← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

٤-* (عن أبي مسعود- ﵁ قال: أشار النّبيّ ﷺ بيده نحو اليمن. فقال: ألا إنّ الإيمان هاهنا. وإنّ القسوة وغلظ القلوب في الفدّادين «١» . عند أصول أذناب الإبل، حيث يطلع قرنا الشّيطان. في ربيعة ومضر» ) * «٢» . ٥-* (عن معاوية بن الحكم السّلميّ- ﵁ قال: بينا أنا أصلّي مع رسول الله ﷺ . إذ عطس رجل من القوم. فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم. فقلت: واثكل أمّياه ما شأنكم تنظرون إليّ؟. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم. فلمّا رأيتهم يصمّتونني «٣» . لكنّي سكتّ. فلمّا صلّى رسول الله ﷺ : فبأبي هو وأمّي ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فو الله ما كهرني «٤» ولا ضربني ولا شتمني. قال: «إنّ هذه الصّلاة لا يصلح فيها شيء من كلام النّاس. إنّما هو التّسبيح والتّكبير وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ . قلت: يا رسول الله إنّي حديث عهد بجاهليّة «٥» . وقد جاء الله بالإسلام. وإنّ منّا رجالا يأتون الكهّان. قال: «فلا تأتهم» قال: ومنّا رجال يتطيّرون. قال: «ذاك شيء يجدونه في صدورهم «٦» . فلا يصدّنّهم (قال ابن الصّبّاح: فلا يصدّنّكم) » قال: قلت: ومنّا رجال يخطّون. قال: «كان نبيّ من الأنبياء يخطّ «٧» . فمن وافق خطّه فذاك» قال: وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوّانيّة «٨» . فاطّلعت ذات يوم فإذا الذّئب قد ذهب بشاة من غنمها. وأنا رجل من بني آدم. آسف كما يأسفون «٩» . لكنّي صككتها صكّة «١٠» . فأتيت رسول الله ﷺ فعظّم ذلك عليّ. قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها» فأتيته بها. فقال لها: «أين الله؟» قالت: في السّماء. قال: «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها. فإنّها مؤمنة» ) * «١١» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ أعرابيّا بال في المسجد فثار إليه النّاس ليقعوا به. فقال لهم رسول الله ﷺ : «دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبا من ماء أو سجلا «١٢» من ماء فإنّما بعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين» ) * «١٣» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ

стр. 5742

رجلا أتى النّبيّ ﷺ يتقاضاه فأغلظ، فهمّ به أصحابه فقال رسول الله ﷺ : «دعوه، فإنّ لصاحب الحقّ مقالا» . ثمّ قال: «أعطوه سنّا مثل سنّه» . قالوا: يا رسول الله إلّا أمثل من سنّه. فقال: «أعطوه، فإنّ من خيركم أحسنكم قضاء» ) * «١» . ٨-* (عن عائشة- ﵂ قالت: سمع رسول الله ﷺ صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما، وإذا أحدهما يستوضع «٢» الآخر ويسترفقه «٣» في شيء وهو يقول: والله لا أفعل. فخرج رسول الله ﷺ عليهما، فقال: «أين المتألّي «٤» على الله لا يفعل المعروف» . قال: أنا يا رسول الله. فله أيّ ذلك أحبّ» ) * «٥» . ٩-* (عن عائشة- ﵂ قالت: سمعت من رسول الله ﷺ يقول في بيتي هذا: «اللهمّ من ولي من أمر أمّتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمّتي شيئا فرفق بهم فارفق به» ) * «٦» . ١٠-* (عن سهل بن الحنظليّة- ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: «اتّقوا الله في هذه البهائم المعجمة «٧» ، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة» ) «٨» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الإكراه) معنى ١١-* (عن خنساء بنت خدّام الأنصاريّة ﵂ أن أباها زوّجها وهي ثيّب فكرهت ذلك، فأتت النّبيّ ﷺ فردّ نكاحها) «٩» . ١٢-* (عن أمّ سلمة- ﵂ قالت: ذكر النّبيّ ﷺ الجيش الّذي يخسف بهم. فقالت أمّ سلمة: يا رسول الله! لعلّ فيهم المكره؟ قال: «إنّهم يبعثون على نيّاتهم» ) «١٠» . ١٣-* (عن جابر بن عبد الله- ﵁ قال: جاءت مسيكة (مسكينة) لبعض الأنصار فقالت: إنّ سيّدي يكرهني على البغاء، فنزل في ذلك وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ) «١١» .

стр. 5743

من الآثار الواردة في ذمّ (العنف والإكراه) ١-* (عن قتادة في قوله تعالى فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ... الآية: قال: إي والله طهّره من الفظاظة والغلظة، وجعله قريبا رحيما رؤوفا بالمؤمنين) * «١» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً الآية: قال: كانوا إذا مات الرّجل كان أولياؤه أحقّ بامرأته، إن شاء بعضهم تزوّجها، وإن شاءوا زوّجوها وإن شاءوا لم يزوّجوها، فهم أحقّ بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك) «٢» . من مضار (العنف والإكراه) (١) العنف يؤدّي إلى الحرمان من الخير. (٢) ما كان العنف في شيء إلّا شانه. (٣) العنف طريق موصّل إلى بغض الله ومقته. (٤) العنف منبىء عن سوء النّيّة وخبث الطّويّة. (٥) العنف يسبّب حذر النّاس من الشّخص العنيف وبعدهم عنه. (٦) الإكراه خاصّة في مجال البغاء ينشر الرّذيلة. (٧) العنف يجلب على صاحبه المشقّة ويعامله النّاس إذا فقد سلطانه وقوّته بعنف أشدّ من عنفه معهم. (٨) الإكراه يؤدّي إلى ضياع الحقوق وتفكّك المجتمع. (٩) العنف ينشر الكراهية والحقد بين أفراد المجتمع. (١٠) الإكراه يخلّ بالأمن والاستقرار ممّا يؤدّي إلى ضعف الإنتاج وانتشار الفوضى. (١١) العنف والإكراه من الأمراض الاجتماعيّة الخطيرة. (١٢) العنف والإكراه يجلبان غضب المولى على من يفعل ذلك.

стр. 5744

[المجلد الحادي عشر] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5745

محتويات المجلد الحادي عشر م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة حرف الغين ١١١/ الغدر/ ٥٠٢٥ ١١٢/ الغرور/ ٥٠٤٧ ١١٣/ الغش/ ٥٠٦٩ ١١٤/ الغضب/ ٥٠٧٦ ١١٥/ الغفلة/ ٥٠٩٨ ١١٦/ الغل/ ٥١٠٩ ١١٧/ الغلو/ ٥١١٤ ١١٨/ الغلول/ ٥١٢٨ ١١٩/ الغي والإغواء/ ٥١٤٢ ١٢٠/ الغيبة/ ٥١٦٢ حرف الفاء ١٢١/ الفتنة/ ٥١٧٨ ١٢٢/ الفجور/ ٥٢١٩ ١٢٣/ الفحش/ ٥٢٣١ ١٢٤/ الفساد/ ٥٢٣٦ ١٢٥/ الفسوق/ ٥٢٦١ ١٢٦/ الفضح/ ٥٢٧٠ حرف القاف ١٢٧/ القتل/ ٥٢٨٤ ١٢٨/ القدوة السيئة/ ٥٣٠٠ م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة ١٢٩/ القذف/ ٥٣١١ ١٣٠/ القسوة/ ٥٣٢٣ ١٣١/ قطيعة الرحم/ ٥٣٢٩ ١٣٢/ القلق/ ٥٣٣٨ ١٣٣/ القنوط/ ٥٣٤٤ حرف الكاف ١٣٤/ الكبر والعجب/ ٥٣٥٢ ١٣٥/ الكذب/ ٥٣٨١ ١٣٦/ الكرب/ ٥٤٣١ ١٣٧/ الكسل/ ٥٤٣٨ ١٣٨/ الكفر/ ٥٤٤٣ ١٣٩/ الكنز/ ٥٥١٠ حرف اللام ١٤٠/ اللغو/ ٥٥٢١ ١٤١/ اللهو واللعب/ ٥٥٢٧ ١٤٢/ اللؤم/ ٥٥٤٠ حرف الميم ١٤٣/ المجاهرة بالمعصية/ ٥٥٤٧ ١٤٤/ المكر والكيد/ ٥٥٥٦ ١٤٥/ المن/ ٥٥٦٣ ١٤٦/ موالاة الكفار/ ٥٥٧٠

стр. 5746

م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة ١٤٧/ الميسر/ ٥٥٨٣ حرف النون ١٤٨/ النجاسة/ ٥٥٨٩ ١٤٩/ النجوى/ ٥٥٩٨ ١٥٠/ النفاق/ ٥٦٠٤ ١٥١/ نقض العهد/ ٥٦٣١ ١٥٢/ النقمة/ ٥٦٤٥ ١٥٣/ نكران الجميل/ ٥٦٥٣ ١٥٤/ النميمة/ ٥٦٦٥ م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة حرف الهاء ١٥٥/ الهجاء/ ٥٦٧٢ ١٥٦/ الهجر/ ٥٦٨١ ١٥٧/ هجر القرآن/ ٥٦٩١ حرف الواو ١٥٨/ الوسوسة/ ٥٧٠١ ١٥٩/ الوهم/ ٥٧١٠ ١٦٠/ الوهن/ ٥٧١٤ حرف الياء ١٦١/ اليأس/ ٥٧٢٤

