← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الأرض غير الأرض والسّماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : «هم في الظّلمة دون الجسر «١» » قال: «فمن أوّل النّاس إجازة «٢» ؟ قال: «فقراء المهاجرين» قال اليهوديّ: فما تحفتهم «٣» حين يدخلون الجنّة؟ قال: «زيادة كبد النّون» «٤» . قال فما غذاؤهم «٥» على إثرها؟ قال: «ينحر لهم ثور الجنّة الّذي كان يأكل من أطرافها» . قال: فما شرابهم عليه؟ قال: «من عين فيها تسمّى سلسبيلا «٦» » . قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلّا نبيّ أو رجل أو رجلان. قال: «ينفعك إن حدّثتك؟» قال: أسمع بأذنيّ. قال: جئت أسألك عن الولد؟ قال: «ماء الرّجل أبيض وماء المرأة أصفر. فإذا اجتمعا، فعلا منيّ الرّجل منيّ المرأة، أذكرا «٧» بإذن الله. وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرّجل، آنثا «٨» بإذن الله» قال اليهوديّ: لقد صدقت. وإنّك لنبيّ. ثمّ انصرف فذهب. فقال رسول الله ﷺ : «لقد سألني هذا عن الّذي سألني عنه. وما لي علم بشيء منه. حتّى أتاني الله به» «٩» . - عن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «نحن الآخرون الأوّلون يوم القيامة ونحن أوّل من يدخل الجنّة بيد أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم. فاختلفوا فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحقّ. فهذا يومهم الّذي اختلفوا فيه. هدانا الله له (قال يوم الجمعة) فاليوم لنا. وغدا لليهود. وبعد غد للنّصارى» «١٠» . عمل قليل وأجر كثير: أنعم الله- ﵎ على هذه الأمّة بنعم كثيرة وخصّها بخصائص جسيمة ومن ذلك أنّها أقلّ عملا ممّن سبقها من الأمم وأكثر أجرا وثوابا. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

стр. 597

قال الشّيخ الإمام عزّ الدّين بن عبد السّلام «١» في معرض حديثه عن خصائص النّبيّ ﷺ : ومنها أنّ أمّته أقلّ عملا ممّن قبلهم وأكثر أجرا كما جاء في الحديث الصّحيح «٢» . وإليك ما جاء من كلام الصّادق المصدوق ممّا يبرهن على هذه الخصوصيّة: - عن ابن عمر- ﵄؛ عن رسول الله ﷺ ، قال: «إنّما أجلكم- في أجل من خلا من الأمم- ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشّمس. وإنّما مثلكم ومثل اليهود والنّصارى كرجل استعمل عمّالا فقال: من يعمل لي إلى نصف النّهار على قيراط قيراط؟ فعملت اليهود إلى نصف النّهار على قيراط قيراط، ثمّ قال: من يعمل لي من نصف النّهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ فعملت النّصارى من نصف النّهار إلى صلاة العصر قيراط قيراط. ثمّ قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس على قيراطين قيراطين؟ ألا فأنتم الّذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشّمس على قيراطين قيراطين، ألا لكم الأجر مرّتين. فغضبت اليهود والنّصارى فقالوا: نحن أكثر عملا وأقلّ عطاء، قال الله: هل ظلمتكم من حقّكم شيئا؟ قالوا: لا. قال: فإنّه فضلي، أعطيه من شئت» «٣» ، ويعلّق على هذا الحديث الحافظ ابن كثير ﵀ فيقول: «والمراد من هذا التّشبيه بالعمّال تفاوت أجورهم وأنّ ذلك ليس منوطا بكثرة العمل وقلّته بل بأمور أخر معتبرة عند الله تعالى وكم من عمل قليل أجدى ما لا يجديه العمل الكثير، هذه ليلة القدر العمل فيها أفضل من عبادة ألف شهر سواها وهؤلاء أصحاب محمّد ﷺ أنفقوا في أوقات لو أنفق غيرهم من الذّهب مثل أحد ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه من تمر، وهذا رسول الله ﷺ بعثه الله على رأس أربعين سنة من عمره وقبضه وهو ابن ثلاث وستّين على المشهور وقد برز في هذه المدّة الّتي هي ثلاث وعشرون سنة في العلوم النّافعة والأعمال الصّالحة على سائر الأنبياء قبله حتّى على نوح الّذي لبث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عاما يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له ويعمل بطاعة الله ليلا ونهارا، صباحا ومساء صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء أجمعين. فهذه الأمّة إنّما شرفت وتضاعف ثوابها ببركة سيادة نبيّها وشرفه وعظمته كما قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ* لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ «٤» . «٥» .

стр. 598

- عن أبي موسى- ﵁؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «مثل المسلمين واليهود والنّصارى كمثل رجل استأجر قوما يعملون له عملا يوما إلى اللّيل على أجر معلوم، فعملوا له نصف النّهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الّذي شرطت لنا وما عملنا باطل. فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقيّة عملكم وخذوا أجركم كاملا، فأبوا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقيّة يومكم هذا ولكم الّذي شرطت لهم من الأجر. فعملوا حتّى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل، ولك الأجر الّذي جعلت لنا فيه. فقال لهم: أكملوا بقيّة عملكم فإنّ ما بقي من النّهار شيء يسير، فأبوا، فاستأجر قوما أن يعملوا له بقيّة يومهم، فعملوا بقيّة يومهم حتّى غابت الشّمس، واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثلهم «١» ومثل ما قبلوا من هذا النّور» «٢» . قال الحافظ ابن حجر ﵀ ضمن شرحه لهذا الحديث « ... وفي هذا الحديث تفضيل هذه الأمّة وتوفير أجرها مع قلّة عملها» «٣» . أكثر أهل الجنّة: وممّا اختصّت به هذه الأمّة من الفضائل: أنّها أكثر أهل الجنّة. وهذا تكريم عظيم للأمّة المحمّديّة ونبيّها ﷺ . وقد صحّ عن نبيّنا ﷺ ما يؤيّد هذا المعنى: - فعن ابن مسعود- ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : «أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنّة؟» قال: فكبّرنا. ثمّ قال: «أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنّة؟» قال: فكبّرنا. ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنّة. وسأخبركم عن ذلك. ما المسلمون في الكفّار إلّا كشعرة بيضاء في ثور أسود. أو كشعرة سوداء في ثور أبيض» «٤» . - وعن بريدة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «أهل الجنّة عشرون ومائة صفّ ثمانون منها من هذه الأمّة وأربعون من سائر الأمم» «٥» .

стр. 599

الآخرون السّابقون: من نعم الله ﵎ على هذه الأمّة أن جعلها الآخرة زمانا، الأولى منزلة وفضلا، فهي وإن تأخّر وجودها في الدّنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة، بأنّها أوّل من يحشر وأوّل من يحاسب وأوّل من يقضى بينها وأوّل من يدخل الجنّة. وبهذا المعنى صرّحت الأحاديث النّبويّة: - فعن أبي هريرة- ﵁؛ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «نحن الآخرون السّابقون يوم القيامة، بيد أنّهم «١» أوتوا الكتاب من قبلنا، ثمّ هذا يومهم الّذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله، فالنّاس لنا فيه تبع: اليهود غدا، والنّصارى بعد غد» «٢» . - وعن أبي هريرة وحذيفة- ﵄؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : «أضلّ الله عن الجمعة من كان قبلنا. فكان لليهود يوم السّبت. وكان للنّصارى يوم الأحد. فجاء الله بنا. فهدانا ليوم الجمعة. فجعل الجمعة والسّبت والأحد. وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة. نحن الآخرون من أهل الدّنيا، والأوّلون يوم القيامة. المقضيّ لهم قبل الخلائق» وفي رواية: «المقضيّ بينهم» «٣» . - عن ابن عبّاس- ﵄؛ أنّ النّبيّ ﷺ ، قال: «نحن آخر الأمم، وأوّل من يحاسب. يقال: أين الأمّة الأمّية ونبيّها؟ فنحن الآخرون الأوّلون» » .

стр. 600

القسم الثاني الخصائص التي انفرد بها رسول الله ﷺ عن أمته اختصّ رسول الله ﷺ بكثير من الخصائص والأحكام دون أمّته تكريما له وتبجيلا، وقد شاركه في بعضها الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام. فمن ذلك: أنّه حرم عليه تعلّم الشّعر، وأكل الصّدقة. وأبيح له الوصال في الصّيام، والجمع بين أكثر من أربع نسوة. واختصّ بأنّ أزواجه أمّهات المؤمنين وأنّ رؤيته في المنام حقّ ... إلى غير ذلك. وقد رتّب العلماء الكلام في هذه الخصائص على أربعة أنواع: «١» الأول: ما حرم عليه دون غيره. وذلك تكرمة له ﷺ وحمل له على مكارم الأخلاق. الثّاني: ما أبيح له دون غيره. الثّالث: ما وجب عليه دون غيره. والحكمة في اختصاصه بها زيادة الزّلفى ورفع الدّرجات. الرّابع: ما اختصّ به من الفضائل والكرامات دون غيره. وها نحن نورد- بإذن الله- خلاصة ما ذكره العلماء- ﵏ في هذا الباب. وذلك بانتقاء طائفة مختارة من خصائصه الّتي انفرد بها عن أمّته والّتي ساندها الدّليل الصّحيح. النّوع الأوّل ما حرم عليه دون غيره ١- الصّدقة: حرم على النّبيّ ﷺ أكل الصّدقة لقوله عليه ﷺ : «إنّ الصّدقة لا تحلّ لمحمّد ولا لآل محمّد، إنّما هي أوساخ «٢» النّاس» «٣» . وعن أبي هريرة- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يأكل الهديّة ولا يأكل الصّدقة» «٤» . وهذه الأحاديث عامّة لا فرق فيها بين صدقة الفرض والتّطوّع. فكلا النّوعين حرم على رسول الله ﷺ .

