← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5811–5850 · переход к 5816.

стр. 5811

الغضب في وجهه. ثمّ قال: «ما بال أقوام يرغبون عمّا رخّص لي فيه. فو الله لأنا أعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» ) * «١» . ١٨-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ يوما صلاة العصر بنهار. ثمّ قام خطيبا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام السّاعة إلّا أخبرنا به. حفظه من حفظه. ونسيه من نسيه، وكان فيما قال: «إنّ الدّنيا حلوة خضرة، وإنّ الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون، ألا فاتّقوا الدّنيا «٢» واتّقوا النّساء» ، وكان فيما قال: «ألا لا يمنعنّ رجلا هيبة النّاس أن يقول بحقّ إذا علمه» قال: فبكى أبو سعيد. فقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا، فكان فيما قال: «ألا إنّه ينصب لكلّ غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، ولا غدرة أعظم من غدرة إمام عامّة يركز لواؤه عند استه» ، فكان فيما حفظنا يومئذ: «ألا إنّ بني آدم خلقوا على طبقات شتّى، فمنهم من يولد مؤمنا، ويحيا مؤمنا، ويموت مؤمنا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا. ألا وإنّ منهم البطيء الغضب سريع الفيء، ومنهم سريع الغضب سريع الفيء فتلك بتلك، ألا وإنّ منهم سريع الغضب بطيء الفيء، ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الفيء، ألا وشرّهم سريع الغضب بطيء الفيء، ألا وإنّ منهم حسن القضاء حسن الطّلب، ومنهم سيّء القضاء حسن الطّلب، ومنهم حسن القضاء سيّء الطّلب فتلك بتلك، ألا وإنّ منهم السّيّء القضاء السّيّء الطّلب، ألا وخيرهم الحسن القضاء الحسن الطّلب، ألا وشرّهم سيّء القضاء سيّء الطّلب، ألا وإنّ الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فمن أحسّ بشيء من ذلك فليلصق بالأرض. قال: وجعلنا نلتفت إلى الشّمس هل بقي منها شيء؟ فقال رسول الله ﷺ : «ألا إنّه لم يبق من الدّنيا فيما مضى منها إلّا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه» ) * «٣» . ١٩-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «علّموا ويسّروا ولا تعسّروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت» ) * «٤» . ٢٠-* (عن أبي مسعود- ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله. إنّي لأتأخّر عن الصّلاة في الفجر ممّا يطيل بنا فلان فيها. فغضب رسول الله ﷺ ما رأيته غضب في موضع كان أشدّ غضبا منه

стр. 5812

يومئذ. ثمّ قال: «يا أيّها النّاس إنّ منكم منفّرين فمن أمّ النّاس فليتجوّز «١» ، فإنّ خلفه الضّعيف والكبير وذا الحاجة» ) * «٢» . ٢١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «إنّي لأعلم إذا كنت عنّي راضية وإذا كنت عليّ غضبى» . قالت: فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: «أمّا إذا كنت عنّي راضية فإنّك تقولين: لا وربّ محمّد، وإذا كنت غضبى قلت: لا وربّ إبراهيم» . قالت: قلت: أجل: والله يا رسول الله ما أهجر إلّا اسمك) * «٣» . ٢٢-* (عن رجل من أصحاب النّبيّ ﷺ قال: قال رجل: يا رسول الله: أوصني. قال: «لا تغضب» . قال الرّجل: ففكّرت حين قال النّبيّ ﷺ ما قال. فإذا الغضب يجمع الشّرّ كلّه) * «٤» . ٢٣-* (عن عوف بن مالك- ﵁ أنّه قال: قتل رجل من حمير رجلا من العدوّ فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله ﷺ ، عوف بن مالك. فأخبره فقال لخالد: «ما منعك أن تعطيه سلبه؟» قال: استكثرته يا رسول الله. قال: «ادفعه إليه» . فمرّ خالد بعوف فجرّ بردائه ثمّ قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ ؟ فسمعه رسول الله ﷺ : فاستغضب «٥» . فقال: «لا تعطه يا خالد! لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أمرائي؟ إنّما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعي «٦» إبلا أو غنما فرعاها ثمّ تحيّن سقيها «٧» فأوردها حوضا. فشرعت فيه. فشربت صفوه وتركت كدره، فصفوه لكم وكدره عليهم» ) * «٨» . ٢٤-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: قدم رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجّة أو خمس فدخل عليّ وهو غضبان. فقلت: من أغضبك يا رسول الله أدخله الله النّار؟ قال: «أو ما شعرت أنّي أمرت النّاس بأمر فإذاهم يتردّدون. (قال الحكم: كأنّهم يتردّدون أحسب) ولو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سقت الهدي معي حتّى أشتريه ثمّ أحلّ كما حلّوا» ) * «٩» . ٢٥-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ أنّه قال: كانت بين أبي بكر وعمر محاورة فأغضب أبو بكر عمر فانصرف عنه مغضبا فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له فلم يفعل حتّى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبوبكر إلى رسول الله ﷺ فقال أبو الدّرداء: ونحن

стр. 5813

عنده، فقال رسول الله ﷺ أمّا صاحبكم فقد غامر «١» . وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتّى سلّم وجلس إلى النّبيّ ﷺ ، وقصّ على رسول الله ﷺ الخبر. قال أبو الدّرداء: وغضب رسول الله ﷺ وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم. فقال رسول الله ﷺ : «هل أنتم تاركو لي صاحبي، هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إنّي قلت: «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً فقلتم: كذبت» ، وقال أبو بكر: صدقت) * «٢» . ٢٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: كانت عند أمّ سليم يتيمة. فرأى رسول الله ﷺ اليتيمة فقال: «آنت هيه» . لقد كبرت لاكبر سنّك» . فرجعت اليتيمة إلى أمّ سليم تبكي. فقالت أمّ سليم: ما لك يا بنيّة؟. قالت الجارية: دعا عليّ نبيّ الله ﷺ أن لا يكبر سنّي فالآن لا يكبر سنّي أبدا. فخرجت أمّ سليم مستعجلة تلوث خمارها حتّى لقيت رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : «ما لك يا أمّ سليم؟» . فقالت: يا نبيّ الله أدعوت على يتيمتي؟ قال: «وما ذاك يا أمّ سليم؟» . قالت: زعمت أنّك دعوت أن لا يكبر سنّها ولا يكبر قرنها. قال: فضحك رسول الله ﷺ ثمّ قال: «يا أمّ سليم! أما تعلمين أنّ شرطي على ربّي، أنّي اشترطت على ربّي. فقلت: إنّما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر. فأيّما أحد دعوت عليه من أمّتي دعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقرّبه بها منه يوم القيامة» ) * «٣» . ٢٧-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه حتّى كأنّه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم» . ويقول: «بعثت أنا والسّاعة كهاتين» ويقرن بين إصبعيه السّبابة والوسطى. ويقول: «أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمّد وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ بدعة ضلالة» ، ثمّ يقول: «أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه. من ترك مالا فلأهله. ومن ترك دينا أو ضياعا «٤» فإليّ وعليّ» ) * «٥» . ٢٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في دعوة، فرفعت إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس «٦» منها نهسة وقال: «أنا سيّد النّاس يوم القيامة. هل تدرون بمن يجمع الله الأوّلين والآخرين في صعيد واحد. فيبصرهم النّاظر، ويسمعهم الدّاعي، وتدنو منهم الشّمس، فيقول بعض النّاس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربّكم؟ فيقول بعض

стр. 5814

النّاس: أبوكم آدم. فيأتونه فيقولون يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنّة. ألا تشفع لنا إلى ربّك؟ ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربّي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشّجرة فعصيت. نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح أنت أوّل الرّسل إلى أهل الأرض، وسمّاك الله عبدا شكورا. أما ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما بلغنا؟ ألا تشفع لنا إلى ربّك؟ فيقول: ربّي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله. نفسي نفسي، ائتوا النّبيّ ﷺ . فيأتوني. فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمّد ارفع رأسك، واشفع تشفّع، وسل تعطه ... الحديث» ) * «١» . ٢٩-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه لقي ابن صائد في بعض طرق المدينة. فقال له قولا أغضبه. فانتفخ حتّى ملأ السّكّة فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها. فقالت له: رحمك الله! ما أردت من ابن صائد؟ أما علمت أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّما يخرج من غضبة يغضبها» ) * «٢» . ٣٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لمّا خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش: إنّ رحمتي تغلب غضبي» ) * «٣» . ٣١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس الشّديد بالصّرعة، إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب» ) * «٤» . ٣٢-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: ما غرت على نساء النّبيّ ﷺ إلّا على خديجة، وإنّي لم أدركها. قالت: وكان رسول الله ﷺ إذا ذبح الشّاة فيقول: «أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة» قالت: فأغضبته يوما فقلت: خديجة؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنّي قد رزقت حبّها» ) * «٥» . ٣٣-* (عن الشّريد بن سويد- ﵁ أنّه قال: مرّ بي رسول الله ﷺ وأنا جالس هكذا. وقد وضعت يدي اليسرى خلف ظهري واتّكأت على ألية يدي. فقال: «أتقعد قعدة المغضوب عليهم» ) * «٦» . ٣٤-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان. وقال الأشعث: فيّ والله كان ذلك. كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني. فقدّمته إلى النّبيّ ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ ألك بيّنة؟ قلت: لا. قال: فقال لليهوديّ: «احلف» . قال: قلت: يا رسول الله: إذن يحلف

