← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه. ولئن قلتم: «إنّما حدث بعدهم» . ما أحدثه إلّا من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم؛ فإنّهم هم السّابقون، فقد تكلّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصّر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنّهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير- بإذن الله- وقعت، ما أعلم ما أحدث النّاس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرا، ولا أثبت أمرا، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهليّة الجهلاء، يتكلّمون به في كلامهم، وفي شعرهم، يعزّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثمّ لم يزده الإسلام بعد إلّا شدّة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلّموا به في حياته وبعد وفاته، يقينا وتسليما لربّهم، وتضعيفا لأنفسهم، أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وأنّه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه، ومنه تعلّموه. ولئن قلتم: لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال: كذا؟ لقد قرأوا منه ما قرأتم وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك: كلّه بكتاب وقدر، وكتبت الشّقاوة وما يقدّر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرّا ولا نفعا، ثمّ رغبوا بعد ذلك ورهبوا» ) * «١» . ١٣-* (قال عبّاد بن عبّاد الخوّاص الشّاميّ رحمه الله تعالى-: «اعقلوا، فالعقل نعمة، فربّ ذي عقل قد شغل قلبه بالتّعمّق فيما هو عليه ضرر عن الانتفاع بما يحتاج إليه حتّى صار عن ذلك ساهيا، ومن فضل عقل المرء، ترك النّظر فيما لا نظر فيه. حتّى يكون فضل عقله وبالا عليه في ترك مناقشة من هو دونه في الأعمال الصّالحة، أو رجل شغل قلبه ببدعة قلّد فيها دينه رجالا دون أصحاب رسول الله ﷺ أو اكتفى برأيه فيما لا يرى الهدى إلّا فيها، ولا يرى الضّلالة إلّا تركها بزعم أنّه أخذها من القرآن، وهو يدعو إلى فراق القرآن، أفما كان للقرآن حملة قبله وقبل أصحابه يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه؟ وكانوا منه على منار أوضح الطّريق وكان القرآن إمام رسول الله ﷺ وكان رسول الله ﷺ إماما لأصحابه، وكان أصحابه أئمّة لمن بعدهم، رجال معروفون، منسوبون في البلدان، متّفقون في الرّد على أصحاب الأهواء مع ما كان بينهم من الاختلاف، وتسكّع أصحاب الأهواء برأيهم في سبل مختلفة، جائرة عن القصد، مفارقة للصّراط المستقيم، فتوّهت بهم أدلّاؤهم في مهامه مضلّة، فأمعنوا فيها متعسّفين في هيآتهم، كلّما أحدث لهم الشّيطان بدعة في ضلالتهم انتقلوا منها إلى غيرها، لأنّهم لم يطلبوا أثر السّالفين، ولم يقتدوا

стр. 5847

بالمهاجرين، وقد ذكر عن عمر أنّه قال لزياد: هل تدري ما يهدم الإسلام؟ زلّة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمّة مضلّون، اتّقوا الله وما حدث في قرّائكم وأهل مساجدكم من الغيبة والنّميمة والمشي بين النّاس بوجهين ولسانين، وقد ذكر أنّ من كان ذا وجهين في الدّنيا كان ذا وجهين في النّار، يلقاك صاحب الغيبة فيغتاب عندك من يرى أنّك تحبّ غيبته، ويخالفك إلى صاحبك فيأتيه عنك بمثله، فإذا هو قد أصاب عند كلّ واحد منكما حاجته، وخفي على كلّ واحد منكما ما يأتي عند صاحبه. حضوره عند من حضره حضور الإخوان، وغيبته عن من غاب عنه غيبة الأعداء، من حضر منهم كانت له الأثرة، ومن غاب منهم لم تكن له حرمة، يغبن من حضره بالتّزكية، ويغتاب من غاب عنه بالغيبة، فيالعباد الله أما في القوم من رشيد ولا مصلح؟ به يقمع هذا عن مكيدته، ويردّه عن عرض أخيه المسلم، بل عرف هواهم فيما مشى به إليهم، فاستمكن منهم وأمكنوه من حاجته، فأكل بدينه مع أديانهم، فالله الله، ذبّوا عن حرم أعيانكم، وكفّوا ألسنتكم عنهم إلّا من خير، وناصحوا الله في أمّتكم إذ كنتم حملة الكتاب والسّنّة، فإنّ الكتاب لا ينطق حتّى ينطق به، وإنّ السّنّة لا تعمل حتّى يعمل بها، فمتى يتعلّم الجاهل إذا سكت العالم؟ فلم ينكر ما ظهر، ولم يأمر بما ترك، وقد أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه، اتّقوا الله فإنّكم في زمان رقّ فيه الورع، وقلّ فيه الخشوع، وحمل العلم مفسدوه، فأحبّوا أن يعرفوا بحمله، وكرهوا أن يعرفوا بإضاعته، فنطقوا فيه بالهوى لما أدخلوا فيه من الخطأ، وحرّفوا الكلم عمّا تركوا من الحقّ إلى ما عملوا به من باطل، فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها، وتقصيرهم تقصير لا يعترف به، كيف يهتدي المستدلّ المسترشد إذا كان الدّليل حائرا، أحبّوا الدّنيا وكرهوا منزلة أهلها فشاركوهم في العيش وزايلوهم بالقول، ودافعوا بالقول عن أنفسهم أن ينسبوا إلى عملهم، فلم يتبرّؤوا ممّا انتفوا منه، ولم يدخلوا فيما نسبوا إليه أنفسهم، لأنّ العامل بالحقّ متكلّم وإن سكت، وقد ذكر أنّ الله تعالى يقول: إنّي لست كلّ كلام الحكيم أتقبّل، ولكنّي أنظر إلى همّه وهواه. فإن كان همّه وهواه لي جعلت صمته حمدا ووقارا، وإن لم يتكلّم. وقال الله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها (الجمعة/ ٥) لم يعملوا بها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً كتبا. وقال خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ (البقرة/ ٦٣) قال: العمل بما فيه، ولا تكتفوا من السّنّة بانتحالها بالقول دون العمل بها فإنّ انتحال السّنّة دون العمل بها كذب بالقول مع إضاعة العلم، ولا تعيبوا بالبدع تزيّنا بعيبها، فإنّ فساد أهل البدع ليس بزائد في صلاحكم، ولا تعيبوها بغيا على أهلها، فإنّ البغي من فساد أنفسكم، وليس ينبغي للمطبّب أن يداوي المرضى بما يبرئهم ويمرضه، فإنّه إذا مرض اشتغل بمرضه عن مداواتهم، ولكن ينبغي أن يلتمس لنفسه الصّحّة ليقوى بها على علاج المرضى، فليكن أمركم فيما تنكرون على إخوانكم نظرا منكم لأنفسكم، ونصيحة منكم لربّكم، وشفقة

стр. 5848

منكم على إخوانكم، وأن تكونوا مع ذلك بعيوب أنفسكم أعنى منكم بعيوب غيركم، وأن يستفطم بعضكم بعضا النّصيحة، وأن يحظى عندكم من بذلها لكم وقبلها منكم، وقد قال عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه-: رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، تحبّون أن تقولوا فيحتمل لكم، وإن قيل لكم مثل الّذي قلتم غضبتم، تجدون على النّاس فيما تنكرون من أمورهم وتأتون مثل ذلك، أفلا تحبّون أن يؤخذ عليكم؟ اتّهموا رأيكم ورأي أهل زمانكم، وتثبّتوا قبل أن تكلّموا، وتعلّموا قبل أن تعملوا، فإنّه يأتي زمان يشتبه فيه الحقّ والباطل، ويكون المعروف فيه منكرا، والمنكر فيه معروفا، فكم من متقرّب إلى الله بما يباعده، ومتحبّب إليه بما يبغضه عليه، قال الله تعالى أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً (فاطر/ ٨) الآية. فعليكم بالوقوف عند الشّبهات حتّى يبرز لكم واضح الحقّ بالبيّنة، فإنّ الدّاخل فيما لا يعلم بغير علم آثم، ومن نظر لله نظر الله له، عليكم بالقرآن فأتمّوا به وأمّوا به، وعليكم بطلب أثر الماضين فيه، ولو أنّ الأحبار والرّهبان لم يتّقوا زوال مراتبهم، وفساد منزلتهم بإقامة الكتاب وتبيانه، ما حرّفوه ولا كتموه، ولكنّهم لمّا خالفوا الكتاب بأعمالهم التمسوا أن يخدعوا قومهم عمّا صنعوا مخافة أن تفسد منازلهم، وأن يتبيّن للنّاس فسادهم، فحرّفوا الكتاب بالتّفسير، وما لم يستطيعوا تحريفه كتموه، فسكتوا عن صنيع أنفسهم إبقاء على منازلهم، وسكتوا عمّا صنع قومهم مصانعة لهم، وقد أخذ الله ميثاق الّذين أوتوا الكتاب ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه، بل مالوا عليه ورفقوا لهم فيه» ) * «١» . ١٤-* (قال قتادة- رحمه الله تعالى- في تفسير قوله تعالى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ (الملك/ ٥) «خلق هذه النّجوم لثلاث: جعلها زينة للسّماء، ورجوما للشّياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأوّل فيها بغير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلّف مالا علم له به» ) * «٢» . ١٥-* (قال أبو جعفر الطّحاويّ- رحمه الله تعالى- في الطّحاويّة: «ودين الله في الأرض والسّماء واحد، وهو دين الإسلام، وهو بين الغلوّ والتّقصير، وبين التّشبيه والتّعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن واليأس» ) * «٣» . ١٦-* (قال ابن عقيل- ﵀: قال لي رجل: أنغمس في الماء مرارا كثيرة وأشكّ: هل صحّ لي الغسل أم لا؟ فما ترى في ذلك؟ فقلت له: يا شيخ اذهب، فقد سقطت عنك الصّلاة. قال: وكيف؟ قال: لأنّ النّبيّ ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتّى يفيق، والنّائم حتّى يستيقظ، والصّبيّ حتّى يبلغ» ، ومن ينغمس في الماء مرارا ويشكّ هل أصابه الماء أم لا فهو مجنون) * «٤» .