стр. 601

قال الحافظ ابن حجر: «نقل الإجماع على ذلك غير واحد من العلماء منهم الإمام الخطّابيّ» «١» . قال النّوويّ- ﵀: وأمّا صدقة التّطوّع فللشّافعيّ فيها ثلاثة أقوال أصحّها أنّها تحرم على رسول الله ﷺ «٢» . وقد نصّ جمع من العلماء على أنّ تحريم الصّدقة من خصائص النّبيّ ﷺ «٣» . والحكمة في تحريم الصّدقة على النّبيّ ﷺ ، صيانة وتنزيه منصبه الشّريف عن أوساخ أموال النّاس. وأمّا دخول الآل في ذلك فإنّهم دخلوا تبعا لانتسابهم إليه وتشريفهم بذلك. ٢- إمساك من كرهت نكاحه: ومن خصائصه ﷺ ؛ أنّه كان يحرم عليه إمساك من اختارت فراقه ورغبت عنه من النّساء، بخلاف غيره من أمّته ممّن يخيّر امرأته فإنّها لو اختارت فراقه لما وجب عليه فراقها. وبرهان هذه الخصوصيّة ما جاء في صحيح البخاريّ عن عائشة- ﵂: أنّ ابنة الجون لمّا أدخلت على رسول الله ﷺ ودنا منها قالت: أعوذ بالله منك فقال لها: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك «٤» . قال ابن الملقّن- ﵀ في خصائصه بعد إيراده هذا الحديث: «وفهم ممّا ذكرناه أنّه حرم عليه نكاح كلّ امرأة كرهت صحبته. وجدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء: «٥» . ٣- نزع لامة «٦» الحرب: وممّا حرم على رسول الله ﷺ وكذلك إخوانه الأنبياء ﵈ دون غيره من الأمّة- أنّه إذا لبس لامة الحرب وعزم على الجهاد في سبيل الله أن ينزعها ويقلعها حتّى يلقى العدوّ ويقاتل. ودليل ذلك ما روى جابر بن عبد الله- ﵄؛ أنّ رسول الله ﷺ قال يوم أحد: «رأيت كأنّي في درع حصينة ورأيت بقرا منحّرة فأوّلت أنّ الدّرع الحصينة المدينة وأنّ البقر هو والله خير. قال فقال لأصحابه: لو أنّا

стр. 602

أقمنا بالمدينة فإن دخلوا علينا فيها قاتلناهم فقالوا يا رسول الله، والله ما دخل علينا فيها في الجاهليّة فكيف يدخل علينا فيها في الإسلام. فقال شأنكم إذا قال فلبس لأمته قال فقالت الأنصار رددنا على رسول الله ﷺ رأيه فجاءوا فقالوا يا نبيّ الله، شأنك إذا فقال إنّه ليس لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتّى يقاتل «١» . قال الحافظ ابن كثير: قال عامّة أصحابنا: إنّ ذلك كان واجبا عليه، وأنّه يحرم عليه أن ينزعها حتّى يقاتل «٢» . ٤- خائنة الأعين: خائنة الأعين هي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يظهر ويشعر به الحال، ولا يحرم ذلك على غيره إلّا في محظور. قاله الرّافعيّ ﵀ «٣» . وقال الخطّابيّ- ﵀: «هو أن يضمر في قلبه غير ما يظهره للنّاس فإذا كفّ لسانه وأومأ بعينه إلى ذلك فقد خان وقد كان ظهور تلك الخيانة من قبيل عينه فسمّيت خائنة الأعين «٤» . فلم يكن لرسول الله ﷺ أن يوميء بطرفه خلاف ما يظهر كلامه. ومستند هذا قصّة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، حيث كان رسول الله ﷺ قد أهدر دمه يوم فتح مكّة في جملة من أهدر من الدّماء فاختبأ عند عثمان بن عفّان أخيه من الرّضاعة، فلمّا دعا رسول الله ﷺ النّاس إلى البيعة جاء به عثمان حتّى أوقفه على النّبيّ ﷺ فقال يا رسول الله، بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه، ثلاثا، كلّ ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد، يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟ فقالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك؟ ألا أومأت إلينا بعينك قال: «إنّه لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة الأعين» «٥» . ٥- تعلّم الكتابة: قال الله تعالى: وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ «٦» .

стр. 603

فقد لبث صلوات الله وسلامه عليه عمرا من قبل أن ينزّل عليه القرآن المجيد لا يقرأ كتابا ولا يحسن الكتابة بل كلّ أحد من قومه وغيرهم يعرف أنّه رجل أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب. وهذه صفته في الكتب المتقدّمة. كما قال تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ «١» . فهكذا كان رسول الله ﷺ دائما إلى يوم الدّين لا يحسن الكتابة ولا يعانيها ولا أهلها بقصد التّعلّم ولا يخطّ سطرا ولا حرفا بيده بل كان له كتّابّ يكتبون بين يده الوحي والرّسائل إلى الأقاليم. وهذا من أعلام نبوّته لئلّا يرتاب بعض الجهلة فيقول إنّما تعلّم هذا القرآن من كتب قبله مأثورة عن الأنبياء. ٦- تعلّم الشّعر: قال الله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ «٢» . فلم يكن رسول الله ﷺ عالما بالشّعر وأصنافه وأعاريضه وقوافيه ولم يكن موصوفا بذلك بالاتّفاق وجعل الله سبحانه ذلك علما من أعلام نبوّته ﷺ لئلّا تدخل الشّبهة على من أرسل إليهم فيظنّوا أنّه قوي على القرآن بما في طبعه من القوّة في الشّعر. والأدلّة على عدم معرفته بالشّعر وعدم ميله إليه كثيرة منها: أنّ قريشا لمّا تشاورت فيما يقولون للعرب في رسول الله ﷺ إذا قدموا عليهم الموسم. فقال بعضهم: نقول إنّه شاعر. فقال أهل الفطنة منهم: والله لتكذّبنّكم العرب، فإنّهم يعرفون أصناف الشّعر فو الله ما يشبه شيئا منها وما قوله بشعر. وأمّا ما وقع على لسانه صلوات الله وسلامه عليه من الشّعر القليل، كقوله يوم حنين وهو راكب بغلته يقدّم بها نحور العدوّ. أنا النّبيّ لا كذب ... أنا ابن عبد المطّلب «٣» وكقوله لمّا أصابه حجر وهو يمشي فعثر فدميت إصبعه الشّريفة: هل أنت إلّا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت «٤» فكلّ هذا وأمثاله إنّما وقع منه اتّفاقا من غير قصد لوزن الشّعر بل جرى على اللّسان من غير قصد إليه.

стр. 604

النّوع الثّاني ما أبيح له دون غيره ١- الوصال في الصّوم: بعث الله- ﵎ رسوله محمّدا ﷺ وسكب في قلبه من العلم والحلم وفي خلقه من الإيناس والبرّ وفي طبعه من السّهولة والرّفق وفي يده من السّخاوة والنّدى ما جعله أزكى عباد الله رحمة وأوسعهم عاطفة وأرحبهم صدرا. قال تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ «١» . وقال تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ «٢» . فجاءت شريعته مبنيّة على التّيسير والسّهولة والتّخفيف والرّحمة ورفع الحرج والآصار والأغلال ما يلائم اختلاف الأجيال وحاجات العصور وشتّى البقاع. فمن ذلك نهيه ﷺ أمّته عن مواصلة صوم يومين فصاعدا من غير أكل أو شرب بينهما لما في ذلك من المشقّة وحصول المفسدة المترتّبة على الوصال وهي الملل من العبادة والتّعرّض للتّقصير في بعض وظائف الدّين. بينما كان ذلك مباحا له ﷺ خصوصيّة له دون أمّته. - فعن أنس- ﵁؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا تواصلوا» . قالوا: إنّك تواصل. قال: «لست كأحد منكم إنّي أطعم وأسقى» «٣» . - وعن عائشة- ﵂؛ قالت: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم. فقالوا: إنّك تواصل. قال: «إنّي لست كهيئتكم، إنّي يطعمني ربّي «٤» ويسقين» «٥» . قال الحافظ ابن حجر- ﵀: واستدلّ بمجموع هذه الأحاديث على أنّ الوصال من خصائصه ﷺ . وعلى أنّ غيره ممنوع منه إلّا ما وقع فيه التّرخيص من الإذن فيه إلى السّحر» «٦» .

стр. 605

وقال النّوويّ: قال الخطّابيّ وغيره من أصحابنا: الوصال من الخصائص الّتي أبيحت لرسول الله ﷺ وحرّمت على الأمّة» «١» . ٢- الزّواج من غير وليّ ولا شهود: عني الإسلام عناية كبيرة بالأسرة، فالأسرة هي أساس كيان المجتمع الإسلامي من مجموعها يتكوّن المجتمع ويترتّب على ذلك أنّ الأسرة إذا صلحت صلح المجتمع وإذا فسدت فسد المجتمع وحيث إنّ الزّواج هو السّبيل المشروع لتكوين الأسرة وبقاء الجنس البشريّ، فقد رغّب فيه الإسلام وحثّ عليه وشرع له أحكاما معيّنة تشريفا وتكريما لهذه العلاقة علاقة الزّواج. ومن هذه الأحكام، موافقة وليّ المرأة على زواجها وهو شرط لصحّة النّكاح. قال النّبيّ ﷺ : لا نكاح إلّا بوليّ» «٢» فعقد النّكاح لا يهمّ المرأة وحدها بل يهمّ وليّها وعائلتها، والضّرر الّذي يلحقها بسبب سوء اختيارها ينسحب إلى عائلتها وعلى رأسهم وليّها كالأب والأخ. ولهذا فلا بدّ أن يكون للوليّ رأي مسموع في زواجها، وكما يشترط في صحّة النّكاح موافقة وليّ المرأة، كذلك يشترط حضور الشّهود عند عقد النّكاح لكي يعرف العقد ويشيع وتحفظ حقوق المرأة، ويؤمن الجحود. ولهذا قال النّبيّ ﷺ : لا نكاح إلّا بوليّ وشاهدي عدل» «٣» . وقد انفرد رسول الله ﷺ عن أمّته في هذين الحكمين؛ فأباح الله تعالى له الزّواج بغير وليّ ولا شهود تشريفا وتكريما لعدم الحاجة إلى ذلك في حقّه ﷺ . قال العلماء: «إنّما اعتبر الوليّ في نكاح الأمة للمحافظة على الكفاءة، وهو ﷺ فوق الأكفاء، وإنّما اعتبر الشّهود لأمن الجحود وهو ﷺ لا يجحد. وبرهان هذا الحكم في حقّه ما جاء في حديث زينب بنت جحش- ﵂ أنّها كانت تفخر على أزواج النّبيّ ﷺ وتقول: «زوّجكنّ أهليكنّ وزوّجني الله تعالى من فوق سبع سماوات» «٤» .