стр. 5815

ويذهب بمالي. فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... إلى آخر الآية (آل عمران/ ٧٧)) * «١» . ٣٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يدع الله سبحانه غضب عليه» ) * «٢» . ٣٦-* (كتب أبو بكرة- ﵁ إلى ابنه وكان بسجستان: بأن لا تقض بين اثنين وأنت غضبان. فإنّي سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لا يقضينّ حكم بين اثنين وهو غضبان» ) * «٣» . ٣٧-* (عن عبد الله بن الزّبير- ﵄ قال: إنّ رجلا من الأنصار خاصم الزّبير عند رسول الله ﷺ ، في شراج الحرّة «٤» الّتي يسقون بها النّخل، فقال الأنصاريّ: سرّح الماء يمرّ فأبى عليهم. فاختصموا عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزّبير: «اسق يا زبير،. ثمّ أرسل الماء إلى جارك» فغضب الأنصاريّ. فقال: يا رسول الله: أن كان ابن عمّتك «٥» فتلوّن وجه نبيّ الله ﷺ ثمّ قال: «يا زبير اسق ثمّ احبس الماء حتّى يرجع إلى الجدر «٦» » فقال الزّبير: والله إنّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً (النساء/ ٦٥)) * «٧» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الغضب) معنى ٣٨-* (عن أنس- ﵁ أنّه قال: «إنّ اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهنّ في البيوت. فسأل أصحاب النّبيّ ﷺ النّبيّ ﷺ فأنزل الله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ... (البقرة/ ٢٢٢) إلى آخر الآية فقال رسول الله ﷺ : «اصنعوا كلّ شيء إلّا النّكاح فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرّجل أن يدع من أمرنا شيئا إلّا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعبّاد بن بشر فقالا: يا رسول الله: إنّ اليهود تقول: كذا وكذا فلا نجامعهنّ، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ حتّى ظننّا أن قد وجد عليهما. فخرجا فاستقبلهما هديّة من لبن إلى النّبيّ ﷺ فأرسل في

стр. 5816

آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما) * «١» . ٣٩-* (عن عبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عمرو بن العاص- ﵃ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله- يبغض البليغ من الرّجال الّذي يتخلّل بلسانه تخلّل البقرة بلسانها» ) * «٢» . ٤٠-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا متستّرة بقرام «٣» فيه صورة. فتلوّن وجهه. ثمّ تناول السّتر فهتكه. ثمّ قال: «إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة الّذين يشبّهون بخلق الله» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الغضب) ١-* (قال يحيى لعيسى- ﵉ لا تغضب، قال: لا أستطيع أن لا أغضب إنّما أنا بشر، قال: لا تقتن مالا، قال: هذا عسى) * «٥» . ٢-* (عن ذي القرنين- رحمه الله تعالى-، وقد نقل عنه: أنّه لقي ملكا من الملائكة فقال: علّمني علما أزدد به إيمانا ويقينا، قال: لا تغضب فإنّ الشّيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب، فردّ الغضب بالكظم، وسكّنه بالتّؤدة، وإيّاك والعجلة فإنّك إذا عجلت أخطأت حظّك وكن سهلا ليّنا للقريب والبعيد، ولا تكن جبّارا عنيدا» ) * «٦» . ٣-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في تفسير قوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (فصلت/ ٣٤) قال: الصّبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا عصمهم الله وخضع لهم عدوّهم» ) * «٧» . ٤-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁: «انظروا إلى حلم الرّجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب، وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟» ) * «٨» . ٥-* (قال زيد بن عمرو بن نفيل- ﵁ لمّا خرج إلى الشّام يسأل عن الدّين ويتّبعه، فلقي عالما من اليهود فسأله عن دينهم فقال: إنّي لعلّي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتّى تأخذ بنصيبك من غضب الله. قال زيد: ما أفرّ إلّا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا وأنا أستطيعه، فهل تدلّني على غيره؟ قال: لا أعلمه إلّا

стр. 5817

أن يكون حنيفا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا ولا يعبد إلّا الله. فخرج زيد فلقي عالما من النّصارى. فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتّى تأخذ بنصيبك من لعنة الله. قال: ما أفرّ إلّا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله ولا من غضبه شيئا، أبدا وأنّي أستطيع؟ فهل تدلّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلّا أن يكون حنيفا. قال: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديّا ولا نصرانيّا ولا يعبد إلّا الله. فلمّا رأى زيد قولهم في إبراهيم- ﵇ خرج فلمّا برز رفع يديه فقال: اللهمّ إنّي أشهد أنّي على دين إبراهيم» ) * «١» . ٦-* (قال عروة بن الزّبير- ﵄: «مكتوب في الحكم: يا داود إيّاك وشدّة الغضب، فإنّ شدّة الغضب مفسدة لفؤاد الحكيم» ) * «٢» . ٧-* (قال مجاهد- رحمه الله تعالى-: «قال إبليس لعنه الله: ما أعجزني بنو آدم فلن يعجزوني في ثلاث: إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فقدناه حيث شئنا وعمل لنا بما أحببنا، وإذا غضب قال بما لا يعلم وعمل بما يندم، ونبخّله بما في يديه ونمنّيه بما لا يقدر عليه» ) * «٣» . ٨-* (كتب عمر بن عبد العزيز- ﵀ إلى عامله: «ألّا تعاقب عند غضبك، وإذا غضبت على رجل فاحبسه، فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه، ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا» ) * «٤» . ٩-* (قال جعفر الصّادق- رحمه الله تعالى-: «ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (الأعراف/ ١٩٩) ووجّه العلماء كلامه بقولهم: إنّ الأخلاق ثلاثة بحسب القوى الإنسانيّة: عقليّة، وشهويّة، وغضبيّة. فالعقليّة: الحكمة ومنها الأمر بالمعروف، والشّهويّة العفّة ومنها أخذ العفو، والغضبيّة: الشّجاعة ومنها الإعراض عن الجاهلين» ) * «٥» . ١٠-* (وقال أيضا: «الغضب مفتاح كلّ شرّ» ) * «٦» . ١١-* (قال عمران بن موسى المؤدّب- رحمه الله تعالى-: «قال بعض الحكماء: كما أنّ الأجسام تعظم في العين يوم الضّباب. كذلك يعظم الذّنب عند الغضب» ) * «٧» . ١٢-* (قال الماورديّ- رحمه الله تعالى-: «كان بعض الملوك إذا غضب ألقي عنده مفاتيح ترب الملوك فيزول غضبه» ) * «٨» . ١٣-* (وقال: «مكتوب في التّوراة: يابن آدم، اذكرني حين تغضب. أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق» ) * «٩» . ١٤-* (قال الغزاليّ- رحمه الله تعالى-: «ممّا

стр. 5818

يدلّ على أنّ الغضب من أخلاق النّاقصين: أنّ المريض أسرع غضبا من الصّحيح، والمرأة أسرع غضبا من الرّجل، والصّبيّ أسرع غضبا من الرّجل الكبير، والشّيخ الضّعيف أسرع غضبا من الكهل، وذا الخلق السّيّء والرّذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل، فالرّذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللّقمة، ولبخله إذا فاتته الحبّة، حتّى إنّه يغضب على أهله وولده وأصحابه. بل القويّ من يملك نفسه عند الغضب» ) * «١» . ١٥-* (وقال- رحمه الله تعالى-: «حال القلب عند الغضب في الاضطراب أشدّ من حال السّفينة عند اضطراب الأمواج في لجّة البحر، إذ في السّفينة من يحتال لتسكينها وتدبيرها وسياستها أمّا القلب فهو صاحب السّفينة وقد سقطت حيلته بعد أن أعماه الغضب وأصمّه. ويظهر ذلك على أعضائه وكلامه وفعاله، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياء من قبح صورته واستحالة خلقته، وقبح الباطن أعظم من قبح الظّاهر فإنّ الظّاهر عنوان الباطن، وإنّما قبحت صورة الباطن أوّلا ثمّ انتشر قبحها إلى الظّاهر ثانيا، وأمّا في اللّسان فأثره بالشّتم والفحش الّذي يستحي منه قائله عند سكون الغضب فضلا عن تخبّط النّظم واضطراب اللّفظ، وأمّا أثره على الأعضاء فالضّرب والتّهجّم والتّمزيق والقتل للمغضوب عليه وإذا فلت منه بسبب عجز أو غيره فقد يرجع إلى صاحبه فربّما مزّق ثوب نفسه أو لطم وجهه وربّما ضرب بيده على الأرض. وأمّا أثره في القلب على المغضوب عليه فالحقد والحسد واضحا والسّوء والشّماتة بالمساءات» ) * «٢» . ١٦-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: «دخل النّاس النّار من ثلاثة أبواب: «باب شبهة أورثت شكّا في دين الله، وباب شهوة أورثت تقديم الهوى على طاعته ومرضاته وباب غضب أورث العدوان على خلقه» ) * «٣» . ١٧-* (قال بعض الحكماء لابنه: «يا بنيّ لا يثبت العقل عند الغضب كما لا تثبت روح الحيّ في التّنانير المسجورة، فأقلّ النّاس غضبا أعقلهم، فإن كان لدنيا كان دهاء ومكرا وإن كان للآخرة كان حلما وعلما، فقد قيل: الغضب عدوّ العقل والغضب غول العقل» ) * «٤» . ١٨-* (وقال آخر: «من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النّار» ) * «٥» . ١٩-* (قال بعض الحكماء: «الغضب على من لا تملك عجز، وعلى من تملك لؤم» ) * «٦» . ٢٠-* (وقال آخر: «إيّاك وعزّة الغضب فإنّها تفضي إلى ذلّ الاعتذار» ) * «٧» .

