم. والأدلّة على ذلك كثيرة. - عن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تجاوز لأمّتي ما حدّثت به نفسها ما لم يتكلّموا أو يعملوا به» «٢» .

стр. 587

- عن أبي هريرة- ﵁ قال: لمّا نزلت على رسول الله ﷺ : لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «١» . قال فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ . ثمّ بركوا على الرّكب. فقالوا: أي رسول الله! كلّفنا من الأعمال ما نطيق. الصّلاة والصّيام والجهاد والصّدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير» قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربّنا وإليك المصير. فلمّا اقترأها القوم ذلّت بها ألسنتهم. فأنزل الله في إثرها آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ «٢» . فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله تعالى. فأنزل الله- : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (قال: نعم) رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا (قال: نعم) رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ (قال: نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (قال: نعم) » «٣» . «٤» . - وعن أبي ذرّ الغفاريّ- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى تجاوز لي «٥» عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه» «٦» . - وعن ابن عبّاس- ﵄؛ عن رسول الله ﷺ ، فيما يروي عن ربّه ﵎؛ قال: «إنّ الله كتب الحسنات والسّيّئات. ثمّ بيّن ذلك. فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة وإن همّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة. وإن همّ بسيّئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها، كتبها الله سيّئة واحدة» «٧» .

стр. 588

محفوظة من الهلاك والاستئصال: الأمّة المحمّديّة، أمّة مصونة مرحومة، حفظها الله وأجارها، فلا تهلك بالسّنين ولا بجوع ولا غرق، ولا يسلّط عليها عدوّا من غيرها، فيستبيح بيضتها ويستأصلها، ولو اجتمع عليها من بأقطارها وهذا من خصائصها الّتي انفردت بها على غيرها. وقد أفصح رسول الله ﷺ عن ذلك في غير ما حديث: - فعن ثوبان- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله زوى «١» لي الأرض. فرأيت مشارقها ومغاربها. وإنّ أمّتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض «٢» . وإنّي سألت ربّي لأمّتي أن لا يهلكها بسنة عامّة. وأن لا يسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم. فيستبيح بيضتهم «٣» . وإنّ ربّي قال: يا محمّد إنّي إذا قضيت قضاء فإنّه لا يردّ. وإنّي أعطيتك لأمّتك أن لا أهلكهم بسنة عامّة «٤» . وأن لا أسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم. ولو اجتمع عليهم من بأقطارها- أو قال من بين أقطارها- حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا. ويسبي بعضهم بعضا» «٥» . - وعن عامر بن سعد عن أبيه- ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ أقبل ذات يوم من العالية. حتّى إذا مرّ بمسجد بني معاوية، دخل فركع ركعتين. وصلّينا معه. ودعا ربّه طويلا. ثمّ انصرف إلينا. فقال ﷺ : «سألت ربّي ثلاثا. فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة. سألت ربّي أن لا يهلك أمّتي بالسّنة فأعطانيها. وسألته أن لا يهلك أمّتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها» «٦» . - وعن عبد الله بن عبد الله بن جابر بن عتيك- ﵀؛ قال: «جاءنا عبد الله بن عمر- ﵄ في بني معاوية- وهي قرية من قرى الأنصار- فقال: هل تدرون أين صلّى رسول الله ﷺ في مسجدكم هذا؟ فقلت: نعم- وأشرت إلى ناحية منه- فقال لي: هل تدرون ما الثّلاث الّتي دعا بهنّ فيه؟ قلت: نعم، قال: فأخبرني بهنّ، فقلت: دعا بأن لا يظهر عليهم عدوّا من غيرهم، ولا يهلكهم بالسّنين، فأعطيهما، ودعا بأن لا