стр. 606

قال الإمام النّوويّ في شرحه على حديث مسلم: قال أنس بن مالك- ﵁: ما أولم رسول الله ﷺ على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل ممّا أولم على زينب» . قال ﵀: «يحتمل أنّ سبب ذلك الشّكر لنعمة الله في أنّ الله تعالى زوّجه إيّاها بالوحي لا بوليّ وشهود بخلاف غيرها. ومذهبنا الصّحيح المشهور عند أصحابنا صحّة نكاحه ﷺ بلا وليّ ولا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك في حقّه ﷺ » «١» . ٣- الجمع بين أكثر من أربع نسوة: شرع الله ﵎ لعباده النّكاح لما فيه من الفوائد العظيمة والحكم الجسيمة، فمن ذلك: الإبقاء على النّوع الإنسانيّ، والتّحصّن من الشّيطان، وكسر التّوقان ودفع غوائل الشّهوة، وغضّ البصر وحفظ الفرج، وترويح النّفس وإيناسها بما أباحه الله لتقوى وتنشط على العبادة، ومجاهدة النّفس ورياضتها بالرّعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل، والاجتهاد في كسب الحلال، والعناية بتربية الأولاد إلى غير ذلك من الفوائد والحكم والأسرار. وقد جاءت الأدلّة الشّرعيّة مبيحة الجمع بين أربع نسوة ومحرّمة الزّيادة على ذلك لآحاد المؤمنين. قال تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ» . قال ابن عبّاس وجمهور العلماء: إنّ المقام مقام امتنان وإباحة فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره» «٣» . ولمّا أسلم غيلان بن سلمة الثّقفيّ أسلم وتحته عشر نسوة، فقال له النّبيّ ﷺ : «اختر منهنّ أربعا» «٤» . وقال الشّافعيّ ﵀: «دلّت سنّة رسول الله ﷺ المبيّنة عن الله أنّه لا يجوز لأحد غير رسول الله أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة» . قال الحافظ ابن كثير: وهذا الّذي قاله الشّافعي مجمع عليه بين العلماء» «٥» . فهذا الحكم من خصائصه ﷺ الّتي انفرد بها دون غيره من الأمّة، ولا خلاف بين العلماء أنّه توفّي ﷺ عن تسع نسوة؛ سودة بنت زمعة القرشيّة،

стр. 607

وعائشة بنت أبي بكر القرشيّة، وأمّ سلمة هند بنت أبي أميّة القرشيّة، وحفصة بنت عمر القرشيّة، وزينب بنت جحش الأسديّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة، وأمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشيّة، وصفيّة بنت حييّ النّضيريّة، وميمونة بنت الحارث الهلاليّة. فائدة: والحكمة في استكثاره ﷺ من النّساء: قال الحافظ ابن حجر- ﵀: والّذي تحصّل من كلام أهل العلم في الحكمة في استكثاره من النّساء عدّة أوجه: أحدها: أن يكثر من يشاهد أحواله الباطنة فينتفي عنه ما يظنّ به المشركون من أنّه ساحر أو غير ذلك. ثانيها: لتتشرّف به قبائل العرب بمصاهرته فيهم. ثالثها: للزّيادة في تآلفهم بذلك. رابعها: للزّيادة في التّكليف حيث كلّف أن لا يشغله ما حبّب إليه منهنّ عن المبالغة في التّبليغ. خامسها: لتكثر عشيرته من جهة نسائه فتزداد أعوانه على من يحاربه. سادسها: نقل الأحكام الشّرعيّة الّتي لا يطّلع عليها الرّجال، لأنّ أكثر ما يقع مع الزّوجة ممّا شأنه أن يختفي مثله. سابعها: الاطّلاع على محاسن أخلاقه الباطنة، فقد تزوّج أمّ حبيبة وأبوها إذ ذاك يعاديه، وصفيّة بعد قتل أبيها وعمّها وزوجها، فلو لم يكن أكمل الخلق في خلقه لنفرن منه، بل الّذي وقع أنّه كان أحبّ إليهنّ من جميع أهلهنّ. ثامنها: تحصينهنّ والقيام بحقوقهنّ» «١» . ٤- بدء القتال بالبلد الأمين: شرّف الله أمّ القرى البلد الحرام وفضّلها واختارها وخصّها بخصائص ومزايا ليست لغيرها من بقاع الدّنيا فمن ذلك أنّ بها بيته العتيق أوّل بيت وضع للنّاس لعبادتهم ونسكهم يطوفون به ويصلّون إليه ويعتكفون عنده ومن دخله كان آمنا. وجعله مثابة للنّاس يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطرا بل كلّما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقا. لا يرجع الطّرف عنها حين ينظرها ... حتّى يعود إليها الطّرف مشتاقا فلله كم أنفق في حبّها من الأموال والأرواح ورضي المحبّ بمفارقة الأهل والأحباب والأوطان. جعل عرصاتها مناسك لعباده فرض عليهم قصدها وجعل ذلك من فروض الإسلام. وأخبر أنّها أمّ القرى فالقرى كلّها تبع لها وفرع عليها فليس لها في القرى عديل «٢» . إنّها بلد حرام حرّمها الله يوم خلق السّماوات والأرض فالقتال فيها لا يحلّ ولا يجوز إلى غير ذلك من خصائصها.

стр. 608

وقد أباح الله ﵎ لنبيّه ﷺ مكّة المكرّمة عام الفتح ساعة من نهار فدخلها بغير إحرام وقتل من أهلها يومئذ نحو عشرين فكان ذلك من خصائصه ﷺ . وقد دلّت على ذلك الأحاديث الصّحيحة، منها ما ذكره ﷺ في خطبته صبيحة ذلك اليوم حيث قال: إنّ مكّة حرّمها الله ولم يحرّمها النّاس. فلا يحلّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد «١» بها شجرة. فإن أحد ترخّص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا له: إنّ الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. وإنّما أذن لي فيها ساعة من نهار. وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلّغ الشّاهد الغائب «٢» . النّوع الثّالث ما وجب عليه دون غيره والحكمة في اختصاصه بها زيادة الزّلفى ورفع الدّرجات. وهذا القسم مثّل له العلماء ﵏ بأمثلة عديدة منها اختصاصه بوجوب صلاة الضّحى وقيام اللّيل والسّواك والأضحية ووجوب مشاورة أصحابه..» ولكنّ أمثلة هذا النّوع أو ا* كثرها لم يحصل عليها اتّفاق بين العلماء لتعدّد الأدلّة المثبتة والنّافية. ولهذا لم نتعرّض لمسائل هذا النّوع بحثا ودراسة بل أشرنا إلى بعض أمثلته ممّا ذكره العلماء كصلاة الضّحى وقيام اللّيل.. إلخ. ومن أراد الزّيادة فليرجع إلى مظانّ ذلك «٣» . النّوع الرّابع ما اختصّ به عن أمّته من الفضائل والكرامات ١- عصمة في الأقوال والأفعال: كان ﷺ معصوما في أقواله وأفعاله لا يجوز عليه الخطأ فيما يتعلّق بأداء الرّسالة ولا يقرّ عليه بل ينزل الوحي بتصحيحه. قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «٤» .

стр. 609

وهذا ممّا يشترك فيه هو والأنبياء ﵈. بخلاف سائر أمّته فإنّه يجوز ذلك كلّه على كلّ منهم منفردا. أمّا إذا اجتمعوا كلّهم على قول واحد فلا يرد عليهم الخطأ لقوله ﷺ : «إنّ الله تعالى قد أجار أمّتي أن تجتمع على ضلالة «١» . ٢- من استهان به أو سبّه كفر: تضافرت الأدلّة من الكتاب والسّنة وإجماع الأمّة موضّحة ومجلّية ما يجب لرسول الله ﷺ من الحقوق وما يتعيّن له من برّ وتوقير وإكرام وتعظيم ومن أجل هذا حرّم الله ﵎ أذاه في كتابه وأجمعت الأمّة على قتل منتقصه وسابّه. قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً «٢» . وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٣» . فكلّ من استهان برسول الله ﷺ أو سبّه أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرّض به أو شبّهه بشيء على طريق السّبّ له أو الإزراء عليه أو التّصغير لشأنه أو الغضّ منه والعيب له فإنّه يقتل كفرا. والأدلّة على ذلك كثيرة منها: - ما روى أبو داود والنّسائيّ: عن ابن عبّاس- ﵄؛ أنّ أعمى كانت له أمّ ولد، تشتم النّبيّ ﷺ ، وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلمّا كانت ذات ليلة جعلت تقع في النّبيّ ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول «٤» فوضعه في بطنها، واتّكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطّخت ما هناك بالدّم، فلمّا أصبح ذكر ذلك لرسول الله ﷺ فجمع النّاس فقال: «أنشد الله رجلا فعل ما فعل، لي عليه حقّ، إلّا قام فقام الأعمى يتخطّى النّاس، وهو يتزلزل حتّى قعد بين يدي النّبيّ ﷺ فقال يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللّؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلمّا كانت البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتّكأت عليها حتّى قتلتها، فقال النّبيّ

стр. 610

صلّى الله عليه وسلّم: ألا اشهدوا: أنّ دمها هدر» «١» . وروى أبو داود والنّسائيّ؛ عن أبي برزة- ﵁؛ قال: «كنت عند أبي بكر فتغيّظ على رجل، فاشتدّ عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله ﷺ : أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل فأرسل إليّ فقال: ما الّذي قلت آنفا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه. قال: أكنت فاعلا لو أمرتك؟ قلت: نعم قال: لا والله ما كانت لبشر بعد محمّد ﷺ » «٢» . وأمّا الإجماع: فقد قال أبو بكر بن المنذر- ﵀: «أجمع عوامّ أهل العلم على أنّ من سبّ النّبيّ ﷺ يقتل» «٣» . وقال محمّد بن سحنون- ﵀: «أجمع العلماء أنّ شاتم النّبيّ ﷺ المتنقّص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب الله له وحكمه عند الأمّة القتل» «٤» . وقد ذكر ذلك ونقل الإجماع عليه غير واحد من أهل العلم. ٣- الكذب عليه ليس كالكذب على غيره: الكذب رذيلة محضة وخصلة ذميمة وهو من قبائح الذّنوب وفواحش العيوب وأقبح الصّفات، يقلب الموازين، ويمسخ الحقائق ويشوّه وجه الجمال في كلّ شيء يداخله وينبيء عن تغلغل الفساد في نفس صاحبه، ويجرّ به إلى الفجور والنّفاق. قال ﷺ : « ... وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور وإنّ الفجور يهدي إلى النّار» «٥» . وقال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: «إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» «٦» . ومن أشدّ أنواع الكذب وأشنعه الكذب على الله تعالى أو الكذب على رسوله ﷺ لأنّه افتراء في الدّين، وتلاعب بشرائع الله لعباده، وتجرّؤ عظيم على النّار. ولهذا أجمع العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله ﷺ ، وأنّه من الكبائر وأنّ من كذب عليه متعمّدا مستجيزا لذلك فهو كافر.