стр. 5819

٢١-* (وقال الشّاعر: وإذا ما اعتراك في الغضب العزّ ... ة فاذكر تذلّل الاعتذار) * «١» . ٢٢-* (وقال بعضهم: «ما أملك فلانا لنفسه، قال: إذا لا تذلّه الشّهوة، ولا يصرعه الهوى، ولا يغلبه الغضب» ) * «٢» . ٢٣-* (وقال آخر: «إيّاك والغضب فإنّه يصيّرك إلى ذلّة الاعتذار» ) * «٣» . ٢٤-* (وقال آخر: «اتّقوا الغضب فإنّه يفسد الإيمان كما يفسد الصّبر العسل» ) * ٤. ٢٥-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: «من علامات المسلم قوّة في دين وحزم في لين وإيمان في يقين وعلم في حلم وكيس في رفق وإعطاء في حقّ وقصد في غنى وتجمّل في فاقة وإحسان في قدرة وصبر في شدّة، لا يغلبه الغضب ولا تجمح به الحميّة ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنه ولا يستخفّه حرصه، ولا تقصر به نيّته، فينصر المظلوم ويرحم الضّعيف ولا يبخل ولا يبذّر ولا يسرف ولا يقتر، يغفر إذا ظلم، ويعفو عن الجاهل، نفسه منه في عناء والنّاس منه في رخاء) * ٥. ٢٦-* (قال بعض الأنصار: «رأس الحمق الحدّة، وقائده الغضب، ومن رضي بالجهل استغنى عن الحلم، والحلم زين ومنفعه، والجهل شين ومضرّة، والسّكوت عن جواب الأحمق جوابه» ) * ٦. من مضار (الغضب) (١) يغضب الرّحمن الرّحيم ويرضي الشّيطان الرّجيم. (٢) الصّبر عليه أشدّ وأصعب من مجاهدة العدوّ. (٣) يؤول إلى التّقاطع وإفساد ذات البين. (٤) يتولّد منه الحقد والحسد وهذا نقص في العقل والدّين. (٥) كثيرا ما يعقبه الاعتذار والنّدم، وقد يكون بعد فوات الأوان. (٦) يجعل صاحبه لا يستفيد من الموعظة والعبرة. (٧) قد يؤثّر على البدن حتّى يعمي البصر ويصمّ الآذان، ويخرس اللّسان، ويعجز الإنسان، بل قد يموت الإنسان وتزهق نفسه بالكلّيّة. (٨) نفرة الخلق عنه وخوفهم من القرب منه.

стр. 5820

الغفلة الغفلة لغة: الغفلة: السّهو عن الشّيء. وهو مصدر غفل يغفل غفلة وغفولا، يقول ابن فارس: الغين والفاء واللّام أصل صحيح يدلّ على ترك الشّيء سهوا، وربّما كان عن عمد. والغفلة: غيبة الشّيء عن بال الإنسان، وعدم تذكّره له، وقد استعمل فيمن تركه إهمالا، وإعراضا، كما في قوله تعالى: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (الأنبياء/ ١) يقال منه: غفلت عن الشّيء غفولا، من باب قعد، وله ثلاثة مصادر، غفول، وهو أعمّها، وغفلة وزان تمرة. وغفل وزان سبب، وغفّلته تغفيلا، صيّرته كذلك، فهو مغفّل، أي ليست له فطنة، وأغفلت الشّيء إغفالا، تركته إهمالا من غير نسيان، وتغفّلت الرّجل، ترقّبت غفلته، وتغافل، أرى من نفسه ذلك، وليس به. والأغفال: الموات، يقال أرض غفل، لا علم بها، ولا أثر عمارة، وقال الكسائيّ: أرض غفل، لم تمطر، ودابّة غفل، لا سمة عليها، وقد أغفلتها، إذا لم تسمها ورجل غفل، لم يجرّب الأمور. ويقول سيبويه: «غفلت: صرت غافلا، وأغفلته وغفلت عنه: وصّلت غفلي إليه، أو تركته على ذكر، قال اللّيث: أغفلت الشّيء، تركته غفلا، وأنت له ذاكر، والتّغفّل: ختل في غفلة، والغفول من الإبل، البلهاء الّتي لا تمتنع من فصيل يرضعها، ولا تبالي من حلبها، والغفل: المقيّد الّذي أغفل، فلا يرجى خيره، ولا يخشى شرّه، والجمع أغفال. وقال ابن منظور: يقال غفل عنه يغفل غفولا وغفلة وأغفله عنه غيره. وأغفل الشّيء: تركه وسها عنه. وأغفلت الرّجل: أصبته غافلا، وعلى ذلك فسّر بعضهم قوله : وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا (الكهف/ ٢٨) قال: ولو كان على الظّاهر لوجب أن يكون قوله واتّبع هواه، بالفاء دون الواو. وسئل أبو العبّاس عن هذه الآية فقال: من جعلناه غافلا. وكلام العرب أكثره أغفلته سمّيته غافلا، وأحلمته سمّيته حليما. قال ابن سيده: وقوله تعالى: وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (الأعراف/ ١٣٦) يصلح أن يكون- والله أعلم- كانوا في تركهم الإيمان بالله والنّظر فيه والتّدبّر له بمنزلة الغافلين. قال: ويجوز أن يكون: وكانوا عمّا يراد بهم من الإثابة عليه غافلين، والاسم الغفلة والغفل، والغفلان. وفي الحديث: «من اتّبع الصّيد غفل»

стр. 5821

والتّغافل: تعمّد الغفلة. والتّغفيل: أن يكفيك صاحبك وأنت غافل لا تعنى بشيء. والمغفّل: الّذي لا فطنة له «١» . الغفلة اصطلاحا: قال المناويّ: الغفلة: فقد الشّعور بما حقّه أن يشعر به «٢» . وقال الرّاغب: سهو يعتري الإنسان من قلّة التّحفّظ والتّيقّظ «٣» . وقيل: متابعة النّفس على ما تشتهيه. وقال الجرجانيّ: الغفلة عن الشّيء هي أن لا يخطر ذلك بباله، وقيل: إبطال الوقت بالبطالة «٤» . وقال الكفويّ: الغفلة عدم إدراك الشّيء مع وجود ما يقتضيه «٥» . الفرق بين السهو والغفلة والنسيان: قال الكفويّ: السّهو: غفلة القلب عن الشّيء بحيث يتنبّه بأدنى تنبّه، والنّسيان غيبة الشّيء عن القلب بحيث يحتاج إلى تحصيل جديد. وقيل: النّسيان زوال الصورة عن القوّة المدركة مع بقائها فى الحافظة، والسّهو زوالها عنهما معا. والغفلة تشمل الأمرين، إذ الغفلة عمّا أنت عليه لتفقّده سهو، وعمّا أنت عليه لتفقّد غيره نسيان «٦» . الغفلة قد تحمد أحيانا: قال الشّيخ العزّ بن عبد السّلام: الغفلة عن القبائح مانعة من فعلها، إذ لا يتأتّى فعلها إلّا بالعزم عليها، ولا عزم عليها مع عدم الشّعور بها، وتحصل هذه الغفلة بالأسباب الشّاغلة «٧» ، وقد جعلها من المأمورات الباطنة، أمّا الغفلة عن ذكر الله فهي من المنهيّات الباطنة «٨» ، والأولى محمودة والثّانية مذمومة. [للاستزادة: انظر صفات: الإعراض- الأمن من المكر- التفريط والإفراط- التهاون- طول الأمل اللهو واللعب- اتباع الهوى] . وفي ضد ذلك: انظر صفات: التذكر- تذكر الموت- التدبر- التأمل- النظر والتبصر- الوعظ- التفكر- البصيرة- الإرشاد- الذكر] .

стр. 5822

الآيات الواردة في «الغفلة» الغفلة في سياق التعلل بها لدفع اللائمة: ١- ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤) وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ (١٥٧) «١» ٢- وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) «٢» ٣- وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠) «٣» ٤- حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) «٤»

стр. 5823

الغفلة في سياق سبب في عقوبة: ٥- سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) «١» ٦- وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣) وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤) «٢» ٧- وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٧٩) «٣» ٨- إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) «٤» ٩- مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) «٥» ١٠- وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) «٦»

стр. 5824

الغفلة في سياق التحذير منها أو ممن اتصف بها: ١١- وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (٢٠٥) «١» ١٢- وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) «٢» الغفلة في سياق وصم قوم بها: ١٣-* وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) «٣» ١٤- فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) «٤» ١٥- اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) «٥» ١٦- يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧) «٦»

стр. 5825

١٧- يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) «١» الغفلة في سياق تمنيها أو انتهاز فرصة حدوثها: ١٨- وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (١٠٢) «٢» ١٩- قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١) أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) «٣» ٢٠- وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) «٤» الغفلة صفة جماد لا يعقل: ٢١- وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) «٥» الغفلة في سياق النهي عن ظنها لا حقة بالله: ٢٢- وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) «٦»