стр. 5849

١٧-* (قال شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «نهى الشّارع عن الغلوّ والتّشديد نهيا عامّا في الاعتقادات والأعمال» ) * «١» . ١٨-* (قال ابن القيّم- ﵀: «من كيد الشّيطان العجيب أنّه يشامّ النّفس، حتّى يعلم أيّ القوّتين تغلب عليها: قوّة الإقدام والشّجاعة، أم قوّة الانكفاف والإحجام والمهانة؟ وقد اقتطع أكثر النّاس إلّا أقلّ القليل في هذين الواديين، وادي التّقصير، ووادى المجاوزة والتّعدّي، والقليل منهم جدّا الثّابت على الصّراط الّذي كان عليه رسول الله ﷺ (وهو الوسط) » ) * «٢» . ١٩-* (قال ابن حجر- رحمه الله تعالى-: «لا يتعمّق أحد في الأعمال الدّينيّة ويترك الرّفق إلّا عجز وانقطع فيغلب» ) * «٣» . ٢٠-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى- «الأخذ بالعزيمة في موضع الرّخصة تنطّع، كمن يترك التّيمّم عند العجز عن استعمال الماء فيفضى به استعماله إلى حصول الضّرر» ) * «٤» . من مضار (الغلو) (١) مبعد عن الله، وموجب للنّار. (٢) الانقطاع عن العمل، وعدم المداومة عليه. (٣) دليل ضعف العقل، ومدخل لتسلّط الشّيطان. (٤) دليل الجهل، وقلّة الفهم. (٥) يورث الوسواس. (٦) ضيق النّفس ودوام الحزن.

стр. 5850

الغلول الغلول لغة: مصدر قولهم: غلّ يغلّ إذا خان في الفيء أو الغنيمة أو غيرهما، وهو مأخوذ من مادّة (غ ل ل) الّتي تدلّ على «تخلّل شيء وثباته، كالشّيء يغرز، من ذلك قول العرب: غللت الشّيء في الشّيء إذا أثبتّه فيه كأنّك غرزته، ومن الباب الغلول في المغنم، وهو أن يخفى الشّيء فلا يردّ إلى القسم، كأنّ صاحبه قد غلّه بين ثيابه» «١» . وقال الرّاغب: أصل الغلل تدرّع الشّيء وتوسّطه، ومن ذلك الغلل للماء الجاري بين الشّجر، والغلول وهو تدرّع الخيانة، والغلّ: العداوة يقال منه: غلّ يغلّ إذا صار ذا غلّ أي ضغن (وعداوة) ، وأغلّ أي صار ذا إغلال أي خيانة، وغلّ يغلّ إذا خان، وأغللت فلانا: نسبته «٢» إلى الغلول «٣» ، وقال الفيروزآباديّ: يقال: غلّ غلولا وأغلّ إغلالا إذا خان «٤» ، وقيل: خان في الفيء خاصّة، وقول الله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران/ ١٦١) قرأها بعضهم «٥» : أن يغلّ (بفتح الياء وضمّ الغين) وقرأها الآخرون «أن يغلّ» (بضمّ الياء وفتح الغين) «٦» ، والمعنى على القراءة الأولى «يغلّ» : يخون، والمعنى على القراءة الثّانية يحتمل أمرين، الأوّل: يخان يعني أن يؤخذ من غنيمته، والثّاني: يخوّن أي ينسب إلى الغلول «٧» ، وقال ابن منظور في توضيح معنى القراءة الأولى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قال: أي يخون أمّته. وتفسير ذلك أنّ الغنائم جمعها سيّدنا رسول الله ﷺ في غزاة فجاء جماعة من المسلمين فقالوا: ألا تقسم غنائمنا، فقال ﵊: «لو أفاء الله عليّ مثل أحد ذهبا ما منعتكم درهما، أترونني أغلّكم مغنمكم؟» قال ابن منظور: وكان أبو عمرو (بن العلاء) ، ويونس يختاران

стр. 5851

هذه القراءة، وكان يونس يقول: كيف لا يغلّ؟ بلى ويقتل «١» . وقال ابن برّيّ مرجّحا هذه القراءة أيضا: قلّ أن تجد في كلام العرب: ما كان لفلان أن يضرب، على أن يكون الفعل مبنيّا للمفعول، وإنّما تجده مبنيّا للفاعل، كقولك: ما كان لمؤمن أن يكذب، وما كان لنبيّ أن يخون، وما كان لمحرم أن يلبس، وبهذا (الدّليل اللّغويّ) يعلم صحّة قراءة من قرأ «يغلّ» على إسناد الفعل للفاعل دون المفعول «٢» ، وقال أبو عليّ الفارسيّ: والحجّة لمن قرأ «يغلّ» أنّ ما جاء من التّنزيل من هذا النّحو أسند الفعل فيه إلى الفاعل نحو قوله سبحانه ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ (يوسف/ ٣٨) ، وقوله وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (آل عمران/ ١٤٥) . ولا يكاد يجيء منه نحو «ما كان زيد ليضرب» ، وقد روي أنّ عبد الله بن عبّاس قيل له: إنّ ابن مسعود يقرأ «يغلّ» فقال: بلى والله ويقتل. وعنه أيضا: قد كان النّبيّ يقتل فكيف لا يخوّن. وقد احتجّ للقراءة الثّانية أيضا «يغلّ» بأنّ المعنى إمّا: أن ينسب إلى ذلك أي لا يقال له غللت، وذلك كقولهم: أكفرت فلانا أي نسبته إلى الكفر، كما في قول الشّاعر: فطائفة قد أكفرتني بحبّكم أي نسبتني إلى الكفر، قال أبو عليّ: ويجوز أن يكون المعنى: ليس لأحد أن يغلّه فيأخذ من الغنيمة الّتي حازها.. لأنّ المعاصي تعظم بحضرته، فالغلول وإن كان كبيرا فهو بحضرته ﷺ أعظم (إثما) «٣» . وقال الخليل: رجل مغلّ أي مضبّ على غلّ، والمغلّ أيضا: الخائن. والغلول: خيانة الفيء، ومن ذلك ما جاء في الحديث: «لا إسلال ولا إغلال» أي لا خيانة ولا سرقة «٤» ، قال الجوهريّ: ويقال: لا رشوة «٥» ، وقال ابن الأثير: الإغلال: الخيانة أو السّرقة الخفيّة، (فأمّا الإغلال فهو من قولهم أغلّ الرّجل إغلالا إذا خان، قال النّمر بن تولب: جزى الله عنّا جمرة ابنة تولب ... جزاء مغلّ بالخيانة كاذب) «٦» . وأمّا الإسلال فهو من قولهم: سلّ البعير وغيره في جوف اللّيل إذا انتزعه من بين الإبل، وأمّا الغلول: فهو الخيانة في المغنم والسّرقة من الغنيمة قبل

стр. 5852

القسمة، وكلّ من خان في شيء خفية فقد غلّ، وسمّي ذلك غلولا لأنّ الأيدي فيها مغلولة، أي ممنوعة مجعول فيها غلّ (أي قيد) وهو الحديدة الّتي تجمع يد الأسير إلى عنقه «١» ، وقد ذهب ابن حجر إلى أنّ الغلول مأخوذ من معنى الإخفاء فقال: سمّي الغلول غلولا لأنّ صاحبه يغلّه في متاعه أي يخفيه فيه «٢» ، وربّما ترجّح ذلك بما ذكره القرطبيّ من أنّ الغلول هو أن يأخذ الغالّ من المغنم شيئا يستره عن أصحابه وذكر من ذلك (المعنى) تغلغل الماء في الشّجر إذا تخلّلها، والغلل وهو الماء الجاري في أصول الشّجر لأنّه مستتر بين الأشجار، والغلالة للثّوب الّذي يلبس تحت الثّياب «٣» ، ثمّ أطلق لفظ الغلول على الخيانة في كلّ شيء، ومن ذلك الحديث الشّريف: ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب مؤمن «٤» قال ابن الأثير: الغلول هنا الخيانة: في كلّ شيء، وقال أبو عبيد «٥» : يروى الحديث: لا يغلّ (بضمّ الياء وكسر الغين) ، ويروى «لا يغلّ» (بفتح الياء وكسر الغين) فمن قال يغلّ بالفتح فإنّه يجعله من الغلّ وهو الضّغن والشّحناء، ومن قال يغلّ (بضمّ الياء) جعله من الخيانة من الإغلال، وأمّا الغلول فإنّه من المغنم خاصّة، يقال منه: غلّ يغلّ غلولا ولا نراه من الأوّل ولا من الثّاني، وممّا يبيّن ذلك أنّه يقال من الخيانة أغلّ يغلّ، ويقال من الغلّ: غلّ يغلّ، ويقال من الغلول: غلّ يغلّ (بضمّ الغين) فهذه الوجوه مختلفة «٦» . وقال ابن الأثير وروي الحديث يغل بالتّخفيف من الوغول وهو الدّخول في الشّرّ. قال: والمعنى أنّ هذه الخلال الثّلاث تستصلح بها القلوب، فمن تمسّك بها طهر قلبه من الخيانة والدّغل والشّرّ «٧» . الغلول اصطلاحا: قال الكفويّ: الغلول الخيانة في بيت مال أو زكاة أو غنيمة وقيّده أبو عبيدة بالغنيمة فقط «٨» . وقال ابن حجر: الغلول (في الغنيمة) هو اختصاص أحد الغزاة، سواء الأمير أو غيره بشيء من مال الغنيمة قبل القسمة من غير أن يحضره إلى أمير الجيوش ليخمّسه، وإن قلّ المأخوذ «٩» . أنواع الغلول: للغلول أنواع عديدة منها:

стр. 5853

١- الغلول في الفيء أو الغنائم، وهذا هو المشهور الّذي ينصرف إليه اللّفظ عند الإطلاق. ٢- الغلول في الزّكاة، بدليل ما رواه أبو مسعود الأنصاريّ من قوله ﷺ : «لا ألفينّك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصّدقة قد غللته..» «١» . ٣- ومن الغلول أيضا ما ذكره القرطبيّ من هدايا العمّال (الموظّفين) قال: وحكمه في الفضيحة في الآخرة حكم الغالّ «٢» . ٤- ومن الغلول: حبس الكتب عن أصحابها، ويدخل غيرها في معناها، وسيأتي في الآثار قول الزّهريّ: إيّاك وغلول الكتب، فقيل له: وما غلول الكتب؟ قال: حبسها عن أصحابها «٣» . ٥- الاختلاس من الأموال العامّة، بدليل ما رواه أبو داود عن المستورد بن شدّاد من قوله: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا، قال أبو بكر: قال النّبيّ ﷺ : «من اتّخذ غير ذلك فهو غالّ أو سارق» «٤» . ٦- ومن الغلول أيضا اغتصاب الأرض أو العقار أو ما أشبه ذلك، بل إنّ ذلك من أعظم الغلول كما جاء في حديث الأشجعيّ الّذي رواه أحمد «٥» . حكم الغلول: قال ابن حجر: نقل النوويّ الإجماع على أنّ الغلول من الكبائر «٦» ، وقال الذّهبيّ: الغلول من الغنيمة أو من بيت المال، أو من الزّكاة من الكبائر، لما جاء فى حديث مسلم عن أبي هريرة- ﵁ من قوله ﷺ «لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ... الحديث» «٧» ، قال الذّهبيّ: فمن أخذ شيئا من هذه الأنواع المذكورة في الحديث من الغنيمة قبل أن تقسم بين الغانمين، أو من بيت المال بغير إذن الإمام، أو من الزّكاة الّتي تجمع للفقراء جاء يوم القيامة حاملا له على رقبته، كما ذكر الله تعالى وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ (آل عمران/ ١٦١) «٨» . وقال ابن حجر: من الكبائر «٩» : الغلول من الغنيمة والسّتر عليه، وبعد أن ذكر الآيات والأحاديث الدّالّة على ذلك، قال: عدّ الغلول من الكبائر هو ما صرّحوا به، وكالغنيمة في ذلك، الغلول من الأموال المشتركة بين المسلمين، ومن بيت المال والزّكاة، ولا فرق في غالّ الزّكاة بين أن يكون من مستحقّيها أو لا «١٠» .