стр. 611

قال ﷺ : «إنّ كذبا عليّ ليس ككذب على أحد فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» «١» . وقال: «بلّغوا عنّي ولو آية وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار» «٢» . وهذا المعنى: وهو توعّد من كذب على رسول الله ﷺ بالنّار. ورد من طرق متواترة صرّح بذلك غير واحد. ومن بشاعة هذه الجريمة وشناعتها أنّ بعض العلماء منهم الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبو بكر الحميديّ، أفتوا بأنّ من كذب على رسول الله ﷺ توبته مردودة ومن ثمّ لا تقبل روايته، إلّا أنّ جماهير العلماء على خلاف قولهم. بينما نجد أنّ من كذب على غير رسول الله ﷺ وإن كان ذلك إثما وفسقا إلّا أنّ توبته صحيحة بالإجماع. ٤- رؤية خاصّة: - عن عائشة- ﵂؛ قالت: قال رسول الله ﷺ يوما: «يا عائش هذا جبريل يقرئك السّلام. فقلت: وعليه السّلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى» «٣» . - وعن أبي ذرّ- ﵁؛ قال: «قال رسول الله ﷺ : «إنّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون. إنّ السّماء أطّت «٤» وحقّ لها أن تئطّ. ما فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدا لله. والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. وما تلذّذتم بالنّساء على الفرش. ولخرجتم إلى الصّعدات «٥» تجأرون «٦» إلى الله» «٧» .

стр. 612

- وعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ يوما. ثمّ انصرف فقال: يا فلان ألا تحسن صلاتك؟ ألا ينظر المصلّي إذا صلّى كيف يصلّي؟ فإنّما يصلّي لنفسه. إنّي والله لأبصر من ورائي «١» كما أبصر من بين يديّ» «٢» . - وعنه- ﵁؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «هل ترون قبلتي ههنا؟ فو الله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا سجودكم. إنّي لأراكم وراء ظهري» «٣» . ٥- أجر تطوّعه قاعدا كتطوّعه قائما: شرعت صلاة النّافلة لحكم عظيمة وأسرار منها زيادة الحسنات ورفعة الدّرجات، فعن ربيعة بن كعب الأسلميّ خادم رسول الله ﷺ ؛ قال: «كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته فقال: «سلني» . قلت: أسألك مرافقتك في الجنّة، فقال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعنّي على نفسك بكثرة السّجود» «٤» . ومنها جبر وإكمال الفريضة إن نقصت. - فعن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت، فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت، فقد خاب وخسر، فإن انتقص من فريضته شيئا، قال الرّبّ- : انظروا هل لعبدي من تطوّع فيكمّل بها ما انتقص من الفريضة ثمّ تكون سائر أعماله على هذا» «٥» . هذا ولصلاة النّافلة آداب وأحكام منها:

стр. 613

جواز القعود فيها مع القدرة على القيام بخلاف الفريضة فمن صلّاها كذلك فصلاته صحيحة وله نصف ثواب القائم لقوله ﷺ : «صلاة القاعد على النّصف من صلاة القائم» » . وهذا الحكم عامّ لجميع الأمّة واختصّ رسول الله ﷺ في ذلك عن أمّته بأن جعلت نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائما تشريفا له وتكريما. - ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو- ﵄؛ قال: حدّثت أنّ رسول الله ﷺ قال: «صلاة الرّجل قاعدا نصف الصّلاة» . قال فأتيته فوجدته يصلّي جالسا، فوضعت يدي على رأسه. فقال: «مالك يا عبد الله بن عمرو «قلت: حدّثت يا رسول الله أنّك قلت: صلاة الرّجل قاعدا على نصف الصّلاة وأنت تصلّي قاعدا قال: «أجل ولكنّي لست كأحد منكم» «٢» . قال النّوويّ وغيره من العلماء: ... نافلته ﷺ قاعدا مع القدرة ثوابها كثوابه قائما وهو من الخصائص» «٣» . ٦- لا يورّث: الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام سفراء الله إلى عباده وحملة وحيه مهمّتهم إبلاغ رسالات الله إلى عباده والدّعوة إلى الله وإصلاح النّفوس وتزكيتها وتصحيح الفكر المنحرف والعقائد الزّائفة وإقامة الحجّة وسياسة الأمّة فلم تكن وظيفتهم اختزان الأموال ولا توريث التّراث. وإنّما ورّثوا علما وشرعا وبلاغا للنّاس فذلك ميراثهم وهو خير ميراث. قال ﷺ : «إنّ العلماء ورثة الأنبياء وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما، وإنّما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر» «٤» . وهذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه- وكذلك الأنبياء ﵈ دون أمّته أنّه لا يورث وأنّ ما تركه صدقة. قال ﷺ : «لا نورث ما تركنا صدقة» «٥» .

стр. 614

وقال: إنّا معاشر الأنبياء لا نورث» «١» . وقال: «لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة» «٢» . قال ابن كثير- ﵀: «وقد أجمع على ذلك أهل الحلّ والعقد ولا التفات إلى خرافات الشّيعة والرّافضة فإنّ جهلهم قد سارت به الرّكبان» «٣» . قال العلماء- ﵏: «والحكمة في أنّ الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورثون أنّه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنّى موته فيهلك بذلك، ولئلّا يظنّ بهم الرّغبة في الدّنيا وجمعها لوارثهم فيهلك الظّانّ وينفر النّاس عنهم، وأنّ الأنبياء في حكم الآباء لأممهم فيكون ميراثهم للجميع» . ٧- أزواجه أمّهات المؤمنين: شرّف الله- ﵎ أزواج نبيّه ﷺ وخصّهنّ بخصائص ليست لغيرهنّ من النّساء إكراما وإجلالا لعبده ورسوله ﷺ . ومن ذلك أن جعلهنّ أمّهات المؤمنين؛ فقال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «٤» . ومعنى هذه الأمومة: الاحترام والتّوقير والإكرام والإعظام والإجلال والطّاعة وتحريم العقوق، ولكن لا تجوز الخلوة بهنّ، ولا ينتشر التّحريم إلى بناتهنّ وأخواتهنّ بالإجماع. كما حرم نكاحهنّ على الرّجال. قال تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً «٥» . وعلى هذا انعقد إجماع العلماء قاطبة أنّ من توفّي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنّه يحرم على غيره تزوّجها من بعده لأنّهنّ أزواجه في الدّنيا والآخرة وأمّهات المؤمنين. وذلك من خصائصه ﷺ الّتي انفرد بها عن أمّته. ٨- رؤيته في المنام حقّ: اختصّ رسول الله ﷺ بأنّ من رآه في المنام كان كمن رآه في اليقظة ومنع الشّيطان أن يتصوّر في خلقته لئلّا يكذب على لسانه في النّوم، كما منع أن يتصوّر في صورته في اليقظة إكراما له.

стр. 615

- فعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ : من رآني في المنام فقد رآني فإنّ الشّيطان لا يتمثّل بي» «١» . قال القرطبيّ- ﵀ بعد أن سرد أقوالا كثيرة في معنى الحديث: والصّحيح في تأويل هذا الحديث. أنّ رؤيته ﷺ في كلّ حالة ليست باطلة ولا أضغاثا بل هي حقّ في نفسها. وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطّيّب وغيره» «٢» . أ. هـ. وبيّن العلماء ﵏ أنّ هذه الرّؤيا مشروطة بأن يراه الرّائي على صورته الّتي كان عليها في الحياة الدّنيا والّتي جاءت مفصّلة في الأحاديث. فائدة: قال الحافظ ابن كثير: واتّفقوا على أنّ من نقل عنه حديثا في المنام أنّه لا يعمل به لعدم الضّبط في رواية الرّائي فإنّ المنام محلّ تضعف فيه الرّوح وضبطها» «٣» . ٩- عبارات جافية في ظاهرها رحمة في غايتها: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا ولا متفحّشا ولا لعّانا ولا منتقما لنفسه إلّا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله تعالى، وإنّما كان ﷺ عفوّا حليما عظيم الشّفقة على أمّته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرّغبة في كلّ ما ينفعهم كما مرّ مفصّلا، فعند ما قدم الطّفيل الدّوسيّ وأصحابه فقالوا: يا رسول الله، إنّ دوسا قد كفرت وأبت فادع الله عليها. فقال: «اللهمّ اهد دوسا وائت بهم» «٤» وأمثال هذا كثير. وما وقع منه ﷺ في النّادر والقليل من دعاء وألفاظ ظاهرها السّبّ فمحمول- كما قال النّوويّ ﵀ على أنّ ظاهرها وحقيقتها غير مرادة وليس هي عن قصد بل هي ممّا جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلانيّة كقوله: تربت يمينك» «٥» و «عقرى حلقى» «٦» وقوله لامرأة «لا كبر سنّك» وقوله في معاوية: «لا أشبع الله بطنه «٧» » أو محمول على أنّ من أطلق في حقّه هذه العبارات مستوجب مستحقّ له في الظّاهر بأمارة شرعيّة.