стр. 5826

الأحاديث الواردة في ذمّ (الغفلة) ١-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله- أيّها النّاس، فسلوه وأنتم موقنون بالإجابة فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل» ) * «١» . ٢-* (عن يسيرة- ﵂ وكانت من المهاجرات؛ قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : «عليكنّ بالتّسبيح والتّهليل والتّقديس، واعقدن بالأنامل، فإنهنّ مسؤولات مستنطقات، ولا تغفلن، فتنسين الرّحمة» ) * «٢» . وفي رواية أبي داود: أنّ النّبيّ ﷺ أمرهنّ أن يراعين بالتّكبير والتّقديس والتّهليل، وأن يعقدن بالأنامل، فإنّهنّ مسؤولات مستنطقات» ) * «٣» . ٣-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ ؛ قالت: كان النّاس يصلّون في مسجد رسول الله ﷺ في رمضان أوزاعا يكون مع الرّجل شيء من القرآن فيكون معه النّفر الخمسة أو السّتّة أو أقلّ من ذلك أو أكثر فيصلّون بصلاته. قالت: فأمرني رسول الله ﷺ ليلة من ذلك أن أنصب له حصيرا أعلى باب حجرتي ففعلت. فخرج إليه رسول الله ﷺ بعد أن صلّى العشاء الآخرة. قالت: فاجتمع إليه من في المسجد فصلّى بهم رسول الله ﷺ ليلا طويلا ثمّ انصرف رسول الله ﷺ . فدخل وترك الحصير على حاله فلمّا أصبح النّاس تحدّثوا بصلاة رسول الله ﷺ بمن كان معه في المسجد تلك اللّيلة. قالت وأمسى المسجد راجّا بالنّاس فصلّى بهم رسول الله ﷺ العشاء الآخرة ثمّ دخل بيته وثبت النّاس. قالت: فقال لي رسول الله ﷺ : «ما شأن النّاس يا عائشة؟» . فقلت له: يا رسول الله، سمع النّاس بصلاتك البارحة بمن كان في المسجد فحشدوا لذلك لتصلّي بهم. قالت فقال: «اطوي عنّا حصيرك يا عائشة» ففعلت. وبات رسول الله ﷺ غير غافل وثبت النّاس مكانهم حتّى خرج رسول الله ﷺ إلى الصّبح فقالت: فقال: «أيّها النّاس، أما والله ما بتّ والحمد لله ليلتي هذه غافلا وما خفي علىّ مكانكم ولكنّي تخوّفت أن يفترض عليكم فاكلفوا من العمل ما تطيقون» ) * «٤» . ٤-* (عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة- ﵃ أنّهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد

стр. 5827

منبره: «لينتهينّ أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمنّ الله على قلوبهم. ثمّ ليكوننّ من الغافلين» ) * «١» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «من سكن البادية جفا، ومن اتّبع الصّيد غفل، ومن أتى السّلطان افتتن» ) * «٢» . ٦-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من قرأ عشر آيات في ليلة لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين» ) * «٣» . ٧-* (عن أبي سعيد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالموت يوم القيامة كأنّه كبش أملح «٤» (زاد أبو كريب) فيوقف بين الجنّة والنّار (واتّفقا في باقي الحديث) فيقال: يا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون «٥» وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت. قال: ويقال: يا أهل النّار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت. قال: فيؤمر به فيذبح. قال: ثمّ يقال: يا أهل الجنّة، خلود فلا موت. ويا أهل النّار خلود فلا موت» . ثمّ قرأ رسول الله ﷺ : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (مريم/ ٣٩) وأشار بيده إلى الدّنيا) * «٦» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الغفلة) معنى ٨-* (عن عديّ بن حاتم- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك وسمّيت فأمسك وقتل فكل وإن أكل فلا تأكل، فإنّما أمسك على نفسه. وإذا خالط كلابا لم يذكر اسم الله عليها فأمسكن فقتلن فلا تأكل، فإنّك لا تدري أيّها قتل. وإن رميت الصّيد فوجدته بعد يوم أو يومين ليس به إلّا أثر سهمك فكل، وإن وقع في الماء فلا تأكل» ) * «٧» . ٩-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «إذا دخل الرّجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشّيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء. وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشّيطان: أدركتم المبيت. وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء» ) * «٨» .

стр. 5828

١٠-* (عن العلاء بن عبد الرّحمن؛ أنّه دخل على أنس بن مالك في داره بالبصرة. حين انصرف من الظّهر. وداره بجنب المسجد. فلمّا دخلنا عليه قال: أصلّيتم العصر؟ فقلنا له: إنّما انصرفنا، السّاعة من الظّهر. قال: فصلّوا العصر. فقمنا فصلّينا. فلمّا انصرفنا قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تلك صلاة المنافق. يجلس يرقب الشّمس. حتّى إذا كانت بين قرني الشّيطان. قام فنقرها «١» أربعا لا يذكر الله فيها إلّا قليلا» ) * «٢» . ١١-* (عن حذيفة- ﵁ قال: كنّا إذا حضرنا مع النّبيّ ﷺ طعاما لم نضع أيدينا، حتّى يبدأ رسول الله ﷺ ، فيضع يده. وإنّا حضرنا معه، مرّة، طعاما. فجاءت جارية كأنّها تدفع. فذهبت لتضع يدها في الطّعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها. ثمّ جاء أعرابيّ كأنّما يدفع. فأخذ بيده. فقال رسول الله ﷺ : «إنّ الشّيطان يستحلّ الطّعام أن لا يذكر اسم الله عليه. وإنّه جاء بهذه الجارية ليستحلّ بها. فأخذت بيدها. فجاء بهذا الأعرابيّ ليستحلّ به. فأخذت بيده. والّذي نفسي بيده إنّ يده في يدي مع يدها» ) * «٣» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ما اجتمع قوم فتفرّقوا عن غير ذكر الله إلّا كأنّما تفرّقوا عن جيفة حمار وكان ذلك المجلس عليهم حسرة» ) * «٤» . ١٣-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «مثل الّذي يذكر ربّه والّذي لا يذكر ربّه مثل الحيّ والميّت» ) * «٥» . ١٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة» ) * «٦» . ١٥-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظّهر، كتب له كأنّما قرأه من اللّيل» ) * «٧» .

стр. 5829

من الآثار وأقوال العلماء. الواردة في ذمّ (الغفلة) ١-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: «من قرأ في ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين» ) * «١» . ٢-* (عن أبي أمامة- ﵁ قال: «من قرأ بمائة آية في ليلة لم يكتب من الغافلين» ) «٢» . والمراد بهذين الأثرين كثرة الذّكر وتعاهد القرآن حتّى لا يكون من الغافلين. ٣-* (عن أبي بكرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقولنّ أحدكم صمت رمضان كلّه ولا قمته كلّه» . قال الحسن: قال أبي وقال يزيد مرّة قال قتادة: الله أعلم أخاف على أمّته التّزكية أو لا بدّ من راقد أو غافل؟) * «٣» . ٤-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ قال: «ليس تحسّر أهل الجنّة إلّا على ساعة مرّت بهم لم يذكروا الله- فيها» ) * «٤» . ٥-* (عن أيوب بن سلمان، رجل من أهل صنعاء؛ قال: كنّا بمكّة فجلسنا إلى عطاء الخراسانيّ، إلى جنب جدار المسجد، فلم نسأله، ولم يحدّثنا، قال: ثمّ جلسنا إلى ابن عمر مثل مجلسكم هذا، فلم نسأله، ولم يحدّثنا، قال: فقال: ما بالكم لا تتكلّمون ولا تذكرون الله؟ قولوا: الله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله وبحمده بواحدة عشرا، وبعشر مائة، من زاد زاده الله، ومن سكت غفر له. ألا أخبركم بخمس سمعتهنّ من رسول الله ﷺ ؟ قالوا: بلى، قال: من حالت شفاعته دون حدّ من حدود الله فهو مضادّ الله في أمره، ومن أعان على خصومة بغير حقّ فهو مستظلّ في سخط الله حتّى يترك، ومن قفا مؤمنا أو مؤمنة حبسه الله في ردغة الخبال، عصارة أهل النّار، ومن مات وعليه دين أخذ لصاحبه من حسناته، لا دينار ثمّ ولا درهم، وركعتا الفجر حافظوا عليهما، فإنّهما من الفضائل) * «٥» . ٦-* (قال ابن القيّم- ﵀ «لا سبيل للغافل عن الذّكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى الوصول إلى البيت» ) * «٦» . ٧-* (وقال أيضا: على قدر غفلة العبد عن الذّكر يكون بعده عن الله) * «٧» . ٨- وقال أيضا: إنّ حجاب الهيبة لله- رقيق في قلب الغافل) * «٨» . ٩-* (وقال أيضا: إنّ الغافل بينه وبين الله- وحشة لا تزول إلّا بالذّكر) * «٩» .

стр. 5830

١٠-* (وقال أيضا: إنّ مجالس الذّكر مجالس الملائكة ومجالس اللّغو والغفلة مجالس الشّياطين فليتخيّر العبد أعجبهما إليه وأولاهما به فهو مع أهله في الدّنيا والآخرة) * «١» . ١١-* (وقال أيضا: إنّ كلّ مجلس لا يذكر العبد فيه ربّه تعالى كان عليه حسرة وترة يوم القيامة) * «٢» . من مضار (الغفلة) عن ذكر الله (١) أنّها تجلب الشّيطان وتسخط الرّحمن. (٢) تنزّل الهمّ والغمّ في القلب وتبعد عنه الفرح والسّرور (تميت القلب) . (٣) مدعاة للوسوسة والشّكوك. (٤) تورث العداوة والبغضاء وتذهب الحياء والوقار بين النّاس. (٥) تبلّد الذّهن وتسدّ أبواب المعرفة. (٦) تبعد العبد عن الله- وتجرّه إلى المعاصي.