стр. 589

يجعل بأسهم بينهم، فمنعها، قال: صدقت، قال ابن عمر: فلن يزال الهرج «١» إلى يوم القيامة» «٢» . - وعن عوف بن مالك- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لن يجمع الله تعالى على هذه الأمّة سيفين سيفا منها وسيفا من عدوّها» «٣» . لا تجتمع على ضلالة وطائفة منها على الحقّ: أكرم الله ﵎ الأمّة المحمّديّة في الدّنيا بكرامات كثيرة منها: ضمان العصمة لهم من الخطإ عند اجتماعهم تشريفا لهم وتعظيما لنبيّهم ﷺ ، ومنها وجود طائفة منهم على الحقّ والهدى في كلّ زمان ظاهرين لا يضرّهم من خالفهم ولا من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك. قال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام ﵀ في سياق كلامه على خصائص النّبيّ ﷺ : ومثلها عصمة أمّته بأنّها لا تجتمع على ضلالة في فرع ولا في أصل» «٤» . وبهذه الخصائص جاءت النّصوص النّبويّة المطهّرة: - فعن كعب بن عاصم الأشعريّ- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله تعالى قد أجار أمّتي أن تجتمع على ضلالة» «٥» . - وعن ابن عمر- ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله لا يجمع أمّتي أو قال أمّة محمّد ﷺ ، على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذّ شذّ في النّار» «٦» .

стр. 590

- وعن ثوبان- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال طائفة «١» من أمّتي ظاهرين على الحقّ. لا يضرّهم من خذلهم «٢» حتّى يأتي أمر الله «٣» وهم كذلك» «٤» . ومن الآثار: عن عبد الله بن مسعود- ﵁؛ قال: إنّ الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمّد ﷺ خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالاته ثمّ نظر في قلوب العباد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيّه ﷺ يقاتلون عن دينه فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون سيّئا فهو عند الله سيّء «٥» . شهداء الله في الأرض:» فضّل الله ﵎ هذه الأمّة ورفع ذكرها وزكّاها بأن أضافها إليه إضافة تشريف وتكريم، فقبل منها قولها وشهادتها، وذلك لعظم مكانتها ومنزلتها عنده. وممّا يدلّ على هذه الخصوصيّة: ما جاء عن أنس بن مالك- ﵁ قال: مرّ بجنازة فأثني عليها خيرا. فقال نبيّ الله ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّا. فقال نبيّ الله ﷺ : «وجبت وجبت وجبت» قال عمر: فدى لك أبي وأمّي! مرّ بجنازة فأثني عليها خيرا فقلت: وجبت وجبت وجبت. ومرّ بجنازة فأثني عليها شرّا فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله ﷺ : «من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنّة. ومن أثنيتم عليه شرّا وجبت له النّار. أنتم شهداء الله في الأرض. أنتم شهداء الله في الأرض. أنتم شهداء الله في الأرض» «٧» .

стр. 591

- وعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: مرّوا بجنازة على النّبيّ ﷺ ، فأثنوا عليها خيرا، فقال النّبيّ ﷺ : «وجبت» . ثمّ مرّوا بجنازة أخرى، فأثنوا عليها شرّا. فقال النّبيّ ﷺ : «وجبت» قالوا يا رسول الله: قولك الأولى والأخرى وجبت! فقال ﷺ : «الملائكة شهداء الله في السّماء وأنتم شهداء الله في الأرض» «١» . ومن الآثار: - عن كعب- ﵁؛ قال: أعطيت هذه الأمّة ثلاث خصال لم يعطها إلّا الأنبياء. كان النّبيّ ﷺ يقال له: بلّغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك وادع أجبك، وقال لهذه الأمّة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «٢» ، وقال لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ «٣» وقال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «٤» . «٥» . صفوف كصفوف الملائكة: خصّ الله- هذه الأمّة إكراما لها على سائر الأمم بأن جعل صفوفها في الصّلاة كصفوف الملائكة. وممّا يؤيّد هذه الخاصيّة من السّنّة المطهّرة- ما جاء عن حذيفة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «فضّلنا على النّاس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. وجعلت لنا الأرض كلّها مسجدا. وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء، وذكر خصلة أخرى» «٦» . - وعن جابر بن سمرة- ﵄؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنّها أذناب خيل شمس «٧» ؟ اسكنوا في الصّلاة» قال: ثمّ خرج علينا فرآنا حلقا «٨» . فقال: «مالي أراكم عزين «٩» ؟. قال: ثمّ خرح علينا فقال: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها؟» فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصفّ الملائكة عند ربّها؟ قال: «يتمّون الصّفوف الأول. ويتراصّون في الصّفّ» «١٠» . - وعن أبي الدّرداء- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «فضّلت بأربع: جعلت أنا وأمّتي في