стр. 616

ويكون في باطن الأمر ليس أهلا لذلك، ورسول الله ﷺ مأمور بالحكم بالظّاهر والله يتولّى السّرائر «١» . فخاف رسول الله ﷺ لعظيم رحمته وشفقته أن يصادف شيء من هذه العبارات إجابة فسأل ربّه ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفّارة وقربة وطهورا وأجرا. وهذا في حقّ من لم يكن لذلك أهلا وكان مسلما وإلّا فقد دعا رسول الله ﷺ على الكفّار والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمة. فتحوّل الدّعاء ونحوه لمن ليس له بأهل إلى كفّارة ورحمة وقربة من جملة خصائصه ﷺ الّتي اختصّ بها عن أمّته. - فعن أبي هريرة- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ ، قال: «اللهمّ إنّي أتّخذ عندك عهدا لن تخلفنيه فإنّما أنا بشر فأيّ المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة» «٢» .

стр. 617

معجزات ودلائل نبوّة خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ تمهيد: أجرى الله- ﵎ على يدي أنبيائه ورسله من المعجزات الباهرات والدّلائل القاطعات والحجج الواضحات ما يدلّ على صدق دعواهم أنّهم رسل الله، وكي تقوم الحجّة البالغة على النّاس فلا يبقى لأحد عذر في عدم تصديقهم وطاعتهم. فقال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ «١» . والفرق بين المعجزة وغيرها من الدّلالة والعلامة أنّ المعجزة يشترط فيها التّحدّي وأن يكون المتحدّى به ممّا يعجز عنه البشر في العادة المستمرّة. أمّا الدّلائل والعلامات فتقع دالّة على صدق الأنبياء والرّسل من غير سبق تحدّ وسمّيت المعجزة كذلك لعجز الخلق عن معارضتها والإتيان بمثلها. والمعجزة على ضربين: - ضرب هو من نوع قدرة البشر، فعجزوا عنه فتعجيزهم عنه فعل لله دلّ على صدق نبيّه كتحدّي اليهود أن يتمنّوا الموت. - وضرب خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله كانشقاق القمر، ممّا لا يمكن أن يفعله أحد إلّا الله تعالى فيكون ذلك على يد النّبيّ من فعل الله تعالى وتحدّي من يكذّبه أن يأتي بمثله تعجيزا له «٢» . ومعجزات رسول الله ﷺ الّتي ظهرت على يديه تشمل كلا النّوعين. فهو ﷺ أكثر الرّسل معجزة وأبهرهم آية وأظهرهم برهانا فله من المعجزات ما لا يحدّ ولا يعدّ، وقد ألّفت في معجزاته ﷺ المؤلّفات الكثيرة وتناولها العلماء بالشّرح والبيان. ممّن اعتنى بجمعها من الأئمّة أبو نعيم الأصبهانيّ والبيهقيّ. ومعجزاته ﷺ ، منها ما نقل إلينا نقلا متواترا من طرق كثيرة تفيد القطع عند الأمّة. ومنها ما لم يبلغ مبلغ الضّرورة والقطع وهو على نوعين: - نوع مشتهر منتشر، رواه العدد وشاع الخبر به عند أهل العلم بالآثار، ونقلته السّير والأخبار، كنبع الماء من بين أصابعه الشّريفة ﷺ ، وتكثيره الطّعام. - ونوع منه اختصّ به الواحد والاثنان ورواه العدد اليسير ولم يشتهر اشتهار غيره لكنّه إذا جمع إلى مثله اتّفقا في المعنى واجتمعا على الإتيان بالمعجز «٣» .

стр. 618

وبعد هذا التّمهيد الموجز، نورد بإذن الله تعالى، جملة من معجزات ودلائل نبوّة سيّد الأوّلين والآخرين ﷺ ممّا ساندها الدّليل الصّحيح. المعجزة الكبرى: أعطى الله كلّ نبيّ من الأنبياء ﵈ معجزة خاصّة به لم يعطها بعينها غيره تحدّى بها قومه، وكانت معجزة كلّ نبيّ تقع مناسبة لحال قومه وأهل زمانه. فلمّا كان الغالب على زمان موسى ﵇ السّحر وتعظيم السّحرة، بعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار، وحيّرت كلّ سحّار، فلمّا استيقنوا أنّها من عند العزيز الجبّار انقادوا للإسلام وصاروا من عباد الله الأبرار. وأمّا عيسى ﵇ فبعث في زمن الأطبّاء وأصحاب علم الطّبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه إلّا أن يكون مؤيّدا من الّذي شرع الشّريعة، فمن أين للطّبيب قدرة على إحياء الجماد، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التّناد، أو على مداواة الأكمه والأبرص. وكذلك نبيّنا ﷺ ، بعث في زمان الفصحاء والبلغاء وتجاريد الشّعراء، فأتاهم بكتاب من عند الله ، فاتّهمه أكثرهم أنّه اختلقه وافتراه من عنده فتحدّاهم ودعاهم أن يعارضوه ويأتوا بمثله وليستعينوا بمن شاءوا فعجزوا عن ذلك كما قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً «١» . وكما قال الله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ* فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ «٢» . ثمّ تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في سورة هود. أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٣» . ثمّ تنازل إلى سورة فقال في سورة يونس: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٤» . وكذلك في سورة البقرة وهي مدنيّة أعاد التّحدّي بسورة منه، وأخبر تعالى أنّهم لا يستطيعون ذلك أبدا لا في الحال ولا في المآل. فقال تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ

стр. 619

دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ «١» . وهكذا وقع، فإنّه من لدن رسول الله ﷺ وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبدا، فإنّه كلام ربّ العالمين الّذي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فأنّى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق؟ وقد انطوى كتاب الله العزيز على وجوه كثيرة من وجوه الإعجاز: ذلك أنّ القرآن الكريم معجز في بنائه التّعبيريّ وتنسيقه الفنّيّ باستقامته على خصائص واحدة في مستوى واحد لا يختلف ولا يتفاوت ولا تتخلّف خصائصه. معجز في بنائه الفكريّ وتناسق أجزائه وتكاملها، فلا فلتة فيه ولا مصادفة، كلّ توجيهاته وتشريعاته، تلتقي وتتناسب وتتكامل وتحيط بالحياة البشريّة وتستوعبها وتلبّيها وتدفعها دون أن تتعارض جزئيّة واحدة من ذلك المنهاج الشّامل الضّخم مع جزئيّة أخرى، ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانيّة أو تقتصر عن تلبيتها، وكلّها مشدودة إلى محور وإلى عروة واحدة في اتّساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة. معجز في يسر مداخله إلى القلوب والنّفوس ولمس مفاتيحها وفتح مغاليقها واستجاشه مواضع التّأثّر والاستجابة فيها «٢» . وقد سرد هبة الدّين الحسينيّ الشّهرستانيّ المزايا الإجماليّة للقرآن وهي: ١- فصاحة ألفاظه الجامعة لكلّ شرائعها. ٢- بلاغته بالمعنى المشهور أي موافقة الكلام لمقتضى الحال ومناسبات المقام أو بلاغته الذّوقيّة المعنويّة. ٣- عروبة العبارات الممثّلة لسذاجة البداوة مع اشتمالها على بسائط الحضارة. ٤- توافر المحاسن الطّبيعيّة فوق المحاسن البديعيّة. ٥- إيجاز بالغ مع الإعجاز بدون أن يخلّ بالمقصود. ٦- إطناب غير مملّ في مكرّراته. ٧- سموّ المعاني وعلوّ المرمى في قصد الكمال الأسمى. ٨- طلاوة أساليبه الفطريّة، ومقاطعه المبهجة، وأوزانه المتنوّعة.

стр. 620

٩- فواصله الحسنى وأسماعه الفطريّة. ١٠- أنباؤه الغيبيّة، وإخباره عن كوامن الزّمان، وخفايا الأمور. ١١- أسرار علميّة لم تهتد العقول إليها بعد عصر القرآن إلّا بمعونة الأدوات الدّقيقة، والآلات الرّقيقة المستحدثة. ١٢- غوامض أحوال المجتمع، وآداب أخلاقيّة تهذّب الأفراد وتصلح شؤون العائلات. ١٣- قوانين حكيمة في فقه تشريعيّ، فوق ما في التّوراة والإنجيل، وكتب الشّرائع الأخرى. ١٤- سلامته عن التّعارض، والتّناقض، والاختلاف. ١٥- خلوصه من تنافر الحروف، وتنافي المقاصد. ١٦- ظهوره على لسان أمّيّ لم يعرف الدّراسة، ولا ألف محاضرة العلماء، ولا جاب الممالك سائحا مستكملا. ١٧- طراوته «١» في كلّ زمان، كونه طريّا كلّما تلي وأينما تلي. ١٨- اشتماله على السّهل الممتنع الّذي يعدّ ملاك الإعجاز، والتّفوّق النّهائيّ. ١٩- قوّة عبارته لتحمّل الوجوه، وتشابه المعاني. ٢٠- قصصه الحلوة، وكشوفه التّاريخيّة من حوادث القرون الخالية. ٢١- أمثاله الحسنى الّتي تجعل المعقول محسوسا، وتجعل الغائب عن الذّهن حاضرا لديه. ٢٢- معارفه الإلهيّة كأحسن كتاب في علم اللّاهوت، وكشف أسرار عالم الملكوت، وأوسع سفر من مراحل المبدإ والمعاد. ٢٣- خطاباته البديعيّة، وطرق إقناعه الفذّة. ٢٤- تعاليمه العسكريّة، ومناهجه في سبيل الصّلح، وفنون الحرب. ٢٥- سلامته من الخرافات والأباطيل، الّتي من شأنها إجهاز العلم عليها كلّما تكاملت أصوله وفروعه. ٢٦- قوّة الحجّة، وتفوّق المنطق. ٢٧- اشتماله على الرّموز في فواتح السّور، ودهشة الفكر حولها وحول غيرها. ٢٨- جذاباته الرّوحيّة الخلّابة للألباب، السّاحرة للعقول، الفتّانة للنّفوس.