стр. 5831

الغل الغل لغة: الغلّ- بالكسر- مصدر غلّ يغلّ بمعنى غشّ وحقد، وهو مأخوذ من مادّة (غ ل ل) الّتي تدلّ على تخلّل شيء وثبات شيء، يقول ابن فارس: الغين واللّام أصل صحيح يدلّ على تخلّل شيء، وثبات شيء كالشّيء يغرز، من ذلك قول العرب: غللت الشّيء في الشّيء، إذا أثبتّه فيه، كأنّك غرزته. ومن الباب الغلّ وهو الضّغن، ينغلّ في الصّدر، والغلّ في قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا (الحشر/ ١٠) قال: القرطبيّ في تفسيره، الغلّ هو الحقد والحسد «١» . والغليل: الحقد والحسد كالغلّ، بالكسر، وأيضا الضّغن والغشّ، والعداوة. قال تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ (الأعراف/ ٤٣) . الغلّ هو الحقد الكامن في الصّدر. وقيل: ألّا يحسد بعضهم بعضا في تفاضل منازلهم «٢» . وقال ابن منظور: الغلّ بالكسر، والغليل: الغشّ والعداوة والضّغن والحقد والحسد. وفي التّنزيل العزيز: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ قال الزّجّاج: حقيقته، والله أعلم، أنّه لا يحسد بعض أهل الجنّة بعضا في علوّ المرتبة لأنّ الحسد غلّ وهو أيضا كدر، والجنّة مبرّأة من ذلك. ويقال: غلّ صدره يغلّ بالكسر، غلّا إذا كان ذا غشّ أو ضغن، ورجل مغلّ، مضبّ على حقد وغلّ. ويقال: غلّ الرّجل وأغلّ: خان «٣» . وقال الرّاغب: غلّ يغلّ إذا صار ذا غلّ أي ضغن، وأغلّ أي صار ذا إغلال أي خيانة، وغلّ يغلّ إذا خان وأغللت فلانا إذا نسبته إلى الغلول. قال: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (آل عمران/ ١٦١) وقريء أَنْ يَغُلَّ أي ينسب إلى الخيانة من أغللته. قال: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ وروي «لا إغلال ولا إسلال» أي لا خيانة ولا سرقة. وقوله ﵊: «ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب المؤمن» أي لا يضطغن. وروي «لا يغلّ» أي لا يصير ذا خيانة. وأغلّ الجازر والسّالخ إذا ترك في الإهاب من اللّحم شيئا وهو من الإغلال «٤» .

стр. 5832

الغل اصطلاحا: قال الكفويّ: الغلّ: أخذ الخيانة في القلب على الخلق «١» . وقال أيضا: الغلّ: هو بمعنى الخيانة من باب دخل (غلّ يغلّ) وهو الضّغن إذا كان من باب ضرب (غلّ يغلّ) قلت: المصدر واحد ويختلف المعنى باختلاف الفعل المضارع. أمّا الغلول فهو الخيانة في بيت مال أو زكاة، أو غنيمة وقيّده بعضهم بالغنيمة. وقال القرطبيّ: الغلّ: هو الحقد الكامن في الصّدر «٢» . حكم الغل: عدّ العزّ بن عبد السّلام الغلّ من المنهيّات الباطنة مستدلّا بقوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا (الحشر/ ١٠) «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الحسد- السخط النقمة- الحقد- الغضب- الحمق- البغض. وفي ضد ذلك: انظر صفات: المحبة- الإخاء- الطهارة- الصبر والمصابرة- الحلم] . الآيات الواردة في ذمّ «الغل» ١- وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) «٤» ٢- وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧) «٥» ٣- وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) «٦»

стр. 5833

الأحاديث الواردة في ذمّ (الغل) ١-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيّ النّاس أفضل؟ قال: «كلّ مخموم القلب، صدوق اللّسان» قالوا: صدوق اللّسان نعرفه. فما مخموم القلب؟ قال: «هو التّقيّ النّقيّ. لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد» ) * «١» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الغل) معنى ٢-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إذا فتحت عليكم فارس والرّوم أيّ قوم أنتم؟» قال عبد الرّحمن ابن عوف: نقول كما أمرنا الله «٢» قال رسول الله ﷺ : «أو غير ذلك تتنافسون. ثمّ تتحاسدون. ثمّ تتدابرون. ثمّ تتباغضون. أو نحو ذلك. ثمّ تنطلقون في مساكين المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض «٣» » ) * «٤» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تفتح أبواب الجنّة يوم الاثنين، ويوم الخميس. فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا إلّا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: أنظروا هذين حتّى يصطلحا. أنظروا هذين حتّى يصطلحا. أنظروا هذين حتّى يصطلحا» ) * «٥» . ٤-* (عن الزّبير بن العوّام- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «دبّ «٦» إليكم داء الأمم: الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تحلق الشّعر ولكن تحلق الدّين، والّذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتّى تحابّوا، أفلا أنبّئكم بما يثبت ذاكم لكم؟ أفشوا السّلام بينكم» ) * «٧» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: كان النّبيّ ﷺ يقول: «ربّ أعنّي ولا تعن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ،

стр. 5834

ربّ اجعلني لك شكّارا، لك ذكّارا، لك رهّابا، لك مطواعا، لك مخبتا، إليك أوّاها منيبا، ربّ تقبّل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبّت حجّتي، وسدّد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري «١» » ) * «٢» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله «٣» ولا يحقره، التّقوى ههنا «٤» ويشير إلى صدره ثلاث مرّات بحسب امرىء من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» ) * «٥» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «والله لينزلنّ ابن مريم حكما عادلا. فليكسرنّ الصّليب. وليقتلنّ الخنزير. وليضعنّ الجزية. ولتتركنّ القلاص «٦» فلا يسعى عليها. ولتذهبنّ الشّحناء والتّباغض والتّحاسد وليدعونّ (وليدعونّ) إلى المال فلا يقبله أحد» ) * «٧» . ٨-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ في قوله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ (الأعراف/ ٤٣) قال: قال رسول الله ﷺ : «يخلص المؤمنون من النّار «٨» ، فيحبسون على قنطرة بين الجنّة والنّار، فيقصّ لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدّنيا، حتّى إذا هذّبوا ونقّوا «٩» ، أذن لهم في دخول الجنّة. فو الّذي نفس محمّد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنّة منه بمنزله كان في الدّنيا» ) * «١٠» .

стр. 5835

من أقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الغل) ١-* (قال قتادة- ﵀ قال عليّ ﵁: «إنّي لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزّبير من الّذين قال تعالى فيهم: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ (الأعراف/ ٤٣) » ) *) «١» . ٢-* (قال السّدّيّ- ﵀ في قوله تعالى: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ قال: «إنّ أهل الجنّة إذا سيقوا إلى الجنّة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما فينزع ما في صدورهم من غلّ فهو الشّراب الطّهور، واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النّعيم فلم يشعثوا ولم يشحبوا «٢» بعدها أبدا» ) * «٣» . ٣-* (قال الحسن- ﵀: «قال عليّ ﵁: فينا والله أهل بدر نزلت: وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ» ) * «٤» . ٤-* (قال الغزاليّ- ﵀: «اعلم أنّ الحسد من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب فهو فرع فرعه، والغضب أصل أصله» ) * «٥» . من مضار (الغل) (١) دليل دناءة النّفس وخبثها. (٢) يورث مقت الله وسخطه. (٣) ينقص الإيمان وقد يذهب بالإسلام. (٤) معول هدم وخراب في المجتمع. (٥) ينبأ عن سوء النّيّة وفساد الطّويّة.

стр. 5836

الغلو الغلو لغة: الغلوّ: مصدر قولهم: غلا في الأمر يغلو غلوّا، أي جاوز فيه الحدّ، يقول ابن فارس الغين واللّام والحرف المعتلّ أصل صحيح في الأمر يدلّ على ارتفاع ومجاوزة قدر. يقال: غلا السّعر يغلو غلاء، وذلك ارتفاعه، وغلا الرّجل في الأمر غلوّا إذا جاوز حدّه، وقيل: مجاوزة الحدّ إذا كانت في السّعر فهي غلاء، وإذا كانت في القدر والمنزلة فهي غلوّ، وفي السّهم غلو، وأفعالها جميعا غلا يغلو، قال تعالى: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ (النساء/ ١٧١) قال القرطبيّ: المراد غلوّ اليهود في عيسى حتّي قذفوا مريم، وغلوّ النّصارى فيه حتّى جعلوه إلها «١» . وفي الحديث: «إيّاكم والغلوّ في الدّين» أي التّشدّد فيه ومجاوزة الحدّ، ومنه الحديث: «وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي عنه» ، إنّما قال ذلك لأنّ من آدابه وأخلاقه الّتي أمر بها القصد في الأمور، وخير الأمور، أوساطها. والغلواء بالضّمّ وفتح اللّام، ويسكّن: الغلوّ، وهو التّجاوز، يقال: خفّف من غلوائك. وغلا في الدّين غلوّا من باب قعد، تصلّب وشدّد حتّى جاوز الحدّ ... وغالى في أمره مغالاة، بالغ «٢» . وقال ابن منظور: يقال غلا يغلو غلوّا وغلواء وغلانية وغلانيا. والغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كلّ شيء والإفراط فيه. فيقال للشّيء إذا ارتفع قد غلا. قال ذو الرّمّة: فما زال يغلو حبّ ميّة عندنا ... ويزداد حتّى لم نجد ما نزيدها ويقال: غلا النّبت: إذا ارتفع وعظم والتفّ «٣» . واصطلاحا: قال المناويّ: الغلوّ: مجاوزة الحدّ، والغلوّ في الدّين التّصلّب والتّشدّد فيه حتّى مجاوزة الحدّ «٤» . وقال القرطبيّ: الغلوّ في الدّين: الإفراط فيه كما أفرطت اليهود والنّصارى في عيسى، غلوّ اليهود في عيسى قولهم: ليس ولد رشدة، وغلوّ النّصارى قولهم: إنّه إله «٥» .