стр. 5747

[حرف الغين] الغدر الغدر لغة: الغدر: مصدر غدر يغدر غدرا، وهو الإخلال بالشّيء وتركه، يقول ابن فارس: الغين والدّال والرّاء أصل صحيح يدلّ على ترك الشّيء، من ذلك الغدر: نقض العهد، وترك الوفاء به، ويقولون في الذّمّ يا غدر، وغدر به فهو غادر وغدر أيضا، وأكثر ما يستعمل هذا في النّداء بالشّتم، يقال يا غدر، وفي الحديث: «يا غدر ألست أسعى في غدرتك» ويقال في الجمع يالغدر، وغدرت اللّيلة بالكسر تغدر غدرا، أي أظلمت، فهي غدرة، وأغدرت فهي مغدرة. ويقول الرّاغب: والغدر يقال لترك العهد، ومنه قيل فلان غادر، وجمعه غدرة، وغدّار، كثير الغدر. وغدر الرّجل غدرا وغدرانا، وقالوا: الذّئب غادر، أي لا عهد له، كما قالوا الذّئب فاجر. والمغادرة: التّرك، وأغدر الشّيء، تركه وبقّاه، والغدرة: ما أغدر من شيء وهي الغدارة. وقال ابن منظور: الغدر ضدّ الوفاء بالعهد. وقال غيره: الغدر ترك الوفاء. غدره وغدر به يغدر غدرا. تقول: غدر إذا نقض العهد، ورجل غادر وغدّار وغدير وغدور، وكذلك الأنثى بغير هاء، وغدر، وأكثر ما يستعمل هذا في النّداء في الشّتم يقال: يا غدر ويقال في الجمع: يالغدر. وفي حديث الحديبية؛ قال عروة بن مسعود للمغيرة: يا غدر، وهل غسلت غدرتك إلّا بالأمس؟ قال ابن الأثير: غدر معدول عن غادر للمبالغة، ويقال للذّكر غدر والأنثى غدار كقطام، وهما مختصّان بالنّداء في الغالب؛ ومنه حديث عائشة: قالت للقاسم: اجلس غدر أي يا غدر فحذفت حرف النّداء. وفي الحديث: بين يدي السّاعة سنون غدّارة يكثر المطر ويقلّ النّبات. هي فعّالة من الغدر أي تطمعهم في الخصب بالمطر ثمّ تخلف فجعل ذلك غدرا منها «١» . الغدر اصطلاحا: قال الجاحظ: هو الرّجوع عمّا يبذله الإنسان من نفسه ويضمن الوفاء به، وهو خلق مستقبح، وإن كان يصاحبه فيه منفعة، وهو بالملوك والرّؤساء أقبح، ولهم أضرّ «٢» . وقال المناويّ: الغدر: نقض العهد والإخلال بالشّيء وتركه «٣» .

стр. 5748

حكم الغدر: عدّ الإمام ابن حجر الغدر ضمن الكبائر، وقد عدّ معه القتل والظّلم لمن له أمان أو ذمّة أو عهد، وقال: عدّ هذه الثّلاثة هو صريح الأحاديث وهو ظاهر، وبه قدح بعضهم فى قتل المعاهد وعدّه في الغدر، وقد جاء عن عليّ- ﵁ أنّه عدّ من الكبائر نكث الصفقة أي الغدر بالمعاهد «١» . وإلى مثل هذا ذهب الإمام الذّهبيّ فعدّ الغدر وعدم الوفاء بالعهد الكبيرة الخامسة والأربعين، وذكر من الشّواهد القرآنية والأحاديث ما يؤيّد ذلك «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الخيانة- الجحود العدوان- نقض العهد- اللؤم- شهادة الزور- النفاق. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الوفاء- الصدق المسئولية- الأمانة- إقامة الشهادة] . الآيات الواردة في (الغدر) معنى انظر: صفة (نقض العهد)

стр. 5749

الأحاديث الواردة في ذمّ (الغدر) ١-* (عن عوف بن مالك- ﵁ قال: أتيت النّبيّ ﷺ في غزوة تبوك- وهو في قبّة من أدم- فقال: «اعدد ستّا بين يدي السّاعة: موتي ثمّ فتح بيت المقدس، ثمّ موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم، ثمّ استفاضة المال حتّى يعطى الرّجل مائة دينار فيظلّ ساخطا، ثمّ فتنة لا يبقى بيت من العرب إلّا دخلته، ثمّ هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كلّ غاية اثنا عشر ألفا» ) * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» ) * «٢» . ٣-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ أنّ أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه. قال: انطلقت في المدّة الّتي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ «٣» قال: فبينا أنا بالشّام إذ جئ بكتاب من رسول الله ﷺ إلى هرقل- يعني عظيم الرّوم- قال: وكان دحية «٤» الكلبيّ جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى «٥» ، فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. فقال هرقل: هل هاهنا أحد من قوم هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟ قالوا: نعم. قال فدعيت في نفر من قريش. فدخلنا على هرقل. فأجلسنا بين يديه فقال: أيّكم أقرب نسبا من هذا الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا. فأجلسوني بين يديه، وأجلسوا أصحابي خلفي. ثمّ دعا بترجمانه «٦» : فقال له: قل لهم إنّي سائل هذا عن الرّجل الّذي يزعم أنّه نبيّ. فإن كذبني فكذّبوه، قال: فقال أبو سفيان: وايم الله لولا مخافة أن يؤثر عليّ الكذب «٧» لكذبت. ثمّ قال لترجمانه: سله. كيف حسبه فيكم؟ قال قلت: هو فينا

стр. 5750

ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: ومن يتّبعه؟ أشراف النّاس «١» أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قال قلت: لا. بل يزيدون. قال: هل يرتدّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قال: قلت: لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إيّاه؟ قال قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالا «٢» ؛ يصيب منّا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو صانع فيها. قال: فو الله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قال قلت: لا. قال لترجمانه: قل له: إنّي سألتك عن حسبه فزعمت أنّه فيكم ذو حسب. وكذلك الرّسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرّسل. وسألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا. فقد عرفت أنّه لم يكن ليدع الكذب على النّاس ثمّ يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتدّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أن لا. وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب «٣» . وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنّهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتّى يتمّ. وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنّكم قد قاتلتموه فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا. ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرّسل تبتلى «٤» ثمّ تكون لهم العاقبة. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أن لا. وكذلك الرّسل لا تغدر. وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله، قلت رجل ائتمّ بقول قيل قبله. قال: ثمّ قال: بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّلة والعفاف «٥» ، قال: إن يكن ما تقول فيه

стр. 5751

حقّا فإنّه نبيّ. وقد كنت أعلم أنّه خارج، ولم أكن أظنّه منكم. ولو أنّي أعلم أنّي أخلص إليه، لأحببت لقاءه. ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. وليبلغنّ ملكه ما تحت قدميّ. قال: ثمّ دعا بكتاب رسول الله ﷺ «١» فقرأه. فإذا فيه «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمّد رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام «٢» أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، وإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيّين «٣» قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. (آل عمران/ ٦٤) » فلمّا فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللّغط «٤» . وأمر بنا فأخرجنا. قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة «٥» إنّه ليخافه ملك بني الأصفر «٦» . قال: فما زلت موقنا

стр. 5752

بأمر رسول الله ﷺ أنّه سيظهر حتّى أدخل الله عليّ الإسلام» ) * «١» . ٤-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رعلا وذكوان وعصيّة وبني لحيان استمدّوا رسول الله ﷺ على عدوّ، فأمدّهم بسبعين من الأنصار- كنّا نسمّيهم القرّاء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنّهار، ويصلّون باللّيل- حتى كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم فبلغ النّبيّ ﷺ فقنت شهرا يدعو في الصّبح على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصيّة وبني لحيان. قال أنس: فقرأنا فيهم قرآنا ثمّ إنّ ذلك رفع: «بلّغوا عنّا قومنا، أنّا لقينا ربّنا فرضي عنّا وأرضانا. وعن قتادة عن أنس بن مالك حدّثه: «أنّ نبيّ الله ﷺ قنت شهرا في صلاة الصّبح يدعو على أحياء من أحياء العرب: على رعل وذكوان وعصيّة وبني لحيان» . زاد خليفة: «حدّثنا ابن زريع حدّثنا سعيد عن قتادة حدّثنا أنس أنّ أولئك السّبعين من الأنصار قتلوا ببئر معونة» ) * «٢» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: إنّ ناسا قالوا لرسول الله ﷺ : يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ : «هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر «٣» ؟» قالوا: لا يا رسول الله. قال «هل تضارّون في الشّمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا يا رسول الله، قال: «فإنّكم ترونه كذلك «٤» . يجمع الله النّاس يوم القيامة. فيقول: من كان يعبد شيئا فليتّبعه. فيتّبع من كان يعبد الشّمس الشّمس. ويتّبع من كان يعبد القمر القمر. ويتّبع من كان يعبد الطّواغيت «٥» الطّواغيت. وتبقى هذه الأمّة فيها منافقوها. فيأتيهم الله ﵎، في صورة غير صورته الّتي يعرفون. فيقول أنا ربّكم. فيقولون: نعوذ بالله منك. هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا.

стр. 5753

فإذا جاء ربّنا عرفناه. فيأتيهم الله تعالى في صورته الّتي يعرفون. فيقول أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربّنا فيتّبعونه. ويضرب الصّراط بين ظهري جهنّم «١» فأكون أنا وأمّتي أوّل من يجيز «٢» . ولا يتكلّم يومئذ إلّا الرّسل ودعوى الرّسل يومئذ: اللهمّ سلّم، سلّم. وفي جهنّم كلاليب مثل شوك السّعدان «٣» . هل رأيتم السّعدان؟» قالوا: نعم. يا رسول الله. قال: «فإنّها مثل شوك السّعدان، غير أنّه لا يعلم ما قدر عظمها إلّا الله، تخطف النّاس بأعمالهم. فمنهم المؤمن بقي بعمله «٤» ، ومنهم المجازى حتّى ينجّى. حتّى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النّار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النّار من كان لا يشرك بالله شيئا، ممّن أراد الله تعالى أن يرحمه ممّن يقول لا إله إلّا الله. فيعرفونهم في النّار. يعرفونهم بأثر السّجود. تأكل النّار من ابن آدم إلّا أثر السّجود. حرّم الله على النّار أن تأكل أثر السّجود. فيخرجون من النّار وقد امتحشوا «٥» فيصبّ عليهم ماء الحياة، فينبتون منه «٦» كما تنبت الحبّة في حميل السّيل «٧» . ثمّ يفرغ الله تعالى من القضاء بين العباد. ويبقى رجل مقبل بوجهه على النّار. وهو آخر أهل الجنّة دخولا الجنّة. فيقول: أي ربّ، اصرف وجهي عن النّار. فإنّه قد قشبني «٨» ريحها وأحرقني ذكاؤها. فيدعو الله ما شاء الله أن يدعوه. ثمّ يقول الله ﵎: هل عسيت «٩» إن فعلت ذلك بك