стр. 592

الصّلاة كما تصفّ الملائكة، وجعل الصّعيد لي وضوءا، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلّت لي الغنائم» «١» . النّوع الرّابع: ما اختصّ به ﷺ في أمّته في الآخرة: اختصّ الله ﵎ الأمّة المحمّديّة في الآخرة بخصائص كثيرة لم تعطها غيرها من الأمم وفي ذلك تشريف وتكريم لنبيّها ومعلّمها ومربّيها ﷺ ، سيّد الأوّلين والآخرين، الّذي أمضى عمره الشّريف وضحّى بكلّ ما لديه في سبيل هدايتها ونصحها والأخذ بيدها إلى ما فيه عزّها ومجدها في الدّنيا والآخرة، حتّى أصبحت بفضل الله خير أمّة أخرجت للنّاس. وإنّ ممّا اختصّت به الأمّة المحمّديّة في الآخرة، أنّها شاهدة للأنبياء على أممهم، وهي أكثر أهل الجنّة، وأوّل من يجتاز الصّراط ويدخل الجنّة، وهي الآخرة زمانا، السّابقة منزلة.. إلى غير ذلك ممّا سنذكره من الخصائص، بإذن الله، وبالله التّوفيق. الغرّ المحجّلون: تأتي الأمّة المحمّدية يوم القيامة غرّا محجّلة من آثار الوضوء، وبهذه الصّفة يعرف رسول الله ﷺ أمّته من غيرهم حالما يكون منتظرهم على حوضه. قال الحافظ ابن حجر- ﵀: ثبت أنّ الغرّة والتّحجيل خاصّ بالأمّة المحمّديّة «٢» . وقد وردت الأحاديث النّبويّة تشهد لهذا المعنى: - عن نعيم بن عبد الله المجمّر: قال: رأيت أبا هريرة يتوضّأ. فغسل وجهه فأسبغ الوضوء. ثمّ غسل يده اليمنى حتّى أشرع في العضد «٣» . ثمّ يده اليسرى حتّى أشرع في العضد. ثمّ مسح رأسه. ثمّ غسل رجله اليمنى حتّى أشرع في السّاق. ثمّ غسل رجله اليسرى حتّى أشرع في السّاق. ثمّ قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضّأ. وقال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم الغرّ «٤» المحجّلون يوم القيامة. من إسباغ الوضوء. فمن استطاع منكم فليطل غرّته وتحجيله» «٥» .

стр. 593

- عن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ حوضي أبعد من أيلة من عدن «١» لهو أشدّ بياضا من الثّلج. وأحلى من العسل باللّبن «٢» . ولآنيته «٣» أكثر من عدد النّجوم. وإنّي لأصدّ النّاس عنه كما يصدّ الرّجل إبل النّاس عن حوضه» قالوا: يا رسول الله! أتعرفنا يومئذ؟ قال: «نعم. لكم سيما «٤» ليست لأحد من الأمم تردون عليّ غرّا محجّلين من أثر الوضوء» «٥» . - عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنّا إن شاء الله، بكم لاحقون. وددت أنّا قد رأينا إخواننا» قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي. وإخواننا الّذين لم يأتوا بعد» فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمّتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أنّ رجلا له خيل غرّ محجّلة. بين ظهري خيل دهم بهم «٦» ... ألا يعرف خيله» قالوا: بلى. يا رسول الله! قال: «فإنّهم يأتون غرّا محجّلين من الوضوء. وأنا فرطهم على الحوض. ألا ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضّالّ أناديهم: ألا هلمّ «٧» ! فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدك. فأقول سحقا «٨» سحقا» «٩» . شهداء على الأمم: الأمّة المحمّديّة خير الأمم وأفضلها، خصّها الله بأكمل الشّرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، فهي وسط بين أهل الأديان فلم تغل كغلوّ النّصارى ولم تقصّر كتقصير اليهود، ولهذا جعلها الله شاهدة على الأمم يوم القيامة. فما من نبيّ ولا رسول تنكر أمّته قد بلّغ إلّا وتشهد له الأمّة المحمّدية بالبلاغ فيقبل قولها وشهادتها لما لها من الفضل والمنزلة قال الله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «١٠» .