стр. 5837

أنواع الغلو: من يتأمّل الآيات والأحاديث الواردة في الغلوّ يجد أنّ الغلوّ علي ثلاثة أنواع: الأوّل: الغلوّ في الدّين وذلك بالاعتقادات الباطلة كما فعل بعض أهل الكتاب الّذين قالوا على الله غير الحقّ كقولهم: إنّ الله ثالث ثلاثة، وكقول اليهود والنّصارى في عيسى: إنّه ابن الله أو إنّه إله، وقول اليهود: إنّه ليس ابن رشدة. وعند المسلمين نجد كثيرا من الفرق الضّالّة الّتي غلت في دينها كالرّافضة والمرجئة. الثّاني: الغلوّ في القرآن الكريم، وذلك بمجاوزة الحدّ في قراءته بالتّطويل والتّطريح والتّشدّق، والخروج والتّأويل المبالغ فيه. الثّالث: الغلوّ في العلم، وذلك الّذي يؤدّي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، كما فعل أهل الكتاب قديما، وكما يفعل كثير من الجهّال في هذه الأيّام. الإيغال في الدين برفق: قال ابن المنيّر- ﵀: رأينا ورأى النّاس قبلنا أنّ كلّ متنطّع في الدّين ينقطع. وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة فإنّه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدّي إلى الملال، أو المبالغة في التّطوّع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلّي اللّيل كلّه ويغالب النّوم إلى أن غلبته عيناه في آخر اللّيل فنام عن صلاة الصّبح في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار. أو إلى أن طلعت الشّمس فخرج وقت الفريضة «١» . قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى- مبيّنا أنّ الغلوّ سبب لتشديد الله على العبد وعلى الأمّة: نهى النّبيّ ﷺ عن التّشديد في الدّين بالزّيادة على المشروع، وأخبر ﷺ أنّ تشديد العبد، على نفسه هو السّبب لتشديد الله عليه إمّا بالقدر وإمّا بالشّرع. فبالقدر كفعل أهل الوسواس فإنّهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد عليهم حتّى استحكم وصار صفة لازمة لهم. وأمّا التّشديد بالشّرع: كمن شدّد على نفسه بالنّذر، فشدّد الله عليه فألزمه الوفاء به «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الابتداع- التكلف- التعسير- التنفير- الطغيان- الكفر- التفريط والإفراط- اتباع الهوى. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التوسط- الاتباع- التيسير- الرفق- العبادة- الطاعة] .

стр. 5838

الآيات الواردة في «الغلو» ١- يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١) «١» ٢- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧) «٢» الآيات الواردة في «الغلو» معنى ٣- لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٣) «٣» ٤- وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) «٤» ٥- وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) «٥»

стр. 5839

الأحاديث الواردة في ذمّ (الغلو) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: «هات القط لي فلقطت له حصيات هنّ حصى الخذف فلمّا وضعتهنّ في يده، قال: «بأمثال هؤلاء وإيّاكم والغلوّ في الدّين، فإنّما أهلك من كان قبلكم الغلوّ في الدّين» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة؛ وعبد الله بن عمر- ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين» ) * «٢» . ٣-* (عن معقل بن يسار- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أمّتي لا تنالهما شفاعتي: سلطان ظلوم غشوم، وغال في الدّين، يشهد عليهم، ويتبرّأ منهم» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الغلو) معنى ٤-* (عن أبي جحيفة السّوائيّ وهب بن عبد الله- ﵁ أنّه قال: آخى النّبيّ ﷺ بين سلمان وأبي الدّرداء، فزار سلمان أبا الدّرداء فرأى أمّ الدّرداء متبذّلة، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدّرداء ليس له حاجة في الدّنيا. فجاء أبو الدّرداء، فصنع له طعاما. فقال له: كل. قال: فإنّي صائم، قال: ما أنا بآكل حتّى تأكل. قال: فأكل، فلمّا كان اللّيل ذهب أبو الدّرداء يقوم، قال: نم، فنام. ثمّ ذهب يقوم. فقال: نم. فلمّا كان من آخر اللّيل قال سلمان: قم الآن، فصلّيا. فقال له سلمان: إنّ لربّك عليك حقّا، ولنفسك عليك حقّا، ولأهلك عليك حقّا، فأعط كلّ ذي حقّ حقّه. فأتى النّبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال

стр. 5840

له النّبيّ ﷺ : «صدق سلمان» * «١» . ٥-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّه قال: أقبل رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف على رسول الله ﷺ وهو يعطي النّاس، قال: يا محمّد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم فقال رسول الله ﷺ : «أجل، فكيف رأيت؟» قال: لم أرك عدلت، قال: فغضب رسول الله ﷺ ثمّ قال: «ويحك إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟» . فقال عمر بن الخطّاب: يا رسول الله ألا نقتله؟ قال: «لا. دعوه، فإنّه سيكون له شيعة يتعمّقون في الدّين، حتّى يخرجوا منه، كما يخرج السّهم من الرّميّة «٢» ، ينظر في النّصل فلا يوجد شيء، ثمّ في القدح فلا يوجد شيء، ثمّ في الفوق «٣» فلا يوجد شيء سبق الفرث «٤» والدّم» ) * «٥» . ٦-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أعظم المسلمين في المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرّم على المسلمين، فحرّم عليهم من أجل مسألته» ) * «٦» . ٧-* (عن عائشة- ﵂ أنّ أمّ حبيبة وأمّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله ﷺ «٧» فقال رسول الله ﷺ : «إنّ أولئك، إذا كان فيهم الرّجل الصّالح فمات، بنوا على قبره مسجدا، وصوّروا فيه تلك الصّور. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» ) * «٨» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الدّين يسر، ولن يشادّ الدّين أحد إلّا غلبه. فسدّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة» ) * «٩» . ٩-* (عن أبي ثعلبة الخشنيّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله فرض فرائض فلا تضيّعوها، وحدّ حدودا فلا تعتدوها، وحرّم أشياء فلا تقربوها، وترك أشياء عن غير نسيان فلا تبحثوا عنها» ) * «١٠» . ١٠-* (عن عائشة- ﵂ أنّها

стр. 5841

قالت: «إنّ النّبيّ ﷺ دخل عليها وعندها امرأة. قال: «من هذه؟» قالت: فلانة، تذكر من صلاتها، قال: «مه، عليكم بما تطيقون، فو الله لا يملّ الله حتّى تملّوا، وكان أحبّ الدّين إليه ما داوم عليه صاحبه» ) * «١» . ١١-* (عن أنس- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ رأى شيخا يهادى بين ابنيه قال: «ما بال هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي. قال: «إنّ الله عن تعذيب هذا نفسه لغنيّ. وأمره أن يركب» ) * «٢» . ١٢-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّه قال: ذكر لرسول الله ﷺ رجال يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا. فقال: تلك ضراوة «٣» الإسلام وشرّته، ولكلّ ضراوة شرّة، ولكلّ شرّة فترة، فمن كانت فترته إلى اقتصاد وسنّة فلأمّ «٤» ما هو، ومن كانت فترته إلى المعاصي فذلك الهالك» ) * «٥» . ١٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ نفرا من أصحاب النّبيّ ﷺ سألوا أزواج النّبيّ ﷺ عن عمله في السّرّ فقال بعضهم: لا أتزوّج النّساء. وقال بعضهم: لا آكل اللّحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد لله وأثنى عليه، فقال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا. ولكنّي أصلّي وأنام. وأصوم وأفطر. وأتزوّج النّساء. فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» ) * «٦» . ١٤-* (عن عبد الله بن مغفّل- ﵁ أنّه سمع ابنه يقول: اللهمّ إنّي أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنّة إذا دخلتها، فقال: أي بنيّ، سل الله الجنّة، وتعوّذ به من النّار؛ فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّه سيكون في هذه الأمّة قوم يعتدون في الطّهور والدّعاء» ) * «٧» . ١٥-* (عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله. فإنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» ) * «٨» .

стр. 5842

١٦-* (عن جندب بن جنادة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إنّي أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإنّ الله تعالى قد اتّخذني خليلا، كما اتّخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متّخذا من أمّتي خليلا لاتّخذت أبابكر خليلا. ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. ألا فلا تتّخذوا القبور مساجد. إنّي أنهاكم عن ذلك» ) * «١» . ١٧-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: بينا النّبيّ ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظلّ ولا يتكلّم ويصوم، فقال النّبيّ ﷺ : مره فليتكلّم، وليستظلّ، وليقعد، وليتمّ صومه» ) * «٢» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: «أيّها النّاس قد فرض عليكم الله الحجّ فحجّوا» ، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟! فسكت. حتّى قالها ثلاثا. فقال رسول الله ﷺ : «لو قلت: نعم. لوجبت. ولما استطعتم» ، ثمّ قال: «ذروني ما تركتكم. فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» ) * «٣» . ١٩-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: دخل النّبيّ ﷺ ، فإذا حبل ممدود بين السّاريتين. فقال: ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلّقت. فقال النّبيّ ﷺ : «حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد» ) «٤» . ٢٠-* (قالت عائشة- ﵂ صنع النّبيّ ﷺ شيئا ترخّص فيه وتنزّه عنه قوم، فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ ، فحمد لله وأثنى عليه ثمّ قال: «ما بال أقوام يتنزّهون عن الشّيء أصنعه؟ فو الله إنّي أعلمهم بالله وأشدّهم له خشية» ) * «٥» . ٢١-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «فيك مثل من عيسى، أبغضته اليهود حتّى بهتوا أمّه، وأحبّته النّصارى حتّى أنزلوه بالمنزلة الّتي ليس به» ) * «٦» . ٢٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ ، في سفر، فرأى رجلا قد اجتمع النّاس عليه. وقد ظلّل عليه، فقال: «ما له؟» قالوا: رجل صائم. فقال رسول الله ﷺ : «ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر» ) * «٧» . ٢٣-* (عن عائشة وابن عبّاس- رضي الله