стр. 5754

أن تسأل غيره؟ فيقول: لا أسألك غيره. ويعطي ربّه من عهود ومواثيق ما شاء الله. فيصرف الله وجهه عن النّار. فإذا أقبل على الجنّة ورآها سكت ما شاء الله أن يسكت. ثمّ يقول: أي ربّ، قدّمني إلى باب الجنّة، فيقول الله له: أليس قد أعطيت عهو دك ومواثيقك لا تسألني غير الّذي أعطيتك؟ ويلك يابن آدم ما أغدرك فيقول: أي ربّ، ويدعو الله حتّى يقول له: فهل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسأل غيره؟ فيقول: لا وعزّتك، فيعطي ربّه ما شاء الله من عهود ومواثيق. فيقدّمه إلى باب الجنّة. فإذا قام على باب الجنّة انفهقت «١» له الجنّة. فرأى ما فيها من الخير والسّرور. فيسكت ما شاء الله أن يسكت ثمّ يقول: أي ربّ أدخلني الجنّة. فيقول الله ﵎ له: أليس قد أعطيت عهودك ومواثيقك أن لا تسأل غير ما أعطيت؟ ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك. فيقول: أي ربّ لا أكون أشقى خلقك. فلا يزال يدعو الله حتّى يضحك الله ﵎ منه. فإذا ضحك الله منه، قال ادخل الجنّة. فإذا دخلها قال الله له: تمنّه. فيسأل ربّه ويتمنّى. حتّى إنّ الله ليذكره من كذا «٢» وكذا. حتّى إذا انقطعت به الأمانيّ. قال الله تعالى: ذلك لك ومثله معه. قال أبو هريرة: وذلك الرّجل آخر أهل الجنّة دخولا الجنّة) * «٣» . ٦-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ قال: أهدي للنّبيّ ﷺ عنب من الطّائف فدعاني فقال: «خذ هذا العنقود فأبلغه أمّك» فأكلته قبل أن أبلغه إيّاها. فلمّا كان بعد ليال قال لي: «ما فعل العنقود؟ هل أبلغته أمّك؟» قلت: لا. قال: «فسمّاني غدر» ) * «٤» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «قال الله «٥» : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثمّ غدر، ورجل باع حرّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره) * «٦» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: «بعث رسول الله ﷺ عشرة عينا وأمّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاريّ جدّ عاصم بن عمر بن الخطّاب، حتّى إذا كانوا بالهدة بين عسفان ومكّة ذكروا لحيّ من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام، فاقتصّوا آثارهم حتّى وجدوا مأكلهم التّمر في منزل نزلوه، فقالوا: تمر يثرب، فاتّبعوا آثارهم. فلمّا حسّ بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى موضع، فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا

стр. 5755

فأعطوا بأيديكم، ولكم العهد والميثاق أن لا نقتل منكم أحدا. فقال عاصم بن ثابت: أيّها القوم. أمّا أنا فلا أنزل في ذمّة كافر، ثمّ قال: اللهمّ أخبر عنّا نبيّك ﷺ : فرموهم بالنّبل فقتلوا عاصما، ونزل إليهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق. منهم خبيب وزيد بن الدّثنة ورجل آخر. فلمّا استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيّهم فربطوهم بها. قال الرّجل الثّالث: هذا أوّل الغدر. والله لا أصحبكم؛ إنّ لي بهؤلاء أسوة. يريد القتلى فجرّروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم. فانطلق بخبيب وزيد بن الدّثنة حتّى باعوهما بعد وقعة بدر، فابتاع بنو الحارث بن عامر بن نوفل خبيبا- وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيرا حتّى أجمعوا قتله- فاستعار من بعض بنات الحارث موسى يستحدّ بها، فأعارته، فدرج بنيّ لها وهي غافلة حتّى أتاه، فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده. قالت: ففزعت فزعة عرفها خبيب. فقال: أتخشين أن أقتله؟. ما كنت لأفعل ذلك. قالت: والله ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب، والله لقد وجدته يوما يأكل قطفا من عنب في يده وإنّه لموثق بالحديد، وما بمكّة من ثمرة- وكانت تقول: إنّه لرزق رزقه الله خبيبا- فلمّا خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحلّ قال لهم خبيب: دعوني أصلّي ركعتين فتركوه فركع ركعتين فقال: لولا أن تحسبوا أنّ ما بي جزع لزدت، ثمّ قال: اللهمّ أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تبق منهم أحدا. ثمّ أنشأ يقول: فلست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع ثمّ قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله. وكان خبيب هو سنّ لكلّ مسلم قتل صبرا الصّلاة. وأخبر- يعني النّبيّ ﷺ أصحابه يوم أصيبوا خبرهم. وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت وحين حدّثوا أنّه قتل- أن يؤتوا بشيء منه يعرف، وكان قتل رجلا عظيما من عظمائهم فبعث الله لعاصم مثل الظّلّة من الدّبر «١» فحمته من رسلهم، فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئا» ) * «٢» . ٩-* (عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا وساق معه الهدي سبعين بدنة وكان النّاس سبعمائة رجل فكانت كلّ بدنة عن عشرة، قال: وخرج رسول الله ﷺ حتّى إذا كان بعسفان لقيه بشر بن سفيان الكعبيّ فقال يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجت معها العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود النّمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا، وهذا خالد بن

стр. 5756

الوليد في خيلهم قد قدموا إلى كراع الغميم. فقال رسول الله ﷺ : «يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر النّاس؛ فإن أصابوني كان الّذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وهم وفرون، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة؟ فماذا تظنّ قريش؟ والله إنّي لا أزال أجاهدهم على الّذي بعثني الله له حتّى يظهره الله، أو تنفرد هذه السّالفة» ، ثمّ أمر النّاس فسلكوا ذات اليمين بين ظهري الحمض على طريق تخرجه على ثنيّة المرار والحديبية من أسفل مكّة. قال فسلك بالجيش تلك الطّريق؛ فلمّا رأت خيل قريش قترة الجيش قد خالفوا عن طريقهم نكصوا راجعين إلى قريش فخرج رسول الله ﷺ حتّى إذا سلك ثنيّة المرار بركت ناقته فقال النّاس خلأت. فقال رسول الله ﷺ ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكّة. والله لا تدعوني قريش اليوم إلى خطّة يسألوني فيها صلة الرّحم إلّا أعطيتهم إيّاها. ثمّ قال للنّاس انزلوا. فقالوا يا رسول الله ما بالوادي من ماء ينزل عليه النّاس. فأخرج رسول الله ﷺ سهما من كنانته فأعطاه رجلا من أصحابه فنزل في قليب من تلك القلب فغرزه فجاش بالماء بالرّواء حتّى ضرب النّاس عنه بعطن، فلمّا اطمأنّ رسول الله ﷺ إذا بديل بن ورقاء في رجال من خزاعة، فقال لهم كقوله لبشير بن سفيان. فرجعوا إلى قريش فقالوا: يا معشر قريش إنّكم تعجلون على محمّد، وإنّ محمّدا لم يأت لقتال إنّما جاء زائرا لهذا البيت معظّما لحقّه. فاتّهموهم. قال محمّد- يعني ابن إسحاق- قال الزّهريّ: وكانت خزاعة في عيبة رسول الله ﷺ مسلمها ومشركها لا يخفون على رسول الله ﷺ شيئا كان بمكّة. قالوا وإن كان إنّما جاء لذلك. فلا والله لا يدخلها أبدا علينا عنوة. ولا تتحدّث بذلك العرب، ثمّ بعثوا إليه مكرز ابن حفص بن الأخيف أحد بني عامر بن لؤيّ فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ كلّمه رسول الله ﷺ بنحو ممّا كلّم به أصحابه. ثمّ رجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله ﷺ . قال: فبعثوا إليه الحلس بن علقمة الكنانيّ. وهو يومئذ سيّد الأحابيش- فلمّا رآه رسول الله ﷺ قال: «هذا من قوم يتألّهون فابعثوا الهدي في وجهه» فبعثوا في وجهه الهدي. فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محلّه رجع ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما رأى. فقال: يا معشر قريش قد رأيت ما لا يحلّ صدّه. الهدي في قلائده قد أكل أوتاره من طول الحبس عن محلّه، فقالوا: اجلس إنّما أنت أعرابيّ لا علم لك. فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثّقفيّ فقال: يا معشر قريش إنّي قد رأيت ما يلقى منكم من تبعثون إلى محمّد إذا جاءكم من التّعنيف وسوء اللّفظ، وقد عرفتم أنّكم والد وإنّي ولد، وقد سمعت بالّذي نابكم فجمعت من أطاعني من قومي ثمّ جئت حتّى آسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتّهم. فخرج حتّى أتى رسول الله ﷺ فجلس بين يديه فقال: يا محمّد جمعت أوباش النّاس ثمّ جئت بهم لبيضتك لتفضّها. إنّها قريش قد خرجت معها العوذ