стр. 5854

حكم الغالّ في الدنيا: قال القرطبيّ: إذا غلّ الرّجل في المغنم ووجد (ما غلّه) أخذ منه وأدّب وعوقب بالتّعزير، واختلف الفقهاء في حرق متاعه فذهب مالك والشّافعيّ وأبو حنيفة واللّيث إلى أنّ متاعه لا يحرق وقال الأوزاعيّ: يحرق متاع الغالّ كلّه إلّا سلاحه وثيابه الّتي عليه وسرجه ولا يحرق الشّيء الّذي غلّه «١» ، وهذا قول أحمد وإسحاق، وقاله الحسن أيضا «٢» ، واستدلّ أصحاب الرّأي الأوّل بأنّ الرّسول ﷺ لم يحرق متاع الرّجل الّذي أخذ الشّملة، ولا أحرق متاع صاحب الخرزات الّذي ترك الصّلاة عليه، ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله المصطفى ﷺ ، ولو فعله لنقل ذلك في الحديث، واحتجّ أصحاب الرّأي الثّاني بما روي من أنّ أبابكر وعمر ﵄ ضربا الغالّ وأحرقا متاعه، وبما رواه أبو داود والتّرمذيّ عن صالح بن محمّد بن زائدة يرفعه إلى عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا وجدتم الرّجل قد غلّ فأحرقوا متاعه واضربوه» «٣» ، وقد أجاب أصحاب الرّأي الأوّل بأنّ ما روي عن عمر- ﵁ لا يحتجّ به لأنّ من رواته صالح بن محمّد وهو ضعيف لا يحتجّ بما يرويه، وقد قال عنه الإمام البخاريّ: هو منكر الحديث، قال القرطبيّ: وهو عندنا (أي ما رواه صالح) حديث لا يجب به انتهاك حرمة، ولا إنفاذ حكم، لما يعارضه من الآثار (والأحاديث) الّتي هي أقوى منه، وما ذهب إليه مالك (وأصحاب الفريق الأوّل) أصحّ من جهة النّظر وصحيح الأثر «٤» ، هذا ولا يصحّ أيضا ما رواه بعضهم عن قتله (أي الغالّ) لأنّ دم المسلم لا يحلّ إلّا بإحدى ثلاث ليس منها الغلول، وبما رواه جابر عن النّبيّ ﷺ «ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع» وإذا انتفى عنه القطع فالقتل أولى (بأن ينتفي) «٥» . [للاستزادة: انظر صفات: أكل الحرام- الخيانة- السرقة- الغش- التطفيف- التناجش. وفي ضد ذلك: انظر صفات: أكل الطيبات- الأمانة- العفة- النزاهة- القناعة- التقوى] . الآيات الواردة في «الغلول» ١- وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) «٦»

стр. 5855

الأحاديث الواردة في ذمّ (الغلول) ١-* (عن أبي حميد السّاعديّ- ﵁ أنّه أخبر أنّ النّبيّ ﷺ استعمل عاملا فجاءه العامل حين فرغ من عمله فقال: يا رسول الله، هذا لكم وهذا أهدي لي. فقال له: أفلا قعدت في بيت أبيك وأمّك فنظرت أيهدى لك أم لا؟» ثمّ قام رسول الله ﷺ عشيّة بعد الصّلاة فتشهّد وأثنى على الله بما هو أهله ثمّ قال: «أمّا بعد فما بال العامل نستعمله، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم وهذا أهدي إليّ، أفلا قعد في بيت أبيه وأمّه فنظر هل يهدى له أم لا؟ فو الّذي نفس محمّد بيده، لا يغلّ أحدكم منها شيئا إلّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه إن كان بعيرا جاء به له رغاء، وإن كانت بقرة جاء بها لها خوار «١» ، وإن كانت شاة جاء بها تيعر «٢» . فقد بلّغت» فقال أبو حميد: ثمّ رفع رسول الله ﷺ يده حتّى إنّا لننظر إلى عفرة إبطيه. قال أبو حميد: وقد سمع ذلك معي زيد بن ثابت من النّبيّ ﷺ فسلوه) * «٣» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ ذات يوم فذكر الغلول فعظّمه وعظّم أمره، قال: «لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء «٤» يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة «٥» فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء «٦» يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس «٧» لها صياح فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع «٨» تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك. لا ألفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت «٩» فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك» ) * «١٠» . ٣-* (عن عديّ بن عميرة الكنديّ قال:

стр. 5856

سمعت رسول الله ﷺ يقول «من استعملناه «١» منكم على عمل فكتمنا مخيطا «٢» فما فوقه كان غلولا يأتي به يوم القيامة» ) * «٣» . ٤-* (عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميرا على جيش أو سريّة أوصاه في خاصّته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا» . ثمّ قال: «اغزوا في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليدا ... » الحديث) * «٤» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «غزا نبيّ من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها «٥» ولمّا يبن، ولا آخر قد بنى بنيانا، ولمّا يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات «٦» ، وهو منتظر ولادها، قال: فغزا. فأدنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريبا من ذلك. فقال للشّمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهمّ احبسها عليّ شيئا، فحبست عليه حتّى فتح الله عليه، قال: فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النّار لتأكله، فأبت أن تطعمه، فقال: فيكم غلول، فليبايعني من كلّ قبيلة رجل، فبايعوه فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فبايعته، قال: فلصقت «٧» بيد رجلين أو ثلاثة، فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم. قال: فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه فى المال وهو بالصّعيد «٨» ، فأقبلت النّار فأكلته، فلم تحلّ الغنائم لأحد من قبلنا «٩» ، ذلك بأنّ الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا» ) * «١٠» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ إنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وزاد أبو هريرة «ولا ينتهب نهبة «١١» ذات شرف يرفع النّاس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» وزاد همّام «١٢» «ولا يغلّ أحدكم حين يغلّ وهو مؤمن فإيّاكم إيّاكم» ) * «١٣» . ٧-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ قال: لمّا كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النّبيّ ﷺ فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد. حتّى مرّوا

стр. 5857

على رجل فقالوا: فلان شهيد. فقال رسول الله ﷺ : «كلّا إنّي رأيته في النّار في بردة غلّها أو عباءة «١» » ، ثمّ قال رسول الله ﷺ : «يا ابن الخطّاب: «اذهب فناد في النّاس أنّه لا يدخل الجنّة إلّا المؤمنون» . قال فخرجت فناديت: ألا إنّه لا يدخل الجنّة إلّا المؤمنون) * «٢» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قيل يا رسول الله: قد استشهد مولاك فلان. قال: «كلّا، إنّي رأيت عليه عباءة غلّها يوم كذا وكذا» ) * «٣» . ٩-* (عن عامر بن أبي عامر الأشعريّ عن أبيه- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «نعم الحيّ: الأسد، والأشعريّون «٤» ، لا يفرّون في القتال، ولا يغلّون، هم منّي، وأنا منهم» . قال: فحدّثت بذلك معاوية، فقال: ليس هكذا قال رسول الله ﷺ ، قال: «هم منّي وإليّ» ، فقلت: ليس هكذا حدّثني أبي ولكنّه حدّثني، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هم منّي وأنا منهم» ، قال: فأنت أعلم بحديث أبيك) * «٥» . ١٠-* (عن ثوبان- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات وهو بريء من ثلاث: الكبر والغلول والدّين دخل الجنّة» ) * «٦» . ١١-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فلمّا سرت أرسل في أثري فرددت فقال: «أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبنّ شيئا بغير إذني فإنّه غلول ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة، لهذا دعوتك فامض لعملك» ) * «٧» . ١٢-* (عن أبي المليح عن أبيه- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول» ) * «٨» . ١٣-* (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ رسول الله ﷺ قال: «يا أيّها النّاس أدّوا الخياط والمخيط فإنّ الغلول يكون على أهله عارا وشنارا «٩» يوم القيامة» ) * «١٠» .

стр. 5858

١٤-* (عن عبد الله بن حبشيّ الخثعميّ أنّ النّبيّ ﷺ سئل أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان لا شكّ فيه، وجهاد لا غلول فيه، وحجّة مبرورة» قيل: فأيّ الصّلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» . قيل: فأيّ الصّدقة أفضل؟ قال: «جهد المقلّ» . قيل: فأيّ الهجرة أفضل. قال: «من هجر ما حرّم الله » . قيل: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من جاهد المشركين بماله ونفسه» . قيل: فأيّ القتل أشرف؟ قال: «من أهريق دمه وعقر جواده» ) * «١» . ١٥-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: كان على ثقل «٢» النّبيّ ﷺ رجل يقال له كركرة فمات فقال النّبيّ ﷺ : «هو في النّار» فذهبوا ينظرون فوجدوا عليه كساء أو عباءة قد غلّها» ) * «٣» . ١٦-* (عن زيد بن خالد الجهنيّ- ﵁ قال «توفّي رجل من أشجع بخيبر فقال النّبيّ ﷺ : «صلّوا على صاحبكم» فأنكر النّاس ذلك وتغيّرت له وجوههم، فلمّا رأى ذلك قال: «إنّ صاحبكم غلّ في سبيل الله» . قال زيد فالتمسوا في متاعه، فإذا خرزات من خرز يهود ما تساوي درهمين» ) * «٤» . ١٧-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ يوم حنين إلى جنب بعير من المقاسم، ثمّ تناول شيئا من البعير فأخذ منه قردة (يعني وبرة) فجعل بين إصبعيه، ثمّ قال «يا أيّها النّاس إنّ هذا من غنائمكم، أدّوا الخيط والمخيط فما فوق ذلك فما دون ذلك، فإنّ الغلول عار على أهله يوم القيامة وشنار ونار» ) * «٥» . ١٨-* (عن عبد الله بن أنيس أنّه تذاكر هو وعمر بن الخطّاب يوما الصّدقة فقال عمر: ألم تسمع رسول الله ﷺ حين يذكر غلول الصّدقة «٦» «أنّه من غلّ منها بعيرا أو شاة أتي به «٧» يوم القيامة يحمله» ؟ قال: فقال عبد الله بن أنيس: بلى» ) * «٨» . ١٩-* (عن زيد بن ثابت- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «نضّر الله امرأ سمع مقالتي فبلّغها، فربّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» ، زاد فيه عليّ بن محمّد «ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب «٩» امريء مسلم: «إخلاص العمل لله، والنّصح لأئمّة المسلمين، ولزوم