стр. 5843

عنهم- قالا: لمّا نزل «١» برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة «٢» له على وجهه فإذا اغتمّ كشفها عن وجهه، فقال وهو كذلك: «لعنة الله على اليهود والنّصارى. اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذّر ما صنعوا) * «٣» . ٢٤-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرّحمن: إنّي أقوى على الصّيام في السّفر. فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة» ) * «٤» . ٢٥-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ أنّه قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي لها النّبيّ ﷺ ، فقال ﷺ : «لتمش ولتركب» ) * «٥» . ٢٦-* (عن ابن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «هلك المتنطّعون «٦» قالها ثلاثا» ) * «٧» . ٢٧-* (عن أنس- ﵁ قال: واصل النّبيّ ﷺ آخر الشّهر وواصل أناس من النّاس فبلغ النّبيّ ﷺ ، فقال: «لو مدّ بي الشّهر لواصلت وصالا يدع المتعمّقون تعمّقهم. إنّي لست مثلكم، إنّي أظلّ يطعمني ربّي ويسقيني» ) * «٨» . ٢٨-* (عن ابن عبّاس- ﵄ سمع عمر بن الخطّاب- ﵁ يقول على المنبر سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «لا تطروني «٩» كما أطرت النّصارى ابن مريم، فإنّما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» ) * «١٠» . ٢٩-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الله ألم أخبر أنّك تصوم النّهار وتقوم اللّيل؟» فقلت: بلى يا رسول الله. قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم، فإنّ لجسدك عليك حقّا، وإنّ لعينك عليك حقّا، وإنّ لزوجك عليك حقّا، وإنّ لزورك «١١» عليك حقّا، وإنّ بحسبك أن تصوم كلّ شهر ثلاثة أيّام، فإنّ لك بكلّ حسنة عشر أمثالها، فإذن «١٢» ذلك صيام

стр. 5844

الدّهر كلّه، فشدّدت فشدّد عليّ، قلت: يا رسول الله إنّي أجد قوّة. قال: «فصم صيام نبيّ الله داود ﵇ ولا تزد عليه» قلت: وما كان صيام نبيّ الله داود ﵇، قال: «نصف الدّهر» ) * «١» . ٣٠-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ أنّه قال: لمّا بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن ومعاذ ابن جبل قال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا» . قال أبو موسى: يا رسول الله، إنّا بأرض يصنع فيها شراب من العسل يقال له البتع «٢» وشراب من الشّعير يقال له المزر «٣» . فقال رسول الله ﷺ : «كلّ مسكر حرام» ) * «٤» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الغلو) ١-* (قال عمر- ﵁: «لن تزالوا بخير ما عجّلتم الفطر، ولم تتنطّعوا تنطّع أهل العراق» ) * «٥» . ٢-* (وقال- ﵁ لرجل سأله عن معنى الأبّ لمّا قرأ وَفاكِهَةً وَأَبًّا قال: نهينا عن التّعمّق والتّكلّف) * «٦» . ٣-* (وقال أيضا- ﵁ في خطبة له: «ألا لا تغالوا بصدق النّساء، فإنّها لو كانت مكرمة في الدّنيا، أو تقوى عند لله، لكان أولاكم بها النّبيّ ﷺ ، ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقيّة» ) * «٧» . ٤-* (قال عليّ بن أبي طالب- ﵁: «لا تغال لي في كفن» ) * «٨» . ٥-* (وقال- ﵁: «يهلك فيّ رجلان: محبّ مفرط يقرّظني بما ليس فيّ، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني» ) * «٩» . ٦-* (عن أبي وائل قال: كان أبو موسى يشدّد في البول، ويبول في قارورة ويقول: إنّ بني

стр. 5845

إسرائيل كانوا إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض. فقال حذيفة لهم: «لوددت أنّ صاحبكم لا يشدّد هذا التّشديد» ) * «١» . ٧-* (قال ابن عمر- ﵄ في دعاء طويل: «اللهمّ يسّرنا لليسرى، وجنّبنا العسرى» ) * «٢» . ٨-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في وصف بني إسرائيل لمّا طلب منهم موسى- ﵇ أن يذبحوا بقرة: «لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنّهم شدّدوا فشدّد عليهم» ) * «٣» . ٩-* (وقال أيضا- ﵁ في معنى قوله تعالى فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (البقرة/ ٧١) : كادوا أن لا يفعلوا، ولم يكن ذلك الّذي أرادوا، لأنّهم أرادوا أن لا يذبحوها، يعني أنّهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلّا بعد الجهد، وفي هذا ذمّ لهم، وذلك أنّه لم يكن غرضهم إلّا التّعنّت» ) * «٤» . ١٠-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «صارت الأوثان الّتي كانت في قوم نوح في العرب بعد: أمّا ودّ. فكانت لكلب بدومة الجندل، وأمّا سواع. فكانت لهذيل، وأمّا يغوث. فكانت لمراد ثمّ لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأمّا يعوق فكانت لهمدان، وأمّا نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع أسماء رجال صالحين من قوم نوح. فلمّا هلكوا. أوحى الشّيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم الّتي كانوا يجلسون أنصابا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتّى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت «٥» » ) * «٦» . ١١-* (قال عبادة بن نسيّ- ﵁ لجماعة «أدركت أقواما ما كانوا يشدّدون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم» ) * «٧» . ١٢-* (عن أبي الصّلت قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: أمّا بعد؛ أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتّباع سنّة نبيّه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنّته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السّنّة؛ فإنّها لك بإذن الله عصمة، ثمّ اعلم أنّه لم يبتدع النّاس بدعة، إلّا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، أو عبرة فيها؛ فإنّ السّنّة إنّما سنّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ، والزّلل، والحمق، والتّعمّق، فارض لنفسك

стр. 5846

ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه. ولئن قلتم: «إنّما حدث بعدهم» . ما أحدثه إلّا من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم؛ فإنّهم هم السّابقون، فقد تكلّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصّر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنّهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير- بإذن الله- وقعت، ما أعلم ما أحدث النّاس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرا، ولا أثبت أمرا، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهليّة الجهلاء، يتكلّمون به في كلامهم، وفي شعرهم، يعزّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثمّ لم يزده الإسلام بعد إلّا شدّة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلّموا به في حياته وبعد وفاته، يقينا وتسليما لربّهم، وتضعيفا لأنفسهم، أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وأنّه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه، ومنه تعلّموه. ولئن قلتم: لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال: كذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك: كلّه بكتاب وقدر، وكتبت الشّقاوة وما يقدّر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرّا ولا نفعا، ثمّ رغبوا بعد ذلك ورهبوا» ) * «١» . ١٣-* (قال عبّاد بن عبّاد الخوّاص الشّاميّ رحمه الله تعالى-: «اعقلوا، فالعقل نعمة، فربّ ذي عقل قد شغل قلبه بالتّعمّق فيما هو عليه ضرر عن الانتفاع بما يحتاج إليه حتّى صار عن ذلك ساهيا، ومن فضل عقل المرء، ترك النّظر فيما لا نظر فيه. حتّى يكون فضل عقله وبالا عليه في ترك مناقشة من هو دونه في الأعمال الصّالحة، أو رجل شغل قلبه ببدعة قلّد فيها دينه رجالا دون أصحاب رسول الله ﷺ أو اكتفى برأيه فيما لا يرى الهدى إلّا فيها، ولا يرى الضّلالة إلّا تركها بزعم أنّه أخذها من القرآن، وهو يدعو إلى فراق القرآن، أفما كان للقرآن حملة قبله وقبل أصحابه يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه؟ وكانوا منه على منار أوضح الطّريق وكان القرآن إمام رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ إماما لأصحابه، وكان أصحابه أئمّة لمن بعدهم، رجال معروفون، منسوبون في البلدان، متّفقون في الرّد على أصحاب الأهواء مع ما كان بينهم من الاختلاف، وتسكّع أصحاب الأهواء برأيهم في سبل مختلفة، جائرة عن القصد، مفارقة للصّراط المستقيم، فتوّهت بهم أدلّاؤهم في مهامه مضلّة، فأمعنوا فيها متعسّفين في هيآتهم، كلّما أحدث لهم الشّيطان بدعة في ضلالتهم انتقلوا منها إلى غيرها، لأنّهم لم يطلبوا أثر السّالفين، ولم يقتدوا