стр. 621

ولعلّ الأصوب أن يضاف إلى ذلك تضمّنه الأسس لشريعة إنسانيّة صالحة لكلّ زمان ومكان «١» . هذا وإنّ وجوه إعجاز القرآن كثيرة، وقد ألّفت فيها كتب كثيرة ويمكن أن يضاف إلى ما ذكره الشّهرستانيّ ما يلي: ١- ترك المعارضة مع توفّر الدّواعي وشدّة الحاجة، ممّا يؤكّد عجز البشر عن الإتيان بمثله. ٢- اتّساق القرآن في أغراضه ومعانيه على طول المدّة الّتي استغرقها في تجمّعه، فخواتيمه بعد ربع قرن جاءت مطابقة متساوقة لفواتحه يصدّق بعضها بعضا، ويكمّله كأنّه نفس واحد. ٣- سهولة حفظه كما قال تعالى: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ* «٢» . فهو ميسّر على جميع الألسنة ومحفوظ في الصّدور. ٤- حسن التّخلّص من قصّة إلى أخرى والخروج من باب إلى غيره. ٥- إطنابه في خطاب اليهود، وإيجازه في خطاب العرب، للتّفاوت بينهما فهما وبلاغة. ٦- ما أنبأ به من أخبار القرون السّالفة، ممّا كان لا يعلم منه القصّة الواحدة إلّا الفذّ من أحبار أهل الكتاب. ٧- وجود كلمات في جمل لا يسدّ مسدّها غيرها مثل قوله تعالى: وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي «٣» فليس بمقدور أحد أن يأتي بكلمة تسدّ مسدّها. ٨- نزاهته في التّعبير كقوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» وقوله: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ «٥» وقوله: وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ «٦» وقوله: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ* «٧» . ٩- خلوص ألفاظ الهجاء فيه من الفحش، كقوله تعالى: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ «٨» .

стр. 622

١٠- التّدرّج في الأحكام. ١١- ما تضمّنه من الأخبار عن الضّمائر، كقوله تعالى: وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ «١» وقوله تعالى: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا «٢» وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ «٣» وقوله: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ «٤» . ١٢- جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة، وهما كالمتضادّين لا يجتمعان في كلام البشر غالبا. ١٣- اقتران معانيه المتغايرة في السّور المختلفة، فيخرج في السّورة من وعد إلى وعيد، ومن ترغيب إلى ترهيب، ومن ماض إلى مستقبل، ومن قصص إلى مثل، ومن حكمة إلى جدل، فلا يتنافر، وهي في غيره من الكلام متنافرة. ١٤- لا يخرج عن أسلوبه ولا يزول عن اعتداله باختلاف آياته في الطّول والقصر. ١٥- آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنّهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا، فالإخبار بالعجز عن الإتيان بمثل القرآن معجزة للقرآن. ١٦- قارئه لا يملّه، وسامعه لا يمجّه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبّة، وغيره من الكلام يعادى إذا أعيد، ويملّ على التّرديد. ١٧- كونه آية باقية لا يعدم ما بقيت الدّنيا لتكفّل الله بحفظه «٥» . قال الحافظ ابن كثير «٦» : إنّ الخلق عاجزون عن معارضة هذا القرآن، بل عن عشر سور مثله، بل عن سورة منه، وإنّهم لا يستطيعون ذلك أبدا كما قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا «٧» أي فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تستطيعوا ذلك في المستقبل، وهذا تحدّثان، وهو أنّه لا يمكن معارضتهم له في الحال ولا في المال. ومثل هذا التّحدّي إنّما

стр. 623

يصدر عن واثق بأنّ ما جاء به لا يمكن للبشر معارضته، ولا الإتيان بمثله، ولو كان من متقوّل من عند نفسه لخاف أن يعارض، فيفتضح ويعود عليه نقيض ما قصد من متابعة النّاس له. ومعلوم لكلّ ذي لبّ أنّ محمّدا ﷺ من أعقل خلق الله، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في الأمر نفسه، فما كان ليقدم على هذا الأمر إلّا وهو عالم بأنّه لا يمكن معارضته وهكذا وقع، فإنّه من لدن رسول الله ﷺ وإلى زماننا هذا لم يستطع أحد أن يأتي بنظيره ولا نظير سورة منه، وهذا لا سبيل إليه أبدا، فإنّه كلام ربّ العالمين الّذي لا يشبهه شيء من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فأنّى يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق؟. قال الحافظ ابن حجر: وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن في أربعة أشياء: أحدها: حسن تأليفه والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة. ثانيها: صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظما ونثرا حتّى حارت فيه عقولهم ولم يهتدوا إلى الإتيان بشيء مثله مع توفّر دواعيهم على تحصيل ذلك وتقريعه لهم على العجز عنه. ثالثها: ما اشتمل عليه من الإخبار عمّا مضى من أحوال الأمم السّالفة والشّرائع الدّاثرة ممّا كان لا يعلم منه بعضه إلّا النّادر من أهل الكتاب. رابعها: الإخبار عمّا سيأتي من الكوائن الّتي وقع بعضها في العصر النّبويّ وبعضها بعده. ومن غير هذه الأربعة آيات وردت بتعجيز قوم في قضايا أنّهم لا يفعلونها فعجزوا عنها مع توفّر دواعيهم على تكذيبه، كتمنّي اليهود الموت، ومنها الرّوعة الّتي تحصل لسامعه، ومنها أنّ قارئه لا يملّ من ترداده وسامعه لا يمجّه ولا يزداد بكثرة التّكرار إلّا طراوة ولذاذة. ومنها أنّه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدّنيا، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضي عجائبها ولا تنتهي فوائدها. أ. هـ ملخّصا من كلام عياض وغيره «١» . الإسراء والمعراج: عن أنس بن مالك- ﵁، أنّ رسول الله ﷺ قال «أتيت بالبراق (وهو دابّة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه) قال: فركبته حتّى أتيت بيت المقدس- قال: فربطته بالحلقة الّتي يربط بها الأنبياء. قال ثمّ دخلت المسجد فصلّيت فيه ركعتين ثمّ خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللّبن. فقال جبريل ﷺ : اخترت الفطرة، ثمّ عرج بنا إلى السّماء، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمّد قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه

стр. 624

ففتح لنا، فإذا أنا بآدم. فرحّب بي ودعا لي بخير. ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّانية- فاستفتح جبريل- ﵇ فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمّد قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريّاء صلوات الله عليهما فرحّبا ودعوا لي بخير. ثمّ عرج بنا إلى السّماء الثّالثة، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمّد قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف ﷺ إذا هو قد أعطي شطر الحسن. فرحّب ودعا لي بخير. ثمّ عرج بنا إلى السّماء الرّابعة، فاستفتح جبريل- ﵇ قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمّد قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحّب ودعا لي بخير. قال الله- : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا «١» . ثمّ عرج بنا إلى السّماء الخامسة، فاستفتح جبريل قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمّد قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بهارون ﷺ . فرحّب ودعا لي بخير.- ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّادسة، فاستفتح جبريل ﵇ قيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل ومن معك؟ قال محمّد قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﷺ . فرحّب ودعا لي بخير- ثمّ عرج بنا إلى السّماء السّابعة، فاستفتح جبريل فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال محمّد ﷺ قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﷺ ، مسندا ظهره إلى البيت المعمور- وإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه- ثمّ ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة- وإذا ثمرها كالقلال قال: فلمّا غشيها من أمر الله ما غشي تغيّرت- فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها- فأوحى الله إليّ ما أوحى- ففرض عليّ خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة- فنزلت إلى موسى ﷺ ، فقال: ما فرض ربّك على أمّتك؟ قلت: خمسين صلاة: قال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف فإنّ أمّتك لا يطيقون ذلك، فإنّي قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم- قال: فرجعت إلى ربّي فقلت: يا ربّ خفّف على أمّتي. فحطّ عنّي خمسا، فرجعت إلى موسى فقلت: حطّ عنّي خمسا. قال. إنّ أمّتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف- قال: فلم أزل أرجع بين ربّي ﵎ وبين موسى ﵇ حتّى قال: يا محمّد، إنّهنّ خمس صلوات كلّ يوم وليلة- لكلّ صلاة عشر. فذلك خمسون صلاة- ومن همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيّئة واحدة- قال: فنزلت حتّى انتهيت إلى موسى ﷺ فأخبرته- فقال: ارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف: فقال رسول الله ﷺ ، فقلت: قد رجعت إلى ربّي حتّى استحييت منه «٢» .

стр. 625

انشقاق القمر: روى البخاريّ ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك- ﵁؛ أنّ أهل مكّة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقّتين، حتّى رأوا حراء بينهما» «١» . فكان هذا الانشقاق- كما قال الخطّابيّ- آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنّه ظهر في ملكوت السّماء خارجا من جملة طباع ما في هذا العالم المركّب من الطّبائع، فليس ممّا يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر «٢» . وقد ذكر الله سبحانه هذه المعجزة في كتابه العزيز، فقال عزّ من قائل: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ* وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ* وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ* وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ* حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ «٣» . ونقل الحافظ ابن كثير الإجماع على أنّ انشقاق القمر قد وقع في زمان النّبيّ ﷺ ، وأنّه كان إحدى المعجزات الباهرات. وإنّ الأحاديث الّتي وردت بذلك متواترة من طرق متعدّدة تفيد القطع. ومع عظم هذه المعجزة، فإنّ أهل مكّة المعاندين لم يصدّقوا ولم يذعنوا، بل استمرّوا على كفرهم وإعراضهم، وقالوا سحرنا محمّد، فقال بعضهم: لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر النّاس كلّهم، فسألوا من قدم عليهم من المسافرين فأخبروهم بنظير ما شاهدوه فعلموا صحّة ذلك وتيقّنوه. تكثيره الماء ونبعه من بين أصابعه الشّريفة ﷺ : قال القرطبيّ ﵀: قصّة نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، تكرّرت منه في عدّة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعيّ المستفاد من التّواتر المعنويّ ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبيّنا ﷺ ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه» «٤» . ومن هذه المواطن الّتي حدث بها تكثير الماء ونبعه من بين أصابع نبيّنا ﷺ : - ما رواه البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله- ﵄، قال: «عطش النّاس يوم الحديبية والنّبيّ ﷺ بين يديه ركوة «٥» ، فتوضّأ فجهش «٦» النّاس نحوه فقال: «ما لكم؟» قالوا: ليس عندنا ماء نتوضّأ، ولا