стр. 594

قال الشّيخ عزّ الدّين بن عبد السّلام، في معرض حديثه عن خصائص النّبيّ ﷺ : ومنها أنّ الله تعالى نزّل أمّته منزل العدول من الحكّام، فإنّ الله تعالى إذا حكم بين العباد فجحدت الأمم بتبليغ الرّسالة أحضر أمّة محمّد ﷺ فيشهدون على النّاس بأنّ رسلهم أبلغتهم، وهذه الخصّيصة لم تثبت لأحد من الأنبياء «١» . وقد صرّحت بهذا المعنى الأحاديث النّبويّة: - عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبّيك وسعديك يا ربّ، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم. فيقال لأمّته: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّته. فيشهدون أنّه قد بلّغ، ويكون الرّسول عليكم شهيدا فذلك قوله جلّ ذكره وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً «٢» لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٣» . - وعن أبي سعيد- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجيء النّبيّ ومعه الرّجلان. ويجيء النّبيّ ومعه الثّلاثة. وأكثر من ذلك وأقلّ. فيقال له: هل بلّغت قومك؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال: هل بلّغكم؟ فيقولون: لا، فيقال: من شهد لك؟ فيقول: محمّد وأمّته. فتدعى أمّة محمّد فيقال: هل بلّغ هذا؟ فيقولون: نعم. فيقول: وما علمكم بذلك؟ فيقولون: أخبرنا نبيّنا بذلك أنّ الرّسل قد بلّغوا، فصدّقناه. قال: فذلكم قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً «٤» . «٥» . ومن الآثار: - عن كعب الأحبار- ﵀؛ قال: أعطيت هذه الأمّة ثلاث خصال لم يعطها إلّا الأنبياء. كان النّبيّ ﷺ يقال له: بلّغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك وادع أجبك، وقال لهذه الأمّة: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» وقال: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ «٧» وقال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «٨» . «٩» .

стр. 595

أوّل من يجتاز الصّراط ويدخل الجنّة: الصّراط جسر ممدود على متن جهنّم أحدّ من السّيف وأدقّ من الشّعر، فمن استقام في هذه الدّنيا على الصّراط المستقيم خفّ على صراط الآخرة، ونجا، ومن عدل عن الاستقامة في الدّنيا وأثقل ظهره بالأوزار وعصى تعثّر على الصّراط وتردّى. وإنّ ممّا أكرم الله تعالى به هذه الأمّة ونبيّها ﷺ ، أن جعلهم أوّل من يجتاز ويعبر الصّراط، وأوّل من يدخل الجنّة دار السّلام. وبين يديك أحاديث نبويّة تدلّ على ما ذكرناه: - عن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ ناسا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله! هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر» قالوا: لا. يا رسول الله! قال: «هل تضارّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فإنّكم ترونه كذلك. يجمع الله النّاس يوم القيامة. فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشّمس الشّمس. ويتبع من كان يعبد القمر القمر. ويتبع من كان يعبد الطّواغيت الطّواغيت. وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها. فيأتيهم الله ﵎، في صورة غير صورته الّتي يعرفون. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك. هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا. فإذا جاء ربّنا عرفناه. فيأتيهم الله ﵎ في صورته الّتي يعرفون. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربّنا. فيتّبعونه. ويضرب الصّراط بين ظهري جهنّم «١» . فأكون أنا وأمّتي أوّل من يجيز» «٢» ... الحديث «٣» . - عن أبي أسماء الرّحبيّ: أنّ ثوبان مولى رسول الله ﷺ حدّثه قال: كنت قائما عند رسول الله ﷺ . فجاء حبر «٤» من أحبار اليهود فقال: السّلام عليك يا محمّد! فدفعته دفعة كاد يصرع منها. فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله! فقال اليهوديّ: إنّما ندعوه باسمه الّذي سمّاه به أهله. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ اسمي محمّد الّذي سمّاني به أهلي» فقال اليهوديّ جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ : «أينفعك شيء إن حدّثتك؟» قال: أسمع بأذنيّ. فنكت «٥» رسول الله ﷺ بعود معه. فقال: «سل» فقال اليهوديّ: أين يكون النّاس يوم تبدّل