стр. 5847

بالمهاجرين، وقد ذكر عن عمر أنّه قال لزياد: هل تدري ما يهدم الإسلام؟ زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمّة مضلّون، اتّقوا الله وما حدث في قرّائكم وأهل مساجدكم من الغيبة والنّميمة والمشي بين النّاس بوجهين ولسانين، وقد ذكر أنّ من كان ذا وجهين في الدّنيا كان ذا وجهين في النّار، يلقاك صاحب الغيبة فيغتاب عندك من يرى أنّك تحبّ غيبته، ويخالفك إلى صاحبك فيأتيه عنك بمثله، فإذا هو قد أصاب عند كلّ واحد منكما حاجته، وخفي على كلّ واحد منكما ما يأتي عند صاحبه. حضوره عند من حضره حضور الإخوان، وغيبته عن من غاب عنه غيبة الأعداء، من حضر منهم كانت له الأثرة، ومن غاب منهم لم تكن له حرمة، يغبن من حضره بالتّزكية، ويغتاب من غاب عنه بالغيبة، فيالعباد الله أما في القوم من رشيد ولا مصلح؟ به يقمع هذا عن مكيدته، ويردّه عن عرض أخيه المسلم، بل عرف هواهم فيما مشى به إليهم، فاستمكن منهم وأمكنوه من حاجته، فأكل بدينه مع أديانهم، فالله الله، ذبّوا عن حرم أعيانكم، وكفّوا ألسنتكم عنهم إلّا من خير، وناصحوا الله في أمّتكم إذ كنتم حملة الكتاب والسّنّة، فإنّ الكتاب لا ينطق حتّى ينطق به، وإنّ السّنّة لا تعمل حتّى يعمل بها، فمتى يتعلّم الجاهل إذا سكت العالم؟ فلم ينكر ما ظهر، ولم يأمر بما ترك، وقد أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه، اتّقوا الله فإنّكم في زمان رقّ فيه الورع، وقلّ فيه الخشوع، وحمل العلم مفسدوه، فأحبّوا أن يعرفوا بحمله، وكرهوا أن يعرفوا بإضاعته، فنطقوا فيه بالهوى لما أدخلوا فيه من الخطأ، وحرّفوا الكلم عمّا تركوا من الحقّ إلى ما عملوا به من باطل، فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها، وتقصيرهم تقصير لا يعترف به، كيف يهتدي المستدلّ المسترشد إذا كان الدّليل حائرا، أحبّوا الدّنيا وكرهوا منزلة أهلها فشاركوهم في العيش وزايلوهم بالقول، ودافعوا بالقول عن أنفسهم أن ينسبوا إلى عملهم، فلم يتبرّؤوا ممّا انتفوا منه، ولم يدخلوا فيما نسبوا إليه أنفسهم، لأنّ العامل بالحقّ متكلّم وإن سكت، وقد ذكر أنّ الله تعالى يقول: إنّي لست كلّ كلام الحكيم أتقبّل، ولكنّي أنظر إلى همّه وهواه. فإن كان همّه وهواه لي جعلت صمته حمدا ووقارا، وإن لم يتكلّم. وقال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها (الجمعة/ ٥) لم يعملوا بها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً كتبا. وقال خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ (البقرة/ ٦٣) قال: العمل بما فيه، ولا تكتفوا من السّنّة بانتحالها بالقول دون العمل بها فإنّ انتحال السّنّة دون العمل بها كذب بالقول مع إضاعة العلم، ولا تعيبوا بالبدع تزيّنا بعيبها، فإنّ فساد أهل البدع ليس بزائد في صلاحكم، ولا تعيبوها بغيا على أهلها، فإنّ البغي من فساد أنفسكم، وليس ينبغي للمطبّب أن يداوي المرضى بما يبرئهم ويمرضه، فإنّه إذا مرض اشتغل بمرضه عن مداواتهم، ولكن ينبغي أن يلتمس لنفسه الصّحّة ليقوى بها على علاج المرضى، فليكن أمركم فيما تنكرون على إخوانكم نظرا منكم لأنفسكم، ونصيحة منكم لربّكم، وشفقة

стр. 5848

منكم على إخوانكم، وأن تكونوا مع ذلك بعيوب أنفسكم أعنى منكم بعيوب غيركم، وأن يستفطم بعضكم بعضا النّصيحة، وأن يحظى عندكم من بذلها لكم وقبلها منكم، وقد قال عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه-: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، تحبّون أن تقولوا فيحتمل لكم، وإن قيل لكم مثل الّذي قلتم غضبتم، تجدون على النّاس فيما تنكرون من أمورهم وتأتون مثل ذلك، أفلا تحبّون أن يؤخذ عليكم؟ اتّهموا رأيكم ورأي أهل زمانكم، وتثبّتوا قبل أن تكلّموا، وتعلّموا قبل أن تعملوا، فإنّه يأتي زمان يشتبه فيه الحقّ والباطل، ويكون المعروف فيه منكرا، والمنكر فيه معروفا، فكم من متقرّب إلى الله بما يباعده، ومتحبّب إليه بما يبغضه عليه، قال الله تعالى أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً (فاطر/ ٨) الآية. فعليكم بالوقوف عند الشّبهات حتّى يبرز لكم واضح الحقّ بالبيّنة، فإنّ الدّاخل فيما لا يعلم بغير علم آثم، ومن نظر لله نظر الله له، عليكم بالقرآن فأتمّوا به وأمّوا به، وعليكم بطلب أثر الماضين فيه، ولو أنّ الأحبار والرّهبان لم يتّقوا زوال مراتبهم، وفساد منزلتهم بإقامة الكتاب وتبيانه، ما حرّفوه ولا كتموه، ولكنّهم لمّا خالفوا الكتاب بأعمالهم التمسوا أن يخدعوا قومهم عمّا صنعوا مخافة أن تفسد منازلهم، وأن يتبيّن للنّاس فسادهم، فحرّفوا الكتاب بالتّفسير، وما لم يستطيعوا تحريفه كتموه، فسكتوا عن صنيع أنفسهم إبقاء على منازلهم، وسكتوا عمّا صنع قومهم مصانعة لهم، وقد أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه، بل مالوا عليه ورفقوا لهم فيه» ) * «١» . ١٤-* (قال قتادة- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ (الملك/ ٥) «خلق هذه النّجوم لثلاث: جعلها زينة للسّماء، ورجوما للشّياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأوّل فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلّف مالا علم له به» ) * «٢» . ١٥-* (قال أبو جعفر الطّحاويّ- رحمه الله تعالى- في الطّحاويّة: «ودين الله في الأرض والسّماء واحد، وهو دين الإسلام، وهو بين الغلوّ والتّقصير، وبين التّشبيه والتّعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن واليأس» ) * «٣» . ١٦-* (قال ابن عقيل- ﵀: قال لي رجل: أنغمس في الماء مرارا كثيرة وأشكّ: هل صحّ لي الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقلت له: يا شيخ اذهب، فقد سقطت عنك الصّلاة. قال: وكيف؟ قال: لأنّ النّبيّ ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتّى يفيق، والنّائم حتّى يستيقظ، والصّبيّ حتّى يبلغ» ، ومن ينغمس في الماء مرارا ويشكّ هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون) * «٤» .

стр. 5849

١٧-* (قال شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «نهى الشّارع عن الغلوّ والتّشديد نهيا عامّا في الاعتقادات والأعمال» ) * «١» . ١٨-* (قال ابن القيّم- ﵀: «من كيد الشّيطان العجيب أنّه يشامّ النّفس، حتّى يعلم أيّ القوّتين تغلب عليها: قوّة الإقدام والشّجاعة، أم قوّة الانكفاف والإحجام والمهانة؟ وقد اقتطع أكثر النّاس إلّا أقلّ القليل في هذين الواديين، وادي التّقصير، ووادى المجاوزة والتّعدّي، والقليل منهم جدّا الثّابت على الصّراط الّذي كان عليه رسول الله ﷺ (وهو الوسط) » ) * «٢» . ١٩-* (قال ابن حجر- رحمه الله تعالى-: «لا يتعمّق أحد في الأعمال الدّينيّة ويترك الرّفق إلّا عجز وانقطع فيغلب» ) * «٣» . ٢٠-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى- «الأخذ بالعزيمة في موضع الرّخصة تنطّع، كمن يترك التّيمّم عند العجز عن استعمال الماء فيفضى به استعماله إلى حصول الضّرر» ) * «٤» . من مضار (الغلو) (١) مبعد عن الله، وموجب للنّار. (٢) الانقطاع عن العمل، وعدم المداومة عليه. (٣) دليل ضعف العقل، ومدخل لتسلّط الشّيطان. (٤) دليل الجهل، وقلّة الفهم. (٥) يورث الوسواس. (٦) ضيق النّفس ودوام الحزن.

стр. 5850

الغلول الغلول لغة: مصدر قولهم: غلّ يغلّ إذا خان في الفيء أو الغنيمة أو غيرهما، وهو مأخوذ من مادّة (غ ل ل) الّتي تدلّ على «تخلّل شيء وثباته، كالشّيء يغرز، من ذلك قول العرب: غللت الشّيء في الشّيء إذا أثبتّه فيه كأنّك غرزته، ومن الباب الغلول في المغنم، وهو أن يخفى الشّيء فلا يردّ إلى القسم، كأنّ صاحبه قد غلّه بين ثيابه» «١» . وقال الرّاغب: أصل الغلل تدرّع الشّيء وتوسّطه، ومن ذلك الغلل للماء الجاري بين الشّجر، والغلول وهو تدرّع الخيانة، والغلّ: العداوة يقال منه: غلّ يغلّ إذا صار ذا غلّ أي ضغن (وعداوة) ، وأغلّ أي صار ذا إغلال أي خيانة، وغلّ يغلّ إذا خان، وأغللت فلانا: نسبته «٢» إلى الغلول «٣» ، وقال الفيروزآباديّ: يقال: غلّ غلولا وأغلّ إغلالا إذا خان «٤» ، وقيل: خان في الفيء خاصّة، وقول الله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران/ ١٦١) قرأها بعضهم «٥» : أن يغلّ (بفتح الياء وضمّ الغين) وقرأها الآخرون «أن يغلّ» (بضمّ الياء وفتح الغين) «٦» ، والمعنى على القراءة الأولى «يغلّ» : يخون، والمعنى على القراءة الثّانية يحتمل أمرين، الأوّل: يخان يعني أن يؤخذ من غنيمته، والثّاني: يخوّن أي ينسب إلى الغلول «٧» ، وقال ابن منظور في توضيح معنى القراءة الأولى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قال: أي يخون أمّته. وتفسير ذلك أنّ الغنائم جمعها سيّدنا رسول الله ﷺ في غزاة فجاء جماعة من المسلمين فقالوا: ألا تقسم غنائمنا، فقال ﵊: «لو أفاء الله عليّ مثل أحد ذهبا ما منعتكم درهما، أترونني أغلّكم مغنمكم؟» قال ابن منظور: وكان أبو عمرو (بن العلاء) ، ويونس يختاران
следующие страницы →