стр. 5859

جماعتهم» ) * «١» . ٢٠- عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ﵄ قالا: إنّهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهنّ النّاس، وعلى أنّ بيننا عيبة «٢» مكفوفة وأنّه لا إسلال ولا إغلال» ) * «٣» . ٢١-* (عن أبي مسعود الأنصاريّ- ﵁ قال: بعثني النّبيّ ﷺ ساعيا، ثمّ قال «انطلق أبا مسعود لا ألفينّك يوم القيامة تجيء على ظهرك بعير من إبل الصّدقة له رغاء قد غللته» قال: إذا لا أنطلق، قال: «إذا لا أكرهك» ) * «٤» . ٢٢-* (عن المستورد بن شدّاد، قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادم فليكتسب خادما، فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا» قال: قال أبو بكر: أخبرت أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من اتّخذ غير ذلك فهو غالّ أو سارق» ) * «٥» . ٢٣-* (عن عبد الله بن شقيق أنّه أخبره من سمع النّبيّ ﷺ وهو بوادي القرى، وجاءه رجل فقال: استشهد مولاك أو قال: غلامك فلان، قال: بل يجرّ إلى النّار في عباءة غلّها» ) * «٦» . ٢٤-* (عن أبي مالك الأشجعيّ عن النّبيّ ﷺ قال: «أعظم الغلول عند الله ذراع من الأرض، تجدون الرّجلين جارين في الأرض أو في الدّار فيقتطع أحدهما من حظّ صاحبه ذراعا، فإذا اقتطعه طوّق من سبع أرضين إلى يوم القيامة» ) * «٧» . ٢٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيّتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلّا هجرا «٨» ، ولا يأتون الصّلاة إلّا دبرا «٩» مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون، خشب «١٠» باللّيل، صخب «١١» بالنّهار» وقال يزيد مرّة «سخب بالنّهار» ) * «١٢» .

стр. 5860

٢٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الإيمان عند الله إيمان لا شكّ فيه، وغزوة ليس فيها غلول وحجّة مبرورة» ) * «١» . ٢٧-* (عن أبي حميد السّاعديّ، أنّ رسول الله ﷺ قال: «هدايا العمّال غلول» ) * «٢» . ٢٨-* (عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله ﷺ قال: «انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا، ولا صغيرا، ولا امرأة، ولا تغلّوا، وضمّوا غنائمكم وأصلحوا، وأحسنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ*» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الغلول) ١-* (عن يحيى بن سعيد، أنّ أبا بكر الصّدّيق- ﵁ بعث جيوشا إلى الشّام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع من تلك الأرباع فزعموا أن يزيد قال لأبي بكر: إمّا أن تركب وإمّا أن أنزل. فقال أبو بكر: ما أنت بنازل وما أنا براكب. إنّي أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، ثمّ قال له: إنّك ستجد قوما زعموا أنّهم حبّسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنّهم حبّسوا أنفسهم له، وستجد قوما فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشّعر، فاضرب ما فحصوا عنه بالسّيف. وإنّي موصيك بعشر: لا تقتلنّ امرأة، ولا صبيّا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعنّ شجرا مثمرا، ولا تخرّبنّ عامرا، ولا تعقرنّ شاة، ولا بعيرا، إلّا لمأكلة، ولا تحرقنّ نخلا، ولا تفرّقنّه، ولا تغلل، ولا تجبن) * «٤» . ٢-* (عن يحيي بن سعيد، أنّه بلغه عن عبد الله ابن عبّاس- ﵄ أنّه قال: ما ظهر الغلول في قوم قطّ إلّا ألقي في قلوبهم الرّعب، ولا فشا الزّنا في قوم قطّ إلّا كثر فيهم الموت. ولا نقص قوم المكيال والميزان إلّا قطع عنهم الرّزق، ولا حكم قوم بغير الحقّ إلّا فشا فيهم الدّم، ولا ختر قوم «٥» بالعهد إلّا سلّط الله عليهم العدوّ) * «٦» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ

стр. 5861

رجلا قال له: أرأيت قول الله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ هذا يغلّ ألف درهم وألفي درهم يأتي بها، أرأيت من يغلّ مائة بعير ومائتي بعير، كيف يصنع بها؟ قال: أرأيت من كان ضرسه مثل أحد، وفخذه مثل ودقان، وساقه مثل بيضاء، ومجلسه ما بين الرّبذة إلى المدينة، ألا يحمل مثل هذا؟) * «١» . ٤-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: لو كنت مستحلّا من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير، ما من أحد يغلّ غلولا إلّا كلّف أن يأتي به من أسفل درك جهنّم) * «٢» . ٥-* (عن عمرو بن سالم قال: كان أصحابنا يقولون: عقوبة صاحب الغلول أن يحرق فسطاطه ومتاعه) * «٣» . ٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في تفسير قوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ (آل عمران/ ١٦١) ، قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر، فقال بعض النّاس: لعلّ رسول الله ﷺ أخذها، فأنزل الله الآية) * «٤» . ٧-* (وعنه أيضا- ﵁ في تفسير الآية نفسها قال: المعنى: أن يقسم لطائفة ولا يقسم لطائفة، ويجور في القسمة، ولكن يقسم بالعدل، ويأخذ فيه بأمر الله، ويحكم فيه بما أنزل الله، يقول: ما كان الله ليجعل نبيّا يغلّ من أصحابه فإذا فعل ذلك النّبيّ ﷺ استسنّوا به) * «٥» . ٨-* (عن ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- في الآية الكريمة نفسها وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ قال: أن يترك بعض ما أنزل إليه فلا يبلّغ أمّته) * «٦» . ٩-* (قال الضّحّاك: السّبب في نزول الآية الكريمة السّابقة أنّ رسول الله ﷺ بعث طلائع في بعض غزواته، ثمّ غنم قبل مجيئهم، فقسم للنّاس ولم يقسم للطّلائع، فأنزل الله عليه عتابا وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي يقسم لبعض ويترك بعضا) * «٧» . ١٠-* (وقال ابن عطيّة: كانت هذه المقالة (أي غلّ النّبيّ ﷺ من مؤمنين لم يظنّوا أنّ في ذلك حرجا، وقيل: كانت من المنافقين) * «٨» . ١١-* (وقال القرطبيّ في تفسير الآية الكريمة: لمّا أخلّ الرّماة يوم أحد بمراكزهم خوفا من أن يستولي المسلمون على الغنيمة فلا يصرف إليهم شيء، بيّن الله سبحانه أنّ النّبيّ ﷺ لا يجور في القسمة، والمعنى ما كان من حقّكم «أيّها الرّماة» أن تتّهموه «بالخيانة» ) * «٩» . ١٢-* (وقال في قوله تعالى وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ

стр. 5862

بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ المعنى: يأتي به حاملا له على ظهره ورقبته معذّبا بحمله وثقله ومرعوبا بصوته، وموبّخا بإظهار خيانته على رؤوس الأشهاد، وهذه الفضيحة الّتي يوقعها الله تعالى بالغالّ نظير الفضيحة الّتي توقع بالغادر في أن ينصب له لواء عند استه بقدر غدرته وجعل الله تعالى هذه المعاقبات حسبما يعهده البشر ويفهمونه) * «١» . ١٣-* (عن خمير بن مالك قال: لمّا أمر بالمصاحف أن تغيّر فقال ابن مسعود: من استطاع منكم أن يغلّ مصحفه فليغلّه فإنّه من غلّ شيئا جاء به يوم القيامة، ونعم الغلّ المصحف يأتي به أحدكم يوم القيامة* «٢» . ١٤-* (عن سعيد بن جبير- ﵁ في قوله أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ (آل عمران/ ١٦٢) يعني رضا الله فلم يغلل في الغنيمة كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ يعني كمن استوجب سخطا من الله في الغلول فليسا هما بسواء، ثمّ بيّن مستقرّها فقال للّذي يغلّ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني مصير أهل الغلول، ثمّ ذكر مستقرّ من لا يغلّ فقال هُمْ دَرَجاتٌ يعني فضائل عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ يعني بصير بمن غلّ منكم ومن لم يغلّ) * «٣» . ١٥-* (عن الضّحّاك في قوله في الآية نفسها أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ قال: من لم يغلّ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ كمن غلّ) * «٤» . ١٦-* (عن الحسن في قوله تعالى أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ يقول أخذ الحلال خير له ممّن أخذ الحرام وهذا في الغلول، وفي المظالم كلّها) * «٥» . ١٧-* (قال الإمام البخاريّ: لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا يقبل إلّا من كسب طيّب لقوله تعالى: قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) * «٦» . ١٨-* (ذكر ابن كثير- ﵀ في تفسيره: «غزا النّاس في زمن معاوية- ﵁ وعليهم عبد الرّحمن بن خالد بن الوليد، فغلّ رجل من المسلمين مائة دينار روميّة. فلمّا قفل الجيش ندم وأتى الأمير فأبى أن يقبلها منه وقال: قد تفرّق النّاس، ولن أقبلها منك حتّى تأتي الله بها يوم القيامة، فجعل الرّجل يستقري الصّحابة فيقولون له مثل ذلك، فلمّا قدم دمشق ذهب إلى معاوية ليقبلها منه فأبى عليه، فخرج من عنده يبكي، وبينما هو يبكي ويسترجع فمرّ بعبد الله بن الشّاعر السّكسكيّ فقال له: ما يبكيك؟ فذكر له أمره. فقال له: أو مطيعي أنت؟ فقال: نعم. فقال: اذهب إلى معاوية فقل له: اقبل منّي خمسك فادفع إليه عشرين دينارا وانظر إلى الثّمانين الباقية فتصدّق بها عن ذلك الجيش، فإنّ الله يقبل التّوبة عن

стр. 5863

عباده وهو أعلم بأسمائهم ومكانهم، ففعل الرّجل، فقال معاوية- ﵁: لأن أكون أفتيته بها أحبّ إليّ من كلّ شيء أملكه. أحسن الرّجل» ) * «١» . من مضار (الغلول) (١) الغلول من الكبائر الّتي يعاقب عليها في الآخرة أشدّ عقاب حتّى ليجيء الغالّ يحمل ما غلّه على ظهره يوم القيامة. (٢) الغالّ عقوبته الفضيحة في الدّنيا والآخرة. (٣) المداراة على الغلول يعاقب عليها بعقوبة الغلول نفسه. (٤) الغلول عار وشنار على صاحبه يوم القيامة. (٥) الغلول يفقد الثّقة بأصحابه، وقد حذّرنا المصطفى ﷺ من السّريّة الّتي تكون هذه صفتها. (٦) صدقة الغلول مرفوضة لا يقبلها الله . (٧) الغلول يبعد صاحبه من الجنّة. (٨) الغلول علامة من علامات النّفاق. (٩) الغلول يورث الكراهية ويضيع الحقوق. (١٠) الغلول من بيت المال وأموال الزّكاة يعطّل المصالح العامّة ويفقد الفقراء والمساكين جزءا من حقوقهم الّتي كفلها الشّارع الحكيم.