стр. 5757

المطافيل. قد لبسوا جلود النّمور يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبدا. وايم الله لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا. قال: وأبوبكر الصّدّيق- رضي الله تعالى عنه- خلف رسول الله ﷺ قاعد فقال: امصص بظر اللّات. أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمّد؟ قال: هذا ابن أبي قحافة. قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بها. ثمّ تناول لحية رسول الله ﷺ والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسول الله ﷺ في الحديد- قال يقرع يده ثمّ قال: امسك يدك عن لحية رسول الله ﷺ قبل- والله- لا تصل إليك. قال: ويحك ما أفظّك وأغلظك؟ قال: فتبسّم رسول الله ﷺ . قال: من هذا يا محمّد؟ قال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال؟ أغدر. هل غسلت سوأتك إلّا بالأمس؟ قال: فكلّمه رسول الله ﷺ بمثل ما كلّم به أصحابه فأخبره أنّه لم يأت يريد حربا. قال: فقام من عند رسول الله ﷺ وقد رأى ما يصنع به أصحابه: لا يتوضّأ وضوءا إلّا ابتدروه، ولا يبسق بساقا إلّا ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلّا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال: يا معشر قريش إنّي جئت كسرى في ملكه وجئت قيصر والنّجاشيّ في ملكهما، والله ما رأيت ملكا قطّ مثل محمّد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم. قال: وقد كان رسول الله ﷺ ، قبل ذلك بعث خراش بن أميّة الخزاعيّ إلى مكّة وحمله على جمل له يقال له الثّعلب، فلمّا دخل مكّة عقرت به قريش وأرادوا قتل خراش فمنعهم الأحابيش حتّى أتى رسول الله ﷺ فدعا عمر ليبعثه إلى مكّة فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشا على نفسي وليس بها من بني عديّ أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها، ولكن أدلّك على رجل هو أعزّ منّي، عثمان بن عفّان. قال: فدعاه رسول الله ﷺ فبعثه إلى قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وأنّه جاء زائرا لهذا البيت معظّما لحرمته. فخرج عثمان حتّى أتى مكّة، ولقيه أبان بن سعيد بن العاص فنزل عن دابّته، وحمله بين يديه وردف خلفه، وأجاره حتّى بلّغ رسالة رسول الله ﷺ . فانطلق عثمان حتّى أتى أبا سفيان وعظماء قريش فبلّغهم عن رسول الله ﷺ ما أرسله به. فقالوا لعثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به. فقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله ﷺ . قال فاحتبسته قريش عندها فبلغ رسول الله والمسلمين أنّ عثمان قد قتل. قال محمّد: فحدّثني الزّهريّ أنّ قريشا بعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤيّ، فقالوا: ائت محمّدا فصالحه، ولا يكون في صلحه إلّا أن يرجع عنّا عامه هذا، فو الله لا تتحدّث العرب أنّه دخلها علينا عنوة أبدا. فأتاه سهيل ابن عمرو فلمّا رآه النّبيّ ﷺ قال: قد أراد القوم الصّلح حين بعثوا هذا الرّجل. فلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ تكلّما، وأطالا الكلام، وتراجعا حتّى جرى بينهما الصّلح. فلمّا التأم الأمر، ولم يبق إلّا الكتاب وثب عمر ابن الخطّاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبابكر أو ليس برسول الله ﷺ أو لسنا بالمسلمين أو ليسوا بالمشركين؟ قال بلى. قال فعلام نعطي الذّلّة في ديننا؟ فقال أبو بكر: يا عمر الزم غرزه حيث كان؛ فإنّي أشهد أنّه

стр. 5758

رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد، ثمّ أتى رسول الله فقال يا رسول الله أو لسنا بالمسلمين أو ليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» قال فعلام نعطي الذّلّة في ديننا؟ فقال: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيّعني» . ثمّ قال عمر ما زلت أصوم وأتصدّق وأصلّي وأعتق من الّذي صنعت مخافة كلامي الّذي تكلّمت به يومئذ حتّى رجوت أن يكون خيرا. قال ودعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب فقال له رسول الله ﷺ : «اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم» . فقال سهيل بن عمرو: لا أعرف هذا، ولكن اكتب باسمك اللهمّ. فقال له رسول الله ﷺ : «اكتب باسمك اللهمّ هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو» . فقال سهيل بن عمرو: لو شهدت أنّك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها النّاس، ويكفّ بعضهم عن بعض على أنّه من أتى رسول الله ﷺ من أصحابه بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن أتى قريشا ممّن مع رسول الله ﷺ لم يردّوه عليه، وإنّ بيننا عيبة مكفوفة إنّه لا إسلال ولا إغلال، وكان في شرطهم حين كتبوا الكتاب أنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه فتواثبت خزاعة فقالوا: نحن مع عقد رسول الله ﷺ وعهده، وتواثبت بنوبكر فقالوا ... في عقد قريش وعهدهم وإنّك ترجع عنّا عامنا هذا فلا تدخل علينا مكّة، وإنّه إذا كان عام قابل خرجنا عنك فتدخلها بأصحابك، وأقمت فيهم ثلاثا معك سلاح الرّاكب لا تدخلها بغير السّيوف في القرب. فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب إذ جاءه أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد قد انفلت إلى رسول الله ﷺ . قال: وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ . فلمّا رأوا من الصّلح والرّجوع وما تحمّل رسول الله ﷺ على نفسه دخل النّاس من ذلك أمر عظيم حتّى كادوا أن يهلكوا. فلمّا رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه، ثمّ قال يا محمّد: قد لجّت القضيّة بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا. قال: صدقت. فقام إليه فأخذ بتلبيبه «١» قال: وصرخ أبو جندل بأعلى صوته يا معاشر المسلمين: أتردونني إلى أهل الشّرك فيفتنوني فى ديني؟ قال: فزاد النّاس شرّا إلى ما بهم. فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا جندل: اصبر واحتسب؛ فإنّ الله- جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا. إنّا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا فأعطيناهم على ذلك وأعطونا عليه عهدا، وإنّا لن نغدر بهم» قال فوثب إليه عمر بن الخطّاب مع أبي جندل فجعل يمشي إلى جنبه وهو يقول: اصبر أبا جندل فإنّما هم المشركون، وإنّما دم أحدهم دم كلب. قال: ويدني قائم السّيف منه قال: يقول رجوت أن يأخذ السّيف

стр. 5759

فيضرب به أباه. قال: فضنّ الرّجل بأبيه، ونفذت القضيّة فلمّا فرغا من الكتاب وكان رسول الله ﷺ يصلّي في الحرم وهو مضطرب في الحلّ قال: فقام رسول الله ﷺ فقال: «يا أيّها النّاس انحروا واحلقوا» . قال: فما قام أحد. قال: ثمّ عاد بمثلها فما قام رجل حتّى عاد بمثلها فما قام رجل، فرجع رسول الله ﷺ فدخل على أمّ سلمة فقال: «يا أمّ سلمة ما شأن النّاس؟» . قالت: يا رسول الله قد دخلهم ما قد رأيت فلا تكامن منهم إنسانا. واعمد إلى هديك حيث كان فانحره واحلق فلو قد فعلت ذلك فعل النّاس ذلك. فخرج رسول الله ﷺ لا يكلّم أحدّا حتّى أتى هديه فنحره، ثمّ جلس فحلق فقام النّاس ينحرون ويحلقون. قال: حتّى إذا كان بين مكّة والمدينة في وسط الطّريق فنزلت سورة الفتح» ) * «١» . ١٠-* (عن بريدة- ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرا على جيش أو سريّة «٢» ، أوصاه في خاصّته «٣» بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا. ثمّ قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلّوا «٤» ، ولا تغدروا «٥» ، ولا تمثّلوا «٦» ، ولا تقتلوا وليدا «٧» ، وإذا لقيت عدوّك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) . فأيّتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم. ثمّ ادعهم إلى الإسلام «٨» ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم، ثمّ ادعهم إلى التّحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنّهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين. فإن أبوا أن يتحوّلوا منها فأخبرهم أنّهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الّذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلّا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا فسلهم الجزية. فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكفّ عنهم. فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمّة الله «٩» وذمّة نبيّه فلا تجعل لهم ذمّة الله ولا ذمّة نبيّه، ولكن اجعل لهم ذمّتك وذمّة أصحابك، فإنّكم أن تخفروا «١٠» ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمّة الله وذمّة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن

стр. 5760

تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك فإنّك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا» ) * «١» . ١١-* (عن أبي سعيد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لكلّ غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره. ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامّة» ) * «٢» . ١٢-* (عن نافع قال: لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إنّي سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «ينصب لكلّ غادر لواء يوم القيامة، وإنّا قد بايعنا هذا الرّجل على بيع الله ورسوله، وإنّي لا أعلم أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثمّ ينصب له القتال، وإنّي لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايع في هذا الأمر إلّا كانت الفيصل بيني وبينه» ) * «٣» . ١٣-* (عن جابر- ﵁ قال: لمّا رجعت إلى رسول الله ﷺ مهاجرة البحر قال: «ألا تحدّثوني بأعاجيب ما رأيتم بأرض الحبشة؟» قال فتية منهم: بلى يا رسول الله! بينا نحن جلوس، مرّت بنا عجوز من عجائز رهابينهم تحمل على رأسها قلّة من ماء. فمرّت بفتى منهم. فجعل إحدى يديه بين كتفيها، ثمّ دفعها: فخرّت على ركبتيها. فانكسرت قلّتها. فلمّا ارتفعت التفتت إليه فقالت: سوف تعلم، يا غدر إذا وضع الله الكرسيّ، وجمع الأوّلين والآخرين، وتكلّمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، فسوف تعلم كيف أمري وأمرك، عنده غدا. قال: يقول رسول الله ﷺ : «صدقت. صدقت. كيف يقدّس الله أمّة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم» ) * «٤» . ١٤-* (عن رفاعة بن شدّاد القتبانيّ قال: لولا كلمة سمعتها من عمرو بن الحمق الخزاعيّ لمشيت فيما بين رأس المختار وجسده. سمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : «من أمّن رجلا على دمه فقتله فإنّه يحمل لواء غدر يوم القيامة» ) * «٥» .

стр. 5761

الأحاديث الواردة في ذمّ (الغدر) معنى ١٥-* (عن صفوان بن سليم عن عدّة من أبناء أصحاب رسول الله ﷺ عن آبائهم دنية «١» عن رسول الله ﷺ قال: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه، أو كلّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة» ) * «٢» . ١٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ألا من قتل نفسا معاهدا له ذمّة الله وذمّة رسوله فقد أخفر بذمّة الله فلا يرح رائحة الجنّة، وإنّ ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا» ) * «٣» . ١٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ رهطا من عكل ثمانية قدموا على النّبيّ ﷺ فاجتووا المدينة «٤» فقالوا يا رسول الله: أبغنا رسلا. قال: «ما أجد لكم إلّا أن تلحقوا بالذّود «٥» . فانطلقوا فشربوا من أبوالها وألبانها حتّى صحّوا وسمنوا، وقتلوا الرّاعي، واستاقوا الذّود، وكفروا بعد إسلامهم. فأتى الصّريخ النّبيّ ﷺ فبعث الطّلب فما ترجّل النّهار حتّى أتي بهم فقطّع أيديهم وأرجلهم، ثمّ أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها وطرحهم بالحرّة «٦» يستسقون فما يسقون حتّى ماتوا» . قال أبو قلابة: قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله ﷺ وعاثوا في الأرض فسادا) * «٧» . ١٨-* (عن عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ أنّ كفّار قريش كتبوا إلى ابن أبيّ ومن كان يعبد معه الأوثان من الأوس، والخزرج- ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة- قبل وقعة بدر-: إنّكم آويتم صاحبنا، وإنّا نقسم بالله لتقاتلنّه أو لتخرجنه أو لنسيرنّ إليكم بأجمعنا حتّى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم فلمّا بلغ ذلك عبد الله بن أبيّ ومن كان معه من عبدة الأوثان، اجتمعوا لقتال النّبيّ ﷺ . فلمّا بلغ ذلك النّبيّ ﷺ لقيهم فقال: «لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ. ما كانت تكيدكم بأكثر ممّا تريدون أن تكيدوا به أنفسكم. تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم؟» . فلمّا سمعوا ذلك من النّبيّ ﷺ تفرّقوا. فبلغ ذلك كفّار قريش، فكتبت كفّار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنّكم أهل الحلقة «٨» والحصون، وإنّكم لتقاتلنّ صاحبنا، أو لنفعلنّ كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء- وهي الخلاخيل- فلمّا بلغ كتابهم النّبيّ ﷺ أجمعت بنو النّضير بالغدر، فأرسلوا