стр. 626

نشرب إلّا ما بين يديك فوضع يده في الرّكوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه كأمثال العيون. فشربنا وتوضّأنا. قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنّا مائة ألف لكفانا. كنّا خمس عشرة مائة «١» . - ومنها ما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك- ﵁؛ أنّه قال: «رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء فأمر النّاس أن يتوضّئوا منه، فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضّأ النّاس حتّى توضّأوا من عند آخرهم» «٢» . - ومن ذلك ما روى مسلم عن جابر بن عبد الله- ﵄؛ في حديث طويل. قال الحافظ ابن حجر: وهذه القصّة أبلغ من جميع ما تقدّم لاشتمالها على قلّة الماء وعلى كثرة من استقى منه «٣» . وإليك أخي القارىء الشّاهد من هذه القصّة الطّويلة: قال جابر بن عبد الله- ﵄؛ فأتينا المعسكر، فقال رسول الله ﷺ : «يا جابر! ناد بوضوء» فقلت: ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ ألا وضوء؟ قال قلت: يا رسول الله! ما وجدت في الرّكب قطرة. وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله ﷺ الماء، في أشجاب له «٤» ، على حمارة «٥» من جريد. قال فقال لي: «انطلق إلى فلان ابن فلان الأنصاريّ، فانظر هل في أشجابه من شيء؟» قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلّا قطرة «٦» في عزلاء «٧» ، لو أنّي أفرغه لشربه يابسه «٨» . فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنّي لم أجد فيها إلّا قطرة في عزلاء شجب منها، لو أنّي أفرغه لشربه يابسه، قال: اذهب فأتني به» فأتيته به، فأخذه بيده فجعل يتكلّم بشيء لا أدري ما هو. ويغمزه بيديه «٩» . ثمّ أعطانيه فقال: «يا جابر! ناد بجفنة» فقلت: يا جفنة الرّكب «١٠» ! فأتيت بها تحمل. فوضعتها بين يديه. فقال رسول الله ﷺ بيده في الجفنة هكذا. فبسطها وفرّق بين أصابعه. ثمّ وضعها في

стр. 627

قعر الجفنة. وقال: «خذ يا جابر! فصبّ عليّ. وقل باسم الله» فصببت عليه وقلت: باسم الله. فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ثمّ فارت الجفنة ودارت حتّى امتلأت. فقال: «يا جابر ناد من كان له حاجة بماء» قال: فأتى النّاس فاستقوا حتّى رووا. قال: فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى» «١» . قال المزنيّ- ﵀: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى ﵇ بالعصا فتفجّرت منه المياه لأنّ خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللّحم والدّم. انتهى» . تكثيره الطّعام والشّراب ﷺ : فأمّا الطّعام: فقد وقع ذلك منه ﷺ مرّات عديدة، فمن ذلك ما رواه البخاريّ ومسلم عن قصّة ضيافة أبي طلحة الأنصاريّ- ﵁، كما حدّث بها أنس بن مالك- ﵁؛ فإنّه قال: قال أبو طلحة لأمّ سليم: قد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفا. أعرف فيه الجوع. فهل عندك شيء؟ فقالت: نعم. فأخرجت أقراصا من شعير: ثمّ أخذت خمارا لها. فلفّت الخبز ببعضه، ثمّ دسّته تحت ثوبي. وردّتني «٣» ببعضه. ثمّ أرسلتني إلى رسول الله ﷺ . قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ جالسا في المسجد. ومعه النّاس فقمت عليهم. فقال رسول الله ﷺ : «أرسلك أبو طلحة؟» قال فقلت: نعم. فقال: «ألطعام؟» فقلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: «قوموا» قال: فانطلق وانطلقت بين أيديهم. حتّى جئت أبا طلحة، فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أمّ سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالنّاس. وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فانطلق أبو طلحة حتّى لقي رسول الله ﷺ . فأقبل رسول الله ﷺ معه حتّى دخلا. فقال رسول الله ﷺ : «هلمّي ما عندك يا أمّ سليم» «فأتت بذلك الخبز. فأمر به رسول الله ﷺ ففتّ. وعصرت عليه أمّ سليم عكّة «٤» لها فأدمته «٥» . ثمّ قال رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقول. ثمّ قال: «ائذن لعشرة «٦» » فأذن لهم فأكلوا حتّى شبعوا ثمّ خرجوا. ثمّ قال: «ائذن لعشرة» فأذن لهم فأكلوا حتّى

стр. 628

شبعوا ثمّ خرجوا. ثمّ قال: «ائذن لعشرة» حتّى أكل القوم كلّهم وشبعوا. والقوم سبعون رجلا أو ثمانون» «١» . - قصّة جابر بن عبد الله- ﵄ في غزوة الخندق: ومن تكثيره الطّعام ﷺ أيضا، ما وقع مع جابر بن عبد الله- ﵄ في الخندق حيث يقول جابر: «لمّا حفر الخندق رأيت برسول الله ﷺ خمصا «٢» . فانكفأت «٣» إلى امرأتي. فقلت لها: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت برسول الله ﷺ خمصا شديدا. فأخرجت لي جرابا «٤» فيه صاع من شعير. ولنا بهيمة «٥» داجن «٦» قال: فذبحتها وطحنت. ففرغت إلى فراغي. فقطّعتها في برمتها. ثمّ ولّيت إلى رسول الله ﷺ فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ ومن معه. قال: فجئته فساررته. فقلت: يا رسول الله! إنّا قد ذبحنا بهيمة لنا. وطحنت صاعا من شعير كان عندنا. فتعال أنت في نفر معك. فصاح رسول الله ﷺ وقال: «يا أهل الخندق! إنّ جابرا قد صنع لكم سورا «٧» فحيهلا «٨» بكم «وقال رسول الله ﷺ : «لا تنزلنّ برمتكم ولا تخبزنّ عجينتكم، حتّى أجيء» فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم النّاس. حتّى جئت امرأتي. فقالت: بك. وبك «٩» . فقلت: قد فعلت الّذي قلت لي «١٠» . فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك. ثمّ عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك. ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم «١١» ولا تنزلوها» وهم ألف. فأقسم بالله! لأكلوا حتّى تركوه وانحرفوا «١٢» . وإنّ برمتنا لتغطّ «١٣» كما هي. وإنّ عجينتنا- أو كما قال الضّحّاك- لتخبز كما هو «١٤» » «١٥» .

стр. 629

وأمّا الشّراب: فنأخذ على ذلك مثالا واحدا وهو اللّبن: فمن أدلّة تكثيره ﷺ اللّبن ما أخرجه البخاريّ وغيره عن أبي هريرة- ﵁؛ أنّه كان يقول: الله الّذي لا إله إلّا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشدّ الحجر على بطني من الجوع. ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه، فمرّ أبو بكر فسألته عن آية في كتاب الله، ما سألته إلّا ليشبعني. فمرّ ولم يفعل. ثمّ مرّ بي عمر فسألته عن آية في كتاب الله، ما سألته إلّا ليشبعني. فمرّ فلم يفعل، ثمّ مرّ بي أبو القاسم ﷺ فتبسّم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي، ثمّ قال: «يا أبا هرّ» قلت: لبّيك رسول الله، قال: «الحق» ومضى. فتبعته فدخل فاستأذن فأذن له، فدخل فوجد لبنا في قدح فقال: «من أين هذا اللّبن؟» قالوا: أهداه لك فلان- أو فلانة- قال: «يا أبا هرّ» قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: «الحق إلى أهل الصّفّة فادعهم لي» قال: وأهل الصّفّة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللّبن في أهل الصّفّة كنت أحقّ أن أصيب من هذا اللّبن شربة أتقوّى بها، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ بدّ فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت. قال: «يا أبا هرّ» قلت: لبّيك يا رسول الله، قال: «خذ فأعطهم» ، فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ عليّ القدح فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ القدح، فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ عليّ القدح، فأعطيه الرّجل فيشرب حتّى يروى، ثمّ يردّ عليّ القدح حتّى انتهيت إلى النّبيّ ﷺ وقد روي القوم كلّهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليّ فتبسّم فقال: «يا أبا هرّ» ، قلت: لبّيك يا رسول الله. قال: «بقيت أنا وأنت» قلت: صدقت يا رسول الله، قال: «اقعد فاشرب» . فقعدت فشربت، فقال: «اشرب» ، فشربت، فما زال يقول: «اشرب» ، حتّى قلت: لا والّذي بعثك بالحقّ، ما أجد له مسلكا. قال: «فأرني» ، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمّى وشرب الفضلة «١» .

стр. 630

دلائل نبوّته ﷺ فيما يتعلّق ببعض الحيوانات: قصّة البعير وسجوده وشكواه لرسول الله ﷺ : - عن أنس بن مالك- ﵁؛ قال: «كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه وأنّه استصعب عليهم فمنعهم ظهره وأنّ الأنصار جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنّه كان لنا جمل نسني «١» عليه وأنّه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزّرع والنّخل، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «قوموا» ، فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته، فمشى النّبيّ ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله إنّه قد صار مثل الكلب الكلب وإنّا نخاف عليك صولته، فقال: «ليس عليّ منه بأس» ، فلمّا نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتّى خرّ ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذلّ ما كانت قطّ، حتّى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله هذه البهيمة لا تعقل تسجد لك، ونحن أحقّ أن نسجد لك، فقال: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقّه عليها، والّذي نفس محمّد بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تتفجّر بالقيح والصّديد ثمّ استقبلته فلحسته ما أدّت حقّه» «٢» . - وعن عبد الله بن جعفر- ﵄؛ قال: «أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فأسرّ إليّ حديثا لا أخبر به أحدا أبدا وكان رسول الله ﷺ أحبّ ما استتر به في حاجته هدف أو حائش «٣» نخل فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار فإذا جمل قد أتاه فجرجر «٤» وذرفت عيناه. قال بهز وعفّان: فلمّا رأى النّبيّ ﷺ حنّ وذرفت عيناه فمسح رسول الله ﷺ سراته «٥» وذفراه «٦» سكن فقال: «من صاحب الجمل» ، فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: «أما تتّقي الله في هذه البهيمة الّتي ملّككها الله، إنّه شكا إليّ أنّك تجيعه وتدئبه «٧» .