стр. 5864

الغي والإغواء الإغواء لغة: مصدر قولهم: أغواه يغويه، وهو مأخوذ من مادّة (غ وى) الّتي تدلّ على معنيين: الأوّل يدلّ على خلاف الرّشد وإظلام الأمر، والآخر على فساد في شيء، فمن الأوّل: الغيّ وهو خلاف الرّشد، والجهل بالأمر، والانهماك في الباطل، قال المرقّش: فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما قال ابن فارس: وذلك عندنا مشتقّ من الغياية وهي الغبرة والظّلمة تغشيان، كأنّ ذا الغيّ قد غشيه ما لا يرى معه سبيل حقّ ... ، ومن الثّاني قولهم: غوي الفصيل، إذا أكثر من شرب اللّبن ففسد جوفه، والمصدر الغوى، قال لبيد: معطّفة الأثناء ليس فصيلها ... برازئها درّا، ولا ميّت غوى «١» . وقال الجوهريّ: الغيّ: الضّلال والخيبة، يقال: قد غوى (بالفتح) يغوي غيّا وغواية، فهو غاو وغو، وأغواه غيره فهو غويّ، على وزن (فعيل) قال دريد بن الصّمّة: وهل أنا إلّا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزيّة أرشد والتّغاوي: التّجمّع والتّعاون على الشّرّ من الغواية أو الغيّ، ومن ذلك قول من قال: تغاووا على عثمان- ﵁ فقتلوه «٢» . وفي القاموس: يقال: غوى يغوي غيّا، وغوي غواية فهو غاو وغويّ وغيّان: أي ضلّ وغواه غيره وأغواه وغوّاه بمعنى «٣» . واستشهد ابن منظور على معنى (الضّلال) بما جاء في الحديث الشّريف: «سيكون عليكم أئمّة إن أطعتموهم غويتم» ، أي إن أطعتموهم فيما يأمرون به من الظّلم والمعاصي غويتم أي ضللتم، وعلى معنى الخيبة بما جاء في حديث آدم وموسى ﵉ «أغويت النّاس» أي خيّبتهم، وعلى معنى الفساد بما جاء في قول الله : وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (طه/ ١٢١) ، المعنى فسد عليه عيشه «٤» .

стр. 5865

وقيل: «غوى» أي ترك النّهي وأكل من الشّجرة فعوقب بأن طرد من الجنّة «١» . وقال القرطبيّ في تفسير هذه الآية الكريمة: فساد عيشه بنزوله إلى الدّنيا، وهذا التّفسير أولى من تأويل من يقول: معناه ضلّ آخذا له من الغيّ الّذي هو ضدّ الرّشد. وقيل معناه: جهل موضع رشده أي جهل أنّ تلك الشّجرة هي الّتي نهي عنها، واستحسن القرطبيّ قول من قال: إنّ هذا كان من آدم قبل النّبوّة «٢» . وقال الخليل بن أحمد: مصدر غوى: الغيّ، والغواية: الانهماك في الغيّ، والتّغاوي: التّجمّع، والمغوّاة: حفرة الصّيّاد «٣» ، والإغواء: الإضلال أو جعل الإنسان غاويا، وعلى هذين فسّر قوله تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (الأعراف/ ١٦) . فقد قيل في تفسيره قولان: قال بعضهم فبما أضللتني، وقال بعضهم: فبما دعوتني إلى شيء غويت به أي غويت من أجل آدم- ﵇ «٤» . وأضاف الطّبريّ إلى ذلك قول من قال: فبما أغويتني أي بما أهلكتني من قولهم غوي الفصيل يغوى غوى وذلك إذا فقد اللّبن فمات، وكان بعضهم يتأوّل ذلك أنّه بمعنى القسم كأنّ معناه عنده فبإغوائك إيّاي لأقعدنّ لهم صراطك المستقيم، وكان بعضهم يتأوّل ذلك بمعنى المجازاة كأنّ معناه عنده فلأنّك أغويتني «٥» ، وقال القرطبيّ: المعنى فبما أوقعت في قلبي من الغيّ والعناد والاستكبار، وذلك لأنّ كفر إبليس ليس كفر جهل، بل كفر عناد واستكبار «٦» ، وأمّا قوله : إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ (هود/ ٣٤) فقد قيل: معناه: أن يعاقبكم على غيّكم، وقيل يحكم عليكم بغيّكم «٧» . الغيّ والإغواء اصطلاحا: أولا: الغيّ: قال الرّاغب: الغيّ جهل من اعتقاد فاسد، وذلك أنّ الجهل قد يكون في كون الإنسان غير معتقد اعتقادا لا فاسدا ولا صالحا، وقد يكون من اعتقاد فاسد، وهذا النّحو الثّاني يقال له غيّ، قال تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (النجم/ ٢) «٨» . وقال المناويّ (نقلا عن الحراليّ) : الغيّ: سوء التّصرّف في الشّيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته «٩» . وقال ابن الأثير: الغيّ: هو الضّلال والانهماك

стр. 5866

في الباطل «١» . وقد يستعمل بعض علماء المصطلحات لفظ الغواية في معنى الغيّ، ومن ثمّ يكون ما ذكروه عن الغواية اصطلاحا صالحا لتعريف الغيّ أيضا، فمن ذلك: ما ذكره أبو البقاء الكفويّ من أنّ الغواية هي ألّا يكون (للغاوي) إلى المقصد طريق مستقيم «٢» . ما ذكره التّهانويّ من أنّ الغواية: هي سلوك طريق لا يوصّل إلى المطلوب، وقيل هي حالة تحصل للسّالك في سلوكه وهي كونه فاقدا لما يوصّله إلى المطلوب مخطئا فيه، فإنّها بمعنى الضّلالة وهي مقابلة للهدى بمعنى الاهتداء «٣» . ثانيا: الإغواء اصطلاحا: لم تذكر كتب الاصطلاحات الّتي وقفنا عليها تعريفا للإغواء ومن ثمّ يكون باقيا على أصل معناه في اللّغة، وقد نصّ على ذلك الإمام الطّبريّ عندما قال: أصل الإغواء في كلام العرب: تزيين الرّجل للّرجل الشّيء حتّى يحسّنه عنده غارّا له به «٤» ، وقال القرطبيّ: الإغواء: إيقاع الغيّ في القلب «٥» . ونستطيع في ضوء ما ذكره اللّغويّون والمفسّرون أن نسوق تعريفا للإغواء، فنقول: الإغواء: هو أن يزيّن شياطين الإنس أو الجنّ للمرء الشّيء الفاسد (عملا أو اعتقادا) حتّى يحسن عنده فيعتقد فيه اعتقادا باطلا بأنّه صحيح حسن، ويتصرّف تبعا لذلك. الفرق بين الغي والضلال: قال ابن كثير- رحمه الله تعالى-: الضّالّ: هو الّذي يسلك على غير طريق بغير علم، والغاوي: هو العالم بالحقّ العادل عنه قصدا إلى غيره «٦» . تدرّج الشيطان في الإغواء: قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى- ما خلاصته: على الإنسان أن ينظر فيمن يأمره بالمعصية ويحضّه عليها ويزيّنها له، وهو شيطانه الموكّل به، ويفيده هذا النّظر أن يتّخذه عدوّا، وأن يحترز منه، والانتباه لما يريده عدوّه وهو لا يشعر، لأنّ هذا الشّيطان يريد أن يظفر به في عقبة من سبع عقبات بعضها أصعب من بعض، وهو لا ينزل من العقبة الشّاقّة إلى ما دونها إلّا إذا عجز عن الظّفر به فيها، وهذه العقبات هي: العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله تعالى وبدينه ولقائه، وبصفات كماله وبما أخبرت به رسله عنه، فإن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح، وإن نجا الإنسان منها ببصيرة الهداية ونور اليقين طلبه في العقبة الّتي تليها وهي: العقبة الثّانية: وهي عقبة البدعة، إمّا باعتقاد خلاف الحقّ، وإمّا بالتّعمّد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والرّسوم المحدثة في الدّين وهي الّتي لا يقبل الله منها شيئا، والبدعة الأولى (اعتقاد الباطل) والثّانية

стр. 5867

(التعبّد بما لم يأذن به الله) متلازمان، قلّ أن تنفكّ إحداهما عن الأخرى. فإذا قطع الإنسان هذه البدعة بنور السّنّة طلبه الشّيطان في العقبة التّالية وهي: العقبة الثّالثة: وهي عقبة الكبائر، يزيّنها له ويحسّنها في عينه، ويقول له: الإيمان هو نفس التّصديق فلا تقدح فيه الأعمال «١» . وربّما أجرى على لسانه وأذنه كلمة طالما أهلك بها الخلق، وهي قوله: «لا يضرّ مع التّوحيد ذنب، كما لا ينفع مع الشّرك حسنة» فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله، أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه في العقبة التّالية وهي: العقبة الرّابعة: وهي عقبة الصّغائر، يكيل له منها بالقفزان «٢» ويقول له: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللّمم «٣» فهذه تكفّر باجتناب الكبائر وبالحسنات، ولا يزال يهوّن عليه أمرها حتّى يصرّ عليها، والإصرار على الذّنب أقبح منه إذ لا كبيرة مع التّوبة ولا صغيرة مع الإصرار، فإن نجا من هذه العقبة بالتّحرّز والتّحفّظ ودوام التّوبة والاستغفار وإتباع السّيّئة الحسنة، طلبه في العقبة التّالية وهي: العقبة الخامسة: وهي عقبة المباحات الّتي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطّاعات، ويستدرجه من ذلك إلى ترك السّنن ثمّ من ترك السّنن إلى ترك الواجبات، فإن نجا من هذه ببصيرة تامّة ونور هاد، ومعرفة بقدر الطّاعات والاستكثار منها طلبه في العقبة التّالية، وهي: العقبة السّادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطّاعات، يأمره بها ويحسّنها في عينه ويغريه بها ليشغله عمّا هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا، وأصحاب هذه العقبة قليلون والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات السّابقة، فإن نجا منها بفقه في الأعمال ومراتبها عند الله، ومنازلها في الفضل، والتّمييز بين عاليها وسافلها، لأنّه من أهل البصائر والصّدق من ذوي العلم السّائرين على جادّة التّوفيق، فإن كان من النّاجين من هذه طلبه في العقبة الّتي تليها وهي: العقبة السّابعة: وهي عقبة تسليط جنده عليه بأنواع الأذى باليد واللّسان والقلب على حسب مرتبته في الخير، إذ كلّما علت مرتبته أجلب عليه الشّيطان بخيله ورجله، وسلّط عليه حزبه بأنواع التّسليط، ولا نجاة من هذه العقبة إلّا بعبوديّة المراغمة ولا ينتبه لها إلّا أولو البصائر، ولا شيء أحبّ إلى الله من مراغمة وليّه لعدوّه، ومن تعبّده سبحانه بمراغمة عدوّه فقد أخذ من الصّدّيقيّة بسهم وافر «٤» . من معاني الغيّ والإغواء في القرآن الكريم: ١- الإغواء بمعنى إيقاع الغيّ في القلب، ومنه قوله تعالى: قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ

стр. 5868

الْمُسْتَقِيمَ (الأعراف/ ١٦) «١» . ٢- الإغواء بمعنى الإهلاك، وذلك في قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (مريم/ ٥) . قال القرطبيّ: غيّا أي هلاكا «٢» . ٣- الإضلال والإبعاد، قاله ابن عبّاس في تفسير قوله تعالى (في الأعراف/ ١٦) : فَبِما أَغْوَيْتَنِي «٣» . ٤- الغيّ بمعنى الجهل والسّفه، وذلك كما في قوله تعالى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (الأعراف/ ٢٠٢) «٤» . ومنه أيضا قوله سبحانه: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (النجم/ ٢) أي وما جهل «٥» . ٥- الغيّ بمعنى الفساد ومنه قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (طه/ ١٢١) أي فسد عيشه فى الجنّة «٦» . ٦- الغيّ واد في جهنّم، قاله ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، قال القرطبيّ: والأظهر أنّ الغيّ اسم للوادي سمّي به لأنّ الغاوين يصيرون إليه «٧» . ٧- الغيّ هو الشّرّ والخسران، نقل ذلك ابن كثير عن ابن عبّاس وقتادة في تفسير الآية السّابقة «٨» . إنّه لمّا كان القرآن الكريم حمّالا ذا وجوه فإنّ الآية الواحدة قد يكون لها أكثر من معنى وتحمل أكثر من وجه، وسنحاول تصنيف الآيات وفقا لأشهر ما قيل فيها. [للاستزادة: انظر صفات: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف- الفتنة- الضلال- الفجور- اتباع الهوى- التفريط والإفراط- التبرج. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- الإرشاد- الإنذار- التذكير- الدعوة إلى الله- الهدى- الوعظ- غض البصر- حفظ الفرج] .

стр. 5869

الآيات الواردة في «الغي والإغواء» أولا: الغي بمعنى العدول عن الحق مع العلم به: ١- لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) «١» ٢- سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ (١٤٦) «٢» ٣- وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) «٣» ٤- إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (٢٠٢) «٤» ٥- إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) «٥» ٦- وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) «٦» ٧- فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) «٧» ثانيا: الغي بمعنى الهلاك (أو واد في جهنم) : ٨- وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ

стр. 5870

إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) «١» ٩- فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) «٢» ثالثا: الإغواء الإضلال (مصحوبا بعلم) : ١٠- قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) «٣» ١١- قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) «٤» ١٢- قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) «٥» ١٣- فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) «٦» ١٤- قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥) «٧» رابعا: الغي بمعنى الجهل أو الفساد: ١٥- فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) «٨» خامسا: جزاء الغي: ١٦- وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) «٩» سادسا: نفي الغي عن النبي ﷺ : ١٧- وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) «١٠»

стр. 5871

الآيات الواردة في «الغي والإغواء» معنى ١٨- وَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) «١» ١٩- إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) «٢» ٢٠- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨) «٣» ٢١- اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧) «٤» ٢٢- الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) «٥» ٢٣- الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) «٦» ٢٤- إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) «٧» ٢٥- إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) «٨»

стр. 5872

٢٦- الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (٣٨) «١» ٢٧- أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) «٢» ٢٨- وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) «٣» ٢٩- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) «٤» ٣٠- فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) «٥»

стр. 5873

٣١- وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨) «١» ٣٢- وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣) «٢» ٣٣- وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) «٣» ٣٤- وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) «٤» ٣٥- ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ (١٧) قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) وَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ (٢٠) وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) «٥» ٣٦- يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧) وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٢٨) «٦» ٣٧-* وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥) «٧» ٣٨- وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) «٨» وانظر أيضا الآيات الواردة في صفة الضلال

стр. 5874

الأحاديث الواردة في ذمّ (الغي والإغواء) ١-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «إنّ إبليس قال لربّه : وعزّتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال له ربّه : فبعزّتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني» ) * «١» . ٢-* (وعنه أيضا- ﵁ في رواية أخرى عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «قال إبليس: أي ربّ، لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال: فقال الرّبّ : لا أزال أغفر لهم ما استغفروني» ) * «٢» . ٣-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «يكون خلف من بعد ستّين سنة أضاعوا الصّلاة واتّبعوا الشّهوات فسوف يلقون غيّا، ثمّ يكون خلف يقرؤون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق وفاجر» ، قال بشير: فقلت للوليد «٣» : ما هؤلاء الثّلاثة؟ فقال: المنافق كافر به، والفاجر يتأكّل به، والمؤمن يؤمن به» ) * «٤» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة أسري بي رأيت موسى، وإذا هو رجل ضرب «٥» رجل «٦» كأنّه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى فإذا هو رجل ربعة أحمر كأنّه خرج من ديماس «٧» ، وأنا أشبه ولد إبراهيم ﷺ به، ثمّ أتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، فقال: اشرب أيّهما شئت، فأخذت اللّبن فشربته، فقيل: أخذت الفطرة، أما إنّك لو أخذت الخمر غوت أمّتك» ) * «٨» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «احتجّ آدم وموسى ﵉ عند ربّهما فحجّ آدم موسى «٩» . قال موسى: أنت آدم الّذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنّته، ثمّ أهبطت النّاس بخطيئتك إلى الأرض، فقال آدم: أنت موسى الّذي

стр. 5875

اصطفاك الله برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كلّ شيء، وقرّبك نجيّا، فبكم وجدت الله كتب التّوراة قبل أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (طه/ ١٢١) ، قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟، قال رسول الله ﷺ : فحجّ آدم موسى» ) * «١» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «تحاجّ آدم وموسى، فحجّ آدم موسى، فقال له موسى: أنت آدم «٢» الّذي أغويت النّاس وأخرجتهم من الجنّة؟، فقال آدم: أنت الّذي أعطاه الله علم كلّ شيء واصطفاه على النّاس برسالته؟، قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قدّر عليّ قبل أن أخلق؟» ) * «٣» . ٧-* (عن عديّ بن حاتم- ﵁ أنّ رجلا خطب عند النّبيّ ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : «بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعص الله ورسوله» . قال ابن نمير: فقد غوي «٤» ) * «٥» . ٨-* (عن أبي برزة الأسلميّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّ ممّا أخشى عليكم شهوات الغيّ في بطونكم وفروجكم، ومضلّات الهوى» ، وفي رواية أخرى «ومضلّات الفتن» ) * «٦» . ٩-* (عن بهز بن حكيم- ﵁ عن أبيه عن جدّه، أنّ أباه أو عمّه قام إلى النّبيّ ﷺ فقال: جيراني بم أخذوا «٧» ؟ فأعرض عنه، ثمّ قال: أخبرني بم أخذوا؟ فأعرض عنه، فقال: لئن قلت ذاك، إنّهم يزعمون أنّك تنهى عن الغيّ وتستخلي به «٨» . فقال النّبيّ ﷺ ما قال «٩» . فقام أخوه أو ابن أخيه فقال: يا رسول الله إنّه قال (كذا) ، فقال: «لقد قلتموها- أو قائلها منكم- ولئن كنت أفعل ذلك، إنّه لعليّ، وما هو عليكم، خلّوا له عن جيرانه» ) * «١٠» . ١٠-* (عن ربيعة بن عبّاد الدّيليّ- ﵁ قال: رأيت أبا لهب بعكاظ وهو يتّبع رسول الله ﷺ ، وهو يقول: إنّ هذا قد غوى فلا يغوينّكم «١١»

стр. 5876

عن آلهة آبائكم، ورسول الله ﷺ يفرّ منه وهو على أثره ونحن نتّبعه ... الحديث) * «١» . ١١-* (عن نضلة بن طريف- ﵁ أنّ رجلا منهم يقال له: الأعشى، واسمه عبد الله ابن الأعور، كانت عنده امرأة يقال لها معاذة، خرج في رجب يمير أهله «٢» من هجر، فهربت امرأته بعده، ناشزا عليه «٣» ، فعاذت برجل منهم يقال له مطرّف بن بهصل (الحرمازيّ) ، فجعلها خلف ظهره، فلمّا قدم ولم يجدها في بيته، وأخبر أنّها نشزت عليه، وأنّها عاذت بمطرّف بن بهصل، أتاه، فقال: يابن عمّ، أعندك امرأتي معاذة؟ فادفعها إليّ، قال: ليست عندي، ولو كانت عندي لم أدفعها إليك، قال: وكان مطرّف أعزّ منه، فخرج حتّى أتى النّبيّ ﷺ فعاذ به وأنشأ يقول: يا سيّد النّاس وديّان العرب «٤» ... إليك أشكوا ذربة من الذّرب «٥» كالذّئبة الغبشاء في ظلّ السّرب «٦» ... خرجت أبغيها الطّعام في رجب فخلّفتني «٧» بنزاع وهرب ... أخلفت العهد ولطّت بالذّنب «٨» وقذفتني بين عيص مؤتشب «٩» ... وهنّ شرّ غالب لمن غلب فقال النّبيّ ﷺ : «وهنّ شرّ غالب لمن غلب» . فشكا إليه امرأته وما صنعت به، وأنّها عند رجل منهم اسمه مطرّف بن بهصل، فكتب له النّبيّ ﷺ : «إلى مطرّف، انظر امرأة هذا (معاذة) ، فادفعها إليه» ، فأتاه كتاب النّبيّ ﷺ ، فقرىء عليه، فقال لها: يا معاذة، هذا كتاب النّبيّ ﷺ فيك، فأنا دافعك إليه، قالت: خذ لي عليه العهد والميثاق وذمّة نبيّه: لا يعاقبني فيما صنعت، فأخذ لها ذاك عليه، ودفعها مطرّف إليه، فأنشأ يقول: لعمرك ما حبّي معاذة بالّذي ... يغيّره الواشي ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أزالها ... غواة الرّجال، إذ يناجونها بعدي) * «١٠» .