стр. 5762

إلى رسول الله ﷺ : اخرج إلينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منّا ثلاثون حبرا حتّى نلتقي- بمكان المنصف فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنّا بك، فقصّ خبرهم. فلمّا كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب فحصرهم فقال لهم: «إنّكم والله لا تأمنون عندي إلّا بعهد تعاهدوني عليه» فأبوا أن يعطوه عهدا، فقاتلهم يومهم ذلك، ثمّ غدا على بني قريظة بالكتائب، وترك بني النّضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه فانصرف عنهم، وغدا على بني النّضير بالكتائب فقاتلهم حتّى نزلوا على الجلاء. فجلت بنو النّضير، واحتملوا ما أقلّت الإبل من أمتعتهم، وأبواب بيوتهم وخشبها، فكان نخل بني النّضير لرسول الله ﷺ خاصّة. أعطاه الله إيّاها، وخصّه بها، فقال: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ يقول: بغير قتال. فأعطى النّبيّ ﷺ . أكثرها للمهاجرين، وقسّمها بينهم، وقسم منها لرجلين من الأنصار، وكانا ذوي حاجة. لم يقسم لأحد من الأنصار غيرهما، وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ الّتي في أيدي بني فاطمة ﵂» ) * «١» . ١٩-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قاتل أهل خيبر فغلب على النّخل والأرض، وألجأهم إلى قصرهم، فصالحوه على أنّ لرسول الله ﷺ الصّفراء، والبيضاء، والحلقة، ولهم ما حملت ركابهم، على أن لا يكتموا ولا يغيّبوا شيئا. فإن فعلوا فلا ذمّة لهم، ولا عهد، فغيّبوا مسكا «٢» لحييّ بن أخطب- وقد كان قتل قبل خيبر- كان احتمله معه يوم بني النّضير، حين أجليت النّضير. فيه حليّهم. قال: فقال النّبيّ ﷺ لسعية: «أين مسك حييّ بن أخطب» ؟ قال: أذهبته الحروب والنّفقات. فوجدوا المسك. فقتل ابن أبي الحقيق وسبى نساءهم وذراريهم. وأراد أن يجليهم فقالوا: يا محمّد. دعنا نعمل في هذه الأرض. ولنا الشّطر ما بدا لك، ولكم الشّطر، وكان رسول الله ﷺ يعطي كلّ امرأة من نسائه ثمانين وسقا من تمر، وعشرين وسقا من شعير» ) * «٣» . ٢٠-* (عن عمران بن حصين- ﵄ قال: قال النّبيّ ﷺ : «خيركم قرني، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» - قال عمران: لا أدري أذكر النّبيّ ﷺ بعد قرنين أو ثلاثة- قال النّبيّ ﷺ : «إنّ بعدكم قوما يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السّمن «٤» » ) * «٥» .

стр. 5763

٢١-* (عن عبد الرّحمن بن عوف- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: شهدت حلف المطيّبين مع عمومتي وأنا غلام فما أحبّ أنّ لي حمر النّعم وأنّي أنكثه» قال الزّهريّ قال رسول الله ﷺ : «لم يصب الإسلام حلفا إلّا زاده شدّة، ولا حلف في الإسلام» وقد ألّف رسول الله ﷺ بين قريش والأنصار) * «١» . ٢٢-* (عن سلمة بن الأكوع- ﵁ قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها. قال: فقعد رسول الله ﷺ على جبا الرّكيّة «٢» ، فإمّا دعا وإمّا بسق «٣» فيها. قال: فجاشت «٤» . فسقينا واستقينا. قال: ثمّ إنّ رسول الله ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشّجرة. قال: فبايعته أوّل النّاس، ثمّ بايع وبايع. حتّى إذا كان في وسط من النّاس قال: «بايع يا سلمة!» قال قلت: قد بايعتك يا رسول الله ﷺ عزلا «٥» (يعني ليس معه سلاح) . قال فأعطاني رسول الله ﷺ حجفة أو درقة «٦» . ثمّ بايع حتّى إذا كان في آخر النّاس قال: «ألا تبايعني يا سلمة؟» قال: قلت: قد بايعتك يا رسول الله في أوّل النّاس، وفي أوسط النّاس. قال: «وأيضا» قال: فبايعته الثّالثة. ثمّ قال لي: «يا سلمة! أين حجفتك أو درقتك الّتي أعطيتك؟» قال قلت: يا رسول الله! لقيني عمّي عامر عزلا فأعطيته إيّاها. قال: فضحك رسول الله ﷺ وقال: «إنّك كالّذي قال الأوّل «٧» : اللهمّ! أبغني «٨» حبيبا هو أحبّ إليّ من نفسي» . ثمّ إنّ المشركين راسلونا «٩» الصّلح. حتّى مشى بعضنا في بعض «١٠» . واصطلحنا. قال: وكنت تبيعا لطلحة «١١» بن عبيد الله. أسقي فرسه، وأحسّه «١٢» وأخدمه. وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجرا إلى الله ورسوله ﷺ . قال: فلمّا اصطلحنا- نحن وأهل مكّة- واختلط بعضنا ببعض أتيت شجرة فكسحت شوكها «١٣»

стр. 5764

فاضطّجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكّة فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ فأبغضتهم، فتحوّلت إلى شجرة أخرى، وعلّقوا سلاحهم، واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: ياللمهاجرين! قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي «١» ثمّ شددت «٢» على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثا «٣» في يدي. قال: ثمّ قلت: والّذي كرّم وجه محمّد لا يرفع أحد منكم رأسه إلّا ضربت الّذي فيه عيناه «٤» . قال: ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ . قال: وجاء عمّي عامر برجل من العبلات «٥» يقال له مكرز. يقوده إلى رسول الله ﷺ على فرس مجفّف «٦» في سبعين من المشركين فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: «دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه «٧» » . فعفا عنهم رسول الله ﷺ . وأنزل الله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (الفتح/ ٢٤) الآية كلّها) * «٨» . ٢٣-* (عن سليم بن عامر رجل من حمير قال: كان بين معاوية، وبين الرّوم عهد، وكان يسير نحو بلادهم، حتّى إذا انقضى العهد غزاهم، فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاء لا غدر، فنظروا فإذا عمرو بن عبسة، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشدّ عقدة، ولا يحلّها حتّى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء» فرجع معاوية) * «٩» . ٢٤-* (عن نافع أبي غالب قال: كنت في سكّة المربد فمرّت جنازة معها ناس كثير قالوا: جنازة عبد الله ابن عمير، فتبعتها، فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق على بريذينته «١٠» على رأسه خرقة تقيه من الشّمس، فقلت: من هذا الدّهقان؟ قالوا: هذا أنس بن مالك، فلمّا وضعت الجنازة، قام أنس فصلّى عليها، وأنا خلفه لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه، فكبّر أربع تكبيرات، لم يطل ولم يسرع، ثمّ ذهب يقعد. فقالوا: يا أبا حمزة. المرأة الأنصارية. فقرّبوها وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلّى عليها نحو صلاته على الرّجل. ثمّ جلس، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول الله ﷺ يصلّي على الجنازة

стр. 5765

كصلاتك: يكبّر عليها أربعا، ويقوم عند رأس الرّجل، وعجيزة المرأة؟ قال: نعم. قال: يا أبا حمزة. غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم غزوت معه حنينا فخرج المشركون فحملوا علينا حتّى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي القوم رجل يحمل علينا فيدقّنا ويحطمنا، فهزمهم الله، وجعل يجاء بهم فيبايعونه على الإسلام، فقال رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ : إنّ عليّ نذرا إن جاء الله بالرّجل الّذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربنّ عنقه، فسكت رسول الله ﷺ ، وجىء بالرّجل، فلمّا رأى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، تبت إلى الله، فأمسك رسول الله ﷺ ، لا يبايعه ليفي الآخر بنذره. قال: فجعل الرّجل يتصدّى لرسول الله ﷺ ليأمره بقتله، وجعل يهاب رسول الله ﷺ أن يقتله، فلمّا رأى رسول الله ﷺ أنّه لا يصنع شيئا بايعه. فقال الرّجل: يا رسول الله نذري، فقال: «إنّي لم أمسك عنه منذ اليوم إلّا لتوفي بنذرك» فقال: يا رسول الله ألا أومضت إليّ؟ فقال النّبيّ ﷺ : «إنّه ليس لنبيّ أن يومض «١» » ) * «٢» . ٢٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: لمّا فتحت خيبر أهديت للنّبيّ ﷺ شاة فيها سمّ، فقال النّبيّ ﷺ : «اجمعوا لي من كان هاهنا من يهود» فجمعوا له فقال: «إنّي سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقيّ عنه؟» فقالوا: نعم. قال لهم النّبيّ ﷺ : «من أبوكم؟» قالوا: فلان. فقال: «كذبتم، بل أبوكم فلان» . قالوا: «صدقت» . قال: فهل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألت عنه؟» فقالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبنا عرفت كذبنا، كما عرفته في أبينا. فقال لهم: «من أهل النّار؟» قالوا: نكون فيها يسيرا، ثمّ تخلفونا فيها. فقال النّبيّ ﷺ : «اخسأوا فيها. والله لا نخلفكم فيها أبدا» . ثمّ قال: «هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. قال: «هل جعلتم في هذه الشّاة سمّا؟» قالوا: نعم. قال: «ما حملكم على ذلك؟» قالوا: إن كنت كاذبا نستريح، وإن كنت نبيّا لم يضرّك) * «٣» . ٢٦-* (عن عليّ- ﵁ قال: «ما عندنا شيء إلّا كتاب الله وهذه الصّحيفة عن النّبيّ ﷺ : المدينة حرم ما بين عائر إلى كذا. من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. وقال: ذمّة المسلمين واحدة، فمن أخفر «٤» مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل. ومن تولّى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والنّاس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل» . قال أبو عبد الله: عدل: فداء) * «٥» . ٢٧-* (عن عبد الله بن عمرو- رضي الله

стр. 5766

عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ : «المسلمون تتكافأ دماؤهم: يسعى بذمّتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يردّ مشدّهم على مضعفهم، ومتسرّعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» ) * «١» . ٢٨-* (عن ابن عمر- ﵄ يرفعه إلى رسول الله ﷺ : «من أعطى بيعة ثمّ نكثها «٢» لقي الله وليست معه يمينه» ) * «٣» . ٢٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من خرج من الطّاعة، وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهليّة «٤» ، ومن قاتل تحت راية عمّيّة «٥» يغضب لعصبة «٦» ، أو يدعو إلى عصبة. أو ينصر عصبة فقتل فقتلة «٧» جاهليّة، ومن خرج على أمّتي يضرب برّها وفاجرها ولا يتحاش «٨» من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه) * «٩» . ٣٠-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهنّ- وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتّى يعلنوا بها إلّا فشا فيهم الطّاعون، والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلّا سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله إلّا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «١٠» .