стр. 631

إخبار الذّئب بنبوّته ﷺ : - عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁؛ قال: عدا الذّئب على شاة فأخذها فطلبه الرّاعي فانتزعها منه، فأقعى الذّئب على ذنبه فقال: ألا تتّقي الله؟ تنزع منّي رزقا ساقه الله إليّ؟ فقال: يا عجبي ذئب يقعي على ذنبه يكلّمني كلام الإنس! فقال الذّئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمّد ﷺ بيثرب يخبر النّاس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الرّاعي يسوق غنمه حتّى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها، ثمّ أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي: الصّلاة جامعة. ثمّ خرج فقال للرّاعي: «أخبرهم» . فأخبرهم. فقال رسول الله ﷺ : «صدق، والّذي نفس محمّد بيده لا تقوم السّاعة حتّى يكلّم السّباع الإنس، ويكلّم الرّجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده. «١» - وفي رواية من حديث أبي هريرة- ﵁ عند ما كلّم الذّئب راعي الغنم فقال الرّجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلّم. فقال الذّئب: أعجب من هذا رجل في النّخلات بين الحرّتين «٢» يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم. وكان الرّجل يهوديّا، فجاء النّبيّ ﷺ فأسلم وخبّره فصدّقه النّبيّ ﷺ «٣» . معجزاته ﷺ في أنواع الجمادات: حنين الجذع شوقا إلى رسول الله ﷺ وشفقا من فراقه: وقد ورد ذلك- كما قال الحافظ ابن كثير- من حديث جماعة من الصّحابة بطرق متعدّدة تفيد القطع عند أئمّة الشّأن وفرسان هذا الميدان «٤» . ومن ذلك ما رواه البخاريّ عن جابر بن عبد الله- ﵄: «أنّ النّبيّ ﷺ ، كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار- أو رجل-: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرا؟ قال: «إن شئتم» . فجعلوا له منبرا. فلمّا كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النّخلة صياح الصّبيّ، ثمّ نزل النّبيّ ﷺ فضمّه إليه،

стр. 632

يئنّ أنين الصّبيّ الّذي يسكن. قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذّكر عندها» » . وفي رواية أخرى عن جابر- ﵁؛ قال: «كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النّبيّ ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمّا صنع له المنبر فكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار «٢» ، حتّى جاء النّبيّ ﷺ فوضع يده عليها، فسكنت» «٣» . وفي رواية من حديث ابن عبّاس- ﵄ قال ﷺ : « ... ولو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة» «٤» . وكان الحسن البصريّ ﵀، إذا حدّث بحديث حنين الجذع يقول: يا معشر المسلمين الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقا إلى لقائه فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه» «٥» . ونقل ابن أبي حاتم في «مناقب الشّافعيّ عن أبيه عن عمرو بن سواد عن الشّافعيّ قال: ما أعطى الله نبيّا ما أعطى محمّدا، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمّدا حنين الجذع حتّى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك «٦» . انقياد الشّجر لرسول الله ﷺ : ومن معجزاته وأعلام نبوّته ﷺ انقياد الشّجر بين يديه في مرّات عدّة: - فعن جابر بن عبد الله- ﵄؛ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتّى نزلنا واديا أفيح «٧» . فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته. فاتّبعته بإداوة من ماء. فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به. فإذا شجرتان بشاطيء الوادي «٨» . فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها. فقال: «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «٩» ، الّذي يصانع قائده. حتّى أتى الشّجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها.

стр. 633

فقال: «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كذلك. حتّى إذا كان بالمنصف «١» ممّا بينهما، لأم «٢» بينهما (يعني جمعهما) فقال: «التئما عليّ بإذن الله» فالتأمتا. قال جابر: فخرجت أحضر «٣» مخافة أن يحسّ رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد، فجلست أحدّث نفسي. فحانت منّي لفتة «٤» ، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا. وإذا الشّجرتان قد افترقتا. فقامت كلّ واحدة منهما على ساق. فرأيت رسول الله ﷺ وقف وقفة. فقال برأسه هكذا؟ وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينا وشمالا ثمّ أقبل. فلمّا انتهى إليّ قال: «يا جابر هل رأيت مقامي؟» قلت: نعم يا رسول الله. قال: «فانطلق إلى الشّجرتين فاقطع من كلّ واحدة منهما غصنا. فأقبل بهما. حتّى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته «٥» . فانذلق «٦» لي. فأتيت الشّجرتين فقطعت من كلّ واحدة منهما غصنا. ثمّ أقبلت أجرّهما حتّى قمت مقام رسول الله ﷺ . أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري. ثمّ لحقته فقلت: قد فعلت، يا رسول الله! فعمّ ذاك؟ قال: «إنّي مررت بقبرين يعذّبان. فأحببت، بشفاعتي، أن يرفّه عنهما «٧» ، ما دام الغصنان رطبين» «٨» . «٩» . - وعن عبد الله بن عمر- ﵄؛ قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأقبل أعرابيّ، فلمّا دنا منه قال له رسول الله ﷺ : أين تريد؟» قال: إلى أهلي، قال: «هل لك في خير؟» قال: وما هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدا عبده ورسوله» ، قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: «هذه السّلمة «١٠» ، فدعاها رسول الله ﷺ وهي بشاطيء الوادي. فأقبلت تخدّ «١١» الأرض خدّا حتّى قامت بين يديه، فأشهدها ثلاثا فشهدت ثلاثا أنّه كما قال، ثمّ رجعت إلى منبتها، ورجع الأعرابيّ إلى قومه، وقال: إن اتّبعوني آتك بهم، وإلّا رجعت فكنت معك» «١٢» .

стр. 634

تسليم الحجر عليه ﷺ : - روى مسلم في صحيحه، عن جابر بن سمرة- ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعرف حجرا بمكّة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث. إنّي لأعرفه الآن» «١» . قال الإمام النّوويّ معلّقا على هذا الحديث: فيه معجزة له ﷺ وفي هذا إثبات التّمييز في بعض الجمادات وهو موافق لقوله تعالى في الحجارة: وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ «٢» وقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ «٣» . «٤» . تسبيح الطّعام بحضرته ﷺ : أخرج البخاريّ في صحيحه عن عبد الله بن مسعود- ﵁؛ قال: كنّا نعدّ الآيات بركة، وأنتم تعدّونها تخويفا، كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر فقلّ الماء، فقال: «اطلبوا فضلة من ماء» فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء ثمّ قال: «حيّ على الطّهور المبارك، والبركة من الله» فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطّعام وهو يؤكل» «٥» . عصمته ﷺ من النّاس: لقي رسول الله ﷺ من أعدائه كثير الأذى وعظيم الشّدّة منذ أن جهر بدعوته، ولكنّ الله ﵎ حفظه ونصره وعصمه من النّاس. يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٦» وقد كان النّبيّ ﷺ يحرس قبل نزول هذه الآية من قبل بعض أصحابه فلمّا نزلت عليه قال: «يا أيّها النّاس انصرفوا عنّي فقد عصمني الله » «٧» . ومن عصمة الله لرسوله ﷺ حفظه له من أهل مكّة وصناديدها وحسّادها ومعانديها ومترفيها مع شدّة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدرته وحكمته فصانه في ابتداء دعوته بعمّه أبي طالب إذ كان رئيسا مطاعا في قريش وجعل الله في قلبه محبّة طبيعيّة لرسول الله ﷺ لا شرعيّة، ولو

стр. 635

كان أسلم لاجترأ عليه كفّارها وكبارها ولكن لمّا كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر هابوه واحترموه فلمّا مات عمّه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا ثمّ قيّض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام وعلى أن يتحوّل إلى دارهم وهي المدينة فلمّا صار إليها منعوه من الأحمر والأسود وكلّما همّ أحد من المشركين وأهل الكتاب والمنافقين بسوء كاده الله وردّ كيده عليه «١» . والأمثلة على عصمة الله لرسوله ﷺ وكفّ الأعداء عنه كثيرة نكتفي بذكر نماذج منها: - فعن أبي هريرة- ﵁؛ قال: «قال أبو جهل: هل يعفّر محمّد وجهه «٢» بين أظهركم؟ قال فقيل: نعم. فقال: واللّات والعزّى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأنّ على رقبته. أو لأعفّرنّ وجهه في التّراب. قال فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلّي. زعم ليطأ على رقبته. قال فما فجئهم «٣» منه إلّا وهو ينكص على عقبيه «٤» ويتّقي بيديه. قال فقيل له: مالك؟ فقال: إنّ بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : «لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا» » . - وعن أبي بكر الصّدّيق- ﵁ في قصّة الهجرة النّبويّة قال: «فارتحلنا بعد ما مالت الشّمس، واتّبعنا سراقة بن مالك، فقلت: أتينا يا رسول الله، فقال: لا تحزن، إنّ الله معنا. فدعا عليه النّبيّ ﷺ فارتطمت به فرسه إلى بطنها فقال: إنّي أراكما قد دعوتما عليّ، فادعوا لي، فالله لكما أن أردّ عنكما الطّلب. فدعا له النّبيّ ﷺ ، فنجا، فجعل لا يلقى أحدا إلّا قال: كفيتكم ما هنا، فلا يلقى أحدا إلّا ردّه، قال: ووفّى لنا» «٦» . - وعن سلمة بن الأكوع- ﵁؛ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ حنينا ... فولّى صحابة النّبيّ ﷺ ... فلمّا غشوا رسول الله ﷺ «٧» نزل عن البغلة، ثمّ قبض قبضة من تراب من الأرض، ثمّ استقبل به وجوههم، فقال: شاهت الوجوه «٨» » فما خلق الله منهم إنسانا إلّا ملأ عينيه ترابا. بتلك القبضة. فولّوا مدبرين. فهزمهم الله . وقسم رسول الله ﷺ غنائمهم بين المسلمين» «٩» .
следующие страницы →