стр. 5877

من الأحاديث الواردة في ذمّ (الغي والإغواء) معنى ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يأتي الشّيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا وكذا؟ حتّى يقول له: من خلق ربّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته) * «١» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «إذا نودي بالصّلاة أدبر الشّيطان وله ضراط، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوّب بها «٢» أدبر، فإذا قضي أقبل، حتّى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا، حتّى لا يدري أثلاثا صلّى أم أربعا، فإذا لم يدر أثلاثا صلّى أو أربعا سجد سجدتي السّهو) * «٣» . ١٤-* (عن عائشة- ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: «الملائكة تتحدّث في العنان (والعنان: الغمام) بالأمر يكون في الأرض، فتستمع الشّياطين الكلمة فتقرّها «٤» في أذن الكاهن كما تقرّ القارورة، فيزيدون معها مائة كذبة) * «٥» . ١٥-* (عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه- ﵃ أنّ رسول الله ﷺ قال: «شبه العمد مغلّظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه» ، قال: وزادنا خليل عن ابن راشد: وذلك أنّ الشّيطان ينزو بين النّاس فتكون دماء في عميّا «٦» . في غير ضغينة ولا حمل سلاح) * «٧» . ١٦-* (عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ إبليس يضع عرشه على الماء، ثمّ يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئا، قال: ثمّ يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتّى فرّقت بينه وبين امرأته، قال: فيدنيه منه ويقول: نعم أنت» ) * «٨» . ١٧-* (وعن جابر أيضا، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الشّيطان قد أيس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب ولكن في التّحريش «٩» بينهم» ) * «١٠» . ١٨-* (عن فضالة بن عبيد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة

стр. 5878

الدّنيا فتبرّجت بعده، فلا تسأل عنهم» ) * «١» . ١٩-* (عن عليّ بن حسين- ﵄ عن صفيّة بنت حييّ قالت: كان النّبيّ ﷺ معتكفا، فأتيته أزوره ليلا، فحدّثته، ثمّ قمت لأنقلب «٢» فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد، فمرّ رجلان من الأنصار، فلمّا رأيا النّبيّ ﷺ أسرعا، فقال النّبيّ ﷺ : «على رسلكما «٣» ، إنّها صفيّة بنت حييّ» فقالا: سبحان الله! يا رسول الله. قال ﷺ : «إنّ الشّيطان يجري من الإنسان مجرى الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شرّا، أو قال: شيئا «٤» » ) * «٥» . ٢٠-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا، ولا تسرقي، ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تتبرّجي تبرّج الجاهليّة الأولى» ) * «٦» . ٢١-* (عن عياض بن حمار المجاشعيّ- ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «ألا إنّ ربّي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني يومي هذا. كلّ مال نحلته عبدا حلال «٧» . وإنّي خلقت عبادي حنفاء «٨» كلّهم. وإنّهم أتتهم الشّياطين فاجتالتهم «٩» عن دينهم. وحرّمت عليهم ما أحللت لهم. وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا. وإنّ الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم «١٠» ، عربهم وعجمهم، إلّا بقايا من أهل الكتاب «١١» . وقال: إنّما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك. وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء «١٢» . تقرؤه نائما ويقظان. وإنّ الله أمرني أن أحرّق قريشا. فقلت: ربّ إذا يثلغوا «١٣» رأسي

стр. 5879

فيدعوه خبزة. قال: استخرجهم كما استخرجوك. واغزهم نغزك «١» ، وأنفق فسننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسة مثله. وقاتل بمن أطاعك من عصاك. قال: وأهل الجنّة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدّق موفّق. ورجل رحيم رقيق القلب لكلّ ذي قربى، ومسلم. وعفيف متعفّف ذو عيال. قال: وأهل النّار خمسة: الضّعيف الّذي لا زبر له «٢» ، الّذين هم فيكم تبعا لا يتبعون أهلا ولا مالا. والخائن الّذي لا يخفى له طمع. وإن دقّ إلّا خانه. ورجل لا يصبح ولا يمسي إلّا وهو يخادعك عن أهلك ومالك» . وذكر البخل أو الكذب، «والشّنظير «٣» الفحّاش» ) * «٤» . ٢٢-* (عن المقداد- ﵁ قال: أقبلت أنا وصاحبان لي وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد «٥» . فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ فليس أحد منهم يقبلنا «٦» . فأتينا النّبيّ ﷺ فانطلق بنا إلى أهله. فإذا ثلاثة أعنز، فقال النّبيّ ﷺ : «احتلبوا هذا اللّبن بيننا» قال: فكنّا نحتلب، فيشرب كلّ إنسان منّا نصيبه. ونرفع للنّبيّ ﷺ نصيبه، قال: فيجيء من اللّيل، فيسلّم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان. قال: ثمّ يأتي المسجد، فيصلّي، ثمّ يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشّيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي فقال: محمّد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم. ما به حاجة إلى هذه الجرعة «٧» . فأتيتها فشربتها. فلمّا أن وغلت «٨» في بطني، وعلمت أنّه ليس إليها سبيل. قال: ندّمني الشّيطان، فقال: ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمّد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك. فتذهب دنياك وآخرتك. وعليّ شملة إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي. وجعل لا يجيئني النّوم، وأمّا صاحباي فناما، ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النّبيّ ﷺ فسلّم كما كان يسلّم، ثمّ أتى المسجد فصلّى، ثمّ أتى شرابه فكشف عنه، فلم يجد فيه شيئا. فرفع رأسه إلى السّماء فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك فقال «اللهمّ أطعم من أطعمني، وأسق من أسقاني» قال: فعمدت إلى الشّملة فشددتها عليّ وأخذت الشّفرة، فانطلقت إلى الأعنز أيّها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ فإذا هي حافلة «٩» وإذا هنّ حفّل كلّهنّ، فعمدت إلى إناء لآل

стр. 5880

محمّد ﷺ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه. قال: فحلبت فيه حتّى علته رغوة «١» فجئت إلى رسول الله ﷺ فقال: أشربتم شرابكم اللّيلة؟ قال: قلت يا رسول الله؛ اشرب. فشرب ثمّ ناولني. فقلت: يا رسول الله؛ اشرب. فشرب ثمّ ناولني. فلمّا عرفت «٢» أنّ النّبيّ ﷺ قد روي وأصبت دعوته ضحكت حتّى ألقيت إلى الأرض. قال: فقال النّبيّ ﷺ : «إحدى سوءاتك «٣» يا مقداد» فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا وفعلت كذا. فقال النّبيّ ﷺ : «ما هذه إلّا رحمة من الله «٤» . أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها» . قال: فقلت: والّذي بعثك بالحقّ ما أبالي إذا أصبتها، وأصبتها معك من أصابها من النّاس» «٥» . وفي رواية أحمد «فأتاني الشّيطان ذات ليلة فقال: محمّد يأتي الأنصار فيتحفونه ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة فاشربها، قال (المقداد) فما زال يزيّن لي حتّى شربتها ... الحديث) * «٦» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الغي والإغواء) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: صارت الأوثان الّتي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أمّا ودّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأمّا سواع فكانت لهذيل، وأمّا يغوث فكانت لمراد، ثمّ لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأمّا يعوق فكانت لهمدان، وأمّا نسر فكانت لحمير لآل ذي الطّلاع «٧» . أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمّا هلكوا أوحى الشّيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم الّتي كانوا يجلسون أنصابا، وسمّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد، حتّى إذا هلك أولئك وتنسّخ «٨» العلم عبدت) * «٩» .

стр. 5881

٢-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ قال: إنّ من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتّى يأخذه المؤمن والمنافق، والرّجل والمرأة، والصّغير والكبير، والحرّ والعبد، فيوشك قائل أن يقول: ما للنّاس لا يتّبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتّبعيّ حتّى أبتدع لهم غيره، فإيّاكم وما ابتدع، فإنّ ما ابتدع ضلالة، وأحذّركم زيغة الحكيم، فإنّ الشّيطان قد يقول كلمة الضّلالة على لسان الحكيم) * «١» . ٣-* (قال ابن زيد في تفسير قوله تعالى: فَبِما أَغْوَيْتَنِي (الأعراف/ ١٦) المعنى: فبما أضللتني) * «٢» . ٤-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في تفسير قوله تعالى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (الأعراف/ ٢٠٢) هم الجنّ يوحون لأوليائهم من الإنس ثمّ لا يسأمون) * «٣» . ٥-* (وقال الطّبريّ في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ* وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ (الأعراف/ ٢٠١- ٢٠٢) هذا خبر من الله تعالى عن فريقي الإيمان والكفر بأنّ فريق الإيمان وأهل تقوى الله إذا استزلّهم الشّيطان تذكّروا عظمة الله وعقابه فكفّتهم رهبته عن معاصيه، وأنّ فريق الكافرين يزيدهم الشّيطان غيّا إلى غيّهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله تعالى، ولا يحجزهم تقوى الله وخوف المعاد منه عن التّمادي فيها والزّيادة منها، فهم أبدا في زيادة من ركوب الإثم والشّيطان يزيدهم أبدا، لا يقصر الإنسيّ عن شيء من ركوب الفواحش، ولا الشّيطان من مدّه منه) * «٤» . ٦-* (وقال الطّبريّ في تفسير قوله تعالى: فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (الأعراف/ ١٧٥) قوله تعالى: فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ يقول: فكان من الهالكين لضلاله وخلافه أمر ربّه وطاعة الشّيطان) * «٥» . ٧-* (عن ابن زيد- ﵁ في قوله تعالى: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (مريم/ ٥٩) يعني: شرّا أو ضلالا أو خيبة. ومن ذلك قول الشّاعر: فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما) * «٦» . ٨-* (وعن ابن عبّاس- ﵄ غيّ واد في جهنّم وإنّ أودية جهنّم لتستعيذ من حرّه أعدّه الله للزّاني المصرّ على الزّنا، ولشارب الخمر المدمن عليه، ولآكل الرّبا الّذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزّور، ولامرأة أدخلت على زوجها ولدا ليس منه) * «٧» . ٩-* (وعن عبد الله بن مسعود- رضي الله