стр. 5767

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الغدر) ١-* (عن عديّ بن حاتم قال: أتينا عمر في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا ويسمّيهم. فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى. أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا. فقال عديّ: فلا أبالي إذا) * «١» . ٢-* (عن ابن مسعود- ﵁ في قول النّبيّ ﷺ «من حلف على يمين ... الحديث» قال: فأنزل الله تصديقه إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ... وفي رواية فمرّ الأشعث بن قيس فقال: ما يحدّثكم عبد الله؟ قالوا له. فقال الأشعث: نزلت فيّ وفي صاحب لي في بئر كانت بيننا) * «٢» . ٣-* (عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا هم الحروريّة؟ «٣» قال: لا، هم اليهود والنّصارى، أمّا اليهود فكذّبوا محمّدا ﷺ ، وأمّا النّصارى فكفروا بالجنّة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب، والحروريّة الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعد يسمّيهم الفاسقين) * «٤» . ٤-* (جعل المنصور العهد إلي عيسى بن موسى ثمّ غدر به وأخّره وقدّم المهديّ عليه فقال عيسى: أينسى بنو العبّاس ذبّي عنهم ... بسيفي ونار الحرب زاد سعيرها فتحت لهم شرق البلاد وغربها ... فذلّ معاديها وعزّ نصيرها أقطّع أرحاما عليّ عزيزة ... وأبدي مكيدات لها وأثيرها فلمّا وضعت الأمر في مستقرّه ... ولاحت له شمس تلألأ نورها دفعت عن الأمر الّذي أستحقّه ... وأوسق أوساقا من الغدر عيرها «٥» ٥-* (لمّا حلف محمّد الأمين للمأمون في بيت الله الحرام- وهما وليّا عهد- طالبه جعفر بن يحيى أن يقول: خذلني الله إن خذلته. فقال ذلك ثلاث مرّات. قال الفضل بن الرّبيع: قال لي الأمين في ذلك الوقت عند خروجه من بيت الله: يا أبا العبّاس أجد نفسي أنّ أمري لا يتمّ. فقلت له ولم ذلك أعزّ الله الأمير؟ قال: لأنّي كنت أحلف وأنا أنوي الغدر، وكان كذلك لم يتمّ أمره) * «٦» . ٦-* (قال الأبشيهيّ: «كم أوقع الغدر في المهالك من غادر، وضاقت عليه من موارد الهلكات

стр. 5768

فسيحات المصادر، وطوّقه غدره طوق خزي فهو على فكّه غير قادر» ) * «١» . ٧-* (وقال أيضا: «أيّ سوء أقبح من غدر يسوق إلى النّفاق، وأيّ عار أفضح من نقض العهد إذا عدّت مساوأ الأخلاق» ) * «٢» . ٨-* (أنشدوا: يا واعدا أخلف في وعده ... ما الخلف من سيرة أهل الوفا ما كان ما أظهرت من ودّنا ... إلّا سراجا لاح ثمّ انطفا «٣» . ٩-* (قال الشّاعر: غدرت بأمر كنت أنت جذبتنا ... إليه وبئس الشّيمة الغدر بالعهد «٤» . من مضار (الغدر) (١) الغادر يحمل لواء غدره يوم القيامة خزيا وعارا بين الخلائق. (٢) وهو صفة ذميمة لا يتحلّى بها إلّا فاقد الإيمان من كافر مشرك ويهوديّ ونصرانيّ ومجوسيّ ومن حمل صفتهم. (٣) يكفي الغادر سخطا وغضبا أن يكون الله خصمه يوم القيامة. (٤) الغادر ممقوت من الله والملائكة والنّاس أجمعين. (٥) يحذره النّاس فلا يطمئنّون إلى مخالطته ولا جيرته ولا معاملته. (٦) الغدر دليل على خسّة النّفس وحقارتها. (٧) يعامله الله بعكس مقصوده فلا يتمّ له أمرا.

стр. 5769

الغرور الغرور لغة: مصدر قولهم: غرّه يغرّه، وهو مأخوذ من مادّة (غ ر ر) ، الّتي تدلّ على النّقصان، والمراد نقصان الفطنة، ولهذه المادّة دلالتان أخريان هما: المثال الّذي يطبع عليه السّهام (حتّى تصير على نسق واحد) ومن ذلك: ولدت فلانة أولادها على غرار واحد (أي متشابهين) ، والآخر: العتق والبياض والكرم، ومن ذلك الغرّة، إذ غرّة كلّ شيء أكرمه، والغرّة البياض، ويقال لثلاث ليال من الشّهر: غرّة «١» ، قال ابن فارس، وممّا يقارب هذا (الأصل) الغرارة، وذلك أنّها من كرم الخلق، قد تكون في كلّ كريم، فأمّا (الغرور) المذموم فهو من الأصل الأوّل (أي النّقصان) لأنّه من نقصان الفطنة «٢» ، وذهب الرّاغب إلى أنّ الغرور مأخوذ من «غرّ الثّوب» وهو أثر كسره، يقال: اطو الثّوب على غرّه، قال: وغرّه كذا غرورا كأنّما طواه على غرّه، قال تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (الانفطار/ ٦) المراد: ما خدعك وسوّل لك؟، وقيل: كيف اجترأت عليه ولم تخفه فأضعت ما وجب عليك، وهذا توبيخ وتبكيت للعبد الّذي يأمن مكر الله تعالى «٣» وقال الفيروزآباديّ: الغرّة: الغفلة، وغررته: أصبت غفلته ونلت منه ما أريد، والشّيطان أقوى الغارّين وأخبثهم «٤» ، وقال الجوهريّ: الغرور (يستعمل جمعا) مفرده «غرّ» ، ومن ذلك الغرور: مكاسر الجلد، قال أبو النّجم: حتّى إذا طار من خبيرها ... عن جدد صفر وعن غرورها قال: وغرّ الثّوب كسره الأوّل، قال الأصمعيّ: حدّثني رجل عن رؤبة أنّه عرض عليه ثوب، فنظر إليه وقلّبه ثمّ قال: اطوه على غرّه؛ واغتررت يا رجل: غفلت، واغترّه أي أتاه على غرّة (أي غفلة) منه، واغترّ بالشّيء خدع به، وقال ابن السّكّيت: الغرور (بالفتح) : الشّيطان، والغرور: ما يتغرغر به من الأدوية والغرور (بالضّمّ) ما اغترّ به من متاع الدّنيا، والغرار: النوم القليل، والغرار: نقصان لبن النّاقة، وفي الحديث: «لا غرار في الصّلاة» وهو ألّا يتمّ ركوعها وسجودها، والغرار (أيضا) : الطّريقة، وقولهم: غرّة

стр. 5770

يغرّه غرورا: خدعه، يقال: ما غرّك بفلان؟ أي كيف اجترأت عليه؟، والتّغرير: حمل النّفس على الغرر، وقد غرّر بنفسه تغريرا وتغرّة، كما يقال: حلّل تحليلا وتحلّة، وعلّل تعليلا وتعلّة «١» . أمّا قول الله تعالى: وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (لقمان/ ٣٣) قيل: الغرور الشّيطان، قال الزّجّاج: ويجوز الغرور (بضمّ الغين) ، وقال في تفسيره: الغرور: الأباطيل، ويجوز أن يكون الغرور جمع غارّ مثل شاهد وشهود، والغرور (أيضا) ما اغترّ به من متاع الدّنيا، وفي التّنزيل العزيز فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا (لقمان/ ٣٣) المعنى: إن كان لكم حظّ ينقص من دينكم فلا تؤثروا ذلك الحظّ، والشّيطان غرور لأنّه يغرّ النّاس بالوعد الكاذب والتّمنية، والغرور (أيضا) الأباطيل كأنّها جمع غرّ (مصدر غررته) ، وقيل: المراد بالغرور: زينة الأشياء في الدّنيا، وفي حديث سارق أبي بكر- ﵁ عجبت من غرّة أبي بكر أي اغتراره «٢» ، قال ابن منظور: الغرارة من الغرّ، والغرّة من الغارّ، والتّغرّة من التّغرير، وفي حديث عمر ﵁ أيّما رجل بايع آخر على مشورة فإنّه لا يؤمّر واحد منهما تغرّة أن يقتلا» التغرّة هنا مصدر غررته إذا ألقيته في الغرر، قال الأزهريّ: المعنى لا يبايع الرّجل إلّا بعد مشاورة الملإ من أشراف النّاس واتّفاقهم، ومن بايع غيره عن غير اتّفاق من الملإ لم يؤمّر واحد منهما تغرّة بمكر المؤمّر منهما لئلّا يقتلا أو أحدهما «٣» . الغرور اصطلاحا: قال الجرجانيّ: الغرور: هو سكون النّفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطّبع «٤» . وقال المناويّ نقلا عن الحراليّ: الغرور: هو إخفاء الخدعة في صورة النّصيحة «٥» . وقال الكفويّ: الغرور: هو تزيين الخطإ بأنّه صواب، وقيل: الغرور (والغرر أيضا) ما يكون مجهول العاقبة لا يدرى أيكون أم لا «٦» . أمّا الغرور فهو كلّ ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان وغير ذلك «٧» وقال الكفويّ: كلّ من غرّ شيئا فهو غرور (بالفتح) ، والغرور (بالضّمّ) : الباطل «٨» .