стр. 596

الأرض غير الأرض والسّماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : «هم في الظّلمة دون الجسر «١» » قال: «فمن أوّل النّاس إجازة «٢» ؟ قال: «فقراء المهاجرين» قال اليهوديّ: فما تحفتهم «٣» حين يدخلون الجنّة؟ قال: «زيادة كبد النّون» «٤» . قال فما غذاؤهم «٥» على إثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنّة الّذي كان يأكل من أطرافها» . قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمّى سلسبيلا «٦» » . قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلّا نبيّ أو رجل أو رجلان. قال: «ينفعك إن حدّثتك؟» قال: أسمع بأذنيّ. قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: «ماء الرّجل أبيض وماء المرأة أصفر. فإذا اجتمعا، فعلا منيّ الرّجل منيّ المرأة، أذكرا «٧» بإذن الله. وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرّجل، آنثا «٨» بإذن الله» قال اليهوديّ: لقد صدقت. وإنّك لنبيّ. ثمّ انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ : «لقد سألني هذا عن الّذي سألني عنه. وما لي علم بشيء منه. حتّى أتاني الله به» «٩» . - عن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة ونحن أوّل من يدخل الجنّة بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحقّ. فهذا يومهم الّذي اختلفوا فيه. هدانا الله له (قال يوم الجمعة) فاليوم لنا. وغدا لليهود. وبعد غد للنّصارى» «١٠» . عمل قليل وأجر كثير: أنعم الله- ﵎ على هذه الأمّة بنعم كثيرة وخصّها بخصائص جسيمة ومن ذلك أنّها أقلّ عملا ممّن سبقها من الأمم وأكثر أجرا وثوابا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 597

قال الشّيخ الإمام عزّ الدّين بن عبد السّلام «١» في معرض حديثه عن خصائص النّبيّ ﷺ : ومنها أنّ أمّته أقلّ عملا ممّن قبلهم وأكثر أجرا كما جاء في الحديث الصّحيح «٢» . وإليك ما جاء من كلام الصّادق المصدوق ممّا يبرهن على هذه الخصوصيّة: - عن ابن عمر- ﵄؛ عن رسول الله ﷺ ، قال: «إنّما أجلكم- في أجل من خلا من الأمم- ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشّمس. وإنّما مثلكم ومثل اليهود والنّصارى كرجل استعمل عمّالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النّهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النّهار على قيراط قيراط، ثمّ قال: من يعمل لي من نصف النّهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النّصارى من نصف النّهار إلى صلاة العصر قيراط قيراط. ثمّ قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الّذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرّتين. فغضبت اليهود والنّصارى فقالوا: نحن أكثر عملا وأقلّ عطاء، قال الله: هل ظلمتكم من حقّكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنّه فضلي، أعطيه من شئت» «٣» ، ويعلّق على هذا الحديث الحافظ ابن كثير ﵀ فيقول: «والمراد من هذا التّشبيه بالعمّال تفاوت أجورهم وأنّ ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلّته بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمّد ﷺ أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذّهب مثل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه من تمر، وهذا رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستّين على المشهور وقد برز في هذه المدّة الّتي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النّافعة والأعمال الصّالحة على سائر الأنبياء قبله حتّى على نوح الّذي لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا، صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين. فهذه الأمّة إنّما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيّها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «٤» . «٥» .