стр. 5882

عنه- الغيّ (في الآية السّابقة) واد في جهنّم بعيد القعر خبيث الطّعم) * «١» . ١٠-* (وعن كعب- ﵁ قال (في الآية نفسها) : غيّ: واد في جهنّم أبعدها قعرا، وأشدّها حرّا، فيه بئر يسمّى البهيم، كلّما خبت نار جهنّم فتح الله تعالى تلك البئر فتسعر بها جهنّم) * «٢» . ١١-* (حكى النّقّاش- واختاره القشيريّ- في قوله تعالى: وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (طه/ ١٢١) أي فسد عليه أمره أي فسد عيشه بنزوله إلى الحياة الدّنيا، قال القرطبيّ: وهو تأويل حسن، وقيل معناه جهل موضع رشده، أي جهل أنّ تلك الشّجرة هي الّتي نهي عنها «٣» ، وقال القشيريّ: يقال عصى آدم وغوى ولا يقال له عاص ولا غاو كما أنّ من خاط مرّة يقال له (خاط) ولا يقال له خيّاط ما لم تتكرّر منه الخياطة، قال القرطبيّ: وما أضيف من هذا إلى الأنبياء فإمّا أن تكون صغائر، أو ترك الأولى، أو قبل النبوّة) * «٤» . ١٢-* (عن قتادة والحسن والضّحّاك في تفسير قوله تعالى: وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ (الأعراف/ ٢٠٢) المعنى وإخوان الشّياطين وهم الفجّار من ضلّال الإنس، تمدّهم الشّياطين في الغيّ، وقيل للفجّار إخوان الشّياطين لأنّهم يقبلون منهم، قال القرطبيّ، وهذا أحسن ما قيل في الآية) * «٥» . ١٣-* (روي أنّ طاووسا جاءه رجل في المسجد الحرام، وكان متّهما بالقدر، وكان من الفقهاء الكبار، فجلس إليه، فقال له طاووس: تقوم أو تقام؟ فقيل لطاووس: تقول هذا لرجل فقيه؟ فقال: إبليس أفقه منه، يقول إبليس: رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي (الحجر/ ٣٩) ويقول هذا: أنا أغوي نفسي) * «٦» . ١٤-* (قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى: فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (الأعراف/ ١٦) : المعنى: فبما أوقعت في قلبي من الغيّ والعناد والاستكبار، وهذا لأنّ كفر إبليس- لعنه الله- ليس كفر جهل، بل هو كفر عناد واستكبار «٧» ، وقيل معنى الكلام هو القسم أي (فبحقّ) إغوائك إيّاي لأقعدنّ لهم على صراطك أو في صراطك «٨» ، ودليل هذا القول قوله في سورة (ص/ ٨٢) فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (ص/ ٨٢) وكأنّ إبليس أعظم قدر إغواء الله إيّاه لما فيه من التّسليط على العباد، فأقسم به إعظاما لقدره عنده «٩» ، وقيل الباء بمعنى اللّام «١٠» كأنّه قال:

стр. 5883

فلأغوائك إيّاي «١» ، وقيل غير ذلك. ١٥-* (قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (النجم/ ٢) شهادة للرّسول ﷺ بأنّه راشد تابع للحقّ ليس بضالّ ولا غاو، والغاوي هو العالم بالحقّ العادل عنه قصدا إلى غيره، فنزّه الله رسوله وشرعه عن المشابهة كالنّصارى، وأهل الغيّ كاليهود لأنّهم كانوا يعلمون الشّيء ويكتمونه ويعملون بخلافه. وإنّما كان صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك ما بعثه الله به من الشّرع الحكيم في غاية الاستقامة والاعتدال والسّداد) * «٢» . من مضار (الغي والإغواء) (١) الغيّ مهلك للإنسان مغضب للرّحمن. (٢) الغيّ يجعل صاحبه من أعوان الشّيطان وجنوده المخلصين. (٣) جهنّم- والعياذ بالله تعالى- موعد الغاوين، ولا يجدون عنها محيصا. (٤) الغواة والمغوون والشّياطين قرناء في الدّنيا والآخرة. (٥) الّذين يغوون النّاس ويزيّنون لهم المعاصي يفسدون المجتمع ويشيعون فيه الفوضى والاضطراب. (٦) من الإغواء الشّيطانيّ ما يهدم الأسر المستقرّة ويفرّق بين الرّجل وزوجه (الحديث رقم ١٦) . (٧) النّساء اللّاتي يغوين الرّجال بالملابس الخليعة ونحو ذلك يفقدن بهاء الإيمان ويبعثن يوم القيامة ولا نور لهنّ (الحديث رقم ٢٠) . (٨) الإغواء يجعل صاحبه من أهل جهنّم وساءت مصيرا. (٩) الغاوي يضلّ النّاس عن دينهم ويحسّن لأهل البدع والأهواء أهواءهم، فيحسبون أنّهم يحسنون صنعا، وهم الأخسرون أعمالا. (١٠) الغيّ والإغواء تضييع للفرد وللأسرة وللمجتمع كلّه لما فيه من صرف الهمم عن صالح الأعمال إلى سيّئها، ومن البناء إلى الهدم. (١١) الإغواء أقوى أسلحة المفسدين من شياطين الإنس والجنّ الّتي يجيدون استخدامها ضدّ الأفرد والجماعات والأمم فينهكون قواها ويدمّرون استقرارها ويعبثون بمقدّراتها.

стр. 5884

الغيبة الغيبة لغة: الغيبة هي الاسم من الاغتياب وهو مأخوذ من مادّة (غ ي ب) الّتي تدلّ على السّتر، يقول ابن فارس: «الغين والياء والباء» أصل صحيح يدلّ على تستّر الشّيء عن العيون ثمّ يقاس من ذلك الغيب: ما غاب ممّا لا يعلمه إلّا الله. ويقال: غابت الشّمس تغيب غيبة وغيوبا وغيبا. وغاب الرّجل عن بلده، وأغابت المرأة فهي مغيبة، إذا غاب بعلها ... والغيبة: الوقيعة في النّاس من هذا، لأنّها لا تقال إلّا في غيبة، وتغيّب مثل غاب، ويتعدّى بالتّضعيف فيقال غيّبته، وهو التّواري في المغيب، واغتابه اغتيابا إذا ذكره بما يكره من العيوب، والاسم الغيبة، فإن كان باطلا فهو الغيبة في بهت. وجعل الرّاغب أصل المادّة الاستتار عن العين فيقول: «والغيب مصدر غابت الشّمس وغيرها إذا استترت عن العين، يقال: غاب عنّي كذا، قال تعالى: أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (النمل/ ٢٠) واستعمل في كلّ غائب عن الحاسّة، وعمّا يغيب عن علم الإنسان بمعنى الغائب، والغيب في قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (البقرة/ ٣) ما لا يقع تحت الحواسّ، ولا تقتضيه بداية العقول «وإنّما يعلم بخبر الأنبياء- ﵈ وبدفعه يقع على الإنسان اسم الإلحاد «١» » والغيب: الشّكّ، وجمعه غياب وغيوب، والغيب أيضا ما غاب عن العيون، وإن كان محصّلا في القلوب ... وكلّ مكان لا يدرى ما فيه، فهو غيب، وكذلك الموضع الّذي لا يدرى ما وراءه، وجمعه غيوب. والمغايبة خلاف المخاطبة، يقال: اغتاب الرّجل صاحبه اغتيابا إذا وقع فيه، وهو أن يتكلّم خلف إنسان مستور بسوء، أو بما يغمّه لو سمعه وإن كان فيه، فإن كان صادقا، فهو غيبة، وإن كان كاذبا فهو البهت والبهتان، كذلك جاء عن النّبيّ ﷺ ، ولا يكون ذلك إلّا من ورائه. والاسم: الغيبة، وفي التّنزيل العزيز: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً (الحجرات/ ١٢) . أي لا يتناول رجلا بظهر الغيب بما يسوؤه ممّا هو فيه. وروي عن بعضهم أنّه سمع: غابه يغيبه إذا عابه، وذكر منه ما يسوؤه. قال ابن الأعرابيّ: غاب إذا اغتاب. وغاب إذا ذكر إنسانا بخير أو شرّ، والغيبة: فعلة منه، تكون حسنة وقبيحة «٢» .

стр. 5885

واصطلاحا: قال الجرجانيّ: الغيبة: ذكر مساوىء الإنسان في غيبته وهي فيه «١» . وقال المناويّ: الغيبة: أن تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه فقد اغتبته ... ، قال: ومن أحسن تعاريفها «ذكر العيب بظهر الغيب» «٢» . وقال الكفويّ: أن يتكلّم خلف إنسان مستور بكلام هو فيه «٣» . وقال التّهانويّ: الغيبة: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، سواء ذكرت نقصانا في بدنه أو في لبسه، أو في خلقه، أو في فعله، أو في قوله، أو في دينه، أو في دنياه، أو في ولده، أو في ثوبه، أو في داره، أو في دابّته. قال: ولا تقتصر الغيبة على القول، بل تجري أيضا في الفعل كالحركة والإشارة والكناية، لما ورد عن عائشة- ﵂ أنّها أشارت بيدها إلى امرأة أنّها قصيرة فقال ﷺ : «اغتبتها» والتّصديق بالغيبة غيبة «٤» . قال ابن حجر: هي ذكر المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك في بدن الشّخص أو دينه أو دنياه، أو نفسه أو خلقه أو ماله. وقال الرّاغب: هي أن يذكر الإنسان عيب غيره من غير محوج إلى ذكر ذلك. وقال ابن الأثير: الغيبة أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه. وقال ابن التّين: الغيبة ذكر المرء ما يكرهه بظهر الغيب «٥» . أسباب الغيبة وبواعثها: قال الغزاليّ- ﵀: للغيبة أسباب وبواعث، وفيما يلي خلاصتها: ١- شفاء المغتاب غيظه بذكر مساوىء من يغتابه. ٢- مجاملة الأقران والرّفاق ومشاركتهم فيما يخوضون فيه من الغيبة. ٣- ظنّ المغتاب في غيره ظنّا سيّئا مدعاة إلى الغيبة. ٤- أن يبرّىء المغتاب نفسه من شيء وينسبه إلى غيره أو يذكر غيره بأنّه مشارك له. ٥- رفع النّفس وتزكيتها بتنقيص الغير. ٦- حسد من يثني عليه النّاس ويذكرونه بخير. ٧- الاستهزاء والسّخرية وتحقير الآخرين «٦» . الفرق بين الغيبة والبهتان والشتم: قال الجرجانيّ: الغيبة ذكر مساوىء الإنسان الّتي فيه في غيبة. والبهتان ذكر مساوىء للإنسان، وهي ليست فيه «٧» . والشّتم: ذكر المساوىء في مواجهة المقول فيه. وإلى هذا ذهب كلّ من المناويّ والكفويّ «٨» . حكم الغيبة: عدّ الإمام ابن حجر الغيبة من الكبائر وقال: الّذي دلّت عليه الدّلائل الكثيرة الصّحيحة الظّاهرة
следующие страницы →