стр. 5771

الفرق بين الجهل والغرور: قال الغزاليّ: الغرور عبارة عن بعض أنواع الجهل، إذ الجهل هو أن يعتقد الشّيء ويراه على خلاف ما هو به، ولكن ليس كلّ جهل غرورا. إذ الغرور يستدعي مغرورا فيه ومغرورا به، وهو الّذي يغرّه، ومهما كان المجتهد المعتقد شيئا يوافق الهوى، وكان السّبب الموجب للجهل شبهة ومخيلة فاسدة يظنّ أنّها دليل، ولا تكون دليلا سمّي الجهل الحاصل به غرورا، فالغرور- كما سبق- هو سكون النّفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطّبع عن شبهة وخدعة من الشّيطان، فمن اعتقد أنّه خير إمّا في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور، وأكثر النّاس يظنّون بأنفسهم الخير وهم مخطئون فيه، فأكثر النّاس على ذلك مغرورون وإن اختلفت أصناف غرورهم واختلفت درجاتهم (فيه) حتّى كان غرور بعضهم أظهر وأشدّ من بعض «١» . أنواع الغرور: قال الغزاليّ: أظهر أنواع الغرور وأشدّها غرور الكفّار وغرور العصاة والفسّاد وأورد- رحمه الله تعالى- لهذين النّوعين وكشف عن كيفيّة معالجتهما على النّحو الّذي نلخّصه فيما يلي: المثال الأوّل: غرور الكفّار، فمنهم من غرّته الحياة الدّنيا، ومنهم من غرّه بالله الغرور، أمّا الّذين غرّتهم الحياة الدّنيا: فهم الّذين قالوا: النّقد خير من النّسيئة «٢» ، والدّنيا نقد والآخرة نسيئة، فهي إذن خير (منها) فلابدّ من إيثارها، وقالوا أيضا: اليقين خير من الشّكّ ولذّات الدّنيا يقين ولذّات الآخرة شكّ فلا نترك اليقين بالشّكّ. وعلاج هذا الغرور إمّا بتصديق الإيمان وإمّا بالبرهان: فأمّا التّصديق بالإيمان فهو أن يصدّق الله تعالى في قوله ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ (النحل: ٩٦) . وقوله وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (الضحى/ ٤) ، وأمّا المعرفة بالبيان والبرهان، فهو أن يعرف وجه فساد هذا القياس الّذي نظمه في قلبه الشّيطان. وهذا القياس الّذي نظمه الشّيطان فيه أصلان: أوّلا: أنّ النّقد خير من النّسيئة وأنّ الدّنيا نقد والآخرة نسيئة.. فهذا محلّ التلبيس لأنّ الأمر ليس كذلك، بل إن كان النّقد مثل النّسيئة في المقدار والمقصود فهو خير، وإن كان أقلّ منها فالنّسيئة خير، ولذلك فإنّ الكافر المغرور يبذل في تجارته درهما ليأخذ عشرة نسيئة.. ولا يقول النّقد خير من النّسيئة فلا أتركه، والإنسان إذا حذّره الطّبيب الفواكه ولذائذ الأطعمة ترك ذلك في الحال خوفا من ألم المرض في المستقبل. ثانيا: أنّ اليقين خير من الشّكّ، فهذا القياس أكثر فسادا من الأوّل، إذ اليقين خير من الشّكّ إذا كان مثله، وإلّا فالتّاجر في تعبه علي يقين، وفي ربحه على شكّ، والمتفقّة في جهاده على يقين وفي إدراكه رتبة العلم على شكّ، والصيّاد في تردّده في

стр. 5772

المقتنص على يقين، وفي الظّفر بالصّيد على شكّ. وهذا القياس الخاطىء يتيقّن منه المؤمن وليقينه مدركان. أحدهما: الإيمان والتّصديق وتقليدا للأنبياء والعلماء، وذلك أيضا يزيل الغرور وهو مدرك يقين العوامّ وأكثر الخواصّ، ومثالهم مثال مريض لا يعرف دواء علّته وقد اتّفق الأطبّاء على أنّ دواءه النّبت الفلانيّ، فإنّ المريض تطمئنّ نفسه إلى تصديقهم ولا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين الطّيّبة، بل يثق بقولهم ويعمل به. والخلاصة: أنّ غرور الشّيطان بأنّ الآخرة شكّ، يدفع إمّا بيقين تقليديّ، وإمّا ببصيرة ومشاهدة من جهة الباطن، والمؤمنون بألسنتهم وعقائدهم إذا ضيّعوا أوامر الله تعالى وهجروا الأعمال الصّالحة ولا بسوا الشّهوات والمعاصي فهم مشاركون للكفّار في هذا الغرور لأنّهم آثروا الحياة الدّنيا على الآخرة، إلّا أنّ أمرهم أخفّ لأنّ أهل الإيمان يعصمهم من عقاب الأبد فيخرجون من النّار ولو بعد حين. ولكنّهم أيضا من المغرورين الّذين آثروا الحياة الدّنيا، ومجرّد الإيمان لا يكفي للفوز، قال تعالى: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (طه ٢٨) . المثال الثّاني: غرور العصاة من المؤمنين.. بقولهم: إنّ الله كريم وإنّا نرجو عفوه، واتّكالهم على ذلك وإهمالهم الأعمال، وتحسين ذلك بتسمية تمنّيهم واغترارهم رجاء وظنّهم أنّ الرّجاء مقام محمود في الدّين، وأنّ نعمة الله واسعة ورحمته شاملة ويرجونه بوسيلة الإيمان. فإن قلت فأين الغلط في قولهم هذا، وقد قال المولى أنا عند ظنّ عبدي بي، فليظنّ بي خيرا فهذا كلام صحيح مقبول في الظّاهر ولكن اعلم أنّ الشّيطان لا يغوي الإنسان إلّا بمثل هذا ولولا حسن الظّاهر لما انخدع به القلب، ولكنّ النّبيّ ﷺ كشف عن ذلك فقال: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله» ، وهذا التّمنّي على الله غيّر الشّيطان اسمه فسمّاه رجاء حتّى خدع به الجهّال، وقد شرح الله الرّجاء فقال إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ (البقرة/ ٢١٨) يعني أنّ الرّجاء بهم أليق، لأنّ ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال فقد قال تعالى: وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران ١٨٥) ، فلو أنّ شخصا استؤجر لإصلاح شيء وشرط له أجرة، وكان الشّارط كريما بما يفي بالوعد ويزيد عليه، فجاء الأجير وأخذ هذا الشّيء ثمّ جلس ينتظر الأجر بزعم أنّ المستأجر كريم، أفيرى العامل ذلك تمنّيا وغرورا أم رجاء؟ وهذا للجهل بالفرق بين الرّجاء والغرّة، وقد قيل للحسن: قوم يقولون نرجو الله ويضيّعون العمل، فقال: هيهات هيهات تلك أمانيّهم يترجّحون فيها، من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه. فإن قلت فأين مظنّة الرّجاء وموضعه المحمود: فاعلم أنّه محمود في موضعين: أحدهما في حقّ العاصي المنهك إذا خطرت له التّوبة فيقنّطه الشّيطان، هنا يقمع القنوط بالرّجاء، ويتذكّر قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً

стр. 5773

(الزمر/ ٥٣) فإذا توقّع المغفرة مع التّوبة فهو راج. ثانيهما: في حقّ من تغترّ نفسه عن فضائل الأعمال ويقتصر على الفرائض، فيرجّي نفسه نعيم الله تعالى وما وعد به الصّالحين حتّى ينبعث من رجائه نشاط العبادة فيقبل على الفضائل ويتذكّر قوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ.. إلى قوله تعالى: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (المؤمنون من ١- ١١) . المثال الثّالث: غرور طوائف لهم طاعات ومعاص إلّا أنّ معاصيهم أكثر، وهم يتوقّعون المغفرة ويظنّون أنّهم بذلك تترجّح كفّة حسناتهم، مع أنّ ما في كفّة السّيّئات أكثر، وهذا غاية الجهل، فترى الواحد يتصدّق بدراهم من الحلال والحرام، وما يتناوله من أموال المسلمين أضعاف ذلك ويظنّ أنّ إنفاق عشرة في الصّدقة يكفّر عن مائة من مشبوه المال، وذلك غاية في الجهل والاغترار «١» . أصناف المغترّين: الصّنف الأوّل: أهل العلم والمغترّون منهم فرق: ففرقة: أحكموا العلوم الشّرعيّة والعقليّة، وتعمّقوا فيها، واشتغلوا بها، وأهملوا تفقّد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطّاعات واغترّوا بعلمهم، وظنّوا أنّهم عند الله بمكان، وأنّهم بلغوا من العلم مبلغا لا يعذّب الله مثلهم، بل يقبل في الخلق شفاعتهم، وأنّه لا يطالبهم بذنوبهم وخطاياهم لكرامتهم على الله وهم مغرورون «٢» . وفرقة أخرى: أحكموا العلم والعمل، فواظبوا على الطّاعات الظّاهرة وتركوا المعاصي، إلّا أنّهم لم يتفقّدوا قلوبهم ليمحوا الصّفات المذمومة عند الله من الكبر والحسد والرّياء، وطلب الرّئاسة والعلاء وإرادة السّوء للأقران.. ومثال هؤلاء كرجل قصد الملك ضيافته إلى داره فجصّص باب داره، وترك المزابل في صدرها، ولا يخفى أنّ ذلك غرور. وفرقة أخرى: علموا أنّ هذه الأخلاق الباطنة مذمومة من جهة الشّرع إلّا أنّهم لعجبهم بأنفسهم يظنّون أنّهم منفكّون عنها، وأنّهم أرفع عند الله من أن يبتليهم «٣» . الصّنف الثّاني: أرباب العبادة والعمل، والمغرور منهم فرق كثيرة، فمنهم من غروره في الصّلاة ومنهم من غروره في تلاوة القرآن ومنهم في الحجّ، ومنهم في الغزو، ومنهم في الزّهد، وكذلك كلّ مشغول بمنهج من مناهج العمل، فليس خاليا عن غرور إلّا الأكياس وقليل ما هم «٤» .