стр. 598

- عن أبي موسى- ﵁؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «مثل المسلمين واليهود والنّصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى اللّيل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النّهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الّذي شرطت لنا وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقيّة عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقيّة يومكم هذا ولكم الّذي شرطت لهم من الأجر. فعملوا حتّى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الّذي جعلت لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقيّة عملكم فإنّ ما بقي من النّهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقيّة يومهم، فعملوا بقيّة يومهم حتّى غابت الشّمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم «١» ومثل ما قبلوا من هذا النّور» «٢» . قال الحافظ ابن حجر ﵀ ضمن شرحه لهذا الحديث « ... وفي هذا الحديث تفضيل هذه الأمّة وتوفير أجرها مع قلّة عملها» «٣» . أكثر أهل الجنّة: وممّا اختصّت به هذه الأمّة من الفضائل: أنّها أكثر أهل الجنّة. وهذا تكريم عظيم للأمّة المحمّديّة ونبيّها ﷺ . وقد صحّ عن نبيّنا ﷺ ما يؤيّد هذا المعنى: - فعن ابن مسعود- ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة؟» قال: فكبّرنا. ثمّ قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟» قال: فكبّرنا. ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة. وسأخبركم عن ذلك. ما المسلمون في الكفّار إلّا كشعرة بيضاء في ثور أسود. أو كشعرة سوداء في ثور أبيض» «٤» . - وعن بريدة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنّة عشرون ومائة صفّ ثمانون منها من هذه الأمّة وأربعون من سائر الأمم» «٥» .

стр. 599

الآخرون السّابقون: من نعم الله ﵎ على هذه الأمّة أن جعلها الآخرة زمانا، الأولى منزلة وفضلا، فهي وإن تأخّر وجودها في الدّنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة، بأنّها أوّل من يحشر وأوّل من يحاسب وأوّل من يقضى بينها وأوّل من يدخل الجنّة. وبهذا المعنى صرّحت الأحاديث النّبويّة: - فعن أبي هريرة- ﵁؛ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة، بيد أنّهم «١» أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمّ هذا يومهم الّذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالنّاس لنا فيه تبع: اليهود غدا، والنّصارى بعد غد» «٢» . - وعن أبي هريرة وحذيفة- ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا. فكان لليهود يوم السّبت. وكان للنّصارى يوم الأحد. فجاء الله بنا. فهدانا ليوم الجمعة. فجعل الجمعة والسّبت والأحد. وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدّنيا، والأوّلون يوم القيامة. المقضيّ لهم قبل الخلائق» وفي رواية: «المقضيّ بينهم» «٣» . - عن ابن عبّاس- ﵄؛ أنّ النّبيّ ﷺ ، قال: «نحن آخر الأمم، وأوّل من يحاسب. يقال: أين الأمّة الأمّية ونبيّها؟ فنحن الآخرون الأوّلون» » .

стр. 600

القسم الثاني الخصائص التي انفرد بها رسول الله ﷺ عن أمته اختصّ رسول الله ﷺ بكثير من الخصائص والأحكام دون أمّته تكريما له وتبجيلا، وقد شاركه في بعضها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. فمن ذلك: أنّه حرم عليه تعلّم الشّعر، وأكل الصّدقة. وأبيح له الوصال في الصّيام، والجمع بين أكثر من أربع نسوة. واختصّ بأنّ أزواجه أمّهات المؤمنين وأنّ رؤيته في المنام حقّ ... إلى غير ذلك. وقد رتّب العلماء الكلام في هذه الخصائص على أربعة أنواع: «١» الأول: ما حرم عليه دون غيره. وذلك تكرمة له ﷺ وحمل له على مكارم الأخلاق. الثّاني: ما أبيح له دون غيره. الثّالث: ما وجب عليه دون غيره. والحكمة في اختصاصه بها زيادة الزّلفى ورفع الدّرجات. الرّابع: ما اختصّ به من الفضائل والكرامات دون غيره. وها نحن نورد- بإذن الله- خلاصة ما ذكره العلماء- ﵏ في هذا الباب. وذلك بانتقاء طائفة مختارة من خصائصه الّتي انفرد بها عن أمّته والّتي ساندها الدّليل الصّحيح. النّوع الأوّل ما حرم عليه دون غيره ١- الصّدقة: حرم على النّبيّ ﷺ أكل الصّدقة لقوله عليه ﷺ : «إنّ الصّدقة لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد، إنّما هي أوساخ «٢» النّاس» «٣» . وعن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يأكل الهديّة ولا يأكل الصّدقة» «٤» . وهذه الأحاديث عامّة لا فرق فيها بين صدقة الفرض والتّطوّع. فكلا النّوعين حرم على رسول الله ﷺ .
следующие страницы →