стр. 5774

الصّنف الثّالث: وهم المتصوّفة، وما أغلب الغرور عليهم والمغترّون منهم فرق كثيرة فمنهم من اغترّ بالزّيّ والهيئة والمنطق، ومنهم من رفضوا الأحكام وسوّوا بين الحلال والحرام وغير ذلك «١» . الصّنف الرّابع: أرباب الأموال، والمغترّون منهم فرق كثيرة، ومجمل القول فيهم أنّ الرّياء قائدهم في كثير من أعمالهم وأنّ الشّيطان يزيّن لهم أعمالهم فيغترّون بها «٢» . الفرق بين الثّقة بالله والغرور والعجز: قال ابن القيّم: الفرق بينها: أنّ الواثق بالله قد فعل ما أمره الله به، ووثق بالله في طلوع ثمرته وتنميتها وتزكيتها كغارس الشّجرة وباذر الأرض، والمغترّ العاجز قد فرّط فيما أمر به، وزعم أنّه واثق بالله، والثّقة إنّما تصحّ بعد بذل المجهود «٣» . وقال ﵀: إنّ الثّقة سكون يستند إلى أدّلة وأمارات يسكن القلب إليها فكلّما قويت تلك الأمارات قويت الثّقة واستحكمت ولا سيّما على كثرة التّجارب وصدق الفراسة. وأمّا الغرّة فهي حال المغترّ الّذي غرّته نفسه وشيطانه وهواه وأمله الخائب الكاذب بربّه حتّى أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والغرور ثقتك بمن لا يوثق به وسكونك إلى من لا يسكن إليه ورجاؤك النّفع من المحلّ الّذي لا يأتي بخير كحال المغترّ بالسراب. ومن أعظم الغرّة أن ترى المولى يتابع عليك نعمه وأنت مقيم على ما يكره، فالشّيطان وكلّ بالغرور، وطبع النّفس الأمّارة الاغترار، فإذا اجتمع الرّأي والبغي والشّيطان الغرور والنّفس المغترّة لم يقع هناك خلاف (في حدوث الغرّة) فالشّياطين غرّوا المغترّين بالله وأطمعوهم- مع إقامتهم على ما يسخط الله ويبغضه- في عفوه وتجاوزه وحدّثوهم بالتّوبة لتسكن قلوبهم ثمّ دافعوهم بالتّسويف حتّى هجم الأجل فأخذوا على أسوء أحوالهم وقال تعالى في هؤلاء: وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (الحديد/ ١٤) . وأعظم النّاس غرورا بربّه من إذآ مسّه الله برحمة منه وفضل، قال: هذا لِي (فصلت/ ٥٠) أي أنا أهله وجدير به ومستحق له ثمّ قال وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً (فصلت/ ٥٠) فظنّ أنّه أهل لما أولاه من النّعم مع كفره بالله، ثمّ زاد في غروره فقال وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى (فصلت/ ٥٠) يعني الجنّة والكرامة وهكذا تكون الغرّة بالله، فالمغترّ بالشّيطان مغترّ بوعوده وأمانيه وقد ساعده اغتراره بدنياه ونفسه فلا يزال كذلك حتّى يتردّى في آبار الهلاك «٤» . [للاستزادة: انظر صفات: الكبر والعجب- العتو- الطغيان- التكاثر- اتباع الهوى- الطيش. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التواضع- الإنابة- الإخبات- الخشية- الخوف- التقوى] .

стр. 5775

الآيات الواردة في «الغرور» أولا: الغرور بالحياة الدنيا: ١- كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) «١» ٢- وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) «٢» ٣-يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ (١٣٠) «٣» ٤- الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) «٤» ٥- ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) «٥» ٦- اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) «٦» ثانيا: الغرور من عمل الشيطان: ٧- إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩)

стр. 5776

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) «١» ٨- وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) «٢» ٩- فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢) «٣» ١٠- وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (٦٤) «٤» ١١- يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) «٥» ثالثا: النهي عن الغرور: ١٢- لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) «٦» ١٣- يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٢٣) «٧» ١٤- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) «٨» ١٥- ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤) «٩» ١٦- يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) «١٠» رابعا: اغترار الكفار: ١٧- ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا

стр. 5777

يَفْتَرُونَ (٢٤) «١» خامسا: اتهام المنافقين للمسلمين بالغرور: ١٨- إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩) «٢» ١٩- وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (١٢) «٣» سادسا: الغرور من شأن الظالمين والكفار: ٢٠- قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً (٤٠) «٤» ٢١- أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠) «٥» الآيات الواردة في «الغرور» معنى ٢٢- وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) «٦» ٢٣- وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) «٧» ٢٤- فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) «٨» ٢٥- فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) «٩» ٢٦- فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) «١٠» ٢٧- وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ

стр. 5778

غَلِيظٍ (٥٠) «١» ٢٨- وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) «٢» ٢٩- وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) «٣» ٣٠- أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) «٤» ٣١- ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) «٥» ٣٢- قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً (٢١) «٦» ٣٣- ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) «٧» ٣٤- أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً (٦) «٨» ٣٥- وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) «٩» ٣٦- تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥) «١٠»

стр. 5779

الأحاديث الواردة في ذمّ (الغرور) والنهي عنه ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لمّا أصاب رسول الله ﷺ قريشا يوم بدر وقدم المدينة جمع اليهود في سوق بني قينقاع فقال: «يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا» . قالوا: يا محمّد لا يغرّنّك من نفسك أنّك قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا «١» لا يعرفون القتال إنّك لو قاتلتنا لعرفت أنّا نحن النّاس وإنّك لم تلق مثلنا، فأنزل الله- في ذلك قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ (آل عمران/ ١٢)) * «٢» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يخرج في آخر الزّمان رجال يختلون «٣» الدّنيا بالدّين يلبسون للنّاس جلود الضّأن من اللّين، ألسنتهم أحلى من السّكّر وقلوبهم قلوب الذّئاب. يقول الله- أبي يغترّون. أم عليّ يجترئون؟ فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيران» ) * «٤» . ٣-* (عن ابن أبان- ﵁ قال: أتيت عثمان بن عفّان بطهور وهو جالس على المقاعد فتوضّأ فأحسن الوضوء ثمّ قال: رأيت النّبيّ ﷺ توضّأ وهو في هذا المجلس فأحسن الوضوء ثمّ قال: من توضّأ مثل هذا الوضوء ثمّ أتى المسجد فركع ركعتين، ثمّ جلس غفر له ما تقدّم من ذنبه قال: وقال النّبيّ ﷺ «لا تغترّوا» ) * «٥» . ٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ يحدّث أنّه قال: «مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطّاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتّى خرج حاجّا فخرجت معه، فلمّا رجعت وكنّا ببعض الطّريق. عدل إلى الأراك لحاجة له، قال فوقفت له حتّى فرغ، ثمّ سرت معه فقلت له: يا أمير المؤمنين من اللّتان تظاهرتا على النّبيّ ﷺ من أزواجه، فقال: تلك حفصة وعائشة، قال فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك، قال فلا تفعل؛ ما ظننت أنّ عندي من علم فاسألني، فإن كان لي علم خبّرتك به، قال ثمّ قال عمر: والله إن كنّا في الجاهليّة ما نعدّ للنّساء أمرا، حتّى أنزل الله فيهنّ ما أنزل وقسم لهنّ ما قسم، قال: فبينا أنا في أمر أتأمّره إذ قالت امرأتي: لو صنعت كذا وكذا، قال فقلت لها: مالك ولما ها هنا، فيما تكلّفك في أمر أريده؟ فقالت لي

стр. 5780

عجبا لك يا ابن الخطّاب، ما تريد أن تراجع أنت، وإنّ ابنتك لتراجع رسول الله ﷺ حتّى يظلّ يومه غضبان. فقام عمر فأخذ رداءه مكانه حتّى دخل على حفصة، فقال لها: يا بنيّة إنّك لتراجعين رسول الله ﷺ حتّى يظلّ يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه. فقلت: تعلمين أنّي أحذّرك عقوبة الله وغضب رسوله ﷺ يا بنيّة لا يغرّنّك هذه الّتي أعجبها حسنها حبّ رسول الله ﷺ إيّاها- يريد عائشة- قال ثمّ خرجت حتّى دخلت على أمّ سلمة لقرابتي منها فكلّمتها، فقالت أمّ سلمة: عجبا لك يابن الخطّاب دخلت في كلّ شيء حتّى تبتغي أن تدخل بين رسول الله ﷺ وأزواجه فأخذتني والله أخذا كسرتني عن بعض ما كنت أجد فخرجت من عندها وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوّف ملكا من ملوك غسّان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاريّ يدقّ الباب، فقال افتح افتح فقلت جاء الغسّانيّ فقال: بل أشدّ من ذلك، اعتزل رسول الله ﷺ أزواجه. فقلت رغم أنف حفصة وعائشة. فأخذت ثوبي فأخرج حتّى جئت، فإذا رسول الله ﷺ في مشربة «١» له يرقى عليها بعجلة، وغلام لرسول الله ﷺ أسود على رأس الدّرجة، فقلت له: قل هذا عمر بن الخطّاب. فأذن لي. قال عمر: فقصصت على رسول الله ﷺ هذا الحديث، فلمّا بلغت حديث أمّ سلمة تبسّم رسول الله ﷺ وإنّه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإنّ عند رجليه قرظا مصبورا «٢» ، وعند رأسه أهب معلّقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إنّ كسرى وقيصر. فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا ولنا الآخرة؟» ) * «٣» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النّبيّ ﷺ اللّتين قال الله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (التحريم/ ٤) . حتّى حجّ عمر وحججت معه. فلمّا كنّا ببعض الطّريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة «٤» . فتبرّز، ثمّ أتاني فسكبت على يديه. فتوضّأ. فقلت: يا أمير المؤمنين! من المرأتان من أزواج النّبيّ ﷺ اللّتان قال الله لهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما؟ قال عمر: واعجبا لك يا ابن عبّاس! (قال الزّهريّ: كره، والله! ما سأله عنه ولم يكتمه) قال: هي حفصة وعائشة. ثمّ أخذ
следующие страницы →